شرح العقيدة التدمرية - ١٦
درس صوتي · ٧٩:٣٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
الجواب: يقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنها، هذا الضابط، كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنها. مثاله: إذا علمنا أنه موجود واجب الوجود بنفسه، موجود؛ هذه واحدة، واجب الوجود؛ ثنتان، بنفسه؛ ثلاثة، وأنه قديم واجب القدم عُلِم امتناع العدم؛ لأن العدم ويش يضاده؟ ضد الوجود، والحدوث عليه ضد القدم، وعُلِم أنه غني عما سواه، منين أخذناه؟ من قوله: بنفسه، فهو غني عما سواه. لو قال لك قائل: هل يجوز الحدوث على الله، أن يكون حادثًا؟ طالب: لا. الشيخ: لا، ويش الدليل؟ لأنه واجب الوجود، ووجوب الوجود بنفسه صفة كمال، وتجويز الحدوث عليه أو افتقاره إلى غيره صفة نقص، فعلى هذا نعرف أن الحدوث أو افتقار الله إلى غيره ممتنع؛ لأنه منافٍ صفة الكمال الذي هو وجوب الوجود بنفسه. فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه ليس هو موجودًا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا بهما، كالإنسان مثلًا.. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ طالب: ليس هو موجودًا بنفسه، بل وجوده بنفسه. الشيخ: إي نعم، ليس هو موجودًا بنفسه، بل بنفسه.. طالب: لا عندي موجود بعد زيادة: بل وجوده بنفسه. الشيخ: ويش بعدها؟ طالب: وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه. الشيخ: إي، (...) إعادة العامل واضح، على كل حال إن شاء الله تدرسونه جيدًا؛ لأن هذه بحوث عقلية إلا أن معناها العام هو أننا لا نعتمد في الإثبات أو النفي بما يثبت بالله ويُنفى عنه لا نعتمد على مجرد نفي التشبيه أو على الإثبات بلا تشبيه، والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه ليس هو موجودًا بنفسه، بل موجود بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به، وهو سبحانه غني عن كل ما سواه، فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه، وهو سبحانه قدير قوي، فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه). يعني: لو قال أحد: إن الله تعالى يفتقر إلى كذا، إلى الأكل، إلى الشرب، إلى اللباس، إلى النوم مثلًا، لقلنا: إن الله منزه عنه حتى وإن لم يرد في الشرع نفي ذلك؛ لأننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى غني عما سواه، وافتقاره إلى هذه الأشياء ينافي غناه، فكل ما نافى صفات كماله فهو منزه عنه. كذلك هو قدير قوي، لو قال لنا قائل: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض فتعب -كما قال اليهود- قلنا: هذا ممتنع. لماذا؟ لأن التعب ينافي كمال القوة، وكل ما نافى كمال صفاته فهو منزه عنه، حتى وإن لم يرد في قوله تعالى: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] مثلًا، فإننا ننزهه عن اللغوب؛ لأن ذلك ينافي كمال صفاته. يقول المؤلف رحمه الله: (وهو سبحانه حي قيوم وكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه) إذن القاعدة فيما ينزه عنه الله ليس هو الجسم كما قال المعتزلة، وليس هو التشبيه كما يقوله من يقوله، ويعتمدون على مجرد نفي التشبيه، وإنما ينزه عن كل ما ينافي كمال صفاته. (وبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، وكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفء، فإن إثبات الشيء نفي لضده، ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه). أظن هذا أيضًا ما فيه إشكال، أننا إذا وصفنا الله بصفات الكمال فكل ما نافى صفات الكمال فالله منزه عنه، والله تعالى قد وصف نفسه بصفات الكمال، كما في الكتاب والسنة، فكل ما نافى هذه الصفات الكاملة فإنه يجب أن ينزه الله عنه، لماذا؟ لأن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزمه ذلك الضد. (فطرق العلم بنفي ما ينزه عنه الرب متسعة، لا يُحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، كما فعله أهل القصور والتقصير). الفرق بين القصور والتقصير واضح، القصور معناه أن الإنسان ما عنده علم، فهو قاصر، والتقصير عنده علم لكنه مُقَصِّر، هؤلاء عندهم قصور في العلم وعندهم تقصير في طلبه أيضًا. وأيهما أشد القصور أو التقصير؟ التقصير أشد؛ لأن التقصير من فعل الإنسان، والقصور من غير فعله، قد يكون الإنسان قاصرًا لا يستطيع الكمال، وقد يكون يستطيع الكمال ولكنه مقصر في طلبه، فهؤلاء عندهم قصور وعندهم أيضًا تقصير، حيث لم يطلبوا ما يجب لله وما يمتنع عليه، ما طلبوه من الكتاب والسنة، من أين طلبوه؟ طلبوه من عقولهم التي هي متناقضة، كما مر علينا كثيرًا، فإذن هم أهل قصور وأهل تقصير. يقول رحمه الله: (الذين تناقضوا في ذلك وفرقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه، وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور، حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يُقال: لا موجود، ولا: ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي؛ لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم، فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا). وهذا مر علينا في أول الكلام ولّا لا؟ مر علينا، وقلنا: إنهم بعضهم يقول: لا أشبهه بالموجودات، فلا أثبت له صفة وجود. وبعضهم يقول: لا أشبهه بالموجودات ولا بالمعدومات، فأقول: لا موجود ولا معدوم. وتقدم أن هذا تشبيه له بالممتنعات. (ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا). شوف الآن المؤلف، طرق تنزيهه متسعة تكررت في نصف صفحة تقريبًا، فالكتاب هذا لو يُجرد من التكرار لكان واضحًا، لكنه كما قلت لكم وأقوله أيضًا: إن هذا الكتاب فيه تكرار، ولكن من عرف القواعد والأسس سهل عليه تصريف هذا التكرار؛ لأن المؤلف -رحمه الله- لأجل إيضاح الأمور ينوع العبارات، وإن كانت متكررة لأجل تَرْسَخ في ذهن السامع. (وقد تقدم أن نفي ما ينفى عنه سبحانه نفي متضمن للنفي والإثبات إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال) هذا تقدم لنا أيضًا، هو ما تقدم لنا يا جماعة؟ أن النفي ما نفاه الله عن نفسه، فهو نفي متضمن للإثبات؛ لأن مجرد النفي ليس مدحًا، وقد قلنا فيما سبق: إن النفي قد يكون لكون الشيء غير قابل له، كما لو قلت: الجدار لا يظلم، وقد يكون النفي لضعفٍ في المنفي عنه، مثل قول الشاعر:
قُبَيِّـــــــلَةٌ لَا يَغْــــــــدِرُونَ بِــذِمَّةٍ
وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
