شرح العقيدة التدمرية - ١٩
درس صوتي · ٩٤:٣١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
من اتبعك من المؤمنين، وليس كذلك لأنه لا يمكن أن يكون أحد كافيًا مع الله، بل الله وحده هو الكافي. ثم على فرض أن تكون الكفاية تحصل بغير الله فإنه لا يمكن أن تشرَّك كفاية الله مع غيره بالواو، قال الله: وَمَنِ اتَّبَعَكَ [الأنفال: ٦٤] فالمعنى فاسد على كل تقدير؛ أعني المعنى عند من يقول: إن المعنى: حسبك الله، ومن اتبعك من المؤمنين حسبك أيضًا. فالمعنى الصحيح إذن: حسبك الله ومن اتبعك، ويش معنى الواو حرف عطف؟ يعني: معطوفة على الكاف في قوله: حَسْبُكَ، يعني: وحسب من اتبعك من المؤمنين؛ لأن الحسب وهو الكفاية لا تصح إلا لله، واستشهد المؤلف لذلك بهذا البيت:
........................
فَحَسْبُكَ وَالضَّحَاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
يعني: حسبك أنت والضحاك جميعًا، ويش حسبكما؟ السيف، فالآية على ميزان هذا البيت بمعنى أن هذا البيت بيت لغة مشهور والآية تتنزل عليه، وليس المعنى أن المؤمنين حسب له مع الله أبدًا. هذا هو تقدير هذا الأصل وهو أن العبادة لا تكون إلا لله وحده، أما الطاعة فإنها تكون لله ولرسله ولمن دون الرسل، وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [العنكبوت: ٨]، وفي غير ذلك أطعهما؛ ولهذا يؤمر الإنسان بطاعة والديه. وكذلك أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] وقال الرسول: اسمع وأطع. الطالب: الأصل الثاني: حق الرسول صلى الله عليه وسلم. فعلينا أن نؤمن به ونطيعه ونتبعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه. الشيخ: طيب، ما معنى نرضيه؟! أَمَّا لو قال: نرتضيه كان الأمر واضحًا، لكن (نرضيه) إذا قيل: كيف ترضيه وهو ميت؟ نقول: أفعل ما يرضى به وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦٢]. وقد يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام تُعْرَض عليه أعمال أمته كما روي ذلك عنه صلى الله عليه وسلم وإن كان الحديث ضعيفًا، لكنه إذا كان كذلك فإنه إذا عَلِمَ بعمل أمته فإنه يرضى أو يغضب ولو كان ميتًا، وإذا قلنا بعدم صحة هذا فإن معنى إرضائه معناه أن نفعل ما يرضيه وإن لم يتحقق ذلك بالفعل؛ لأنه ميت صلى الله عليه وسلم. طالب: وهل صحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام يرد على مَنْ سلَّم عليه؟ الشيخ: إي نعم، صحيح أنه يُبَلَّغ السلام ويردُّه. طالب: ويردُّه؟ الشيخ: نعم. طالب: هل (...) الميت؟ (...). الشيخ: لا. الطالب: (...) يُلقي السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرد الله عليه روحه فيرد السلام على من سلم عليه فهذا يتنافى مع (...). الشيخ: إذا كان الميت اللي غير الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سلَّم عليه مَن يعرفه رد عليه كما جاء ذلك في حديث ذكره ابن عبد البر وصححه، فما بالك بالرسول عليه الصلاة والسلام؟!
الطالب: ونحبه ونسلم لحكمه وأمثال ذلك قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: ٢٤]، وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥]. الشيخ: شوف الآن هذا القسم فَلَا وَرَبِّكَلَاهذه نافية ولَّا لا؟ لا، هي نافية، لو كانت نافية (...)، لكنها مؤكدة للتنبيه والتأكيد، (لا) للتنبيه والتأكيد فهي من حيث الإعراب زائدة. طالب: (...). الشيخ: الأصل: فوربك لا يؤمنون. وقوله: حَتَّى يُحَكِّمُوكَثُمَّ لَا يَجِدُواوَيُسَلِّمُواثلاثة شروط، لا يؤمنون إلا بهذه الأمور الثلاثة: يحكموك فيما شجر بينهم، فلا يحكمون غيرك من القوانين ولا من الطواغيت إلا يحكموا الرسول صلى الله عليه وسلم. ثانيًا: لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت، ويش معنى حَرَجًا؟ أي: ضيقًا، ما يجدون فيما جاء به الرسول ضيقًا كما يوجد في بعض الناس، وإذا وجدت أن نفسك تضيق بشيء من الشرع فاعلم أن إيمانك ناقص؛ لو شفت أن نفسك تضيق بصلاة الجماعة أو تضيق بوجوب كذا وكذا من الأمور الواجبة عليك أو تضيق بتحريم شيء من الأشياء التي تهواها، إذا وجدت نفسك تضيق بهذا فاعلم أن إيمانك ضعيف؛ لأن الله تعالى أقسم بربوبيته لرسوله ألا يؤمنوا. كذلك لا بد من أمر ثالث يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(تسليمًا) شوف التأكيد بهذا المصدر دليل على أنه لا بد من تسليم تام للغاية، ما فيه أي تردد، وهذا التنفيذ فهنا ذكر الوسيلة والاطمئنان القلبي والتنفيذ الفعلي. فالوسيلة: يُحَكِّمُوكَ؛ لأن هذه طريقة الوصول إلى معرفة الشرع؛ تحكيم الرسول عليه الصلاة والسلام والاطمئنان القلبي بأي كلمة؟ (لا يجدوا حرجًا مما قضيت) يعني: قلوبهم ما تضيق ويجدون في ذلك ضيقًا، والتنفيذ الفعلي: يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. هذه الشروط الثلاثة يجب أن تطبقها على نفسك في كل شيء، ولتنظر؛ هل أنت إذا أشكل عليك شيء تروح ترجع إلى الكتاب الفلاني وإلى قول فلان وقول فلان، إن كان الجواب بالإيجاب فإيمانك ناقص، إذا كان الجواب بالنفي وأنك عندما تريد الحكم لا تروح إلا للكتاب والسنة فإيمانك صحيح ووسيلتك الآن صحيحة إلى معرفة الحق. يبقى عندنا: وصلت إلى الحكم وعرفت أن الحكم يحرم عليك كذا وكذا، نفذت هذا الحكم بسهولة أو قبلت هذا الحكم بقلبك بدون أن تجد فيه ضيقًا، انشرح صدرك له؛ فأنت مؤمن. ضاق صدرك به فأنت ناقص الإيمان. نأتي عاد للمرتبة الثالثة: انشرح قلبك له ورضيت به واطمأننت لهذا الحكم لكن صار عندك تهاون في تنفيذه فالإيمان ضعيف، لا بد من أن تسلِّم تسليمًا، هذه يا جماعة الأوصاف التي ترد في القرآن وكذلك في السنة، ليس معناها أننا نقرؤها فقط لنعلم بها، لكن نقرؤها لأجل أن نُطَبِّقها على أنفسنا حتى يكون سيرُنا ومنهاجنا على شريعة الله، أما أن تقرأ ولا تعمل فأي فائدة؟! أي فائدة للإنسان؟! لا بد أن يقرأ ليعلم ثم يعمل؛ نَظَرٌ، فَعِلْمٌ، فعَمَلٌ وإلا أصبحت تلاوتُنا لكتاب الله ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أصبحت لا شيء، بل أصبحت ضررًا علينا؛ لأن من حمل شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله فهو إما له وإما عليه. طالب: (...). الشيخ: قد يكون (...) أو لأصله أيضًا حسب ما يكون بالعبد. طالب: الآية وإخوانكم ولَّا وأخوانكم؟ الشيخ: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ. طالب: مكتوب: وأخوانكم. الشيخ: وأخوانكم غلط. وَإِخْوَانُكُمْبالكسر. طالب: يجوز أن نقول: الله ورسوله أعلم؟ الشيخ: إي نعم، يجوز أن نقول: الله ورسوله أعلم في الأمور الشرعية لا في الأمور الكونية فمثلًا لو نقول: هل سينزل غدًا مطرٌ؟ ويش تقول؟ الله أعلم، ما تقول؟ الله ورسوله. هل هذا حلال؟ الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول يعلم الأحكام الشرعية. طالب: (...). الشيخ: في كل وقت، هو في هذا الوقت لو فُرِضَ أنه موجود لعلم به. طالب: (...). الشيخ: يعلم الحكم الشرعي؛ لأن الحكم الشرعي ثابت من قبل أن يموت الرسول عليه الصلاة والسلام، جميع الأحكام الشرعية التي في هذه الشريعة ثابتة من قَبْل أن يموت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ يعني: ما فيه حكم تجدد أبدًا، الحلال حلال، والحرام حرام قبل أن يموت الرسول، ولهذا ما فيه نسخ بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا إيجاب بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أو لا؟ هل يمكن أن نُحْدِث حكمًا جديدًا بعد موت الرسول؟ لا، يمكن إذن فالأحكام على ما هو. طالب: (...). الشيخ: نعم، هل يحرم الزنا؟ ويش تقول؟ هل الزنا حرام؟ طالب: نعم. الشيخ: الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول يعلم أنه حرام، فهمت ولَّا لا؟ طالب: (...). الشيخ: ما فهمت، ويش تقول. الطالب: (...). الشيخ: لا (...) معناه أن الأحكام الشرعية ما تغيرت بعد موته وهو يعلمها عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قلنا لك: الأحكام القدرية ما تقول: الله ورسوله أعلم، حتى اللي وقع الآن مثلًا هل (...)؟ ويش تقول؟ الله يعلم ولا ما يعلم؟ طلبة: يعلم. الشيخ: والرسول ما يعلم؛ لأن هذه مسألة قدرية ما يعلمها، لكن المسألة الشرعية، أي: مسألة شرعية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمها؛ لأن الشرع قد كمل الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣]، هذه نزلت في حياة الرسول ولا بعدها؟ في حياة الرسول. إذن فنقول: المسائل الشرعية نقول فيها: الله ورسوله أعلم، والمسائل الكونية نقول فيها: الله وحده أعلم. طالب: (...). الشيخ: إي نعم. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، يجوز (...) وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] جاء ضمير واحد في الآية. طالب: (...). الشيخ: من أي ناحية؟ طالب: (...). الشيخ: ولو، ويش فيه؟ طالب: (...). الشيخ: ما أدري. طالب: (...). الشيخ: ما أدري عنه، اللي أنا أعرف أنه ما فيه شيء لكن يقال: إن الرسول مرَّ أو سمع خطيبًا يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى فقال: «بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ» . هذا اللي هو فيه المقال. الطالب: وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. الشيخ: هذه تسمى آية المحنة؛ آية المحنة: قوم ادَّعَوْا أنهم يحبون الله، فجاءت هذه الآية امتحانًا إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُفميزان محبة الله اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، وبقدر اتباعك للرسول صلى الله عليه وسلم تكون محبتك لله تبارك وتعالى، وتأمل قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي، ويش تتوقع الجواب؟ طالب: يحببكم الله. الشيخ: لا، ما تتوقع الجواب هذا، تتوقع (قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تصدقوا بذلك) هذا اللي يُتَوَقَّع يعني تصدقوا وتكونوا محبين لله، لكن جاء الجواب فوق الشرط يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. قال أهل العلم: ليس الشأن أن تحب الله، ولكن الشأن أن يحبك الله. وهذه هي النتيجة والثمرة العظيمة أن يكون الله تبارك وتعالى محبًّا لك فيكون الجواب هنا أفاد فائدتين: أفاد تصديقك في دعواك، وزيادة على ذلك ثوابك عليها، وثوابك على ذلك ما هو؟ أن الله يحبك، فاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم تصديق لدعواك محبة الله، وثواب لك بمحبة الله لك.
فصل: مذاهب الفرق الضالة في القدر
٠٠:١٧:٠٤
الطالب: وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره وبقضائه وشرعه. وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية. فالمجوسية الذين كذَّبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه؛ فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم. الشيخ: أنتم فاهمون هذا البحث أو لا؟ فاهمون أن القدرية وهم المعتزلة هم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم أنكروا قدر الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بأفعال العبد، ولكنهم عظَّموا الأمر والشرع، ولكنهم (...) في الخلق والقدر، غلاتهم أنكروا العلم والكتابة، ومقتصدوهم أنكروا المشيئة والخلق، وقد مر علينا أن القضاء والقدر يتضمن أربع مراتب وهي: الإيمان بالعلم، ثم الكتابة، ثم المشيئة، ثم الخلق. وأنشدناكم في ذلك بيتًا، ما أدري هو على أذهانكم ولَّا لا؟ طالب:
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلاَنَا مَشِيْئَتُهُ
............................
الشيخ:
..........................
وَخَلْقُهُ وَهُوَ إِيْجَادٌ وَتَكْوِيْنُ
طيب، القدرية انقسموا إلى فريقين: غلاتهم السابقون أنكروا العلم والكتابة، ومن باب أولى أنهم ينكرون المشيئة والخلق؛ يقولون: إن الله ما يعلم أفعال العباد إلا إذا وقعت ولا كتبها في اللوح المحفوظ، وإنما الأمر أنفٌ أي مستأنف، ما يعلم الله عن شيء من أفعالنا أبدًا. ولكن المقتصدين منهم الذين استقر رأي المعتزلة عليه هم الذين يقولون: إن الله تعالى يعلم وكتب لكن لا يشاء ولا يخلق، فالعبد مستقل بعمله، لا لله فيه مشيئة ولا خلق، هادول ويش نسميهم؟ ويش وصفهم؟ مجوسية؛ ولهذا جاء في الحديث، وإن كان ضعيفًا: «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . طالب: موجودون (...) ؟ الشيخ: لا، ما هم موجودين، لكن هذه مما أخبر به من أمور الغيب. طالب: (...). الشيخ: المقتصدون اللي ما هم غلاة، المقتصد المعتدل يعني. الطالب: والفرقة الثانية: المشركية الذين أقروا بالقضاء والقدر وأنكروا الأمر والنهي؛ قال تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ١٤٨]، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء. وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة. الشيخ: هذا (...) من؟ طلبة: المشركية. الشيخ: المشركية، لكن ويش هم من طوائف المبتدعة؟ طالب: الجهمية. الشيخ: الجبرية الجهمية لأن الجهمية جبرية ومرجئة كما مر علينا فيما (...)، هؤلاء يقولون: ما لكم حق تلومننا على المعاصي، ليش؟ لأن الله كتبها وأجبرنا عليها، لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَافقالوا: إحنا ما علينا لا أمر ولا نهي ولا شيء، نحن أناس نتحرك بغير إرادة ونفعل بغير إرادة، فليس علينا أمر ولا نهي ولَّا لا؟ إذن يزني ويسرق ويقتل وكل شيء ويقول: أنا لستُ ملومًا على هذا؛ لماذا؟ لأنه مُقَدَّر عليَّ، وقد قيل: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيء إليه بسارق يسرق فأمر بقطع يده، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله، فقال أمير المؤمنين: نعم، ونحن لا نقطعك إلا بقدر الله. فقابل الحجة بالحجة مع أن أمير المؤمنين معه حجتان: حجة شرعية؛ لأنه مأمور بقطع يد هذا السارق، وحجة قدرية وهو أنه سيقطع يد هذا السارق بقدر الله، والسارق ليس معه إلا حجة قدرية، وليس مأمورًا بالشرع أن يسرق، مع أن الحجة القدرية باطلة ولَّا لا؟ باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة لما كان لله على الناس حجة بعد الرسل، لكان صار الرسل ما هم حجة؛ لأن القدر باقٍ مع إرسال الرسل. طيب، من يدعي الحقيقة من المتصوفة؟ تعرفون المتصوفة؟ هم قوم لهم منهاج معين في العبادة، وهم يَغْلُون في العبادة، وسُمُّوا متصوفة قيل: إنه من الصفا، وقيل: إنه من الصوف، وقيل: من الصُّفَّة. ثلاثة أقوال في الاشتقاق؛ من الصفا زعموا أن قلوبهم مع الله صافية، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان من الصفا ما سميناهم صوفية سميناهم الصفوية، وهم لا يسمون الصفوية. قالوا: من الصُّفَّة تشبيهًا لأهل الصفة الذين قَدِمُوا مهاجرين إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليس لهم أهل ولا مال فيأوون في الصفة في المسجد، وهذا أيضًا ليس بصحيح. السبب؟ طالب: لأنهم إذا كانوا ينسبون إلى الصفة.. الشيخ: ولَّا كان نسميهم الصُّفِّيَّة نسبة للصفة. إذن ما بقي علينا: الصوف، والصوفية، تمام وسُمُّوا بذلك؛ لأن شعارهم لبس الصوف تَزَهُّدًا يقولون: ما نلبس الكتان، نلبس الصوف، لكن ليس الصوف الناعم اللِّي يُلْبَس الآن الغالي هذا، أنتم تعرفون (...) اللي يجعل بها العيش؟ البُر. طلبة: نعم. الشيخ: خشنة ولَّا لا؟ خشنة جدًّا، هم يلبسون من هذه، صوف يُنْسَجُ باليد حباله غليظة، فيلبسون ذلك تَزَهُّدًا، يقولون: ما نلبس الكتان وذوات الخيوط الدقيقة، نلبس هذا الخيش؛ لأننا لا نريد أن نتمتع بالدنيا، فلذلك يُسَمَّوْنَ صوفية. طالب: المجوسية (...) قدرية؟ الشيخ: إي نعم. طالب: الرسول كان يلبس الثياب الخشن؟ الشيخ: إي الرسول، إن صح اللي أنت تقول هذا معناه أنه صار يلبس ما خشن، ولبس الكتان ولبس غيره أيضًا من الأشياء الرقيقة، هو يلبس هذا وهذا، يعني حسب ما يتيسر له عليه الصلاة والسلام، ما يتعبد بلبسه أبدًا. الطالب: والفرقة الثالثة وهم الإبليسية الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب سبحانه وتعالى وطعنوا في حكمته وعدله كما يُذْكَر ذلك عن إبليس مقدمهم؛ كما نقله أهل المقالات ونُقِلَ عن أهل الكتاب، والمقصود أن هذا.. الشيخ: الإبليسية الآن يحتجون على الله تعالى بالشرع؛ يقولون: كيف تأمرنا وتنهانا وأنت اللي تجبرنا؟! مثلما قال إبليس لما قال: اسجد لآدم. قال: أنا خير منه، كيف تأمرني أن أسجد له وأنا خير منه؟! فاحتج على شرع الله بقدر الله، هم أيضًا يحتجون بالشرع على القدر، وبالعكس يرون أن هذا تناقض، ويقول القائل منهم:
أَلْقَاهُ فِي الْيَمِّ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ
إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ
اليم معروف عندنا وهو البحر؛ كَتِّفْ واحدًا (...) يمكن هذا ولَّا لا؟ ما يمكن. هم يقولون: الله أمرنا ونهانا، افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ثم يجبرنا على أن نعصيَ الله، ويش يصير هذا؟! يصير تناقضًا، فهم يحتجون على شرع الله بقدر الله؛ يقولون: كيف أن الله يأمرنا وينهانا وهو يجبرنا على ما لم نريد، ومعلوم أن هذا ليس بصحيح؛ فالذين عطلوا الأمر والنهي هؤلاء المشركين، والذين أقروا بالأمر والنهي وبالقدر لكن جعلوا ذلك تناقضًا هؤلاء إبليسية ووجه المشابهة بينهم وبين إبليس أنهم احتجوا على الشرع بالقدر مثلما احتج إبليس بالشرع على القدر؛ أُمِرَ أن يسجد فقال: أنا خير منه. والأولون مجوسية؛ لأنهم زعموا أن العبد خالق مع الله عز وجل وأنه مستقل بفعله. الطالب: ونُقِلَ عن أهل الكتاب، والمقصود أن هذا مما تقوَّله أهل الضلال. وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون بهذا وهذا ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربُّه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في إمام مبين. الشيخ: إمام، ويش معنى (إمام)؟ الطالب: كتاب. الشيخ:كتاب؛ إمام يعني كتاب، وسُمِّيَ الكتاب إمامًا؛ لأنه يُؤَمُّ ويُقْصَد. الطالب: ويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته ووحدانيته وربوبيته وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ما هو من أصول الإيمان. ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات؛ كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا [البقرة: ٢٦] فأخبر أنه يفعل بالأسباب. الشيخ: الآن شوف، نحن نؤمن بالقدر ونؤمن أيضًا بالأسباب، نؤمن بأن القدر له سبب، هذا السبب مَنِ الذي خلقه؟ الله لكن الله فيما فعل حكيم يجعل لكل شيء سببًا، شوف (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ) به؛ أي: بالماء مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِالماء إذن سبب لإخراج الثمرات. (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) يَهْدِي بِهِأي بالكتاب فهو سبب للهداية يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًافهو سبب للإضلال والهداية، والله أعلم.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وقال الله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ، وقال تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًافأخبر أنه يفعل بالأسباب. ومن قال: إنه يفعل عندها لا بها؛ فقد خالف ما جاء به القرآن وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان التي يفعل بها مثل قدرة العبد، كما أن مَنْ جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله وأضاف فعله إلى غيره. الشيخ: الآن في هذه الأسطر الأربعة المؤلف أشار إلى ثلاثة آراء بدعية: أولًا: من يقول: إنه يفعل عند الأسباب لا بها، وهذا مذهب الأشاعرة الذين ينكرون تأثير الأسباب بالمسببات، ويقولون: إن المسبَّبَات تحصل عند السبب لا به، فمثلًا إذا كَسَرْتَ الزُّجاج وانكسر لا يقولون: إن الانكسار حصل بالكسر، ولكن حصل عند الكسر لا به. عندما توقد النار وتفور الماء يقولون: إن الماء لا يفور بالنار ولكنه يفور عند النار لا بها. عندما تُغَلِّق الفرجة وتنغلق يقولون: إن هذا الانغلاق ما حصل بفعلك وإنما حصل عند فعلك لا به. تصوروا الآن (...) تصورتموه؟ زين ولَّا لا؟ ينكرون أن يكون للأسباب تأثير في مُسَبَّباتها، ويقولون: إن تأثير الأسباب ليس مباشرًا للمسببات، ولكنه يحصل عند الأسباب لا بالأسباب؛ عندما يأكل الإنسان حتى يملأ بطنه ويشبع يقولون: شَبِعَ بالطعام ولَّا عند الطعام؟ عند الطعام ما شبع بالطعام، مع الإنسان لو يقعد سنين عديدة والطعام أمامه وهو ما أكله يشبع ولَّا ما يشبع؟ طلبة: ما يشبع. الشيخ: فليس عنده، بل هو شبع به. عندما يكوي الإنسان شيئًا من جسمه فيحترق يقولون: احترق بالنار ولَّا عند النار؟ عند النار لا بها، ليش يا جماعة؟! قالوا: لأننا لو قلنا: إن الأسباب مؤثرة بنفسها شابهنا القدرية اللي يقولون: إنَّ ثَمَّ خالقًا غير الله. وفي الحقيقة أنهم -كما قال الشيخ- أولًا: خالفوا ما جاء به القرآن فإن الله أثبت أن للأشياء أسبابًا، وخالفوا أيضًا؛ أنكروا ما خلقه الله من القوى والطبائع صح ولَّا لا؟ النار عندما تحتمي الحديدة بالنار هل هي احتمت بالنار ولَّا عند النار؟ بالنار عندهم، عند النار مع أنك لو تحط حديدة عند النار ساعة (...) لكن لو حطيتها وسط النار تنقلب إلى حمراء. فالجواب: خطأ هذا، أنكروا ما أودع الله تعالى من القوى والطبائع في هذه الأشياء، يقول: وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان التي يفعل الحيوان بها، وهذا مذهب مَن؟ طالب: الأشاعرة. الشيخ: لا، مذهب الأشاعرة اللي يقولون: إن الأسباب ما تؤثر، تحصل عندها لا بها، لكن الأخير وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد مذهب مَنْ؟ طالب: القدرية. الشيخ: لا، مذهب الجبرية، الجبرية ينكرون أن يكون للعبد قدرة على عمله يقولون: إن العبد يفعل بدون اختيار وبدون قدرة، وإنه مسلوب القدرة عن فعله، فهؤلاء أشبهوا الجبرية من هذه الناحية. كما أن مَنْ جعلها هي المبدعة لذلك من جعلها أي القوى التي في الحيوان يفعل بها الحيوان هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، هذا مذهب مَنْ؟ طالب: القدرية. الشيخ: مذهب القدرية فعندنا الآن أشار المؤلف إلى ثلاثة مذاهب؛ مذهب الأشاعرة، ومذهب الجبرية، ومذهب القدرية. بقي مذهب أهل السنة والجماعة؛ مذهب أهل السنة والجماعة خلاف هذه المذاهب ويش يقولون؟ يقولون: إن الأسباب مؤثرة في مسبَّباتها مباشرة، لكن من الذي جعل الأسباب مؤثرة؟ الله سبحانه وتعالى، ولهذا أُلْقِيَ إبراهيم في النار وهي تتأجج تُحْرِق ما حولها فضلًا عمن فيها وصارت بردًا وسلامًا عليه؛ فعُلِمَ الآن أن خالق هذه الأسباب التي أودع فيها القوة الفاعلة مَنْ هو؟ الله، ونحن إذا قلنا: هذا الشيء يحرق، هذا الشيء يتلف، هذا الشيء يفعل كذا وكذا، فلسنا نعني أنه ينفرد بذلك عن الله، بل نعني أن الله خلق فيه هذه القوة المؤثرة، وهل في ذلك شيء؟ ويش تقولون يا جماعة؟ فيه شيء؟ فيه إشراك بالله؟ طالب: لا. الشيخ: فيه تشريك مع الله؟ لا، ما دمنا نؤمن بأن هذه الطبيعة الفاعلة إنما خلقها الله عز وجل. فهذا مذهب أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الأسباب مؤثرة في مسبباتها، وأن الأسباب تَحْصُل بالأسباب لا عند الأسباب. طيب هذا واحد. مذهب الأشاعرة ويش يقولون؟ يقولون: إن الأسباب لا تؤثر، وإنما يحصل الشيء عندها لا بها، عندما يصلِّي الواحد، صلاته هل حصلت بقدرته؟ طالب: لا. الشيخ: ولكن عند قدرته مع أن الله يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، ويقول: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ويقول: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» إذن نقول: القيام في الصلاة والركوع والسجود حصل بالقدرة. طيب، المذهب الثالث: مذهب الجبرية الذين ينكرون أن يكون للعبد قدرة يفعل بها، ويقولون: الإنسان يفعل أفعاله بلا قدرة وبغير اختيار وأنه يُجْبَر عليها. والرابع: من يقولون: إن للعبد قدرة مؤثرة بنفسها وليس لله تعالى فيها أي شيء، وهذا مذهب مَنْ؟ القدرية وهو إشراك مع الله سبحانه وتعالى. طالب: الأول مذهب أهل السنة؟ الشيخ: إي، الأول لكن ما أشار إليه المؤلف؛ لأنه مفهوم من كونه ذكر (...) للرد. طالب: الشيخ يقصد.. الشيخ: ويش يقصد؟ طالب: مذهب أهل السنة. الشيخ: معروف، المؤلف.. ومع هذا فلا ينكرون ما خلق الله من الأسباب، ذكرها المؤلف، ومن قال هذا ضد مذهب أهل السنة والجماعة. ما هي موجودة عندكم دي؛ (ومع هذا فلا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات). هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. الطالب: وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسبَّبِه، ولا بد من عدمِ مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يفعل شيئًا إذا شاء إلا الله وحده، قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩] أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.. الشيخ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِزَوْجَيْنِيحصل بهما هذا الشيء يقولون: ما من شيء من الموجودات إلا وهو مركب، ولو لم يكن إلا سبب ومسبب لكان هذا زوجًا؛ من كل شيء خلقنا زوجين ليُعْلَم أن الخالق واحد ولَّا اثنان؟ واحد، إي نعم. الطالب: ولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان جاهلًا، فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون. النار التي جعل فيها حرارة.. الشيخ: (التي خلق الله فيها حرارة). الطالب: عندي (جعل). الشيخ: طيب، ما يخالف، لكن اللي عندنا أصح من اللي عندك يعني أحسن. الطالب: جعل فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها، وبمحلٍّ يقبل الاحتراق؛ فإذا وقعت على السَّمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يطلى الجسم بما يمنع إحراقَه. الشيخ: شوف الآن القوة في النار وهي قوة الحرارة تُحْرِق، لكن قد يكون هناك مانع يمنع من الإحراق؛ مثلًا قدرة الله عز وجل مثلما حصل لأيش؟ لنار إبراهيم، وكذلك بعض الأدوية أو بعض المركبات تمنع من الاحتراق؛ السمندل -يقول المؤلف- والياقوت ونحوهما ما تحترق بالنار، ما تحترق، ولا تؤثر عليها، والآن موجود غير السمندل؛ أنا رأيت في الدفايات اللي في الغاز وغيرها أظن حديد محيط بالدفاية ولكنه ما يحترق، ولا تؤثر عليه النار شيئًا، طبعًا إذا بيبقى ذلك معناه أنه ما يحترق، كذلك ربما يَطَّلِى الإنسان بطلاء يمنع من الاحتراق، وهذا أظنه موجود عند الإطفاء يَطَّلُون به ويدخلون في النار. ويقولون: إن شيخ البطائحية -وهو من المبتدعة وهم صنف أظنه من الصوفية- تناظر هو وشيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة من المسائل وقال لشيخ البطائحية: إذا كان كلامك صحيحًا، كلامك حق، أو كلامي أنا حق نبغي ندخل ها النار، نوقد نارًا وندخلها، اللي ما تأكله النار هو اللي معه الصواب أنا ولَّا أنت؟ يقول: هذا الرجل الشيخ قد طلى جسمه بشيء يمنع من الاحتراق، ففطن شيخ الإسلام لهذا وقال: ما فيه مانع، أنا (...)، وندخل أنا وإياك في النار، واللي على صواب ما تأكله النار؛ لأن إبراهيم على حق ولم تأكله النار ولكن أبغي أشترط عليك شرطًا أننا الآن ننزل نغتسل ونغسل أجسامنا، وبعد أن نغتسل ندخل النار فقال الرجل: لا. إي نعم. فقصدي أن هذا الشيء من قديم؛ يعني: هذا الطلاء الذي إذا اطَّلى به الإنسان امتنع من الاحتراق. فإذن السبب موجود، ولكن المانع مَنَع نفوذ هذا السبب، والأشياء ما يمكن تتم إلا بوجود أسبابها، ويش بعد؟ وانتفاء موانعها. الطالب: والشمس التي يكون منها الشعاع لا بد من جسم يَقْبَل انعكاس الشعاع عليه، فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته، وقد بُسِطَ هذا في غير هذا الموضع. الشيخ: وهذا صحيح، الآن الجو هذا مظلم ولَّا نور؟ طلبة: نور. الشيخ: لا، الجو مظلم، ما يمكن يبين وراء الشمس إلا إذا قابلها جسم ينعكس عليه الضوء، وإلا فالجو هذا مظلم؛ ولهذا عندما يكون هناك غبار في الجو تجده أبيض، منين هذا النور الأبيض؟ من الشمس؛ لأنها انعكست على ذرات الغبار فبان ضياؤها، لكن عندما تكون السماء صاحية، ويش تجد؟ تجد زرقة مظلمة، ولا يمكن تنعكس إلا إذا قابلت جسمًا يمنع، إذا قابلت الجسم إذا كان هذا الجسم كثيفًا.. حتى ما يروح من وراه، الضوء ما يروح من ورائه بخلاف ما إذا كان خفيفًا فإنه تمضي من ورائه. فالحاصل أن كل شيء لا بد من وجود أيش؟ أسبابه وانتفاء موانعه. طالب: الزرقة هذه يعني لون في السماء أو انعكاس الضوء؟ الشيخ: لا، ما فيه انعكاس، هذا معناه أن السماء صافية، لكن هذا الذي نرى ظاهر القرآن أنه السماء أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ [ق: ٦] فلولا أنه يمكن رؤيته ما تحدَّاهم الله به، وبعض المتأخرين الآن يَدَّعُون العلم يقول: لا، السماء نفسها الأجرام ما نشوفها؛ لأنها بعيدة، لكن هذا الذي نشوفه الفضاء، والله أعلم. الطالب: والمقصود هنا أنه لا بد من الإيمان بالقدر؛ فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس: هو نظام التوحيد . فمن وحَّد الله وآمن بالقدر تَمَّ توحيده، ومن وحَّدَ الله وكذب بالقدر نقص توحيده. طالب آخر: نقض. الشيخ: لا، (نقص)؛ لأنه مقابل (تم)، (تم توحيده) ويكون هذا (نقص). الطالب: ولا بد من الإيمان بالشرع وهو الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا؛ فإنه لا بد له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته. والشرع هو الذي يميز له بين الأفعال التي تنفعه والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن للآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وبين يتركونه. الشيخ: صحيح؛ يعني: ما من أمة إلا ولها شرع، هذا الشرع إما أن يكون شرعًا مُنَزَّلًا أو شرعًا مبدَّلًا أو شرعًا مؤولًا، لا بد من شريعة، كل أمة لا بد لها من شريعة ولَّا لا؟ المسلمون شريعتهم شرع منزَّل من عند الله، وأهل التأويل والبدع شرعهم مؤول، وأهل الانحراف شرعهم مُبَدَّل؛ بدَّلوه، استبدلوا شريعة الله بغيرها يعني ما يمكن لأمة إلا وتمشي على نظام؛ إما نظام من الله سبحانه وتعالى وهو الشرع المنزل، أو نظام من عندها وهو الشرع المبدل، أو شرع مؤول بالتحريف ولَّا لا؟ الشيوعيون عندهم أنظمة ولَّا لا؟ عندهم أنظمة يمشون عليها. النصارى والرأسماليون عندهم أنظمة يمشون عليها، كل أمة لا بد لها من نظام تمشي عليه وإلا أصبح الناس فوضى، وهذا لا يصلح به الناس، لكن ما هو النظام الذي يكون به صلاح الخلق على الإطلاق؟ نظام الله عز وجل؛ لأنه نظام مَنْ عَلِمَ بأحوال الخلق وما ينفعهم، نظام من هو أرحم بالخلق من أنفسهم؛ الله يقول وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩]، إذن فالله أرحم بي من نفسي ولهذا نهاني أن أقتل نفسي؛ لأنه رحيم. فالحاصل أنا نقول، كما قال الشيخ رحمه الله: إنه لا بد من شرع، ولكن لا شرع يصلح الخلق إلا شرع الله؛ لأنه العدل والنور. الطالب: وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لا بد له من فعل وترك؛ فإن الإنسان همام حارث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» . وهو معنى قولهم: متحرك بالإرادات، فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها ولا بد أن يعرف ما يريده هل هو نافع له أو ضار، وهل يصلحه أو يفسده.. الشيخ: طيب ويش معنى حارث وهمام؟ حارث يعني فاعل من الحركة يتحرك ويفعل، همام من الهمة وهي الإرادة، كل إنسان عنده إرادة وعنده حركة، لكن هل هذه الإرادة والحركة تنفعه أو لا تنفعه، من أين يعرف أنها تنفعه أو لا تنفعه؟ من الشرع. الطالب: وهذا قد يعرف بعضَه الناسُ بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضهم يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم وهدايتهم لهم. الشيخ: (وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم وبعضهم أو وبعضه)؟ طالب: وبعضهم. الشيخ: الظاهر أنها (بعضه) اكتبوا، لعلها (بعضهم). طالب: (...). الشيخ: إي، لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل، إذن بعضه يعني قَسَّم الأشياء المعروفة ثلاثة أقسام: معروفة بالفطرة، ومعروفة بالاستدلال بالعقل، ومعروفة بالوحي من طريق الرسل، ولَّا لا؟ طالب: ما يكون ما (...) وبعضه. الشيخ: لا، بعضه يعني: بعض هذا المعروف يُعْرَف بالفطرة وبعضه بالعقل وبعضه من طريق الرسل، وهذا صحيح، المعلومات الآن اللي تعلمها إما بالفطرة مثل: تعرف أنك إذا أكلت شبعت، وإما بالعقل والاستنتاج مثل أن تعرف أن الأثر لا بد له من مؤثِّر، وبعضه تعرفه عن طريق الرسل وهو الوحي الذي جاءت به الرسل، فأنتم اكتبوا (لعله وبعضه يعرفونه). طالب: شيخ، (وبعضهم يعرفه)، وأنتم عندكم (وبعضهم يعرفونه). الشيخ: لا، الصواب اللي عندنا أحسن وبعضه يعرفونه. أنت عندك وبعضهم يعرفونهم؟ طالب: لا، وبعضهم يعرفه؟ الشيخ: وبعضهم يعرفه. طالب: بالاستدلال. الشيخ: لا، حطوا (وبعضه يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم). الطالب: وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم وهدايتهم لهم، وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال هل يُعرف حسنها وقبيحها بالعقل. الشيخ: وقبحها. طالب: لا، حسنها وقبيحها. الشيخ: إذن (...) قبيح. طالب: نعم، حسن وقبيح. الشيخ: زين. الطالب: أم ليس فيها حَسَنْ ولا قبيح يعرف بالعقل؟ كما قد بُسِطَ في غير هذا الموضع وبينا ما وقع في هذا الموضع من الاشتباه، فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يُعْلَم بالعقل وهو أن يكون الفعل سببًا لما يحبه الفاعل ويلتذ به، أو سببًا لما يبغضه ويؤذيه. وهذا القَدْر يُعْلَم بالعقل تارة وبالشرع أخرى وبهما جميعًا، لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تُعْرَف إلا بالشرع، فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به. الشيخ: أنتم فاهمون هذه المسألة؟ طالب: (...). الشيخ: لا، مسألة الحسن والقبيح هل يُعْلَم حسن الشيء وقبحه بالشرع، أو يعلم حسنه وقبحه بالعقل؟ طالب: الشرع. الشيخ: لا، الحقيقة الصواب أن بعضه يُعْرَف بالعقل، وبعضه بالشرع وبعضه بهما جميعًا؛ بمعنى أن بعض الأشياء نعرف أنه حسن أو قبيح وإن لم يرد به الشرع، وليس معناه أننا إذا حسنَّا شيئًا أو قبَّحْنَاه أن الشرع ما يحسنه ولا يقبحه، وبعضه لا نعرف أنه حسن أو قبيح إلا بطريق الشرع، وبعضه نعلم أنه حسن وقبيح بالعقل والشرع أيضًا ورد به؛ فيه أشياء مثلًا من الأمور ما نعرف نحن عنها جيدًا الحكمة في التشريع إذن قبحها إن كانت منهيًّا عنها أو حسنها إن كانت واجبة، هذا معلوم بالشرع، كما لو قيل مثلًا: لماذا لا تصح الصلاة في أعطان الإبل مثلًا؟ عند الذين يقولون: إن العلة تعبديَّة يُعْلم قبح الصلاة في أعطان الإبل بالشرع لا بالعقل، عندما نقول: لماذا يجب الوضوء من لحم الإبل؟ الذين يقولون: إن الوضوء من لحم الإبل تعبديٌّ ما نعرف علته يُعْلَم حسنه بالشرع لا بالعقل. مثلًا الاعتداء على الناس، والأذية للناس معلومٌ حسنُه بالعقل وبالشرع، حسنه ولا قبحه؟ طلبة: قبحه. الشيخ: قبحه، معلوم قبحه بالعقل وبالشرع، الاعتداء على الناس يُعْلَم أنه قبيح بالعقل وبالشرع؛ بالشرع لأنه نهى عنه؛ وبالعقل لأن كل إنسان يعرف أن العدوان على الغير أمر مكروه عند الناس ومبغوض عندهم فهو قبيح ولَّا لا؟ يوجد أشياء العقل يهتدي إلى حسنها وقبحها وإن لم يرد بها الشرع، حتى لو فُرِضَ أن الشرع سكت عنها فإن الإنسان يعلم قبحها أو حسنها بعقله، مثلما ما يتعارفه الناس في عاداتهم من الأمور التي ما جرى بها الشرع لكن الناس يرون أنها قبيحة أو يرون أنها حسنة، فهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله هو الصواب؛ أنا نقول: الأشياء الحسنة والقبيحة منها ما يُعْلَم قُبْحه بالشرع أو حسنه، ومنها ما يعلم بالشرع والعقل، ومنها ما يُعْلَم بالعقل وحده. طالب: (...) بالشرع والعقل (...) وبالشرع. الشيخ: فهو بالعقل أيضًا؛ لأن الشيء (...) ما نص عليه الشرع، لكن عقلنا يهدينا إلى أن هذا أمر قبيح، مثلما قلت لك في أمور العادات التي ما ورد الشرع بها وإن كان عمومات الشرع تشهد له، ما نصت عليه بعينه حتى لا يمكن النزاع فيه؛ لأن ما كان يدخل في العمومات قد يُنازَع فيه، وأما ما نص عليه فلا يدخل في المنازعة. طالب: (...) بالشرع. الشيخ: لا، إذا كان ما عينه الشرع فلا يدخل في الشرع؛ لأنه داخل في عمومات قد ينازع فيه مَنْ ينازع؛ يقول: هذا ما يدخل في العموم مثلًا. الطالب: وأَمَرَتْ به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم كما أن ما أخبرت به الرسل من تفاصيل أسماء الله. الشيخ: ولهذا يقول المؤلف: هذا القَدْر يُعْلَم بالعقل تارة وبالشرع أخرى وبهما جميعًا. طالب: (...) بالعقل والشرع. الشيخ: إي، هذا يعلم بالعقل والشرع؛ لأن الشرع نهى عن كل ما فيه مضرة، والعقل يقبح كل ما فيه مضرة. الطالب: كما أن ما أخبرت به الرسل من تفاصيل أسماء الله وصفاته. الشيخ: لكن إذا استحسن العقل شيئًا قبَّحه الشرع كما لو استحسن حلق اللحية؛ لأن فيه ناس يستحسنون حلق اللحية أو استحسن تسويد شعرها إذا ابيضَّ (...) أبقى شابًّا، ربما يستحسن فنقول: هذا العقل ليس بعقل هو عقل منحرف في الواقع؛ لأن تحسين العقل أن ينزل كل إنسان في منزلته؛ الشايب يجب يكون شايبًا، والشاب يجب يكون شابًّا، أما نكذب على أنفسنا ونخدع أنفسنا ونقول: احلق لحيتك (...) ما بعد (...) ثلاثين سنة، هذا ما يصلح، هذه مخادعة في الحقيقة، والخداع العقل يقبِّحه ولَّا يحسنه؟ يقبحه، إي نعم. الطالب: وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جُمَلَ ذلك، وهذا التفصيل الذي يحصل هو الإيمان وجاء به الكتاب هو ما عليه قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ: ٥٠]، وقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء: ٤٥]. الشيخ: طيب، هنا إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّهل هذه مسألة فرضية ولَّا واقعية يمكن وقوعها؟ طالب: فرضية. الشيخ: فرضية، هذا من باب التنزل مع الخصم؛ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِيمثل قول المؤمن من آل فرعون: إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر: ٢٨]، وهذا المؤمن، ويش يعتقد؟ أنه صادق، لكن قاله على سبيل التنزل مع الخصم. آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، كيف هذا (الله خير ولَّا ما يشركون)؟! هل بينهما مفاضلة؟ طلبة: لا. الشيخ: معلوم أن الله خير، لكن لماذا قيل ذلك؟ للتنزل مع الخصم. وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] إحنا ولَّا أنتم؟! والجواب: نحن على الهدى، لكن هذا من باب التنزل مع الخصم والإنصاف معه. يعني يقول: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْإنا المسلمون أَوْ إِيَّاكُمْلعلى هدى أو في ضلال مبين؛ صحيح هذا إحنا ولا أنتم؟! لكن من المعلوم أن المسلمين على هدى وأن الكفار على ضلال مبين. طالب: شيخ، على أي شيء (...)؟ الشيخ: أيهم؟ طالب: من قوله: (...). الشيخ: على أساس أن العقل ما يستقل بالتحسين والتقبيح، وأنه لا بد له من الشرع. الطالب: ولكن طائفة توهَّمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يُعْلَم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا. فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت، ثم إن كلتا الطائفتين لما كانتا تُنْكِر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية ودلت عليه الشواهد العقلية؛ تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح؛ هل ذلك ممتنع لذاته وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح وأنه سبحانه منزه عن ذلك لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين. الشيخ: الظاهر (وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح أو أنه سبحانه منزه عن ذلك لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه)؛ لأنك قلت: (تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح؛ هل ذلك ممتنع لذاته وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح أو أنه سبحانه منزه عن ذلك؟) وإن كان يقبل حطوا (أو) لأجل يصيران قولين؛ لأنك لو ما جعلت أو صارت قولًا واحدًا (أو أنه سبحانه منزه عن ذلك). نضرب لكم مثالًا في الظلم مثلًا؛ الظلم قبيح ولَّا لا؟ طلبة: قبيح. الشيخ: شرعًا وعقلًا. هل هو متنع عن الله لذاته بمعنى أنه ما يتصور أن يقدر على الظلم أو أن الله منزه عن الظلم مع قدرته عليه؟ طلبة: منزه عن الظلم مع قدرته عليه. الشيخ: نعم، منزه عن الظلم مع قدرته عليه، وهذا في الحقيقة هو وجه المدح والكمال؛ أنه يكون قادرًا لكنه منزه عنه؛ لأننا لو قلنا: إنه مستحيل الظلم، وإن كل قبيح فهو مستحيل على الله لذاته. هل يمدح على هذا ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: اللي ما يقدر على أنه يسرق ونقول: السرقة مستحيلة عليه لذاته؛ لأنه ما له يدان ولا رجلان (...) هل يُمْدَح على ترك السرقة؟ ما يمدح على ترك السرقة؛ لأنه عاجز. لكن رجل نشيط وقوي وسبوق يأخذ الشيء ويسرقه ويخرج ما أحد يلحقه، ولكنه يرفض السرقة يُمْدَح ولَّا ما يُمدَح؟ طلبة: يمدح. الشيخ: إي نعم، إذن فهم يقولون: هل هذا القبيح الذي يرون أنه قبيح هل هو ممتنع على الله لذاته؛ بمعنى أن الله لا يقدر عليه، أو أن الله منزه عنه وإن كان قادرًا عليه؟ الصواب أن نقول: منزه عنه وإن كان قادرًا عليه، لكن يجب أن نعرف أنه ليست عقولنا هي الميزان (...) القبيح والحسن، هي عقولنا الميزان؟ لا، لو كانت عقولنا هي الميزان لكنَّا مثلًا نُحَسِّن أن يكون كلهم أمة واحدة على الحق أحسن من أن يكون بعضهم بالنار وبعضهم بالجنة، مثلًا قد يُحَسِّن عقلُنا هذا، لكن هل هذا صحيح؛ أن الحسن أن يكون الناس كلهم أمة واحدة على الحق حتى لا يُعَذَّب أحد؟ لا، ليس هذا هو الحسن الحسن ما اقتضته حكمةُ الله عز وجل؛ لهذا يجب عليك أن تعرف أنك وإن أثبتَّ الحسن والقبح العقليين فليس معنى ذلك أن عقلَك هو الميزانُ للحُسْنِ والقُبْحِ في اعتبار فعل الله؛ لأننا نحن لا نحيط بقدرة الله وحكمته حتى نحكم عليه بعقولنا ونقول: هذا حسن لماذا لم يفعله الله؟ وهذا قبيح لماذا فعله؟! لا، هذا ما يمكن هذا، إي نعم. الطالب: والقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب؛ فلا جعلوه محمودًا على ما فعله من العدل، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة، وما تركه من التعذيب والنقمة، والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه ولا حقيقة له وسَوُّوه بخلقه فيما يَحْسُن ويَقْبُح، وشبهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه. الشيخ: (...) القولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين -أعني في القضاء والقدر- اللي هو قول الجبرية وقول القدرية؛ فالجبرية عظَّموا الأمر والنهي، ولكنهم عطَّلوا القضاء والقدر، والقدرية على العكس، وقد مر علينا هذا؛ الجبرية يقولون: إنه يجب على الإنسان أن يكون طائعًا لله تعالى في ترك المعاصي وفي فعل العبادات لكنهم يقولون: إنه خاضع للقدر، فعظَّموا القَدَر وغَلَوْا فيه وتهاونوا في الأمر والنهي حتى إننا سبق أن قلنا: إن الجبرية مرجئة ويقولون: إن العاصي الفاسق مؤمن كامل الإيمان، هو قدري في الأصل. طالب: لماذا ما ذكر قول الأشاعرة (...) مع قوله: والقولان؟ الشيخ: لأن هؤلاء الأشاعرة من جنس قول القدرية، قريب من قول القدرية بل قريب من قول الجبرية فهو داخل فيهم. الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: والآخرون نَزَّهُوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه ولا حقيقة له، وسَوَّوْه بخلقه فيما يَحْسُن ويقبح، وشبَّهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه، فمن نظر إلى القَدَر فقط وعَظَّم الفناء في توحيد الربوبية ووقف عند الحقيقة الكونية لم يُمَيِّز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشاد والغي، وأولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتاب الله. الشيخ: أظنه واضح (...) الذين ينظرون إلى الحقيقة الكونية فقط ما يمكن (...) لأنهم يقولون: الكل من إرادة الله، ونحن نفنى في توحيد الله تعالى توحيد الربوبية فلا نقول: هذا حسن وهذا قبيح؛ لأن الكل يُعْتَبر حسنًا عنده، كلُّه من تقدير الله فهو يفنى أن يشاهد الحسن (...) فيما يقع في أفعال الله عز وجل، ويقول: إن كل ما أوجده الله سبحانه وتعالى فإنه حَسَن؛ لأنه يقف أمام القَدَر وقوفَ الميِّت بين يدي الغاسل، لا يشعر بما يُفْعَل فيه؛ فهو يقول: نحن نُعَظِّم القدر غاية التعظيم في توحيد الربوبية، ونفنى في هذا التوحيد عما سواه. ومعنى الفناء فيه: الانغماس بحيث يضمحل وجود المرء في هذا الباب، فتَبَيَّن الآن أن هؤلاء الذين يعظِّمون الفناء في توحيد الربوبية ويقفون عند الحقيقة الكونية لا يميزون بين الضار والنافع، لماذا يا جماعة؟ لأن الكل بتقدير الله؛ فهم يقولون: كل ما قَدَّر الله فلا فرق فيه، يجب أن نستسلم للربوبية استسلامًا كاملًا أعمى، فلا نُفَرِّق بين الضارِّ والنافع، ولا بين الحسن والقبيح، ولا بين الظلم والعدل؛ لأن الكل من فعل الله، فهم يفنون في هذا التوحيد عن كل ما يقع من جانب الربوبية. والإنسان الذي لا يحس بجانب الشيء طبعًا لا يُفَرِّق بين (...) النافعة والضارة، والملائمة وغير الملائمة، هذا هو وجه كلام المؤلف: (أنهم لم يميزوا بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم).. إلى آخره؛ لماذا؟ طالب: لأنه (...) من قدر الله. الشيخ: إي نعم؛ لأنهم يقولون: كل هذا بقدر الله فيجب أن نفنى في هذا القدر عن كل ما يصدر منه، ومعنى الفناء هو ما نُسَمِّيه بالذوبان؛ الذوبان أمام هذا الشيء بحيث لا نحس ولا نفرق بين ما يكون من جانب الربوبية، هذا معنى قول المؤلف: (فمن نظر إلى القَدَر فقط وعَظَّم الفناء في توحيد الربوبية ووقف لم يميز). الطالب: وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتاب الله.. الشيخ: لاحظوا يا جماعة، لا يفوتكم هذه الأشياء معانيها لا تقولوا: (...) مرور الكرام؛ لأنها مهمة وهي من صميم الموضوع فيجب عليكم أن تعرفوا إذا مرَّ مثل هذه الأشياء أن ما تعدونها (...)؛ لأنها من صميم الموضوع ومهمة في الفترة الأخيرة هذه، مهمة جدًّا. الطالب: فهم مخالفون أيضًا لضرورة الحس والذوق وضرورة العقل والقياس؛ فإن أحدهم لا بد أن يلتذَّ بشيء ويتألمَ بشيء فيميز بين ما يأكل ويشرب وما لا يأكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية. ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد.. الشيخ: هذا صحيح، كلام المؤلف واضح في الرد عليهم يقول: أنتم الآن تفرقون بين الذي يلائمكم والذي لا يلائمكم، والذي ينفعكم والذي يضركم، فكيف تَفْنَون في توحيد الربوبية؟! والتفريق بين هذه الأشياء هو ما جاءت به الشريعة، فكونكم تفنون في جانب الربوبية وتَنْسَوْن ما جاءت به الشريعة، هذا أمر مخالف للكتاب والسنة والفِطْرة وحتى (...). الطالب: ومن ظن أن البشرَّ ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائمًا فقد افترى وخالف ضرورة الحس؛ ولكن قد يَعرِض للإنسان في بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور؛ فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه، بل يرى في منامه ما يسوؤه تارة وما يَسُرُّه أخرى، فالأحوال التي يُعَبَّر عنها بالاصطلاح كالفناء والسكر ونحو ذلك. الشيخ: بالاصطلام. الطالب: بالاصطلاح. الشيخ: لا، عندنا يعبر عنها بالاصطلام والفناء، ويش عندك أنت؟ الطالب: بالاصطلاح كالفناء والسكر ونحو ذلك. الشيخ: اكتبها، نسخة لا بأس؛ لأن اللي عندك مستقيم، كلاهما مستقيمة في الحقيقة. طالب: الاصطلام ويش هو؟ الشيخ: الاصطلام أن الإنسان يصطلم شيء بشيء فيفنى به ويذوب فيه، هذا معناه. الطالب: إنما تنشأ من عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها -لضعف تمييزه- لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا، ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقًا، وعَظَّم هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرًا وشرعًا، وغلط في خلق الله وفي أمره؛ حيث ظن وجود هذا ولا وجود له. الشيخ: اللي عندك أصح: (حيث ظن وجود هذا ولا وجود له). عندنا (حيث ظن أن وجود هذا لا وجود له)، (...) حطوا واوًا بعد قوله: (حيث ظن وجود هذا ولا وجود له).
