تجاوز إلى المحتوى

شرح العقيدة التدمرية - ١٨

درس صوتي · ٩٥:٠٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

أما واجبان قديمان فهذا شيء ممتنع جمع بين النقيضين. (وعُلِم أيضًا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد بينهما من قَدْر مشترك) صحيح هذا؟ إي نعم، ما هو القدر المشترك؟ (كاتفاقهما في مسمى الوجود والقيام بالنفس) أليسا موجودين؟ طلبة: بلى. الشيخ: إذن اشتركا في الوجود لكن هل يلزم من اشتراكهما في الوجود تساويهما فيه؟ لا، قد يكون هذا موجودًا واجب الوجود، والثاني موجودًا جائز الوجود. اشتركا أيضًا في القيام بالنفس أليس كذلك؟ كل منهما قائم بنفسه لكن بينهما فرق؛ أحدهما: قائم بنفسه استقلالًا، والثاني: قائم بنفسه بإقامة غيره له، أليس كذلك؟ والذات، في مسمى الوجود والقيام بالنفس، والذات ونحو ذلك، ويش معنى الذات؟ يعني كل شيئين قائمين بأنفسهما كل منهما ذات. فإذن لا بد بضرورة العقل من تساوي كل شيئين موجودين في الأصل المشترك بينهما وهو الوجود، والقيام بالنفس والذات، والاتفاف بالصفات، وما أشبه ذلك. (فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، فإنه لا بد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك) يعني وعُلِم أن كذلك يقتضي التعطيل المحض. (وأنه لا بد من إثبات خصائص الربوبية وقد تقدم الكلام على ذلك، ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد فصار من قال: إن لله علمًا أو قدرة، أو أنه يُرى في الآخرة، أو أن القرآن كلام الله مُنَزَّل غير مخلوق، يقولون: إنه مُشَبِّه ليس بموحِّد). شوف -والعياذ بالله- يقولون: نفي الصفات من توحيد الله، ما يتم التوحيد إلا بنفي الصفات؛ لأنه مر علينا مقالة الجهمية والمعتزلة أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، والتشبيه تشريك بين الخالق والمخلوق في هذه الصفة، فليزم على قولهم أن من شرط التوحيد ويش من شرطه؟ نفي الصفات؛ ولذلك هم قالوا: نحن أهل التوحيد، إحنا اللي وحدنا الله، وأنتم إذا قلتم: إن لله علمًا معناه أثبتم مع الله شيئًا وهو العلم. إذا قلتم: لله قدرة أثبتم أن مع الله شيئًا وهو القدرة، وهذا ليس بتوحيد. ولذلك يقول: كذلك إذا قالوا: إن الله يُرى في الآخرة كمال التوحيد؛ لأن الإنسان يُرى، فقد جعلت لله تعالى شريكًا في الرؤية وهكذا، وقد تقدم أن هذا أمر ليس بصحيح، وأنه لا يلزم التشبيه، إلى آخره (...) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد على وآله وأصحابه أجمعين. تقدم أن المؤلف رحمه الله قال: إنه لا يوجد في مقالات أحد من الناس إثبات خالقين للعالم متساويين في جميع الصفات. وسبق أنه يقول: (إن النظار من المتكلمين وغيرهم يرون أن التوحيد هو أولًا أن الله تعالى واحد في ذاته)، ويش معناه؟ (لا قسيم له)؛ بمعنى أنه لا (...)، (وواحد في صفاته لا شبيه له)، (وواحد في أفعاله لا شريك له، ويرون أن هذا هو غاية التوحيد). وقال المؤلف عنهم: (إن أشهر أنواع التوحيد عندهم هو النوع الثالث، أنه واحد في أفعاله لا شريك له). وبيَّن المؤلف رحمه الله أنه لم يقل أحد من الخلْق: إن الله تعالى له مشارك في أفعاله مساوٍ له من كل وجه أبدًا، وأن هذا التوحيد الذي قالوه هو والتوحيد الذي قاله المشركون على حد سواء؛ فإن المشركين الذين يعبدون مع الله غيرَهُ، لا ينازعون هؤلاء في قولهم: إن الله واحد في أفعاله لا شريك له، بل هم يقولون -أي المشركون-: إن الله واحد في أفعاله، لا شريك له، وبينا أن هذه الأنواع الثلاثة عندهم قد نقصها نوع مهم وهو توحيد الألوهية؛ لأنهم لم يقولوا: وواحد في ألوهيته لا شريك له، ما قالوا هكذا، وإنما معنى الإله عندهم هو القادر على الاختراع، فيجعلون (إله) بمعنى (آلِه)، والحقيقة أن (إله) بمعنى (مألوه) وليس بمعنى (آلِه)، أي: معبود كما سيذكره المؤلف فيما بعد. ثم ذكر المؤلف رحمه الله بعد هذا أن هذا التوحيد بجميع أنواعه فيه نقص، فسيأتي أن قولهم: (واحد في ذاته لا قسيم له) أنهم يريدون بذلك نفي الصفات الخبرية بأن الله ليس له يد، ولا وجه، ولا عين، ولا رجل، وما أشبه ذلك، يقولون: لو كان له هكذا لكان له قسيم، وكان يتجزأ، ويتقسم من أقسام وأجزاء، فجعلوا هذا التوحيد ويش يتضمن؟ يتضمن إنكار الصفات التي وصف الله بها نفسه. كذلك (واحد في صفاته لا شبيه له)، هذا أيضًا قاصر؛ لأن كلمة (لا شبيه له) المعتزلة ينكرون الصفات ويقولون: إن هذا توحيد؛ لأننا لو أثبتنا الصفات لشبهنا الله بخلقه، والله تعالى واحد في صفاته لا شبيه له. فتبين أيضًا أن هذا التوحيد مُجمل، فيه حق وباطل؛ لأنهم إن أرادوا (لا شبيه) مطلق المشابهة فهذا ليس بصحيح، (ما من موجودين -كما قال المؤلف- إلا وبينهما اشتراك في مطلق الصفة كالوجود والذات والقيام بالنفس وما أشبه ذلك). لو (أرادوا لا شبيه له) المشابهة المطلقة، هذا أيضًا خطأ؛ لأنه ما من أحد يقول: إن الله تعالى له شبيه مُشابهة مطلقة، فتبين أيضًا أن هذا التعريف بالتوحيد ناقص. (واحد في أفعاله لا شريك له)، المؤلف أيضًا سينتقضهم على هذا الإطلاق والإجمال؛ لأنه يقول: ما من أحد يقول: إن لله مشاركًا في أفعاله مساوٍ له من كل وجه أبدًا، حتى القدرية اللي يقولون: إن العبد يخلق فعله، وإن الله ما خلق فعل العبد لا يرون أن العبد مستقل ومشارك، يرون أن الله خالق للعبد، وخالِق لقدرته التي مكنَّتْه من الفعل. كل هذا أظنه اتضح في درس أمس ولَّا لا؟ زين، إذن بنناقش هذا الكلام، أو هذا التوحيد الذي زعم هؤلاء النظار أنه هو التوحيد، فصار مناقشتنا له بيان أن هذه الكلمات الرنانة الطنانة التي من سمعها قال: هذا هو الغاية، عليها مؤاخذات ولَّا لا؟ عليها مؤاخذات، كما أنه ناقص هذا التعريف أيضًا، ناقص من جهة أنهم أسقطوا أي شيء؟ توحيد الإلهية، وتعرفون أن الكتاب هذا يتضمن أمرين: توحيد الصفات، وقد سبق، والثاني: توحيد العبادة، وهذا هو الأصل الثاني كما مر علينا، والمؤلف رحمه الله يناقشهم مناقشة دقيقة، ويأخذ بأنفاسهم في كل ما يقولون. طالب: (...) توحيد الألوهية (...). الشيخ: لا، بيجيبه، كل الكلام الآن المقبل علينا كله في تقرير إبطال هذا التنويع، ثم الإتيان بتوحيد الألوهية.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد فصار من قال: إن لله عِلمًا أو قُدرة، أو أنه يُرى في الآخرة، أو إن القرآن كلام الله مُنَزَّل غير مخلوق يقولون: إنه مشبه ليس بموحد. الشيخ: شوف الآن صار أيضًا واحد في صفاته لا شبيه له، هذا الإجمال صحيح ولَّا لا؟ طلبة: صحيح. الشيخ: لا، غير صحيح، الإجمال هذا غير صحيح، يحتاج إلى تفصيل؛ ولذلك شوف الجهمية يقولون: إن نفي الصفات توحيد، إذا أثبت لله صفة فأنت مُشَبِّه غير مُوحِّد. الطالب: وزاد عليهم غلاة الفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم فهو مشبه ليس بموحد، وزاد عليهم غلاة الغلاة وقالوا: لا يُوصف بالنفي ولا الإثبات؛ لأن في كل منهما تشبيهًا له، وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر مما فروا منه؛ فإنهم شبهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارًا من تشبيههم -بزعمهم- له بالأحياء، ومعلوم أن هذه. الشيخ: فهمتم الآن؟ حتى الأشاعرة الذين أنكروا بعض الصفات يقولون: إن نفي الصفات التي نفيناها ما هو؟ توحيد، ثم الذين أنكروا الصفات وأثبتوا الأسماء مثل الجهمية والمعتزلة يقولون: إن نفي الصفات وإثبات الأسماء توحيد، ثم إن الذين أنكروا حتى الأسماء مثل غلاة الفلاسفة والقرامطة وشبههم يقولون: إن نفينا للأسماء والصفات توحيد، ثم غلاة الغلاة الذين أنكروا وصْفه بالإثبات وبالنفي يقولون: إن هذا هو التوحيد؛ لأن إثبات ذلك تشبيه، والتشبيه يُنافي التوحيد؛ لأنه واحد في صفاته لا شبيه له، فتبين الآن أنه حتى التعريف الثاني، التعريف الثاني اللي هو قولهم: (واحد في صفاته، لا شبيه له) أنه على إجماله فيه حق وباطل، وهذه المناقشة من المؤلف قوية جدًّا، وهكذا يجب علينا ألا نغتر بظاهر اللفظ؛ لأننا إذا قرأنا أقسام التوحيد عند هؤلاء النظار ويش نظن؟ طالب: التوحيد الكامل. الشيخ: نظن هذا غاية التوحيد، وهذه القمة، لكن عندما نناقش ونعرف ما يريد هؤلاء نعرف المقصود. فالحاصل أنه يجب علينا أن نعرف كيف نبطل هذا التعريف بالتوحيد عند هؤلاء النظار. الطالب: ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلًا، وهو سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات؛ فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك، فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدًا، ويجعلون مقابل ذلك تشبيهًا، ويسمون أنفسهم الموحدين. الشيخ: أنا عندي (مقابل ذلك التشبيه). الطالب: (ويجعلون مقابل ذلك التشبيه ويسمون أنفسهم). الشيخ: التشبيه كذا؟ والصحيح أن التشبيه أنه يقال أحسن من اللي في المثبت؛ يعني يجعلون مقابل ذلك التشبيه (...) تشبيهًا، يجعلون مقابل ذلك تشبيهًا. طالب: بحذف هذه الكلمة. الشيخ: إي، لو حذفتوها يكون طيبًا ويكون تشبيهًا بالنصب. الطالب: وكذلك النوع الثالث وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته. الشيخ: شوف كلام المؤلف بدأها من الآخر أو لا؟ بدأها من الآخر يعني رد أولًا على قولهم: (واحد في أفعاله لا شريك له)، ثم رد على قولهم: (واحد في صفاته لا شبيه له)، ثم رد على قولهم: (واحد لا قسيم له في ذاته)، فجعل النوع الأول عند الرد جعله النوع الثالث، يسمون هذا لفًّا ونشرًا مشوشًا؛ يعني غير مرتب. الطالب: وكذلك النوع الثالث وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له، أو لا بعض له، لفظ مُجمل، فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق أو يتجزأ، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء، لكنهم يدرجون. طالب آخر: (فيمتنع عليه أن يتفرق أو يتحيز). الشيخ: والله أحسن (يتحيز) أحسن؛ لأنه يكون قد ركب من أجزاء هذا يتجزأ يتفرق أو يتحيز؟ طالب: عندي (يتجزأ). الشيخ: لا، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء. طالب: (...). الشيخ: إي، حطوا (أو يتحيز) بدل (أو يتجزأ)، (فيمتنع عليه أن يتفرق أو يتحيز أو يكون قد رُكِّب من أجزاء). الطالب: لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه ومباينته لخلقه وامتيازه عنهم. الشيخ: إي، يعني نقول: التحيز ممنوع، ولا يمكن يصير فوق العالم، ولا ينحاز عن المخلوقات وما أشبه ذلك. الطالب: ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد. الشيخ: كذلك أيضًا ينكرون اليد والوجه والعين بحجة أن هذه أجزاء، وأن التوحيد هو أن توحد الله في ذاته فتقول: لا قسيم له، ويجعلون هذا من التقسيم، فصاروا في الحقيقة يريدون بهذه الكلمات المجملة ويش يريدون بها؟ معنًى باطلًا، ويجب هنا أن نلاحظ أنهم يدسون السم في الدسم. يقولون مثلًا -وهذه ما هي من الدرس ولكن على سبيل التمثيل-: سبحان من تنزه عن الفحشاء، ويش لون ها الكلمة ذي؟ طلبة: (...). الشيخ: لا، زينة ولَّا لا؟ طالب: زينة. الشيخ: سبحان من تنزه عن الفحشاء، الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف: ٢٨]. طالب: ظاهرها. الشيخ: فأنت عندما تقول ها الكلمة تقول: هذه طيبة، لكن هم يريدون بقولهم: (سبحان من تنزه عن الفحشاء) أن فعال العباد ليست مخلوقة لله؛ لأن أفعال العباد تتضمن الفحشاء، يقولون: (سبحان من تنزه عن الأبعاض، والأعراض، والأغراض؛ بالغين)، فهذه كلمات مجملة وزينة ظاهرها، لكن يريدون بـ(من تنزه عن الأبعاض)؛ يعني أنه ليس له وجه ولا يد ولا عين، والأعراض يعني ما يغضب، ولا يحب، ولا يرضى، ولا يكره؛ لأن هذه أعراض صفات عَرَضية. والأغراض يعني الحكمة؛ أن الله ما هو بحكيم، فتجدون أن هذه الكلمات اللي يسمعها يقول: هذه طيبة. إحنا عندما قرأنا أمس في التوحيد بأقسامه قلنا: ما فيه إلا نقص؛ توحيد الألوهية، تبين الآن أنه كله نقص ولَّا لا؟ تبين من مناقشة المؤلف رحمه الله؛ لأنه يعلم خباياهم تبين أن كله نقص؛ لأنهم يريدون بهذا اللفظ المجمل معاني باطلة. ولاحظوا ما يترتب، أو ما يُعارَض به كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة؛ لأن هذا مهم جدًّا؛ يعني الأسئلة أو الاعتراض الذي يمكن أن يُورد على كل قسم من هذه الأقسام. فهمتم ما يُورد على قولهم في أفعاله: (لا شريك له)، وما يورد على قولهم في صفاته: (لا شبيه له)، وأن منهم من جعل إنكار الصفات من التوحيد. وما يرد على قولهم: (واحد في ذاته لا قسيم له) فيجب يا جماعة أن تنتبهوا لهذا الأمر. الطالب: فقد تبين أن ما يسمونه توحيدًا فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًّا فإن المشركين إذا أقروا بذلك.. الشيخ: يعني لو قُدِّر أنهم أرادوا بظاهره معناه الحقيقي، مع أنهم ما يريدون هذا كما سبق، لكن لو فُرض أنهم أرادوا المعنى الحقيقي المتبادر من هذا اللفظ هو حق فإن المشركين إذا أقروا بهذه الأشياء هل يكونوا مُوحِّدين؟ طلبة: لا. الشيخ: ويش باقٍ عليهم؟ توحيد الألوهية. الطالب: فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به في القرآن وقاتلهم عليه الرسول. الشيخ: لم يخرجوا من الشرك الذي. طالب: الذي وصفهم الله به. الشيخ: (وصفهم الله به). الطالب: لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بل لا بد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله. طالب آخر: (لا بد أن تؤمنوا بأنه لا إله إلا الله). الشيخ: لا، (يعترفوا) أحسن. يا جماعة الآن، فهمنا أن هذا التعريف للتوحيد الذي زعمه المتكلمون غاية التوحيد، عليه مناقشات أو لا؟ أولًا: من جهة قصوره حيث أسقط توحيد الألوهية وعلى هذا فليس بصالح إطلاقًا. ثانيًا: من جِهة إجماله، حيث إن هذا الكلام اللي قالوه يدخل فيه أشياء هم أنكروها والله تعالى أثبتها، فهذه المناقشة؛ يعني إذا قيل لك: ناقش هذه العبارة من جميع الوجوه تناقشها أولًا: من حيث معناها اللي فيه حق وباطل. تناقشها أيضًا من حيث قصورها؛ حيث سقط منها توحيد الألوهية حتى لو قُدِّر أن هذه الكلمات الثلاث حق فإنه قد سقط منها توحيد الألوهية اللي قاتل الرسول عليه الصلاة والسلام المشركين عليه. الطالب: وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه بل الإله الحق هو الذي يستحق بأن يُعبد فهو (إلَه) بمعنى (مألُوه)؛ لا (إله) بمعنى (آلِه)؛ والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر، وإذا تبين أن غاية.. الشيخ: إذن (الإله) بمعنى (مألوه)، ومعنى (مألوه) أي: معبود، أو مستحق أن يعبد، حتى لو قلت: (لا معبود) غير صحيح في الواقع؛ لأنه قد عُبِدَ من دون الله من ليس إلهًا؛ فإذن: نقول لا مستحق؛ ولهذا المؤلف رحمه الله يقول: بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يُعبد، أما هذه الآلهة فليست حقًّا، ليست آلهة حقًّا، لماذا؟ لأنها لا تستحق أن تُعبد. طالب: فهو إله بمعنى (مألوه)؛ لا إله بمعنى (آلِه)، معنى (آلِه)؟ الشيخ: (آلِه) فاعل، وإذا قلنا: الإله القادر على الاختراع؛ صار معنى الإله أي: الآلِه القادر. الطالب: وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار أهل الإثبات للقدَر المنتسبون إلى السنة إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مُقرِّين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف.. الشيخ: إذن ليس ما يقرره هؤلاء هو التوحيد ما دام أن المشركين يُقرون به، ويقررونه أيضًا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، ومع ذلك فهم مشركون، فدل هذا على أن ما ذكره هؤلاء ليس بتوحيد عند الله. طالب: فقد تبين أن ما يسمونه توحيدًا فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، هل الحق هو قولهم: (إن الله واحد في صفاته لا شريك له)؟ الشيخ: إذا جعلناه على ظاهره. طالب: هل له غير الظاهر؟ الشيخ: إي؛ لأن معنى لا شريك له، هؤلاء القدرية مثلًا ينكرون أن الله سبحانه وتعالى يخلق أفعال العباد، فيجعلون لله شريكًا، لكنه لا يساوي الله تعالى في خلقه، وكذلك الثنوية -كما رأيتم- يقولون: إن العالم له خالقان: النور، والظلمة، فإذا جعلناه على ظاهره فهو حق، كما أن قولهم: (واحد في صفاته لا شبيه له) على ظاهره حق لكن هم يريدون به معنى باطلًا؛ فلذلك نقول: هذا فيه حق، وفيه باطل، أما إذا أرادوا به المعنى الحق صار حقًّا، وإن أرادوا به المعنى الباطل صار باطلًا؛ ولهذا يقول المؤلف: إنه لفظ مجمل. اللفظ المجمل اللي يحتمل معنيين. طالب: طيب هذه المقالة (...).. الشيخ: من؟ الطالب: أصحاب المقالات؟ الشيخ: أي مقال؟ الطالب: اللي قالوا: إن الله (...). الشيخ: لا، هؤلاء المتكلمون مثلما قال هو، قال: (إن هذا التوحيد عند المتكلمين وكثير من النظار). طالب: طيب يكون كلامه ما يستحق أن يعبد (...). الشيخ: إي، إحنا نريد توحيدًا تتفق عليه الأمة، وهذا التوحيد ما اتفقت عليه الأمة (...)؛ لأنه شوف حتى على قولهم: (واحد في أفعاله لا شريك له) أول ما رد عليهم المؤلف، فيجب أن نرجع إلى هذا، ونناقش هذه العبارة، قال: ما فيه أحد من الخلق يقولون: (إن مع الله خالقًا مساويًا). الطالب: وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وأن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها ومعلوم أن هذا.. الشيخ: حطوا بالكم لهذا، (العارف) يطلقونه على الصوفية، شيوخ الصوفية يسمونهم (العارفين)، يقولون: هو اللي يعرف الله، هؤلاء عندهم فناء في التوحيد؛ في توحيد الربوبية؛ بمعنى -كما قال المؤلف-: (أنه يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لكنه يغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته)، ويش معنى يغيب بهذه الأشياء؟ يعني عندما يفكر هو بزعمه، يفكر في الله سبحانه وتعالى، يغيب حتى عن نفسه، ينسى نفسه فيقول: (إنه يغيب بموجوده عن وجوده)، موجوده ما هو؟ الله. و(عن وجوده) عن كل الوجود، ويصير ينسى كل شيء حتى نفسه. ولا شك أن هذه حالة قد ترد للإنسان مع قوة العبادة والرغبة والمحبة لكنها قاصرة في الحقيقة؛ لأنه إذا غاب بموجوده عن وجوده؛ صار كأنه آلة لا تعمل بنية، ويغيب حتى عن عبادته، ما يدري ماذا يصنع في عبادته؛ لأنه مثلما لو قلنا: إن الإنسان إذا لاقاه صديق له يحبه حبًّا شديدًا لاقاه لأول مرة؛ تجد أنه ويش يكون حاله؟ يندهش وينسى كل شيء كأن لا شيء أمامه سوى هذا الإنسان، حتى إنه ربما يتصرف من شدة الفرح تصرفًا غير لائق؛ لأنه اندهش، راح ذهنه وفِكْره وقلبه لهذا الشيء الوارد على قلبه. (هؤلاء يغيبون بمعبودهم عن عبادتهم) حتى عن العبادة ما يدري ويش لون؟ هو يصلي الآن، ويركع ويسجد، ويقوم، ويقعد، ويسبح، ويقرأ، يغيب عن هذا؛ لأن ما في قلبه الآن مُشاهَد إلا المعبود، فيغيب عن نفسه وعن فعله، يرون أن هذه غاية الكمال. والصواب أنها ليست غاية الكمال، بل هذه نقص، الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه أكمل العابدين وأول العابدين، هل غاب بمعبوده عن عبادته؟ أبدًا، كان يسمع بكاء الصبي وهو في الصلاة فيوجز مخافة أن تفتتن أمه. أليس كذلك؟ وكان عليه الصلاة والسلام يرى أصحابه من ورائه ويراهم إذا تأخروا في الصفوف. وكان صلى الله عليه وسلم أيضًا يبقى للحسن وهو ساجد حتى يقضي نهمته من ركوبه على ظهره. فهل غاب الرسول عليه الصلاة والسلام بمعبوده عن عبادته؟! طلبة: لا. الشيخ: لا، وهل هؤلاء أكمل من الرسول؟ لا، ليسوا أكمل من الرسول عليه الصلاة والسلام بلا شك. فالحاصل أن هؤلاء يجعلون غاية المعرفة والتحقيق أن يصل المرء إلى هذه الغاية، نقول: لا، الغاية أن يكون الإنسان متزنًا قائمًا بهذا وبهذا، يعبد الله حقًّا لكنه لا يغيب بمعبوده عن عبادته، ولا بموجوده عن وجوده، ولا بمعروفه عن معرفته، المعروف الله سبحانه وتعالى، يغيب بالمعروف عن معرفته حتى كأنه لا يعلم شيئًا، ولا كأن شيئًا أمامه من الدنيا، كل هذا في الحقيقة وإن كانوا يعدونها كمالًا فهى في الواقع نقص بلا شك. طالب: هل يجوز (...)؟ الشيخ: لا. الطالب: (...). الشيخ: أبدًا، هذه بدعة، وأيضًا ربما تؤدي إلى الوحدة؛ وحدة الوجود، إذا قال: أنت وجودي؛ معناه يجعل الله ونفسه هو الله. الطالب: (...). الشيخ: لا، هذا منكر عظيم جدًّا؛ أولًا: لأنه لم يرد في الشرع وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]. وهل من أسماء الله موجود؟ ليس من أسماء الله الموجود، يصح أن تخبر بأن الله موجود، لكن ما يجوز أن تسمي الله بأنه موجود؛ لأن الموجود اسم مُطلق يشمل الناقص والكامل والخبيث والطيب، وما كان منقسمًا لا يمكن أن يقال بإطلاقه على الله عز وجل، لكن هذه من العبارات المبتدعة التي يجب النهي عنها وإنكارها. الطالب: ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا. الشيخ: إي، يقول كذلك أيضًا، ودخل في فناء توحيد الربوبية حيث يفنى من لم يكن. ويش ما (...) (من لم يكن) كل شيء يفنى إلا الله، يفنى من لم يكن، كل الكائنات لم تكن من قبل، ولَّا لا؟ ويبقى من لم يزل، من هو؟ الله لم يزل ولا يزال موجودًا. المعنى أنه يغيب عن كل شيء إلا عن الله، ولا شك أن هذه الحال قاصرة، وأنها لا يكمل بها لا دنيا ولا دين، حتى الدين لا يكمل بها فضلًا عن الدنيا، الدنيا (...)