تجاوز إلى المحتوى

كتاب الصلاة - ١٩

درس صوتي · ٩٦:٢٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

التفريغ النصي للشريط رقم (١٩)

٠٠:٠٠:٠٠

فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» ، فأضاف الخطايا إلى نفسِه، وقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» ، وقال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩]، وقال الله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢]، ولكن الشأن كلُّ الشأن هل هذه الذُّنوب تبقى؟ الجواب: لا، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ مِن الإِقرارِ على الذَّنبِ، معصومٌ مِن ذلك، بخلاف غيره، فإنه يُذنب، وقد يُقَرُّ على ذلك ويستمرُّ في معصيته، وقد لا يُغفر له، أما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فإنه مغفور له الذنب، ولا يقر عليه، عليه الصلاة والسلام، بل لا بُدَّ أن يُنبَّه عليه مهما كان الأمر: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم: ١]. هذا هو فَصْلُ الخطاب في هذه المسألة التي تنازعَ النَّاسُ فيها، لكن هناك شيء معين مِن الذنوب لا شَكَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ منه، وهو الكذبُ والخيانة؛ لأنه لو قيل بجواز ذلك عليه لكان في ذلك قَدْحٌ في رسالته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فلا يمكن أن يقعَ منه. كذلك أيضًا معصوم مما يُخلُّ بأصل العبادة وأصلِ الأخلاق، كالشِّركِ، وكسفاسف الأخلاق مثل الزِّنا وشبهه، هذا لا شَكَّ أنَّه معصومٌ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لكن الخطايا التي بينه وبين ربِّه هذه قد تقعُ منه، ولكنها خطايا صغيرة تُكَفَّر، وقد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه وما تأخَّر. قلتُ: ذلك؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن كلَّ شيء وَصَفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نفسَه به من الذُّنوبِ فالمراد ذنوبُ أُمَّتِه؛ لا ذنبه هو؛ لأنه هو لا يُذنب، وكلُّ خطيئة أضافها لنفسه فالمراد خطايا أُمَّتِه، ولا شَكَّ أن هذا قول فيه غلو، إذا كان الله قال: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد: ١٩]، فإن العطف يقتضي المغايرة، وليس في ذلك أيُّ قَدْح في أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقعُ منه بعض الذُّنوب الصغيرة، ولكنه لا يُقَرُّ عليها، ثم هو مغفورٌ له، وما أكثر ما يكون الإِنسان بعد المعصية خيرًا منه قبلها، كثيرًا من الأحيان يخطئ الإِنسان، يقع في معصية، ثم يَجدُ مِن قلبِه انكسارًا بين يدي الله عزّ وجل وإنابةً إلى الله، وتوبةً إليه، حتى إن ذَنْبَه يكون دائمًا بين عينيه، وإذا رأى نفسَه أنه مطيع، وأنه من أهل الطاعة صار عنده من العُجب والغرور وعدم الإِنابة إلى الله ما يفسد عليه أمر دينه، فالله عزّ وجل حكيم، قد يبتلي الإِنسان بالذنب ليُصلح حالَه، كما يبتلي الإِنسانَ بالجوع لتستقيم صحَّته، فالله عز وجل له حكمة. هل حصل لآدم الاجتباء قبل الذنب أو بعد الذنب؟ الطلبة: بعد الذنب. الشيخ: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ [طه: ١٢٢]، بعد أن أذنبَ وتابَ؛ اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى، انظر إلى حال الذين تخلَّفوا في غزوة تبوك ماذا حصل لهم؟ لا شَكَّ أنه حصل لهم من الإِيمان، ورِفْعَةِ الدرجات، وعلوِّ المنزلة ما لم يكن قبل ذلك، هل يمكن أن تنزل آيات تُتلى إلى يوم القيامة في شأنهم لولا أنه حصل منهم ذلك ثم تابوا إلى الله؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، فالمهمُّ أن الإِنسان لا يُعصم مِن الخطأ، ولكن الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ معصومون مما أشرنا إليه، ومعصومون مِن الإِقرار على الصغائر، بل لا بُدَّ أن يتوبوا منها. بقية الاستفتاحات تكون طويلة، يقولها الإنسان في صلاة الليل؛ لأنها محل التطويل، ويقولها إن شاء إذا صلى وحده، أما إذا صلى في الجماعة فقد يشق على الجماعة أن يبقى الإمام ساكتًا في بعض الاستفتاحات الطويلة. وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح، فيما أخبر به أبا هريرة ، وهو يصلي بالجماعة، فهو صلى الله عليه وسلم خير أسوة لنا. يقول المؤلف رحمه الله: (ثم يستفتح، فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يستعيذ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإن شاء قال: أعوذ بالسميع العليم -أو: بالله السميع العليم- من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه) والاستعاذة هذه مأمور بها للصلاة ولّا للقراءة؟ الطلبة: للقراءة. الشيخ: للقراءة؛ إذ لو كانت للصلاة لكانت تلي تكبيرة الإحرام، أو قبل تكبيرة الإحرام، ولكنها للقراءة، وقد قال الله عز وجل: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]، فأمر الله تعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم عند تلاوة القرآن؛ ليكون الشيطان بعيدًا عن قلب المرء وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبر القرآن، وتفهم معانيه، والانتفاع به؛ لأن هناك فَرْقًا بين أن تقرأ القرآنَ وقلبُك حاضرٌ وبين أن تقرأه وقلبُك لاهٍ. إذا قرأته وقلبُك حاضرٌ حصل لك من معرفة المعاني والانتفاعِ بالقرآن ما لم يحصُلْ لك إذا قرأته وأنت غافل، وجرّبْ تجدْ. فلهذا شُرع تقدم الاستعاذة على القِراءة في الصَّلاةِ وخارج الصلاة. ومعنى: (أعوذ بالله) أي: ألتجئ إليه وأعتصم به؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الملاذُ وهو المعاذُ، أقول: هو الملاذُ وهو المعاذُ، فما الفَرْق بينهما؟ قال العلماء: الفَرْق بينهما: أن اللِّياذ لطلب الخير، والعياذ للفرار من الشرِّ، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:

يَـــــــــا مَـــنْ ألُــــــوذُ بِــــهِ فِيـمَــا أُؤَمِّـــلُــــهُ

ومَــنْ أعُـــــــوذُ بِــهِ مِمَّـــــا أُحَــــــــــاذِرُهُ

لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ

وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ

فهذا الفرق بين: لاذ بالله، وعاذ بالله. وقوله: (مِن الشيطان الرجيم) الشيطان: اسمُ جنْسٍ يشمَلُ الشيطان الأول الذي أُمِرَ بالسُّجود لآدم فلم يسجدْ، ويشمَلُ ذُرِّيَّته. وهو مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ، أو مِن شَاطَ إذا غَضِبَ، والمعنى الأول: أنه من شطن هو الأقربُ؛ ولذلك لم يُمنعْ من الصَّرْفِ؛ لأنَّ النون فيه أصليّة. وأما الرجيم: فهو فعيل بمعنى: راجم، وبمعنى: مرجوم؛ لأن فَعيلًا تأتي بمعنى: فاعل، وبمعنى: مفعول، فمِن إتيانها بمعنى فاعل: سميع، بصير، عليم، والأمثلة كثيرة. ومِن إتيانها بمعنى مفعول: جَريح، وقَتيل، وكسير، وما أشبه ذلك. فالشيطانُ رجيمٌ بالمعنيين، فهو مرجوم بلعنة الله -والعياذُ بالله- وطَرْدِه وإبعادِه عن رحمته، وهو راجم غيره بالمعاصي، فإن الشياطين تَؤزُّ أهلَ المعاصي إلى المعاصي أزًّا. (ثم يستعيذ ثم يُبسمل) يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١]، والبسملة كما تقرؤونها تتضمَّن جارًّا ومجرورًا، وصفة وموصوفًا، الجار هي؟ الطلبة: بسم. الشيخ: لا، الباء، والمجرور: اسم، والصفة؟ طالب: الله. الشيخ: لا. الطلبة: الرحمن الرحيم. الشيخ: الرحمن الرحيم، والموصوف؟ الطلبة: الله. الشيخ: الله. ومضاف، ومضاف إليه، (اسم) مضاف إلى لفظ الجلالة. هذه البسملة لا بُدَّ أن تكون متعلِّقة بشيء؛ لأن كُلَّ حرف جرٍّ لا بُدَّ أن يتعلَّق بشيء، كما قال الناظم:

