تفسير سورة العنكبوت - ١٤
درس صوتي · ٩٢:٢٠
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْيقول المؤلف: (لام القسم)، هي لامُ قسمٍ وشرط، (إن) شرطية، واللام لام القسم، وإنَّما ذكر المؤلف ذلك لئلا يُظَنَّ أن قوله: لَيَقُولُنَّجواب الشرط، وهي ليست جواب الشرط، بل هي جواب القسم. سَأَلْتَهُمْأي: الكفار الذين لا يقومون بتوحيد الألوهية، هم يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، لكن لا يقِرُّون بتوحيد الألوهية والعبادَة، والخطاب في قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْإمَّا أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل مَن يتَأَتَّى خطابُه، أي: ولئن سألتهم أيها الإنسان، سألت هؤلاء الكفار: مَن خلق؟ هذا السؤال: مَن خلق السماوات والأرض؟ خَلق بمعنى أوجَد، لكن الخلق ليس بمعنى الإيجاد المجَرَّد، بل هو إيجَادٌ على تقْدِير معين، أي أنَّه يكون مسبوقًا بتقدير، ولذلك لا يكون إلا فيما فيه إتقَان وجوْدَة. وقوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَتقدمت هذه كثيرًا، وقلنا: إنَّ السماوات تُجمَع دائمًا في القرآن، والأرض ما جاءت إلا مفردة، ولكن الثابت أنَّ الأرضين سبع كما أنَّ السماوات سبع. وقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، سَخَّرَبمعنى ذَلَّل، ذَلَّلَ الشمس وجعلَها مذَلَّلَةً لِمصالح العباد، تسِيرُ بهذا النظام الذي لا يختَلف ولا يتغَيَّر، لا تقَدُّمًا ولا تأَخُّرًا، ولا عُلُوًّا ولا نزُولًا.
لو أنَّك تدبرْت هذه الشمس منذ مَيَّزْتَ إلى اليوم لرأيتَها على نظامٍ بدِيع لا يتغَيَّر على عظمِها وكِبَرِها، ثم إنَّ فيها من آيات الله هذه الحرارة العظيمة، كم مسافةً بيننا وبينها؟ مسافة بعيدة جدًّا، ومع ذلك انظروا إلى حرارتها في أيام الصيف، الحرارة العظيمة، وهذه الحرارة العظيمة ما هي إلا نفَسٌ بسِيطٌ مِن نار جهنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّها فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، وَنَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ» . هذه الحرارة العظيمة يقول الناس: إن حرارَتها لو قرُبَ منها أقْوَى حديد وأمنَع حديد لطارَ هباءً قبل أن يصِلَ إليها مِن شدة الحرارة، وهذا أمرٌ معلوم؛ لأنه لو تُوقِد نارًا عظيمة مِن أبلَغ نيران الدنيا هل تجِدُ هذه الحرارة فيها من هذه المسافة؟ أبدًا، ثم إنَّ هذه الشمس كلَّ يومٍ لها مطْلِع، وكل يومٍ لها مغرِب؛ لأن الله سخَّرَها هكذا، ولولا ذلك ما اختلَفَت مشارِق الشتاء ومشارِق الصيف. طالب: يقولون: لو نزلت الشمس قدر ميل لاحترقت الأرض. الشيخ: لا، يقولون: لو نزلت الشمس قدْرَ شعرة لاحترَقَت. طالب: يمكن مِلِّلي. الشيخ: يمكن. طالب: (...). الشيخ: إي؛ لأن هناك الغلاف الأرْضي يمنَع هذا الشيء. طالب: لو ارتفعت الأرض (...) لو صعدت الأرض (...). الشيخ: والله ما ندري عن هذا، هو على كل حال إنه لا شَك أنها لو قربت أو بعُدَت تغيَّر الجو بلا شك، لو قَرُبَت إلى الأرض أو بعُدت لَتغَيَّر، مع أنها تأتي يوم القيامة يكون بينها وبين الناس قدْر ميل، ولا تحْتَرِق الأرض، والله على كل شيءٍ قدير، أحْوال الآخرة ما نقِيسها بأحوال الدنيا، أهم شيءٍ عندنا أنها مذَلَّلَة لنا لِمصالحنا، فبها تنضَجُ الثمار، وبها تُعْلَم السنين. وقوله: وَالْقَمَرَمعروف القمر، وإنَّما ذكَر الله تعالى هنا الشمس والقمر؛ لِمَا فيهما مِن المصالح الظاهِرة؛ لأنَّ النجوم والكواكب ليس فيهما مصالح ظاهرة لنَا، وإلَّا فقد سَخَّرَ اللهُ الشمس والقمر والنجوم كلها سخرَّها لنا، لكن هذه أظهَر وأبْيَن. وفي قوله تعالى: سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَدليلٌ على أنهما هما اللذان يجريان حول الأرض، يسِيرَان حول الأرض، خلافًا لِمَن قال: إنَّهما لا يسيرَان على الأرض، وأنَّ هذا اختلاف الليل والنهار بسبب دَوَران الأرض نفسِها. وهذا لا شكَ أنَّ الذي لا يعتقد أنهما يدوران على الأرض أنَّه على خطر عظِيم، ربما يصل به ذلك إلى الكفر؛ لأنّ الذي نؤمن به ونعتقِدُه ما أخبرَنا الله عنه مِن أنَّ الشمس هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف: ١٧]، فأضَاف الله تعالى هذه الأفعَال الأربعة كلها إلى الشمس: طَلَعَتْ، تَزَاوَرُ، غَرَبَتْ، تَقْرِضُهُمْ. ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الخَرَّاصون لكان الأرض هي اللي تزَاور، وهي التي تطْلُع على الشمس، وهي التي تغرُب عنها، فهم ما عندهم إلا أمور ظَنِّيَّة فقط، والقرآن دلالتُه ظاهرة على أنَّها هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، والنبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» ، ولم يقل: أتدري أين نذْهَب عن الشمس؟ بل الشمس هي التي تذهب، وهي التي تأتِي، وهي التي تستأذِن، وهي التي يُؤْذَن لها أو تُمْنَع.
ومِن العجيب أنَّ هذا القول المخالف لِظاهِر القرآن أنَّه قد سرَى إلى أناسٍ لا تثِقُ في ديانَتِهم، قصدي لا تشُكّ في ديانتهم، لكن غرَّهم السراب فانخدعوا، والواجِبُ علينا في هذه الأمور أن نمشِيَ على ظاهِر القرآن، هذا الواجب حتى يتبَيَّن لنا ما يكون مخالِفًا لهذا الظاهر. أمَّا ما دلَّ عليه القرآن دلالة يقينية فإنَّه لا يمكن لِشيء أن يخالفه، فدلالةُ القرآن إمَّا ظاهرة وإما صرِيحة؛ الصريحة قطْعِيَّةُ الدلالة، ولا يمكن لشيء أن يخالفَها، والظاهرة ظنِّيَّة الدلالة، فنبقى على هذا الأصل، نبقى على الظاهر حتى يتبيَّن لنا بأمرٍ قطعي خلافُه، وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يمكن أن يُؤَوَّل. طالب: (...). الشيخ: لا تقول هكذا، إن قلت هكذا أخذُوا عليك المعاول والفؤوس، قالوا: إحنا مجانين يا شيخ؟ طالب: والله مجانين. الشيخ: هو الآن مُقَرَّر عندك في المدارِس يدرسُه الصبيّ الصغير ويتغذَّى عليه. طالب: الحمد لله، أنا ما درست. الشيخ: إي الحمد لله أن الله فكّك. طالب: مسألة دوران وثبوت الشمس أو القمر (...) هي قطعية، ومسألة ثبوت دوَرَان الأرض هي الظنية. الشيخ: إي نعم، لا لا، كونُ هذه الأشياء تدُور على الأرض عندنا الآن ثلاث مسائل الحقيقة: ثبوت الشمس والقمر، يعني وقوفها، فهذا مكَذِّب للقرآن. والثاني: كون الليل والنهار بسبب دوران الأرض، أو بسبب دوران الشمس والقَمَر، هذا خلَاف الظَّاهر، والشيء الثالث: دوران الأرض نفسها، هذا ما في القرآن لا ظاهر ولا صرِيح يدُلّ على أنها تدور أو ما تدور، ما فيه دليل. طالب: (...). الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأنها هي ما هي بتدور أجزاء، تدور جميعًا، لا، هذه ما هي بصحيح، لكن الكلام على أنَّ مسألة دوران الأرض أنا ما أقول فيها شيء، أقول: هذه الله أعلم، وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: ١٥]. قد يقول قائل: إنَّ قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْيدل على أن هناك حركة، ووُضِعَت هذه الجبال لاتِّزَان هذه الحركة؛ لأنَّ نفي الأخص لا يدُل على نفي الأعَمّ، ولكن مع ذلك إحنا نقول: ما لنا ولِهذا البحث، لو أنَّ هذا مِن الأمور التي يجِب علينا اعتقادُه أو اعتقاد نفيِه لكان قد بُيِّنَ في القرآن غايةَ البيان؛ لأنَّ الله يقول: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]. لكن الخطِر أن تأتِي زُبَالَةُ أفكار وتستولِي على أفكارنا، ثم نأخُذها بالقبول والتسليم بدون أن نرجِع إلى القرآن، هذه المشكلة، يعني لو فُرِض الآن -ولله المثل الأعلى- لو كان هذا القرآن مؤَلَّف مِن بشر ويقول: الشمس تجري، ويقول: يكَوِّر الليل على النهار، معروف أنَّ التكوير التَّدْوِير، وأنَّ الليل والنهار يأتِي بسبب أيش؟ بسبب الشمس، وييجي كتاب ثاني يقول: لا، يُدير الأرض حتى يختلف الليل والنهار، لقلنا: إنَّ هذين الكتابين متعارِضَان، ويُطْلَب الترجيح، فإذا كان هذا كلام الله فإنه لا عبرَةَ بأيِّ شيء يخالفُه، فهذه نُكْتَة المسألة. طالب: ما دام السلف والرسول صلى الله عليه وسلم ما بيَّن (...)، والسلف ما ذكروا ما لنا نشتغل بها ونقول هكذا. الشيخ: لا، أحسن، ما نشتغل فيها، لكن مثل ما قلت لكم بالأول، قلت: إذا ابتلي الإنسان لا بُدَّ أن ينزِل لِلمَيْدَان، طُرُق أهل الكلام في إثبات العقيدة، هل هذه مِن طريقة السلف؟ طالب: لا. الشيخ: طيب، هل أئِمَّة الإسلام تركُوهم وشأنهم؟ خاضوا معهم المعركة، إحنا إذا ابْتُلينا بقوم يُدْخِلُوننا في الميدان لا بد ندخل، يعني قبل يمكن أربعين سنة ما كان الناس يفهمون هذا الشيء، ولا يطْرَأ على بالهم إطلاقًا، إلَّا أنَّ الناس على عقائدهم الفطرية أنَّ الشمس تطلَع وتغَاب والقمر يطلع ويغَاب. طالب: نكذِّبهم حتى يجيبوا دليل. الشيخ: نعم، إحنا نكذِّب ما هو بكل شيء. طالب: لا، في نفس الدوران وفي نفس.. الشيخ: نكذِّبهم في قولهم: إنَّ تعاقب الليل والنهار بسبب دوَرَان الأرض، حتى يأتُوا بدليل قطعِي واضح مثل الشمس يكونُ حجَّةً لنا في تأويل ظاهر الآيات، وإلَّا ما نقبلها أبدًا، لو يجتمعون كلهم ما قَبِلْنا؛ لأننا نعرف أن كلهم تخرُّصَات، حتى إنَّ الآخر منهم ينقُل عبارة الأول بِنَصِّها وفَصِّها، مما يدُلّ على أنَّ المتَأَخِّرِين ببَّغَاوات، كلما نُطِقَ لهم نطَقُوا بما سمعوا. طالب: (...). الشيخ: هذا مِن البَلَاء. طالب: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، هذا دليل. الشيخ: إي نعم، هم يأتون بأشياء ما لها أصل. قال: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، تسخير القمر أيضًا لِمنافعِ العباد ومصالِحهم، والقمرَ قدَّرْنَاه منَازِلَ حتى عاد كالعُرْجُونِ القَدِيم، لأجل أيش؟ بيَّنها الله الحكمة في ذلك، وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، فباختلاف منازل القمر يكون العِلم بعدد السنين والحساب؛ لأنَّ الأهلّة هي المواقِيت العالَمِيَّة الفِطْرِيَّة، قال الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٩] عامَّة، وقال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ [التوبة: ٣٦]، وهذه الأشهر هي التي بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام الأشْهُر الهِلَالِيَّة. طالب: ذكر بعض الكُتَّاب أن الناس كانوا يعتقدون أن القمر (...)، فلو كان الناس يعتقدون أن حيوانًا سماويًّا يترصد للقمر فيحجبه عن الأرض. الشيخ: والله هنا في نجد ما نعتقد هذا، يمكن هذا عنده هو، مثل ما يعتقِدُون في بعض البلاد أن الكسوف أنَّه سببُه يعني أحد المخلوقات يحُول بينه وبين الأرض ويخرُجون بالطبول يهْتِفُون: يا فلانة! يا فلانة! أنقذِي القمر، أو ما أشبه ذلك، نسيت اللي قص علي القصة ويش قال فيها؟ الحُوت. وقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُاللام هذه جَواب القسم، اللام الأولى في وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْموطِّئَة للقسم، وهذه واقِعَةٌ في جوابِ القسم. وقوله: لَيَقُولُنَّسيقول أهل النحو منكم: لماذا بُنِيَت على الضم مع أنها متَّصِلَةٌ بنون التوكيد؟ والمعروف أنّ المضارع إذا اتَّصَل بنون التوكيد يُبنَى على الفتح، وهنا قال: لَيَقُولُنَّ، فكيف نُجِيب؟ طالب: (...). الشيخ اللي أمامنا الآن اللام جنب النون. طالب: إي، لكن محذوفة نون الفعل (...) وحذفت الواو لتوالي الأمثال. الشيخ: لا، بس أنتم أجيبوني عن أنَّه النون مباشِرَة للفعل، نقول: يشترط أن تكونَ المباشرة لفظًا وتقديرًا، وهنا المباشَرة لفظًا لا تقدِيرًا، ولذلك ابن مالك يقول في الألفية:
.............................
وَأَعْرَبُــــــــــــــوا مُضَــــــــــــــــــــارِعًا إِنْ عَـــــرِيَا
مِـــــــنْ نُــــــونِ تَوْكِيـــــــدٍ مُبَاشِـــــــــرٍ ....
............................
يعني مباشر لفظًا وتقديرًا، ومن نُونِ إِنَاثٍ، واضِح؟ فعلى هذا نقول: النون ما هي مباشرة للفعل بالتقدير؛ لأنه حالَ بينها وبين الفعل اسْمٌ وحرْف؛ اسم وهو الواو، وحرف، الحرْف النون، نون المضارع حُذِفت لتوالي الأمثال، وهي حُجَّة نحوي كما تعرفون، والواو واو الفاعل حُذِفَت لالتقَاء الساكنين؛ لأنَّه لَمَّا حُذِفَت النون الأولى لتوالي الأمثال فالنون الثانية مشددة، والحرف المشدد أوله ساكن، فيلتقي ساكنًا مع الواو الساكنة، فحينئِذٍ نحْذِف الواو.
.............................
وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــــهُ اسْتَحَـــــــقْ
فنقول: لَيَقُولُنَّ، فلم تكن نون التوكيد مباشرة للفعل لفظًا ولَّا تقديرًا؟ لم تكن نون التوكيد مباشِرةً للفعل تقديرًا. طالب: يا شيخ، أصلها (ليقولون). الشيخ: أصلها (ليقولُونَنَّ) هذا أصلها، فحُذِفت النون الأولى لِتوالي الأمثال، وصارَت النون الثَّانية مشَدَّدة، فأوَّلُها ساكن التقَتْ مع الواو الساكنة فحُذِفت الواو، فصَارَت لَيَقُولُنَّ، قال: لَيَقُولُنَّأي: المسؤُولون مِن الكفار.
اللَّهُأحسن شيء أن نقول: اللَّهُخبر مبتدأ محذُوف تقديرُه (هو الله)، فيُقِرُّون بأنَّ الذي خلقَها الله سبحانه وتعالى. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَهو الله، يعتَرِفون أن هذه الأشياء ما تصنَعُها الآلهة لا خلقًا ولا تدبيرًا، شوف -سبحان الله- الآية جمَعَتْ بين الإيجَاد والتدبير، فهو تصرُّفٌ في الإيجَاد، وتصرُّف في التدبير؛ الإيجَاد في قوله: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، والتَّدبير في قوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، ولم يقُل: خَلَق. قال تعالى: لَيَقُولُنَّ اللَّهُفيقِرُّون بأنَّ خالق السماوات والأرض ومُسَخِّر الشمس والقمر هو الله دون أصنامِهم، لَمَّا أَقَرُّوا هذا الإقرار أقامُوا الحجة عليهم، أليس كذلك؟ لأنَّ مَن أقَر بالربُوبية لَزِمَه أن يُقِرّ بالألوهية، ومَن أقَرّ بالألوهيَّة فقد أقَرَّ بالربوبية، فهمتم؟ فهما متَلَازِمَان، أمّا الإقرار بالربوبية فهو مُلْزِمٌ للإقرار بالألوهية، ملزم وإن لم يحصُل الإقرار بالألوهية، وأمَّا الإقرار بالألوهية فهو مُسْتَلْزِم للإِقْرَار بالرُّبُوبِيَّة، وأيُّهما أسبَق؟ الإِقْرار بالربوبية أسبَق؛ لأنَّ الإنسان ما يعبُد إلا ربًّا يعلَم أسماءَه وصفَاتِه وأفعالَه. لَيَقُولُنَّ اللَّهُالله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي سخر الشمس والقمر. قال الله تعالى: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ: يُصْرَفون، (أنى) اسم استفهام، والغرَض منه التوبيخ، يعني بعد أن أقَرُّوا بهذا كيف أنَّهم يُصْرَفُون، وسُمِّي الصرفُ إفكًا؛ لأنَّه صَرْفٌ للشيء عن حقيقَتِه، فالإِفْك صَرْف مثل ما نصْرِف الكلام عن الواقع ويسمى.. إذا صرفنا الكلام عن الواقع ويش يسمى؟ يُسَمَّى إفكًا، قلت لك: قَدِم زيد، وهو ما قَدِم، هذا إفك، فهؤلاء أُفِكوا، أي صُرِفوا عن الواقع، وقوله: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ، يعني أنَّى يُصْرَفون عن توحيدهِ بعد إقرارِهم بذلك. طالب: فأنى يصرفون، معناه؟ الشيخ: كيف. قال الله تعالى: ({اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ}: يُوَسِّعُه، لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِامتحانًا، وَيَقْدِرُأي: يُضَيِّق، لَهُ [العنكبوت: ٦٢] بعد البَسْط، أي: لِمَن يشَاءُ ابتلاءه)، اللَّهُ يَبْسُطُمعنى يبْسُط يعني يُوسِع، والرِّزْق بمعنى العطاء. وقوله: مِنْ عِبَادِهِالمراد بالعباد هنا المتعَبِّدُون له بالمعنى العَامّ، أو بالمعنى الخاص؟ الطلبة: بالمعنى العام. الشيخ: بالمعنى العام الشَّامِل للمُؤْمِن والكافِر، والبَرّ والفَاجِر، فالله تعالى يُوَسِّع الرزق. وقوله: لِمَنْ يَشَاءُ(مَن) هذه اسم موصول بمعنَى (الذي)، وهو مِن الأسماء الموصولة العامَّة ولَّا الخاصة؟ طالب: العامة. الشيخ: العامة، وقوله: لِمَنْ يَشَاءُأي يشاء بَسْطَ الرزق له، فإذن مفعول يَشَاءُمحذُوف، دَلَّ عليه السياق، وقد مَرَّ علينا قاعِدَة مُهِمَّة جدًّا، وهو أنَّ كل شيءٍ علَّقَه الله تعالى بالمشيئة فإنّما المراد المشِيئَة المبنِيَّة على الحكمة؛ لأنَّ جمِيع أفعال الله عز وجل وأحكامه كلها مبْنِيَّة على الحكْمَة، علِمْنَاها أم جهِلْنَاها. وقوله: مِنْ عِبَادِهِقال المؤلف: (امتحانًا)، والتَّضْيِيق قال: (ابتلاءً)؛ امتحانًا الامْتِحَان هو الابتلاء في الحقيقة، قال الله تعالى عن سليمان: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ، وقوله: لِمَنْ يَشَاءُ، وَيَقْدِرُ، يقْدِر بمعنى يُضَيِّق، مِن أين عرَفْنَا أنَّ (يقدر) هنا بمعنى يُضَيِّق؟ ولماذا لم نجعل القُدْرة هنا بمعنى استطاعة العَمَل؟ طالب: من قوله: يَبْسُطُ. الشيخ: مِن قولِه: يَبْسُطُ، هذا مقابلَتُه بالبسْط يدُل على أنَّ المراد التضْيِيق، ومنه قوله تعالى: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ، قُدِرَ عَلَيْهِأي: ضُيِّق عليه. وقوله: يَقْدِرُ لَهُ، (له) الضمير يعود على (من يشاء) يعني: ويقدِرُ لمن يشاءُ، وهل المبسوط له والمقَدَّر له واحِد؟ ظاهر كلام المؤلف أنَّه واحد، ولهذا قال: ويقْدِرُ له بعد البَسْط، والسبب أنَّ الضمير في (له) يعود بلا شكّ على (مَن) في قولِه: لِمَنْ يَشَاءُ، فكأن المؤلف رحمه الله أرَاد أن يعُود عليه باعتبَار عيْنِه، ولكنَّنا نقول: لا مانِع مِن أن يعودَ إليه باعتبار جنسه لا باعتِبَار عينِه، فيكون الضمير عائدًا على (من يشاء) باعتبار الجنس، كما في قوله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ.
قوله: مِنْ عُمُرِهِأي المعَمَّر؟ ما يصلح مِن عمرِه -أي المعمَّر-؛ لأنَّه إذا نقص ما صار معَمَّرًا، لكن المراد من عُمُرِه باعتبار الجنس، فيكون عُمر معَمِّرٍ آخر، ومثله أن تقول: أعطيتُ هذا الرجل درهمًا ونِصْفَه، نصف أيش؟ نصْف دِرْهَمٍ آخر، ما هو بنصف الدرهم هذا، ما كسَّرت الدرهم، ولو كسَّرته أيضًا وأعطيته إياه كاملًا أعطيته كله نصفين. فالذي يظهَر أنَّ الضمير في قوله: (له) يعود على (من يشاء)، باعتبار أيش؟ الجنس لا العَيْن، فالله تعالى يبسط الرزق لهذا ويضيِّقُه على هذا، كما أنَّه سبحانه وتعالى يبسُطُه لهذا أحيانًا، ويضيقه عليه أحيانًا، ألسنا نرى الآن مِن الأغنياء مَن رَجَع فقيرًا، ومِن الفقراء من رجَع غنِيًّا، فالله سبحانه وتعالى يبسُط الرزق باعتبار العين وباعتبار الجنس، هذا البسْط تابِعٌ لعلمِه وحكمَتِه، ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ومنه البَسْط والتَّضْيِيق، فهو سبحانه وتعالى لا يبسُط أو يضَيِّق إلَّا عَن عِلْم. ثم هذا العلم أيضًا تتْبَعُه الحِكْمة، فهو سبحانه وتعالى يُغْنِي مَن يُصلِحُه الغنى، ويُفْقِر مَن يصلِحُه الفقر، ولِهذا جاء في الحديث: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ» ، وإذا مَنَّ الله على العبد وتفَضَّلَ عليه، وجعل رزقَه تابعًا لِمَصْلَحَتِه، حصَل بذلك خيرٌ كثير، ومِن العباد مَن إذا أُغْنِي فسَد، إذن الضمير في قوله: (ويقدر له) يعود على مَن؟ طالب: على قول المؤلف (...). الشيخ: نعم، يعني معنَاه أنَّه يَبْسُط لِهذا ويُضَيِّق لِهذا. طالب: على قول المؤلف (...). الشيخ: وقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌكُل شيء مما يفعَلُه هو، أو مِما يفعَلُه العباد، فإنه لا يخفَى عَليه شَيْء مِن ذلك أبدًا. قال بعض الناس: وما مِن عَامٍّ إلا خُصّ، إلَّا قولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌهل هذا صحيح؟ يعني بعض العلماء قال -بعض الأصوليين- لَمَّا تكلم على العام والخاصّ قال: وما مِن عامٍّ إلا خُصّ، إلا قوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ لأن وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌما يستَثْنَي منها شيء، لا الوَاجِب، ولا الجائز، ولا المستَحِيل، حتى المستحيل يعلَمُه سبحانه وتعالى أو لا؟ يعلَمُه، ولا فيها شيء مُخَصَّص أبدًا، أمَّا غيرُه مِن العموم فإنّه مخصَّص، بمعنى أنه يَخرُج منه شيءٌ، إمَّا بدلالة العقل أو بدلالة الشَّرع، ولكن هذا القول غير صحيح، الصواب: إنَّ الأصل في العمُومات بقاؤها على العموم، هذا الأصل في العمومات، نعم إن أرادُوا إلَّا يُتَصَوَّر فيه التخصِيص، إن أرادُوا التَّصَوُّر والتقدِير فهذا ممكن، أمَّا إن أرادُوا الواقع فلا. قال المؤلف: (ومنه محَلُّ البَسْط والتَّضْيِيق)، فهو سبحانه وتعالى عالِمٌ بأن هذا أهلٌ لأن يُبسط له الرزق، وأنَّ هذا أهل لأن يُضَيَّق عليه الرزق.
الطالب: سُئِلَ الشيخ سُلَيمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن مسائل: المسألة الأولى: هل يجُوز للمسلم أن يُسافرَ إلى بلاد الكفار الحرْبِيَّة لأجل التجارة أم لا؟ الجواب: الحمد لله، إن كان يقْدِرُ على إظهار دينِه ولا يُوالِي المشركين جازَ له ذلك. الشيخ: أيش، ولا..؟ الطالب: ولا يوالي المشركين جاز له ذلك، فقد سافَر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر رضي الله عنه وغيره مِن الصحابة إلى بُلدان المشركين لأجْل التجارة، ولم يُنكِر ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، كما رواه أحمد في مسنده وغيرُه، وإن كان لا يقدِرُ على إظهار دينه ولا عدم موالاتِهم لم يجُز له السفر إلى ديارهم، كما نَصَّ على ذلك العلماء، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدُل على ذلك، أو على خلاف ذلك، وعليه تحمل الأحاديث التي تدُل على خلاف ذلك. الشيخ: في الأصل ما هو، الأصل؟ الطالب: الأصل ما نقلْتُه،كما نَصَّ على ذلك العلماء وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على خلاف ذلك، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على ذلك، كحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» ، يجمع بين حديث سفر أبي بكر إلى بلاد الكفار وإقْرَار الرسول صلى الله عليه وسلم له، وبين الأحاديث الناهِية عن .. الشيخ: يمكن، لعل الصواب على خلاف. الطالب: نعم، وأراجع إن شاء الله؛ ولأنَّ الله تعالى أوجب على الإنسان العملَ بالتوحيد، وفَرَض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعَةً وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجُز، وأيضًا فقد يجُرُّه ذلك إلى موافَقَتِهم وإرضَائِهم، كما هو الواقع كثيرًا ممن يسافر إلى بلدان المشركين مِن فُسَّاق المسلمين، نعوذ بالله مِن ذلك. المسألة الثانية: هل يجُوز للإنسان أن يجلِس.. الشيخ: الكلام الآن السؤال عن دَار الحرب ترى، وهناك فرق بين دار الحرب ودار العهْد، وتعليلُه يدُلّ على العموم، وسؤاله. الطالب: سؤاله عن دار الحرْب، بس ده جائز في الحربية، جائز من باب.. الشيخ: لا، خَلِّي ده جائز، لكن إذا مُنِع في الحربِيَّة هل يُمنَع في غيرِها؟ هو مثلًا إذا جاز .. الطالب: هو أجازَه في الحرْبِيَّة. الشيخ: أجازه بالشُّرُوط اللي عندك، هذَا لَا بَأْس. الطالب: إذا أجازه في الحرْبِيَّة أجازه من باب أولى في العادية.