، وكذلك أيضًا الدين لا يكمل بها، وهذا مما يدخله الشيطان على بعض الناس، وأقول لكم: إن هذه مسائل خطيرة؛ لأن حقيقة العبادة الاتباع، العبادة مبنية على أمرين هامين: الحب، والثاني: التعظيم؛ فبالحب يكون الإخلاص؛ لأنك إذا أحببت الله أخلصت له، وبالتعظيم تكون المتابعة وعدم الخروج عن شرعه، كل إنسان يعبد الله بغير هذين الأصلين فليس بعابد، فلا بد من إخلاصٍ منشؤه الحب، وهذه مرت علينا قبل، أظنها ولا بد من تعظيم (...) المتابعة، متابعة الشرع منشؤها التعظيم. الطالب: ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلمًا فضلًا عن أن يكون وليًّا لله، أو من سادات الأولياء، وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقررون هذا التوحيد مع إثبات الصفات فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المباين لمخلوقاته، وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا، وهذا شر من حال كثير من المشركين. الشيخ: لأن بعض المشركين يقرون بالصفات، وينكرون البعض، وهؤلاء ينكرون جميع الصفات، فما رأيكم في توحيد يكون كثير من المشركين خيرًا منه؟! رأينا هذا التوحيد أنه ليس بتوحيد. الطالب: وكان جهم ينفي الصفات ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم لكنه إذا أثبت الأمر والنهي والثواب والعقاب فارق المشركين من هذا الوجه، لكنَّ جهمًا ومن اتبعه يقول بالإرجاء؛ فيضعف الأمر والنهي والثواب والعقاب عنده. طالب آخر: ما هو الإرجاء؟ الشيخ: الإرجاء معناه هو أولًا: تعرفون الجهمية يقولون بالجبر، ويش معنى الجبر؟ أن الإنسان مُجبَر على عمله، ما له إرادة ولا اختيار، لكنهم هذا يكون فيه تعظيم للأمر والنهي، لكنه يقول بالإرجاء، والقول بالإرجاء يُضعِف الأمر والنهي، الإرجاء معناه أن الطاعات ليست داخلة في الإيمان، وأن الإيمان هو الإقرار بالقلب، وعلى هذا فالأعمال لا تدخل في الإيمان، فلا ينقص الإيمان معصيةٌ، ولا يزيده طاعةٌ، يقول: أفجر الناس وأتقى الناس في الإيمان سواء. ولذلك عند جهم ومن تَابَعَه: الزاني، والسارق، وشارب الخمر، واللائط، كل هؤلاء ليسوا فسَّاقًا، هؤلاء مؤمنون كاملو الإيمان، إيمانهم مثل إيمان جبريل وميكائيل ومحمد صلى الله عليه وسلم، إذا كان الإنسان يعتقد هذه العقيدة، هل يضعف الأمر والنهي في حقه؟ بمعنى: هل يتهاون بالأمر والنهي ولَّا لا؟ يتهاون، ما دام يقول الرجل: إنه سيكون مؤمنًا كامل الإيمان لو زنى، ولو سرق، ولو شرب، الخمر، ولو قتل النفس الإيمان يكون الأمر والنهي لديه ضعيفًا ولَّا لا؟ ضعيف؛ ولهذا يقول: إن القول بالإرجاء يضعف الأمر والنهي والعقاب والثواب. عنده الزاني، والسارق، وقاتل النفس، وما أشبه ذلك؛ ما يدخلون النار؛ لأن عنده هذا ما له تعلق بالإيمان، وكل مؤمن فهو في الجنة، وعلى هذا فكل من عمل هذه الكبائر فإنها لا تنقص إيمانه ولا تحول بينه وبين دخول الجنة بدون أن يدخل النار. رجل يعتقد هذه العقيدة ماذا يكون ميزان الأمر والنهي والعقاب والثواب عنده؟ طالب: يضعف. الشيخ: لا شيء، ولا (...) حقيقة مذهب جهم اللي هو الإرجاء، الحقيقة أنه يصلح لفُسَّاق هذا الزمان ولَّا لا؟ إي نعم، يقولون: ما دام أن الواحد يزني ويسرق ويشرب الخمر وكل شيء وهو مؤمن كإيمان جبريل وميكائيل ومحمد هذا طيِّب، خلونا نزني ونسرق ونفعل الأشياء اللي إحنا نبغي، والحمد لله، ونرفع الرايات على أننا مؤمنون كإيمان محمد وجبريل وميكائيل، ولا شك أن هذا قول من أبطل الأقوال. يقولون: إن الجهمية فيهم ثلاثة جيمات، أعاذك الله من الجيمات: الجهم، والجبر، والإرجاء، وبئس الجيمات الثلاث! طالب: المرجئة هم الجهمية؟ الشيخ: لا، غلاة المرجئة هم الجهمية، وإلا فيه مرجئة آخرون كما سيذكره المؤلف إن شاء الله قريبًا أقل منهم، أقل من وجه، وأردأ من وجه آخر. الطالب: والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع مقاربتهم له أيضًا في نفي الصفات، والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات؛ فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة كما فصلت أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة. والكلابية هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب الذي سلك الأشعري خطته، وأصحاب ابن كلاب. الشيخ: إذن صار الكلابية متقدمين على الأشعرية. طالب: شيخ، الكلابية؟ الشيخ: هم أتباع الرجل هذا أبي محمد عبد الله بن سعيد. الطالب: وأصحاب ابن كُلَّاب -كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي ونحوهما- خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل، والكرامية قولهم في الإيمان قول منكرٌ، لم يسبقهم إليه أحد. طالب آخر: بالنسبة للأشعرية هل يُحكم بكفرهم؟ الشيخ: لا، ما يحكم بكفرهم، ومسألة التكفير، ما علينا إحنا الآن، ما نتكلم بالتكفير وغير التكفير، نتكلم في المقالات؛ هذه المقالة خاطئة، وهذه مقالة خاطئة؛ لأن مسألة التكفير مسألتها دقيقة جدًّا، ما تعنينا هذه المسألة. طالب: أقرب الطوائف إلى أهل السنة والجماعة؟ الشيخ: في الحقيقة، ما نستطيع أن نحكم حكمًا عامًّا؛ لأن بعضهم يكون أقرب إلى أهل السنة والجماعة في باب وأبعد في باب آخر، فمثلًا الأشاعرة بالنسبة للمعتزلة لا شك أنهم أقرب إلى أهل السنة والجماعة في باب الصفات. طالب: في العموم يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما نستطيع نقول: على العموم مثلما قلت لك: لأنهم قد يكونون قريبين كثيرًا في القدر مثلًا، في الإرجاء، فلا يمكن أن تُفضِّل بعضهم على بعض على سبيل الإطلاق، نقول: في الصفات لا شك أن أقربهم الأشعرية بل الماتريدية أقرب منهم؛ لأنهم يزيدون على الأشعرية بعض الصفات التي ينكرها الأشاعرة. طالب: هل يجوز موالاتهم؟ الشيخ: ما أتكلم عن هذا، هذه مسألة تعود إلى مسألة أخرى، موالاتهم، ومناصرتهم، والحكم بكفرهم أو فسقهم، هذا له باب آخر، نتكلم الآن ويش هو عليه؟ عن مقالاتهم، وهل هي توحيد على زعمهم ولَّا غير توحيد؟ طالب: كتاب يتكلم عن حكم الطوائف. الشيخ: هذه يتكلم عليها شيخ الإسلام في الفتاوى، يتكلم عليها يقينًا، لكن عاد متشتتة ما هو في مقام واحد. الطالب: والكرَّامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنًا لكنه يُخلَّد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم، وأما في الصفات والقدر والوعيد. الشيخ: خليكم معنا، هادولا أيضًا من المرجئة، المرجئة الأولون الجهمية يقولون: الإيمان ما هو؟ طالب: (...). الشيخ: لا، يقولون الجهمية وهم المرجئة، يقولون: الإيمان مجرد إقرار بالقلب، إذا أقررت أن الله موجود، خلاص هذا الإيمان، القول لا يدخل في الإيمان، الفعل لا يدخل في الإيمان، الكرَّامية يقولون: العقيدة ما لها دخل في الإيمان، الإيمان قول اللسان فقط، وإن كان مع عدم تصديق القلب. على رأي هؤلاء يكون المنافقون مؤمنين، ولَّا لا؟ لكن مع ذلك يقول: (المنافق مؤمن مخلد في النار، وافقوا الجماعة في الاسم دون الحكم)، الحكم واحد. ولَّا لا؟ يقول: (فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم) إذن وافقوهم في الحكم دون الاسم؛ يعني المنافق نحن نقول: إنه مُخلَّد في النار، وهم يقولون: إنه مخلد في النار لكن إحنا نقول: منافق ليس بمؤمن، وهم يقولون: مؤمن. فصار عندنا الآن طائفة المرجئة الذين يجعلون الإيمان مجرد الاعتقاد بالقلب، الثاني: الكرَّامية يقولون: الإيمان ما هو؟ قول اللسان. أهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان إقرار القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان، كل هذه من الإيمان. والله الموفق. طالب: الكرَّامية يا شيخ؟ الشيخ: أتباع عبد الله بن كرام، في هذا كتاب لشيخ الإسلام يمكن تراجعون الملل والنحل، تراجعون هذه الطوائف إن شاء الله. طالب: شيخ، منشأ ها الطوائف (...)؟ الشيخ: منشؤهم من أئمتهم يضل الواحد؛ ولهذا زلة العالم ما هي بهينة، يضل العالم (...) مُعظمًا له (...)


