تجاوز إلى المحتوى

شرح العقيدة التدمرية - ١٤

درس صوتي · ٩٤:٣٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

..كصفة المخلوقين ولَّا لا؟ لو جعلْنا المناطَ -مناط الحكم- والمقياسَ هو نفي التشبيه لَكُنَّا نُثبت ما شئنا لله من صفات ونقول: بدون تشبيه، وهذا يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: ما يجوز. الشيخ: هل يجوز أن نقول: يأكل بدون تشبيه، لكن ليس كأكْل المخلوقين؟ لا. ينام ليس كنوم المخلوقين؟ لا، ما يمكن. فتبيَّن أنَّ الاعتماد على مجرَّد نفي التشبيه لا يجوز لا إثباتًا ولا سلبًا. طالب: (...) التشبيه موافق من بعض الوجوه (...) ليس حقًّا، بالإضافة (...). الشيخ: كيف ليس حقًّا؟ الطالب: (...) الحياة؛ في أصل المعنى فيه تشبيه (...)، ولكن (...) الحق؟ الشيخ: لا، هذا حق. الطالب: ولكن لا يُسَمَّى (...). الشيخ: لكن ما يُسَمَّى تشبيهًا في الحقيقة، هذا ليش؟ لأنك إذا لم تُثبت أصْل معنى الحياة في جانب الخالق ويش معنى ذلك: أنَّك نفيتَها ولَّا أثبتَّها؟ أسألك الآن، لو لم تُثبت أصل معنى الحياة في الخالق نفيتَها، فلا بدَّ من معنًى مشترك، كلُّ موجودَينِ لا بدَّ فيهما من معنًى مشترك ولَّا لا؟ وهو الوجود، فأنت إذا نفيتَ هذا المعنى المشترك نفيتَ كلَّ شيء. واضح؟ إذَن المهمُّ الآن من هذه (...) هو أنَّ الاعتماد (...) لإثبات الصفات على مجرَّد نفي التشبيه لا يصح، ولَّا لا؟ لا يصح لسببين؛ أولًا: إنْ أُريدَ بالتشبيه المطلقُ فهذا غير ممكن ولا أحد يقوله، وإنْ أُريدَ به التشبيه من بعض الوجوه فهذا منازَعٌ فيه؛ لأنك قد تقول: هذا تشبيهٌ، ويقول غيرك: ليس بتشبيه، وعلى هذا فلا (...)، والمؤلف الآن (...) الصحيح. ثم قال المؤلف رحمه الله: (وقد يُفَرَّق بين لفظ التشبيه والتمثيل؛ وذلك أنَّ المعتزلة ونحوهم من نُفاة الصفات يقولون: كلُّ مَن أثبتَ لله صفةً قديمةً فهو مشبِّه ممثِّل؛ فمَنْ قال: إنَّ لله علمًا قديمًا أو قدرةً قديمةً، كان عندهم مشبِّهًا ممثِّلًا؛ لأن القديم عند جمهورهم هو أخَصُّ وصْفِ الإله، فمَنْ أثبتَ له صفةً قديمةً فقد أثبتَ لله مثلًا قديمًا، ويُسَمُّونه ممثِّلًا بهذا الاعتبار. ومُثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخَصُّ وصْفه ما لا يتَّصف به غيره؛ مثل كَوْنه ربَّ العالمين، وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وأنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّه إلهٌ واحدٌ، ونحو ذلك، والصفة لا تُوصَف بشيء من ذلك) إلى آخره. طيب، يعني (قد يُفَرَّق بين لفظ التشبيه والتمثيل) المؤلف ما يحكي بكلمة (قد يُفَرَّق) عند أهل السُّنة والجماعة؛ عند أهل السُّنة والجماعة لا يفرِّقون، فإذا قلتَ: هذه اليد ثابتةٌ لله بدون تشبيه، فهو كقولك: هذه اليد ثابتةٌ لله بدون تمثيل، لكن مِن الناس مَن يفرِّق، فـ(قد) هنا باعتبار القِلَّة من الفاعل لا القِلَّة الوجودية؛ يعني: قد يفرِّق بعضُ الناس. وضرب مثلًا لهذا: (المعتزلة ونحوهم من نُفاة الصفات يقولون: كلُّ مَن أثبتَ لله صفةً قديمةً فهو مشبِّه ممثِّل)، (كلُّ مَن أثبتَ لله صفةً قديمةً) المراد بالقديمة ما نُسمِّيه نحن بالصفات الذاتية الملازمة لله سبحانه وتعالى، هذا المراد بالصفة القديمة؛ مثل: العلم، والقدرة، والعزَّة، والقوَّة ... إلى آخره، كثيرة، لكن المؤلف ضرب مَثَلين: العلم والقدرة. يقولون: مَن قال: إنَّ لله علمًا قديمًا فهو ممثِّل. والقديم عندهم ما ليس له أول، ليس القديم عندهم ما يُعرَف في اللغة العربية أنَّه السابق لغيره، لا؛ ما ليس له ابتداء، ما ليس له ابتداءٌ هو القديم عند الفلاسفة. فإذا قلت: إنَّ لله علمًا قديمًا .. وأنتم يجب أن تفهموا القديم معناه عند الفلاسفة، ويش معناه؟ ما ليس له ابتداء، ليس معنى القديم هو السابق على غيره؛ تقول -مثلا- أنت: علمي بهذا قديم، ويش معناه في اللغة العربية؟ يعني: سابق، علمتُه قبل هذا، وليس معناه أنَّه لا ابتداء له وأنَّه أزليٌّ. لكن القديم عند الفلاسفة (...) هو ما لا ابتداء له؛ يعني أنَّه أزليٌّ. فيقولون: إذا قلت: إن لله علمًا قديمًا فقد شبَّهت. كيف؟ لأنَّ أخَصَّ وصْف الإله عندهم هو القِدَم. ويش معنى (أخص وصْف)؟ (أخص وصْف) معناه: اللي يختص بالله ولا يمكن أن يُوصَف به غيره هو القِدَم، فإذا قلت: لله علمٌ قديمٌ، فقد أثبتَّ قديمين؛ أحدهما: الله، والثاني: العلم، وحينئذٍ تكون مشبِّهًا، ولذلك يمنعون جميع الصفات القديمة الذاتية، ليش؟ لأنهم عندهم هم الوصف الذي لا يحقُّ إلا لله هو القِدَم، فلا يمكن أن يشابه اللَّهَ غيرُه في ذلك. لو قلت: لله علمٌ قديمٌ، قالوا: أنت مشبِّه. لو قلت: لله قدرةٌ قديمةٌ، قالوا: أنت مشبِّه. لو قلت: لله حياةٌ قديمةٌ، قالوا: أنت مشبِّه. وهكذا، شوف كيف الآن؟! إلى هذا الحد، يعني فهِموا التشبيه على غير معناه، ومثلما قلتُ (...) قبل قليل: إنك إذا أردتَ بالتشبيه الذي نفيتَه من وجهٍ دون وجهٍ، فقد ينازعك غيرُك من الناس. طيب عندهم: (لأنَّ القديم عند جمهورهم هو أخَصُّ وصْف الإله). ويش معنى (أخص وصْفه)؟ الذي لا يمكن أنْ يشركه فيه أحد. (فمَنْ أثبتَ له صفةً قديمةً فقد أثبتَ لله مثلًا قديمًا، ويُسَمُّونه ممثِّلًا بهذا الاعتبار. ومثبِتةُ الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخَصُّ وصْفه) يعني الله، ما هو؟ (ما لا يتَّصف به غيره؛ مثل كَوْنه ربَّ العالمين) هذا ما يمكن يُوصف به غير الله، هل يمكن تقول لأيِّ مخلوق: أنت ربُّ العالمين؟ لا. (وأنَّه بكلِّ شيءٍ عليمٌ) هذا من أخَصِّ أوصاف الله، ليش؟ لماذا؟ لا يوصَف به غيرُه، ما يمكن يوصَف به غيرُه. (وأنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ) كذلك أخَصُّ وصْف الله (...). (وأنَّه إلهٌ واحدٌ) كذلك أيضًا؛ لأن غيره لا يصح أن يكون إلهًا ولا يمكن أن يكون واحدًا، كل قومٍ لهم إله. (والصفة لا تُوصَف بشيءٍ من ذلك)، يعني ويش معنى (الصفة لا تُوصَف بشيءٍ من ذلك)؟ أي إنك لا تقول: إنَّ قدرةَ الله ربُّ العالمين، ولهذا يحرم عليك أن تقول: يا قدرة الله هيِّئي لي كذا وكذا. ومِن هنا نعرف أن تعبير بعض الناس بقولهم: شاءت المشيئةُ، أو: قَضَت مشيئةُ الله، أنَّ فيه نظرًا؛ لأن المشيئة وصْفٌ لا موصوفٌ، فالذي يقضي ويشاء مَن؟ الله، ولكنَّهم يعبِّرون بهذا إمَّا تسامحًا وإمَّا جهلًا. بعضهم أيضًا يقول: تقتضي الحِكمة كذا وكذا، اقتضتْه حِكمة الله. هذا أهون من الأول؛ من قول: شاءت مشيئة الله؛ لأن معنى (اقتضه حكمة الله) أنَّ الحكمة من حيث هي حكمةٌ تستلزم كذا وكذا، فالاقتضاء هنا بمعنى الاستلزام. المهم أن الصفة ليست موصوفةً، ولَّا لا؟ الصفة يقول المؤلف: (لا تُوصَف بشيءٍ من ذلك)، فلا تقُل عن قدرة الله: إنها ربُّ، ولا: إنها بكلِّ شيءٍ عليم، ولا: إنها على كلِّ شيءٍ قدير، ولا: إنها إلهٌ واحدٌ، فإذَنْ لم تتَّصف الصفة بشيءٍ من خصائص الله، فإذا أثبتَّ لله العلمَ والقدرةَ والحياةَ والسمعَ والبصرَ لم تكن ممثِّلًا إلا عند مَنْ؟ عند المعتزلة الذين يقولون: كلُّ مَن وَصَف الله بصفةٍ قديمةٍ فهو ممثِّل؛ لأن أخَصَّ وَصْف الله عندهم هو القِدَم. (ثم مِن هؤلاء الصفاتية).. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف. طالب: (...). الشيخ: لا، وغيرهم، أهل السنة وغيرهم؛ مثل الأشاعرة؛ لأنهم يراعون اللفظ، يُثبتون بعض الصفات. ثم يقول: (ثم مِن هؤلاء الصفاتية مَن لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقول: الربُّ بصفاته قديم. ومنهم مَن يقول: هو قديمٌ وصِفتُه قديمةٌ، ولا يقول: هو وصفاته قديمان. ومنهم مَن يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيءٍ من خصائصه؛ فإنَّ القِدَم ليس من خصائص الذات المجرَّدة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلَّا فالذات المجرَّدة لا وجود لها عندهم فضلًا عن أن تختصَّ بالقِدَم. وقد يقولون: الذاتُ متَّصفةٌ بالقِدَم، والصفاتُ متَّصفةٌ بالقِدَم، وليست الصفاتُ إلَهًا ولا ربًّا، كما أنَّ النبي مُحْدثٌ وصفاتُه مُحْدثةٌ وليست صفاتُه نبيًّا. فهؤلاء ...). إلى آخره. شوف الآن قسَّم المؤلف الصفاتية إلى الأقسام هذه، هل يقول كذا أو لا؟ شوف الصفاتية الآن، ويش معنى الصفاتية؟ الذين يُثبتون الصفات كلَّها أو بعضَها. منهم مَن لا يقول في الصفات: إنها قديمة؛ يعني يمتنع أن يقول: حياة الله قديمة، سَمْعه قديم، بصره قديم، ما يقول هذا، ولكن يقول: الربُّ بصفاته قديم؛ إذْ ما من ذاتٍ إلا ولها صفات، ولا يمكن يوجد ذات مجرَّدة بدون صفةٍ أبدًا، ما يمكن أن يوجد ذات مجرَّدة عن صفة إطلاقًا. طالب: من القائل؟ الشيخ: ما ندري لمن القول، لكنَّه قول بعض الذين يُثبتون الصفات، هذا واحد. (ومنهم مَن يقول: هو قديمٌ وصِفتُه قديمةٌ، ولا يقول: هو وصفاته قديمان) شوف، يعني إنْ أخبرتَ بالقِدَم عن الله وحده وعن الصفة وحدها فهو جائز، وإنْ جمعتهما بخبرٍ واحدٍ فهو لا يجوز؛ يعني .. طالب: (...). الشيخ: (...). الطالب: (...). الشيخ: يجوز تقول: الله قديم وصِفتُه قديمة، ولا يجوز تقول: الله وصِفتُه قديمان؛ فتجمعهما في خبرٍ واحد، (...)، يقولون: لأنك إذا أفردتَ كلَّ واحدٍ عن الآخَر فقد ميَّزت بينهما، وإذا قرنتَهما في خبرٍ واحدٍ فقد أشركتَ في (...)؛ مثلما أنك لو تقول: لولا الله وزيد أنقذاني من الغرق لَهلكتُ، يجوز ولَّا لا؟ طلبة: لا يجوز. الشيخ: لكن لو تقول: لولا زيدٌ أنقذني من الغرق؟ طلبة: يجوز. الشيخ: يجوز. لولا اللَّهُ أنقذني من الغرق؟ طلبة: يجوز. الشيخ: يجوز. هم يقولون: إن قلت: الله قديمٌ وصِفتُه قديمةٌ، ما فيه بأس. إن قلت: الله وصِفتُه قديمان، فهو لا يجوز عندهم. شوف الرأي الثالث: (يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيءٍ من خصائصه؛ فإنَّ القِدَم ليس من خصائص الذات المجرَّدة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلَّا فالذات المجرَّدة لا وجود لها عندهم فضلًا عن أن تختصَّ بالقِدَم). هذا السياق هو أقرب الأقوال؛ أن نقول: هو وصفاته قديمان، لكن ذلك لا يقتضي أن تكون الصفةُ مشاركةً له في شيءٍ من خصائصه، نقول: هو وصفاته قديمان، لكن لا يقتضي أن تكون الصفة منفصلة عنه مشاركةً له في شيء من خصائصه، ما يمكن تنفصل، لماذا؟ لأن الذات المجرَّدة عن الصفات ثابتة ولا غير ثابتة؟ الطلبة: غير ثابتة. الشيخ: غير ثابتة، ما مِن ذات إلا ولها صفات، فيقولون: هو وصفاته قديمان، لكن لا نُقدِّر أنَّ الصفة مستقلَّة عن الله؛ لأن استقلال الصفة عن الله أمرٌ ممكن ولا غير ممكن؟ الطلبة: غير ممكن. الشيخ: غير ممكن. (وقد يقولون: الذاتُ متَّصفةٌ بالقِدَم، والصفاتُ متَّصفةٌ بالقِدَم، وليست الصفاتُ إلَهًا ولا ربًّا) يعني معناه يفصلون هذا عن هذا ويقولون: إنه ليست الصفاتُ إلَهًا ولا ربًّا؛ مثلما أن النبي مُحْدَث وصفاته مُحْدَثة، كذا ولَّا لا؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحْدَث، صفاته من الطول أو القِصَر أو البياض أو السواد أو ما أشبهَ ذلك مُحْدَث، تقول مثلًا: النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول؟ صح. تقول: كَوْنه ربعةً من الرجال رسول؟ كَوْنه ربعةً من الرجال ليس بالقصير ولا بالطويل البائن، هذه هي رسول؟ يعني هذه الصفة فيه هي رسول ولَّا لا؟ الطلبة: لا. الشيخ: تقول مثلًا: بياضُ وجهه ونورُه رسول؟ الطلبة: لا. الشيخ: ما تقول. إذَنْ نقول: الله تعالى قديم، ولكنَّه ليست صفتُه التي هي قديمةٌ ليست إلَهًا؛ كما أن الرسول مُحْدَث وليست صفتُه الْمُحْدَثة رسولًا. واضح؟ والتعبيرات هذه في الحقيقة دقيقة عليكم؛ لأنكم ما قرأتم كلام هؤلاء ومجادلاتهم، والواقع أننا نقول أحد أمْرين: إمَّا أن تقول: الله بصفاته قديم، وإنه ما يمكن يوجد ذاتٌ بدون صفة، أو تقول: الله وصفاته قديمان، لكن ليس معنى ذلك أنَّ الصفة متميزة عن الخالق؛ عن الموصوف، بحيث تكون ربًّا أو إلَهًا، أو لا؟ هذا اللي مفهوم. وأمَّا أن يُفَرق بين إن قلت: الله قديم وصِفتُه قديمة، فهو جائز، وإن قلت: الله وصِفتُه قديمان فهو ممنوع، فهذا لا وجه له؛ لأنه ليس الأمر يدور على التعبير، ولكن يدور على المعنى. طيب، (...) اضبطوا هذه المسألة واعرفوها بمثال، وأنا أعطيتُكم مثالًا في الإرادة والرحمة، وإنْ شئتم تُبدلوا الإرادة بالسمع (...) بالسمع والرحمة؛ فإثبات السمع عند المعتزلة تشبيهٌ وعند الأشاعرة ليس بتشبيه، وإثبات الرحمة عند الأشاعرة تشبيه، وعند أهل السُّنة ليس بتشبيه. والحاصل أن التشبيه المنفيَّ إنْ أُريدَ به المماثلة التي فيها أنْ يجوز على كلِّ واحدٍ منها ما يجوز على الآخَر، ويمتنع عليه ما يمتنع، ويجب ما يجب، إنْ أُريدَ به ذلك؟ طلبة: باطل. الشيخ: ويش معنى (باطل) يا جماعة؟ يعني ما يمكن أن (...) أبدًا. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، وإنْ أُريدَ بالمشابهةِ المشابهةُ من وجْهٍ دون آخَر أو المشاركة في الاسم فهذا جائز، لكنَّه لا يمكن القول به؛ لأن كلَّ مَن يدَّعي أنَّ هذا تشبيهٌ يُنكره، أو يُنازعه في ذلك خَصْمُه ويقول: ليس بتشبيه. فتبيَّن أنَّ الاعتماد في إثبات الصفات على مجرَّد نفي التشبيه حُكمه؛ يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: لا يجوز. الشيخ: لا يجوز. ترى هذه القاعدة مهمَّة يا جماعة، هذه ما هي مِثْل الكلام اللي مرَّ علينا أمس، الكلام اللي مرَّ علينا أمس عبارةٌ عن حاشية على قاعدة، ففرقٌ بين الكلام الأصيل اللي من أجْله أُلِّفَ الكتابُ وبين كلامٍ يأتي استطرادًا وتتميمًا له، لكن هذه قاعدة مهمَّة ويجب الفهم لها، يجب أن نفهمها تمامًا.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال رحمه الله تعالى: فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل كان هذا بحسب اعتقادهم الذي يُنازعهم فيه أولئك، ثم تقول لهم أولئك: هبْ أن هذا المعنى قد يُسَمَّى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم يَنْفِهِ عقلٌ ولا سمعٌ، وإنما الواجب نفيُ ما نفتْه الأدلَّة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى مُسَمَّى المثْل والكُفْءِ والنِّدِّ ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مِثْل الموصوف ولا كُفُؤه ولا نِدَّه، فلا يدخل في النص، وأمَّا العقل فلم يَنْفِ مُسَمَّى التشبيه في اصطلاح المعتزلة. وكذلك أيضًا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسمٍ متحيِّزٍ، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات للزم أنْ يكون مماثلًا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه. وكذلك يقول هذا كثيرٌ من الصفاتية الذين يُثبتون الصفات وينفون علوَّه على العرش وقيامَ الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأمَّا العلوُّ على العالَم فلا يصح إلا إذا كان جسمًا، فلو أثبتنا علوَّه للزم أن يكون جسمًا، وحينئذٍ فالأجسام متماثلة، فيلزم التشبيه. فلهذا تجد هؤلاء يُسمُّون مَن أثبت العلوَّ ونحوه مشبِّهًا، ولا يُسَمُّون مَن أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبِّهًا، كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله. وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى.. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم أظن هذا الذي نتكلم فيه الآن امتداد لما سبق من أن إطلاق الاعتماد على نفي التشبيه يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: لا يجوز. الشيخ: لا يجوز؛ وذلك لأنَّ الناس اختلفوا في التشبيه، حتى إنَّ منهم مَن يرى أنَّ إثبات الصفات تشبيه، ومنهم مَن يرى أن وَصْف الله بأنه موجودٌ تشبيه؛ فالاعتماد على مجرَّد نفي التشبيه أمرٌ لا يجوز، كما أنَّ الاعتماد على إثباتٍ بلا تشبيه أمرٌ لا يجوز أرجو الانتباه يا جماعة هذه القاعدة، قلنا: كل ما يأتي من كلام المؤلف فرع لكلام مع المنازعين، إنما القاعدة أنَّه لا يصح في إثبات صفات الله أن نعتمد ويش هو عليه؟ على مجرَّد نفي التشبيه، أو على مجرَّد الإثبات بلا تشبيه، ولَّا لا؟ أمَّا الأول فلأنك إذا قلت: هذا .. نعتمد على النفي المطْلق اللي هو نفي التشبيه، فقد يقول قائل: إنَّ إثبات السمع والبصر تشبيه، وقد يقول آخَر: إثبات العلو تشبيه، وقد يقول آخَر: إثبات الحياة تشبيه، وإثبات العلم تشبيه، وإثبات القدرة تشبيه. كذلك إذا اعتمدتَ على إثباتٍ بلا تشبيهٍ ما يصح؛ لأنه قد يقول قائل: نُثبت أنَّ لله تعالى أنفًا لا يشبه آنافَ المخلوقين، أنَّ له بطْنًا لا يشبه بطونَ المخلوقين. هل يجوز هذا ولَّا ما يجوز؟ لا يجوز. فإذَن الاعتماد القاعدة اللي عندنا، والتي يجب أنْ نعرفها: أنَّه لا يجوز أن نعتمد في إثبات الصفات أو نفْيها ويش هو عليه؟ على؛ واحد: إثبات بلا تشبيه، اثنين: مجرَّد نفي التشبيه؛ لأنَّ هذا لا يصح لا في الإثبات ولا في النفي. ثم استطرد المؤلف رحمه الله وبيَّن هل إثبات الصفات يقتضي التشبيه، وهل الله تعالى بصفاته قديم، أو نقول: الله قديم والصفة قديمة، أو نقول: الله وصفاته قديمان، على خلافٍ في الحقيقة ما يثيره إلا مجرَّد الجدل، وإلا فلسْنا بحاجةٍ إليه، السلف الصالح أحسنُ منَّا عقيدةً وأحرصُ منَّا على تحقيق العقيدة، هل صاروا يبحثون في هذا ولَّا لا؟ ما يبحثون، لكن مع هذا إذا اضطُرِرْنا إلى أن ننزل في الميدان فلا بدَّ أن ننزل. طالب: (...) بيَّن القاعدة هذه (...) نثبت الأسماء؟ الشيخ: لا هو يريد أن يبيِّن أنَّ الإثبات مبنِيٌّ على السمع، وكذلك النفي أيضًا مبنِيٌّ على السمع. قال: (فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسمَ التشبيه والتمثيل كان هذا بحسب اعتقادهم الذي يُنازعهم فيه أولئك). (فهؤلاء) مَن يقصد؟ الذين يُنكرون الصفات. (فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية) مَن هم الصفاتية؟ الصفاتية الذين يُثبتون الصفات سواءٌ أثبتوا الجميع أو أثبتوا البعض. هؤلاء يُطلقون على الصفاتية اسم التشبيه، لاحظوا يا جماعة؛ الأشاعرة يقولون لأهل السُّنة: أنتم مشبِّهة؛ لأنكم تُثبتون لله تعالى الرحمة والمحبة وما أشبهَ ذلك. والمعتزلة يقولون للأشاعرة: أنتم مشبِّهة؛ لأنكم تُثبتون الإرادة والكلام والبصر والسمع. والغُلاة اللي يقولون: الله لا موجود ولا معدوم، يقولون لِمَن أثبتَ وجود الله: أنت مشبِّه. (...) هناك قاعدة تدلُّ على نفي التشبيه المجرَّد، ولهذا يقول: (كان هذا بحسب اعتقادهم الذي يُنازعهم فيه أولئك، ثم تقول لهم أولئك: هبْ أن هذا المعنى قد يُسَمَّى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم يَنْفِهِ عقلٌ ولا سمعٌ، وإنما الواجب نفيُ ما نفتْه الأدلَّة الشرعية والعقلية). مثلًا تقول: أنا أُثبت السمعَ لله سبحانه وتعالى، وأهل التعطيل يقولون: إثبات السمع تشبيه، نقول لهم: هبْ أنَّ إثبات السمع يُسَمَّى في اصطلاحك تشبيهًا -(هبْ) بمعنى قَدِّر- قدِّر أنه يُسَمَّى تشبيهًا، فهل إذا سَمَّيته أنت تشبيهًا يجب عليَّ نَفْيُه مع أنَّ الأدلَّة أَثبتَتْه؟ لا. ولهذا يقول: (فهذا المعنى لم يَنْفِهِ عقلٌ ولا سمعٌ)، فإذا لم يَنْفِه العقل ولا السمع بلْ أثبتتْه الأدلَّة السمعية والعقلية فالواجب إثباتُه، سَمِّهِ أنت تشبيهًا أو لا تُسَمِّه. مع أننا نحن لا نُثبته على سبيل التشبيه، إذْ إنَّنا نقول: إنَّ لله سمعًا لا يشبه أسماعَ المخلوقين، وبصرًا لا يشبه أبصارَ المخلوقين، ونحن إذا رأينا في الشاهد أن السامعاتِ تختلف أسماعُها والباصراتِ تختلف أبصارُها، أليس كذلك؟ الطير في جوِّ السماء ينظر إلى الحبَّة في الأرض، وأنت لو ترقى فوق السطح تنظر إلى الحبَّة في الأرض؟! ما تنظر إلى الحبَّة في الأرض. (والقرآن قد نفى مُسَمَّى المثْل والكُفْءِ والنِّدِّ ونحو ذلك)، هذا اللي فيه المحذور أنْ تكون المشابهة مطْلقة بحيث يكون هذا كفئًا لهذا، وهذا مِثْلًا لهذا، وهذا نِدًّا لهذا. (ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مِثْل الموصوف ولا كُفُؤه ولا نِدَّه، فلا يدخل في النص) ويش هو النص؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، هذا نفيٌ للمثْل، فهل الصفة مثل الموصوف؟ لا، ليست الصفة مثل الموصوف؛ إذْ إنَّ الصفة معنًى في الموصوف وليست هي الموصوف، البَصَر هل هو العين ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، إي نعم، ولكنَّه قوةٌ في العين. والسمع ليس هو الأُذُن، لكنَّه قوةٌ في الأُذُن الظاهرة والباطنة. النُّطْق ليس هو اللسان، ولكنَّه قوةٌ في اللسان والشفتين والحلْق. وهكذا فقِس. (وأمَّا العقل فلم يَنْفِ مُسَمَّى التشبيه في اصطلاح المعتزلة) المعتزلة يرون كلَّ مَن أثبت صفةً فهو مشبِّهٌ، فكلُّ إثبات صفةٍ عندهم تشبيه، هل العقل ينفي ذلك؟ لا. (وكذلك أيضًا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسمٍ متحيِّزٍ، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات للَزِم أنْ يكون مماثلًا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه) يعني تقرير المعتزلة بأنَّ إثبات الصفات تشبيهٌ يقول: (الصفات لا تقوم إلا بجسمٍ متحيِّزٍ) هذه مقدِّمة. المقدِّمة الثانية: (والأجسام متماثلة). ويش النتيجة؟ (فلو قامت به الصفات) يعني بالله (للَزِم أنْ يكون مماثلًا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه). حطُّوا بالكم لهذا القياس الآن، هل هذا القياس صحيح؟ (الصفات لا تقوم إلا بجسمٍ متحيِّزٍ، والأجسام متماثلة) اضبط المقدِّمات لتشوف النتيجة (والأجسام متماثلة) ويش النتيجة؟ (فلو قامت به الصفات للَزِم أنْ يكون مماثلًا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه). يقول المعتزلة: إنَّ الصفات ما تقوم إلا بجسم؛ ما يمكن يكون سميع إلا وهو جسمٌ يسمع، بصير إلا وهو جسمٌ يبصر ... وهكذا. (والأجسامُ متماثلة) كلُّ جسمٍ فإنه يماثل الجسم الآخَر، ويش النتيجة؟ واحد زائد اثنين ويش النتيجة؟ ثلاثة. طيب، (الصفات لا تقوم إلا بجسمٍ)، و(الأجسام متماثلة)، إذَنْ إثبات الصفات يستلزم التشبيه، هذه النتيجة، مثْل إذا قلت: واحد زائد اثنين يكون ثلاثة، مثْل نتيجة الجمع بالضبط. هنا يقول: (فلو قامت به الصفات للَزِم أنْ يكون مماثلًا لسائر الأجسام) هذه حُجَّة مَن؟ حُجَّة المعطِّلة اللي منهم المعتزلة، (...) عليه؟ على أهل الإثبات الذين نُسمِّيهم هنا، ويش نُسمِّيهم هنا؟ الصفاتية، سواءٌ أثبتوا الجميع أو البعض. (وكذلك يقول هذا كثيرٌ من الصفاتية)، (وكذلك يقول هذا) ترى (هذا) مفعولًا لـ(يقول). (وكذلك يقول هذا كثيرٌ من الصفاتية الذين يُثبتون الصفات وينفون علوَّه على العرش وقيامَ الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك. ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأمَّا العلوُّ على العالَم فلا يصح إلا إذا كان جسمًا، فلو أثبتنا علوَّه للزم أن يكون جسمًا، وحينئذٍ فالأجسام متماثلة). فيه يا جماعة ناس يُثبتون الصفات ما هي بكلها أيضًا، وينفون علوَّه على العرش وقيامَ الأفعال الاختيارية به، مثْل الأشاعرة الآن؛ يُثبتون بعضَ الصفات، ينكرون علوَّه على العرش؛ يقولون: الله ما علا على العرش؛ يعني: ما استوى عليه. ينكرون قيامَ الأفعال الاختيارية به، الأفعال الاختيارية مثل أيش؟ طالب: الإرادة. الشيخ: لا، كالنزول إلى السماء الدنيا مثلًا، نُزوله إلى السماء الدنيا هذا فِعل اختياري، مجيئه للفصل بين العباد هذا فِعل اختياري. فهُم يقولون: ما يمكن أنَّه ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يمكن أن تقوم به الأفعال الاختيارية، لماذا؟ قالوا: لأنَّ هذه الصفات ما تقوم إلا بجسم، والأجسام متماثلة، أمَّا السمع والبصر فإنه قد يقوم بما ليس بجسم. وفي الحقيقة إنَّ قولهم: إنَّ الصفات لا تقوم إلا بجسم، وقد تقوم بغير جسم. هذا صحيح، ولهذا الآن أنا أريد أن أردَّ عليهم وعلى الأوَّلين، فنقول: قولُ الأوَّلين: إنَّ الصفات لا تقوم إلا بجسم، مردودٌ بقول الآخَرين: إنَّ الصفات قد تقوم بما ليس بجسم. ولَّا لا؟ طيب، كيف تقوم بما ليس بجسم؟ أنت الآن تقول: اليوم طويل، بدأ يطول الليل، بدأ يطول النهار. أو لا؟ وتقول: ليلٌ طويل، ونهارٌ قصير. فتصف النهارَ بالقِصَر وتصف الليلَ بالطول، الطول والقِصَر صفة، والليل والنهار جسم ولَّا غير جسم؟ الطلبة: غير جسم. الشيخ: الليل والنهار جسم؟! هذا معناه إذا جاء النهار معناه نشوف شيئًا يمشي. الليل والنهار ليس بجسم، ومع ذلك نقول: طويل، ونقول: قصير، ولَّا لا؟ فنَصِفه بالطول والقصر مع أنه ليس بجسم، فصار قولُ الأولين: إنَّ الصفات لا تقوم إلا بجسمٍ متحيِّز، صحيحًا ولَّا لا؟ غير صحيح؛ لأنَّه يردُّه الواقع. ويصير قولُ الآخرين اللي بعدهم: إنَّ الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، صحيحًا ولَّا لا؟ نعم هذا صحيح. بعدين نقول: قولهم: (الأجسام متماثلة)، كلا الاثنين يقول: الأجسام متماثلة، أو لا؟ الأولين قالوا: (الأجسام متماثلة)، وهؤلاء أيضًا يقولون: (وأمَّا العلوُّ على العالَم فلا يصح إلا إذا كان جسمًا، فلو أثبتنا علوَّه للزم أن يكون جسمًا، وحينئذٍ فالأجسام متماثلة)، صحيحة هذه المقدِّمة ولَّا غير صحيحة؟ صحيح أنَّ الأجسام متماثلة؟ الطلبة: لا. الشيخ: غير متماثلة؟ الطلبة: نعم. الشيخ: كيف؟ الأجسام ما هي متماثلة؟ ويش الفرق اللي بينها؟ طالب: (...). الشيخ: إي، الأجسام غير متماثلة بلا شك؛ لا في الكِبَر والصِّغَر، ولا في الوزن؛ بعضُها خفيف وبعضُها ثقيل، ولا في الجنس، ولا في اللون، ولا في أيش؟ طالب: ولا في الشكل. الشيخ: ولا في الشكل، اللون. المهم ليست متماثلة في أيِّ شيء من الأشياء؛ عندك حَجَر صلْب غليظ وعندك زُبدة، متماثلات؟ لا. عندك مثلًا شوك وعندك بساط ليِّن، واحد؟ لا. إذَن القول بأنَّ الأجسام متماثلة هذا مِن أبطل الأقوال، ولا يمكن أن تتماثل الأجسام، واللي يقول: الأجسام متماثلة، في الحقيقة يحسن أنَّنا نعطيه (...) على الرأس؛ لأن حقيقة الأمر أنها ما هي متماثلة، ولَّا لا؟ يعني وأنا أتعجب من هؤلاء الذين يدَّعون أنهم عُقلاء، كيف يقولون: إن الأجسام متماثلة؟! إذا قالوا: الأجسام متماثلة، نقول: بأيِّ شيء تتماثل؟ في الوجود صحيح، ولا بدَّ لكلِّ موجودٍ أن يشارك غيره في أصل الوجود. إنْ أرادوا بالتسمية؛ كل واحد منها جسم، صحيح. لكن إنْ أرادوا بالحقيقة هلْ يمكن أن تتماثل؟ لا يمكن. إذَنْ نمنع أيَّ المقدِّمتين؟ طالب: كلتاهما. الشيخ: نعم، نمنع المقدِّمة الأولى والثانية، وإذا منَعْنا المقدِّمتين انتفت النتيجة؛ لأن النتيجة مبنيَّة على ثبوت المقدِّمتين، فإذا انتفت المقدِّمتان انتفت النتيجة. إذا قلنا لهم: قولكم: إنَّ الصفات لا تقوم إلا بجسم. هذا ممنوع، عندنا برهان على مَنْعه؟ طلبة: نعم. الشيخ: مثل؟ طلبة: الليل والنهار. الشيخ: كالليل والنهار؛ يُوصَفان بالطول والقصر، ويُوصَفان بالشدَّة والرخاء؛ وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود: ٧٧]، وعَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر: ١٠]، فعلى هذا الصفاتُ تقوم بما ليس بجسم. إذا قالوا: الأجسام متماثلة. صحيحة المقدمة ولَّا غير صحيحة؟ الطلبة: غير صحيحة. الشيخ: وعندنا برهان؟ عندنا برهان؛ نقول لأيِّ واحدٍ منهم: روح المس الجدار والمس الزبد، المس القطن والمس الحجر، بينهم فرق؟ بينهم فرق. انظر مثلًا إلى الشيء الأحمر والشيء الأصفر، انظر إلى الطويل والقصير، هذه متماثلة؟ لا، قلت: غير متماثلة. إذا امتنعت المقدمتان المبنيُّ عليهما التشبيه ويش ينتفي؟ انتفت النتيجة وهي التشبيه، تمام، فلهذا يقول المؤلف: (فلهذا تجد هؤلاء يُسمُّون مَن أثبت العلوَّ ونحوه مشبِّهًا، ولا يُسَمُّون مَن أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبِّهًا، كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله)، يعني عندهم أنَّ هذا يقتضي التشبيه وهذا ما يقتضي التشبيه، اللي يُثبت العلوَّ يُثبت أنه جسم، واللي يُثبت السمع والبصر لم يُثبت أنه جسم، هذا تحكُّم بالحقيقة، ما فيه فرق. (وكذلك يوافقهم على القول بتماثُل الأجسامِ القاضي أبو يعلى وأمثالُه من مثبتة الصفات والعلوِّ). طالب: (...). الشيخ: ما أعرفه، (...). طالب: هو أبو بكر الباقلاني. الشيخ: عندك؟ طالب: نعم. الشيخ: طيب. (وكذلك يوافقهم على القول بتماثُل الأجسامِ القاضي أبو يعلى وأمثالُه من مثبتة الصفات والعلوِّ؛ لكن هؤلاء يجعلون العلوَّ صفةً خبريةً كما هو أوَّل قولَيِ القاضي أبي يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه). (يوافقهم على القول بتماثُل الأجسامِ القاضي أبو يعلى وأمثالُه من مثبتة الصفات والعلوِّ) شوف، يقولون: نحن نُثبت الصفات، ونرى أنَّ الأجسام متماثلة. لكنهم يمنعون أن تكون الصفاتُ لا تقوم إلا بجسمٍ كما مرَّ، ويجعلون العلوَّ صفةً خبريَّةً. (كما هو أوَّل قولَيِ القاضي أبي يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه). عندنا العلماء يقسِّمون الصفات إلى قسمين: صفات خبريَّة؛ بمعنى أنَّ إثباتها جاء عن طريق الخبر المحض، ويش مثل؟ يعني ما للعقل فيها مَدْخل؛ كإثبات الوجه، الوجه واليد والعين لولا أنَّ الله أثبتها لنفسه هل نُثبتها نحن؟ لا، ولا تدلُّ عليها الفطرة ولا العقل. ولهذا لو قال قائل: أتثبتون لله رأسًا؟ ماذا نقول؟ نقول: لا. لماذا لا تُثبتون؟ لأنَّ السمع لم يَرِدْ به. طيب، تُثبتون أنَّ الله يتكلَّم؟ نعم، لأنَّ الشرع والعقل يدلُّ عليه. تُثبتون أنَّ له لسانًا؟ لا، لأنه ما جاء به السمع. فالمهم أنَّ الصفات الخبرية هي ما طريقُ إثباته أيش؟ الخبر، الخبر اللي هو السمع، بخلاف العظَمة والقُدرة والعِزَّة والخلْق، هذه صفات خبريَّة عقليَّة دلَّ عليها العقل. طالب: شيخ (...) أنَّ الله له لسان، نقول: لا. (...)، ماذا نقول؟ الشيخ: ولا ننفي، لا نُثبت ولا ننفي؛ لأن هذا ما وَرَدَ به السمع لا بنَفْيه ولا بإثباته، فنقِف. طالب: شيخ، الصفات الخبرية تنقسم إلى قسمين (...) خبرية (...)؟ الشيخ: لا، الصفات تنقسم إلى قسمين: خبرية على مدار السمع، وعقلية تثبت بالعقل وبالسمع. طالب: هم يحتجُّون (...). الشيخ: لا (...)، (وكذلك يقول هذا كثيرٌ)، (كثيرٌ) هي الفاعل. الطالب: (...). الشيخ: يعني غلط، (...) غلط، (...) (هذا كثيرٌ) (...) مقول القول، (...)، (يقول هذا كثيرٌ) مقول القول بس (هذا)، و(كثيرٌ) فاعل. طالب: (...) على لسان الله. الشيخ: لا، إذا قال: على لسان الله، أولًا نقول: ما ينبغي أن تقول: على لسان الله؛ لأنَّ هذا ما ثبت لله سبحانه وتعالى، لكنَّه هو لا يريد اللسان اللي هو الجارحة، يريد باللسان القول والكلام، ومع ذلك نقول: لا تفعل؛ لأنه ما يمكن إطلاقُ اللسان على القول إلا في قول مَن له لسان، فلا تقُل: لسان الله. طالب: ربما يحتجُّون: كيف يتكلم إذا كان بغير لسان؟ الشيخ: كيف تتكلَّم الأرض تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: ٤]؟ طالب: نتوقَّف في هذا؟ الشيخ: أسألك الآن: ما هي بالأرض تحدِّث أخبارها؟ الطالب: بلى. الشيخ: طيب، وجلدُك يشهد؟ الطالب: بلى. الشيخ: يعني في رأسك لسان وفي جلدك لسان ولَّا لا؟ الطالب: ما في الجلد ذِكْر للسان. الشيخ: طيب، أليس الجلد يشهد يوم القيامة وينطق ويقول: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١]؟ أليس الحصى يسبِّح بين يدَيِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ويُسمَع؟ ولسانه؟ طالب: لسان الله؟ الشيخ: لسان الحصى. طالب: (...) ما يَلزم. الشيخ: (...) لسان. نقول: ما يَلزم من الكلام أن يكون لسان، ما هو بلازم. صارت هذه يا جماعة مسائل جزئية أرجو أنه ما يكون فيها بحث؛ لأن هذه بس مجرَّد أخْذٍ وردٍّ في الجدل، وإلا الأصل الأصيل عندنا هي القاعدة، ولهذا لا تكلِّفوا أنفسكم بالبحث في هذا، (...) أنا أعرف أنَّ آخِر الكتاب هذا أنه فيه أشياء؛ مباحث مهمَّة أصعب من هذا، فالمهمُّ أنَّ هذه المسائل الآن والمنازعات مع هؤلاء كلها في الحقيقة مبناها على ما سبق من القاعدة، لكن بس يشتركون؛ أحد يقول: اللي يُثبت هذا يصير مشبِّهًا، واللي يقول: اللي يُثبت الشيء الثاني يصير مشبِّهًا، وما أشبه ذلك، فالحاصل يا جماعة أنكم لا تهتمُّون بالمسائل اللي فيها مجادلات فقط؛ لأن المهم هو .. ويش المهم؟ القاعدة، هذا المهم. (وقد يقولون: إنَّ ما يُثبتونه لا ينافي الجسمَ كما يقولونه في سائر الصفات). يعني مَن اللي يقولون؟ يعني أبا يعلى ومَن وافقه يقولون: إنَّ ما أثبتناه لا ينافي الجسم؛ يعني وإنْ قلت: إنَّ الله جسمٌ حيث إنه اتَّصف بهذه الصفات، فلا مانع من ذلك. ونقول: إنَّ الأجسام ليست متماثلة. قال: (والعاقل إذا تأمَّل وجد الأمر فيما نَفَوْه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق، وأصْل كلام هؤلاء كلهم على أنَّ إثبات الصفات مستلزمٌ للتجسيم، والأجسام متماثلة). هذا الأصل، كل الكلام اللي يدور هنا من أخْذٍ وردٍّ يعود على هاتين النقطتين، ويش هما؟ إثبات الصفات مستلزمٌ للتجسيم، والأجسام متماثلة. ولَّا لا؟ ونحن نجيبهم بأيِّ شيء؟ بمنع المقدِّمتين جميعًا فنقول: قولُكم: إثبات الصفات مستلزمٌ للتجسيم، ليس بصحيح؛ إذَنْ قد تقوم الصفة بما ليس بجسم. وقولُكم: الأجسام متماثلة، ليس بصحيح؛ لأنها متباينة كما هو معلوم. وعلى هذا يمتنع وجود النتيجة، ويش هي النتيجة؟ التشبيه. أرجو الانتباه يا جماعة، كل الكلام الذي سبق مبني على حُجَّة وهي: إثبات الصفات مستلزمٌ للتجسيم؛ لأن الصفات عندهم ما تقوم إلا بجسم، والأجسام متماثلة. نقول لهم: نحن نمنع المقدِّمتين؛ فإنَّ إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه؛ لأن الصفات قد تقوم بما ليس بجسم. كذلك قولكم: الأجسام متماثلة، ليس بصحيح؛ لأن الأجسام متباينة، وتباينها أمرٌ ظاهرٌ لا يُشكل. وعلى هذا فلا يلزم من إثبات الصفات، ويش لا يلزمه منها؟ التشبيه؛ لأن لزوم التشبيه مبني عندكم على هاتين المقدِّمتين، وقد تبيَّن فسادُهما. (والمثبتون) للصفات (يجيبون عن هذا تارةً بمنع المقدِّمة الأولى، وتارةً بمنع المقدِّمة الثانية، وتارةً بمنع كلٍّ من المقدِّمتين، وتارةً بالاستفصال). شفت الإجابات الآن، المؤلف بيَّن لنا: تارةً يجيبون بمنع المقدِّمة الأولى، ويش هي المقدِّمة الأولى؟ إثبات الصفات مستلزمٌ للتجسيم. كيف منْعها؟ أنْ نقول: إثبات الصفات لا يستلزم التجسيم؛ لأن الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، هذا منْع المقدِّمة الأولى. وتارةً بمنع المقدِّمة الثانية، ويش الثانية؟ الأجسام متماثلة، فيقولون مثلًا كقول القاضي أبي يعلى وشبهه: هبْ أنها تستلزم التشبيه لكن الأجسام غير متماثلة، هبْ أنَّ الصفات لا تستلزم التشبيه وأنَّ الصفات لا تقوم إلا بجسم، ولكنَّنا نقول: نمنع المقدِّمة الثانية، ويش هي؟ الأجسام متماثلة. وتارةً بمنع المقدِّمتين جميعًا، وهذا الأخير هو الصحيح؛ يعني نمنع المقدِّمتين جميعًا بالدليل والبرهان. ويش المقدِّمتان؟ إثبات الصفات مستلزمٌ للتجسيم، والأجسام متماثلة. وتارةً بالاستفصال؛ فنقول مثلًا: ماذا تعني بالتماثل؟ إنْ أردتَ بالتماثلِ التماثلَ في الحقيقة فهذا ممنوع، وإنْ أردتَ بالتماثلِ التماثلَ في أصل الشيء؛ كأصل الوجود مثلًا، وأصل السمع، وأصل البصر، وأصل الكلام، وما أشبه ذلك، فهذا جائزٌ وليس فيه نقص. طالب: (...) التفصيل يعني؟ الشيخ: الاستفصال: التفصيل، إي؛ يعني نستفصل منه؛ نقول: إنْ أردتَ كذا فهو صحيح، وإنْ أردتَ كذا فهو ليس بصحيح. فنقول لهذا الرجل مثلًا: ماذا تعني بقولك: الأجسام متماثلة؟ هل تقصد متماثلة في الجسمية؛ بمعنى أنَّ كلًّا منها جسمٌ قائمٌ بنفسه؟ فهذا صحيح ولَّا لا؟ أرجو الانتباه يا جماعة، إنْ أردتَ بقولك: الأجسام متماثلة، أنها كلَّها متماثلة في مسمَّى الجسم؛ بمعنى أنَّ كل جسمٍ قائمٌ بنفسه، صحيح ولَّا لا؟ الطلبة: إي نعم. الشيخ: إي نعم؛ لأنك إنْ قلت مثلًا: هذا الكتاب جسمٌ، وهذا المسجِّل جسمٌ، وهذه (...) جسم، وهذا الإنسان جسم، كلُّها متفقة متماثلة في أيش؟ الجسمية، في كونها جسمًا. لكن هلْ هي متماثلة في الحقيقة؟ لا، فنستفصل منه؛ نقول: ماذا تعني بالتماثل؟ إنْ أردتَ كذا فحقٌّ ولا يلزم منه أيُّ نقص، فإذا أراد أنَّ الله تعالى ذاتٌ قائمةٌ بنفسها هل في هذا مانع؟ إذا قال: إنَّ الله ذاتٌ قائمةٌ بنفسها متصفةٌ بالصفات اللائقة بها، فيه مانع ذا؟ ما فيه مانع. لكن لو قال: إنَّ الله ذاتٌ تشبه ذوات المخلوقين، قلنا: قِف الآن، هذا ممتنع. طالب: (...)؟ الشيخ: نعم، صحيح. طالب: (...)؟ الشيخ: اللي هو التشبيه، أمَّا هم يُثبتون بعض الصفات كالسمع والبصر، وينفون العلوَّ بحجة أنه يقتضي التشبيه. نقول: إنك إذا تأمَّلتَ وجدتَ أنَّ ما أثبتوه مثل ما نَفَوه تمامًا. طالب: (...) كيف ذلك؟ الشيخ: يعني معناه إثباته ونفيه، فإذا كانوا ينفون صفاته الخبرية نفوا هذا. قلنا لكم: صفاته الخبرية هي ما طريق العلم بها الخبر، لا مجال للعقل فيها؛ مثل: الوجه، واليدين، والضحك، والاستواء على العرش، وما أشبه ذلك. طالب: طيب (...) صفة خبرية؟ الشيخ: إي نعم، إلا إذا قالوا: العلو على العرش اللي هو الاستواء، إذا قالوا: العلو على العرش، فمعناه الاستواء، فيكون صفة خبرية. طالب: فكأنَّ معناه صفة خبرية. الشيخ: نعم.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال: (ولا ريب أنَّ قولَهم بتماثل الأجسام قولٌ باطلٌ) وسبق بيان بُطلانه (سواءٌ فسَّروا الجسم بما يُشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركَّب من الهيولى والصورة، ونحو ذلك). يعني أنهم مختلفون في تفسير الجسم ما هو: فمنهم مَن يقول: إنَّ الجسم ما يُشار إليه، كلُّ ما يمكن أن يُشار إليه فهو جسم. ومنهم مَن يقول: إنَّ الجسم هو القائم بنفسه، القائم بنفسه هو الجسم، فأمَّا الذي يكون صفةً في غيره فليس بجسم؛ فالطول والقِصَر والقيام والقعود والبياض والسواد والحمرة جسم ولَّا لا؟ طلبة: لا، ليست بجسم. الشيخ: لأنها لا تكون قائمةً بنفسها، إنما هي قائمة بغيرها. (أو بالموجود) وهذا ما عرفتُ أنَّ أحدًا يقول: إن الجسم هو الموجود، كل موجودٍ (...) الجسم ما أدري عنه. لكنْ على كل حال اللي يُفهم من كلام شيخ الإسلام الآن أنَّ مِن الناس مَن فسَّر الجسم بالموجود، وهذا في الحقيقة ما أنا متصوِّره؛ لأنَّ مِن الموجودات .. إذا قُلنا: كل موجود فهو جسم، ما بقي إلا كل شيء يسمَّى جسمًا على هذا، حتى الصفات تسمَّى جسمًا؛ لأنها قد تكون موجودة وقد تكون معدومة. ثم قال: (أو بالمركَّب من الهيولى والصورة). معنى (الهيولى) اسم للحقيقة اللي عليها الشيء؛ مثلًا: الإنسان هيولى وصورة؛ يعني جسم غير مصوَّر وصورة أيضًا، فالهيولى اسم للشيء، والصورة اسمٌ لصفته، فيكون ما تركَّب من شيءٍ وصفةٍ فهو جسم، وما ليس كذلك فليس بجسم. مهما فُسِّر الجسم بهذه التفاسير اللي ذكرها المؤلف الأربعة: ما يُشار إليه، وقائم بنفسه، الموجود، المركَّب من الهيولى والصورة. هذه التفاسير مهما قيل: إنها هي الجسم، فإنه لا يمكن أن تكون متماثلة. قال: (فأمَّا إذا فسَّروه بالمركَّب من الجواهر المفردة وعلى أنها متماثلة، فهذا يُبْنَى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجوهر الفرد، وعلى أنه متماثل، وجمهور العُقلاء يخالفونهم في ذلك). أقول: يقول المؤلف: إذا فُسِّر الجسم بأنه المركَّب من الجواهر المفردة وأنَّ هذه الجواهر متماثلة، فهذا ينبني على أيِّ شيء؟ ينبني يقول: (على صحة ذلك، وعلى إثبات الجوهر الفرد، وعلى أنه متماثل). (صحة ذلك) ويش يعني به؟ بالتفسير؛ صحَّة تفسير الجسم بالمركَّب من الجواهر المفردة؛ لأن عندنا ثلاثة أمور الآن: تفسير الجسم بالمركَّب من الجواهر المفردة، والثاني: إثبات هذه الجواهر، والثالث: أنها متماثلة. يقول: (وعلى إثبات الجوهر الفرد، وعلى أنه متماثل، وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك). لأن الجوهر الفرد عندهم ما لا يمكن أن يتجزَّأ، كل شيء لا يمكن يتجزَّأ يسمُّونه جوهرًا فردًا، ولهذا سمَّوه بالفرد. (جوهر) ضد العَرَض، والعَرَض هو الصفة. (فَرْد) ويش معنى فَرْد؟ يعني: لا يتجزَّأ، ما يكون له أجزاء، والجوهر الفرد يقولون: إنه يمكن وجوده، وجمهور العُقلاء -كما قال شيخ الإسلام- ينكرون وجوده؛ لأنهم -الذين يقولون بوجوده- يقولون: إن رأس الإبرة جوهرٌ فردٌ؛ لأنه ما يمكن يتجزَّأ. ولكن جمهور العُقلاء -كما قال شيخ الإسلام- يقولون: أبدًا ما مِن شيءٍ له جسمٌ إلا ويمكن أن يتجزَّأ إلى أن ينتهي إلى ألَّا يكون شيئًا، فما من شيء إلا ويمكن يتجزَّأ، والآن في عالَم الذَّرَّة تبيَّن الآن أنَّه ما مِن شيءٍ له حجمٌ مهما كان صغيرًا إلا ويمكن أن يتجزَّأ، وعلى هذا فالجواهر الفردة غير موجودة. والخلاصة يا جماعة أنَّ هذا الكلام ويش المقصود به؟ المقصود به شيءٌ واحدٌ وهو بُطلان كَوْن الأجسامِ متماثلة، أيًّا فسَّرتَ الجسمَ فإنه لا يمكن أن تكون الأجسام متماثلة. وهذه التفسيرات اللي ذكرها المؤلف يقول: بعضها لا يمكن أن يوافقوا عليه؛ مثل أن يفسِّروا الجسم بأنه مركَّب من الجواهر المفردة، فيقال: إنه لا حقيقة للجوهر الفرد أبدًا، ولا يمكن يوجد. (والمقصود هنا أنهم يُطْلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيمًا بناءً على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم; كإطلاق الرافضة النصبَ على مَن تولَّى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بناءً على أنَّ مَن أحبَّهما فقد أبغضَ عليًّا رضي الله عنه، ومَن أبغضه فهو ناصبي). وهذه طبعًا دعوى، المؤلف الآن يقول: (إنهم يُطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيمًا بناءً) ويش هو عليه؟ (على تماثل الأجسام). وقد مرَّ علينا قبْلُ أنَّ هذا ليس بصحيح، وأنَّ إثبات الصفات ليس تجسيمًا، وأنَّه على فرض أن يكون دالًّا على الجسم فإنَّ الأجسام غير متماثلة. شبَّه المؤلف هؤلاء بالرافضة الذين يقولون: كلُّ مَن أحبَّ أبا بكر وعمر فإنه ناصبيٌّ، والناصبيُّ مَن نصب العداوة لعلي بن أبي طالب. لماذا؟ يقولون: ما يمكن تحب أبا بكر وعمر وتحب عليًّا أبدًا، كلُّ مَن أحبَّ أبا بكر وعمر فقد أبغضَ عليًّا فهو ناصبيٌّ، ولذلك يكونون يُبغضون أبا بكر وعمر -الرافضة- وربما يلعنونهما ويُسَمُّونها جِبْتَيْ قريشٍ، أو أنَّ واحدًا منهما الطاغوت والثاني الجِبْت -والعياذ بالله- يقولون: اللهم العنْ طاغوتَيْ قريشٍ وجِبْتَيهما وصنميْهما. كل هذا دليلٌ على خُبث الرافضة وأنهم من أجهل الناس بالأمور. قال: (وأهلُ السُّنة ينازعونهم في المقدِّمة الأولى). ويش هي المقدِّمة الأولى؟ أنَّ إثبات الصفات يستلزم التشبيه. (ينازعونهم في المقدمة الأولى، ولهذا يقول هؤلاء: إنَّ الشيئين لا يشتبهان من وجهٍ ويختلفان من وجهٍ، وأكثر العُقلاء على خلاف ذلك). (يقول هؤلاء) يعني بهم النُّفاة الذين يقولون: إنَّه إذا اشتبها في شيءٍ فلا بدَّ أن يكون التشابه مطلقًا. (وأكثر العُقلاء على خلاف ذلك) وقد بسطْنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبيَّنَّا فيه حُجَجَ مَن يقول بتماثل الأجسام وحُجَجَ مَن نفى ذلك، وبيَّنَّا فسادَ قولِ مَن يقول بتماثلها، (وأيضًا فالاعتمادُ بهذا الطريق على نَفْي التشبيه اعتمادٌ باطلٌ؛ وذلك أنَّه إذا أثبتَ تماثل الأجسام فهُم لا ينفون ذلك إلا بالحجَّة التي ينفون بها الجسم). طالب: شيخ، (إذا ثَبَتَ تماثل الأجسام). الشيخ: (وأيضًا فالاعتمادُ بهذا الطريق على نَفْي التشبيه اعتمادٌ باطلٌ؛ وذلك أنَّه إذا).. طلبة: (ثَبَتَ). طلبة: (أثبتَ). الشيخ: إي، عندنا (إذا أثبتَ). طالب: عندي (إذا ثَبَتَ). الشيخ: الظاهر أنَّ المعنى واحد؛ لأن (إذا ثَبَتَ) بناء على إثباتهم، وإلا هو ما يَثْبت في الواقع. (فهُم لا ينفون ذلك إلا بالحجَّة التي ينفون بها الجسم) وهلْ عندهم حُجَّة على نَفْي الجسم؟ لا؛ لأنَّنا لو قلنا بأنَّ إثبات الصفات يستلزم التجسيم، فإنَّه (...) أن نقول للذي يقول: إنَّ الله جسم أو: ليس بجسم، نقول: ماذا تعني بكلمة (الجسم)؟ إنْ أردتَ معنًى صحيحًا يليق بالله فهذا حقٌّ، وإنْ أردتَ معنًى باطلًا فهذا باطل. لو قال: أردتُ بالجسم ما يقوم بنفسه ويتَّصف بالصفات اللائقة به، قلنا: هذا هو الله. وإذا قال: أردتُ بالجسم ما يكون مكوَّنًا مركَّبًا من دمٍ وعظمٍ ولحمٍ ... إلى آخره، قلنا: هذا باطل، إي نعم. يقول: (وإذا ثبتَ أنَّ هذا يستلزمُ الجسمَ وثبتَ امتناعُ الجسمِ كان هذا وحده كافيًا في نفي ذلك). (إذا ثبتَ أنَّ هذا يستلزم الجسم) ويش بناءً عليه؟ بناءً على المنكرين الذين يقولون: إن إثبات الصفات يستلزم الجسمَ، والجسمُ متماثل. (وثبتَ امتناعُ الجسمِ كان هذا وحده كافيًا في نفي ذلك)، ويش لون (في نفي ذلك)؟ أي: في نفي التشبيه؛ ما دُمْنا نقول: إن الجسم ممتنع، فالتشبيه الذي بنيتَه على ثبوت الجسم يكون ممتنعًا. (لا يحتاج نَفْي ذلك إلى نَفْي مسمَّى التشبيه، لكن نَفْي التجسيم يكون مبنيًّا على نَفْي هذا التشبيه بأن يقال: لو ثبتَ له كذا وكذا لكان جسمًا، ثم يقال: والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع، وهذا ممتنعٌ عليه). كلام المؤلف في الحقيقة هذا فيه صعوبةٌ من حيث التصوُّر، لكنْ من حيث المعنى العامِّ واضح، نقول مثلًا: إنَّه يقول: (لو ثبت كذا وكذا) لنفرضْ أنَّ الكلام في الاستواء على العرش؛ لو ثبت أنَّ الله مستوٍ على العرش لَكان جسمًا، والأجسام متماثلة. يقول هذا المنكر للصفة: لو ثبت أنَّ الله مستوٍ على العرش لَزِم أن يكون جسمًا. هذا واحد، وبعد ذلك يقول: الأجسام متماثلة، وإذا كانت متماثلة وجبَ اشتراكُها فيما يجب ويجوز ويمتنع، إذا ثبت أنها متماثلة وجبَ أن يشترك الخالقُ والمخلوقُ فيما يجب ويجوز ويمتنع. (لو ثبت كذا وكذا) هذا المبهم، ويش فسَّرناه به؟ بالاستواء على العرش، لو ثبت أنَّ الله مستوٍ على العرش لَكان جسمًا، والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكها -يعني اشتراك الأجسام- فيما يجب ويجوز ويمتنع، وعلى هذا ما يجب للإنسان يجب لله، وما يجوز على الإنسان يجوز على الله، وما يمتنع على الإنسان يمتنع على الله، هل هذا ممكن؟ الطلبة: لا. الشيخ: ولهذا قال: (وهذا ممتنع عليه) ممتنع على مَن؟ على الله، إذا كان ممتنعًا على الله لَزِم أن يكون الاستواء ممتنعًا لأنه يؤدِّي إلى ممتنع، وما أدَّى إلى ممتنعٍ فهو ممتنع. وكل الكلام -الحقيقة يا جماعة- هذا فيه تكرار كثير لكنْ بعبارات مختلفة، وقد سبق أنَّنا نرجع إلى أصل القاعدة، وشيخ الإسلام ابن تيمية ليس مثل الناس الموجودين الآن؛ الذي يُنَمِّق الكلام ويتردَّد عليه مرَّتين أو أكثر، يكتبه وينتهي منه، وهو بحرٌ يتلاطم، تجد المعاني تسبق الكتابة، فيأتي بأشياء لو نُقِّحتْ لَكان نصف هذا الكتاب يكفي، فكلُّ الكلام الآن اللي مرَّ علينا كلُّه فيه شيء من التكرار بلا شك، ولكن القاعدة المهمَّة أن نرجع إلى الأصل، وهو أن مطْلق الاعتماد على نفي التشبيه ليس بصحيح، أو على إثباتٍ بلا تشبيه ليس بصحيح؛ لأن ما يقتضي التشبيه اختلف الناسُ فيه فصار بعضُهم يقول: هذا يقتضي التشبيه فيجب إنكاره، وبعضُهم يقول: هذا لا يقتضي التشبيه فلا يقتضي إنكاره. طالب: (...). الشيخ: أنَّ مطْلق .. عندك موجود بالقاعدة، ما حاجة تكتبها، موجود في أول القاعدة أنَّه لا يصح الاعتماد على الإثبات المطْلق بدون تشبيه، ولا الاعتماد على نفي التشبيه المجرَّد فقط، لأنك لو قلتَ: يجب أن ننفي عن الله كلَّ ما فيه تشبيه نفيتَ عنه جميعَ الصفات عند بعض الناسِ أو بعضَ الصفات عند بعض الناس، أو ما لا يليق به عند بعض الناس. ولو قلت: أبغي أعتمد على الإثبات وأقول: بلا تشبيه، لَزِم من هذا أن تُثبت لله ما لا يليق به وتقول: بلا تشبيه؛ لَزِم أن تقول: إن الله يأكل أكلًا لا يشبه أكلَ المخلوقين، وإن لله أُذُنًا لا تشبه أُذُن المخلوقين، ما يمكن هذا، كذا ولَّا لا؟ ولو اعتمدنا في النفي على مجرَّد التشبيه لَكُنَّا نقول: كل صفة يختلف الناس في اقتضائها التشبيه يجب أن ننفيها، وهذا أيضًا ليس بحقٍّ. وإن شاء الله بعدما ننتهي من الكلام هذا نرجع ونلخِّص الموضوع تلخيصًا بيِّنًا لأجل يتَّضح لكم. يقول: (لكن حينئذٍ يكون مَن سلك هذا المسلك معتمدًا في نفي التشبيه على نفي التجسيم، فيكون أصْل نَفْيه نفي الجسم، وهذا مسلكٌ آخَر سنتكلَّم عليه إن شاء الله). ننتظر حتى يأتي كلامه. طالب: شيخ (...). الشيخ: إي نعم. طالب: (...). الشيخ: لو ثبت كذا لَكان جسمًا، والأجسام متماثلة. هذا المثَل. (معتمدًا في نفي التشبيه على نفي التجسيم) هو يقول الآن: كل ما أدَّى إلى ثبوت الجسمية فإنه مؤدٍّ إلى التشبيه، وحينئذٍ أُنكِر كلَّ ما أرى أنه يقتضي التجسيم. (وإنما المقصود هنا أن مجرَّد الاعتماد في نفي ما يُنفَى على مجرَّد نفي التشبيه لا يفيد؛ إذْ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجهٍ ويفترقان من وجهٍ، بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب ونحو ذلك مما هو سبحانه مُقَدَّسٌ عنه فإن هذه طريقة صحيحة). واضح ياجماعة الآن؟ يقول: (مجرَّد الاعتماد في نفي ما يُنفَى على مجرَّد نفي التشبيه لا يفيد)، ويش معنى ذلك؟ يعني معناه لو قلت: أنا أبغي أنفي عن الله كلَّ ما يقتضي التشبيه. هل يكفي الاعتماد هذا؟ الاعتماد هذا ما يكفي، ليش؟ لأنه يقول المؤلف: ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجهٍ ويختلفان من وجهٍ، مثل ما سبق لنا. إنَّنا مثلًا نجد أنَّ الخالق سميعٌ وبصيرٌ والإنسان سميعٌ بصيرٌ، ونجد أنَّ الله حيٌّ والإنسان حيٌّ، وهل يلزم من الاشتباه في الاسم الاشتباه في المسمَّى؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا يلزم، وهذه أيضًا سبقت لنا في أول الكتاب. لكن على أيِّ شيءٍ نعتمد؟ نعتمد على المشابهة التي تقتضي النقص والعيب، أمَّا المشابهة التي لا تقتضيه؛ مثل أنْ يُقال: إنَّ الله حيٌّ لكن حياته لا تشبه المخلوقين، سميعٌ لكن لا يشبه سمع المخلوقين ... وهكذا، فلا بأس بهذا. (وكذلك إذا أثبتَ له صفات الكمال ونفى مماثَلة غيره له فيها فإنَّ هذا نفي المماثلة فيما هو مستحقٌّ له، وهذا حقيقة التوحيد؛ وهو ألَّا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه). طالب: (لا يشاركه). الشيخ: عندي: (لا يشركه)، والمعنى واحد. طيب، إذا أثبتَ له صفات الكمال ونفى مماثلة غيرِه له فيها، يصح ولَّا ما يصح؟ الطلبة: يصح. الشيخ: يصح، بل هذا حقيقة التوحيد. (فإنَّ هذا نفي المماثلة فيما هو مستحقٌ له، وهذا حقيقة التوحيد وهو ألَّا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكلُّ صفةٍ من صفات الكمال فهو متَّصفٌ بها على وجهٍ لا يماثله فيه أحد، ولهذا كان مذهب سلف الأُمَّة وأئمتها إثبات ما وَصَف به نفسَه من الصفات ونَفْي مماثلته لشيء من المخلوقات). بل سبق لنا أنَّ من الصفات ما يكون كمالًا في حق المخلوق ونقصًا في حق الخالق، وما يكون نقصًا في حق المخلوق وكمالًا في حق الخالق؛ وذلك لأن الخالق لا يشبه المخلوق، فالنوم والأكل والشرب والنكاح بالنسبة للمخلوق كمال؛ لأن اللي ما ينام مريض فيه عيب، واللي ما يأكل ولا يشرب ولا يتزوج كذلك فيه عيب، وبالنسبة للخالق نقْص، والتكبُّر والعظمة بالنسبة للخالق صفة كمالٍ وبالنسبة للمخلوق صفة نقْص. ومنها ما يكون كمالًا فيهما؛ في المخلوق والخالق، لكن للخالق ما هو أكمل؛ مثل السمع والبصر والقدرة والقوة، وما أشبهها. ونقصًا في الخالق والمخلوق ولكن الخالق أشدُّ تَنَزُّهًا عنه؛ مثل العجز والصمم والبَكَم والمرض وما أشبه ذلك، هذا عيبٌ في الخالق والمخلوق، لكن تَنَزُّه الخالق عنه أعظم؛ لأنه واجبٌ أن يتنزَّه عنه بخلاف المخلوق. قال: (فإن قيل: إنَّ الشيء إذا شابَهَ غيرَه من وجهٍ جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه). طالب: عندي: (إنَّ الشيء إذا شابَهَ غيرَه من وجهٍ جاز عليه من ذلك الوجه ما جاز عليه). الشيخ: يعني تقديم وتأخير عندك. الطالب: نعم، (إذا شابَهَ غيرَه من وجهٍ جاز عليه من ذلك الوجه ما جاز عليه). الشيخ: اللي عندك أحسن، واللي عندنا لا بأس به، لكن بس اللي عندك أحسن. الآن الشيء إذا شابهَ غيره من كلِّ وجهٍ فإنه يجوز على هذا المشابِه ما يجوز على المشابَه، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له، هذا إذا شابهه من كل وجه، وهذا بالنسبة للخالق والمخلوق ممتنع. إذا شابهَ غيرَه من وجهٍ دون وجهٍ، وهذا بالنسبة للخالق والمخلوق ممكن ولَّا لا؟ الطلبة: ممكن. الشيخ: ممكن، يشابهه في أصل وجود الحياة، ولكن لا يشابهه في حقيقتها، يشابهه في أصل وجود القدرة ولكن لا يشابهه في حقيقتها، وهكذا. أفلا يجوز أن نقول: إذا كان يشبهه من هذا الوجه أفلا نقول: إنه يجوز عليه من هذا الوجه ما يجوز على الخالق، ويمتنع عليه ما يمتنع على الخالق، ويجب له ما يجب للخالق؟ هذا السؤال الذي أورده المؤلف وسيجيب عنه. يقول المؤلف: (قيل: هبْ أنَّ الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثباتَ ما يمتنع على الربِّ سبحانه ولا نَفْي ما يستحقُّه لم يكن ممتنعًا). قوله: (قيل: هبْ أنَّ الأمر كذلك) يعني: قدِّر أنَّ الأمر كذلك. ويش لون (الأمر كذلك)؟ طالب: مشابهة. الشيخ: لا، يعني أنَّه إذا شابهه من وجهٍ وجب له في ذلك الوجه ما يجب للآخَر، وامتنع عليه ما يمتنع على الآخَر، وجاز له ما يجوز على الآخَر. نقول: قدِّر أنَّنا مثلًا إذا شابه المخلوقَ الخالقُ من هذا الوجه جاز للخالق ما يجوز للمخلوق، وامتنع عليه ما يمتنع على المخلوق، ووجب له ما يجب للمخلوق. (هبْ أنَّ الأمرَ كذلك) كلمة (هبْ أنَّ الأمرَ كذلك) ويش تدل عليه؟ على أنه مسلَّم ولَّا غير مسلَّم؟ الطلبة: غير مسلَّم. الشيخ: على أنه غير مسلَّم، لكن على سبيل التقدير، ولكنَّه في الواقع غير مسلَّم. اشترك الخالقُ والمخلوقُ في أصل السمع والبصر واختلفا في حقيقته، هل نقول: إنَّ هذا الأصل لَمَّا تشارَكَا فيه يجب للمخلوق ما يجب للخالق؟ لا. ليش؟ لأن المخلوق يجوز أن يعدم هذا الأصل، أو لا؟ يجوز أن يكون غير بصير وغير سميع، والخالق يمتنع عليه ذلك، أليس هكذا؟ الخالق يجب أن يكون سميعًا بصيرًا، والمخلوق لا يجب أن يكون سميعًا بصيرًا، إنما سمعه وبصره من باب الجواز الذي يمكن وجوده ويمكن عَدَمه، فتبيَّن الآن أنَّنا إذا قلنا: إنَّه يشبه هذا من وجهٍ، لا يلزم أن يتَّفقا في هذا الوجه في الوجوب والجواز والامتناع، لا يلزم، وبيَّنَّا لكم الآن وجهَ عدمِ اللزوم، لكن إذا قدَّرنا: هبْ أنَّه يلزم. فما هو الجواب؟ يقول: (ولكن إذا كان ذلك القدْر المشترك لا يستلزم إثباتَ ما يمتنع على الربِّ سبحانه ولا نَفْي ما يستحقُّه لم يكن ممتنعًا). نقول: هب أنَّه يجب ويجوز ويمتنع، لكن إذا كان هذا القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الربِّ؛ شوف: سَمْع لله، سَمْع للإنسان، اشتركا في أصل السمع، إذا قلت: إنَّ هذا الاشتراك يلزم منه إثباتُ ما يمتنع على الربِّ وهو إمكانُ عدم السمع مثلًا، هل هو ممكن بالنسبة للخالق؟ لا. فإذا قلت: إنهما اشتركا في أصل السمع، ولكن لا يجوز بالنسبة لله أن يفقد هذا السمع. قلنا: ما المضرَّة؟ هل في هذا مضرَّة إذا اشتركا في هذا القدر؟ لا. (كما إذا قيل: إنه موجودٌ حيٌّ عليمٌ سميعٌ بصيرٌ، وقد سَمَّى بعض المخلوقات حيًّا سميعًا عليمًا بصيرًا. فإذا قيل: يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهةِ كَوْنِه موجودًا حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا. قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الربِّ تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية). طالب: شيخ (...). الشيخ: عجيب! طالب: (وقد يسمِّي بعضَ عباده حيًّا سميعًا عليمًا بصيرًا. قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الربِّ تعالى). الشيخ: الظاهر أنَّ اللي عندك أحسن؛ لأن الحقيقة أن اللي عندنا: (قيل: يلزم منه) ما هي بواضحة، ولهذا حطوا عليها قوسين، شوف القوسين (فإذا قيل)، شوف (وقد سمَّى بعض المخلوقات) عندك (بعض عباده) ما يهم، (حيًّا سميعًا عليمًا بصيرًا) حط قوسًا مفتوحًا (فإذا قيل: يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهةِ كَوْنِه موجودًا حيًّا عليمًا سميعًا بصيرًا) اقفل القوس. (قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الربِّ تبارك وتعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية) صح. الآن أنا أظن أنَّ التوحيد لازم تعطونه ثلاثة أرباع طاقتكم. (...) القدر المشترك إذا لم يتضمن نقصًا في جانب الخالق فإنه ليس بممتنع، يعني اشتراك الخالق والمخلوق في أصل الصفة إذا لم يتضمن نقصًا فإنه ليس بممتنع. مثال ذلك يقول: (وذلك أنَّ القدر المشترك هو مسمَّى الوجود أو الموجود). الوجود بالنسبة للصفة، والموجود بالنسبة للموصوف؛ فمثلًا وجود الخالق ووجود المخلوق يشتركان في أصل المعنى، وهل هذا ممتنع إذا اشتركا في أصل المعنى وقلنا: إنَّ وجود الخالق يختصُّ به ووجود المخلوق يختصُّ به؟ لا. كذلك أيضًا الموجود؛ يشترك الموجود بين الخالق والمخلوق، كلاهما موجود، واشتراكهما في هذا غير ممتنع، وإنْ تشابها في هذا الأصل في أنَّ هذا موجود وهذا موجود، لكن وجود هذا يخصُّه ووجود هذا يخصُّه. مثَّل المؤلف يقول: (أو الحياة أو الحي أو العلم أو العليم أو السمع أو السميع أو البصر أو البصير أو القدرة أو القدير). يعني المؤلف ذكر الصفة، ويش بعد؟ والموصوف. (والقدر المشترك مطْلقٌ كليٌّ لا يختصُّ بأحدهما دون الآخر، فلم يقعْ بينهما اشتراكٌ لا فيما يختصُّ بالممكن المحدث ولا فيما يختصُّ بالواجب القديم). (الممكن المحدث) يعني به المخلوق، و(الواجب القديم) يعني به الله سبحانه وتعالى. (فإنَّ ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه). (...) مثلًا الاشتراك من وجهٍ دون وجهٍ، هل يلزم من الاشتراك من وجهٍ دون وجهٍ أن يكون الخالق مشابهًا للمخلوق في الوجه الذي يشتركان فيه. الطلبة: لا. الشيخ: المؤلف يقول: لا يلزم. ومثال ذلك كلمة الحياة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة؛ فإنَّ هذه الصفات صفات للخالق وصفات للمخلوق، تشترك هذه في القدر المشترك، القدر المشترك لا يختصُّ به الخالق ولا المخلوق، وإنما هو مشترك؛ لأن أصل الحياة إذا لم نفهم أنها الحياة التي وُجد أصلها بين هذا وهذا ما فهمنا معنى الحياة، لكن هل يلزم من اشتراكهما في هذا الأصل أن يتشابها؟ لا، لأن حياة هذا تخصُّه وحياة هذا تخصُّه، ولا يجوز لحياة المخلوق ما يجوز لحياة الله أو يجب أو يمتنع. (فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفةَ كمالٍ كالوجود والحياة والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك شيءٌ مِمَّا يدلُّ على خصائص المخلوقين كما لا يدلُّ على شيءٍ من خصائص الخالق؛ لم يكن في إثبات هذا محذورٌ أصلًا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لا بدَّ بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لَزِمه تعطيل وجود كل موجود). أظنُّه واضحًا، إذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفةَ كمالِ مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك، كل هذه صفاتُ كمال، اشتراك الخالق والمخلوق فيها في القدر المشترك الذي هو أصل الصفة هل هذا تشبيه؟ الطلبة: لا. الشيخ: لماذا ليس بتشبيه؟ لأن لكل واحدٍ منهما ما يخصُّه من هذه الصفة، ولأنَّنا لو لم نقل بوجود أصل الاشتراك في هذه الصفة لَزِم أن نعطِّل وجودها. إذا قلنا مثلًا: ليس لله حياة؛ لأنه لله حياة وللإنسان حياة معناه تشابها، فإذا نفيتَ الحياة هنا وقعتَ في التعطيل، إذَن لا بدَّ من إثبات حياة، وكَوْن المخلوق له حياة والخالق له حياة لا يلزم من ذلك التشبيه، مثلما أننا إذا قُلنا: للإنسان جسم، وللجبل جسم، لا يَلْزم من ذلك التشبيه. طالب: شيخ، (...). الشيخ: ما يمكن، ومن ثَمَّ ذكر المؤلف فيما سبق القاعدة هذه أنَّه ما يمكن أن تعتمد على كلمة (إثبات بلا تشبيه) في صفات الله. يعني معناه أنك إذا قلت: طريقنا أن نُثبت لله إثباتًا بلا تشبيهٍ. ما يستقيم هذا؛ لأنك قد تقول: الله يأكل لا كأكل المخلوقين، وينام لا كنوم المخلوقين. لا، ما يصلح هذا؛ لأن مجرَّد الاعتماد على الإثبات بدون تشبيه لا يصح؛ إذ المراد إثبات صفة أيش؟ الكمال، بدون تشبيه. طالب: (...) هل يقع بينهما (...)؟ الشيخ: يعني إثبات القدر المشترك بين حياة المخلوق وحياة الخالق، وسمع المخلوق وسمع الخالق ... إلى آخره هذا من لوازم الوجود؛ إذ لو نفيتَه نفيتَ وجودَ الصفة، لو نفيتَ الحي -شوف ما يمكن يقول: إن الله هو الحي؛ لأن المخلوق يسمَّى الحي- ويش معنى ذلك؟ نفيتَ وجود الحياة (...) عن الموصوف بالحياة. طالب: (...)؟ الشيخ: لا هذا بيانٌ للواقع ما هو (...). طالب: (...). الشيخ: هذا بيانٌ للواقع، إي نعم. قال (ولهذا لَمَّا اطَّلع الأئمة على أنَّ هذا حقيقة قول الجهمية سَمَّوهم معطلة) لأنه إذا أنكروا أصل (...) في المعنى فليس وراء ذلك إلا التعطيل. (وكان جهمٌ ينكر أن يسمَّى الله شيئًا، وربما قالت الجهمية: هو شيءٌ لا كالأشياء. فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا لَزِم التعطيل العام. والمعاني التي يوصَف بها الربُّ تعالى كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الربِّ عنها ليست من لوازم ذلك أصلًا) أظن هذا أيضًا يقرِّر ما سبق لكن باختلاف عبارة. المعاني التي يوصَف بها الربُّ كالحياة، ويش هي تستلزم؟ تستلزم وجود هذه الأشياء، وإلا لَكانت تعطيلًا محضًا، إنما خصائص المخلوق الذي يجب تنزيه الربِّ عنها ليس من لوازم ذلك أصلًا. فإذا قيل مثلًا: حياة المخلوق مسبوقة بعدم وملحوقة بالموت، هل هذه الخصائص في حياة المخلوق تلحق حياة الخالق؟ لا، لأن حياة الخالق تخصُّه وحياة المخلوق تخصُّه. طالب: قوله: (وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئًا) (...)؟ الشيخ: (...) شيء، إي نعم، قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ [الأنعام: ١٩]، فسمَّى الله نفسَه شيئًا. طالب: قُلِ اللَّهُ(...) الشيء أو الشهادة؟ الشيخ: (...) قُلْ أَيُّ شَيْءٍفـأَيُّ شَيْءٍيعني استفهام عن الأشياء؛ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ؟ اللَّهُ. إذَن فهو شيء، وإلا لَمَا صحَّ أن يُخبَر عن قوله: أَيُّ شَيْءٍبقوله: هو الله. طالب: (...). الشيخ: لا، قل الله أكبر شهادة. ثم قال: شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩] يعني: هو شهيدٌ بيني وبينكم؛ لأنه لو قال: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ، ما صحَّ أن يكون جوابًا لقوله: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً. (وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الربِّ عنها ليست من لوازم ذلك أصلًا، بل تلك من لوازم ما يختصُّ بالمخلوق من وجودٍ وحياةٍ وعلمٍ ونحوِ ذلك، والله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم، وهذا الموضع من فَهِمَه فهمًا جيدًا وتدبَّرَه زالت عنه عامَّة الشبهات وانكشفَ له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام وقد بسط)..