طالب آخر: لكن أدلة هذا ما تدُل على الحربية.. الشيخ: وأنها عام، هو جوابه يدُل على العموم، لكن السؤال في الحرْبِيَّة. الطالب: المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يَجْلِس في بلاد الكُفَّار وشعَائر الكُفْر ظاهِرةٌ مِن أجْل التجارة؟ الجواب عن هذه المسألة هو جواب التي قبلها سواءً، ولا فَرْقَ في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح، فكلُّ بلدَةٍ لا يَقْدِر المسلم على إظهار دينِه فيها لا يجُوز له السفر إليها. المسألة الثالثة: هل يُفَرَّق بين المدة القريبة مثل شهر أو شهرَين، والمدَّة البعيدة؟ الجواب: لا فرقَ بين المدة القريبة والبعِيدَة، فكُلُّ بلدة لا يقدر فيها على إظهار دينه ولا عدَمِ موالاة المشركين لا يجوزُ له المـُقَامُ فيها ولا يومًا واحدًا إذا كان يقدِرُ على الخُرُوجِ منْها. المسألة الرابعة: في معنى قوله تبارك وتعالى: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» . الجواب: أنَّ معنى الآية على ظاهرِها، وهو أنَّ الرجل إذا سَمِع آيات الله يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها فجَلَس عند الكافرين المستهزِئِين مِن غير إكراهٍ ولا إنكَار ولا قيامٍ عنهم حتى يخُوضُوا في حديث غيرِه فهو كافِرٌ مثلهم، وإن لم يفعل فعلَهم؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّن الرِّضَا بالكفر، والرِّضَا بالكُفْرِ كُفْر، وبهذه الآية استدَلَّ العلماء على أنَّ الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادَّعى أنَّه يكره ذلك بقلبه لم يُقبَل منه؛ لأنَّ الحكم على الظاهر، وهو قد أظهَرَ الكفر فيكونَ كافرًا. الشيخ: يكونُ. الطالب: فيكونُ كافِرًا، ولهذا لَمَّا وقعَتِ الرِّدَّةُ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وادَّعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبَل منهم الصحابة ذلك، بل جعَلُوهم كلَّهم مرتَدِّين إلا مَن أنكَر بلسانِه وقلبِه، وكذلك قوله في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» على ظاهرِه، وهو أنَّ الذي يدَّعي الإسلام، ويكُونُ مع المشركين في الاجتمَاع والنصرة والمنْزِل معهم، بحيث يعُدُّه المشركون منهم، فهو كافرٌ مثلهم، وإنِ ادَّعَى الإسلام، إلا أن يُظهِرَ دينَه ولا يوالِيَ المشركين، ولهذا لَمَّا ادعى بعضُ الناس الذين أقامُوا بمكَّةَ بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، فادَّعَوُا الإسلام، إلا أنهم أقاموا في مكة يعُدُّهم المشركون منهم، وخرَجُوا معهم يوم بدر كارِهين للخروج معهم، فقُتِلوا، فظَنَّ بعض الصحابة أنهم مسلمون، وقالوا: قتَلْنَا إخوانَنا، فأنزلَ الله تعالى فيهم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْالآية [النساء: ٩٧] ، قال السُّدِّي وغيرُه مِن المفسرين: إنَّهم كانُوا كُفَّارًا، ولم يعذُرِ الله تعالى إلَّا المستضْعَفِين، انتهى. قلت: وقد ظهرَ الجواب عن حديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»، وأنَّه لا فرقَ بين الإقامة والسفر المؤَقَّت، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت: ٥٦]. الشيخ: هذا من أين نقل الشوكاني؟ طالب: نقل الشوكاني في التفسير -أنا أذاكره، أنا أذاكِر المرَاجع لكن أختَصِر الصفحات، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت: ٥٦]، قال الزجاج: أُمِرُوا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنُهم فيه عبادَةُ الله، وكذلك يجِبُ على مَن كان في بلد يُعْمل فيها بالمعاصي ولا يمكنُه تغيِير ذلك أن يهاجِرَ حيث يتهَيَّأُ له أن يعبُدَ الله حق عبادتِه. قلت -وأنا القائل-: في هذا نظر. الشيخ: الله المستعان! الطالب: والله المستعان. الشيخ: لو عمِلْنَا بهذا (...) إلا الصَّحَابة. الطالب: قلت: في هذا نظر. الشيخ: من ذكر (قلت)؟ الطالب: أنا ذكرت، حيث إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذكَرَ آخِرَ درجات إنكار المنكر ولم يُوجب الهجرة، بل يجِب أن يبتعِدَ عن الجلوس مع أهْلِ المنكر، وتأخِيرُ البيان عن وقتِ الحاجة ممتَنِع، والكلام الأخير يحتمل أن يكون بقية كلام الزَّجَّاج، أو مسْتَأْنَفًا مِن الشوكاني -رحمهم الله- فالعبارة مشكِلَة هل هي مِن الزجَّاج أو من الشوكاني قوله: وكذلك يجب على من كان في بلد يُعْمَلُ فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغْيِير ذلك أن يُهَاجِر. وقال القرطبي حول قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٧] في نقلِه كلامًا لابن العربي: الأوَّل: الهجرة وهي الخروج مِن دار الحرب إلى دارِ الإسلام، وكانت فرض.. الشيخ: هل صحيح أن مسألة العمَل بالمعاصي الظاهِرة إذا كان أنت مضطَر إلى البقاء معهم، أما إذا صار لك أنت في بيتك ما فيه معصية، صحيح في الأسواق معاصي، لكن في بيتك ما فيه معصية، وإنما تمُرُّ بها مرًّا، فلا أظن أحدًا من أهل العلم يقول بـوجوب الهجرة، نعم إذا صار لك أن هذا المكان يُؤْمَر بالمعاصي وأنت مضطر إلى البقَاء فيه نقول: لازم تروح، لا بد أن تذهب وتخرُج. طالب: وإذ إنك تعمل فيه يا شيخ، وإذ إنك تعمل في (...) هذا اللي المعاصي ظاهرة. الشيخ: ما يجوز، ولهذا قلنا: ما يجوز التَّوَظُّف في البُنُوك، يعني حتى اللي ما يكتب الربا بعضهم يقول: أنا ما باكتُب، أنا بس أقَهْوِيهُم وأكنس لهم وأزين لهم، أقول: لكن وجودك في هذا المكان معناه الرضا والإقرَار، فلهذا ما يجوز. طالب: إذا صِرْت كاتبًا سأكتب، والكُتَّاب اللي معي كلهم محاليق ويشربون دخانًا وتتن . الشيخ: لا، في مسألة شرب التتن نعم؛ لأنَّه يعمل معصية أمامك. طالب: واللحية بعد. الشيخ: واللحية ما هو بحلقها أمامي الآن، هذا أثَر الحلق، أثر الحلق ما عَلَيّ منه، لكن الكَلام على شرب الدخان إذا ما أمكن (...)، بلاوي. الطالب: الأول -في نقْله كلامًا لابن العربي- الأول: الهجرة، وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقيَةٌ إلى يوم القيامة، ولكن انقَطَعت -بالفتح- هي القَصْد إليه حيث كان، فإنَّ المسلم إذا بقي في دار الحرْب عصَى. الثانية: الخروج مِن أرض البدعة، قال ابن القاسم. الشيخ: فإن المسلم إذا بقِي في دار الحرب عصى. الطالب: نعم عصَى، إذا كان في دار حرب يجب عليه أن ينتقل إلى دار الإسلام. الشيخ: ظاهره العموم. الطالب: إي، ظاهره العموم . الثاني: الخروج من أرض البدعة قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحِلُّ لأحدٍ أن يُقِيمَ في أرض يُسَبُّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإنَّ المنكر إذا لم تُغَيِّرْه فزُلْ عنه، وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْإلى قولِه: الظَّالِمِينَ [الأنعام: ٦٨]. صحيح كلام ابن العربي هذا؟ الشيخ: صحيح، مثل ما قلنا، إذا صار أنك مضطر تبقى معهم في نفس المكان لازم تروح، أمَّا إذا صَار كل في بيته ولا هو (...). الطالب: قال: الثالث الخروج مِن أرضٍ غلَب عليها الحرَام، فإنَّ طلب الحلال فرْضٌ على كل مسلم. الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: إذا كان ما يتعامَلون إلا بالربا يعني كل الناس. الشيخ: كل الناس؟ الطالب: هذا واقع، أنا سمعت فتوى مِن بعض المشايخ بلدي كلها تتعَامل بالرِّبَا ويقول له: أيش تسوي؟ يعني العمل يكون أيش، يكون على قدر الحاجة، أم ليس على قدر الحاجة، كل البنوك الآن معظمها تتعامل في الخارج. الشيخ: كل البنوك لا بأس، لكن هل كل الناس بُنُوك؟ فيه مثلًا مطاعم، فيه بقالات، فيه تجار ثياب. الطالب: الأموال الأصلية أموال الدولة أصلًا في البنوك. الشيخ: على كل حال (...) مثل ما يقول الفقهاء (...). الطالب: مسألة: هل يجب عليه إنكار المنكر وأنَّه باطِل؟ قال ابن جرير الطبري في تفسيره لقولِه تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة: ٤] قد كان لكم أيها المؤمنون قدوةٌ حسنةٌ في إبرَاهِيمَ خَلِيل الرحمن، تقتَدُون به والذين معَه مِن أنبياءِ الله، إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة: ٤] حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبَدُوا الطاغوت: أيُّها القوم، إنا برآء منكم ومِن الذين تعبدونه مِن دون الله مِن الآلهة والأنداد، كَفَرْنَا بِكُمْفأنكَرْنا ما كنتم عليه من الكفر، وجحَدْنَا عبادتكم ما تعبُدُون مِن دون الله، وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفرِكم بالله، حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، لا صلحَ ببيننا ولا هوادَة حتى تصَدِّقُوا بالله وحده فتوحِّدُوه وتفْرِدُوه بالعبادة. قلت: وقد عقَّبَها الله بقوله سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة:٦] وظاهر هذا أنَّه واجب. الشيخ: القول بالتبرؤ مِن الكفار واجب. الطالب: وقوله: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا. الشيخ: نعم نعم، نقول له: لا. الطالب: الآية ظاهرُها وصريحُها أنه يجب هذا. الشيخ: يجب أن نقول هذا، ولكن هل مثلًا إذا قمنا في مقام في بلد ما نستطيع أن نقول الكلام هذا. الطالب: يجب تهاجر؛ لأنه يجب إظهار الدين، وقال الشوكاني على قوله تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌالآية، قال: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌإن كنتم في ضِيقٍ في مكة مِن إظهار الإيمان، وفي مُكايَدة الكفار فاخْرُجُوا لِيتَيَسَّر عليكم عبادَتِي، وتسْهلَ عليكم، وفي مُكايَدة الكفار. الشيخ: إي، هم يكيدون لكم. الطالب: نعم، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في سِيَاقِ شرحه لِتَضَمُّن أصْل الدين وقاعدتِه أمرين، قال: ثم قال رحمه الله تعالى: الظاهر أنَّ الكلام النَّص (...) ولم يُكَفِّرْهم، فهذا النَّوع أيضًا لم يأتِ بما دلَّتْ عليه (لا إلَهَ إلا الله) مِن نفْيِ الشِّرك، وما تقْتَضِيه مِن تكفِير مَن فعلَه بعد البَيانِ إجماعًا، وهو مضمونُ سورة الإخلاص، وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون: ١]، وقوله في آية الممتحِنَة: كَفَرْنَا بِكُمْ [الممتحنة: ٤]، ومَن لم يُكَفِّر مَن كفَّره القرآن فقد خالَف ما جاءت به الرسل مِن التوحيد وما يُوجِبُه. ثم قال رحمه الله: (ومنهم -وهو أشدّ الأنواع خطرًا- مَن عمِل بالتوحيد ولم يعرِف قدرَه، ولم يبغِض مَن تركه ولم يُكَفِّره). وقوله رحمه الله: (وهو أشد الأنواع خطرًا)؛ لأنه مَن لم يعرِف قدْرَ ما عمل به ولم يأتِ بما يُصَحِّحُ توحِيده مِن القُيُود الثِّقَال التي لا بُدَّ منها فما عَلِم أنَّ التوحيد يقتضي نفي الشرك والبراءَةَ منه، ومعادَاة أهله وتكفيرَهم، مع قيام الحجة عليهم، فهذا قد يغْتَرُّ بحاله وهو لم يأتِ بما عليه مِن الأمور التي دلَّت عليها كلمة الإخلاص نفيًا وإثباتًا، انتهى. وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً -لأن ظاهر عبارة الشيخ أنه يجِب معاداتهم والتَّغليظ في ذلك، ومصارحَتُهم بسبِّ دينِهم وعيْبِ آلهتهم، هذا ظاهِر الكلام-، ثم قال: وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً دنيوية موالاة نفاق أو يصِيروا كُفارًا؟ وإذا كان لا يقْدِروا أن يتلفَّظَ بكفرهم وسبهم فما حكمُه؟ وإذا عرفْت هذا مِن إنسان ماذا يجِب عليك؟ فأجاب: إن كانت الموالاةُ مع مساكنتهم في ديارهم والخروج معهم في قتالِهم ونحو ذلك فإنه يُحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء: ١٤٠]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكِينَ وَسَكَنَ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ مِثْلُهُمْ» ، وقال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» ، رواهما أبو داود. وإن كانت الموالاة في ديار الإسلام، -وبحثت لابن القيم لعلي أجد كلامًا في هذا، بحثت لابن القيم في مختصر تهذيب السنن، وإن قال: وإن كانت الموالَاةُ في ديار الإسلام إذا قدِمُوا إليهم ونحو ذلك فهذا عاصٍ آثمٌ متعَرِّض للوعيد، وإن كانت موالاتهم لأجل دينِهم -هكذا بالأصل- يجِبُ علينا التعزير بالهجر والأدَب ونحوه ما يزْجُر أمثاله -أظنه يعني مِن أجل تَرْغِيبِهم في الدين-. الشيخ: لا من أجل دينهم. الطالب: الحين سيأتي بعد الكلام الذي فيهم؛ لأنه كُفْر، موالاتهم من أجل دينِهم كُفْر. الشيخ: لا، من أجل دينهم، أو دنياهم؟ الطالب: أو يمكن دنياهم، نعم صحيح، يمكن دنياهم، لكن هذا وهذا (...)، وإن كانت الموالاة لأجْل دينِهم فهو مثلُهم، ومَن أحَبَّ قومًا حُشِرَ معهم، ولكن يتفكر السائل في قوله: حمية دنيوية، لا يمكن هذا إلَّا لإبلاغ المحبة في قلوبِهم، وإلَّا فلو كان يُبغضُهم في الله ويعاديهم لكان أقَرَّ شيء لعينِه ما يسوؤُهم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
أَتُحِـــــــبُّ أَعْـــــدَاءَ الْحَبِيـــــبِ وَتَدَّعِـــــــي
حُبًّــا لَــــــــــهُ مَـــــــــا ذَاكَ فِي إِمْكَـــــــــــانِ
وأما قول السائل: فإذا ما كان يقْدِر من نفسِه أن يتلفظ بكفرِهم وسبِّهم؟ فالجواب: لا يخلو عن ذلك أن يكون شاكًّا في كفرهم أو جاهِلًا به، أو يقال: يُقِرُّ بأنَّهم كفرَة هم وأشباهُهم، ولكن لا يقدِر على مواجهَتِهم وتكفيرهم، أو يقول: غيرهم كفار، لا أقول: إنَّهم كفار، فإن كان شاكًّا في كفرِهِم أو جاهِلًا بكفرهم بُيِّنَت له الأدلة مِن الكتاب والسنة على كفرِهم. فإن شَكَّ في ذلك وتردَّدَ فإنَّه كافر بإجماع العلماء، على أنَّ مَن شكَّ في كُفْرِ الكُفَّار فهو كافر، وإن كان يُقِرُّ بكفْرِهم ولا يقدِرُ على مواجهتهم بتكفيرهم فهو مُدَاهِن، ويدْخُل في قوله: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، وله حُكْمُ أمثالِه مِن أهل الذنوب. الشيخ: إذا بقي عندهم؟ طالب: إذا بقِيَ عندهم وداهَنَهم بالسكوت قال: أخاف يطرُدُوننا، وإن كان يقول: أقول: غيرهم كفار، ولا أقول: هم كفار، فهذا حُكْمٌ منه بإسلامِهم؛ إذْ لا واسِطَةَ بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونُوا كفارًا فهم مسْلِمُون، وحينئذ فمَن سمَّى الكفر إسلامًا، أو سمَّى الكفَّار مسلمين فهو كافِرٌ، فيكون هذا كافرًا. وأما قوله: إذا عرَفْت هذا مِن إنسان ماذا يجبُ علَيك؟ فالجواب: يجب عليك أن تنصحَه وتدعُوَه إلى الله سبحانه، وتُعَرِّفَه قبيحَ ما ارتكبه، فإن تاب فهذا هو المطلوب، وإن أصَرَّ وعانَد فله حكم ما ارتَكَبَه؛ إن كان كفرًا فكافر، وإن كان معصيةً أو إثمًا فعَاصٍ آثِم، يجب الإنكار عليه وتأدِيبُه وهجره وإبعاده حتى يتُوب، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم مَن تخَلَّف عن غزوةٍ واحدة، ونهى عن كلامِهم والسلام عليهم، فكيف بمِن يوالِي الكُفَّارَ ويظهر لهم المودة؟ انتهى. قلت: ظهَر مِن هذا وجوبُ الإنكار وبيان ضلالِهم على مَن ذهبَ إلى بلادهم، إمَّا كفرًا إن كان يحبهم ويواليهم، أو لا يعتَقد كفرَهم وإن كان يخَاف أن يطردوه فهو آثمٌ مُتَعَرِّض للوعيد، وقد ذكرَ الشيخ سليمان. الشيخ: هذا الجواب الأخير من قوله؟ الطالب: هذا من قولي أنا. الشيخ: لا، الجواب الأخير؟ الطالب: إي، الجواب الأخير مِن قوله، لكن قلت.. الشيخ: لا، خَلِّي قلت من قولك. الطالب: لكن الأول كله من جوابه. الشيخ: جواب مَن؟ الطالب: جواب سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد، أنا ناقل فقط، يعني الأول ناقل. الشيخ: (...). الطالب: ثم قال: وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمورًا قال فيها: ويُفهم مما ذكرْنا مِن الكتاب والسنة والآثار عن السلف أُمُور، فمن فعلَها دخل في تلك الآيات، وتعرَّض للوعيد بمسيس النار، نعوذ بالله من مُوجِبَات غضبه وأليمِ عقابه، نذكر منها ما يلي: الموَدَّة والمحبةُ الخاصَّة، مداهنَتُهم ومداراتهم، طاعتهم فيما يقولون ويُشْهِرُون، تقديمهم في الجلُوس أو الدُّخول على أمراءِ الإسلام، مشاورتهم في الأمور، مُجَالَسَتُهم ومزَاوَرَتُهم والدخول عليهم. أم أسماء أتت إليها وهي كافرة، قال الرسول: «صِلِي أُمَّكِ» ، فالإنسان يعتقد تكرارها. الشيخ: الظاهر إن الجلوس أنه بِرّ بهم؛ لأن هذه قرابة، مسألة القرابة لها حَق حتى لو كانت كافرة. طالب: والبِر، لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ [الممتحنة: ٨]. الشيخ: إي، المجالسة تدعو إلى المؤانسة والألفة. طالب: ومزاوَرَتُهم يعني تكرُّر الزيارة، والدُّخُول عليهم، البَشاشَة لهم والطَّلاقة، معاونتهم في أمورهم ولو بشيءٍ قليل، كبَرْيِ القلم وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم. الشيخ: ليكتبوا ظلمهم. طالب: مصاحَبَتُهم ومعاشرتُهم، الرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، والتَّزَيِّي بزِيِّهم، ذكر ما فيه تعظيمٌ لهم كتسميتهم سادات، السُّكْنَى معهم في ديارهم. وقد سُئِل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله عن حكم السفر لبلاد الكفار للتعلم هذا من (...). فأجاب: لا يجوز إلا بثلاثة شروط: أن يكون المسلمون بحاجَةٍ ماسَّة إلى هذا العلم، ألَّا يُوجد هذا العلم في بلاد المسلمين، القدرة على إظهارِ دينه، قلت: يضاف إليهما ما ذكَر الشيخ سليمان بن عبد الله مِن اشتراط الأمْن مِن موالَاتهم وموَدَّتِهم، أظنه داخل في الأمر الثالث القدرة على إظهار الدين يدخل فيه الأمن، ويضاف إليه أيضًا ما اشترطَه أحد العلماء، وهو أن يكُون على معرِفَةٍ بعقيدته والرَّدِّ على شُبَهِ أعداء الله ورسوله، هذا والله أعلم. الشيخ: وهل أمِنَ على نفسِه يعني عنده قوة مِن الدين يأمَن مِن الشهوات؟ إحنا ذكرْنا أمس ثلاث صور: الحَاجَة، والثاني: أن يكون عنده علْمٌ يدفع به الشبهات وعنده دين يدْفَع عنه الشهوات. طالب: عنده معرِفَةٌ بعقيدتِه.