لَا بُــــدَّ لِلْــــجَارِ مِــنَ التَّــعَــلُّــقِ

بِـفِـعْــــلٍ اوْ مَعْنَــــاهُ نَحْــــــــوَ مُـــرْتَــقِي

وَاسْتَثْنِ كُــــلَّ زَائِــدٍ لَــهُ عَمَـلْ

كَالْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًا وَلَعَلْ

فهنا (الباء) لا بُدَّ أن تتعلَّق بشيء، وأحسن ما قيل في متعلَّقها: إنه فِعْلٌ مؤخَّرٌ مناسب للمقام، فإذا كنت تسمِّي على قراءة فالتقدير: بسم الله أقرأ، وإذا كنت تُسمِّي على أكل: بسم الله آكل، وعلى شُرْب: بسم الله أشربُ، وعلى وُضُوء: بسم الله أتوضَّأ. هنا الآن نقرأُ البسملةَ لنقرأ الفاتحةَ، فيكون التقدير فيها: بسم الله أقرأ. وأما (الله) فهو عَلَمٌ على الرَّبِّ عزّ وجل، وأصلُه: إله، لكن حُذفت الهمزةُ تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وإله بمعنى: مألوه، والمألوه: هو المعبود محبَّة وتعظيمًا. وأما (الرحمن): فهي اسمٌ مِن أسماء الله، وهي من حيثُ الإِعرابُ صفة، وهو ذو الرحمة الواسعة الواصلة لجميع الخلق. (والرحيم) فعيل مِن الرحمة أيضًا، لكن رُوعِيَ فيها الفعلُ دون الصفة؛ كيف الفعل دون الصفة؟ لأن الرحمة وصف، والفعل إيصال الرحمة إلى مَن؟ إلى المرحوم. يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (سِرًّا) يبسمل سِرًّا؛ يعني: إذا كانت الصَّلاةُ جهرًا. أما إذا كانت الصلاة سِرِّية فإنه سوف يُسرُّ في البسملة وفي القراءة، فقوله: (سِرًّا) يعني: أنه لا يُسمعها المأمومين وإن كان يجهر بالقراءة، وذلك لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم تدلُّ على أنه كان يقرؤها سِرًّا، بل قد قيل: إنَّ كُلَّ حديث ذُكر فيه الجهرُ بالبسملة فهو ضعيف. وإذا كان يقرؤها سرًّا. قال المؤلف: (وليست من الفاتحة)، (ليست): الضَّميرُ يعودُ على مَن؟ على أي شيء؟ الطلبة: البسملة. الشيخ: البسملة ليست من الفاتحة، بل هي آيةٌ مستقلّة يُفتتح بها كلُّ سورة مِن القرآن؛ ما عدا براءة، فإنه ليس فيها بسملة اجتهادًا من الصحابة، لكنه اجتهاد -بلا شك- مستندٌ إلى توقيف، كيف ذلك؟ لأننا نعلم لو نزلت البسملة بين الأنفال وبراءة لوجب بقاؤها؛ لأن الله يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، فلمَّا لم نجدها عُلِمَ أن اجتهاد الصَّحابة كان موافقًا للواقع. أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: لأنه لو كانت آية من القرآن بين الأنفال وبراءة لوجب بقاؤها ولا يمكن أن تزول. نعم، ليست من الفاتحة، إذا لم تكن من الفاتحة، فإنه مِن المعلوم أنَّ الفاتحةَ سبعُ آيات، فكيف تُوزَّع السَّبع آيات على الفاتحة إذا أخرجنا البسملةَ منها؟ فالجواب: أنها توزَّع كالآتي: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَآية، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالثانية، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِالثالثة، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُالرابعة، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَالخامسة، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْالسادسة، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَالسابعة. هذا التقسيم هو المطابق للمعنى واللَّفظِ. أما مطابقته للَّفظ: فلأننا إذا وزَّعنا الفاتحةَ على هذا القدر صارت الآيات متناسبة متقاربة. لكن إذا قلنا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَهذه الآية السادسة. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَصارت السابعة طويلة لا تتناسب مع الآيات السَّابقة، فهذا تناسبٌ لفظي. التَّناسبُ المعنوي: أن الله تعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي»، كم هذه؟ ثلاث آيات كلُّها لله. «فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ، فيقتضي أن تكون النِّصفُ هي: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، الرابعة. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٦، ٧]، هذه الآيات، ثلاث آيات، لمن؟ الطلبة: للعبد. الشيخ: للعبد فـإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُالمناسب من حيث المعنى أن تكون هي الآية الوسطى، ثلاث قبلها لله، وثلاث بعدها للعبد. ثم هي أيضا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُبين الله وبين العبد نصفين. فإن قال قائل: إذا قلتم ذلك فكيف الجواب عمَّا نجدُه في المصاحف أن أول آية في الفاتحة هي البسملة؟ مكتوب فيها رقم واحد، والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَرقم اثنين. نقول: هذا الترقيم على قول بعض أهل العلم، رُقِّمت على قول بعض العلماء، أنَّ البسملة آية من الفاتحة؛ ولهذا في بقية السُّور لا تُعدُّ مِن آياتها ولا تُرقَّم، والصَّحيحُ أنها ليست مِن الفاتحة، ولا مِن غير الفاتحة، بل هي آية مستقلَّة. فإذا قال قائل: قلتم: إن البسملة آية مستقلَّة، ونحن وجدناها في كتاب الله آية ضمن آية في قوله: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل: ٣٠]، قلنا: هذه حكاية وخبر عن كتابٍ صَدَرَ مِن سُليمان، وليس الإِنسان يقرؤها على أنه سيبتدئ بها مقدمة لما بعدها، لكنها مقدِّمة كتابٍ كَتَبَهُ سُليمان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَقَلَهُ اللَّهُ لنا عزّ وجل، فليس من هذا الباب. يقول: (وليست من الفاتحة، ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحةَ). (الفاتحة) أل هذه للعموم؟ يعني: يقرؤها كاملة بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها، أما هيئاتها فليست بشرط، الشرط: أن يقرأها مكملًا هذه الأمور الأربعة، وهي: آياتها، كلماتها، حروفها، حركاتها، فلو قرأت ستَّ آيات منها لم تصحَّ، ولو قرأ سبع آيات لكن أسقط (الضَّالين) لم تصحَّ، ولو قرأ كلَّ الآيات، ولم يسقط شيئًا منها، من الكلمات، لكن أسقط حرفًا مثل أن يقول: صراط الذين أنعم عليهم، فأسقط التاء، أيضًا لم تصحَّ. في الحركات، لو أخلف الحركات فإنها لا تصح، لا تصحُّ إنْ كان اللَّحنُ يُحيل المعنى، وإلا صحَّت، ولكنه لا يجوز أن يتعمَّد اللَّحنَ وإنْ كان لا يُحيل المعنى، فلو قال: (أَهْدِنَا الصراط المستقيم)، ما تقولون؟ الطلبة: لا تصح. الشيخ: لم تصح؛ لأن المعنى يختلف، (أَهْدِنَا الصراط المستقيم) يعني: أعطنا إيَّاه هدية، لكن اهْدِنَا: دُلَّنا عليه، ووفِّقْنَا له، وَثَبِّتْنَا فيه. ولو قال: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِمْ)؟ الطلبة: لم تصح. الشيخ: لم يصحَّ؛ ليش؟ يختل المعنى، يكون الإِنعامُ مِن القارئ، وليس مِن الله عزّ وجل. طيب، ولو قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ)؟ الطلبة: لم تصحَّ. الشيخ: لم تصحَّ، ليش؟ الطلبة: (...). الشيخ: أسقط حرفًا؛ لأن الحرف المشدَّد عن حرفين، فإذا قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَالَمِينَ)، فإنها لا تصح الفاتحة؛ لأنه لا بُدَّ أن يقول: رَبِّ الْعَالَمِينَإذن لا بُدَّ أن يقرأها تامَّة بآياتها، وكلماتها، وحروفها، وحركاتها. فإن ترك آية، أو كلمة، أو حرفًا، أو حركة تخلُّ بالمعنى لم تصحَّ. الطلبة: (...). الشيخ: نعم. الطلبة: (...). الشيخ: البسملة جهرًا ليس فيها سنة؛ لأن أحاديثها ضعيفة، لكن إذا صليت خلف إمام يقرؤها جهرًا، فتابع ولا تشذ. الطلبة: (...). الشيخ: يعني لا تشذ، تقول: والله هذا إمام مبتدع، ما أنا مصلي وراه. طالب: إذا ضم الرحمن. الشيخ: إذا ضم الرحمن ما يخل المعنى، لكنه لا يجوز أن يتعمده. طالب: شيخ بالنسبة لما قال بعض العلماء: إن لفظة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم غير واردة، بل الواردة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، الواردة، أما هذه ما ترد في الحديث الصحيح، حتى الآية.. الشيخ: لكن مُجمع عليها، والله عز وجل يقول: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦]، نفس الآية مسند الإجماع. طالب: في آية ثانية: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. الشيخ: لا فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، صحح. طالب: والحديث كذلك. الشيخ: ما قال من الشيطان الرجيم: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]. طالب: إذا قلنا: الحديث يفسر الآية. الشيخ: ما يفسر، نقول: هذا وجه ثانٍ. طالب: بعض الأئمة يا شيخ تقرأ مثلًا الفاتحة على السليقة (...) البادية يقرؤها مثل لغة البادية، مثل أن يقول: اهدنا الصراط المستكيم. الشيخ: هذا يقول: إن بعض البادية يقرؤون على سليقتهم، فيقول: اهدنا الصراط المستجيم، هل تصح؟ حدثني رجل كان عنده علم من اللغة يقول: إن القاف -جعلها مستجيم- إنها لغة عربية، بعضهم أيضًا يقول: رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَصِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلِيهُم. الطلبة: فيه قراءة. الشيخ: لا، عَلِيهُم بكسر اللام، القراءة أنه يفتح اللام ويضم الهاء {علَيهُم} هذه قراءة صحيحة سبعية، لكن هنا يقول: عَلِيهُم. هذه ما تخل بالمعنى لكن لا يجوز للإنسان أن يتعمدها، بل يجب أن يعود لسانه على اللغة العربية الفصحى. أيضًا بعض الناس يقول: (ولا الظالين) بالظاء، فهل نقول: إن هذا لا تصح قراءته الفاتحة؟ نقول: نعم، قال بعض العلماء هكذا؛ لأنه لا بد أن ينطق بها بحروفها، ولكن المشهور عندنا في المذهب –الحنابلة- أنه يعفى عن ذلك. وعللوا هذا بأن في اعتبار التفريق بين الظاء والضاد حرجًا؛ لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يفرق، تجد بعض الأئمة يصلون بالناس ينطق بهذه الضاد ظاءً مغلظة، أيضًا يغلظها ليملأ فمه منها: ولا الظالين. فنقول: هذا أمر يصعب على الناس أن يفرقوا بين الضاد والظاء، كما أن بعض الناس أيضًا يبالغ في الضاد، حتى أنها تَقرُب من الطاء، والوسط هو خير الأمور. طالب: (...). الشيخ: يعني ما نقدر ننطقها. طالب: يقولون: ما ينطقها إلا قليل. الشيخ: هم يقولون، إي؛ لأنهم عودوا أنفسهم على هذا. طالب: شيخ (...).