الطالب: وحيث ظن أنه ممدوح ولا مدح في عدم التمييز وفقدان العقل والمعرفة. الشيخ: في عدم التمييز وفقدان؟ الطالب: العقل والمعرفة. الشيخ: حطوا يا جماعة ها الكلام: (ولا مدح في عدم التمييز وفقدان العقل والمعرفة). الطالب: وإذا سمعت بعض الصوفية يقول: أريد أَلَّا أريد. الشيخ: طيب، بعض الشيوخ في معنى بعض الصوفية. طالب: (...). الشيخ: (...) يعني الصوفية. الطالب: يقول: أريد ألا أريد، أو أن العارف لا حَظَّ له، وأنه يصير كالميت بين يدي الغاسل ونحو ذلك، فهذا إنما يُمْدَح منه سقوط إرادته التي يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه، ومن أراد بذلك أنه تبطُل إرادته بالكلية وأنه لا يحس باللذات والألم والنافع والضار، فهذا مكابر مخالف لضرورة الحس والعقل. الشيخ: (مكابر) ما هي بعندي حطوها (مكابر مخالف لضرورة). أنتم الآن تتصورون قضية الفناء هذه اللي ينفون في توحيد الربوبية يرون أنهم كالسابح في البحر تتلاطمه الأمواج وهو لا إرادة له ولا شعور ولا قدرة، ماشٍ معها إن ارتفعت ارتفع وإن انخفضت انخفض، فهو يقول: الكل حسن ولا أفرق بين الضار والنافع، ولا بين الحسن والقبيح، ولا بين الواجب والمُحَرَّم، لماذا؟ لأنني سائر في قَدَرِ الله وتحت إرادته وسيطرته الكاملة، فأنا لا أفرق. ولا شك أن هذا -كما قال الشيخ- مخالف للدين، ومخالف للشرع، ومخالف للحس والعقل والفطرة، وللقَدَرِ أيضًا، حتى القدر فيه أشياء ما أُلْزِمنا بأن نرضى بها. هل يجوز لنا أن نرضى بالمعاصي مع أنها بِقَدَرِ الله ولَّا ما يجوز؟ ما يجوز أن نرضى ولو كانت من قَدَرِ الله، بل يجب علينا مدافعتُها وإزالة المنكر؛ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» . والحاصل أن هذه الطريقة من الفناء والتي يزعم هؤلاء الشيوخ الذين يسمون أنفسهم بالعارفين بالله يزعمون أن هذه هي حقيقة توحيد الربوبية نقول: هذه هي حقيقة الجنون فإنَّ مَنْ لا يُمَيِّز لا فرق بينه وبين المجنون، والبهمية خير منه؛ لأن البهيمة تُمَيِّز بين ما ينفعها ويضرها فتأكل ما ينفعها وتترك ما يضرها. الطالب: ومَنْ مَدَح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل. والفناء يُرَادُ به ثلاثةُ أمور: أحدها: الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل. الشيخ: أحدها. الطالب: الفناء الديني الشرعي. الشيخ: عندنا (هو الفناء)، ولكن ما فيه مانع. الطالب: أحدها الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل ونزل به الكتب. طالب آخر: أنزلت. الشيخ: ما يخالف. الطالب: وهو أن يفنى عما لم يأمره الله به بفعل ما أمر الله به، فيفنى عن عبادة غير الله بعبادته، وعن طاعة غير الله بطاعته وطاعة الله رسوله. الشيخ: بطاعته. الطالب: وطاعة الله رسوله. الشيخ: لا، اشطب على (الله)؛ لأن (بطاعته) أي: بطاعة الله ورسوله. طالب: (...). الشيخ: إي، بطاعته وطاعة رسوله. الطالب: وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. الشيخ: (أحبَّ) منصوبة على أنها خبر (يكون). الطالب: أحبَّ إليه مما سواهما كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة: ٢٤] فهذا كله هو مما أمر الله به ورسوله. الشيخ: طيب الآن فهمنا هذا الفناء الديني الشرعي وهو الفناء بالطاعة عن المعصية، وبعبارة أعم بكل ما أمر الله به عما نهى الله عنه. ومعنى الفناء -كما قلت لكم بالأول- هو الانشغال والذوبان. وكلمة الفناء الديني فيما أعتقد أن الشيخ رحمه الله قالها من باب تتميم الأقسام، وإلَّا فلا يصح أن نقول: إن هذا فناء ديني. نقول: اشتغال. لا بأس. اشتغل بطاعة الله عن معصيته، اشتغل بالتوكل على الله عن التوكل على غيره، اشتغل بخوف الله عن خوف غيره. أما كلمة (فناء) فإنها كلمة محدثة بلا شك؛ ولهذا ما نجد في القرآن ولا في السنة أن الله تعالى أو رسوله سَمَّى الاشتغال بالعبادة سماه فناء، لكن المؤلف جاء به من باب تتميم الأقسام فقط وإلا ففي الحقيقة أن الاشتغال بالدين تسميته فناء أَمْرٌ محدث لا وجودَ له لا في الكتاب ولا في السنة، ما عمرنا سمعنا أن الإنسان يقول: يفنى في الصلاة عن ترك الصلاة، ولا يفنى في الصيام عن الإفطار، ما سمعنا هذا، لكن من باب تتميم الأقسام عشان تنضبط المسألة أتى به المؤلف. الطالب: وأما الفناء الثاني وهو الذي يذكره بعض الصوفية فهو أن يفنى عن شهود ما سوى اللهِ تعالى؛ فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى، فهذا حال. الشيخ: عندي (بحيث قد يغيب). (قد) ما لها معنى. (بحيث يغيب). طالب: (...). الشيخ: لا، (...). الطالب: فهذا حالٌ ناقصٌ قد يَعْرِض لبعض السالكين وليس هو من لوازم طريق الله؛ ولهذا لم يُعْرَف مثلُ هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ولا للسابقين الأولين، ومَنْ جعل هذا نهايةَ السالكين فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف، يصلح (ولا للسابقين) أو (وللسابقين). الطالب: وكذلك مَنْ جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ خطأ فاحشًا، بل هو من عوارض طريق الله التي تَعْرِض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك. الشيخ: طيب، إذن هذا الفناء هل هو محمود ولَّا لا؟ طلبة: لا، ليس بمحمود. الشيخ: نقول: ليس بمحمود، لماذا؟ لأنه ما دام لم يعرف عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن السادة الأولين فهو مبتدع، ثم إنه سبق هذا مر علينا من قبل، وأن بعضهم جعل هذا من تمام التوحيد، وقلنا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس يغيب بمعبوده عن عبادته. بل إنه صلى الله عليه وسلم كان أعبد الناس لربه، ومع ذلك لا يغيب عن عبادته، بل إنه يُخَفِّف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي مخافة أن تفتتن أمه ، ويحمل أمامة بنت زينب وهو في صلاته . وكان عمر رضي الله عنه يقول: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة . فهل هؤلاء غابوا بمعبودهم عن عبادتهم؟ لا، بل شهدوا عبادتهم وشهدوا معبودهم، فهم يعبدون الله كأنهم يرونه، ما هم يَنْسَوْن عبادتهم ولا يدرون هم يعبدون ولَّا ما يعبدون اشتغالًا بمعبودهم. فالحاصل أن هذا الفناء نقول: هذا الفناء ليس بطريق سليم. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف، هذا عروة بن الزبير رحمه الله من كبار الفقهاء، ولكنه ما غاب بعبادته عن معبوده غاب بعبادته عما يُفْعَل به، ففرق بين هذا وهذا؛ لأنه هو قال: تقطعونها إذا دخلت في صلاتي ففعلوا ، لكنه ليس معناه أنه غاب بعبادته عن معبوده، بل هو غاب بعبادته عما سوى العبادة، هذا ليس كما قال هؤلاء. طالب: (...). الشيخ: الفرق (...). طالب: القسم الأول. الشيخ: القسم الأول معنى الفناء، وقلت: التعبير بالفناء هذا مبتدع، لكن معنى أن الإنسان يشتغل بالطاعة عن المعصية هذا معناه؛ يعني: بدل ما يروح يعصي الله يعبد الله، أما هذا فإنه يغيب ويذهل عن العبادة بالمعبود؛ يعني إذا قام يصلي ما يشعر كأنه في صلاة، لا، يشعر بأن الله أمامه مثلًا وينسى كل شيء، كأنه لا يصلي ولا يدري هو ركع ولَّا ما ركع، ولا سجد ولا ما سجد، غائب ذاهل (...)، مثل لو أن أحدًا منا شهد أمرًا مفزعًا له ما هو بينسى عما سواه؟ تجد الإنسان إذا فرع من شيء وهرب تكسر رجليه ها الحصا (...) الشوك وكل شيء، وهو ما يشعر.