الشيخ: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت: ٥٩]. يُستفاد من هذه الآية: فضِيلَة الصبر، حيث أثْنَى الله على الصابرين: الَّذِينَ صَبَرُوا. ومِن فوائدها أيضًا: وجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالتوَكُّل والاعتِمَاد؛ لقوله: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. ومنها: أنه ينبغِي للصابر أن يعتَمدَ على ربِّه في صبرِه؛ لقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وفائدة اعتماده في صبرِه على ربِّه، أوَّلًا: الثباتُ على ذلك، إن الله تعالى يقول: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، الفائدة الثانية: أنَّ صبرَه يكُون عبادة؛ لأنَّ بعض الناس يصْبِر ويتجلَّد على حدِّ قول الشاعر:
وتَجَلُّــــــــــدِي للشَّامِتِـــــــــــــينَ أُرِيهِـــــــــــــــمُ
أنِّي لِرَيْــــــبِ الدَّهْـــــر لا أَتضَعْضَـــــعُ
هذا الصبر يعني لا شك أنّه خُلُق جميل، لكن ما يُثَاب عليه، إذن نقُول: إن أيش؟ إنَّ الصَّبر المقرُون بالتَّوَكُّل على الله سبحانه وتعالى هو الذي يكون فيه الثواب والأجر. ومِن فوائد الآية: كِفَاية الله عز وجل؛ لأنَّه لا يُتَوَكَّل إلا على مَن هو كافٍ، فمَن ليس بكافٍ فليس أهلًا لِأَن يُتَوَكَّل عليه. ومِن فوائدها: إثباتُ الربوبية؛ لِقولِه: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. ثم قال سبحانه وتعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت: ٦٠]. مِن فوائد الآية: الإرشَاد إلى النَّظَر في مَخْلُوقَات الله، فإنَّ الله يقول: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَالأجل أن نتَفَكَّر في هذه الدواب التي لا تحمِلُ رزقَها. ومِن فوائدها: أنَّها تشتَمِل على عِدَّةِ صفات مِن صفات الله، منها كمالُ القدرة حيث يخْلُق هذه الدَّوَابّ الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها، ويخلُق الدواب العظيمة التي تكتَسِبُ الرزق. ومنها أيضًا -مِن فوائدها-: من الصفات التي تُستفاد منها قدْرَةُ الله عز وجل، ومنها علمُه، ومنها رَحمتُه، ومنها إحَاطَتُه بكل شيء، فإن هذه الدواب الصغيرة اللي ما تحمِل رزقَها يعلمُها ويرزقُها. وقوله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. طالب: ومنها (...). الشيخ: إي، قلناها، ما ذكرناها أول شيء؟ ومِن فوائدها: إثبات اسمَيِ (السميع) (العليم) وما يتضَمَّنَاه مِن الصفة. ثم قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، إلى آخره [العنكبوت: ٦١]. في هذه الآية مِن الفوائد: إقامَة الحجة على الخصم حتى يُذْعِن ويقِرّ. ومنها: سفَه المشركين بالله في عبادتهم، حيث يقِرُّون بربوبيته ثم يُنْكِرُون ألوهيته، وكان مِن العقل أنَّ مَن أقَرَّ بالربوبية أقَرَّ بالألوهية. ومنها: إثباتُ خلْقِ السماوات والأرض، وأنَّ الذي خلقَهما الله. ومنها أيضًا: أنَّ تدْبِيرَ الكون إلى الله عز وجل، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ. ومنها: رحمةُ الله تعالى بخلقِه؛ حيث سخَّرَ لهم الشَّمْس والقَمر. ومنها: أنَّ المشركين يقِرُّون بالربوبية. ومنها: أنَّ الإقرارَ بالربوبية لا يكفِي في التوحيد، وبهذا نعرف -الذي يترتَّب على هذه الفائدة- نعرِف بُطْلَان تفسِير مَن فَسَّر الإله بالقادر على الاخْتِراَع، فإنَّ المتكلمين يفَسِّرُون الإله بالقادر على الاخْتراع، وإذا فَسَّرُوا الإله بالقادر على الاختراع لم يكن في توحيدِهم فرْق بينه وبين توحيد المشركين؛ لأنَّنا نقول: الإله هو المعبود حقًّا، هذا الإله المعبود حقًّا، وكذلك المعبودُ بالباطل يسَمَّى إلهًا؛ لأنه يُعبد، لكن ألوهيَّتَه باطلة. ومن فوائد الآية: ثُبُوت عِلْم الله بالمستقبل؛ لقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، فإنَّ هذا خبرٌ عن أمْرٍ مسْتَقْبَل، ولا شكَّ أنه واقِع كما أخبَرَ الله، وأظُن ذكرْنا سفَه هؤلاء المشركين؟ طالب: نعم. الشيخ: طيب فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ. ثم قال تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت: ٦٢]. من فوائد الآية: أنَّ الرِّزْقَ بيَدِ الله، وإذا كان كذلك فهو الذي يُطْلَبُ منه الرزق. ومن فوائدها: أنَّ إثبَاتَ القَدَر لا يعني الكَفَّ عن الأسْبَاب، فهنا بيَّن الله أنَّ بَسْط الرزق وتقْدِيرَه بيدِه، ومع ذلك يقول: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥]، ما قال: ناموا على الفُرُش ويجِيكم الرزق، قال: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ، فالقدرُ لا ينافي فعْلَ الأسباب؛ لأنَّه قد يكون مقدَّرٌ عليك بهذا السبب، كما أنَّ دخول الجنة والنَّجَاة من النار أليس له سبب؟ نعم، إذا لم تعْمَل ما حصَل، كذلك الرزق إذا لم تعْمَل له ما حصل لك. ومن فوائدها: إثبات كمالِ التصرف لله عز وجل؛ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [العنكبوت: ٦٢]، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويُعِزُّ من يشاء ويذل من يشاء، فهو سبحانه وتعالى له التصَرُّف المطلق في مخلوقاتِه. ومن فوائدها: إثبات المشِيئَة؛ لقوله: لِمَنْ يَشَاءُ، ونحن نسْأَل الآن: هل المشِيئة تتعلَّق فيما يحبُّه ويكرهه، أو فيما يحبُّه فقط؟ فيما يحبه وما يكرَهُه، فإنَّ المسلمين مجمِعُون على قولِهم: ما شاء الله كان وما لم يشَأْ لم يكن، طيب هل الإرادة متعلِّقَة فيما يحبه وما يكرهُه، أم فيما يحبُّه فقط؟ طالب: (...) الشرعية. الشيخ: إي، فيه تفصِيل: الشرعية فيما يحبُّه فقط، والكونِيَّة فيما يحبُّه وما لا يحِبُّه؛ لأنَّها مُرَادِفَة للمَشِيئَة. ومِن فوائد الآية: إثباتُ عِلْم الله، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت: ٦٢]، وأنه عام في كل شيء، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فهل يشمَل الصغير والكبير وما يتعلَّقُ بفعلِه وما يتعلق بفعلِ عبادِه؟ وإذا كان عَلِمَ فعلَ عباده لزِمَ أن يكُون مقدِّرًا له؛ لأنَّه إذا كان عالِمًا به فإنَّه لا يمكنُ أن يقَع على خِلَاف مَعْلُومِهِ، وحينئِذٍ يكون مقَدِّرًا له، ولهذا قال الشافعي في مناظَرَتِه أولئك المعتزلة القدرية قال: جادِلوهم بالعلم، فإن أنكرُوه كفرُوا، وإن أقَرُّوا به خُصِموا، وهو صحيح، هذه حُجَّة قائِمَة وقَيِّمَة. ومنها -من فوائد الآية-: فضْلُ الله عز وجل بالرِّزْق، سواءٌ كان مقدَّرًا أم مبسُوطًا، أو أصح: سواءٌ كان مَقْدُورًا أم مبسوطًا؛ لأنَّها من الثلاثي ما هي من الرباعي.
