تجاوز إلى المحتوى

شرح العقيدة التدمرية - ١٣

درس صوتي · ٩٤:٤٢

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

.. والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال رحمه الله تعالى: (والحكم هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يفصِل بين الخَصمين، والحُكْم فصْلٌ بين المتشابهات علمًا وعملًا، إذا ميَّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار، فيقال: حَكَمت السفيهَ وأحكمته؛ إذا أخذت على يديه، وحَكَمت الدابة وأحكمتها؛ إذا جعلت لها حَكَمَةً، وهو ما أحاط بالحنك من اللجام، وإحكامُ الشيء إتقانُه) المؤلف يتكلم على أن القرآن مُحْكَم ومتشابه، وبعضه محكم وبعضه متشابه. (فإحكام الكلام إتقانه؛ بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سمَّاه الله تعالى حكيمًا بقوله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: ٧٦]، وجعله مفتيًا في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ [النساء: ١٢٧]؛ أي: ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هاديًا ومبشِّرًا في قوله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [الإسراء: ٩]) هذا المعنى الأول من كون القرآن محكم؛ يعني متقنًا في أخباره وفي أحكامه؛ ففي أخباره يميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وفي أحكامه يميز بين العدل والجور، والنافع والضار، هو بهذا المعنى كله موصوف بهذه الصفة أنه مُحْكَم. ثم قال: (وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله تعالى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وهو الاختلاف المذكور في قوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٨، ٩] فالتشابه هنا) الإشارة إلى أي شيء (هنا)؟ طالب: إلى (...). الشيخ: لا، (هنا) أي: التشابه العام الذي يعُمُّ القرآن. (هو تماثل الكلام وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته إذا لم يكن هناك نسخ) فإن كان هناك نسخ فقد يأمر بنقيضه؛ لأن النسخ يرفع الحكم الأول، لكن إذا لم يكن نسخ لا يمكن أن يتناقض. (وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو ثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضًا؛ فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ويفرق بين المتماثلين؛ فيمدح أحدهما ويذم الآخر، فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة، والمتشابهة هي المتوافقة، وهذا التشابه) يعني: الذي يعم القرآن كله، (يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضًا، ويعضد بعضها بعضًا، ويناسب بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضًا؛ كان الكلام متشابهًا، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضًا. فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام بل هو مصدِّق له؛ فإن الكلام المحكم المُتْقَن يصدِّق بعضه بعضًا لا يناقض بعضه بعضًا، بخلاف الإحكام الخاص فإنه ضد التشابه الخاص، والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله وليس كذلك، والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون بقدرٍ مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما). إذن التشابه الخاص، ويش معنى التشابه الخاص؟ يعني الذي وُصِفَ به بعض القرآن؛ لأن عندنا تشابهًا عامًّا، عامًّا يعني: أنه وُصِفَ به جميع القرآن، وعندنا تشابه خاص، وهو الذي وُصِف به بعض القرآن. التشابه الخاص الذي وصف به بعض القرآن بعضهم يقول: هو ما أشكل معناه، وهذا التفسير للتشابه الخاص واضح ولايحتاج إلى تعب؛ أن نقول: الإحكام الخاص بمعنى وضوح المعنى، والتشابه الخاص بمعنى اشتباه المعنى بحيث لا يعرفه لا الراسخون في العلم. الإحكام العام ويش معناه؟ بمعنى الإتقان في أخباره وأحكامه، والتشابه العام بمعنى التماثل والتناسب بحيث لا يناقض بعضه بعض، هذا التشابه العام الذي يعمُّ جميع القرآن والإحكامُ العام الذي يعم جميع القرآن. الإحكام الخاص ويش معناه؟ هو ما اتضح معناه؛ يعني: وضوح المعنى بحيث لا يشتبه، والتشابه الخاص هو اشتباه المعنى بحيث يخفى على بعض الناس، ويقول المؤلف: إنه هو أن يشابه الشيء لغيره من وجه ويخالفه من وجه آخر، فإذا كان يشابهه من وجه ويخالفه من وجه صار يخفى على بعض الناس ويقول: كيف يصير كذا وهو كذا؛ يخالف ويشابه؟ فيعجز بعض الناس عن معرفة معناه، ومن الذي يعرف معنى التشابه الخاص؟ هم الراسخون في العلم. نأتي عاد، التشابه الخاص ما دواؤه؟ دواؤه أن نرده إلى الإحكام، ولهذا قال: (والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون بقدْرٍ مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما). فصار التشابه الخاص على رأي المؤلف هو أن يشبه الشيء بعضه بعضًا مع مخالفته لبعض الوجوه، يشبه غيره من وجه ويخالفه من وجه آخر، فيختاج حينئذٍ إلى محكم يفصل بينهما، والمحكم الذي يفصل بينهما هو الذي يُرَدُّ إليه المتشابه؛ لقوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُوَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٧]. فبعدَ هذا الإيضاح من المؤلف رحمه الله يقول: (ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مُشْتَبِهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يعرف أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وُعِدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعَلِمَ العلماءُ أنه ليس مثله وإن كان مُشْبِهًا له من بعض الوجوه). إذن على رأي المؤلف يمكن أن نمثل للتشابه الخاص ويش به؟ بما وُعِدَنا به في الآخرة من الثواب، هل الرُّمان اللي في الآخرة مثل اللي في الدنيا؟ الجواب: لا، لكن بعض الناس قد يظن أنه مثله، فيشتبه عليه هذا بهذا. وكذلك أيضًا (من هذا الباب الشُّبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل حتى تشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل. والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه الشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه. فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد، وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجهٍ، فلهذا كان ضلال بني آدم من قِبَل التشابهِ، والقياسُ الفاسد لا ينضبط) يعني: أنه ضلال كثير ما يمكن ضبطه، (كما قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس؛ فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة). في الحقيقة الكلام هذا كلام جيد ومتين، وفصَّل المؤلف فيه رحمه الله أن هذا الاشتباه الذي يقع في هذه الأمور مَن الذي يعرفه من الناس؟ أهل العلم؛ الراسخون في العلم، بحيث لا يكون عندهم اشتباه في اللفظ، فيؤولون تأويلًا فاسدًا، ولا في المعنى فيقيسون قياسًا فاسدًا؛ لأن القياس -تعرفونه أظن- إلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص عليه لعلة، هذا الإلحاق قد يكون بعض الناس يشتبه عليه المعنى، فيظن أن المعنى الذي في المقيس عليه موجود في المقيس، فيلحقه به، وليس كذلك. كذلك أيضًا في الألفاظ؛ الاشتباه في اللفظ، قد يظن بعض الناس أن معنى اللفظ كذا وكذا وهو ليس كذلك، فيضل، فصار كما قال الإمام أحمد: (أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل) وهذا باعتبار الألفاظ؛ الأدلة السمعية، (والقياس) وهذا باعتبار المعاني؛ وهي الأدلة العقلية. طالب: (...). الشيخ: ويش لون؟ الطالب: يريد أن يجمع بين (...). الشيخ: هو الآن المؤلف بيتكلم على (...)، بيتكلم على الإحكام الخاص والتشابه الخاص، ويقول: إن التشابه الخاص كون الشيء مشتبهًا؛ بحيث إنه يشبه غيره من وجه ويخالفه من وجه آخر، فيظنه بعض الناس أنه مثلُه من أجل موافقته له في الوجه، أو أنه غيره من حيث مفارقته له في الوجه، فيأتي أهل العلم ويُبيِّنون أن هذا ليس هو هذا باعتبار الوجه المفارق، وأنه مثله باعتبار الوجه الموافق. ثم إن الناس يظنون في هذا الباب -في باب التشابه الخاص- هو اللي يقع فيه الضلال؛ لأن الناس منهم من يشتبه عليه اللفظ فيؤوله بتأويل ليس مقصودًا، ومنهم من يشتبه عليه المعنى فيلحق به ما ليس مثله، وهذا القياس الفاسد. ثم قال: (وقد وقع بنو آدم في عامَّة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات) ويش يعني بالكلام؟ كلام الإمام أحمد؛ أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس. يقول: (وقد وقع بنو آدم في عامَّة ما يتناوله هذا الكلام) يعني: كلام الإمام أحمد، (من أنواع الضلالات، حتى آل الأمرُ إلى من يدَّعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجودُ الرب بوجود كل موجود، فظنُّوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق). شوف هذا -والعياذ بالله- هذا من أبعد الضلال، شوف ويش لون اشتبه على هؤلاء؟ قالوا: نحن نريد أن نوحِّد، نحن أهل التوحيد، التوحيد بين.. توحيد الخالق بما يجب له؟ لا، التوحيد بين الخالق والمخلوق وجعلهما واحدًا، شوف كيف الخطأ العظيم هنا! ويش جعلوا التوحيد؟ هم يدَّعون أنهم هم أهل التوحيد والتحقيق، قالوا: نعم، إحنا اللي بنوحد، ما هو أنتم. ليش؟ قالوا: لأن التوحيد جعْلُ الأعيان واحدةً، معنى ذلك أن الخالق هو عين المخلوق، هذا التوحيد، أما أنت تقول: خالق ومخلوق، فما وحَّدت، وإنما ثنيت، أنت ثنيَّت الآن، عندما تقول: واحد اثنين؛ خالق، مخلوق، فالخالق عين المخلوق، وهذا هو حقيقة التوحيد. صحيح هذا الكلام ولَّا غير صحيح؟ غير صحيح، لكن اشتبه عليهم معنى التوحيد فأخطؤوا في فهمه، ثم فسَّروه حسب ما فهموه، فهؤلاء يقول المؤلف ردًّا عليهم: (مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء وأن يكون إيَّاه أو متحدًا به أو حالًّا فيه من الخالق مع المخلوق). أنت لو قلت مثلًا، الأخ ويش اسمك؟ طالب: بدر الدين. الشيخ: لو قلت: إن (...) هو بدر الدين، هو عين بدر الدين، وإنك إذا ضربت (...)، اللي يقول: (أحْ) بدرُ الدين، لو قيل هذا لكان أقرب إلى العقول من أن تقول: الإنسان هو الخالق. ولَّا لا؟ أو أن الإنسان هو الخالق، هو السماوات والأرض والنجوم والشمس والقمر، أيهما أبعد؟ الأول اللي إحنا قلنا: إن (...) هو بدر الدين ولَّا الثاني اللي قلنا: إن الخالق هو السماوات والأرض والمخلوق والبعير وكل شيء؟ أيهما؟ الثاني أبعد؛ لأن الأولين من جنس، وكم رأينا -مثلًا- اثنين يخرجون من بطن واحدة، وكم رأينا من اثنين متلاصقين، لكن خالق ومخلوق بينهما من التباين الكبير، اللي ما يمكن يُعقل شيء أشد تباينًا من تباين الخالق مع المخلوق، ومع ذلك اشتبه على هؤلاء الجماعة -أهل وحدة الوجود- وظنوا أن حقيقة التوحيد أن تجعل الخالق عين المخلوق، ولا شك أن هذا من أشد الظلالات والعياذ بالله. والحاصل أن التشابه الخاص -يا جماعة- الذي وُصِفَ به بعض القرآن هو مزلَّة الأقدام ومضلة الأفهام؛ هو الذي تزلُّ به الأقدام وتضل فيه الأفهام، ويُظَن فيه الباطل حقًّا والحق باطلًا، اللي هو التشابه أيش؟ طالب: (...). الشيخ: نعم؛ لأن التشابه الخاص هو خفاء المعنى بحيث يكون اللفظ مشابهًا لغيره من وجه ومخالفًا لغيره من وجه آخر، فيأتي الإنسان الخاطئ ويُلحِق ما ليس مثله بما ليس مثله ويفرق بين المتماثلين، إي نعم. ثم قال: (فمَنِ اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها حتى ظنوا وجودها وجوده فهم أعظم الناس ضلالًا من جهة الاشتباه؛ وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحدًا ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع). وبينهما فرق؟ طالب: نعم. الشيخ: الواحد بالنوع قد تتحد أمور كثيرة في نوع واحد، كلنا الآن مشتركون في نوع واحد على أننا إنسان ومن بني آدم، لكن واحد بالعين متوحِّدين ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: صحيح؟ واحد بالعين، نحن واحد بالعين؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، فيجب أن نفرِّق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع. الخالق موجود، المخلوق موجود، إذن هما في نوع الوجود متحدان، لكن في عين الموجود غير متحدين، فاشتبه على بعض الناس، اشتبهت الوحدة بالنوع مع الوحدة بالعين، فجعلوا هذا هو هذا، ومعلوم الفرق بينهما؛ بين الوحدة بالنوع والوحدة بالعين. طالب: (...). الشيخ: لا، (...) مسألة الموجودات كلها موجودة؛ كله يشترك بأن هذا موجود. لأن عندنا موجود وقسيمه معدومٌ، موجودٌ ومعدومٌ، كذا ولَّا لا؟ الموجودات تشترك في نوع الوجود لكن في أعيانها تختلف ولَّا لا؟ تختلف، ما فيه شك، تختلف اختلافًا واضحًا، إي نعم. يقول: (فلم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظُ الوجودِ مقولٌ بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدَث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات). هذا أيضًا خطأ ثانٍ؛ وهو أنهم ظنوا (...) باللفظ، ظنوا أن لفظ الوجود مشترك اشتركًا لفظيًّا، بحيث يشمل وجود الخالق ووجود المخلوق على حدٍّ سواء وإن اختلف الخالق عن المخلوق، ولكن هؤلاء أيضًا أخطؤوا؛ لأننا نعلم أن في الموجود ما هو قديم وما هو حادث. أليس كذلك؟ إي نعم. ثم قال: (وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج من الأذهان كليات مطلقة؛ مثل: وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك، فخالفوا الحسَّ والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتًا في الأعيان، وهذا كله من نوع الاشتباه). ترى هذا سبق الكلام عليه يا جماعة، أو لا؟ ما تذكرون أن بعض الذين أنكروا صفات الله قالوا: إنه يلزم إذا كان الله موجودًا أن يكون مشابهًا للموجودات؛ حيث ظنوا أن هناك وجودًا مطلقًا تشترك فيه الموجودات، فهذا الأخير يشير إلى مذهب المعتزلة اللي سبق. قال: (ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما).. (ما بينها) الظاهر، ويش عندك؟ طالب: (ما بينهما). الشيخ: (ما بينهما)؟ الطالب: نعم. الشيخ: فيها ميم وألف ولَّا (ما بينها)؟ طالب: لا، (ما بينهما). الشيخ: واللهِ يظهر أن (ما بينها) أحسن. يقول: (فرَّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينها) أي: بين الأمور، (ما بينها) صلِّحوا. (ما بينها من الجمع والفرق والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام؛ لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارِق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق). ثم أتى المؤلف بمثال فقال: (وهذا كما أن لفظ (إنا) و(نحن) وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له لا شركاء له، فإذا تمسك النصراني بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: ٩] ونحوه على تعدد الآلهة كان المحكم كقوله تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة: ١٦٣]). هذا مثال، مثلًا (إنا) و(نحن)، عندما يقول واحد منكم: نحن فاهمون للدرس، ويش يقتضي هذا التعدد ولَّا لا؟ يقتضي التعدد؛ يعني: نحن كل من في الفصل، وهذا متعدد بلا شك. عندما يقول الملك: إنا سنفعل كذا، إننا سنقتل فلانًا المجرم، يقصد هو وأعوانه ولَّا لا؟ طبعًا؛ لأنه معروف أن الملك ما هو بلازم بالسيف بيقتل هذا الرجل؛ يعني بأعوانه. يقول الله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: ٩]، يقول النصراني: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَإِنَّاجمع، نَحْنُجمع، نَزَّلْنَاجمع، إذن فالله ثالث ثلاثة، هذا اشتباه ولَّا ما هو اشتباه؟ اشتباه؛ اشتبه عليه هذا الضمير الجمع بأنه يلزم منه تعدد الآله فقال: إن الله ثالث ثلاثة. طيب نقول: عندنا آية محكمة وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]، هذه محكمة ولَّا لا؟ شوف النصراني في قلبه زيغ، فتبع أيش؟ المتشابه، والراسخون في العلم قالوا: اصبر، عندنا آية محكمة، يجب أن ترد إليها المتشابه وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. (ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدًا يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبيِّنًا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم) يعني: إذا قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، كيف قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوهو واحد؟ نقول: لأنه له من الصفات العظيمة التي تكون كل صفة بمنزلة واحدٍ، ما جعله يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، ولهذا يقول: (ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد) فالله تعالى له صفات عظيمة فهو عظَّم نفسه لما له من الصفات. (وأما حقيقة ما دلَّ عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله فلا يعلمهم إلا هو، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١]، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، بخلاف الملِك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء، فقد عُلِم أنه هو وأعوانه؛ مثل كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا به، وقد يَعْلَم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك). سدا عندك (وقد يعلم ما صدر)؟ طالب: نعم. الشيخ: طيب إذن (وقد يُعْلَم) الظاهر أحسن، (وقد يُعْلَم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته). الملك عندما يقول: أمرنا لك بكذا وكذا، قد يكون اللي أمرنا لك بعطاء، قد يكون الآمر مَن؟ وزير المالية أمر بكذا، وعرضه على الملك ووافق، فهل الملك هو الذي انفرد بالأمر به؟ لا، لكن أعوانه. أمَّا الله جل وعلا فإنه سبحانه وتعالى عندما يقول: أمرنا بكذا أو فعلنا كذا فهو بمفرده، لكن لعظمه وصفاته العظيمة جاء بصيغة التعظيم، إي نعم. فالحاصل أن المؤلف رحمه الله جاب لنا مثالًا واضحًا للمتشابه وحملِه على المحكم، المتشابه ما هو؟ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، اشتبه على من؟ على النصراني فادَّعى أن الله ثالث ثلاثة، قلنا له: المحكم وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]، فجمع إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَالعظيم صفاته لا لتعدد ذاته. قال: (والله سبحانه وتعالى لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة). صحيح؛ الملِك وبنو آدم قد يعلمون الناس حقائق ما أمر به، وأما الله عز وجل فنحن لا نعلم هذه الحقائق ولا نعلم حكمته العظيمة البالغة في أمره وخلقه. (وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين: من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: فيها أنهار من ماء، فهناك قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو ما أعده الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله). يقول: المتواطئة والمشتركة، ما أدري تعرفون الفرق المتواطئة والمشتركة؟ المتواطئة ما اتفقت في اللفظ والمعنى، والمشتركة ما اتفقت في اللفظ واختلفت في المعنى. مثلوا لي بالمتواطئة، ما اتفقت في اللفظ والمعنى، ولَّا مشتركة: ما اتفقت في اللفظ واختلفت في المعنى. يلا يا جماعة أعطوني المتواطئة والمشتركة، أقول لكم: اللفظ إذا اتفق في اللفظ والمعنى فهو متواطئ، وإذا اتفق في اللفظ واختلف في المعنى فهو مشترك. طالب: (...) مشترك في اللفظ (...) الآخرة لا يشابه (...). الشيخ: لا؛ لأن المشترك لا بد أن يختلف في المعنى أصلًا وحقيقة.. طالب: (...). الشيخ: مثل أيش؟ طالب: الحي (...). الشيخ: زين طيب، فيه يا جماعة الآن عندنا متواطئة، وعندنا مشتركة، وعندنا شيء بينهما، فمثلًا (إنسان) هذا من اللفظ المتواطئ؛ لأن (إنسان) يصدق عليَّ وعليك، وعلى الثاني والثالث والرابع، يصدق باللفظ والمعنى ولَّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: فهذه (إنسان) من الألفاظ المتواطئة؛ لاتفاق لفظها ومعناها في كل ما تضاف له، عندما أقول: فلان إنسان، وأنا إنسان، والثالث إنسان، والرابع إنسان، فهذا لفظ ويش تسمونه؟ متواطئًا. ليش؟ لاتفاق اللفظ والمعنى؛ يطلق عليَّ، وعلى الثاني والثالث والرابع على حدٍّ سواء، إذن التعدد هنا بالعين ولَّا بالنوع؟ التعدد بالعين. طيب فيه كلمة (عين) يقولون: إنها تطلق على العين هذه الباصرة، وتطلق على نبع الماء، اللي تنبع العين من الماء، وتطلق على الشمس، وتطلق على الذهب، يقال: عين. أو لا؟ طالب: صح. الشيخ: طيب، هذه تطلق على العين الباصرة وعلى العين الفوارة، اللفظ واحد والمعنى متعدد بالنوع ولَّا بالعين؟ بالنوع. ولَّا لا؟ بالنوع ما فيه شك، هذا ماء وهذه عين، وكل يسمى عينًا، هذا يُسمُّونه مشتركًا؛ اللفظ واحد والمعنى مختلف أصلًا وفصلًا. فيه كلمات مثل الحي تُطلَقُ على الإنسان وتطلق على الخالق سبحانه وتعالى، هل هي من المشترك ولَّا من المتواطئ؟ من نظر إلى أصل الحياة قال: إنها من المتواطئ، ومن نظر إلى الاختلاف والتباين بين حياة الإنسان وحياة الخالق قال: إنها من المشترك، ولهذا سماها بعض الناس مُشكِّكة؛ لتشككك الإنسان فيها هل هي من المشترك أم من المتواطئ؟ وهذه مرت عليكم في (...) في الفتوى الحموية، ولكن شيخ الإسلام رجح في الفتوى الحموية أنها نوع من المتواطئ، قال: لأن الحقيقة أننا إذا نظرنا إلى المعنى فهو متواطئ، حياة، فالاختلاف بين حياة الخالق والمخلوق في أصل الحياة ولَّا في الصفة؟ في صفة الحياة، لكن الاختلاف بين العين الباصرة والعين النابعة في الصفة ولَّا في الحقيقة؟ في الحقيقة. فصار الآن المتواطئ ويش معناه؟ ما اتفق لفظه ومعناه، والمشترك ما اتفق لفظه واختلف معناه بحيث يدل هذا على حقيقة وهذا على حقيقة. فيه شيء بينهما تكون الحقيقة واحدة ولكن الوصف أو الصفة مختلفة، بعض العلماء يقول: متواطئ، وبعضهم يقول: مشترك ومشكِّك يقول، والصحيح على ما اختاره شيخ الإسلام أنها من باب المتواطئة؛ لأن المعنى واحد لكن اختلف في الصفة، سبحانك اللهم وبحمدك (...). طالب: (...). الشيخ: هو كله غالب الحقيقة، كل اللي مضى أن غالبه متكرر، ويمكن يقدر الإنسان يحط له ضوابط هو بنفسه، أنتم تكتبون مثلًا، تلخصون هذا الشيء، يقدر يلخص الإنسان بكل سهولة ما هو بصعب. بسم الله الرحمن الرحيم، سبق أن المؤلف رحمه الله قرَّر بأن القرآن محكم ومتشابه، ويوصَفُ به كل القرآن أو بعض القرآن، وسبق أيضًا معنى الإحكام العام ومعنى الإحكام الخاص، ومعنى التشابه العام ومعنى التشابه الخاص. وذكر أن التشابه الخاص إنما يكون فيما يشبه غيره من وجه دون وجه، وأن هذا هو محل اختلاف الناس؛ فمنهم من إذا رآه موافقًا لغيره بوجه حمله عليه، ومنهم من إذا رآه مخالفًا لغيره بوجه أبعده منه. وذكر المؤلف أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة، ويكون في الألفاظ أيضًا المشتركة. ومثَّل للتشابه الخاص باستدلال النصراني على تعدد الآلهة بقول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُوما أشبه ذلك، قال: فهذا ضمير جمع، والأصل أن الجمع تعددٌ، وبيَّن رحمه الله أن هذا التشابه يحمل على المحكم؛ مثل قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة: ١٦٣]، ويكون الجمع الذي يصف الله نفسه به إشارةً إلى عظمة الله تبارك وتعالى وما له من الصفات؛ من صفات الكمال، التي تعَدُّ كل صفة كأنها شيء مستقل، فلذلك يأتي ذكر الجمع مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى. وبيَّنا نحن شرحنا لكم الألفاظ المتواطئة والألفاظ المشتركة، وأن المتواطئة هي ما اتفق لفظه ومعناه، والمشترك ما اتفق لفظه واختلف معناه، وأن من الأشياء ما يكون متواطئًا مشتركًا باعتبارين، ويسميه بعض العلماء مشككًا، وأن شيخ الإسلام حقق بأنه متواطئ لكنه نوع خاص من المتواطئ، اعتبارا بأيش؟ بالأصل، ومثَّل المولف لذلك بمثل الوجود، كلمة (وجود) هل هي من الألفاظ المتواطئة ولَّا من الألفاظ المشتركة؟ طالب: المشتركة. الشيخ: نشوف، وجود الله سبحانه وتعالى ووجود المخلوق، مختلف ولَّا متفق؟ في أصل المعنى متفق، لكن في حقيقته ووصفه لا، في حقيقته ووصفه مختلف؛ فوجود الخالق واجب، والمخلوق وجوده ممكن، ووجود الخالق وجودٌ لا عدم معه، ووجود المخلوق وجود معه عدم، إذن هل ننظر إلى اختلاف الصفة ونقول: إنه من المشترك، أو إلى أصل المعنى ونقول: إنه من المتواطئ؟ ننظر إلى أصل المعنى ونقول: إنه من المتواطئ ولكنه متواطئ على نوع خاص. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، ما يصلح؛ لأن المتواطئ قسيم للمشترك، وقسيم الشيء لا يدخل فيه. يقول المؤلف رحمه الله: وكذلك مدلول.. طالب: المشترك هو ما اتفق في اللفظ واختلف في المعنى، (...) يقول: وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، ما (...) المشترك هو ما اتفق في اللفظ واختلف في المعنى، أو ما اتفق في المعنى واختلف في اللفظ؟ الشيخ: لا، ما اتفق في المعنى واختلف في اللفظ (...)، يعني مثلًا البُر والقمح؛ اللفظ متعدد، والمعنى واحد، يسمون هذا مترادفًا، الأسد والهزبر والضرغام والضيغم؛ اللفظ هنا متعدد لكن المعنى واحد، يسمونه مترادفًا. طالب: لكن المعنى اختلف، وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ. الشيخ: وينه فيه؟ الطالب: صفحة (٥٥): وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ. الشيخ: إي، قصده هذا التتشابه اللي في القرآن ما هو بالتشابه الكلمة يعني؛ يعني: أن القرآن تختلف ألفاظه لكن لا تتناقض، فهي تتشابه من حيث دلالتها على الصدق، دلالتها على العدل، ولا يناقض بعضها بعضًا، هذا المراد بالمعنى المتفق، المتفق معناه: الذي لا يناقض بعضه بعضًا، هذا المراد بالاتفاق هنا، لا أن مدلوله واحد. ثم قال: (وكذلك مدلول أسمائه وصفاته)، هذا في الحقيقة دلالات الألفاظ على معانيها قد يتعدد اللفظ ويتحد المعنى، وقد يتعدد المعنى ويتحد اللفظ، وقد يتفقان، إذا تعدد المعنى واتفق اللفظ ويش يصير؟ طالب: تواطؤ. الشيخ: لا. طالب: مشترك. الشيخ: يسمى مشتركًا، إذا تعدد المعنى واتفق اللفظ؛ اللفظ واحد والمعنى مختلف هذا مشترك، وإذا اتَّحد المعنى وتعدد اللفظ، عكس هذا، يسمى مترادفًا، وإذا اتفق اللفظ والمعنى فهذا متواطئ، وإذا اختلف المعنى واللفظ فهذا متباين؛ مثل: إنسان وحجر، كلمة (حجر) تدل على معنى غير الإنسان، وكلمة إنسان تدل على معنى غير الحجر. فهذه أقسام الألفاظ الأربعة: متباينة، ومتواطئة، ومشتركة، ومترادفة، فالمتباينة عكس المتواطئة. أقسام الألفاظ بالنسبة للمعاني أربعة: متباينة، مشتركة، متواطئة، مترادفة، فالمتباينة تقابل المتواطئة؛ لأن المتباينة ما تعدد لفظه ومعناه، والمتواطئ ما اتحد لفظه ومعناه، المشتركة والمترادفة متقابلان؛ المشترك ما اتحد لفظه واختلف معناه، والمترادف ما اتحد معناه وتعدد لفظه. طالب: المترداف؟ الشيخ: هذا هو المترادف. الطالب: عكس المشترك؟ الشيخ: عكس المشترك إي نعم، المترادف ما تعدد لفظه واتحد معناه. طيب إنسان بشر، ويش يسمى هذا؟ طالب: ترادف. الشيخ: هذان مترادفان؛ لأن معناهما واحد، كلمة (إنسان) بالنسبة لكل واحد من الناس متواطئ؛ لأن اللفظ واحد والمعنى واحد، فهذا أقول: إنسان، وهذا أقول: إنسان، وهذا إنسان. و(عين) بالنسبة للذهب والماء النابع؟ طالب: مشترك. الشيخ: مشترك. طيب ويش بقي القسم الرابع؟ (حجر) و(إنسان) هذا متباين؛ لأن اللفظ والمعنى؟ طالب: مختلف. الشيخ: مختلف، إي نعم. يقول المؤلف: (وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها التي هي حقيقة لا يعلمها إلا هو، ولهذا كان الأئمة -كالإمام أحمد وغيره- ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه) ويش ينكرون عليهم؟ (تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله). شوفوا يا جماعة، (تأويله) (على غير تأويله)، المراد بتأويله الأول: صرف لفظه عن ظاهره؛ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، (وعلى غير تأويله) تفسيره. (كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله، وإنما ذمَّهم لكونهم تأولوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمَّهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينفِ مطلق التأويل، كما تقدم من أن لفظ التأويل يُراد به التفسير المبيِّن لمراد الله تعالى، فذلك لا يعاب بل يُحْمَدُ، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع). وهذا أيضًا معروف لنا، التأويل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، والتأويل بمعنى التفسير، والتأويل بمعنى الحقيقة، وذكرنا أن تأويل الأمر فعله، وتأويل الخبر وقوع المخبر به. (ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله؛ مثل طائفة يقولون: إنَّ التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويحتجون بقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧]، ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل، وهذا تناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلًا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقًا). في الحقيقة إذا قال لك قائل: هل التأويل مذموم ولَّا لا؟ ويش تقول؟ فيه تفصيل؛ التأويل بمعنى التفسير لا يُذَم بل يُحْمَدُ صاحبه، والتأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره أو عن المعنى الراجح، هذا هو المذموم إلا إذا قام عليه دليل، والتأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها، هذا لا أحد يتكلم فيه، ومن حاول أن يتكلم فيه فهو مخطئ؛ لأنه لا يمكن الوصول إلى ذلك. قال: (وجهة الغلط) يعني: جهة الغلط في نفي التأويل مطلقًا، فالتأويل لا يُنْفَى مطلقًا، (جهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو. وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذي يتأولونه على غير تأويله، ويدَّعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجِبُ ذلك، ويدَّعون أن في ظاهره من المحظور ما هو نظير المحظور اللازم فيما أثبتوه بالعقل). ترى هذا تكرار لأيش؟ لما سبق في قوله: إن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، وإن الذي ينفي المحبة ويثبت الإرادة يلزمه فيما أثبت نظير ما يلزمه فيما نفى. قال: (ويدَّعون أن في ظاهره من المحظور ما هو نظير المحظور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معانٍ هي نظير المعاني التي نفوها عنه، فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه؛ فإن كان الثابت حقًّا ممكنًا كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلًا ممتنعًا كان الثابت مثله). واضح هذا يا جماعة؟ طلبة: نعم. الشيخ: طيب. (وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقًا، ويحتجون بقوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحدٌ، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء)، وهذا صحيح هذا الكلام ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: هؤلاء الذين يقولون: إنه لا يمكننا أن نعلم التأويل أبدًا، على رأيهم نقول: خوطبنا إذن بشيء لا يفهمه أحد، إذا (...) مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧]، فإذن في القرآن أشياء ما يفهمها أحدٌ، أو أننا خُوطبنا بما لا معنى له. وهذا أيضًا خطأ لا يمكن، القرآن كل ما فيه فله معنى، اللهم إلا الحروف الهجائية في أول بعض السور فالصحيح أنه ليس لها معنى؛ لأنها حروف هجائية ما هي كلمة، وليست كلامًا أيضًا، فهي ليست رموزًا كما قيل، وليست لها معانٍ اللهُ أعلم بمراده بها، بل إننا حسب ما فهمنا من اللغة العربية -والقرآن باللغة العربية- أنه ليس لها معنى، ولهذا ذهب بعض السلف –كمجاهد- إلى أنها حرف هجاء ما له معنى؛ مثل: الموالر، لكن لها مغزى، ما هو المغزى؟ أن هذا القران الذي نزل وأعجزكم هو من هذه الحروف التي هي مادة لغتكم ومع ذلك أعجزكم. كذلك ربما يظن الإنسان اللي ينفي التأويل مطلقًا أننا خوطبنا بما لا يُفْهَم منه شيء، وهذا لا شك أنه نقص في القرآن، ولهذا قال شيخ الإسلام في كلام له: إن أهل التفويض.. إن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، اللي يقولون: نقرأ آيات الصفات ونفوض، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] ما نقول شيئًا، نفوض علمه إلى الله، هذا خطأ، بل نقول: الاستواء معلوم كما قاله أهل السلف. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، مثلًا الإرادة هذه سبق لنا، قلنا: إنه تكرار لما سبق، الإرادة أثبتوها أو لا؟ ما هم الأشاعرة يثبتون سبع صفات؟ أثبتوا الإرادة ونفوا المحبة، نقول لهم: إن كانت الإرادة التي أثبتموها حقًّا فالمحبة التي نفيتموها حقٌّ؛ لأنه لا فرق بينهما، وإن كان المنفي الذي نفيتموه باطلًا -وهو المحبة- كانت الإرادة باطلة، لأنهم يقولون: ما نثبت لله محبة؛ إذ المحبة ميل الإنسان إلى ما يحب، ولا يمكن أن الله يميل، الرحمة هي أيش؟ هي ضعف وانكسار يكون في قلب الراحم، والله تعالى منزَّه عن ذلك، نقول: والإرادة أيضًا هي ميل المريد إلى ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، فإن كان ما أثبتموه من الإرادة حقًّا فما نفيتموه من الرحمة والمحبة ونحوها حقٌّ، وإن كان ما نفيتموه باطلًا فما أثبتموه فهو باطلٌ؛ إذ لا فرق بينهما. طالب: (إنا) و(نحن) يتكلم بها (...) شيخ الإسلام: وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع (...)؟ الشيخ: ما فيه شيء. الطالب: (...) بسطنا؛ يعني: الجماعة؟ الشيخ: لا، هو لم يعظِّم نفسه، معروف عند النحويين وفي اللغة العربية تكون للمعظم نفسه وللجماعة. (وهذا مع أنه باطل فهو متناقض) ويش الإشارة إليه؟ الإشارة إلى نفي التأويل مطلقًا؛ لأنه قال: (وهؤلاء الذين ينفون التأويل)، (وهذا) أي: نفي التأويل مطلقًا، (مع أنه باطل فهو متناقض؛ لأننا إذا لم نفهم منه شيئًا لم يَجُزْ لنا أن نقول: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه)، صحيح، إذا كنا لا نفهم من اللفظ شيئًا هل يصح أن نقول: لهذا اللفظ تأويل لا يعلمه إلا الله؟ طلبة: لا. الشيخ: تقولون: لا، لكن يجب نقول: (لا) عن علم، لا، لا نقول: إنه له تأويلًا لا يعلمه إلا الله؛ لأننا إذا كنا لا نفهم عنه شيئًا فإنه يمكن أن يكون له تأويل ويمكن ألَّا يكون له تأويل، ويمكن أن يكون له تأويل يعلمه الله فقط، ويمكن أن يكون له تأويل يعلمه الله وغيره، أرجو الانتباه يا جماعة. إذا كنت ما تفهم عن هذا الكلام شيئًا كيف تقول: له تأويل لا يعلمه إلا الله؟! إذا قلت: له تأويل لا يعلمه إلا الله معناه أنك عرفت أن له تأويلًا، ويش بعد؟ وأنه لا يعلمه إلا الله؛ لأنك إذا قلت: (له تأويل) الجملة هنا إثبات ولَّا نفي؟ طلبة: إثبات. الشيخ: طيب، (لا يعلمه إلا الله) نفي، فحكمتَ الآن بإثبات ونفي، وأنت تقول: لا يمكن أن نفهم منه شيئًا، نقول: الآن فهمت الكلام، ويش فهمت؟ أن له تأويلًا، وأنه لا يعلمه إلا الله، والإنسان الذي لا يفهم من الشيء شيئًا لا يلزمه شيء؛ لأننا نقول: هذا اللفظ الذي أنت لم تفهمه نشوف الحصر الآن؛ إما أن يكون له معنى، أو لا يكون له معنى، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: هذا اللي أنت ما فهمت إما أن يكون له معنى، أو لا يكون له معنى، ثم إن قُدِّر له معنى فإما أن يكون معلومًا لكل أحد، أو مجهولًا لكل أحد، وعلى تقدير أنه معلوم فهل يكون معلومًا لأحد أو لله وحده؟ أليس كل هذه الاحتمالات واردة؟ طالب: بلى. الشيخ: فالذي يقول: له تأويل لا يعلمه إلا الله، يكون فهم منه شيئًا ولَّا لا؟ نعم يكون فاهمًا شيئًا، فهم الآن أن هذا اللفظ له تأويل، وأن تأويله لا يعلمه إلا الله. فإذن تناقض هذا؛ كونه يقول: إن ما نفهم شيئًا، ثم يقول: له تأويل لا يعلمه إلا الله، هذا تناقض، ووجهُ التناقضِ الحصرُ الذي أشرت إليه؛ لأننا نقول: هذا اللفظ الذي تقول: إنه لا يُفْهَم منه شيء -وهذه نقطة مهمة؛ لأنها مفيدة جدلًا- هذا الذي لا تفهم منه شيئًا؛ إما أن يكون له معنى، أو لا، حصر هذا ولَّا لا؟ هل فيه قسم ثالث غير ذا؟ لا، وإذا قُدِّر أن له معنى؛ فإما أن يكون هذا المعنى معلومًا أو مجهولًا، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: فيه قسم ثالث؟ لا، إذن حصر، وإذا قُدِّر أنه معلوم؛ فإما أن يكون معلومًا لكل أحد، أو لا يعلمه إلا الله، ولَّا لا؟ فيه قسم ثالث؛ أنه ما يعلمه ولا اللي نزله؟ ما يمكن هذا. طيب إذن أنت الآن حكمت بأن له معنى، وأنه لا يعلمه إلا الله، فقد فهمت منه شيئًا، وإلا لو كنت لا تفهم ما حكمت هذا الحكم؛ إذ إن الذي لا يفهم يقول: ما دام تحتمل هذه الاحتمالات الستة يجب ألا أتكلم به، فالآن أنت حكمت عليه، والحكم على الشيء يكون فرعًا عن تصوره. يقول المؤلف مبينًا ذلك: (وهذا مع أنه باطل فهو متناقض؛ لأننا إذا لم نفهم منه شيئا لم يَجُزْ لنا أن نقول له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافق الظاهر؛ لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر، فلا يكون تأويلًا). والكلام مثلما قلنا في الأول سبق، التقسيم قصدي، قسِّم حتى تنحصر الأقسام، وحينئذٍ يتبين لك الموضوع. (ولا يجوز لمن نفى دلالته على معانٍ لا نعرفها على هذا التقدير). طالب: (ولا يجوز دلالته على معانٍ لا نعرفها على هذا التقدير) (نفي دلالته) ما فيه (نفي). الشيخ: (ولا يجوز نفي دلالته على معانٍ لا نعرفها) لا، الظاهر اللي عندك أحسن. طالب: ولا يجوز.. الشيخ: (دلالته على معانٍ لا نعرفها على هذا التقدير) يعني: على تقدير أنه غير مفهوم لنا، إذا قدَّرنا أنه غير مفهوم لنا فإنه لا يجوز أن نقول: إنه دالٌّ على معانٍ لا نعرفها؛ لأن اللي يقول: إن له معنى لا يعلمه إلا الله، ويش يقول؟ إنه دل على معانٍ لكنها ليست معروفة، وهو إذا كان مفهومًا لا يمكن أن نقول: هذا على تقدير أنه ليس بمفهوم. طيب إذن اللي عندك يكون أحسن: (ولا يجوز دلالته).. طالب: (نفي) أشطب عليها؟ الشيخ: (نفي) أشطب عليها. (ولا يجوز دلالته على معانٍ لا نعرفها على هذا التقدير؛ فإن تلك المعاني التي دلَّ عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأننا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلئلا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى؛ لأن إشعار اللفظ بما يُراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به). كل هذا في الحقيقة كلام جيدٌ ورصين لكن يحتاج إلى تأمل، فأنتم يجب أن تتأملوه أولًا، والآن نشرح هذا المعنى، نقول: تلك المعاني التي دلَّ عليها قد لا نكون عارفين بها، ويش يقابل هذا التقسيم؟ وقد نكون عارفين بها، ولكن إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله -على زعمهم أن في القرآن ما ليس يمفهوم، وأن التأويل منتفٍ- إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلئلا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى، إذا صار أنك ما تفهم اللفظ ولا تفهم معناه فالمعاني اللي ما دلَّ عليها أولى أن تكون مجهولة عندك؛ لأنه ما دام أن اللفظ الآن لا تفهمه ولا تفهم معناه المراد منه، فكيف تفهم شيئًا لا يدل عليه اللفظ؟! فامتناع فهمِ ما دلَّ عليه اللفظ دليل على امتناع فهم ما لم يدل عليه. لماذا؟ قال: لأن إشعار بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، وهذا معنى صحيح، كلام معقول. طالب: كيف لأن إشعار اللفظ..؟ الشيخ: إشعار اللفظ بما يراد به؛ يعني: دلالته على ما يراد به أقوى من دلالته على ما لا يراد به، فإذا كنت الآن تقول: له معانٍ لا يعلمها إلا الله مع أن اللفظ ذو معنى، فأنت الآن ادعيت أنك تعلم شيئًا يخالف الظاهر، وحكمت عليه بأنه لا يعلمه إلا الله، فنفيت دلالة اللفظ الذي يشعر بها اللفظ، وأثبت دلالة لا يشعر بها اللفظ، هذا كلام المؤلف. يقول: (فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني ولا يُفْهَم منه معنى أصلًا؛ لم يكن مشعرًا بما أريد به؛ فلئلا يكون مشعرًا بما لم يُرَدْ به أولى، فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ متأول بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلًا عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله). رحمه الله، جيد جدًّا هذا، الكلام ويش هو عليه؟ خلاصة القول الآن يا جماعة، خلاصة القول الذي أريد أن تفهموها، ويمكنكم أن تحللوا ألفاظ المؤلف إليها: أن الذين ينكرون التأويل مطلقًا، ينفون التأويل مطلقًا، مخطئون ولَّا مصيبون؟ مخطئون؛ لأنهم ينفون التأويل، ثم يتناقضون فيقولون: إن لهذه الألفاظ تأويلًا لا يعلمه إلا الله. نقول لهم: كيف تقولون: إنكم لا تفهمون الآن المتشابه، ثم تدَّعون أن له تأويلًا لا يعلمه إلا الله؟ هذا خلاف المعقول تناقض؛ لأن من حكم بأن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله فقد أثبت لها فهمًا، أثبت أنها مفهومة، لكنه حملها على أمرٍ لا يدل عليه لفظها؛ حيث قال: إنه لا يعلمها إلا الله، فنقول له: إذا كان أنك ترى أن التأويل منتفٍ فيكيف تقول: إن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله؟! لأنك إذا كنت غير عالم به، فكيف تحكم بأنه معلوم ولا يعلمه إلا الله؟! فإن هذا من التناقض البيِّن. قال: (اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق)، إذا أراد هذا التأويل ونفى التأويل مريدًا به هذا المعنى، فكلامه صحيح ولَّا باطل؟ إذا قال: أنا أقول: آيات الصفات ليس لها تأويل بمعنى أنه لا يُراد بها ما يختص بالمخلوق، نقول له: كلامك صحيح، كلامك حق؛ لأن هذه الآيات لا يُراد بظاهرها ما يختص بالمخلوق. (فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لا بد وأن يكون له تأويل يخالف ظاهره، لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها؛ كانوا متناقضين)، لأنه كيف يقول: إن لها تأويلا لا يعلمه إلا الله ثم يقول: تُجْرى على خلاف الظاهر؟! هذا أيضًا تناقض، إذا كان أنك تقول: لها تأويل لا يعلمه إلا الله فلا تقل: تُجْرَى على خلاف الظاهر؛ إذ إنه من الجائز أن يكون ظاهرها هو التأويل الذي يعلمه الله، فكيف تنفي؟! هذا تناقض، ولكن الظاهر أننا نتكلم معكم وكأننا عجم بين عرب، أو عربي بين عجم، أنا أتصور أنكم ما فهمتم. طالب: إذا قال: أنا لا أثبت.. لا أقول: لها تأويل، ولكن أقول: لها تأويل لا يعلمه إلا الله (...). الشيخ: لا، ليس لها مفهوم ما هو تأويل، ثم يقول: لها تأويل لا يعلمه إلا الله، نعم نقول: هذا تناقض واضح؛ لأنه إذا قال: إنها غير مفهومة لنا، فكيف يقول: إن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله؟! لأن اللي يثبت لله التأويل معناه أنه (...)، وعارف أنها ما تدل على هذا المعنى، فإذا كان يعرف أنها ما تدل على هذا المعنى وإنما تدل على معنى لا يعلمه إلا الله، فهي مفهومة عنده. طالب: يعني الآن فسروا (...)؟ الشيخ: لا، ما (...) هذا اللفظ يقول: له تأويل ما يعلمه إلا الله، ويش له تأويل ما يعلمه إلا الله؟! هو كلام مراد به غير ظاهره؟ فإذا قال: له تأويل لا يعلمه إلا الله عرفنا قلنا: أنت الآن تناقضت، تقول: (...) نفهم، والآن تقول: لها تأويل لا يعلمه إلا الله، إذن معناه أنك فهمت أنك لو أجريتها على ظاهرها لكان ذلك باطلًا، ولهذا قلت: لها تأويل لا يعلمه إلا الله، فأنت متناقض، إلا أن المؤلف يقول: إذا أراد بالتأويل المخالف للظاهر ما يختص بالمخلوقين فهذا حق، لكنهم لا يريدون ذلك، هم يريدون بالتأويل الذي لا يعلمه إلا الله يريدون المعنى الحقيقي، ولهذا ينكرون المعنى الحقيقي. قال: (فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لا بد وأن يكون له تأويل يخالف ظاهره)، ويش قصده (أن من أراد بالظاهر هذا)؟ يعني: ما يختص بالخلق، فلا بد أن يكون له تأويل يخالف ظاهره، لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجرى على المعاني الظاهرة منها؛ كانوا متناقضين. لكن إذا قال هؤلاء، وهل قالوه؟ لا، ما يقولونه، هم لا يقولون ذلك بل يقولون: إن لها معنى يخالف الظاهر لا يعلمه إلا الله. (وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهناك معنى في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسًا) يعني: إن أرادوا بالظاهر ما يختص بالمخلوق في موضع، وأرادوا بالظاهر المعنى الذي يليق بالله في موضع، ثم نفوا الظاهر مطلقًا؛ صاروا ملبسين؛ لأن الواجب التفصيل. (وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ -أي: تجرى على مجرد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه- كان إبطالهم التأويل أو إثباته تناقضًا) مثلما قلنا قبل قليل، (لأن من أثبت تأويلًا أو نفاه فقد فهم معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب). طالب: شيخ، عندي (وإن أراد بالظاهر مجرد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه). الشيخ: بس (أي: تجرى) توضيح، هي ما هي ضرورية ولا زائدة، الله يعيننا وإياكم، ولهذا الكتاب هذا جيد الحقيقة كلام شيخ الإسلام في باب الجدل. طالب: لكن صعب.. الشيخ: صعب لكن (...).