الطالب: وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثُمَّ يَقْرَأُ الفَاتِحةَ، فَإِنْ قَطَعَهَا بِذِكْرٍ، أوْ سكوت غَيْرِ مَشْرُوعَيْن، وَطَالَ أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفًا، أو تَرْتِيبًا لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها، وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ وَفِي المَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، ثم يركع مكبرًا رافعًا يديه). الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ الفاتحة) أي: بعد البسملة يقرأ الفاتحة، و(ثم) هنا لا يُراد بها المعنى النحوي، أي أنها للترتيب والتراخي، بل هي لمجرد الترتيب؛ لأنه لا تراخي بين البسملة وقراءة الفاتحة، بل يُبسملُ ثم يَشرعُ في الفاتحة فَورًا. (يقرأ الفاتحة) وهي معروفة، وهي أعظم سورة في كتاب الله، وأفضل سورة في كتاب الله، وسُمِّيت (فاتحة) لأنه افتُتِحَ بها المُصحفُ في الكتابة. ولأنها تُفتتحُ بها الصَّلاةُ في القراءة، وليست يُفتتح بها كلُّ شيء؛ كما يصنعه بعض الناس اليوم إذا أرادوا أن يشرعوا في شيء قرؤوا الفاتحة، أو إذا أرادوا أن يترحَّمُوا على شخص قالوا: (الفاتحة) يعني: يقرؤوا عليه الفاتحة، فإن هذا لم يَرِدْ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم. والفاتحةُ هي أمُّ القرآن، وذلك لأن جميعَ مقاصدِ القرآن موجود فيها، فهي مشتملة على التوحيد بأنواعه الثلاثة، وعلى الرسالة، وعلى اليوم الآخر، وعلى طُرق الرُّسل، وجميعُ ما يتعلَّق بأصول الشَّرائع موجودٌ في هذه الفاتحة، ولهذا تُسمَّى «أمُّ الْقُرْآنِ» ، وتُسمَّى «السَّبْعُ الْمَثَانِي» ، كما صحَّ ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد خصَّها الله بالذِّكْرِ في قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧]، وعَطْفُ القرآن عليها من باب عَطْفِ العام على الخاص. يقرأ الفاتحة، والفاتحة رُكْنٌ مِن أركان الصَّلاةِ، وشرطٌ لصحَّتها، فلا تصحُّ الصَّلاةُ بدونها؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، وهذا النفي ليس نفيًا للوجود؛ لأنه قد توجد الصلاة بلا فاتحة وليست نفيًا للكمال، بل هي نفي للصحة؛ لأن الأصل فيما نفي أن يكون نفيًا لوجوده، فإن تعذر فهو نفي لصحته. ونفي الصحة نفي للوجود الشرعي في الواقع، فإن لم يمكن صار النفي نفيًا للكمال، هذا ترتيب النفي، وعلى هذا فمن ادعى أن النفي نفي للكمال مع إمكان حمله على نفي الصحة فقوله مردود؛ لأن الأصل في المنفي عدم وجوده، فإن كان غير موجود قَدَرًا فهو نفي للوجود، وإن كان غير موجود شرعًا؛ يعني غير ثابت شرعًا فهو نفي للصحة، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، وصح عنه أنه قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِي خِدَاجٌ» ؛ أي: فاسدة، وصح عنه أنه قال: «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآَنِ» ، وكل هذه نصوص صريحة في تعيين قراءة الفاتحة، وعلى هذا فنقول: هي ركن في الصلاة. ثم هل هي ركن في كل ركعة أو يجزئ أن تقرأ في أول ركعة أو في آخر ركعة، أو فيما بينهما، على خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال: إنه إذا قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة في أول ركعة أو في آخر ركعة أو فيما بين ذلك صدق عليه أنه قرأ بفاتحة الكتاب؛ لأن الفعل المطلق أو الأمر المطلق لا يشترط فيه التكرار. ومن العلماء من قال: بل لا بد منها في كل ركعة، وهذا القول هو الصحيح، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته حين وصف له الركعة الأولى قال: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» ، فكما أن الركوع والسجود والقيام والقعود ركن في كل ركعة، فكذلك قراءة الفاتحة، ولا فرق، ويدل لذلك أيضا مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على قراءتها في كل ركعة ولم يحفظ عنه أنه أخل بها في ركعة من الركعات. فعلى هذا نقول: الفاتحة ركن في كل ركعة، ولا تسقط إلا عن مسبوق أدرك الإمام راكعًا أو قائمًا، ثم شرع فيها وخاف أن يفوته الركوع قبل أن يتمها، فإن في هذه الحال تسقط، ودليل ذلك: حديث أبي بكرة رضي الله عنه حين دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فأسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم استمر في صلاته، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال: «أَيُّكُمُ الَّذِي فَعَلَ هَذَا»، قال أبو بكرة: أنا يا رسول الله، قال: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» . ولم يأمره بقضاء الرَّكعة التي أدركَ ركوعها، دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره بإعادة الركعة، كما أمَرَ المسيءَ في صلاتِهِ بإعادة الصلاة لعدم الإتيان بأركانها؛ ولأن القياس يقتضي ذلك فإن قراءة الفاتحة ركن في القيام، وهذا المسبوق سقط عنه القيام لمتابعة إمامه، فلما سقط عنه المحل سقط الحال؛ كما لو قُطعت يد إنسان؛ فإنه يسقط عنه غسلها في الوضوء؛ لعدم وجود المحل. واختلف العلماء رحمهم الله، هل هي ركن أو واجب؟ وهل هي على الإمام والمأموم والمنفرد؟ على خلاف في ذلك طويل، ولكن أصح الأقوال وأجمعها للأدلة أنها ركن لا تصح الصلاة بدونها، لا في حق الإمام، ولا في حق المأموم، ولا في حق المنفرد، لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية. ولولا أن النص ورد في وجوبها أو في ركنيتها في الصلاة الجهرية لكان القياس يقتضي أن من سمعها من إمامه لا تجب عليه لماذا ؟ لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، ولهذا إذا قال: وَلَا الضَّالِّينَفإننا نؤمن على دعائه، وهذا يدل على أن قراءته قراءة لنا، وإلا لكان تأميننا على قراءته عبثًا ولغوًا؛ ولأن الله عز وجل قال في حق موسى وهارون قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٩]، ومن المعلوم أن الذي دعا موسى حيث قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٨٨]، فجعل الدعاء لهما؛ لأن أحدهما يدعو والثاني يؤمن ويستمع. ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، إذا دلت السنة على شيء بطل القياس، والسنة دلت على وجوب قراءتها على المأموم في صلاة الفجر، وصلاة الفجر صلاة جهرية، ففي حديث عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم صلاة الفجر، فلما انصرف قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، قالوا: نعم، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» . ولا يعارض هذا الحديث حديث أبي هريرة أنه قال: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ مَا كَان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يجهرُ فيه . فإن المراد انتهوا عن قراءة ما سوى الفاتحة، وكانوا بالأول يقرؤون كما يقرأ الإمام، ويخالجون الإمام وينازعونه القراءة، فالحاصل أن القول الراجح وجوب، بل ركنية قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد في الصلاة السرية والجهرية، ولا تسقط إلا عن المسبوق إذا لم يتمكن من قراءتها قبل أن تفوته الركعة. قال: (ثم يقرأ الفاتحة) ولا بد أن تكون القراءة متوالية يقول: (يقرأ الفاتحة) يفيد هذا القول: (يقرأ الفاتحة)، أنه لا بُدَّ أن يقرأ الفاتحةَ بجميع حروفها وحركاتها وكلماتها وآياتها، كم هذه؟ الطلبة: أربع. الشيخ: أربع؛ الآيات، الكلمات، الحروف، الحركات، لا بد أن يقرأها بهذا، وهو مأخوذ مِن قول المؤلِّفِ: (الفاتحة)، فإن (أل) هنا للعهد الذِّهني؛ فيكون المراد به الفاتحة المعروفة التي فيها الآيات السَّبْع والكلمات والحروف والحركات، ولا بُدَّ أن تكون متوالية؛ يعني: ألا يقطعها بفصل طويل؛ بل لا بُدَّ أن تكون متوالية لماذا؟ لأنها عبادة واحدة، فاشتُرطَ أن ينبني بعضُها على بعض، كالأعضاء في الوُضُوء. فالوُضُوء: الوجه، ثم اليدان، ثم الرأس، ثم الرجلان،كذا لا بُدَّ أن يتوالى غَسْلُ هذه الأعضاء الأربعة، كذلك سورة الفاتحة؛ الآية الأُولى، ثم الثانية، ثم الثالثة إلى آخره، لا بُدَّ أن تتوالى. يقول المؤلف: (فإن قطعها بذِكْرٍ، أو سكوت غير مشروعين، وطَالَ لزم إعادتها). إن قطعها بذكر يعني: لما قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَجعل يُثني على الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، والله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وقام يدعو بدعاء، ثم قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. نقول: هذا غيرُ مشروع، فإذا طال الفصلُ وَجَبَ عليك الإِعادة، كذلك لو قَطَعَها بسكوت، قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَثم سَمِعَ ضَوضاءَ فسكت يستمعُ ماذا يقول النَّاسُ، وطال الفصلُ، فإنه يعيدها مِن جديد؛ لأنه لا بُدَّ فيها من التَّوالي، لكن اشترط المؤلِّفُ قال: (غير مشروعين) يعني: الذِّكْر والسُّكوت، فإن كانا مشروعين كما لو قَطَعَها بذكر دعاء أن يكون مِن الذين أنعمَ اللَّهُ عليهم، مثل لما مرَّ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْقال: اللَّهُمَّ اجْعلنِي منهم، وألحقني بالصَّالحين. فهذا يسير، ثم هو جائز ولّا غير جائز؟ جائز بل هو مشروعٌ في صلاةِ الليل. كذلك إذا سكتَ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكان يعلم أن إمامَه يسكتُ قبل الرُّكوعِ سكوتًا يمكنه أن يكملها، فسكتَ استماعًا لقراءة إمامِه، ثم أتمَّها حين سكتَ الإِمامُ قبل الرُّكوعِ، فإن هذا السُّكوتَ مشروعٌ، فلا يضرُّ ولو طال. قال المؤلف: (أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفًا، أو تَرْتِيبًا لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها). (ترك منها تشديدة) مثل أن يقول: الحمد لله رَبِ العالمين، هذا ترك تشديدة، وهي تشديد الباء، وإنما لم يصح؛ لأن الحرف المشدّد عن حرفين، فإذا تَرَكَ التشديدَ نقصَ حرفًا. كذلك لو تَرَكَ منها حرفًا، وهذا يقعُ كثيرًا مِن الذين يُدغمون، يقرؤها بسرعة ويدغم، فيسقط حرفًا، فيقول مثلًا: غير مغضوب عليهم، يسقط (أل)، فلا تصحُّ. كذلك يقول: (أو ترتيبًا)، وهذا ينبغي أن يُضم للأمور الأربعة: إذا أخلَّ بترتيبها، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِفإنها لا تصح، لماذا؟ لأنه أخلَّ بالترتيب، وترتيب الآيات توقيفي من النبيِّ صلى الله عليه وسلم وليس اجتهاديًّا، ولهذا كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلم يقول: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَكَانِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا» ، فهو توقيفي، ولو لم يكن بالنسبة للفاتحة إلا قراءة النبيِّ صلى الله عليه وسلم إيَّاها على هذا الترتيب الذي أجمعَ عليه المسلمون، فإذا أخل بترتيبها فقدم بعض الآيات أو بعض الكلمات على بعض فإنها لا تصح. إذن ممكن نقول: الآيات، الكلمات، الحروف، الحركات، الترتيب، خمسة. طالب: الموالاة. الشيخ: الموالاة، هذه خارجة عن القراءة في الظاهر. يقول: (...). (لزِم غيْرَ مأْمُومٍ إعَادَتُها) (غير) بالنصب على أنها مفعول مقدَّم لـ(لزم)، وإعادة فاعل مؤخَّر، يعني: لزمت إعادتُها على غير المأموم؛ لماذا؟ لأن قراءة الفاتحة في حقِّ المأموم -على ما ذهب إليه المؤلف- ليست بواجبة، فلو تَرَكَها المأمومُ عمدًا -لو ترك الفاتحة عمدًا- لم يلزمه إعادتها، لماذا؟ لأن القراءة ليست ركنًا ولا واجبًا في حقه، ولكن مع ذلك يحرم عليه أن ينكِّس الآيات، أو أن يُنكِّس الكلمات، إنما من حيث وجوبُ إعادة الفاتحة لا يجبُ على المأموم، على ما ذهب إليه المؤلف. وقوله: (لزم غير مأموم إعادتها) ظاهر كلامه: أنه يعيدُها من أولها، فلو أسقطَ (أل) مِن قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْفظاهرُ كلامِه أنه يلزمه إعادة الفاتحة كلها؛ وليس هذا بوجيه، وقد لا يكون هذا مراده، بل يلزمه إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه؛ لأن ما قبلَه وَقَعَ صحيحًا، والمدَّة ليست طويلة حتى نقول: إنه لو أعاد مِن حيث أخلَّ لَزِمَ طول الفصل بين الجزء الصَّحيح الأول والجزء الصَّحيح الثاني؛ لأن كلَّ الفاتحة لا تستوعب زمنًا طويلًا، وعلى هذا؛ فإذا أخلَّ بشيءٍ مِن آخرِها، فإنه لا يلزمه إلا إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه. إعادة ما أخلَّ به واضح لكن ما بعده؟ مراعاةً للترتيب، فإن كانت في أول الآية مثل: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَيلزمه مِن الأول؛ لأن كل ما حصل بعد هذا لا بد فيه من الترتيب. (لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها)، بقي علينا كيف يقرأ هذه السُّورة. نقول: يقرؤها معربةً مرتَّبةً متواليةً، وينبغي أن يفصِلَ بين آياتِها، يقفَ عند كلِّ آية، فيقف سبعَ مرَّات، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَفيقف، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِفيقف، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِفيقف، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُفيقف، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَفيقف، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْفيقف، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَفيقف؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يَقِفُ عند كلِّ آية ، وإن لم يقفْ فلا حرجَ؛ لأنَّ وقوفه عند كلِّ آيةٍ على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الوجوبِ؛ لأنَّه مِن فِعْلِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم دون أمْرِه، وما فَعَلَه النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من دون أَمْرٍ مما يُتعبَّد به فهو للاستحباب، كما مر علينا في أصول الفقه: أنَّ الفعلَ المجرَّدَ يفيد الاستحباب؛ ولأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لمَّا عَلَّمَ المسيءَ في صلاتِه، بل لما أمره أن يقرأ ما تيسَّر مِن القرآن لم يقل: ورتِّل، أو: قِفْ عند كلِّ آية. فإنْ قال قائل: ذكرتم أنه إذا أبدل حرفًا بحرف فإنَّها لا تصحُّ، فما تقولون فيمَن أبدَل الضَّادَ في قوله: وَلَا الضَّالِّينَبالظاء؟ قلنا: في ذلك وجهان لفقهاء الحنابلة: وجه: لا تصحُّ؛ لأنه أبدلَ حَرْفًا بحرف. والوجه الثاني: تصحُّ، وهو المشهور مِن المذهب، وعلَّلوا ذلك بتقارب المخرجين، وبصعوبة التفريق بينهما، وهذا الوجه هو الصَّحيح، وعلى هذا فمَن قال: (غير المغظوب عليهم ولا الظالين) فصلاته صحيحة، ولا يكاد أحدٌ من العامة يُفرِّق بين الضَّاد وبين الظاء. ومنها أيضًا يقول المؤلف: (ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة) مَن الكل؟ المنفرد، والمأموم، والإِمام بالجهرية. أما الإِمام فواضح أنه يجهر بآمين؛ لأن ذلك ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام في قوله: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» ، فعلَّق تأميننا بتأمين الإِمام، ولولا أننا نسمعُهُ لم يكن لتعْليقِهِ بتأمين الإِمامِ فائدة، بل لكان حَرَجًا على الأمة؛ ولأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يجهرُ بـ(آمين) حتى يَمُدَّ بها صوتَه ، آمين. وكذلك المأمومون يجهرون بها، كما كان الصَّحابةُ رضي الله عنهم يجهرون بذلك خلفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ حتى يرتجَّ المسجدُ بهم، وهذه السُّنَّةُ صحيحةٌ ثابتة. لكن المنفرد نقول: إن جَهَرَ بقراءته؛ جَهَرَ بـ(آمين)، وإن أسرَّ، ودليل ذلك: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في صلاة السِرِّ كالظُّهر والعصر لا يجهر بآمين، وهذا يقتضي أنك إذا لم تجهر بالقراءة لم تجهر بآمين. فالمنفرد الذي يقوم الليل مثلًا، أحيانًا يرى أن حضورَ قلبِه وقوَّة يقظته وطرد النوم عنه بالجهر، فيجهر كما فَعَلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام حين صَلَّى بحذيفة بن اليمان. فإذا جَهَرَ بالقراءة جَهَرَ بالتأمين، وأحيانًا يرى أن الإِسرار أفضل له وأخشع، وأبعد عن الرِّياء، أو أن هناك مانعًا يمنعه من الجَهْر لكون مَن حولَه نيامًا، وما أشبه ذلك، فإذا أسرَّ بالقراءة فإنه يُسِرُّ بالتأمين، ولا يجهر به. قوله: (بآمين في الجهريَّة)، ما معنى (آمين)، (آمين) معناها: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، وعلى هذا فهي اسمُ فِعْل، دعاء، واسمُ الفعل ما دل على معنى الفعل دون حروفه، أليس كذلك؟ طالب: نعم. الشيخ: ما دل على معنى الفعل دون حروفه (هلم): اسمُ فِعْلٍ؛ لأنه بمعنى أقبل، كذا. (صَهْ) اسمُ فِعْلٍ بمعنى اسكتْ، أحيانًا أقول: (صَهٍ)، وأحيانًا أقول (صَهْ)، بينهما فَرْق، إن قلت: (صهٍ) يعني: اسكتْ عن كُلِّ شيء، إن قلت: (صَهْ): اسكتْ عن كلام معيَّن. (آمين) قالوا: إنها بمعنى: اللَّهُمَّ اسْتجِبْ، فهي فِعْل دعاء، واسم الفعل ليس له اشتقاق. قال الفقهاء: فإن شدَّدَ الميمَ بطلت الصَّلاةُ؛ لأنَّ معناها حينئذٍ: قاصدين، ولا وجه لذلك، ولهذا قالوا: يحرم أن يُشدِّد الميم، وتبطل الصَّلاةُ؛ لأنه أتى بكلامٍ مِن جنسِ كلام المخلوقين. ومتى يقول: آمين؟ الإِمامُ إذا انتهى من قوله: وَلَا الضَّالِّينَ، قال: آمين، والمنفرد إذا انتهى من قوله: وَلَا الضَّالِّينَقال: آمين. والمأموم، قال بعضُ العلماءِ: يقول: (آمين) إذا فَرَغَ الإِمامُ مِن قول: آمين. واستدلُّوا بظاهر قوله: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» ، قالوا: وهذا كقوله: «إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» ، ومعلومٌ أنك لا تكبِّر حتى يفرغ الإِمامُ مِن التكبير، ولكن هذا القول ضعيف؛ ودليل ذلك أنه جاء مصرحًا به في لفظٍ آخر: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا الضَّالِّينَفَقُولُوا: آمِينَ» . وعلى هذا فيكون المعنى: إذا أمَّن؛ أي: إذا بَلَغَ ما يُؤمَّنُ عليه، وهو وَلَا الضَّالِّينَ، أو إذا شَرَعَ في التَّأمين فأمِّنوا؛ لتكونوا معه، لكن نسمع بعض الأحيان بعض الجماعة يتعجَّل؛ لا يكاد يصل الإِمام إلى النون من وَلَا الضَّالِّينَإلا وقد قال: (آمين)، هذا خِلافُ السُّنَّةِ، وهذا نوعٌ مِن مسابقة الإِمام؛ لأنَّ الإِمامَ لم يَصلْ إلى الحدِّ الذي يُؤمَّنُ على قوله فيه حتى يختم قوله: وَلَا الضَّالِّينَ. يقول المؤلف: (ويجهرُ الكُلُّ بآمينَ في الجَهريَّة). لم يفصح المؤلِّف -رحمه الله- هنا عَمَّا إذا لم يعرفْ الفاتحةَ هل يلزمه أن يتعلَّمها؟ الجواب: نعم؛ يلزم أن يتعلَّمها؛ لأن قراءتَها واجبةٌ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، كعادم الماء؛ يجب عليه طلبُه وشراؤه إنْ كان يُباع؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ. وليس هذا من باب: ما لا يتمُّ الوجوب؛ لأن وجوب الفاتحة ثابتٌ، فيلزم أن يتعلَّم هذه السُّورة، فإن ضاق الوقتُ قرأ ما تيسَّرَ من القرآن من سواها؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» ، فإن لم يكن معه قرآن فإنه يُسَبِّحُ: (سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، واللَّهُ أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) كم هذه؟ خمس كلمات، فإذا قال قائل: كيف يجزئ الخمس عن السَّبع؛ لأن الآيات في الفاتحة سَبْع؟ فالجواب: أنه لا يلزمُ أن يكون البدلُ مساويًا للمُبدل منه، أَلا ترى أنَّ كسوةَ العشرة في كفَّارة اليمين لا يساويها إطعامُهم في الغالب، ولا تساوي عِتْقَ الرَّقَبة أيضًا، فالبدلُ لا يلزم منه مساواة المُبدل منه، لكن قال فقهاؤنا رحمهم الله: إذا كان عنده شيءٌ من القرآن سوى الفاتحة وجب عليه أن يقرأ منه بقَدْرِ الفاتحة، وفرَّقوا بين هذا وبين الذِّكر؛ بأن ما يَقدر عليه من جنس ما عَجز عنه؛ فوجب أن يكون مساويًا له، بخلاف البدل المحض فإنه لا يلزم. فصارت المراتب الآن: قراءة الفاتحة، فإن عجز فبما تيسَّرَ مِنَ القرآن مِن غيرها، فإن عَجَزَ فالتَّسبيحُ، والتَّحميد، والتَّكبير، والتَّهليل والحَوقلة. إذا قال قائل: إذا لم أجد مَنْ يُعَلِّمني إيَّاها إلا بأُجرة، فهل يلزمُني دفع الأجرة إليه؟ الجواب: نعم؛ كما لو لم أجد ماءً إلا ببيع، فإنه يلزمُني شراؤه للوُضُوء، ولكن يبقى النَّظرُ: هل يجوز للآخر أن يطلب أُجْرةً على تعليم القرآن؟ الجواب الصحيح: الجواز؛ لعموم قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» ، وهذا الذي استأجر، أو طَلَبَ الأُجرةَ، طَلَبَ على عَمَلٍ متعدٍّ وهو التَّعليم، بخلاف مَن طَلَبَ أُجرة على القِراءة، فإنه لا يجوز، لو جاء واحد وقال: أنا بقرأ سورة البقرة وتُعطيني كذا وكذا، قلنا: هذا حَرام، أمَّا إذا قال: أعلِّمُكَ إياها بكذا وكذا؛ فهذا جائز، ولهذا زوَّجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرَّجُلَ الذي لم يجدْ مهرًا، زوجه المرأة بما معه من القُرآن ، يعلِّمُها إيَّاه. طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...) بعض أهل العلم بقولهم بأنهم أجمعوا على أن قول الله عز وجل وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف: ٢٠٤] أنها نزلت في الصلاة، ولما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن قراءة المأموم حال قراءة الإمام عبث لا تتم به الجماعة. الشيخ: نعم، كما قلنا قبل قليل، قلنا: نعم هي عامة في غير الفاتحة؛ لأن الفاتحة دل النص على وجوب قراءتها، فتكون أدلة وجوب قراءة الفاتحة مخصصة لعموم الآية. وأما قول شيخ الإسلام: إنها عبث، فهذا من الكلمات التي نرجو الله أن يعفو عنه بها، فكيف تكون عبثًا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» . ثم إنه يرد على ذلك ما إذا جاء بعد أن قرأ الإمام الفاتحة، وهو في السورة اللي بعدها، فأين تذهب الفاتحة في حق هذا الرجل، لا قرأها ولا استمع إليها.