تفسير الآيات (٦٣-٦٧)
قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ، هذا لام قسم، مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَاالجواب؛ جواب القسم: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت: ٦٣].
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ، (مَن) هذه اسم موصول مبْتَدَأ، وصِلَةُ الموصول قوله: نَزَّلَ، وجواب القسم: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، الإعراب صواب ولَّا لا؟ طلبة: لا، خطأ. الشيخ: خطَأ، (مَن) اسم استفهام؛ لأنَّه وقع بعد السؤال، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ، وعلى هذا فـ مَنْمبتدأ، ونَزَّلَالجملة خبَر المبتدَأ، وقوله: مَنْ نَزَّلَبالتشديد، وفي بعض الآيات: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ [الأنعام: ٩٩]، والفرق بين (نَزَّل) و(أَنْزَل) أنَّ (نزَّل) تفيد نزول الشيء شيئًا فشيئًا، كما قال الله تعالى في القرآن: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]. وقولُه: نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ؛ لأن فيه النزول يكون مِن أعلى، والمرادُ بالسماء هنا العُلُوّ، وليس السَّماء السَّقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ، بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، والمطَر ينزِل مِن السَّحَاب، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [النور: ٤٣]، فبهذا عرَفْنا أنَّ المرادَ بالسماء هنا أيش؟ العُلُوّ، وكُلُّ ما علَاكَ فهو سَمَاءٌ؛ لأنَّه مِن (سمَا، يسمو) إذا عَلَا وارتفع. وقوله: مِنَ السَّمَاءِ مَاءًالحكمة في نزوله مِن السماء؛ لأنَّه إذا نزَل مِن السماء شمَل النَّازِل والعَالي، ولو كان يجرِي مِن الأرض لكان لا يصِل إلى العالي حتى يُدَمِّر النازل، ولكن مِن حكمة الله أنَّه كان ينْزِلُ مِن أعلى. قال: مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَالفاء هنا تدُلّ على الترتيب والتعقيب لكنها إذا كانت متَّصِلَة بجملة فإنها تفيد أيضًا السَّبَبِيَّة مع الترتيب والتعقيب، بخلافِها إذا دخَلت على اسْمٍ فإنَّها لا تدل على السببية، تقول: قام زيد فعمرو، لا يعني أنَّ قيامَ زيد سببٌ في قيام عمرو، لكن يعني أنَّ قيام عمرو بعد قيام زيد، أمَّا إذا اتصلت بالفعل فإنها في الغالب تكونُ مع التَّرْتِيب للسببية، فعليه يكون قولُه: فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ، يكون الماءُ سببًا لِإحياء الأرض، وقوله: فَأَحْيَا بِهِهل الأرض تحيا في الحال أو بَعْد؟ طلبة: بعد. الشيخ: بعد، لكن لَمَّا كان السبب مؤَثِّرًا صار الأثَر مترَتِّبًا عليه فورًا، كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج: ٦٣]، مَا تُصْبِحُ الأرض مخضَرَّة بمجرَّد نُزُول الماء في الليل، لكنَّ هذا سبب مُوجِب، فلما كان سببًا موجِبًا صار كأنَّ المسَبَّب موجُودٌ في الحال، قالوا: ومِن ذلك قولُهم: تزوَّج فلانٌ فوُلِدَ له، وإن كان هذا أضعَف مِن الذي معنا، لكن قوله: فوُلِدَ له، نحن نعلم عِلم اليقين أنَّه ما هو بيُولد له ليلة زواجه أو لا؟ ما فيها إشكال، لكن الزواج سببٌ للولادة، ويكون الترتيب بحسبِه، ما هو لازم أن يكون معقِّبًا، لكن إذا كان السبب موجِبًا، ولا بُد صارَ كأنَّ المسبَّبَ مُعْقِبٌ للسبب. وقوله: فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا، (أحيَا) و(مَوْت) الجماد، إذن يحيا ويموت أو لا؟ الجماد يحيا ويموت وكلّ شيء حياتُه وموتُه بحسبِه، ولا تظُنَّ أنَّ الحياة والموت لا تُضَاف إلَّا ما يمكن أن يكونَ متحرِّكًا، فهذه الأصنام يقول الله تعالى فيها: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢٠، ٢١]، أموات غير أحياء، فكُل شيء لا حركَة فيه ولا نُمُوَّ فيه يمكن أن يسَمَّى ميتًا وإن كان مما لا تحلُّه الحياة. وقوله: أَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَاهل المرادُ بالأرض هنا النبَات، أو أنَّها نَفْسُ الأرض؟ قيل: إنَّ المراد نفسُ الأرض، وأنَّها باخْتِلَاط الماء فيها تكون حَيَّةً، وبيُبْسِها تكُون مَيِّتَة، وقيل: المراد ما عليها مِن العشب والزّرَع ونحو ذلك، يعني النبات، وأنَّ الأرض لا تكون أرضًا في الحقيقة ينتَفِعُ بها الناس إلَّا بالنبات الذي فوقَها، فتكونُ حياتُها وموتُها، أي حياةُ نباتِها وموتُ نباتِها.
وقوله تعالى: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، نقول فيها ما سبق؛ أن اللام واقِعَة في جواب القسم، و(يقولُنَّ) أصله (يقولُونَنَّ) شوفت؟ قال النحويون: فحُذِفت النون الأولى؛ لِتوالي الأمثال، لماذا لا نقول: حذفت إحدى النونين مِن نون التوكيد؟ قالوا: لأنَّ نون التوكيد جيءَ بها لغرَض وهو التوكيد، ونونُ الرفع دائمًا تُحذَف في حال النَّاصب والجازم والتَّخفيف، وما أشبه ذلك، فكانت أولى بالحذْف، فحَذَفْنا نونَ الرفع لِتوالي الأمثال، ما سببُ حذف الواو؟ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ نونَ التوكيد المشددة مكَوَّنَة مِن حرفين: أولُهما ساكن، فإذا كان ساكنًا حُذِفَ حرف العلة حرفُ اللَّيْن الذي قبله كما قال ابن مالك:
...............................
وَإِنْ يَكُــــــــــــنْ لَيْنًا فَحَذْفَـــــــــــهُ اسْتَحَـــــــــقْ
وقوله: اللَّهُنقول: خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدَأ خبرُه محذوف. طالب: وجه (...). الشيخ: الله أعلم، ما ندري عاد كيف هم يقولون: اختلاطُ الماء به حياة، هم يقولون بعد أنَّ هذه حياة تليقُ بها، وحقيقةً كما قلت قبل قليل: إن الحياة والموت في النبات أظْهَر؛ لأنَّه محَلُّ الانتفاع، وربما يستشهد له بقوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: ٢٥٩]، والخَاوي على العُرُوش النَّبَات ولَّا الأرض؟ النبات، فـقَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَافجعل الموت للنبات، يعني هذا مما يؤيد أنَّ المراد بحيَاة الأرض ونباتِها حياةُ نباتِها وموتُه. طالب: قوله تعالى: تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [فصلت: ٣٩]. الشيخ: إي، قال بعض العلماء: تهتَزُّ هي الأرض نفسها، وتربُو أنه مع الماء ترتَفِع، هي المسألة فيها هذا، لكن الظاهر -والله أعلم- أنَّ القول الأقرب أنَّ المراد النبات. قوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِما قال: فأنى يُؤفكون، هناك قال: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ؛ لِظهور دلالة الخلق والتدبير على الرُّبُوبية المستَلْزِم للإقرار بالألوهية، وهنا قال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لأنَّ إقرارَهم بالأول وبالثاني، وأنَّ الأمرَ كلَّه بيد الله يسْتَلْزِم لا أنَّ الله موجود فقط، بل أنَّ الله مستَحِقٌّ لأن يُثنَى عليه، ولهذا قال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، الحمد لله ظهرَت عليكم الحُجَّة، وقامَتْ عليكم البينة، وظهر كمالُ الله عز وجل، عرفْتم؟ فالأول فيه تخلِية، والثاني فيه تَحْلِية، إثبات كمال الله عز وجل يعني: الحمد لله على قيامِ البيِّنَة عليكم وظهور الحجة ووضوحِها. أما يقول المؤلف: (فكيف يشركون به)، فهذا أتى به على حدِّ قوله في الآية الأولى: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ، ولكِن عندي أنَّ الآية الثانية فيها إقَامَة حجة على أمْرٍ آخر هم ينكرونه، وهو البَعْث، فإنَّهم ينكرُونه، فحقيقة الأمر أنَّ مُنْكِر البعث سيُشْرِك بالله وسيَعْمَل ما شَاء؛ لأنَّ مُنكرَ البعث يعتقد أنَّه ما فيه جزاء ولا حساب، ومَن اعتقد كذلك هل يعمَل؟ ما يعْمَل، ولِهذا كما ترون يجمَع الله سبحانه تعالى دائمًا في القرآن بين الإيمان به وباليوم الآخر، دائمًا يجْمَع بينهما؛ لأنَّ الإيمان باليوم الآخر هو الحادِي للإنسان على العمَل؛ إذْ مَن لا يعتَقِدُ أنَّ هناك جزاءً، فكيف يعمل، فالذي يظْهَرُ لي أن الآية الثانية سِيقَت لإلزامِهم بالإقرار بالبَعْث. طالب: بعض الآيات فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: ١٦٤]. الشيخ: إي نعم، ومِن بعد موتها، إي نعم، الفائدة: أنَّ هذا الإحياء قد يكونُ قريبًا مِن مَوْت الأرض، بمعنى أنَّ المطر ينزل قريبًا مِن الجدب، وأحيانًا يكون متأخِّرًا، فـ (مِن) للمتأخر. قال: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِعلى ثُبُوتِ الحُجَّةِ عليكم.
