تجاوز إلى المحتوى

شرح العقيدة التدمرية - ١٥

درس صوتي · ٩٤:١٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

وبُيِّن فيها، ترى (...) في مواضع كثيرة (...) هذا خطأ، ولاحظوا أن اللي يقرأ الكتاب على حسب الطبعة يرى أنه (وبُيِّن فيها) جملة مستأنفة؛ ولذلك يحسن تضعون شرطة، يعني خطًّا ممتدًّا من، يعني سهمًا في مواضع كثيرة يمتد إلى (وبُيِّن فيها) حطوا سهمًا ممتدًّا من قوله: (في مواضع كثيرة)، يمتد إلى آخر السطر، ثم يعود من أول السطر، وينتهي عند قوله: (وبُيِّن فيها).. طالب: (...). الشيخ: لا، يعني ينكر أن يكون شيئًا. طالب: (...) ربما قالوا. الشيخ: ربما قالوا.. هذا خلاف المشهور عندهم، ربما قالوا: هو شيء، لا كالأشياء، وهذا أيضًا فيه إجمال؛ لأن كلمة (لا كالأشياء) ويش معناها؟ قد يقولون: لا كالأشياء في كل صفاته، لو قالوا: شيء لا يتصف بالنقص لكان صحيحًا، لكن لا كالأشياء ما يستقيم؛ لأنه تعرف أن المعطلة يزعمون أن إثبات الصفات تشبيه فيكون داخلًا على كلامهم في ضمن قولهم: لا كالأشياء، وينكرون الصفات. أنا أرجو منكم يا جماعة لا تناقشوننا في هذه المسائل الجزئية، هذه مسائل يأتي بها شيخ الإسلام استطرادًا، هذه مواضيع جزئية يقولها المؤلف استطرادًا ليست هي المقصود في القاعدة، القاعدة اللي هي الأساسية واللي طال الكلام فيها هي أننا نقول: الاعتماد على مجرد الإثبات بدون تشبيه يصح ولَّا ما يصح؟ غير صحيح، والاعتماد على مجرد نفي التشبيه أيضًا غير صحيح، وكل ها الأشياء هذه يجيبها المؤلف أمثلة ومناقشات مع القوم وهي فرع عن القاعدة.. والمهم المطلوب منكم الآن هو فهم القاعدة، هذه المسائل الجزئية ما يمكن نعرفها إلا بمعرفة أصولها عند قائليها، ولو أردنا أن نشرح أصولها عند قائليها؛ يعني كان ما يمكن نكمل ولا قاعدة بعد هذا، (...) نعود إلى شرح أصول هؤلاء. ثم هذه المسائل الجزئية شيخ الإسلام كان يعرف أصول هؤلاء؛ ولذلك يتكلم بهذه كأمثلة فقط، وأنا الشيء اللي أرى أنه لازم لتفيهم القاعدة أو لتوضيحها نقف ونتكلم عليه، (...) ولاحظوا أيضًا أن طريقتي هذه تعتبر خلاف نظام الجامعة، نظام الجامعة أننا نكتب رؤوس أقلام ونشرح وأنتم عليكم الاعتماد على هذا الكتاب وعلى غيره أيضًا من كتب شيخ الإسلام، لكن نظرًا إلى أني أنا شخصيًّا لا أرى أن في ذلك فائدة للطالب الذي يعتبر هذا الفن فنًّا جديدًا عليه رأيت أننا نستأذن أو نُلمِّح أننا، ولا ما استأذنا صراحة، لو استأذنا صراحة منعونا فيما يظهر إلا إذا أصررنا وقلنا: لا بد من هذا (...) تريدون هذا وإلا تركناكم، لكن مع هذا أنا قصدي أنكم لا تتعبوننا وتتعبون أنفسكم في مسائل أتى بها المؤلف شيخ الإسلام لمجرد مثال لما عليه هؤلاء؛ لأن هذه الأمثلة إذا أردنا أن نشرحها لكم أولًا فهمكم ضعيف جدًّا في التوحيد، الشيء الثاني أن هذه الأمثلة لو أردنا أن نشرحها ما يمكن نشرحها إلا بمعرفة أصولها وقواعدها عندهم لو ذهبنا نشرح أصول هؤلاء والقواعد عندهم ما مشينا أبدًا. فأنا الآن الشيء الذي أرى أنه لازم لتوضيح القاعدة، نحن نقف عنده ونبينه، والشيء اللي ما هو بلازم، واللي يجيبه المؤلف من مئات الأقوال مثالًا، هذا ما له داعٍ نفهمه ونناقش فيه.. لكم عليَّ أن الشيء الذي أرى أنه لازم لتتميم القاعدة لا بد نشرحه ولا نتعداه حتى نفهمه، أما أن نقف عند كل جزئية ونجد مثلًا أننا ما شاء الله من الزمن نُفهِّم واحدًا من الطلبة فقط أشكلت عليه، وحق الطلبة كلهم يضيع من أجل هذا، فلا أرى هذا (...) أبدًا، وسوف لا أجيب عليه.. الشيء اللي من ضرورة فهم القاعدة لا بد أن أبينه، وأظن حق علينا في أن أبينه، والشيء الذي يأتي كمثال لما يذهب إليه هؤلاء هو أولًا ليس بمهم بالنسبة للقاعدة، وإنما يريد المؤلف أن يضرب مثالًا يتبين به القاعدة.. المهم الآن إحنا عرفنا القاعدة أن الاعتماد على مجرد نفي التشبيه غير صحيح؛ لأن كل من قال: إني أثبت لله صفة كذا وصفة كذا وهي نقص، ولكن بدون مشابهة؛ لو أراد أحد يقول هكذا بناءً على الاعتماد على مجرد نفي التشبيه لكان يحاجنا بهذا الشيء، ولكننا إنما نثبت صفة الكمال على وجه ليس بتشبيه. والمؤلف بيَّن أن الاشتراك في أصل المعنى لا يُعدُّ تشبيهًا، بل هو من لازم وجود الشيء أن يكون مشاركًا للموجود الآخر في أصل الوجود، من لازم حياة الخالق أن تكون مشاركة لحياة المخلوق في أصل الحياة، لو لم يكن الاشتراك بينهما في أصل المعنى ما كان هناك حياة للخالق، أليس كذلك؟ لكن هل يلزم من الاشتراك في هذا الأصل -في أصل المعنى- أن يشتركا فيما يختص كل واحد به؟ لا يجب أن يشتركا، هذا هو المقصود فهمه. وكل ما ذكر المؤلف من هذا التكرار ما هو إلا على سبيل التمثيل فقط. المؤلف: (وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها أن القدْر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينًا مقيدًا). وهذا أيضًا تقدم لنا الكلام عليه أن المشرك الكلي لا يوجد في الخارج، وإنما يوجد في الذهن، مثلًا أنا وأنتم أحياء يتصور الإنسان أن هناك حياة شاملة تجمعنا جميعًا هذه الحياة الشاملة هل هي موجودة في الخارج؟ طالب: لا. الشيخ: يعني هل هناك مثلًا حياة كأنها قنديل تشع على الناس جميعًا؟! لا، لكنها يتصورها الذهن ويفرضها وهي ليست موجودة في الخارج، ما يمكن توجد في الخارج إلا كما قال المؤلف إلا على وجه معين مقيد. فمثلًا الإنسان الواحد منا توجد حياته في الخارج في هذا الواحد؛ ولهذا يقول: (المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينًا مقيدًا) (معينًا) كحياة فلان، (مقيدًا) بما يختص به، فحياة المخلوق تناسبه وحياة الخالق، أما أن يوجد قدر مشترك كلي وهو اسم الحياة يوجد في الخارج فهذا شيء لا يمكن، كلنا مثلًا إنسان، كلنا فينا معنى الإنسانية، هل الإنسانية شيء موجود في الخارج يشار إليه ويُسمع ويُرى؟ لا، ولكن الشخص منا توجد إنسانيته فيه ولَّا لا؟ إنسانية معينة مقيدة؛ لأن إنسانية هذا الإنسان الآخر قد يكون هذا الشخص أخذ من الإنسانية بالكمال، والثاني أخذ من الإنسانية بالنقص، وصار مثل البهيمة. هذه من القواعد التي هي فرع من القاعدة الأولى (القدر المشترك الكلي)، (الكلي) الذي يجمع أشياء لا توجد في الخارج إلا معينة مقيدة. المثال كالحياة مثلًا، الحياة قدْر مشترك كلي، من يشترك فيه؟ كل حي، هذا القدر المشترك الذي هو الحياة، هل هو موجود في الخارج؟ وكلمة الخارج يعني في المشاهَد المسموع. لا، لكنه يوجد في الخارج إذا كان معينًا مقيدًا مثل واحد شخص حي، هذا فيه الحياة الكلية المشتركة لكنها على وجه التعيين، وعلى وجه التقييد، التعيين يعني فلان، والتقييد يعني أن حياته تخصه. (وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه) صح هذا ولَّا لا؟ صحيح، اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من هذا الوجه صحيح هذا؟ نعم، الخالق له حياة، والمخلوق له حياة، وكل منهما موجود، اشتركا في الحياة، إذن يتشابهان من هذا الوجه فقط لكن حياة الخالق تخصه وحياة المخلوق تخصه. إنسان عالِم، علمه غزير، وإنسان عالم علمه أقل، كلاهما اشتركا في أصْل العلم، فبينهما تشابُه من هذا الوجه. لكن علم هذا يختص به وعلم هذا يختص به، أليس كذلك؟ الإنسان والحيوان كلاهما يأكل، أليس كذلك؟ اشتركا في المعنى الكلي للأكل، كلاهما آكل، لكن معلوم أن أكل الحيوان غير أكل الإنسان، وأكل الإنسان غير أكل الحيوان، فهذه قاعدة عامة تنتفع بها، كيف تنتفع بها؟ تقول مثلًا: الخالق له قدرة والمخلوق له قدرة أو لا؟ هل يلزم من اشتراكهما في القُدرة أن يتشابها في حقيقة هذه القدرة؟! طلبة: لا. الشيخ: طيب هل يلزم أن يتشابها في أصل القدرة؟ نعم، لكن تشابهما في هذا الأصل لا يعني تشابههما في الحقيقة، وبهذا يزول الإشكال؛ لأننا لو نفينا التشابه كله؛ يعني مطلق التشابه بين الخالق والمخلوق وقعنا في أي شيء؟ لو أننا نفينا مطلق التشابه، وقلنا: لا يمكن أن يكون بين الخالق والمخلوق تشابه إطلاقًا ويش معناه؟ كل الصفات (...)، صفات الخالق عن المخلوق، وقد سبق أننا إذا نفينا عنه الإثبات ووقعنا في التعطيل شبَّهناه بأي شيء؟ بالمعدومات، ثم إذا قال القائل: أنا لا أقول: لا كذا ولا كذا شبَّهناه بأي شيء؟ بالممتنعات بالمستحيلات؛ لأن نفي النقيضين مستحيل كما أن إثباتهما مستحيل. وبينا أيضًا أن ذلك المعنى العام يُطلق على هذا وهذا؛ لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه بل كل موجود متميِّز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله، أظن هذا المعنى واضحًا. (ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضًا في هذا المقام؛ فتارةً يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل فيجعل ذلك له حجةً فيما يظن نفيه من الصفات حذرًا من ملزومات التشبيه، وتارةً يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على تقدير) ويش عندك؟ طالب: (يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات). الشيخ: زين (وتارةً يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على تقدير) يعني على تقدير من التقديرات، هذا المعنى، يعني على تقدير ما فيُجيب به فيما يُثبته من الصفات لمن احتج به من النُّفاة؛ يعني مثلًا لنقل: الاستواء على العرش معناه الاستقرار والعلو عليه، بعض الناس يظن أن إثبات الاستواء للخالق وللمخلوق في قوله: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: ١٣] يتضمن التشبيه؛ لأنهما اشتركا في أصل معنى الاستواء، فيظن أن ذلك تشبيه فينفيه. وتارةً يتفطن أنه لا بد من قدْر مشترك، ولكن هذا القدر المشترك لا يُوجِب التشبيه، فيُثبت ويجيب به من نفاه بناءً على أنه يقتضي التشبيه. والحاصل أن الذي يجب أن نعرفه نحن ونبني اعتقادنا عليه أنه لا بد من الاشتراك في المعنى الكلي أو لا؟ وأن الاشتراك في المعنى الكلي لا يمكن أن يوجد في الخارج، أن المعنى الكلي هذا المشترك فيه لا يمكن أن يوجد في الخارج، فإثباتنا الاشتراك في المعنى الكلي لا يعني التشبيه؛ لأنه ليس موجودًا في الخارج؛ لأن هذا المعنى الكلي لا يُوجَد في الخارج إلا معينًا مقيدًا؛ مُعينًا بمن اتصف به، مقيدًا بما يختص به كما مر علينا قريبًا، وعلى هذا فلا يمكن إذا أثبتنا أن لله قُدرة وللمخلوق قدرة؛ لا يمكن أن نقول: ذلك تشبيه؛ لأنه ضروري أن نثبت هذا. (...) وقعت الشبهة في أن وجود الله هل هو عين ماهيته أو زائد على ماهيته؟ الله سبحانه وتعالى ذات مقدسة قائم بنفسه كذا ولَّا لا؟ إذا قلت: وجود الله هل وجوده هو نفسه ولَّا أمر زائد على نفسه؟! هذا هو الذي اختلف فيه الناس، وفي الحقيقة أن هذا الاختلاف أشبهناه أن يكون أمرًا جدليًّا فقط؛ لأنه ما دمنا أثبتنا أنه إله فلا بد أن نثبت أنه موجود، وإذا أثبتنا أنه موجود فلا بد فيه من الوجود، ولَّا لا؟ إذ لا يُوصَف الشيء بأنه موجود إلا حيث تحقق الوجود، إذا لم يتحقق وجوده كيف يكون موجودًا؟ ولكن مع ذلك نقول: إن الوجود صفة زائدة على الذات لكنها لازمة للذات الموجودة. عندما أقول: وجودي أنا، هل وجودي هو نفس ذاتي ولا شيء زائد عليه؟ شيء زائد عليه؛ لأنه صفة لكنه في الحقيقة صفة لازمة؛ إذ مجرد كوني إنسانًا وأُوجدت في هذا الوجود ويش يلزمني؟! طالب: الحياة. الشيخ: (...) يلزم منه الوجود، مجرد خروجي لهذا الكون معناه أني وجدت، فالوجود إذن لازم، كونه يبحث هل هو عين ماهيته، أو هو أمر زائد عليه ماهيته؟ هذا في الحقيقة جدل محض. الآن وجودي صحيح ليس هو هذا الجسم المكوَّن من لحم وعظْم ودم وعصب، لا، ما فيه شك أنه ليس هو، أو ليس إياه على الأصح، لكنه لازم لهذا أو لا؟ ما دام أمامكم الآن شخص قائم فلا بد أن يكون موجودًا ولا بد أن تكون صفته الوجود صح ولَّا لا؟ فالبحث في هذه الأمور هو من الأمور الجدلية المحضة؛ وبذلك ويش اللي ينفعنا مثلًا إذا أذهبنا أعمارنا وأفكارنا في مثل هذا البحث؟ ويش ينفعنا؟ شيء موجود، من ضرورة الموجود أن يكون له وجود وانتهى، إحنا بدل ما نكتب مثلًا ثلاث صفحات، أربع صفحات على هذه الكلمة نقول: كل موجود فلا بد أن يكون الوجود صفته ولَّا لا؟ بل كذلك أيضًا هل لفظ الوجود نقول: بالاشتراك اللفظي، أو التواطؤ، أو التشكيك؟ هذه مرت علينا أيضًا المشترك ما، ويش تعريفه؟ طالب: (...). الشيخ: لا، المشترك اللفظي، الاشتراك اللفظي (...). طالب: ما اشترك لفظه واتفق معناه. الشيخ: اتفق لفظه واختلف معناه، مثل: العين بالنسبة للعين الباصرة، وبالنسبة للماء النابع.. المتواطئ: ما اتفق لفظه ومعناه، المشكِّك: ما اتفق في أصله واختلف في وصفه؛ يعني فيه اشتراك، وفيه تواطؤ؛ ولهذا يسميه بعض الناس: (مشكك). وقد تقدم أن المؤلف، نقلنا لكم نحن ولا ما ذكره في هذا الكتاب، ذكره في الحموية أن المؤلف يرى أنه من المتواطئ، ولكنه نوع خاص منه نظرًا إلى أن العبرة بالأصل لا بالوصف. فمثلًا المعية تقال لله، وتقال لغيره، يقال: إن الله معنا، ويقال: فلان معي، هل المعية هنا من باب المشترك؟ يعني أن كلمة (مع) أُطلقت على معية لله وهي مستقلة، ومعية للمخلوق مستقلة، ولا هي من المتواطئ؛ لأنها كلها بمعنى المصاحبة؟ أو من باب المشكِّك؛ لأنها اتفقت في أصل المعنى وهو المصاحبة لكن تختلف في الإضافة، فمعية الخالق ليست كمعية المخلوق؟ فعلى هذا نقول: مُشكِّكة؛ يعني معناها أنها تُشكِّك الإنسان، هل هي من المتواطئ أو من المشتَرك؟ فلذلك نقول: إن الصحيح أنها من المتواطئ. كلمة الوجود الآن، الله له وجود، والإنسان له وجود، فكلمة الوجود مقولة للخالق والمخلوق، يُوصف بها الخالق والمخلوق، هل إن هذا اللفظ وجود مشترك بحيث نجعل وجود الخالق معنى مستقلًّا لا يشاركه المخلوق في أي شيء، أو من المتواطئ بحيث نجعل حقيقة الوجود في الله وفي الإنسان شيئًا واحدًا، أو من المشكك؛ لأنها اشتركت في أصل المعنى وهو الوجود، واختلفت في وصفه؛ لأن وجود الخالق واجب ووجود المخلوق ممكن؟ طلبة: جائز. الشيخ: جائز أو ممكن، كله واحد. أما القول بأنه من المتواطئ نظرًا إلى أصل المعنى والوجود مشترك كلي، يرونه من المتواطئ ويقولون: إن الاختلاف في الوصف لا يُخرجه عن كونه متواطئًا. والذين يقولون: إنه مشترك لفظي يعتبرونه الوصف، يقولون: ما دام أن الخالق نقول: وجوده واجب، المخلوق وجوده ممكن، فقد اختلف الوجودان اختلافًا متباينًا فهو كما لو قلت: عين؛ للعين الباصرة، وللعين النابعة، فهذان متباينان كذلك وجود الخالق مُبايِن لوجود المخلوق؛ فهما من المشترَك. الآن صار من نظر إلى أصل معنى الوجود ويش يرى؟ متواطئ ولا مشترك؟ طالب: مشترك. الشيخ: لا، متواطئ، يرون أنه من المتواطئ، ومن نظر إلى اختلاف معنى الوجود؛ يعني وصف الوجود بالنسبة للخالق والمخلوق جعله من المشترَك؛ لهذا قال بعض العلماء: أنا بأتوسط بأقول مثل هذه الأشياء أسميها ويش أسميها؟ مشككة. وإحنا قسمنا فيما سبق الكلمات إلى أربعة أقسام: متباينة، ومتواطئة، ومترادفة، ومشتركة، هذا متفق عليه عند العلماء. لكن بقينا في القسم الخامس ما هو؟ المشكِّك الذي اتفق في أصل المعنى واختلف في وصفه، منهم من يراه مشتركًا، ومنهم من يراه من المتواطئ، ومنهم من يراه قسمًا مستقلًّا ويسميه مُشكِّكًا. (كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟). الأحوال كيف؟ يقولون مثلًا: القدرة صفة، والقادِر موصوف؛ فالذين ينكرون الصفات يُثبتون الأحوال، بعضهم يثبت الأحوال، يقول: ما أقول: إن الله قادر؛ بمعنى أن له قدرة فأُثبت الصفة، ولكنى أقول: قادر حاله القُدرة، ولا أقول: صفته القدرة؛ يعني معنى قادر ذو قدرة، ولكن ليس له قدرة، وطبعًا هذا الكلام غير صحيح؛ لأنك إذا قلت: ذو قدرة أو حاله القدرة ويش معنى هذا؟ أن له قدرة ولَّا لا؟ نعم، أن له قدرة؛ ولهذا يقولون: إن الأحوال من الأمور التي لا حقيقة لها:

مِمَّـــــا يُقَــــالُ وَلَا حَقِيــــــقَةَ تَحْتَــــــــهُ

تَبْـــدُو إِلَى الْأَذْهَــــــانِ وَالْأَفْهَـــــــامِ

الْكَسْبُ عِنْدَ الْأَشْعَرِي وَالْحَالُ

عِنْـــدَ الْهَـــــــاشِمِيِّ وَطَفْـــــرَةُ النَّظَّـــــامِ

هذه ثلاثة أشياء كل واحد (...) وهي ما لها حقيقة:

الْكَسْبُ عِنْدَ الْأَشْعَرِي وَالْحَالُ

عِنْــدَ الْهَـــــاشِمِيِّ ...............

هذه الأحوال اللي قالها المؤلف. (وطفرة النظَّامِ) النظَّام معروف أنه من المعتزلة يقول: إن الخلق لا نقول: إنه وُجد بعد العدم لكن وُجِد طفرة (...). يقول: كذلك المعدوم هو شيء ولَّا ما هو شيء؟ طالب: ليس شيئًا. الشيخ: إي نعم، ما دام معدومًا كيف يصير شيئًا؟ اختلفوا أيضًا في وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ والصحيح أن وجود الموجودات وصف ولكن لا بد لكل موجود من الاتصاف به، وإلا لما صح أن نقول: إنه موجود. طالب: شيخ، ما معنى الماهية؟ الشيخ: ماهية الشيء حقيقة الشيء؛ لأن الماهية هي التي يُعبَّر عنها بما هو؟ طالب: (...). الشيخ: (...). طالب: (...) ومن نظر إلى الصفة (...) مشترك. الشيخ: إي نعم، (...) مشترك، ومن نظر إلى أصل المعنى قال: (...). طالب: والتشكيك (...)؟ الشيخ: لا، مشكك يعني معناه يشكك الناظر فيه، هذا القسم يسمونه مشككًا. طالب: (...). الشيخ: مشكك بمعنى (...) من نظر (...) هذا أو ذاك.. طالب: (...).


الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. (كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا) هذه الأشياء مثلما قلنا: أولًا: الاشتباه ما يمكن أن يكون حدًّا فاصلًا فيما يُوصَف الله به؛ بحيث نقول: إن الله تعالى يُثبت له كذا بدون تشبيه؛ لأنه يجوز لقائل على هذا أن يقول: إن الله تعالى يأكل وليس كأكل المخلوقين، وإن له رأسًا وليس كرأس المخلوقين؛ فالاعتماد على مجرد نفي التشبيه أمر لا يجوز، وإنما نثبت لله تعالى الكمال؛ وذلك بأن الناس يشتركون فيما يمكن أن يكون ثابتًا لله وفيما لا يمكن أن يكون ثابتًا.. وأنا قلت لكم كثيرًا: إن المهم من هذا هو أن نعرف القاعدة، أما هذه الاستطرادات التي يأتي بها المؤلف فلسنا معنيين بها؛ بمعنى أنه لا أحب أن تكون حائلًا دون تكميل الكتاب؛ لأن الكتاب فيه مباحث أهم من هذا؛ فالشيء اللي يمكن تصوره بسهولة يمكن تصوره، واللي ما يمكن ليس بلازم إلا فيما يتعلق بأصل القاعدة؛ فهذا لا بد أن نعرفها معرفة جيدة، فإن لم نعرفها فإنه لا يمكن.. الآن مثلًا هل المعدوم شيء أم لا؟ طلبة: ليس بشيء.. الشيخ: طيب ليس بشيء، المعدوم ليس بشيء. هل وجود الموجودات زائد على ماهيتها أم لا؟ الحقيقة أن الموجود موجود، ومن صفته الوجود، فإذا أُريد بالماهية مثلًا الشيء المركب أو جسم الشيء، أو ما أشبه ذلك فلا شك أن الجسم غير موجود، وإذا أُريد الملازَمة فلا شك أن الموجود ملازم للوجود، وأنه لا يمكن موجود بدون وجود كما أنه لا يمكن وجود بدون موجود. وكل هذا من الأمور التي شُغِل الناس بها في العصور الوسطى في هذه الأمة؛ لأنهم ما عندهم الشيء اللي يشغلهم، الجهاد مُعطَّل في أوساط هذه الأمة، وليس عند الناس إلا أن يتكلموا بهذا الكلام الذي أدخله المتكلمون على الأمة الإسلامية، وشغلوا به المسلمين عما ينبغي أن يشتغلوا به مثلما يوجد أيضًا في الفقه أشياء تعريفات لا وجود لها في الحقيقة، مثل: إذا هلك هالك عن عشرين جدة، وعن عشرة أجداد، وما أشبه ذلك، هل يمكن يوجد هذا؟! طلبة: ما يمكن. الشيخ: إي نعم، ما يمكن وجوده.. فالحاصل أن هذه كلها مما شُغِل الناس به وهو لا حاجة منه.. (وقد كثر من أئمة النُّظَّار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات؛ فتارةً يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها؛ وتارةً يبقى في الشك والتحير). ومن نعمة الله تعالى على الأمة أن هذه الأشياء تُعْرَف بالضرورة، فإن كل إنسان يعرف أن كل موجود لا بد له من وجود ولَّا لا؟ وأن المعدوم ليس بشيء، إلا إن قلت: هذا شيء معدوم، واعتبرته شيئًا بهذا المعنى؛ ولذلك من نظر إلى مثل هذا التعبير قال: إنه شيء، ومن نظر إلى أن المعدوم غير موجود فليس بشيء. على كل حال هذه كلها مثلما قال المؤلف فيها كلام بدون فائدة. (وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة، وبينَّا أن الصواب). طالب: (...). الشيخ: طيب ويش بعد؟ (...). طالب: (وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة بما لا يتسع له (...)). الشيخ: طيب اللي عندك زين؛ لأنه قال بما، أما اللي عندنا لا بد من وجود (من) فيها، وقد بسطنا من الكلام (...). (وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج بخلاف الماهية التي في الذهن؛ فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك) ويش بعده؟ طالب: ألفاظ. الشيخ: فهذه الألفاظ. طالب: لا فهذه ألفاظ. الشيخ: إي الظاهر أن اللي عندك أصح (ألفاظ كلها متواطئة). طالب: (...). الشيخ: إي، وأل التعريف (ألفاظ كلها متواطئة). المؤلف رحمه الله يقول: إن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته مثلما قلت (...) مثلًا وجوده هو نفسه فهو موجود بوجوده، لكن عندما تتصور أن هناك وجودًا منفصلًا فإنما تتصوره في جسم، والمتصور في الذهن قد لا يكون له حقيقة في الخارج. (فإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي يُراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى متفاضلًا في موارده أو متماثلًا). وهذا أيضًا سبق لنا الكلام عليه، وبينا أن الكلمات تنقسم باعتبار اتحادها في المعنى واللفظ إلى أربعة أقسام. (وبينا أن المعدوم شيء أيضًا في العلم والذهن لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة ولكن هو العلم التابع للعالِم القائم به). الآن يقول المؤلف: (الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني) تعرفون الفرق بين الوجود العلمي والعيني؟! العلم ما وجد في الذهن والعيني ما وجد في الخارج. فعندما أعلم أن هذا الشيء (...)، فهذا وجود علمي؛ بمعنى أنه وُجِد في علمي. وعندما يبرز هذا الشيء ويُشاهَد يكون موجودًا عينيًّا. فأنتم الآن ذكرتم أن الاختبار في السادس عشر من هذا الشهر، علمنا بأنه سيكون في السادس عشر هذا وجود علمي، لكن عندما يقع الاختبار يكون موجودًا عينيًّا، وهو شبيه بقولنا فيما سبق: الوجود الذهني والوجود الخارجي. (وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعيَّنة فتتشابه بذلك وتختلف به). الأحوال أيضًا مثلما قال المؤلف: تختلف باختلاف أصحابها، ولكن ليس لها وجود في الخارج إلا إذا وُجِدت، فوجود الله سبحانه وتعالى ووجود الإنسان، مشتركان في أي شيء؟ في أصل الوجود لكن حال وجود الله سبحانه وتعالى ليس كحال وجود الإنسان، تختلف الأحوال فيها، ومن ثم يقال: هل الوجود يقال بالاشتراك، أو يقال بالتواطؤ، أو يسمى مُشكِّكًا؟ المؤلف ذكر أن العلماء اختلفوا فيه، وأن الصحيح أنها نوع من المتواطئ، لكنها تختص بكل محل بما يختص به. (وأما هذه الجملة المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها علِم قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى وإمكان إغلاق باب الضلال). طالب: قوله: (وانفتح له باب الهدى وأمكنه إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر). الشيخ: لا الصحيح عندنا: (وانفتح له باب الهدى). لكن قوله: وأمكنه عندك؟ طالب: نعم. الشيخ: عندنا و(إمكان)، والصواب: (وأمكنه). (وأمكنه إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر؛ إذ لكل مقام مقال). والمؤلف بسط هذه الأمور في كتاب له يسمى درء تعارُض العقل والنقل، وبعضهم يسميه كتاب العقل والنقل، ويسمى أيضًا موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، له ثلاثة أسماء، هذا الكتاب وهو معروف كان بالأول على هامش منهاج السنة، ولكنه الآن طُبِع طبعة منفردة في نحو ثمانية أجزاء وهو كتاب مهم جدًّا، يقول ابن القيم في النونية: وَلَهُ؛ يعني شيخ الإسلام.

... كِتَابُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي

مَــــا فِي الْوُجُــــودِ لَهُ نَظِـــــيرٌ ثَانِ

فامتدحه بهذه العبارة، يسميه كتاب العقل والنقل، ويسمى أيضًا درء تعارض العقل والنقل، ويسمى موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول. (والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما يُنفى عن الرب وينزه عنه -كما يفعله كثير من المصنفين- خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة). زين، إذن الاعتماد على مجرد النفي لا يصح، وعلى مجرد الإثبات بلا تشبيه لا يصح أيضًا؛ لأن في الاعتماد على هذا أو هذا فيه اشتباه حصل وعرفتموه بما اختلف فيه أهل العلم من هذه الأمور التي يدَّعي بعض الناس أن إثبات هذا يستلزم التشبيه، فبعضهم يقول: هذا لا يلزم التشبيه. ثم بعضهم يقول: إثبات هذا ليس فيه تشبيه، وبعضهم يقول: إثبات هذا فيه تشبيه. ثم قال المؤلف: (وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر وأنه الله). طالب: (...). الشيخ: يصلح هذا وهذا مثل مُرِضَ ومَرِض. الطالب: (...). الشيخ: أصيب بالرمد. الطالب: (...). الشيخ: إي نعم، وهو كذلك بقدرة الله. الطالب: (...). الشيخ: الله. الطالب: (...). الشيخ: (...) يعني أرمد نفسه (...) على كل حال كذب هذا ما فيه شك. طالب: (...). الشيخ: اليهود لا يتورعون أن يصفوا الله بصفات النقص؛ النقص المعنوي والنقص غير المعنوي، فهم يقولون: إن الله لما خلق السماوات والأرض في ستة أيام تعب؛ الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة تعب، فلما كان يوم السبت استراح، ما صار يفعل؛ ولهذا عندهم الراحة يوم السبت، هذه واحدة. ويقولون: إن الله فقير ونحن أغنياء، ويقولون: إن الله بخيل: يد الله مغلولة، فهم -والعياذ بالله- وصفوا الله تعالى بأسوأ الصفات فوصفوه بأسوأ الصفات لا الصفات المعنوية ولا غير المعنوية. يقولون أيضًا: إنه بكى على الطوفان، وإنه أصابه الرمد في عينه وعادته الملائكة، قبَّحهم الله؛ يعني ما قدروا الله حق قدره، وكذلك الذين يقولون بأولوهية بعض البشر وأنه الله، إذا أراد نفاة الصفات أن ينزهوه عما يجب من هذا الأمور يقول: (فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسمًا أو متحيزًا؛ وذلك ممتنع). شوف كيف يردون؟ يقولون: إن اليهود لو أننا وصفناه بأنه يبكى لكان جسمًا، صحيح هذا؟ هل يمكن أن يرد على اليهود بمثل هذا؟! أبدًا؛ لأنه يصيرون يقولون: طيب إذا كان جسمًا في المانع أو لا؟ يقولون هذا، وحينئذٍ يثبتون أن الله تعالى يبكي، فنفي هذه الأشياء هذه النقائص العظيمة بهذا الأمر الذي ليس بنقص وفيه تفصيل هذا خطأ. (وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم هؤلاء الملاحدة نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه). (استظهر عليهم) ويش معنى (استظهر عليهم)؟ أي: استعلوا، ومنه قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: ٣٣] أي: ليعليه. طالب: (...). الشيخ: المراد بالناس نفاة الصفات. طالب: الأشاعرة. الشيخ: الأشاعرة وشبههم. يحتج على هؤلاء اللي (...) بنفي التجسيم يقول: (فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه؛ أحدها أن وصف الله بهذه النقائص). هذه يمكن أن نقول: عنوان البحث، سلك بعض النفاة في الرد على اليهود مسلكًا، وهو أن وصف الله بما ذكره اليهود يستلزم أن يكون جسمًا والجسم ممتنع، فهل هذا المسلك صحيح؟ ممكن أن نجعل عنوان هذا البحث هو هذا. طالب: (...). الشيخ: بما وصفه به اليهود يستلزم أن يكون جسمًا أو متحيزًا وهذا ممتنع، نقول: هل هذا المسلك صحيح ولَّا غير صحيح؟ الآن العنوان (...) هو أن يقال: إن بعض النفاة سلكوا في الرد على اليهود الذين وصفوا الله بأنه بكى على الطوفان ونحو هذا، اختلفوا في الرد عليهم بأن قالوا: لو كان كذلك لكان جسمًا أو متحيزًا فهل هذا النظر صحيح أو ليس بصحيح؟ ليس بصحيح، ويش الدليل؟ لوجوه. أحدها: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم ولَّا لا؟ يعني وصف الله تبارك وتعالى في هذه الأمور أظهر فسادًا من نفي التحيز والتجسيم، يبدو أن الصواب أظهر فسادًا من وصفه بالتحيز والتجسيم؛ يعني معناه أنه لا يكفي أن نقول: إنها تنتفي هذه لانتفاء التجسيم والتحيز. هم يقولون: اللي ردوا على اليهود، يقولون: يجب أن تنتفي هذه لانتفاء التحيز والتجسيم. نقول: انتفاء هذه النقائص عن الله أبين وأظهر من انتفاء التحيز والتجسيم، لماذا؟! لأن وصفه بهذه النقائص أظهر فسادًا من وصفه بالتحيز والتجسيم فيبدو أن العبارة فيها التباس. الآن هؤلاء وصفوا الله بالنقائص اليهود ونحن نريد أن ننفيهما، فما هو الطريق لنفيها؟ الطريق أن نقول: لأن الله ليس بجسم ولا متحيز، فنقول: انتفاء هذه النقائص عن الله أظهر من انتفاء التحيز والتجسيم ولَّا لا يا جماعة؟ طلبة: نعم. الشيخ: أيهما أظهر أن تقول: إن الله ليس بجسم، أو تقول: إن الله لا يبكي ولا يتعب؟ أيهما أظهر، لا يبكي ولا يتعب أظهر، إذن ظهور انتفاء ما وصفه به اليهود أبين من انتفاء التجسيم والتحيز؛ فالنتيجة وصْف الله بهذه النقائص ما هو بنفيها، إثبات النقائص لله المذكورة أعظم فسادًا من إثبات التجسيم والتحيز؛ ولهذا عرفتم أن كلمة (من نفي التحيز والتجسيم) فيها شيء من الالتباس فنقول: إن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من وصفه بالتحيز والتجسيم. طالب: (...). الشيخ: لا قل: لعله كذا (...).. طالب: أن وصف الله تعالى بهذا النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم. الشيخ: (...) طيب يمكن تقولون من أيش؟ من وصفه بالتحيز والتجسيم أو من نفس التحيز؛ لأن نفس الكتابة قريبة من (نفي) ولَّا لا؟ أظهر فسادًا من نفس يعني من وصفه بنفس التحيز والتجسيم. (فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك) (فإن هذا) الضمير يعود على التحيز والتجسيم. (فيه من الاشتباه والنزاع والحفاء ما ليس في ذلك)، كيف ذلك؟ لأنه سبق أن وصف الله بالجسم أو بالتحيز ويش قلنا في تفصيله؟ إن أراد بالجسمية أن الله سبحانه وتعالى هو القائم بنفسه المتصف بما يليق به فهذا حق بلا شك، وإن أراد بالجسم أنه مُحدَث مُكوَّن من أعضاء وأجزاء فهذا ممتنع على الله؛ إذن ففيه التفصيل، لكن عندما نقول: إن الله تعالى بكى على الطوفان وأصابه الرمد يصلح فيه التفصيل ولَّا ما يصلح؟ طلبة: ما يصلح. الشيخ: هل يصلح فيه التفصيل يا جماعة؟ (...) يصلح أن نفصل ونقول: إن أريد كذا وإن أريد كذا؟ لا؛ لأنه كله نقص، إن الله بكى حتى رمد، كله نقص على كل تفصيل فلا يرد فيه التفصيل. إذن أيهما أعظم فسادًا؟ اللي يمكن يكون على وجه صحيح أو اللي ما يمكن يصح على أي وجه؟ اللي ما يمكن يصح على أي وجه أشد؛ ولهذا يقول المؤلف: (فإن هذا الضمير يعود على التحيز والتجسيم فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك). ويش يشير في قوله: في ذلك وصفه بأنه رمد حتى عادته الملائكة. وكُفْر صاحب ذلك ويش يعني؟ الذي وصفه بأنه رمد حتى عادته الملائكة، معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل مُعرِّف للمدلول ومُبيِّن له؛ فلا يجوز أن يُستدل على الأظهر الأبين بالأخفى كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود. طالب: معروف للمدلول. الشيخ: لا، معرف، امسح الواو. عندما نريد أن نستدل على انتفاء ما وصفه به اليهود بانتفاء الجسم والتحيز عن الله، هل هذا دليل هذا الاستدلال؟ ليس دليلًا، ويش السبب؟! لأننا الآن استدللنا بالأخفى على الأظهر؛ لأن انتفاء الرمد عن الله أظهر من انتفاء التحيز والتجسيم ولَّا لا؟ وهل يُعقل أن نستدل بالأخفى على الأظهر؟ لا، أيضًا نقول: كُفر من يقول: إن الله تعالى رمد حتى عادته الملائكة أظهر من كفر من يقول: إن الله جسم؛ لأن (إن الله جسم) إذا أراد بالجسم القائم بنفسه المتصف بصفات؛ فهذا نقص، أليس كذلك؟ هذا وجه يبين فساد احتجاج هؤلاء المتكلمين على إبطال ما وصفه به اليهود. (الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز كما يقوله من يُثبت الصفات وينفي التجسيم فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحدًا ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد وهذا في غاية الفساد). طالب: (فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال، ومن وصفه بصفات النقص واحدًا). الشيخ: إي، طيب هذا أوضح، اللي عندك أوضح. (الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات) ويش يعني بهم؟ يعني بهم اليهود يمكن أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم، يقولون: رمد ولكن ما نقول: إنه جسم، أليس كذلك؟ يمكنهم في باب المجادلة أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، ولكننا نصفه بهذه الصفات، نقول: تعب، ونقول: حزن، ونقول: إنه سبحانه وتعالى على رأيهم، إنه فقير، وإنه بخيل، ومع ذلك ما تلزموننا بالجسم كما أن الذين يثبتون الصفات لله تعالى هل يُلزمون بالتجسيم ولَّا لا؟! عندما نقول: لله يد، ووجه، وعين، وقدرة، وسمع، هل يلزمنا أن نقول بالتجسيم؟! طلبة: لا. الشيخ: ما يلزمنا، فعلى هذا نقول لهؤلاء المنكرين الذين استدلوا على بطلان ما قال اليهود بأنه لو ثبت ما قالوه لكان جسمًا يمكن لليهود أن يقولوا، ويش أن يقولوا؟ نحن نثبت ذلك بدون تشبيه مثلما قال أهل السنة والجماعة: نحن نثبت لله قدرة وسمعًا وبصرًا واستواء إلى آخره، ولا يلزمنا أن نقول: إنه جسم، هل يلزمنا أن نقول: إنه جسم؟ ما يلزمنا. هذا واحد. (الوجه الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلًا على فساد هذه الطريقة) (أن هؤلاء)، الضمير يعود على أيش؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو (...) أن هؤلاء الذين ردوا ما قال اليهود بنفي التجسيم؛ يعني الأشاعرة المثبتين لبعض الصفات، هؤلاء المثبتون لبعض الصفات، نفوا صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، ويش قالوا؟! قالوا: لو استوى على العرش لزم أن يكون جسمًا، والجسم ممتنع؛ فيجب امتناع استواء الله على عرشه ولّا لا؟ الطريقة التي يكون بها إثبات صفات الكمال هل تكون طريقة سليمة أو لا؟ الجواب: لا. أعود مرة ثانية، اعتمد نفاة الصفات على نفي ما قال اليهود، ويش هو عليه؟ اعتمدوا على نفي التجسيم. نقول: هذه الطريقة فاسدة، الدليل أنها فاسدة الوجهان الأولان واضحان. الوجه الثالث: أنكم بطريقتكم هذه نفيتم صفات الكمال لله؛ لأنهم يقولون: إثبات الوجه يستلزم التجسيم، والجسم ممتنع؛ فيجب إبطال أو نفي صفة الوجه، يقولون: إثبات الاستواء يستلزم التجسيم، فيجب نفي الاستواء، إثبات الرمد في عين الله يستلزم التجسيم؛ فيجب نفي الرمد، شوف كيف؟ صار ها الطريقة اللي مشوا عليها صارت تبطل أي شيء؟ تبطل صفات الكمال وصفات النقص، وكل طريقة لا تميز بين ما يجب لله وما يمتنع على الله فهل هي طريقة سليمة ولَّا باطلة؟ باطلة؛ ولهذا يقل المؤلف: (إن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة واتصافه بصفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع؛ فيكون ذلك دليلًا على فساد هذه الطريقة). من يبين لي الوجه الثالث هذا؟ طالب: (...) استوى على العرش، الجسم ممتنع (...). الشيخ: لا، ما فهمت. طالب: أقول: إثبات الرمد لله (...)، الرمد (...) والجسم ممتنع. الشيخ: طيب هذه الطريقة غير سليمة ليش؟ لأنكم كما (...) صفة نقص (...) بها صفة الكمال فتقولون: لو ثبت استواؤه على العرش لكان جسمًا، والجسم ممتنع.. طالب: (...). الشيخ: تعرف اليهود يقولون: إن الله سبحانه وتعالى حزن على الطوفان، وبكى وأصابه الرمد من البكاء وعادته الملائكة ولَّا لا؟ الذين نفوا الصفات يردون على اليهود ويش يقولون؟ طالب: (...). الشيخ: أو متحيز، وذلك ممتنع على الله، زين، هل هذا ردهم على اليهود بهذه الطريقة صحيح ولَّا غير صحيح؟ طالب: فاسد. الشيخ: فاسد، ويش الدليل على فساده؟ الدليل وجهان سابقان، ووجه ثالث ما هو؟ طالب: (...). الشيخ: لكان. طالب: (...). الشيخ: لا (...). طالب: لكان. الشيخ: لكان جسمًا. طالب: والجسم ممتنع. الشيخ: والجسم ممتنع، طيب استدلالهم على نفي الاستواء بهذه الطريقة صحيح ولَّا غير صحيح. طالب: غير صحيح. الشيخ: غير صحيح، ليش؟ لأننا نقول: يمكن أن يكون مستويًا على العرش وليس بجسم، أليس كذلك؟ لأنه سبق أنه قد يُوصف الشيء بالصفات وليس بجسم وقلنا: إنكم تقولون: إنه يقال يوم شديد، ويوم طويل، واليوم ما هو بجسم، أو لا؟ لو قلنا: إنه يعتمد في نفي الصفات على نفي الجسمية لزم أن ننفي صفات الكمال على هذا الأساس أو لا؟ لأنهم هم يقولون: إن الله تعالى (...)، ولا يستوي على العرش، وليس له وجه، ولا عين، ولا يد؛ لأن إثبات ذلك يستلزم التجسيم. نقول: هذه الطريقة فاسدة؛ لأنها تتضمن نفي صفات الكمال عن الله سبحانه وتعالى، وكل شيء يتضمن إبطال ما ثبت لله فهو باطل. (...) المؤلف رحمه الله ذكر أن الاعتماد على مجرد النفي أو الإثبات بلا تشبيه ليس بصحيح، وسبق الكلام فيه، وذكر طريقة أخرى أفسد من هذا، وهو الاعتماد في التنزيه على نفي التجسيم، ما هو على نفي التشبيه، على نفي التجسيم، قال: إن هذه الطريقة أيضًا فاسدة، وإن الذين يسوقونها يردون على اليهود الذين يصفون الله تعالى بالنقص، يردون عليهم بهذه الطريقة يقولون: مثلًا إنه لو بكى ورمد لكان جسمًا والجسم ممتنع، فيمتنع إذن البكاء والرمد، ذكر المؤلف أن هذه فاسدة من وجوه متعددة: الوجه الأول؟ طالب: الوجه الأول: (...) عن الله؛ لأن هذا يستلزم التجسيم، والتجسيم ممتنع، ونقول لهم: إن الرمد يحكم بكفر (...)، وأما التجسيم (...) ظاهر الفساد، والتجسيم فيه اختلاف؛ فلا يستدل بما فيه اختلاف على الظاهر (...). الشيخ: يعني أن وصف الله تعالى بالنقائص اللي ذكرها اليهود أعظم امتناعًا من وصفه بالتجسيم، زين، ولا يمكن أن نستدل بالأخفى على الأبين الأظهر. الوجه الثاني؟ طالب: أن الجهمية (...) الصفات يقولون: (...). الشيخ: نعم، يمكنهم أن يقولوا: نحن نصفه بهذا. طالب: يمكنهم أن يقولوا: (...) الصفات (...) الصفات بدون تجسيم يعني. الشيخ: نعم، صحيح، يعني يمكنهم أن يقولوا هذا، نثبت لله تعالى يوجع عينه ويرمد، وليس بجسم كما يقوله من يثبت الصفات وينفون التجسيم، بارك الله فيك. الوجه الثالث؟ طالب: هؤلاء الذين وصفوه (...) بالتجسيم ينفون عنه صفات الكمال. الشيخ: أنهم بهذه الطريقة نفوا عنه صفات الكمال. ويش معنى بهذه الطريقة نفوا عنه صفات الكمال؟ طالب: بأن يقولوا: نثبت أن لله وجهًا. الشيخ: لا نثبت أن لله وجهًا. الطالب: إي نعم. الشيخ: لأنه يستلزم التجسيم. طالب: (...) الحزن والبكاء (...). الشيخ: إي نعم، يعني مثلًا هذه الطريقة فاسدة؛ لأنه يُتوصَّل بها إلى نفي ما يجب لله من صفات الكمال، ولو كانت هذه طريقة سليمة ما أدت إلى هذا المعنى الفاسد الذي هو نفي صفات الكمال عن الله. (الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي). مثال ذلك: (فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض والعَرض لا يقوم إلا بالجسم، أو لأنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا. قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير. وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًّا عالِمًا قادرًا إلا جسمًا فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم فكذلك نحن). يقول: (الوجه الرابع: أن سالكي هذه الطريقة) ويش هي الطريقة اللي عندنا الآن؟ الاعتماد فيما يُوصف الله به أو ينفى عنه على التجسيم الاعتماد عليها نقول هؤلاء الذين اعتمدوا عليها متناقِضون. وجه التناقض -كما قال المؤلف-: (كل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوفقه فيه من الإثبات، وكل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي). المثال: عندنا مثلًا مثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، كم دولي؟ ست، يعني وغيرها من الصفات. (إذا قال لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم) (هذا) أي: إثبات هذه الصفات تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعَرض لا يقوم إلا بجسم؛ يعني يقولون مثلًا: العلم والقُدرة والكلام إلى آخره، هذه أعراض؛ يعني معانٍ لا تقوم إلا بجسم؛ إذ لا حياة إلا بالحي، ولا قُدرة إلا بقادر، وهكذا. أو يقولون أيضًا: لأننا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسم؛ يعني لهم في استلزام هذا الإثبات للتجسيم لهم طريقان. تارة يقولون: هذه أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجسم، وتارة يقولون: لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا. وقد مر علينا قبل كم من درس بيان أن هذا القول ليس بصحيح؛ إذ إننا نرى ما يُوصف بالصفات وليس بجسم لكن نحن نتنزل معهم لنخاصمهم. قالت لهم المثبتة: من هم المثبتة؟ مثبتة هذه الصفات. أنتم قد قلتم إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا، وأيضًا الحياة والعلم والقدرة أعراض، والأعراض لا تكون إلا بجسم؛ فقد تناقضتم، أليس كذلك؟ هذا تناقض، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم ويش أثبتموه؟! يعني أثبتم هذه الصفات وأنتم تعلمون أنه لا يتصف بها إلا ما هو جسم فأثبتموها وقلتم: ليس بجسم، أثبتم الأمر على خلاف ما علمتم فكذلك نحن. جواب آخر: (وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًّا عالِمًا قادرًا بلا حياة، ولا عِلم، ولا قدرة، وهذا تناقض يُعْلَم بضرورة العقل) صحيح. أيضًا قالوا لهم المثبتة لهؤلاء المعتزلة: أنتم تقولون: إن الله حي بلا حياة، وعليم بلا عِلم، وقدير بلا قدرة، وهل هذا يمكن؟! المؤلف يقول: (هذا تناقض يعلم بضرورة العقل)؛ إذ كيف تقولون: إن هذا حي وهو ما به حياة، أو هذا قدير وهم ما به قدرة، أو هذا عليم وهو ما فيه علم، لو أنك قلت للصبي الذي خرج من بطن أمه الآن: هذا عليم يعرف الفقه، ويعرف التدمرية، ويعرف شرح الطحاوية، ويعرف.. يصح ولَّا لا؟! ما يصح. كذلك أيضًا لو تقول لإنسان ميت: هذا حي، وهو ما فيه حياة؛ ما صح. فكيف تقولون: إن الله حي لكن بلا حياة، عليم لكن بلا عِلم، قدير لكن بلا قدرة؟! هذا غير معقول؛ لأن كلمة قدير اسم مشتق منين؟ من القدرة، وعليم اسم مشتق من العلم، وكذلك حي اسم من الحياة، فعلى هذا نقول: هذا أيضًا تناقض. هذه أربعة وجوه، صارت الوجوه الآن في الاعتماد على نفي التجسيم، الوجوه التي تدل على بطلان هذا الاعتماد كم؟ أربعة. قال: (ثم هؤلاء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت: إنه يرضى، ويغضب، ويحب، ويبغض، أو من وصفه بالاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء، أو بالوجه، واليد، ونحو ذلك إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم؛ لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم قالت لهم المثبتة). إلى آخره. الآن شوف كلام المؤلف رحمه الله بالأول النزاع بين المعتزلة والأشاعرة؛ لأنه قال: (المثبتة كالحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر)، ما بقي إلا واحدة، لعل المؤلف إما أنه سها عنها أو سقطت من النسخ وهي الإرادة. نجي عاد النزاع الآن بين أهل السنة والجماعة المثبتة إثباتًا كاملًا وبين الأشعرية، هؤلاء المثبتون لكم من صفة؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ثم هؤلاء المثبتون. طلبة: (...). الشيخ: لا، يا إخوان للصفات السبع المثبتون للصفات السبع، (إذا قالوا لمن أثبت: إنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء أو بالوجه واليد ونحو ذلك، إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم؛ لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، قالت لهم المثبتة) لأي شيء؟ لجميع الصفات وهم أهل السنة. (فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإذا كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين). واضح أظن يا جماعة؟ مع أن هذا قد تقدم لنا، أليس قد تقدم لنا؟ تقدم في أول الكتاب.. والكتاب كما قلنا سابقًا فيه تكرار، وفي الحقيقة أنه يحتاج إلى أحد يُنقِّحه، ويحذف الشيء المكرر فيه لأجل يتضح؛ لأنه قد يظن الطالب لا سيما إذا كان الطالب ما فهم الكتاب حق الفهم، يظن أن هذا الكلام غير الكلام الأول، إذا صار الواحد ما حذق هذا العلم حذقًا كاملًا يظن أن هذا غير الأول، والحقيقة أنه هو الأول، بس هو (...) على أوجه متعددة فقط وإلا المعنى واحد. الحاصل يا جماعة أننا تقول لهؤلاء المثبتة الذين يثبتون بعض الصفات وينكرون البعض، نقول لهم: أنتم متناقضون؛ لأنه يلزمكم فيما نفيتموه نظير يلزمكم فيما أثبتموه. (ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريقة طريقًا فاسدًا لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مُجملة لا تُحِق حقًّا ولا تُبطل باطلًا). وإنما إذا أرادوا نفي هذه النقائض عن الله –السلف- ما هم يقولون: لأن هذا يقتضي التجسيم أو يقتضي التحيز، يقولون: لأن هذا نقص مثلًا، عندما اليهود يقولون: إن الله رمد وبكى، وما أشبه ذلك، يقولون: إن الله منزه عن ذلك؛ لأنه يقتضي التجسيم؟ طلبة: لا. الشيخ: ولكن لأنه نَقْص، والله تعالى مُنَزَّه عن النقص، أليس هكذا الموضوع؟ يقول: إن السلف ما نطقوا بالجسم؛ ولهذا الصحيح في مسألة الجسم أنه لا يجوز بالنسبة للفظه ويش لا يجوز؟ إثباته ولا نفيه، ما تقول: إن الله جسم، ولا تقول: إن الله ليس بجسم، لكن في معناه يجب أن تستفصل، فإذا أردت بالجسم أنه سبحانه ذات قائم بنفسه متصف بما يجب له فهذا حق، وإن أردت بذلك أنه جسم مركب من أعضاء، وعظام، وأعصاب، ولحوم؛ فهذا ليس بجائز. (ولهذا لم يَذْكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتدَع الذي أنكره السلف والأئمة، وأما في طريق الإثبات أو في طرق). طلبة: في طرق. الشيخ: في طرق نعم. طالب: (...). الشيخ: إي؛ لأن أصل المعتزلة يردون على اليهود: في قولهم: إن الله تعالى رمد، يقولون: لو قلتم بهذا، إذا قلنا بهذا لزم أن يكون جسمًا والجسم ممتنع. طالب: (...) المعتزلة واليهود. الشيخ: إي نعم، في الأول بين المعتزلة واليهود، ثم بين المعتزلة والأشاعرة، ثم بين الأشاعرة وأهل السنة. (وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يُوصَف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يُحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يُوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه). هذا أيضًا واضح، وقررناه من قبل، لو قلنا: إنه يكفي أن تعتمد في الإثبات على نفي التشبيه، لو قلنا هكذا، هل يصح هذا ولَّا ما يصح؟! ما يصح أن تقول: أنا أثبت لله الصفات بدون تشبيه، ما يمكن هذا. أولًا: لأنه سبق لنا القاعدة أن صفات الله سبحانه وتعالى توقيفية، ما يمكن نثبتها من عند أنفسنا. وثانيًا: ثبت أن الله تعالى لا يمكن أن يوصف بالنقص، لا على وجه التشبيه، ولا على غير وجه التشبيه. لو قلت مثلًا، ولله المثل الأعلى، وحاشاه أن يكون، لو قلت: إن الله أعرج لكن ليس كعرج الإنسان، يجوز ولَّا ما يجوز ما يجوز؟ لو قلت: يأكل لكن ليس كأكل الإنسان؟ لا يجوز. إذن فالاعتماد في الإثبات على نفي التشبيه غير جائز؛ ولهذا المؤلف شوف ويش يقول؟ (إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يُوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يُحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه) صح ولَّا لا؟ إي نعم، كأن يقول مثلًا: له رأس، وله أذن، وله سرة، وله كذا، وله كذا، ولكن بدون تشبيه، هذا ما يجوز ولا يصح. كأن يقول بالنسبة للأفعال: إنه يفعل كذا، ويفعل كذا، ويفعل كذا مما يمتنع عليه ولكن بدون تشبيه، هذا أيضًا لا يجوز. يقول: (كذلك أيضًا وأن يوصف بالنقائض التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه). كأن يقال مثلًا: إنه أعور ولكن ليس كعور الإنسان، إنه أصم ولكن ليس كصمم الإنسان مثلًا، إذن لا يجوز أن نثبت له أن نعتمد في الإثبات على نفي التشبيه. (كما لو وصفه مفترٍ عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه). يجوز هذا ولَّا لا؟ ما يجوز. (وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم؛ كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم). يضحك ويفرح ويتكلم، يقال هكذا ولَّا ما يقال؟! يقال، ليش؟ لأن الفرح والضحك والكلام صفات كمال؛ ولهذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ» . إلى آخر الحديث. ويقول: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» . ويقول: «لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ» . فالحاصل أننا نقول: هذه الأمثلة تجوز؛ لأن الله أثبتها لنفسه، لكن الأكل والنوم والشرب وما أشبهه لا يجوز؛ لأن الله نفاه عن نفسه. (ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم كما قيل: له وجه لا كوجوههم)، يجوز أن نقول له: وجه لا كوجوههم؟ إي نعم، يجوز. (ويدان لا كأيديهم، حتى يُذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله تعالى عنه، تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا). ولهذا قال بعض المشبهة: سلوني عما شئتم وأعفوني من ذكر اللحية والفرْج، أعوذ بالله، يعني كل شيء تبغون أعلمكم عن الله، أنا أعلمكم إلا ها المسألتين؛ اللحية والفرْج، أنا ما أقدر أقول: إن الله له لحية، ولا أقدر أني أقول: إن الله له فرج، والباقي كل اللي تبغون أعلمكم به، والعياذ بالله، وهذا من الافتراء على الله، ومن الجرأة على الله سبحانه وتعالى. والحاصل يا جماعة أننا نقول: الاعتماد في الإثبات على نفي التشبيه لا يجوز، وهذا اللي ذكره المؤلف أمثلة فقط. طالب: شيخ، (...) ما حدد؟ الشيخ: شوف لا، حدَّدَ، كيف ما حدد؟! طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو صواب، كما لو وصفه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، (وكما لو قال: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم، كما يقال) يعني كما أنه يقال حقًّا (إنه يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم)، وكذلك في الأخير، (ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم)، كما قيل: له وجه، وهذا القول الأخير حق؛ يعني معناه بيقيس هذا على هذا، يقول: له أعضاء كالوجه، وأنه يحزن كما يفرح. (فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وما أثبتَّه إذا نفيت التشبيه وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر؟). المهم أن المؤلف أصَّل هذه القاعدة المهمة العظمية وهي أنه لا يكفي في صفات الله الاعتماد على الإثبات بدون تشبيه، ولا على مجرد نفي التشبيه ما يكفي. أما الأول اللي هو الاعتماد على مجرد نفي التشبيه فقد سبق بيان بطلانه؛ لأنه ما من أحد ينفي شيئًا إلا ويدَّعي أنه تشبيه فلا يمكن الاعتماد عليه.. كذلك الإثبات بدون تشبيه لو اعتمدنا عليه لقلنا: إن كل إنسان يجوز أن يصف الله بكل وصف ويقول: بلا تشبيه، وهذا ممتنع. (فإذا قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ به السمع، قيل له: أولًا: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أَخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخْبَر عنه، والدليل لا ينعكس فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع؛ إذا لم يكن نفاه ومعلوم أن السمع) إلى آخره.. إذا قال القائل: أنا اعتمد في ذلك على السمع. قيل له: أولًا: يعني معناه نبغي نجيب من عدة أوجه؛ أولًا: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، السمع اللي يجب قبوله هو خبر الصادق عما هو عليه الأمر في نفس الأمر، في نفسه؛ أي في نفس الأمر، مثل: إذا أخبر الله عن نفسه أن له وجهًا فهذا خبر صادق عما هو الأمر عليه في نفس الأمر. الأمر الواقع أن الله تعالى له وجه أخبر الله به عن نفسه فهو خبر، ولكن الاعتماد على الخبر في هذا الأمر في الحقيقة مُصادَرة؛ لأنه ما يكفي أن تقول هذا الكلام؛ لأنك لو اعتمدت على مجرد السمع ما استطعت أن تنفي عن الله الأكل، اللهم إلا إذا قلنا: وهو يُطْعم ولا يطعم، لكن ما تستطيع أن تنفي أن الله له أمعاء، ما يمكن، ما فيه القرآن ولا في السنة نفي الأمعاء عن الله، ما في القرآن ولا في السنة نفي الأذن عن الله، ما في القرآن ولا في السنة نفي السرة عن الله ولَّا لا؟ ولا إثباتها. إذن شوف المؤلف ويش يقول؟ (الخبر دليل على المخبَر عنه) صح ولَّا لا؟ إذا أخبر الله عن شيء فإن هذا الخبر دليل على المخبَر عنه. (والدليل لا ينعكس) ويش معنى لا ينعكس؟ (فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه) المعنى أننا إذا عدمنا الدليل على شيء والمراد الدليل المعين مثلما مر علينا في أول الكتاب، هل يلزم من نفي الدليل المعين انتفاء المدلول؟ لا، لماذا لا يلزم؟ لأنه قد يكون له دليل آخر سوى هذا الدليل. وهذا كثير من مسائل العلم اللي مرت عليكم تجدون المسألة الواحدة لها عدة أدلة، فإذا انتفى عنها دليل واحد من هذه الأدلة ثبتت بالدليل الآخر. فنحن نقول الآن: إذا قدَّرنا أن السمع لم يرد بنفي هذه الصفات عن الله هو المؤلف الآن بيركز في الرد على من يقول: أنا أعتمد على السمع فما أثبته أثبته، وما نفاه نفيته؛ فالسمع الآن ما ورد أنه نفى عن الله هذه الصفات التي أنكرناها عليهم ويش مثل؟ الحزن، والبكاء، والرمد، وكذلك أيضًا التعب، لكن التعب موجود في القرآن نفيه. طالب: الأمعاء. الشيخ: الأمعاء، الأذن، هذه ما ورد نفيها، لكن هل نقول: لما لم يرد نفيها لا تكون منفية؟ لما لم يرد النفي يجب ألا تكون منتفية عن الله؟ لا. لماذا؟ يقول: (لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن نفاه). ولكن إذا وُجِد في العقل ما يمنعه وجب أن نمنعه، هذا الذي ذكرنا، الرمد، والحزن، والخوف من الله؛ أن الله يخاف، هذا ما ورد به السمع، ما ورد نفيه بالسمع لكن هل نقول: لما لم يرد به السمع بنفيه يجوز إثباته؟ لا؛ لأن هناك دليلًا آخر عقليًّا يمنع وجوده. فمعلوم أن السمع لم ينفِ هذه الأمور بأسمائها الخاصة فلا بد من ذِكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذٍ نفيها كما لا يجوز إثباتها. ولكننا نقول: كما تقرر من قبل، إنه ما ورد أن السمع نفاها بأسمائها الخاصة لكن نفاها بالمعنى العام. ما هو المعنى العام؟ أن الله موصوف بصفات الكمال مُنَزَّه عن صفات النقص، فكل ما اقتضى نقصًا أو حدوثًا فإن الله تعالى مُنَزَّه عنه، كل شيء يقتضي النقص فإن الله مُنَزَّه عنه. (وأيضًا فلا بد في نفس الأمر من فرق بين ما يُثبت له) يعني لله (وينفى؛ فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع؛ يمتنع اختصاص بعضها دون بعض في الجواز والوجوب والامتناع؛ فلا بد من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت). كما قال المؤلف: (لا بد من فرق بين ما يثبت له وما ينفى عنه)، لا بد أن نفرق وإلا وقعنا في حيرة، والتفريق مداره كما قلنا -كما أراد المؤلف-: مداره على الكمال والنقص، فما اقتضى نقصًا فإنه ممنوع عن الله، وما لم يقتضِ نقصًا فإنه ثابت لله. لو قال القائل: أنا بأثبت أن الله يحزن كما يفرح ويش نقول له؟ نقول: لا، والفرق بينهما ظاهر؛ الفرح صفة كمال، والحزن صفة نقص؛ ليش أنها صفة نقص؟ لأن الحزين معناه أنه عاجز عن دفع ما نزل به، أليس كذلك؟ لكن الفَرِح ما فيه نقص أبدًا، بل هو..