الطالب: (...) والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً، تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ المُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ، وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِقِرَاءَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ثَمَّ يَركَع. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. الجهر سبق لنا أنه يكون في أولتين غير الظهرين، صلاة الليل؛ الفرائض معروف فيها الجهر، وصلاة النفل إن كانت تقام جماعة فالسنة فيها الجهر وإن كان الإنسان منفردًا فإنه يُخير بين الإسرار والجهر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمَّ حذيفة بن اليمان فجهر ، وأمَّ ابن عباس والظاهر أنه لم يجهر، فإذا كانت القراءة جهرًا أنشط له فليقرأ جهرًا، وإن كانت القراءة سرًّا أخشع له فليقرأ سرًّا، وإن تساوى الأمران احتمل أن يقال بالجهر؛ لأنها صلاة ليلية، واحتمل أن يقال بعدمه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الراتبة في العشاء لا يجهر. ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً)، قوله: (ثُمَّ يَقْرَأُ) هل (ثم) هنا على معناها الأصلي؟ أي أنها تفيد الترتيب والتراخي، أو لمجرد الترتيب؟ هذا مبنيٌّ على القول باستحبابِ السُّكوتِ بعدَ الفاتحة أو عدمِه. فإن قلنا: باستحباب السُّكوتِ -وهو المذهب- صارت (ثم) هنا على معناها الأصلي؛ أي أنها للتَّرتيب والتَّراخي، وعلى هذا فيسكتُ الإِمامُ بعدَ الفاتحةِ سكوتًا، ولكن كم مقدار هذا السُّكوت؟ قال بعض العلماء: إنه بمقدار قراءة المأموم سُورةَ الفاتحةِ، وعلى هذا؛ فيكون طويلًا بعضَ الشَّيء. وقيل: بل إنه سكوت ليترادَّ إلى الإِمام نَفَسُه، وليتأمَّل ماذا يقرأ بعدَ الفاتحةِ، وليشْرَع المأموم في قراءة الفاتحة حتى يستمرَّ فيها؛ لأن الإِمام لو شَرَعَ فورًا بقراءة السُّورة لم يبدأ المأموم بالقراءة، وحينئذٍ تفوته. والصَّحيح أن هذه السَّكتة سكتة يسيرة؛ لا تشرع بمقدار أن يقرأَ المأمومُ سُورةَ الفاتحة، بل السُّكوت بمقدار أن يقرأ المأمومُ سُورةَ الفاتحة إلى البدعة أقرب منه إلى السُّنّة؛ لأن هذا السُّكوتَ طويلٌ، ولو كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يسكتُه؛ لكان الصَّحابةُ يسألون عنه، كما سألَ أبو هريرة رضي الله عنه النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن سُكوته فيما بين التكبير والقِراءة ، فالصَّحيح أنَّها سكتةٌ يسيرة فيها هذه الفوائد: أولًا: التَّمييز بين القِراءةِ المفروضةِ والقراءة المستحبَّة. وثانيًا: ليترادَّ إليه النفسُ. وثالثًا: لأجل أن يشرع المأمومُ بالقِراءة. ورابعًا: ربما لا يكون قد أعدَّ سورةً يقرأ بها بعدَ الفاتحة، فيتأمَّل ماذا يقرأ. (ثُمَّ يَقْرَأُ بَعْدَهَا)، أي: بعدَ الفاتحة، وأفاد قوله: (بعدَها) أنه لا تُشرع القراءةُ قبل الفاتحة، فلو نسيَ فقرأ السُّورةَ قبل الفاتحةِ أعادها بعد الفاتحة؛ لأنه ذِكْرٌ قالَه في غير موضعه فلم يجزئ، بل لا بد أن يعيد. (يَقْرَأُ بَعْدَهَا سُورَةً) وهذه القراءة على قول جمهور أهل العلم بل عامتهم سُنَّةٌ، وليست بواجبةٍ؛ لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة. وأفادنا المؤلِّف بقوله: (سُورة) إلى أنَّ الذي ينبغي للإِنسانِ أن يقرأَ سورةً كاملةً، لا بعضَ السُّورة، ولا آيات من أثناء السُّور؛ هذه هي السنة أن يقرأ سورة ولكن هل يفرقها بين الركعتين سيأتي الكلام عليه. المهم ألا يقرأ آيات من أثناء السور؛ لأن ذلك لم يَرِدْ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أطلقه ابن القيم، قال: لم يكن من هديه أن يقرأ آيات من أثناء السور. ولكن ورد بل ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: قرأ في سُنَّةِ الفجر آيات من السُّور، فكان أحيانًا يقرأ في الرَّكعة الأُولى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ١٣٦] الآية، وفي الثانية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤] ، والأصل: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض؛ وهذه قاعدة دلت عليها السنة؛ أن ما ثبت في نفل الصلاة فهو ثابت في الفرض، إلا بدليل، وما ثبت في الفرض فهو ثابت في النفل إلا بدليل؛ لأنها عبادة من جنس، والأصل اتفاقها في الأحكام، ويدلُّ لهذا: أن الصَّحابة رضي الله عنهم لما حَكَوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته يُوتِرُ عليها قالوا: غير أنه لا يُصلِّي عليها المكتوبةَ . فلما حَكَوا أنه يوتر، ثم قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة، دَلَّ ذلك على أنَّ المعلومَ أنَّ ما ثَبَتَ في النَّفل ثبتَ في الفرض. على كُل حال؛ نرى أنه لا بأس أن يقرأ الإِنسانُ آيةً من سورةٍ في الفريضة وفي النافلة، وربما يُستدل له أيضًا بعموم قوله تعالى: فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠]، لكن السُّنَّة والأفضل أن يقرأَ سورةً، والأفضلُ أن تكون كاملةً في كلِّ ركعة، فإن شَقَّ فلا حَرَجَ عليه أن يقسم السُّورة بين الركعتين؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ ذات يوم سورة المؤمنون: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، فلما وصل إلى قصة موسى وهارون أخذته سَعْلةٌ فَرَكَعَ ، فدلَّ هذا على جواز قَسْمِ السُّورة؛ لا سيَّما عند الحاجة. وقوله: (سُورة) السورة هي طائفة من القرآن لها أول ولها آخر، سُميت بذلك؛ لأنها مسورة بابتداء وانتهاء، يعني لها محيط في الأول وفي الآخر، ومنه قيل للحائط المحيط بالبيت سور. قوله: (سُورة) يلزم من قراءة السُّورة أن يقرأَ قبلها: (بسم الله الرحمن الرحيم)، وعلى هذا؛ فتكون البسملةُ مكرَّرة كم مرة؟ الطلبة: مرَّتين. الشيخ: مرَّتين: مرَّة للفاتحة، ومرَّة للسُّورة، أما إنْ قرأ مِن أثناء السُّورة فإنه لا يُبسمل؛ لأن الله لم يأمر عند قراءة القرآن إلا بالاستعاذةِ، وأما البسملة فإنها لا تكون في أواسط السُّور. يقول المؤلف: (تَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) (تكون) أي: السُّورة، (في الصبح) أي: في صلاة الصُّبح، (من طِوال المُفصَّلِ) بكسر الطاء، ولا يقال: طُوال؛ لأن طُوال صفة للرَّجُل الطويل، وأما طِوال بالكسر فهي جمع طُول، أي: سُورة من السُّور الطِوال مِن المفصل. المفصَّل ثلاثة أقسام، كما يدلُّ عليه كلام المؤلِّف: منه طِوال، ومنه قِصار، ومنه وسط، فمِن (ق) إلى (عَمَّ) هذا هو الطِوال، ومِن (عَمَّ) إلى (الضُّحَى) أوساط، ومُن (الضُّحَى) إلى آخره قِصار. وسُمِّيَ مُفصَّلًا لكثرة فواصله؛ لأن سُورَهُ قصيرةٌ، فلهذا سمي مفصلا. من (ق) إلى آخر (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أربعة أجزاء وشيء أو لا؟ يساوي البقرة وآل عمران، ورُبعًا مِن النساء، وشيئًا قليلًا، تكون في الصُّبح مِن طِوال المُفصَّل؛ لماذا؟ لأن الله عزَّ وجلَّ نصَّ على القرآن في صلاة الفجر فقال: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨]، فَعبَّرَ عن الصَّلاةِ بالقرآن إشارةً إلى أنَّه ينبغي أن يكون القرآن مستوعِبًا لأكثرها، وهو كذلك، ولهذا بقيت صلاةُ الصُّبح على ركعتين لم تُزَدْ، بينما الظُّهر والعصر والعشاء كلها زِيدت. قال المؤلف: (وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ) يعني: من الضُّحى إلى آخره هذا هو الأفضل. (وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ) من عَمَّ إلى الضحى دليل ذلك السُّنَّة الواردة عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ فإن الغالب مِن فِعْلِ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو هذا. لكنه أحيانًا يقرأ في الفجر مِن القِصَار، وفي المغرب من الطِوال، فمرَّة صَلَّى الفجرَ بـإِذَا زُلْزِلَتِقرأها مرتين في الرَّكعتين، ومرَّة في المغرب قرأ بسُورة الأَعْرَافِ، وقرأ بسورة الْطُّور ، وقرأ بـ(المرسلات)، وكلُّ هذا من أطول ما يكون من السُّور، فدلَّ ذلك على أنه ينبغي للإِمام أن يكون غالبًا على ما ذَكَرَ المؤلِّفُ، ولكن لا بأس أن يطيل في بعض الأحيان في المغرب، ويُقَصِّرَ في الفجر. وقول المؤلف: (وفي الباقي من أوساطه) الدليل على ذلك؛ أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أرشد معاذَ بنَ جَبَلٍ أن يقرأ في صلاة العشاء بـ(سَبِّحِ) والغاشية و(وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، و(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) ، ونحوها، فدلَّ هذا على أن هذا هو الأفضل. وهنا سؤال: هل يجوز أن يقرأَ الإِنسانُ بالسُّورةِ في الرَّكعتينِ بمعنى أنْ يكرِّرها مرَّتين؟ الجواب: نعم، ولا بأس بذلك، والدَّليلُ فِعْلُ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنه قرأ: (إِذَا زُلْزِلَت) في الرَّكعتين جميعًا ، أي: كرَّرها. لكن قد يقول قائل: لعلَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَسِيَ؛ لأنَّ مِن عادته أنه لا يُكرِّر السُّورة. والجواب عن هذا: أن يُقال: احتمالُ النسيانِ وارد، ولكن أقوى منه احتمال التشريع؛ أي: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كرَّرها تشريعًا للأمة؛ ليبيِّن للأمة أن ذلك جائز، يُرجّح احتمالِ النسيان أنَّ العادة من فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ألا يكرر، ويرجح احتمال التشريعُ أن الأصل في فِعْلِ الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ التشريعُ، وأنه لو كان ناسيًا لنبّه عليه، وهذا الأخيرُ -أي: أنَّ ذلك مِن باب التشريع- أحوطُ وأقربُ إلى الصَّوابِ، وأنه يجوز للإنسان أحيانًا أن يكرر السورة ولا بأس. قال: (وفي الباقي من أوساطه). بحث المؤلف الشارح -رحمه الله- تنكيس السُّور، والآيات، والكلمات، والحروف، وإن كان لم يبحث في هذه الأربعة، ولكن نحن الآن نبحث فيها، تنكيس السُّور وتنكيس الآيات وتنكيس الكلمات وتنكيس الحروف. أما تنكيس الحروف؛ فهذا لا شك في تحريمه؛ بمعنى أن تكون الكلمة مشتملة على ثلاثة أحرف؛ فيبدؤها الإنسان مِن آخرها مثلًا، هذا لا شكَّ في تحريمه، وأنَّ الصَّلاةَ تبطلُ به؛ لأنه إخراج للقرآن عن الوجه الذي تكلَّم الله به، كما أن الغالب أنَّ المعنى يختلفُ اختلافًا كبيرًا. وأما تنكيس الكلمات؛ أي: أن يبدأ بكلمة قبل الأُخرى، مثل أن يقول: الحمد لربِّ العالمين، الله الرحمن الرحيم، فهذا أيضًا محرَّم بلا شكٍّ؛ لأنه إخراجٌ لكلامِ الله عن الوجه الذي تكلَّم اللَّهُ به. تنكيس الآيات أيضًا؛ محرَّم على القول الرَّاجح؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي، ومعنى توقيفي: أنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا تَجِدُ أحيانًا بعضَ الآيات بين آيات لا يَظهرُ لك تَعَلُّقُها به، مما يدلُّ على أن الأمر توقيفي مثل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأِزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍالآية [البقرة: ٢٤٠]. أيهما أسبق قراءة؟ الطلبة: الثانية. الشيخ: لا، الأولى أسبق، الأولى سابقة عليها في القراءة. وأيهما أسبق نزولا؟ الطلبة: الثانية. الشيخ: الثانية، ولو كان التَّرتيبُ غيرَ توقيفي؛ لكان على حسب النُّزولِ، لكنه توقيفي، أي أن الأمر فيه موقوف على ورود الشرع به، وعلى هذا فيحرم تنكيس أيش؟ الطلبة: الآيات. الشيخ: الآيات، هذه ثلاثة أشياء. تنكيس السور يُكره، وقيل: يجوز، وأظن فيه قولًا بالتحريم فهذه ثلاثة أقوال. أما الذين قالوا بالجواز فاستدلُّوا: بحديث حذيفة بن اليمان، الذي في صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: قامَ مِن اللَّيلِ فقرأَ بسورةِ البقرةِ، ثم بالنِّساءِ، ثم آل عمران ، وهذا على غير التَّرتيبِ المعروف، قالوا: وفِعْلُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم دليلٌ على الجواز. وأما الذين قالوا بالكراهة، فقالوا: إنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم وَضَعُوا المُصحفَ الإِمام -الذي يكادون يُجمعون عليه- في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وَضَعوه على هذا التَّرتيب، فلا ينبغي الخروجُ عن إجماعهم، أو عمَّا يكون كالإِجماع منهم؛ لأنَّهم سلفُنا وقدوتُنا. وأما الذين قالوا بالتحريم، فقالوا: إن هذا إجماع من الصحابة، أو يكاد يكون إجماعًا، وهو من سُنَّة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد أُمِرْنَا باتِّباعِه، فوجب علينا أن نقرأ القرآن مرتبًا؛ ولأنه قد يكون فيه تشويشٌ على العامة، وتَنَقُّصٌ لكلام الله عزّ وجل إذا رأى العامة أنَّ النَّاسَ يقدِّمون ويؤخِّرون فيه، والعامي عامي جاهل لا يعرف. ولكن؛ القول بالكراهة قولٌ وسطٌ بين قولين، فيقال: إنَّ إجماع الصحابة على هذا الترتيب غير موجود، فإن في مصاحف بعضِهم ما يخالف هذا التَّرتيب كمصحف ابن مسعود، رضي الله عنه، وأما قراءة النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديث حذيفة لـ(النساء) قبل (آل عمران) فهذا -لعلَّه- قبل العرضة الأخيرة؛ لأنَّ جبريلَ كان يُعارِضُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم القرآن في كُلِّ رمضان، فيكون ما اتَّفق عليه الصحابةُ أو ما كادوا يتَّفقون عليه هو الذي استقرَّ عليه الأمر، لا سيما وأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يقرنُ بين البقرة وآل عمران، مما يدلُّ على أنهما قرينتان، فيكون تقديمه النساء في حديث حذيفة قبل الترتيب الأخير. والحق أن الترتيب بين السُّور منه توقيفي، ومنه اجتهادي، فما وَرَدَتْ به السُّنَّةُ كالترتيب بين (الجُمعة) و(المنافقين)، وبين (سَبِّحِ) و(الغاشية) فهو على سبيل التوقيف؛ فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَ (الجمعة) قبل (المنافقون). وقرأ (سَبِّح) قبل (الغاشية) فهذا على سبيل الترتيب التوقيفي، وما لم تَرِدْ به السُّنَّةُ فهو اجتهادٌ من الصَّحابةِ، والغالب أنَّ الاجتهادَ، إذا كان معه الأكثر أقربُ إلى الصَّوابِ. طالب: (...) يبدأ من البقرة، يقرأ كل يوم.. الشيخ: إي نعم، هذا خلاف السنة لا شك؛ يعني بعض المصلين يبدأ القرآن من أوله إلى آخره، ويدعي أنه يفعل ذلك من أجل أن يسمع الناس كلام الله من أوله إلى آخره، فنقول له: أين النبي صلى الله عليه وسلم من هذا؟ أليس النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس بذلك؛ لأجل أن يبلغ الناس كلام الله ولا ينسيهم إياه، فأين هو من ذلك أهو لا يدري أم ماذا؟ ثم نقول: العلماء لم يقولوا بهذا، وإذا لم يقولوا به فإنه يكون ذلك خروجًا عن السنة المعروفة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك يكون خروجًا عما قاله علماء هذه الأمة. طالب: شيخ أحسن الله إليكم، أقول ذكر بعض الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر حتى إن الذاهب ليذهب إلى البقيع فيقضي الحاجة، ثم يتوضأ، ثم يدرك الركعة الأولى ، وقوله: (كان) كأنها (...) اللفظ تفيد الاستمرار، وقد ذكرنا في كلام المؤلف أنه يقرأ في الباقي من أوساطهم؛ من أوساط المفصل. الشيخ: نعم، هذا الغالب. الطالب: لكن كأنه يقول: إنه كان يديم الاستمرار في التطويل في الظهر. الشيخ: لا، هذا الطول لا يديمه؛ لأنه وردت أحاديث تدل على خلاف ذلك. طالب: بالنسبة لتحديد المفصل هل هو توقيفي أو اجتهادي؟ الشيخ: لا، اجتهاد، الظاهر إنه اجتهاد من العلماء ما سمعت بهذا في السنة. طالب: شيخ، إذا كان رجل ما يرتب القرآن -يقرأ علينا القرآن بالترتيب- لكن يحاول أنه يمر على القرآن أو على أغلبه؛ لكي يسمع الناس أكثر القرآن، وبعض الآيات ناقصة (...) جهاد وبغي و.. الشيخ: ما أرى هذا، أنا ما أرى هذا، شيء لم يفعله السلف لا خير فيه، نعم لو فُرض أن هناك مناسبة وقرأ بهذا لم أرَ في هذا بأسا على أنه فيه ثقل عندي؛ يعني –مثلًا- لو ابتدأ في رمضان ابتدأ صلاة المغرب أول ليلة منه بآيات الصيام مثلًا، أو صلاة العشاء لكان في هذا شيء من التساهل، على إني لا أحب هذا؛ لأن هذه المناسبة أيضًا موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يُعهد أو لم يُنقل أنه كان يقرأ بذلك، فالذي أرى أن الإنسان لا يتخذ سنة لم يسنها مَن قبله أبدًا، الاتباع أولى من الابتداع مهما حسن عند العبد.