فتجد أن نفي الغدر ونفي الظلم هنا مدح أو ذم؟ طلبة: ذم. الشيخ: ذم، فإذن النفي المجرد ليس مدحًا، والله سبحانه وتعالى ليس له من الصفات إلا الكاملة، وما ليس مدحًا فليس بكمال. وعلى هذا فلا يمكن أن يكون في صفات الله نفي مجرد، يا جماعة ما يمكن في صفات الله نفي مجرد، عندما نقول: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، عندما نقرأ هذه الآية وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا، لماذا؟ طلبة: لكمال عدله. الشيخ: نعم، يجب أن نقول: لأنه كامل العدل لا لأنه عاجز عن الظلم، ولا لأنه غير قابل له، أليس كذلك؟ فتبين لنا أنه لا يوجد في صفات الله نفي مجرد، والمعلل علله هنا وعلله سابقًا؛ لأن مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، أليس كذلك؟ مجرد النفي بس نفي هكذا ما يدل على كمال، ولا هو مدح أيضًا. (فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجودات وليس هذا مدحًا له؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقًا، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه يُنزه الرب تبارك وتعالى عنه). أرجو أن (...) الآن، فهمنا من كلام المؤلف أن الله تعالى لا يوجد في صفاته نفي مجرد حتى يكون هذا النفي متضمنًا للكمال، وذلك لأن النفي المجرد ليس فيه نفي وليس فيه كمال، كما سبقت الإشارة إليه. قال: (والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلِم أنه حي، والموت ضد ذلك، فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسِّنَة ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، وكذلك اللغوب نقص في القدرة والقوة والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك تتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه). وقد قال الله تبارك وتعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]، مِنْ ظَهِيرٍيعني من مُعين، وذلك لأنه مستغنٍ عن غيره، فلا يحتاج إلى مُعِين ولا إلى شريك ولا إلى أحد يساعده على خلقه. (وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر إليه ليس مستغنيا عنه بنفسه فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب، ولهذا كانت الملائكة صُمدًا لا تأكل ولا تشرب، وقد تقدم أن كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق الخالق أولى بتنزيهه عن ذلك). شوف (وكل نقص يُنزه عنه المخلوق) ما قال: كل ما يجب أن يتنزه عنه المخلوق؛ لأنه مر علينا أن من صفات الله ما لا يجوز للمخلوق أن يتصف به مثل المتكبر. (والسمع قد نفى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: {اللَّهُ الصَّمَدُ}، والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب). هي نسب الرحمن؛ لأن المشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك، منين هو؟ من أي قبيلة؟ من أي ناس؟ فأنزل الله تعالى قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤]. (وقال في حق المسيح وأمه: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ [المائدة: ٧٥]، فجعل ذلك دليلًا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى، والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء للأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل، إذ ذاك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل). إذن مثلًا لو قال قائل: هل يجوز أن نثبت لله أمعاء وكبدًا ومعدة وما أشبه ذلك؟ نقول: لا يجوز هذا، لماذا؟ نقول: لأن هذه إنما هي للأكل والشرب، أوعية الأكل والشرب، والله سبحانه وتعالى لا يأكل ولا يشرب، فليس بحاجة إلى هذا، لا إلى الأكل ولا إلى الشرب ولا إلى آلتهما، بخلاف اليد يجوز أن تثبت لله، بل يجب أن تثبت لله؛ لأنها آلة الفعل، والله سبحانه وتعالى يفعل ويعمل: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١]، وقال تعالى: وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: ١٠٤]. يقول: (وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم الضعف والعجز الذي ينزه عنه سبحانه; بخلاف الفرح والغضب فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز وبالعلم دون الجهل وبالحياة دون الموت وبالسمع دون الصمم وبالبصر دون العمى وبالكلام دون البكم، فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك. وأيضًا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفؤ له ولا سَمِي له وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فيُعلم قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات؛ لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلات شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر. فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من الوجوب والفناء، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه موجودًا معدومًا، وذلك جمع بين النقيضين، وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري أو يد كيدي، ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له ولا ما ينزه عنه واستيفاء طرق ذلك؛ لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه، فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم). عندي: وإنك لتجد في العقيدة الطحاوية التفصيل لما أجمله شيخ الإسلام في هذه الرسالة، وانظر الطبعة الجديدة من هذا الشرح القيم، وقد جرى تحقيقها على مخطوطات نادرة، وخرج أحاديثها محدث الدار الشامية الشيخ ناصر الدين الألباني. المؤلف -رحمه الله- أطال في هذه القاعدة السادسة، ولكن خلاصتها -كما قلنا وسبق لنا (...) محاضرات- هي أن نقول: إنه لا يجوز الاعتماد في إثبات أو نفي صفات الله على مجرد نفي التشبيه أو الإثبات بلا تشبيه، ما يجوز أن نعتمد على هذا، وذلك لأن كلًّا من هاتين القاعدتين مثلًا يرد عليهما ما يرد مما ذكره المؤلف؛ لأنك إذا قلت: أعتمد على مجرد نفي التشبيه، ادعى أحد من الذين (...) الصفات بأن هذا تشبيه (...). وأيضًا إذا قلت أعتمد على مجرد نفي التشبيه فإنك تقول: الله ليس له حياة؛ لأن الإنسان له حياة، وليس له بصر؛ لأن الإنسان له بصر، كذلك أيضًا إذا اعتمدت على مجرد الإثبات بدون تشبيه يلزمك على هذا أن تثبت بأن الله.. طالب: حي. الشيخ: لا، إذا قلت: أعتمد على مجرد الإثبات بدون تشبيه، ويش يلزمك؟ طلبة: (...). الشيخ: أن تصفه بصفات النقص بدون تشبيه، فتقول: يأكل لا كأكل المخلوقين، وينام لا كنوم المخلوقين، وهكذا. وهذا أيضًا ممتنع، إذن ما هو الاعتماد الصحيح على ما يجب إثباته ونفيه؟ نقول: هو الكمال والنقص، وقد ورد السمع بآيات كثيرة بإثبات الكمال له، وورد أيضًا بنفي النقائص عنه ولّا لا؟ ثم العقل، كما قال المؤلف في الأخير، إذا يثبت الكمال لله على سبيل الإطلاق ما هو على سبيل التفصيل، وينفي النقص على سبيل الإطلاق أيضًا لا على سبيل التفصيل. ما ورد إثباته من صفات الكمال فإننا نقول: يجب نفي ضده من صفات النقص، فإذا ورد السمع بأنه سميع يجب نفي الصمم، بصير يجب نفي العمى. يعني ليس في القرآن ولا في السنة أن الله ليس بأعمى ما فيه هذا، لكنه ورد أنه بصير، والبصر صفة كمال، وضده العمى صفة نقص، إذن فالعمى منتفٍ عن الله بدلالة السمع ودلالة العقل، دلالة السمع؛ لأن الله أثبت لنفسه البصر، ودلالة العقل؛ لأن العمى نقص والله تعالى منزه عنه.