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عَظَّمُوا الأمر والنهي والوعد والوعيد وغلوا فيه يكذبون بالقدر؛ ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب، والإقرار بالأمر والنهي. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. أظنكم تعرفون الفرق بين المعتزلة والجهمية والموافقة؛ يوافقون الجهمية والخلاف في نفي الصفات، والمؤلف يقول: (يقاربون قول جهم)؛ لأن جهمًا يُنكر جميع الصفات بدون تفصيل، وأولئك يثبتون ثلاث صفات وهي: الحياة، والعِلْم، والقُدْرة، اللي هم المعتزلة، وإن كانوا يفسرونها بغير تفسير أهل السنة والجماعة فهم في الصفات في الحقيقة مثل الجهمية أو مقاربون لهم في باب الإرجاء، على العكس من الجهمية؛ لأن الجهمية يقولون بالإرجاء، والمعتزلة على العكس يقولون بالمنزلة بين المنزلتين. مثال ذلك: مثلًا فاعل الكبيرة عند الجهمية ما حكمه؟ مؤمن كامل الإيمان، وعند المعتزلة ليس بمؤمن ولا كافر أيضًا لكنه مُخلَّد في النار، وهو في منزلة بين المنزلتين، شوف الفرق بينهم الآن واضح؛ الجهمية يقولون: إن فاعل الكبيرة مؤمن، كامل الإيمان، ولا يدخل النار، وأولئك يقولون: فاعل الكبيرة ليس عنده إيمان، ليس بمؤمن، لكن ليس بكافر، بل في منزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فهو مُخلَّد في النار، فخالفوا الجهمية مخالفةً تامة في أحكام الدنيا وأحكام الآخرة. في باب القَدَر أيضًا على العكس من الجهمية تمامًا؛ لأنهم ينكرون القَدَر، والجهمية يثبتونه مع المغالاة، فيثبتون الجبر، وفَرْق بين الإنسان الذي يقول: إن العبد يفعل فعله باختياره وإرادته وليس لله فيه إرادة ولا اختيار، وبين الذي يقول: إن العبد يفعل بدون اختيار ولا إرادة وهو مُجبَر على فعله؛ لأن ذلك تقدير الله. إذن فهمتم الآن الوجوه التي يتفق فيها الجهمية والمعتزلة ويختلفون فيها. هم يُعظِّمون الأمر والنهي، والوعد والوعيد؛ لأنهم مثلما قلت لكم يقولون: اللي يفعل الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر أيضًا، في منزلة بين المنزلتين، وهذا هو تعظيم الأمر والنهي لكن مُغالى فيه، يقولون: أي مخالفة تقع من الإنسان في الكبائر تخرجه من الإيمان، إذن هذا يكون تعظيمًا ولَّا لا؟ يكون تعظيمًا للأمر والنهي، أولئك لا يُعظِّمون الأمر والنهي؛ لأنهم يقولون: كل معصية من الإنسان لا تضره، لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. طالب: المعتزلة؟ الشيخ: من؟ طالب: (...). الشيخ: أي: كلامك؛ لأنك تتكلم كلامين متضادين. طالب: الأخير (...). الشيخ: إي نعم، المعتزلة. طالب: (...) الله سبحانه وتعالى (...). الشيخ: إي، هذا كلامهم يقولون: إنه (...) أفعال العبد؛ لأنه لو قدر أفعاله وعاقبه عليها صار ظلمًا. الطالب: والإقرار بالأمر والنهي والوعد والوعيد. طالب: (...) وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩]. الشيخ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ. طالب: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. الشيخ: إي ويش هي؟ طالب: موقف أهل السنة والجماعة من هؤلاء؟ الشيخ: موقفهم وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] هذا معنى وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَيعني أنت سببها، هذا المعنى، تصير الآية: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ. طالب: إن الحسنات (...). الشيخ: الحسنات فضل من الله، ما لك فيها حول ولا قوة، وأما السيئات فأنت أسبابها. الطالب: فهم يكذبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب، والإقرار بالأمر والنهي والوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد. الشيخ: صحيح، وهذا واضح أنه خير؛ لأن الأول يتضمن أن أمر الله ونهيه يكون عبثًا، يعني الثاني أقصد، الذي يُعظِّم القضاء والقدر، وينكر الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ يصير أمر الله ونهيه من سبيل العبث ليس له فائدة، ما دام أنك تأمره، ثم تجبره ألا يفعل، وتنهاه وتجبره أن يفعل ويش يكون هذا؟ هذا من باب العبث، أدنى ما أن نقول: إنه عبث، قد نقول: إنه ظلم أيضًا، لكن الذي يُعظِّم الأمر والنهي ويقول: إن الإنسان له اختيار وإرادة، وإذا فعل المنهيات وترك المأمورات فهو يعاقَب عليها، هذا خير من الذي يقول: إنه لا يُعاقَب، بل أنه إذا عُوقِب فهو مظلوم. الطالب: ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولكن نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج والحرورية. طالب آخر: ولكان قد نبغ. الشيخ: لا، وكان والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم، وأنت ويش عندك؟ طالب: وكان نبغ. الشيخ: والوعد والوعيد؟ طالب: ولكن نبغ فيهم القدرية. الشيخ: إي طيب. الطالب: كما نبغ فيهم الخوارج والحرورية. الشيخ: عندنا (الخوارج والحرورية)، وهي على كل حال ما تصلح المغايرة؛ لأن المعروف أن الخوارج يلقبون بالحرورية وإن كانوا أعم، الخوارج أعم من الحرورية؛ لأنه يشمل كل من خرج على الإمام، وأما الحرورية فهي خاصة بطائفة معينة منهم، وهم الذين خرجوا على عليِّ بن أبي طالب. طالب: وكان قد نبغ فيهم العطف في قوله: (وكان)؟ الشيخ: لم يكن في زمن الصحابة من ينفي الأمر، وكان قد نبغ فيهم، معطوفة على النفي في قوله: لم يكن؛ يعني أنه لم يكن في زمن الصحابة من ينفي الأمر والنهي كما تقول الجهمية، لكن فيهم القدرية ونبغ هنا بمعنى ظهر. طالب: (...). الشيخ: لا، في زمنهم، المراد في زمنهم؛ يعني مثلما قال: لم يكن في زمن، ونبغ فيهم؛ يعني في زمنهم. الطالب: وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخفى، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قَوِيت البدعة، فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبهون المجوس، وهؤلاء يشبهون المشركين الذين قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨] والمشركون شر من المجوس. الشيخ: صحيح، المشركون شر من المجوس بلا شك؛ ولهذا المجوس يقرون بالجزية بالنص، والمشركون لا يقرون بالجزية عند أكثر أهل العلم، وإن كان الصحيح أنهم يقرون، لكنهم عند أكثر أهل العلم لا يقرون، فصاروا -أي المشركون- شرًّا من المجوس، وإن كان المجوس يطلق عليهم أنهم مشركون؛ لأنهم يعبدون النار، لكنهم -المشركون- المراد الذين يعبدون الأوثان ولا يدينون بدين المجوس. مَنِ الذين يشبهون المشركين من المعتزلة والجهمية؟ أيهم اللي يُشبه المشركين؟ الجهمية، هم الذين يشبهون المشركين، والذي يشبه المجوس هم القدرية المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان خالق أفعاله، كما أن المجوس يقولون: إن العالَم له خالقان. طالب: (الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي)، ويش المقصود بـ(يشهدون الحقيقة الكونية)؟ الشيخ: المراد بشهود الحقيقة الكونية ما سبق أنهم يغيبون عن مُشاهَدة الكون بالخالق سبحانه وتعالى، ولا يعظمون الأمر والنهي؛ حتى إن بعضهم ربما يذكره المؤلف أو لا يذكره، بعضهم يسقط الأمر والنهي إذا بلغ الإنسان منهم مرتبة معينة، قالوا: خلاص هذا شهد الحقيقة فلا يُؤمر ولا يُنهى حتى فسروا قول الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩] إن المراد باليقين مشاهَدة مقام الربوبية؛ أي: أنك تعبد الله إلى أن تصل إلى هذه الدرجة، فإذا وصلت سقطت عنك العبادة، ولا شك أن هذا تحريف للقرآن، وأن المراد حتى يأتيك الموت؛ لأن الموت يتيقن به الإنسان ما وُعِد، ويشاهد أمور الآخرة. الحاصل أن هؤلاء المتصوفة الذين يشهدون الحقيقة الكونية يغفلون عن الشرع والقدر، يغيبون بمشهودهم عن شهادتهم، وبمعبودهم عن عبادتهم، وبموجودهم عن وجودهم، كما سبق. الطالب: فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه، فإنه أصْل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة. الشيخ: (مع ظنه أنه) الضمير يعود على نفس الضال، هذا يظن أنه في غاية التحقيق والتوحيد وكمال العلم والمعرفة، ومع ذلك فهو جاحد، كما مر قريبًا في تعريف التوحيد عند هؤلاء المتكلمين الذين يزعمون أنهم هم أهل التوحيد، وقد عرفتم ما يدخل في مسمى التوحيد عندهم من الضلالات والكفر. الطالب: فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله. طالب آخر: إقرار المشرك. الشيخ: إي، مشرك عندك؟ طالب: فإقرار المرء بأن الله. الشيخ: إي، يعني عندك (المرء) بدل (المشرك) هذا صحيح، (فإقرار المرء). الطالب: فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية. الشيخ: على رأي المتكلمين إذا أقر الإنسان بأن الله ربه وخالقه ومليكه، وأنه متصف بالصفات التي لا شبيه له فيها على زعمهم، ويفسرون أيضًا (لا شبيه) بحسب ما يرون، وأنه واحد لا قسيم له في ذاته؛ على رأيهم يكون موحدًا ناجيًا من عذاب الله، وهذا ليس بصحيح، المشركون يقرون بأكثر مما أقر به هؤلاء، يقرون بالله، وبخلقه، وبعموم مشيئته وقدرته، وهؤلاء لم يكونوا مُوحِّدين، بل قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام. الطالب: الأصل الأول: توحيد الإلهية؛ فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: ١٨] وقال عن مؤمن يس. الشيخ: فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء شفعاء مشركون، عندك هذه؟ طالب: ما عندي. الشيخ: طيب ما (...) الحقيقة، لكن الواقع أن النسخة هذه صحيحة. الطالب: وقال عن مؤمن يس: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: ٢٢]. الشيخ: أنا عندي عن مؤمن (يسن). طلبة: (يسن). الشيخ: غلط. طالب: (...). الشيخ: إي، (...) ياسين حسب النطق كان يكون لا بأس، لكن كونه يكتبها بالحروف ويحط نونًا، خطأ. الطالب: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} [يس: ٢٢ - ٢٥]. وقال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ [الأنعام: ٩٤]. الشيخ: عندنا تكميل الآية ولا بأس ما يخالف: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. الطالب: وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ [الزمر: ٤٣]. الشيخ: فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء، ما هي عندك؟ الطالب: لا. الشيخ: طيب. الطالب: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: ٤٣، ٤٤]، وقال تعالى: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]، وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ [سبأ: ٢٢]. الشيخ: ما يخالف، عندنا آية يقول: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي [النجم: ٢٦]، يمكن عندك تقديم وتأخير؟ الطالب: بس ما عندي. الشيخ: طيب، اللي عندنا صواب: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦]. الطالب: وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٦، ٥٧]. قال طائفة من السلف.. الشيخ: المهم الآن عندنا كل الآيات هذه فيها أن الشفاعة لا يمكن أن تقع إلا بشرطين؛ أحدهما: أن يأذن الله، والثاني: أن يرضى. يرضى عمن؟ يرضى الشفاعة، عن الشافِع والمشفوع له. إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىفلا بد من هذين الشرطين في الشفاعة، مذكورة في الآية: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى. فهولاء المشركون الذين زعموا أن أصنامهم شفعاء نقول لهم: إن أصنامكم لا تنفعكم، لماذا لا تنفعهم يا جماعة؟ لأن الله تعالى لم يرضَ بذلك، ولم يأذن ولن يأذن أيضًا بهذه الأصنام التي تُعبَد أن تشفع، بل قال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] ومن كان حصبًا لجهنم هل يمكن أن يشفع؟ طلبة: لا. الشيخ: إذا كان هو لا يُنجِي نفسه فكيف ينجي غيره؟! إذن يا جماعة، هذه الأصنام التي اتخذوها، وأرادوا أن تكون وسيلة إلى ربهم لا تنفعهم، من اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم شفيعًا بينه وبين الله، وصار يدعو رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو اتخذ علي بن أبي طالب شفيعًا عند الله فإن ذلك لا ينفعه؛ لأنه لا تتحقق فيه الشروط وهي إذن الله ورضاه؛ لأننا نعلم أن الله لن يرضى أن أحدًا يشفع بدون إذنه، ولن يأذن لمشرك أن تكون له شفاعة من أي أحد كان، حتى ولا الأنبياء ما يشفعون له. وفي الآية الأخيرة: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُقطع الله سبحانه وتعالى جميع الأسباب التي يتعلق بها هؤلاء؛ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍاستقلالًا وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍشركة؛ يعني ولا مشاركة مع الله في ملكه، فلا يملكون شيئًا استقلالًا، ولا يشاركون الله تعالى في شيء من ملكه. ثالثًا: وَمَا لَهُأي لله مِنْهُمْمما يدعون من دون الله مِنْ ظَهِيرٍمن معين. أيضًا نفى أن تكون هذه الأصنام مُعِينة لله؛ يعني فليس لها حتى ولا إعانة فيما يخلق الله عز وجل. ويش بقي؟ الشفاعة، هل تشفع ولَّا لا؟ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُوهؤلاء لن يؤذن لهم، فنفى الله تبارك وتعالى جميع علق المشركين الذين تعلقوا بهذه الأصنام بأن هذه الأصنام ليس لها حق في ملكوت السماوات والأرض؛ لا استقلالًا، ولا مشاركة، ولا مساعدة، ولا شفاعة. طالب: (...) لمن يكون؟ الشيخ: للشافع. الطالب: والرضا؟ الشيخ: الرضا للجميع. الطالب: يعني الشافع والمشفوع؟ الشيخ: للشافع والمشفوع له؛ لأنه ما يمكن (...) للشافع إلا بعد الرضا عنه، ولا يؤذن له أن يشفع في أحد إلا لمن ارتضى مثلما قال الله تعالى. طالب: (...) هذا يُخرج الإنسان من..؟ الشيخ: نعم، إذا ظن، أو اعتقد أن الرسول عليه الصلاة والسلام يستجيب له دعاءه فإنه كُفر شرك، الرسول صلى الله عليه وسلم ما يملك لنفسه شيئًا قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف: ١٨٨]. طالب: المشيئة (...)؟ الشيخ: هو لا يشاء إلا بالشرطين؛ لأنه أعلمنا أنه سبحانه وتعالى لا تحصل الشفاعة إلا بهذين الشرطين، إذن فلو شاءها مع تخلف واحد منهما لكان خبره (...). أخبر أنه لا يمكن الشفاعة إلا بشرطين أو لا؟ لو أنه شاءها مع تخلف واحد منهما صار خبره ويش تقولون يا جماعة؟ صار كذبًا، ولا يمكن أن يكون خبر الله كذبًا، فمشيئة الله للشفاعة ما تكون إلا إذا وُجِد الشرطان. الطالب: قال طائفة من السلف: كان قوم يدعون العزير والمسيح والملائكة فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. الشيخ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَوين خبر أُولَئِكَ؟ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَيعني هم أنفسهم يبغون الوسيلة إلى الله، فكيف تتخذونهم أنتم وسائل ووسائط تعبدونهم؟! إذا كانوا هم يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، ويطلبون الوسيلة، فكيف أنتم تتخذونهم وسائل هذا المعنى؟ طالب: يقصد هذه الآية: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [الإسراء: ٥٦]. الشيخ: أيهم؟ الطالب: (...) الملائكة والأنبياء؟ الشيخ: لا، آخر الآية: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ. طالب: قوله تعالى: وَلَا تَحْوِيلًا. الشيخ: كشفه بدون أن يتحول إلى غيره، تحويل يحوله من زيد إلى عمرو، والكشف يرفعه نهائيًّا. أفهمت الآن؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: دعا النبي عليه الصلاة والسلام لما وصل إلى المدينة، دعا الله أن ينقل حمى المدينة إلى الجحفة، هذا ويش يصير؟ هذا تحويل، وإذا قلت: اللهم اشفِني؛ هذا كشف. الطالب: ومن تحقيق التوحيد أن يُعلم أن الله تعالى أثبت له حقًّا لا يشركه فيه مخلوق كالعبادة والتوكل والخوف والتقوى كما قال تعالى: لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء: ٢٢]. الشيخ: لاحظ، هذه الأمور العبادة ما تصلح لغير الله ولو بـ(ثُمَّ)، يعني مثلًا لو واحد بيعبد غير الله بعد الله يصلح؟ طلبة: لا. الشيخ: بخلاف الأمور القَدَرية، الأمور القدرية لا مانع أن تشرك مع الله غيره بحرف يقتضي الترتيب؛ ما شاء الله، ثم شئت، لولا الله، ثم أنت مثلًا، هذا لا بأس به لكن تقول أعبد الله ثم أعبدك، يجوز ولَّا لا؟ طلبة: لا يجوز. الشيخ: قول الناس الآن: التوكل من العبادة، فقول الناس: أنا متوكل على الله، ثم عليك، ما هم يقولون هكذا؟ طلبة: بلى. الشيخ: يقولون هكذا: أنا متوكل على الله، ثم عليك أو لا؟ طلبة: بلى. الشيخ: ما هو بالتوكل عبادة؟ التوكل عبادة مثلما قال المؤلف؛ يعني الله قال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، فالتوكل عبادة لكن يجب أن نعرف أن توكل العبادة هو الذي يقتضي الحب والتعظيم، أو الذل والخشوع، هذا توكل العبادة يقتضي الذل والمحبة والتعظيم، هذا توكل العبادة الذي لا يجوز إلا لله سبحانه وتعالى. وأما التوكل الذي هو الاعتماد المطلق ولو مع اعتقاد المتوكل أنه فوق المتوكل عليه؛ فهذا يصلح لله ولغيره، ولهذا فرَّق الله بينهما اعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، فليس التوكل بجميع أقسامه، أو على وجه الإطلاق من العبادة، خليكم معنا علشان تعرفون الفرق لئلا يلتبس. فالتوكل الذي هو مطلق الاعتماد هذا يصح لله ولغيره، ولهذا تقول: هذا وكيل لي وأنا موكله، وتوكلت عليه؛ يعني: اعتمدت. وتقول: فوضت الأمر إلى فلان، وتقول: أُفَوِّض أمري إلى الله؛ لأن التوكل الذي هو العبادة هو ما يقتضي الذل والخضوع والتعظيم، لكن التوكل الذي هو مطلق الاعتماد ولا هو معه اعتقاد الموكل أنه فوق رُتْبَة المتوكل، هذا يجوز لغير الله ولا ما يجوز؟ يجوز لغير الله. ومثله أيضًا الخوف والخشية؛ الخوف أيضًا منقسم، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥] الخوف يكون عبادة ويكون غير عبادة، فخوف الإنسان من المخلوق ما نقول: إذا خفت من أحد فهذا حرام؛ لأنك عبدت غير الله، أليس كذلك؟ لأن الخوف يكون من كل ما يُخاف، لكن خوف العبادة الذي يقتضي الذل والخضوع هذا لله وحده؛ ولذلك تخافه فتطيع أمره حبًّا وتعظيمًا. تخاف الملك، أو القائد، أو الضابط، أو ما أشبه ذلك، وتفعل أمره لكن لا محبة وتعظيمًا، إنما تمشيًا مع أمر الله تعالى بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]؛ ولهذا لو فُصِل هذا عن كونه ضابطًا أو كونه مديرًا لك، تطيعه ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: إذن الطاعة ليست لذاته، ولكن لأمر الله تعالى بطاعته، فأنا عندما أطيع أميري مثلًا أو رئيسي أو مديري، أو ما أشبه ذلك، أو أقول: ولكن لو زعلتوا أنتم أو مدرسي، عندما تطيعه؛ لا تطيعه من أجله هو، ولكن من أجل أمر الله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] فتبين هنا أن طاعته إنما هي طاعة لله سبحانه وتعالى، والخوف منه ليس تقربًا إليه، لا ولكن الخوف منه، فهذه الفروق يجب أن نعرفها حتى لا يلتبس علينا الأمر، ونظن كل شيء منها يكون عبادة فلا يجوز. طالب: (...) الخشية؟ الشيخ: إي نعم، الخشية تكون من قوة المخشي وعظمته، والخوف يكون من ضعف الخائف، إذا الخائف ضعيف، لا بد أن يكون قويًّا، لكنه ضعيف؛ فالخشية أعلى وأقوى. طالب: الخشية خاصة بالله؟ الشيخ: لا، حتى لغير الله إذا صار أقوى منك خشيته معناه أنك خفت منه؛ لأن الله يقول: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة: ٤٤]. طالب: (...). الشيخ: يكون من باب الْمُباح، فما يستحق الطاعة، ويش لون ما يستحق الطاعة؟ طالب: (...). الشيخ: وهو ولي أمر لك؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: ولي الأمر العاصي تجب طاعته ما لم يكن كافرًا، كفر كفرًا صريحًا عندنا فيه من الله برهان، ما نطيعه، وأما إذا كان يشرب الخمر، ويزني، ويتلوط، ويقتل النفس بغير حق فإنه يجب طاعته حتى لو ضربك. قال: يلَّا أعطني مالك، أعطني مالك اللي بالصندوق ادهولي، وقام يضربك ضربًا؛ يجب عليك أن تطيعه. طالب: أما يدخل في هذا مفسدة؟ الشيخ: ما فيها مفسدة. الطالب: ألا تكون يعني سلمًا للعصاة أنهم (...)؟ الشيخ: أنهم؟ الطالب: أنهم يبغون يعني؟ الشيخ: هذا على الله، المفسدة أنك تنابذهم؛ لأنك إذا نابذتهم حصل رد فعل منهم عليك وعلى غيرك، هذه واحدة. طالب: (...). الشيخ: لو استمر؛ لأن مجابهتهم ما تزيد الأمر إلا شدة، ويش اللي أفسد الأمة الإسلامية إلا الخروج على الأئمة والعصيان؟! الرسول قال: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ» . هذا لفظ الحديث الصحيح، ما ضر الأمة إلا العصيان والتمرد، هذا يتمرد وهذا يتمرد، ثم يزداد الولاة شدة عليهم بسبب ظلمهم وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩]، لكن لو أنهم استسلموا للأمر، فربما هؤلاء يخجلون، اللي هم الولاة المسلَّطون يخجلون ويمتنعون، أو ربما يأتيهم ناصح بأسلوب هادئ ويحصل الخير. الطالب: وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: ٢]، وقال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ [الزمر: ٦٤] إلى قوله: الشَّاكِرِينَ [الزمر: ٦٦]، وكل واحد من الرسل قال لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ. الشيخ: في هذا دليل على أن كل من أمر بالشِّرْك فهو جاهل ولو كان عالِمًا، وكل من أشرك أيضًا فهو سفيه ولو كان عاقلًا وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠] أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [البقرة: ١٣]، فالذين مثلًا الآن يصفون الغرب وغير الغرب ممن أُعْطُوا علم الكون يصفونهم بالعلم، وإذا حصل أقل شيء قال: إي، هذا العلم، وتجده يُثني على هؤلاء بالعلم أكثر مما يثني على علماء الشريعة بالعلم، هذا في الحقيقة يدل على جهله؛ لأن العلم بطبائع الكون هو كعلم البهائم بأن هذا العلف ملائم لها فتأكله وغير ملائم فلا تأكله، وهو علم يُدرك أي إنسان يضع باله لهذا الشيء يدركه، لكن علم الشريعة الذي لا يتلقى إلا من الوحي، هذا ما يدركه إلا من وفقه الله عز وجل. فهؤلاء الذين يُعظِّمون هذا العلم إنما يُعظِّمونه لجهلهم، وفي الحقيقة هو لا يحتاج إلى تعظيم؛ لأنه كما أشرت إنما هو علم بشيء محسوس يشترك في علمه حتى البهائم، أليس كذلك؟ البهيمة ما تعرف إذا قدمت لها علفين، تعرف اللي يكون صالح، واللي ما يكون صالحًا، بل أحيانًا بعض البهائم تأكل من هذا إذا صار العلف مختلطًا تأكل من هذا لقمة، ومن هذا لقمة؛ لتخلط هذا بهذا، أو تأخذ من هذا ما تظن أنه لا يضرها، ثم تأكل من الثاني ما تظن أنه ينفعها. فالحاصل أن هذه ما ينبغي أن يكون محط المدح هو العلم بما في الكون، أو علم طبيعة الكون، هذا ليس بعلم في الحقيقة، هو علم إن استعان به الإنسان على معرفة الخالق والاطلاع على حكمته، فهذا يكون خيرًا، لكن لا خيرًا ذاتيًّا، ولكنه خيرٌ لغيره، وأما إذا كان إنما ينتفع به لمجرد الدنيا فهذا لا ينفعه إلا في الدنيا، وما لا ينفع إلا في الدنيا فكأنه ليس بشيء. ثم هذه المعلومات أيضًا -كما قلت لكم- لو أن أي واحد من الناس عنده تجربة يستطيع أن يدركها، وهم في الحقيقة ما سبقوا بموهبة وَهَبَهم الله تعالى على وجه يُمدحون عليه، إنما هي موهبة صالحة لكل إنسان يستطيع أن يعمل مثل هذه الأعمال. طالب: (...). الشيخ: يمكن، لكن لا على أساس أنه (...)؛ لأن مشكلة العقل المعيشي أصبح يقال للمنافق، الذين إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا: إنما نحن مصلحون. يقول: خلِّ عندك عقل معيشي، داهن الفساق والفجار (...) المطاوعة، ولَّا لا؟ إي، هذا ما هو بصحيح، هذا يكون معناه أنك (...)، لكن إذا أُرِيد بالعقل المعيشي العقل الذي يتوصل الإنسان به إلى أن يعيش عيشة حميدة طيب هذا. طالب: (...) العلوم الكيماوية (...). الشيخ: ما يخالف هذا صحيح (...).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وقد قال تعالى في التوكل: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: ٢٣] وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٢٢] وقال: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٨] وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ [التوبة: ٥٩]. فقال في الإتيان: مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وقال في التوكل: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُولم يقل: ورسوله؛ لأن الإتيان هو الإعطاء الشرعي؛ وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول فإن الحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، وأما الحسب فهو الكافي والله وحده كافٍ عبده كما قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ. الشيخ: كافٍ عبدَه، نقول: كافي عبدِه، وتقول: كافٍ، تقول: عبدَه، أنا عندي (كافٍ) إذن كافٍ عبدَه. الطالب: والله وحده كافٍ عبدَه كما قال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣] فهو وحده حسبهم كلِّهم، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]؛ أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله فهو كافيكم كلكم، وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كافٍ عبده. الشيخ: وحدَهُ. طالب: وحدَهُ. الشيخ: ترى (وحدَهُ) منصوبة دائمًا على الحال. الطالب: إذ هو وحدَهُ كافٍ نبيه، وهو حسبه ليس معه من يكون هو وإياه حسبًا للرسول، وهذا في اللغة كقول الشاعر:

...........................

فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ

وتقول العرب: حسبك وزيدًا درهم؛ أي يكفيك وزيدًا جميعًا درهم. وقال في الخوف والخشية والتقوى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: ٥٢]، فأثبت الطاعة لله والرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحدَه كما قال نوح عليه السلام: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: ٢، ٣]، فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول؛ فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله. وقد قال تعالى: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]، وقال الخليل عليه السلام: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: ٨١، ٨٢]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟» . وقال تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة: ٤٠] وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: ٤١]، ومن هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، وَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا» . وقال: «ولَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ» . ففي الطاعة: قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو، وفي المشيئة: أمر أن يجعل ذلك بحرف (ثم) وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة الرسول بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله. الشيخ: المهم الآن هذا الأصل يتحقق في أن العبادة ما تكون إلا لله وحده، وهذا توحيد العبادة، والأول: توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأسماء والصفات هو من تمام توحيد الربوبية وإن كان أهل العلم يقولون: إن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية. تجدون الآن في الآيات التي ساقها المؤلف منها ما يجعله الله تعالى لنفسه خالصة، ومنها ما يجعله لنفسه ولرسله؛ فالطاعة، والإتيان، والشرع، والعلم، وما أشبه ذلك يكون لله وللرسل؛ ولهذا نحن نقول: الله ورسوله أعلم، ويقول: سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩]، وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩]، وهذا إتيان شرعي لا إتيان قدري. والإتيان الشرعي يكون للرسول كما يكون لله، بل قد يكون لمن دون الرب وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور: ٣٣] وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء: ٥] وما أشبه ذلك. المهم أن الأشياء التي لا تصلح إلا لله لا يجوز أن يُشرَّك مع الله فيها أحد لا على وجه الاستقلال، ولا على وجه التبعية، فلا يجوز أن أقول: اخشَ فلانًا خشية العبادة، ولا اخشَ الله، ثم اخشَ فلانًا، لا يجوز لا هذا ولا هذا، والشيء الذي يكون لله ولغيره لا يُعَدُّ تشريكه لله معه فيه شركًا؛ لأنه لله ولغيره، ويش مثل قلنا؟ الطاعة: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. الإتيان الشرعي، ما آتاهم الله ورسوله. الحسْب ويش رأيكم فيه؟ الحسْب وهو الكفاية، هل تكون لله وللرسول ولا لله وحده؟ طلبة: لله وحده. الشيخ: نعم، وأما قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤] فإن الواو حرف عطف لكنها ليست معطوفة على اللَّهُلفساد المعنى؛ لأن المعنى يصير حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وليس كذلك؛ لأنه لا يمكن أن يكون أحد كافيًا مع الله بل الله وحده هو الكافي، ثم على فرْض أن تكون الكفاية تحصل بغير الله فإنه لا يمكن أن تُشرَّك كفاية الله مع غيره بالواو. قال الله: وَمَنِ اتَّبَعَكَفالمعنى فاسد على كل تقدير؛ أعني المعنى عند من يقول: إن المعنى..