القاعدة السادسة: في ضابط ما يجوز لله ويمتنع عنه نفيا وإثباتا

٠١:١٤:١٢

(القاعدة السادسة: أن لقائل أن يقول: لا بد في هذا الباب من ضابط يُعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات؛ إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد؛ وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميِّز). هذا في الحقيقة المؤلف جاء به بصيغة الاستفهام، يقول مثلًا: هل هناك ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في باب النفي وفي باب الإثبات؟ لأنك لو تقول: أنا أثبت من غير تشبيه، وأنا أنفي من غير تعطيل، ما يكفي هذا، لو قلت: أثبت لله كذا من غير تشبيه، ما يصلح، كذلك أيضًا في النفي لو أنك قلت: أنا أنفي عن الله التشبيه وأطلقت، ما يكفي هذا، ولهذا يقول: (إذ الاعتماد في هذا الباب) أي: باب الأسماء والصفات، (على مجرد نفي التشبيه أو مجرد مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد؛ وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز). وهذا صحيح، قدر مشترك، مثلًا الحياة لله والحياة للإنسان، هذا قدر مشترك، قدر مميز: أن حياة الله سبحانه وتعالى كاملة ليس فيها نقص، وحياة الإنسان ناقصة، هذا القدر المميز. طالب: (...). الشيخ: الباب باب الأسماء والصفات. (فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسَّرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له).

شوف يقول: عندنا نفي وعندنا إثبات، قال لقائل أن يقول: إن الاعتماد على مجرد نفي التشبيه أن تقول: إن الله لا شبيه له، لا يكفي هذا في الواقع؛ لأنه ويش معنى (لا شبيه له)؟ هل معناه أنه لا يوجد له أحدٌ مشارك له في كل أسمائه ولو في أصل المعنى؟ قطعًا لا. هل تريد أنه ليس له مشابه من كل وجه؟ طبعًا لا؛ لأن فيه مشابهة من وجه دون وجه؛ أصل المعنى متفق ولكن حقيقة هذا المعنى بالنسبة لله ولغيره مختلفة. يقول: (فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه) قال: أنا أنفي هذا؛ لأنه تشبيه، ما يكفي هذا الاعتماد؛ لأن الذين ينكرون الاستواء لماذا ينفونه؟ يقولون: إنه تشبيه، والذين ينكرون اليد لله سبحانه وتعالى، يقولون: ننكرها؛ لأن إثباتها تشبيه، وهكذا. إذن لا يكفي أن نقول: لصحة الاعتماد على مجرد التشبيه؛ لأن كل نافٍ ينفي شيئًا يدَّعي أن إثباته تشبيه، ولهذا يقول: (إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل) يعني: إن أردت بقولك: إن هذا تشبيه فأنفيه أنه مماثل لله من كل وجه؛ فهذا باطل، والمثال -كما قلت- مثل لو قال: أنا أنكر أن لله يدًا فإن إثباتها تشبيه، نقول: إن أردت أن ذلك تشبيه للخالق بالمخلوق من كل وجه فهذا باطل، ولَّا لا؟ لأنه لا يقتضي إذا كان لله يدٌ وللإنسان يد أن يكون مشابهًا له من كل وجه، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الإثم لزمك هذا في سائر ما أثبته. طالب: ما تثبته. الشيخ: ما يخالف، ما تثبته، إذا قلت: أنفي اليد؛ لأنها مشابهة لله، وأردت أنه مشابه لله من وجه دون وجه، أو أن المراد بالمشابهة المشاركة في الاسم، قلنا له: هذا التشبيه الذي اعتمدت في نفي اليد عليه يلزمك فيما تثبته، ويش هو مثبت هو؟ يثبت القدرة مثلًا، يثبت الحياة، يثبت العلم، كما مر علينا فيمن يثبت سبع صفات. نقول: إذا كان أنك تقول: أنا أنفي هذا؛ لأن فيه تشبيهًا من وجه دون وجه، إحنا نقول: إذن يجب عليك أن تنفي القدرة، وأن تنفي الإرادة، وأن تنفي العلم، وأن تنفي الحياة؛ لأن في ذلك مشابهةً من وجه دون وجه، أو مشاركة في أيش؟ في الاسم دون الحقيقة، فصار الآن الاعتماد على مجرَّدِ نفي التشبيه في تنزيه الله صحيح ولَّا غير صحيح؟ طالب: غير صحيح. الشيخ: الاعتماد؛ إذا قال قائل: أنا باعتمد في كل ما أنفيه عن الله على نفي التشبيه، وأقول: أنفي ذلك نفيًا لتشبيه الله بالخلق، نقول له: إن أردت بالمشابهة التي نفيتها واعتمدت في نفي هذه الصفة عليها المشابهةَ من كل وجه هذا باطل، ويش معنى باطل؟ أنه ما يمكن المشابهة من كل وجه، المشابهة من كل وجه ما (...)، وإن أردت المشابهة من بعض الوجوه أو أردت المشاركة في الاسم دون الحقيقة، قلنا له: إذن يلزمك أن تنفي ما أثبته؛ لأن ما أثبته يتضمن التشبيه من وجه دون وجه، أو المشاركة في الاسم دون الحقيقة. ثم قال: (وأنتم) يخاطب من؟ الذين ينكرون ما ينكرون اعتمادًا على نفي التشبيه، (أنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له). هذا التشبيه اللي عند هؤلاء يقولون: التشبيه والتماثل أن يكون الشيئان المتماثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له، هذا معنى المماثل، هذا الشيء مماثل للشيء. ويش معنى مماثل له؟ أنه يجوز عليه ما يجوز عليه، يمتنع عليه ما يمتنع عليه، يجب له ما يجب له. إذن المماثلة بين الخالق والمخلوق بهذا المعنى هل تمكن ولَّا ما تمكن؟ لا تمكن، حتى عندهم ما تمكن، ما داموا (...) التماثل بهذا؛ لأن التماثل كون الشيئين متماثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع على الآخر، ويجب له ما يجب للآخر، هذا شيء لا يمكن، ولا يتصور وجوده على هذا.. أرجو الانتباه، لأنه -مثلًا- يجوز على الإنسان الموت ولا يجوز على الله، يمتنع على الإنسان الدوام ولا يمتنع على الله، يجب لله الكمال ولا يجب للإنسان، فكيف يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق بمجرد إثبات يدٍ حقيقة لله عز وجل؟! إذن نقول لهؤلاء الذين يعتمدون في نفي ما نفوه من الصفات على مجرد نفي التشبيه، ويش نقول لهم؟ إن أردتم المشابهة من كل وجه فهذا باطل؛ لأنكم تفسِّرون المشابهة والتماثل بأنه يجوز على المتماثلين ما يجوز على الآخر، وما يمتنع عليه، وما يجب له، وهذا شيء مستحيل، وإن أردتم المشابهة من وجه دون وجه فأنتم تثبتون لله بعض الصفات، وذلك مشابهة من وجه دون وجه أو مشاركة في الاسم، فعليه يلزمكم الآن ألا تعتمدوا على مجرد نفي التشبيه. لماذا؟ لأن المشابهة من جميع الوجوه ممتنعة ولَّا لا؟ ممتنعة، حتى عندكم؛ إذ الشبيه عندكم هو الذي يجب له ما يجب للآخر المشابه، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجوز عليه ما يجوز عليه، وهذا شيء ممتنع، وإن أردتم بالتشبيه الذي نفيتموه المشابهة من وجه دون وجه أو المشاركة في الاسم دون الحقيقة فأنتم قد أثبتم هذا التشبيه فيما أثبتموه من الصفات، أثبتم هذا التشبيه وأقررتم به فيما أثبتموه من الصفات إذا قلتم: إن هذا هو التشبيه الذي اعتمد في نفي الصفات عليه. طيب الإنسان اللي بيعتمد في نفي الصفات عن الله على مجرد التشبيه هل هذا الاعتماد صحيح ولَّا غير صحيح؟ الجواب غير صحيح. لماذا؟ أولًا: إذا قصد بالتشبيه التشبيه المطلق من كل وجه فهذا باطل، ولا يمكن أن يكون. لماذا؟ لأنهم يفسرون المماثل أو المشابه بأنه ما يجوز عليه ويجب ويمتنع مثلما ما يجوز على الآخر ويجب ويمتنع، وهذا شيء مستحيل، حتى لو أثبت (...) لله ما تحقق ذلك. الوجه الثاني: أنك إذا أردت بالمشابهة التي نفيتها المشابهة من وجه دون وجه فإننا نقول: هذه المشابهة في الواقع أنت قد أثبتها؛ لأنك أثبت بعض الصفات، فيلزمك بما أثبت أن تكون مشبِّهًا؛ لأنك أثبت لله حياةً وعلمًا وقدرةً، إلى آخره. (ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول) (أن إثبات التشبيه بهذا التفسير) ويش يعني بالتفسير؟ أن نقول: إن المتشابهين هما الذان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع، ويجب له ما يجب، إثبات التشبيه بهذا التفسير لا يقوله عاقل أبدًا، ما أحد يقول: إن الله سبحانه وتعالى مشابه للمخلوق بهذا المعنى، هذا ما أحد يقوله، أليس كذلك يا جماعة؟ هل أحد يقول: إن الله مشابه للمخلوق في أنه يجب للمخلوق ما يجب لله، ويمتنع عليه ما يمتنع على الله، ويجوز عليه ما يجوز على الله؟ لا، لا يقوله عاقل يتصور ما يقول. (فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة، ولكن من الناس من يجعل التشبيه مُفَسَّرًا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبِّه، ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس من التشبيه). نعم، من الناس من يفسِّر التشبيه بمعنى آخر، لأنه عرفنا أن التشبيه بالمعنى الذي قالوا ممتنع ولَّا لا؟ طالب: ممتنع. الشيخ: ولا أحد يقوله مثلما، قال حتى المعتزلة والجهمية وجميع المبتدعة وأهل السنة ما يقولون بالتشبيه الذي هو التماثل؛ حيث يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ما أحد يقوله. ويش بقينا؟ بقينا بالنتشبيه الآخر الذي ينفونه بحيث يشبهه من وجه دون وجه؛ فهنا من الناس من يجعل هذا التشبيه ممتنعًا، فينكر من أجله الصفات، ومن الناس من ينازعه ويقول: ليس هذا من التشبيه الممتنع، والمثال الإرادة، إذا قال المعتزلة: إثباتها من التشبيه ولَّا لا؟ المعتزلة يقولون: إثباتها من التشبيه، فينكرونها، والأشاعرة يقولون: إثباتها ليس بتشبيه، فلا ينكرونها. الرحمة يقول الأشعرية: إثباتها تشبيه، فينكرونها، ويقول أهل السنة: ليس بتشبيه، فيثبتونها، أليس كذلك؟ إذن كل ما يصلح تشبيهًا دون المعنى الأول اللي هو التماثل، كل من ادَّعى تشبيهًا فإنه ينازَع فيه، ولهذا ادعت المعتزلة أن إثبات الإرادة تشبيه، من نازعهم؟ الأشاعرة، طبعًا وأهل السنة معروف، ادعت الأشاعرة أن إثبات الرحمة تشبيه، من نازعهم؟ نازعهم أهل السنة. ففهمنا الآن أن الاعتماد في تنزيه الله عن الصفات التي يُنَزَّه عنها، الاعتماد على مجرد نفي التشبيه اعتمادٌ صحيحٌ ولَّا غير صحيح؟ غير صحيح. وجه ذلك: لأنه إن أُريد بالتشبيه التشبيه المطلق الذي هو تساوي المتشابهين فيما يجب ويجوز ويمتنع، إن أريد به هذا فهذا باطل لا يقوله عاقل، ما أحد يقوله ولَّا لا؟ لا المثبتة، ولا النافية، ما أحد يقول هذا. وإن أريد بالتشبيه التشبيه من وجه دون وجه أو المشاركة في الاسم دون الحقيقة، إن أريد به هذا فإنه لا يصح الاعتماد عليه. لماذا لا يصح الاعتماد عليه؟ لأن من يدَّعي أن هذا تشبيه ينازعه فيه غيره؛ فهو إذا قال: هذا تشبيه، فيجب أن أنكر هذه الصفة، قال له المثبت: لا، ليس هذا بتشبيه، فلا يجوز الإنكار، وألزمه أيضًا المثبتُ، ألزمه أن ينكر ما أثبته هو. والمسألة واضحة، ما هي إلا شِبْه تكرارٍ لما سبق لكن بعبارة أخرى، وإحنا الآن ضربنا مثلًا بصفتين من صفات الله: الإرادة والرحمة؛ قلنا: الإرادة أثبتها الأشاعرة وأنكرها المعتزلة، والرحمة أثبتها أهل السنة وأنكرها من الأشاعرة، ترى هذا المثال اللي مثَّلنا هو الذي يتضح به المعنى، الإرادة أنكرها المعتزلة؛ لأنهم يزعمون أن إثباتها تشبيه، أهل السنة والجماعة (...)، الأشاعرة أنكروا الرحمة؛ يزعمون أن إثباتها تشبيه، نقول: لا، إذا قلت أيها الأشعري: إن إثبات الرحمة تشبيه، قلنا لك: وإثبات الإرادة تشبيه، كما قاله من؟ المعتزلة، المعتزلة يقولون: الإرادة تشبيه، فيجب عليك أن تنكرها، وطبعًا إذا قال: لا أنكرها؛ لأن العقل دلَّ عليها، قلنا له: والرحمة أيضًا العقل دلَّ عليها، معروف هذا، فالمهم أننا يجب أن نعرف أن الاعتماد على مجرد نفي التشبيه ما يصح. أيضًا لو اعتمدنا -يا جماعة- على مجرد نفي التشبيه لَكُنا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يمرض ولكن ليس كمرض المخلوقين، ونجيب كل صفة ونقول: ليست كصفة المخلوقين، ولَّا لا؟ لو جعلنا المناط -مناط الحكم والمقياس- هو نفي التشبيه لكنا نثبت لله ما شئنا من الصفات ونقول: بدون تشبيه..