تابع شرح ( ثم يقول ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) . )

٠٠:٠٠:٠٤

ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته وينظر مسجده، ثم يقول (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك). ثم يستعيذ، ثم يبسمل سرا وليست من الفاتحة.

ثم يستعيذ ،

٠٠:٠٦:٢٨

ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته وينظر مسجده، ثم يقول (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك). ثم يستعيذ، ثم يبسمل سرا وليست من الفاتحة.

ثم يبسمل سرا وليست من الفاتحة .

٠٠:١٠:٥٣

ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته وينظر مسجده، ثم يقول (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك). ثم يستعيذ، ثم يبسمل سرا وليست من الفاتحة.

ثم يقرأ الفاتحة ،

٠٠:٢٠:٣٧

ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشديدة أو حرفا أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها ويجهر الكل(بآمين) في الجهرية،

فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال ،

٠٠:٤٢:٤٨

ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشديدة أو حرفا أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها ويجهر الكل(بآمين) في الجهرية،

أو ترك منها تشديدة أو حرفا أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها ويجهر الكل(بآمين) في الجهرية ،

٠٠:٤٥:١٥

ثم يقرأ الفاتحة، فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشديدة أو حرفا أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها ويجهر الكل(بآمين) في الجهرية،

ثم يقرأ بعدها سورة تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه ،

٠١:١١:٢٧

ثم يقرأ بعدها سورة تكون في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه، ولا تصح بقراءة خارجة عن مصحف عثمان.