القاعدة السابعة: دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع
٠٠:٢٤:١٢
(القاعدة السابعة أن يقال: إن كثيرًا مما دل عليه السمع). والسمع سألني أحدكم عنه أمس، وقلت له: إنه هو الكتاب والسنة، وسمي سمعًا؛ لأنه يُسْمَع، ليس للعقل فيه مجال، إنما يدرك بالسمع، يسمعه الناس بعضهم من بعض. يقول: (أن يُقال: إن كثيرًا مما دل عليه السمع يُعْلَم بالعقل أيضًا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه، كما ذكر الله تعالى ذلك في غير موضع). انتبهوا للقاعدة الآن (إن كثيرًا مما دل عليه السمع يُعْلَم بالعقل أيضًا) هذا صحيح، كثير مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل، فمثلًا كون الله تبارك وتعالى سميعًا بصيرًا عليمًا قادرًا إلى آخره هذا دلَّ عليه السمع، ويدل عليه العقل ولّا لا؟ يدل عليه العقل، ولهذا استدل إبراهيم على أبيه بأن الأصنام لا تصلح أن تكون إلهًا بقوله: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]، هذا استدلال عقلي على أبيه، اللي ما يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا لضعفه وعجزه ما يمكن أن يُعبد. استواء الله على العرش دل عليه السمع، هل دل عليه العقل؟ لا، ما دل عليه العقل، يعني لولا أن الله أحبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا أنه استوى على العرش. العلو دل عليه السمع، دل عليه العقل ولّا لا؟ نعم، دل عليه العقل؛ لأن الرب لا ينبغي أن يكون في أسفل، بل لا بد أن يكون عاليًا، وبهذا عرفنا أن المؤلف احترز، قال: (إن كثيرًا مما دل عليه السمع) ولم يقل: إن ما دل عليه السمع؛ لأن في صفات الله مما دل عليه السمع ما لم يدل عليه العقل، أليس كذلك؟ ويش الذي يخرج من كلمة (كثيرًا)؟ خرج به أن شيئًا مما دل عليه السمع لا يدل عليه العقل. وبأي شيء تمثل لو طلب منك؟ بالاستواء على العرش، وإثبات اليد -مثلًا- لله، والنزول إلى السماء الدنيا، هذا ما دل عليه العقل، لكن ما دل عليه السمع. قال: (أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضًا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع، فإنه سبحانه وتعالى: بَيَّن من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بَيَّن أيضًا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه. فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بَيَّن الأدلة العقلية التي يُستدل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي) إلى آخره. نقول: (هذه المطالب) يعني بالمطالب: ما يطلب من إثبات صفات الله تعالى أو نفيها عنه، نقول: (هي شرعية من جهتين: أولًا: من جهة أن الشرع أخبر بها)، وكل ما أخبر به الشرع من صفات الله فإنه شرعي بلا شك. والثاني: أنه بَيَّن الأدلة العقلية التي يُستدل بها عليها، مثال ذلك: بيانه (الأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط في غير هذا الموضع، وهي أيضًا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضًا). صارت هذه المطالب شرعية من جهتين؛ الجهة الأولى أن الشرع أخبر بها، والجهة الثانية أن الشرع بَيَّن الأدلة العقلية الدالة عليها، وذلك مِثْل الأمثالِ المضروبة، الأمثالُ المضروبةُ هي أقيسة عقلية، مثلًا: ضرب الله مثلًا بقدرته على إحياء الموتى بأنه يحيي الأرض بعد موتها، وقال: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت: ٣٩]. هذا القياس عقلي ولّا لا؟ عقلي؛ يعني: الأرض تأتيها يابسة هامدة أشجارها (...) ما فيها شيء، فينزل عليها المطر فإذا هي رابية تهتز، أليس في هذا دليل على قدرة الله على إحياء الموتى؟ بلى، فيه دليل. كون الشارع يرشدنا إلى الاستدلال بهذا القياس العقلي هذا إرشاد شرعي، فهذه المطالب نقول: هي شرعية من وجهين؛ الوجه الأول يا جماعة، ترى هذه قاعدة يجب أن نفهمها قبل كل شيء، القاعدة هذه يقول المؤلف: إن كثيرًا مما أخبر به السمع من صفات الله دل عليه العقل، إذن فهذه المطالب التي هي أسماء الله وصفاته أو ما يجب أن يثبت أو ينفى عن الله هي شرعية وعقلية، شرعية من وجهين؛ الوجه الأول: أن الشرع أخبر بها، الوجه الثاني: أنه أرشد إلى الاستدلال بالعقل عليها؛ يعني: قال: انظروا. هذا الاستدلال إذا قيل ما مثاله؟ نقول: مثاله الأمثال المضروبة، المشركون اتخذوا إلهًا مع الله ولّا لا؟ اتخذوا إلهًا مع الله، هذا ممتنع؛ لأنه نقص ضَرَبَ اللَّهُ مثلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ [الزمر: ٢٩]، هذا مثال للموحد وللمشرك، أيهما الموحد؟ السلم لرجل، والمشرك؟ اللي فيه شركاء متشاكسون. إذن، هنا استدل على وحدانية الله بمثل مضروب، معنى ذلك أن هذا من الأدلة الشرعية، لكنها بواسطة العقل الذي أرشد الشرع إليه. أرجو يا جماعة اضبطوا القاعدة، هذه المطالب -ونعني بالمطالب: ما يجب أن يُثبت أو يُنفى عن الله- شرعية عقلية، شرعية منين؟ من جهتين، أن الشرع أخبر بها، ثانيًا أن الشرع أرشد إلى إثباتها بالطريق العقلي. وهي أيضًا عقلية، يقول المؤلف: (وهي عقلية من جهة أنها تُعلم بالعقل أيضًا). ذكرنا، قبل قليل، أن سمع الله وبصره وعلمه وقدرته إلى آخره تُعلم بالشرع ولّا بأي شيء؟ طلبة: بالشرع. الشيخ: وتُعلم أيضًا بالعقل، تُعلم بالشرع وبالعقل. فالمؤلف إذن قال: إنها -هذه المطالب- شرعية وعقلية، شرعية من جهة أن الشرع أخبر بها وأرشد إلى الاستدلال بالعقل عليها، وعقلية من جهة أن العقل أيضًا يدل عليها. ثم استمر المؤلف: (وكثير من أهل الكلام يسمي هذه الأصول العقلية لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط). الأصول العقلية يعني ما يجب إثباته أو نفيه عن الله نسميه بالأصول العقلية؛ لأنه يزعم أنها لا تثبت إلا بالعقل، لا تعلم إلا بالعقل فقط. فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق الذي هو النبي لا يُعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل. وسيبين المؤلف خطأ هذه الطريقة، وأن القول بأن هذا لا يُعلم إلا بالعقل، ووجه كونه لا يُعلم إلا بالعقل يقولون: لأن هذه ثبتت بخبر النبي ولّا لا؟ صفات الله يا إخوان المثبتة والمنفية ثبتت بأخبار الأنبياء، الأنبياء ما نعلم أنهم أنبياء إلا بعد دلالة العقل على نبوتهم، ولهذا ما أرسل الله نبيًّا إلا جعل له آيات يستدل بها الناس على نبوته، وطبعًا الاستدلال بطريق بالعقل. فهم يقولون هذه عقلية؛ لأنها جاءت من طريق النبي والنبي لا يُعلم أنه نبي إلا بطريق العقل، وسيتبين بطلان قولهم هذا. (ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها، فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما) (...) ليس بشيء هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١]. بأي شيء نعلم حدوث الأجسام؟ يقول: يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، سبحان الله، ما يقولون: العلم بحدوثها وجودها، لا؛ العلم بحدوثها إما بحدوث الصفات وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، ويش مثل حدوث الصفات؟ كأن يكون طويلًا بعد أن كان قصيرًا، ويكون ذكيًّا بعد أن كان بليدًا، ويغضب بعد أن يكون هادئًا، ولّا لا؟ وهكذا، هذا حدوث الصفات، حدوث الصفات في هذا الجسم تدل على أن الجسم حادث، وطبعًا هذه القاعدة أيضًا ترى ما هي صحيحة؛ لأننا لو قلنا بهذا لزم أن نقول بنفي الفرح عن الله ونفي الغضب، وإلا لزم أن نقول: إن الله حادث، وهذا ليس بصحيح. إذن بعضهم يقول: نعلم حدوث الأجسام بحدوث الأفعال القائمة بها. مثل أيش الأفعال؟ الأفعال القائمة يا جماعة، واحد يروح يصلي فيفعل، يأتي إلى المدرسة فيفعل، يقول: حدوث هذا الفعل لما قمت من النوم وصليت هذا حدث، حدوث هذا الفعل من هذا الجسم يدل على حدوث الجسم. وهذا أيضًا في الحقيقة ما هو بدليل صحيح؛ لأننا لو قلنا بهذا لزم إذا قلنا: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ويستوي على العرش، يلزم أن نقول: إن الله تعالى حادث إذا قلنا: إن حدوث الأفعال تدل على حدوث الأجسام، وهذا ليس بصحيح، لكن هم قالوا: هذا المؤلف الآن يحكي قول غيره بذلك وليس يقره. قال: (فيجعلون نفي أفعال الرب ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها) أعوذ بالله، هل هذا صحيح؟ قطعًا هذا ليس بصحيح؛ يعني نقول: ما يمكن تثبت النبوة إلا إذا نفيتها عن الرب وصفات الرب؟ لا يمكن، وهذا تناقض أيضًا، وسيأتي إن شاء الله. (...) المؤلف أن كثيرًا مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضًا. طالب: (...). الشيخ: (...). بسم الله الرحمن الرحيم: (ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة، على نقيض قولهم؛ لظنهم أن العقل عارض السمع وهو أصله، فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يُؤول وإما أن يُفوض، وهم أيضًا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة -على وفق قولهم- لما تقدم). يقول المؤلف: إن هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم؛ يعنى معناه أن الكتاب والسنة لا يقبلونهما في الأمر الذي يخالف قولهم، لماذا؟ قال: (لظنهم أن العقل عارض السمع وهو أصله، فيجب تقديمه عليه) يقولون: إن العقل عارض السمع في هذا، وهل الأصل العقل ولّا السمع؟ عندهم هم أن العقل هو الأصل، وإذا صار العقل هو الأصل وعارض الفرع فالواجب تقديم الأصل، فيقولون مثلًا: إن هذه الصفات يمنعها العقل، فهو معارض للسمع، وإذا كان هو أصل السمع فإن الأصل يجب أن يُقدم على الفرع، وتُنفى هذه الصفات. يقول الشيخ -رحمه الله: ما طريقتهم عاد إذا جاء شيء يخالف العقل إما أن يُؤول وإما أن يُفوض. يُؤول، ويش معنى يؤول؟ يصرف عن ظاهره. يُفوض؛ لا يُتكلم في معناه إطلاقًا، ويقال: هذا ما ندري عنه. مثال ذلك: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] له ثلاثة معان: معنى صحيح، ومعنى مؤول، ومعنى مفوض. المعنى الصحيح أن يُقال: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِأي: علا عليه واستقر على الوجه الذي يليق به. مؤول: استوى بمعنى استولى. مفوض: استوى ما ندري ويش معناه، ما نقول في معناه شيئًا، نقرؤه ولا نتكلم في معناه، فيكون عندنا بمنزلة اللغة الأجنبية التي لا نعرف معناها، مثل لو جاء إنسان إنجليزي ورطن علينا وإحنا ما نعرف رطانتهم، يقول: لو قال لنا ويش نقول؟ لو قيل لنا: ماذا يقول؟ قلنا: لا نعلم، هم يقولون: إن الصفات مفوضة، يقولون: إن الصفات -كل آيات الصفات وأحاديثها- بمنزلة اللسان الأعجمي أمام اللسان العربي، وأننا لا نقول بها شيئا، ما نعرف معناها إطلاقًا، هذا التفويض. قال المؤلف: (وهم أيضًا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم لما تقدم) نقول: أنتم الآن (...) على طريقتكم ما تقبلون الكتاب والسنة، وهذا نحتج به على جميع النفاة، حتى الذين ينفون جميع الصفات يمكن أن نحتج عليهم بمثل ما احتجوا به، فإنه سبق لنا المجادلة مع هؤلاء، مع اللي ينفون بعض الصفات ويثبتون بعضًا، ومع الذين يثبتون الأسماء وينكرون الصفات، ومع الذين ينكرون الأسماء والصفات، ومع الذين ينكرون الإثبات والنفي، كلهم سبق أنه بطريقة عقلية ويش يلزمهم؟ أن يقبلوا ما جاء به الكتاب والسنة، وهم بالطريقة العقلية -كما قال المؤلف- لا يقبلون الالتزام بالكتاب والسنة، مع أن العقل يلزمهم به، فاللي ينكر الصفات -مثلما مر- نقول له: لماذا أثبتَّ الأسماء؟ أو نقول أولًا: لماذا أنكرت الصفات؟ قال: لأني لا أجد في الشاهد ما يتصف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، والتجسيم ممتنع، نقول له: ولا نجد في الشاهد ما يُسمى بالحي والعليم والقادر إلا ما هو جسم، والتجسيم عندك ممنوع، فلماذا أنكرت هذا وأثبت هذا؟ وسبق الكلام على هذه المسائل، وبينَّا أن كل الذين ينكرون ما جاء في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته يلزمهم أن يقولوا بها بطريق عقلي، كما أنه يلزمهم بطريق السمع. يقول: (وهؤلاء يضلون من وجوه: منها ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة وليس الأمر كذلك، بل القرآن بيَّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب: شرعية عقلية). يظنون هم أن السمع ما هو إلا خبر فقط، وليس مبنيًّا على معقولات ودلائل عقلية والشيخ رحمه الله يقول: أبدًا هذا ليس بصحيح، بل في القرآن من الأدلة العقلية ما لا يوجد مثله في كلام هؤلاء. ولنضرب لذلك مثلًا بالبعث بعد الموت، فهل البعث بعد الموت ثابت بطريق السمع الخبري فقط، أو بطريق السمع الخبري والنظر العقلي؟ بالنظر العقلي أيضًا، والله تبارك وتعالى يضرب الأمثال دائمًا لإمكان البعث بأنه ينزل الماء على الأرض اليابسة الهامدة فإذا هي رابية تهتز إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت: ٣٩]، كذلك أيضًا يضرب الله تعالى أمثالًا معقولة للمشركين به: ضَرَبَ اللَّهُ مثلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [الزمر: ٢٩]، طبعًا هذا مثل عقلي أنهما لا يستويان. وضرب مثلًا أيضًا في الذين يدعون من دون الله: لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد: ١٤]، إنسان بسط كفيه إلى ماء النهر، قال كذا به، يبغي الماء يصل إلى فمه، وهل يصل؟ ما يصل أبدًا؛ لأن اليدين مبسوطتان، ما ضم بعضها لبعض ليمنع الماء لا يتسرب، ما يمكن يبقى به ماء، فالحاصل أن في القرآن الكريم من الأدلة العقلية ما لا يوجد له نظير في كلام هؤلاء. (ومنها أيضًا ظنهم أن الرسول لا يُعلم صدقه إلا بالطرق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعًا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة كما قد بُسط في غير هذا الموضع). هم يقولون مثلًا: إننا نعلم صدق الرسول، بماذا نعلم صدقه؟ عندهم طريق معين يعلمون به صدقه ويتركون ما سواه، وهل العلم برسالة النبي عليه الصلاة والسلام منحصر فيما ذكروه من الطريق؟ مثل أن يقولوا مثلًا: الرسول جاء بأشياء تعجز البشر، فهذا الطريق طريق إثبات النبوات إحنا نقول: لا، الرسول جاء بأشياء تعجز البشر وأشياء تحير العقول، وأنظمة بديعة تصلح الخلق، إلى آخره. القرآن ليس دليلًا على رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام من حيث الإعجاز فقط، بل من حيث أحكامه وحكمه وأسراره وأخباره، وغير ذلك مما ينتفع به الخلق. فكونهم مثلًا يقولون: ما نعلم برسالة الرسول إلا بطريق معين، ولا نعلم ما يستحقه الرب إلا بطريق معين، هذا خطأ منهم؛ لأن الأدلة أكثر أو أوسع من المدلول ولّا لا؟ معنى ذلك أن الشيء قد يكون عليه دليل واحد، وقد يكون عليه أدلة متعددة تُحصر أو لا تُحصر. كونكم تحصرون الدليل للنبوة بهذا الطريق المعين هذا خطأ، بل إننا نعلم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام بطرق كثيرة غير ما ذكروا. (ومنها: ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة) وفعلًا هذا هو الواقع؛ لأنهم يظنون أن ما عليه هو الحق، وأن من سواهم على باطل. ولهذا يُسمون أهل السنة والجماعة المجسِّمة والمشبهة، ويقولون: إنهم إذا قيل لهم: هذا تجسيم. قالوا: لا، نقول هذا بلا كيف. فيزعمون أن قول أهل السنة والجماعة بلا تشبيه وبلا تكييف هو فرارٌ من التجسيم، وليس على سبيل الحقيقة. ومن المعلوم أن من سلك هذا المسلك فقد أخطأ؛ يعني اللي يسلك هذا المسلك بأن اللي هو يسلكه هو الحق ومن عداه فهم على باطل هؤلاء مخطئون؛ لأن الحق لا يتعين بما قاله فلان وفلان. (ومنها: ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل). عندي (أنما) والصواب: (أن ما) يعني معناه لأنها اسم موصول، ما هي بـ(أنما) التي للحصر. (ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل ويكونون غالطين في ذلك; فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بُسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع). هذا أيضًا مبني على ما سبق، حيث ظنوا أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، فنقول لهم: كل ما عارض الكتاب والسنة إذا وُزِن بالميزان الصحيح هل يمكن أن يكون معقولًا أو هو من المجهولات؟ المؤلف يقول: هو من المجهولات لا من المعقولات، ونحن نزيد أيضًا أن نقول: هو من السفاهات أيضًا لا من المعقولات؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]، فكل مَن عارض الكتاب والسنة وزعم أن المعقول ما ذهب إليه نقول: لا، بل ما ذهبت إليه فهو المجهول والسفه؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]. وهذا كما يكون يا جماعة في البحث في أسماء الله وصفاته يكون أيضًا في تشريعات الله، فالذين يسنون قوانين ويزعمون أن ما جاء به الكتاب والسنة من القوانين أمر لا يُصلح الخلق في الوقت الحاضر هم أيضًا على خطأ، بل نقول أيضًا: ما يصلح الخلق إلا ما جاء به الحق من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. (والمقصود هنا: أن من صفات الله تعالى ما قد يُعلم بالعقل كما يُعلم أنه عالم وأنه قادر وأنه حي; كما أرشد إلى ذلك قوله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [الملك: ١٤]). هنا أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَفيها إثبات الحكم والدليل، وين الحكم؟ العلم، إثبات العلم لله حكم، الدليل: الخلق، فإنه لا يمكن أن يكون الخالق غير عالم بما خلق. مَنْ خَلَقَدي فاعل ولّا مفعول؟ طالب: مفعول. الشيخ: لا، فاعل أحسن، هي تصلح أن تكون مفعولًا؛ يعني: ألا يعلم الذي خلقه، ولكنها فاعل أولى؛ يعني: ألا يعلم الخالق مخلوقه؟! الجواب: بلى، فالاستفهام هنا للتقرير. إذن ففي الآية شوف جملتين، لا جملة واحدة في الحقيقة، هي ثلاث كلمات، ذكرت الحكم والدليل، والآن لو تذهب إلى الطرق العقلية في إثبات العلم لله لأتيت بعدة جمل، ولكنها لا تفيد ما تفيده هذه الجملة. (وقد اتفق النظار من مثبتة الصفات على أنه يُعلم بالعقل عند المحققين أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم، بل وكذلك الحب والرضا والغضب يكون إثباته بالعقل، وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يُعلم بالعقل، كما أثبته بذلك الأئمة مثل أحمد بن حنبل وغيره، ومثل: عبد العالي المكي وعبد الله بن سعيد بن كلاب، بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك). الآن عندنا الرؤية، إثبات إمكان رؤية الله هل هو ثابت بالعقل ولّا ثابت بالشرع؟ بالشرع وبالعقل، لا، إمكانه ثابت بالعقل، ووجوبه ثابت بالشرع؛ لأنه لولا أن الله أخبرنا بأنه يُرَى ما علمنا بذلك، لكن إمكان رؤية الله ثابتة بالعقل، والإمكان غير الوجود، كيف يمكن؟ على إحدى الطريقتين: إما نقول: كل قائم بنفسه يمكن رؤيته. أو نقول: كل موجود تصح رؤيته. أيهما أصح؟ طالب: كل موجود. الشيخ: لا، كل قائم بنفسه تصح رؤيته لا كل موجود؛ لأن مثلًا أنا فيَّ قوة وفيَّ علم وفيَّ قدرة، القدرة والعلم والقوة موجودة، هل ترونها؟ لا، لكن كل قائم بنفسه يمكن رؤيته، صحيح ولّا غير صحيح؟ إي نعم؛ لأنك إذا قلت: كل موجود، دخل في ذلك الأعيان والصفات، والصفات منها ما يُرى ومنها ما لا يُرى، فاحمرار الوجه مثلًا صفة تُرى ولّا ما تُرى؟ طلبة: تُرى. الشيخ: والعفو والعلم والإدراك؟ صفة لا تُرى، لكن كل قائم بنفسه يُرى، إي نعم، فهو أصح مثلما قال المؤلف، قال وهذه الطريق أصح. (وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، كما يقال: إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية، فإن ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم أحق به من الممكن المحدث). الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية، وما يتوقف ولّا وما لا يتوقف، ويش عندكم؟ طالب: ما لا يتوقف. الشيخ: (وما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم أحق به من الممكن المحدث). أنا عندي أن هذه الطريقة الثانية هي شبيهة بالطريقة الأولى، وهي الوجود وغير الوجود، إمكان الرؤية مقيد بالوجود، يقول مثلًا: الرؤية لا بد أن تكون فيها أمور وجودية، محل وصف ومحل قائم عندما يكون الإنسان أعمى تثبت الرؤية طلبة: لا. الشيخ: ليش؟ لأنه ما عنده الآلة التي يتوصل إلى البصر، وعندما يكون الشيء غير قائم بنفسه لا تمكن رؤيته، ولّا لا؟ وإن كان الإنسان عنده بصر؛ لأن هذا لا يمكن أن يُرى، مثل الصفات المعنوية، فيقال مثلًا: إذا كانت الرؤية متوقفة على أمور وجودية فالموجود الواجب الوجود أحق بها من الممكن المحدث، والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع. مسألة الرؤية الآن تبين لنا أنها تثبت بالعقل إمكانًا وثبتت بالشرع وجوبًا؛ يعني فإن كان وجودها ثابت بالعقل لكن وجوب وجودها ثابت في الشرع. (والمقصود هنا أن من الطريق التي يسلكها الأئمة ومن تبعهم من نظار السنة في هذا الباب أنه لو لم يكن موصوفًا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى; فلو لم يُوصف بالحياة لوُصِف بالموت; ولو لم يُوصف بالقدرة لوُصِف بالعجز; ولو لم يُوصف بالسمع والبصر والكلام لوُصِف بالصمم والخرس والبكم، وطرد ذلك أنه لو لم يُوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلًا فيه. فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص يُنزه عنها الكامل من المخلوقات، فتنزيه الخالق عنها أولى، وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها). واضح هذا ولّا لا؟ هو واضح في الحقيقة، إثبات صفات الكمال الآن له طريقان المؤلف بينهما. طريق يقول: هذه صفة كمال فيجب إثباتها لله، السمع صفة كمال يجب إثباته لله، صحيح ولّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: طريق آخر أن نقول: يقابل السمع الصمم، والصمم صفة يُنزه الله عنها، أليس كذلك؟ والصمم صفة نقص يُنزه الله عنها، إذا كان يُنزه عن الصمم؛ لأنها صفة نقص، ويش كان يجب؟ يجب إثبات السمع، فصار الآن إثبات السمع له طريقان -مثلما قال المؤلف- كل طريقة غير الثانية، أولًا أن نقول: السمع صفة كمال، فيجب إثباته لله، وهذه طريقة منفصلة عن صفة النقص، ثانيًا: نقول: السمع يقابله صمم، والصمم صفة نقص يُنزه الله عنه، فإذا نُزِّه عن الصمم اللي هو النقص ويش يجب؟ ثبوت السمع لله عز وجل. وقد علمتم فيما سبق -وهذا الكتاب مثلما قلت لكم مكرر- علمتم فيما سبق أنه قد يعارض هذا، فيقال: إن نفي أحد النقيضين يستلزم إثبات الآخر فيما يكون قابلًا لهما، أليس كذلك؟ مر عليكم؟ طلبة: نعم. الشيخ: وقلنا: إن هذا مُسلَّم، لكن هذا أولًا أنه اصطلاح، والاصطلاح لا يغير الحقائق. وثانيًا: أن نقول: أيهما أحمل، ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أو ما يقبلها؟ ما يقبلها أولى مما لا يقبلها؛ لأنك إذا قلت: إن الله ما يقبل أن يكون سميعًا ولا أصم، شبهته الآن بأي شيء؟ بالجمادات، بالجدار وبالحصى وبالخشب وما أشبه ذلك، لكن إذا قلت مثلًا: إنه أعمى -وحاشاه من ذلك- وصفته بعين تقبل أن تكون بصيرة، وما يقبل أن يكون بصيرًا أولى مما لا يقبل أن يكون بصيرًا، وقد سبق الكلام على هذا يا جماعة، وهذا في الحقيقة إذا عرفتم ما سبق في أول الكتاب سهل عليكم تصور هذه العبارات، يسهل عليكم؛ لأن الحقيقة مثلما قلت: إنها مكررة، والشيخ -رحمه الله- يحب أن يكرر الأشياء بأساليب مختلفة لأجل تثبيتها. قال: (وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى..) أيش؟ طالب: (...) الآمدي يا شيخ. طالب آخر: (...) بالأصل. الشيخ: ما أدري معنى هذا. قال: (ويضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية، فقالوا القول بأنه لو لم يكن متصفًا بهذه الصفات كالسمع والبصر والكلام مع كونه حيًّا لكان متصفًا بما يقابلها، فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامهما. فنقول: أما المتقابلان فلا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة). مضبوط، المتقابلان كالضدين -مثلًا- والنقيضين لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، أو لا؟ فلا يصح أن يكون الإنسان سميعًا أصم، لكن يمكن أن يكون سميعًا في وقت وأصم في وقت آخر، لكن من جهة واحدة لا. (وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين; ولأنهما متقابلان بالسلب والإيجاب وهو تقابل التناقض; والتناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما; كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان). عندنا الآن قضيتان؛ إحداهما صادقة والثانية كاذبة، لا يجتمعان في الصدق، ولّا لا؟ ولا يجتمعان أيضًا في الكذب، بل أحدهما صادق ولا بد، زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، أيهما صادقة؟ طلبة: زيد حيوان. الشيخ: زيد حيوان صادقة، وليس بحيوان كاذبة، أو لا؟ طالب: (...). الشيخ: هذا على لغتنا نحن، وأنا قلت لكم فيما سبق -وأظن أحدكم سألني وقلت لكم: إن الإنسان حيوان، لكنه يُوصف بوصف يخرجه عن بقية الحيوانات، وهو ناطق، فعندما تقول: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، نشوف الآن، نطبقها على ما سبق، كلاهما كذابان، زيد حيوان على إطلاقها ليس بصحيح، أو لا؟ وزيد ليس بحيوان على إطلاقه ليس بصحيح، فهما كاذبتان سلبًا وإيجابًا. متى يصحان إيجابًا؟ إذا قلت: زيد حيوان ناطق. صحت الإيجابية، تصح السلبية إذا قلت: زيد ليس بحيوان غير ناطق، فالتقابل إذن يقول المؤلف: إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين؛ يعني السلب والإيجاب. فاللي ما يصح اجتماعهما في الصدق والكذب مثلما قلنا الآن: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ما يصح، إذ لا بد من إدخال قيد حتى تصدق إحداهما، وهو ناطق بالنسبة للإيجابية، وليس بناطق بالنسبة للسلبية، زيد ليس بحيوان ليس بناطق، بل هو حيوان ناطق، الآن يفصل المؤلف. قال: (ومن خاصة استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب أنه لا واسطة بين الطرفين، ولا استحالة لأحد الطرفين من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجبًا بنفسه وممكنًا بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان). وهذا أيضًا تقدم لنا، وهو موجود في تقسيم الأشياء إلى أربعة أقسام: متماثلان، وخلافان، وضدان، ونقيضان. فالنقيضان -كما قال المؤلف- لا يمكن إذا نُفِي أحدهما إلَّا أن يثبت الآخر، فالصمم والسمع من أي الأبواب؟ طالب: ضدان. الشيخ: ضدان ولّا متناقضان؟ متناقضان، إذا قلت: إن الله ليس بسميع لزمك أن تصفه بالصمم، فإذا قلت: هذا فيما يَقْبل، قلنا: كونك تقول هذا فيما يَقبل أو ما لا يَقبل هذا أمر اصطلاحي، ولذلك وصف الله الأصنام بأنها أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢١] وهي لا تقبل الموت والحياة على اصطلاحك. وثانيًا نقول: ما لا يَقبل أعظم امتناعًا مما يَقبل وأعظم نقصًا وسبق هذا. (فإذا جعلتم هذا التقسيم، وهما النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإيجاب، فلا يصح حصر النقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان في السلب والإيجاب). طالب: يا شيخ، السلب (...). الشيخ: السلب يعني النفي، والإيجاب يعني الإثبات. (وحينئذ فقد ثبت وصفان -شيئان- لا يجتمعان ولا يرتفعان; وهو خارج من الأقسام الأربعة على هذا، فمن جعل الموت معنى وجوديا فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب، وكذلك العلم والجهل والصمم والبكم ونحو ذلك، والوجه الثاني: أن يقال) الوجه الأول أين هو؟ قوله: (والتحقيق فيه يتوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامهما. فنقول: أما المتقابلان). (والوجه الثاني أن يُقال: هذا التقسيم (...)، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين، وإنما هما نوع منه). المؤلف أراد أن يحصر الأقسام الأربعة قسمين، يبغي يجعل ما يتقابلان تقابل العدم والملكة داخلان في السلب والإيجاب، السمع والبصر ويش يتقابلان؟ يتقابلان يتقابل العدم والملكة، أرجو الانتباه يا جماعة، السمع والصمم متقابلان، ما نوع تقابلهما؟ تقابل عدم وملكة؛ لأنهما قد يرتفعان عما لا يمكن أن يسمع ويبصر، قد يقال: هذا الجدار لا يسمع ولا أصم، ليس أصم ولا سميعًا، فهما متقابلان تقابل العدم والملكة، شيخ الإسلام يقول: يمكن أن نجعل ما يتقابلان تقابل العدم والملكة من باب النقيضين -الذي هو تقابل السلب والإيجاب- لأن تقابل السلب والإيجاب يعنى الإثبات والنفي بالاتفاق أنهما من باب تقابل المتناقضين، فالشيء إما موجود وإما غير موجود. كذلك الشيء إما سميع وإما أصم، فالجدار وإن كان لا يصح أن نصفه بأنه أصم أو سميع هو في الحقيقة لا بد أن يكون متصفًا بأحدهما، فإن أردت بالسمع الذي كسمع الإنسان فهذا قد نقول: إنه غير ممكن؛ لأنه لا شعور له، وإن أردت بالسمع الذي هو أعم، فإن الله يقول: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة: ٤، ٥] وهل تحدث بما لم تسمع؟ طلبة: لا. الشيخ: الأرض يوم القيامة تشهد على مَن عمل فيها من خير وشر قولًا أو فعلًا تشهد به عند الله، إذن فهي تسمع وتبصر، تسمع ما يُقال عليها وتشهد به، وتبصر ما يُفعل عليها وتشهد به. فهنا تقابل السمع والصمم تقابل العدم والملكة، ومع ذلك صح أن يجعلهما من باب تقابل السلب والإيجاب. بالنسبة للخلافين، يقول: أيضًا الخلافان يمكن أن نجعلهما من باب المتضادين، ولكنهما نوع منه، هو سبق أن الخلافين هما اللذان يجتمعان ويرتفعان، لكن معناهما ليس بواحد، مثلًا قيام الإنسان وكونه أبيض، فالبياض غير القيام، يمكن يجتمعان ويمكن يرتفعان، يسمونه الخلافان. والمتضايفان، يقولون: المتضايفان هما ما لا يُعقل أحدهما بدون الآخر، مثل إذا قلت الصبح قبل المساء، هذان متضايفان؛ لأنك لما قلت: قبل المساء فُهِمَ أنه صبح، وإذا قلت: هذا ولد فلان، فالولد لا يُعقل إلا بإضافة الأب له، فمجرد إثبات الولد لا بد أن يكون له أب طبعًا هذا حسب العادة لا حسب العقل، وإلا فالله تعالى قد خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من غير أب. يقول: (بل نقول: فإن قال: أعني بالسلب والإيجاب، فلا يدخل في العدم والملكة، وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له، ولهذا جعل من خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه إلى آخره. قيل له: عن هذا جوابان). اللي عندكم: أعني بالسلب والإيجاب، ولّا: أعني السلب والإيجاب؟ طالب: أعني بالسلب والإيجاب. الشيخ: أعني بالسلب؛ يعني قصده: أعني بالتقابل تقابل السلب والإيجاب (قيل له عن هذا جوابان) أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين (أحدهما: سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به. فيقال: الأول إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب، والثاني: إثبات ما يجب اتصافه به; فيكون المراد به سلب ممتنع وإثبات الواجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر، فإن هذا سلب ممتنع). انتبه، للجواب على هذا أن يقال: إن غاية هذا أن السلب -ويش يعني بالسلب؟ النفي- ينقسم إلى نوعين؛ أحدهما سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، كما إذا قلنا: زيد ليس بأعمى، سلبنا عنه العمى، وهو يمكن اتصافه به. والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به، مثل أن نقول: الجدار ليس بأعمى، هذا سلب، لكنه سلب لشيء لا يمكن اتصافه به، وهو صحيح هذا السلب ولا غير صحيح، إذا قلنا: الجدار ليس بأعمى. طالب: يصح؛ لأنه ليس قابلًا. الشيخ: إي؛ لأنه ليس قابلًا له، الجدار ليس ببصير، صحيح ولّا لا؟ صحيح؛ لأنه ليس بقابل له، فكما أن السلب يكون بما يمكن اتصافه ولّا ما يمكن، فالأول إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب، والثاني إثبات ما يجب اتصافه به، فيكون المراد به سلب ممتنع وإثبات واجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن هذا إثبات واجب. وقولنا: ليس بحجر، صحيح ولّا لا؟ ولكنه سلب شيء ممتنع، (ليس بحجر) ممتنع أن يكون زيد حجرًا، ومع ذلك صح سلبه عنه. كذلك نقول: الجدار ليس بمبصر، أو: ليس بأعمى، هو ممتنع أن يكون مبصرًا أو أعمى، ومع ذلك يصح أن نقول له: أعمى، وعلى هذا التقدير (...) القادم، الله يعينكم على فهمه؛ لأن هذه من أصعب القواعد (...) قديمًا. طالب: (...). الشيخ: انتبه، العدم والملكة معناه القبول وعدم القبول، يعني يكون الشيء قابلًا أو غير قابل. طالب: عدم غير قابل. الشيخ: عدم غير قابل، وملكة قابل؛ يعني فمثلًا: السمع والبصر بالنسبة للإنسان هذا قابل، وبالنسبة للجدار ليس بقابل، هذا عدم وملكة، لكن وجود وعدم هذا سلب وإيجاب؛ لأن كل شيء يمكن أن يوصف بأنه موجود، ويمكن أن يوصف بأنه عدم، مفهوم؟ واضح يا جماعة؟ طالب: إي نعم. الشيخ: السلب والإيجاب؛ يعني النفي والإثبات هذا ما هو بعدم وملكة، السبب؛ لأنه يمكن أن يوصف به كل شيء لكن: سميع وأصم وبصير وأعمى، ويش تقابلهما؟ تقابل عدم وملكة، ليش؟ لأنهما قد يقبلا أن يتصف بهما هذا الشيء ولا يتصف بهما الشيء الآخر، وشيخ الإسلام يقول بطريق عقلي: يمكن أن يجعل العدم والملكة أيضًا من باب السلب والإيجاب، فنقول: هذا الجدار ليس بأعمى، صحيح ليس بأعمى، كما نقول: فلان ليس بحجر، صحيح ولّا لا؟ وهو ممتنع أن يكون حجرًا، إي نعم، والله أعلم.