طيب الْحَمْدُ لِلَّهِما هو الحمد؟ هو الثَّنَاء كذا؟ يقول أكثر الناس: هو الثَّنَاءُ بالجميل، وهذا غَير صحيح، فإنَّ الثناء غير الحمد؛ لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم، بل لِقول الله تعالى، إنّ الثناء غير الحمد في الحديث القدسي؛ حديث أبي هريرة أن الله سبحانه وتعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ٣]، قَالَ: أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي» ، وهذا دليلٌ واضح على أنَّ الثناء غير الحمد، وإلَّا لكان تكرارًا، وأيضًا المعنى يقتضي ذلك؛ لأنَّ الثناء من الثَّنْي وهو الرُّجُوع، فإنَّك إذا ثَنَيْت العصا رجَع طرَفُه إلى طرَفِه، ومنه أيضًا لفظ اثنين، يعني واحد وواحد ففيه رجوع، فالمهم أنَّ الحمد لا يصِحُّ تفسيره بالثناء، إذن فما هو؟ نقول: وصفُ المحمود بالكمال، لكن نزِيد أيضًا: معَ المحبة والتعظيم، حتى يخرُجَ بذلك المـَدْح، فإنَّ المدْح وصف الممدُوح بالكمال، لكن قد يكون لِمحبَّة وتعظيم، وقد يكون لِخَوْف لا لِمحبة، فهذا الرجل الذي وقَف أمام ملِكٍ ظَالِم ٍجَبَّار وقال: أنت الملكُ الكرِيم المحسِنُ العادِل الذي لا تظْلم أحدًا، هذا مدْح ولَّا لا؟ مدْح، لكن عن محبَّة وتعظِيم؟ أبدًا، هو كَذِب، نعم فنقول: إنَّ الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، ثم إنه أيضًا يُفَرَّق بينه وبين المدح أنَّ المدح قد يكون موافِقًا للواقع، وقد يكون غير موافق، والحمد لا بد أن يكون موافِقًا للواقع. قال: وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِيقول العلماء: إن (أل) في الحمد أنَّها للاستغراق، فجَمِيع المحامد لله، واللام في قولِه لِلَّهِهل هي لِلتمليك ولَّا لِشِبْهِه؟ ابن مالك يقول:
وَالـــــــــــــلَّامُ لِلْمِـــــــــــــــــلْكِ وَشِبْهِـــــــــــــــــهِ
..........................
طالب: لشبهه. الشيخ: لِشِبْهه، فالحمْد مسْتَحَقٌّ ومختَصٌّ بالله، والمرَاد به الحمدُ الكامِل، أمَّا مجردُ الحمد فلا يختَصُّ بالله، قد يُحمَد الإنسان على خصْلَةٍ مِن الخصال بقدرِ هذه الخصلة، لكن الحمْدُ الكامل الواسع مستَحَقٌّ لله وحدَه، ومختَصٌّ بالله وحدَه. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْلا يعلمون تناقُضَهم في ذلك، (بل) هنا للإضراب الانتقالي أو الإبطالي؟ طالب: الانتقالي. الشيخ: الانتقالي، يعني: فبعْدَ أن ثَبَت الأمر وقامت الحجة، واستَحَقَّ الباري الثنَاء أو الحمد، حينئِذٍ يصِحُّ أن يُسَجَّل عليهم الجهل، وهو قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ، أكثَر هؤلاء لا يعْقِلُون، يعني عندَهم مِن السَّفَه ما هو ظاهِر؛ لأنَّه لو كان عندهم عُقُول لكان إقرارُهم بما أقَرُّوا به مُلْزِمًا بِإقرارهم لما أَنْكروه، أو لا؟ نعم، لو كان عندَهم عقول حقيقِيَّة راشدة لكان إقرارهم بما أقَرُّوا به ملْزِمًا لِإقرارهم بما أنكروه، وهم أقَرُّوا أنَّ الذي خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر هو الله، والذي نزَّل من السماء ماء فأحيَا به الأرض بعد موتها هو الله، إذن أين العقل وأنتم تُنكِرُون البعث وتُشْرِكُون بالخالق؟! فهنا لا عقْل. ومِن هنا نأخذ أنَّ أولئك الذين يدَّعون أنَّهم العقلاء ثم يُنكِرُون بعض صفاتِ الله عز وجل محتَجِّين أنَّ العقل لا يقِرُّها، نأخُذ منه أنَّهم ليس عندهم عقْل؛ لأنَّ العقل يُلْزِمهم أن يُقِرُّوا بما أنكَرُوه نظيرَ إقرارِهم بما أقَرُّوا به. فمثلًا -نضْرِب مَثَلَيْن فقط- يقول الأشاعرة والكلام معهم ومَن سواهم مِن باب أولى، يقولون: نحن نثبت لله الإرادَة، ونُنْكِر الرحمة، ما لله رحمة، ليش يا جماعة؟ قالوا: نعم؛ لأنَّ الإرادة دَلَّ عليها العَقْل، والرَّحْمَة دَلَّ العقلُ على بطلانِها، شوف ما يقولون، ما دل عليها العقل، يقولون: دل العقل على بطلانها. طيب فَسِّر، قال: الإرادة دَلَّ عليها العقْل بالتَّخْصِيص؛ تخصيص كونِ السماء سَمَاءً، والأرض أرضًا، والإنسان بشرًا، والحمار حيوانًا، ومَا أشبه ذلك، يعني حيَوان غير ناطق، هذا يدُلّ على أيش؟ على الإرَادَة، أراد أن يكون الحمارُ حمارًا، فكان حمارًا، وأن يكون الإنسان إنسانًا، فكان إنسانًا، وأن تكون السماء سماء، فكانت سماءً، إلى آخره. وهذا دليل ولا بد على الإرادة، دلِيل واضح هذا ولَّا غير واضح؟ واضِح، طيب الرحمة؟ يقولون: دل العقل على إنكارِها، لِماذا؟ قال: لأن الرحمة لِينٌ ورِقَّة، والله جل وعلا ما يُوصَف باللين والرقة. قلنا لهم: أنتم استدلْلَتم بالوَاقِع على الإرَادة، نحن نسْتَدِلُّ عليكم بالواقع على الرحمة، ودلالَةُ الواقع على الرَّحْمة أعظم مِن دلالة الواقع على الإرادة، لو تيجي للعامي تقول: أيش دليل الإرادة عقلًا عندك؟ والله ما أدري، العامي يُدرك أنَّ التخصيص دليل على الإرادة؟ طالب: لا. الشيخ: طيب، لكن العامي لو تقُول له: إنزَال الله المطر بعد الجَدْب حتى تُخصِب الأرض، ورِزْق الله للفقير المال، فأصبح غنِيًّا بعد الفقر، مو هذا يدُل على أنَّ الله رحيم ولَّا لا، أيش يقول؟ يقول: نعم، فدلالَةُ الواقع الذي لا يُحصَى مِن نِعَمِ الله على رحمةِ الله أبلَغ مِن دلالة التخصيص على الإرادة، واضِح؟ وهذا واضح جدًّا. فإذن في الحقيقة لو كان عندهم عقْل كما يزعمون أنَّهم أهْل العقل لكان استدلالُهم على الرحمة بالواقع أبلَغ مِن استدلالِهم على الإرادَة بالواقِع، واضح؟ لكن العلة والبلاء اللي هم جابوا، قالوا: إنَّ الرحمة معناها اللين والرِقة، والله عز وجل منَزَّه عن ذلك؟
جوابنا على هذا مِن ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن نقول: هذا اللازم إنَّما هو في رحْمَةِ المخلُوق، ورحمَةُ الخالق غير رحْمَة المخلوق، ما نُشَبِّهها، هذه واحدة.
وثانيًا: أن نقول: مَن يقول: إنَّ اللين والرقة منفِيَّة عن الله، ما هو إلا مجرد (...)، واللين لِلغير لإِيصال الإحْسَان إليهم ما هو صِفَة نقْص. الوجه الثالث: أن نقول: إنَّ الرحمة ليست هي اللِّين والرقة، فقد يكون هذا المـَلِك يرحَم مثلًا أحدًا مِن رعِيَّتِه ويعطِف عليه وهو على عزَّتِه وعلى مُلكيته، ولا يشعر بنفسه أنه في هذه الحال انْحَطّ عن رتبة القوة والحزم، أليس كذلك؟ قولوا، لَا ولَّا نعم؟! الطلبة: نعم. الشيخ: يرْحَم مثلًا هذا الملِك القَوِيّ في سلطانه، يرحَم الفقير مِن أفراد أمته وهو يشعُر بأنَّه باقٍ على عِزَّتِه ولم يلحَقْه في ذلك شيء، فحينئِذٍ نقول: عقْلًا ..