تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة العنكبوت - ١٥

درس صوتي · ٩٢:٤٩

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

(ما) نافية وليسَتْ حِجازيةً هنا؛ لأنَّ النفي انتَقَض بـ (إلا). وابن مالك يقول:

إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ

مَعَ بَقَا النَّفْيِ ...................

وهنا النفي لم يبْقَ. وقوله: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [العنكبوت: ٦٤]، الإشارَةُ هنا للتَّحْقير ودُنُوِّ مرتَبَتِها. والإشَارة للتحقير واردة في اللغة العربية، كما في قوله عن الكفار: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦]؛ يعني: ويش هو هذا الحقير الذليل الذي يسُبُّ الآلهة وهي عظيمة وعالية، وما أشبه ذلك. وقوله: الْحَيَاةُ الدُّنْيَاهي الدار التي نحن فيها، ووُصِفَت بالدنيا لِسببَيْن: لِدُنُوِّها زمنًا، ودُنُوِّهًا مرتَبةً.

وقوله الْحَيَاةُجاءت هنا لِيُقَابِل بها الحياة الثانية. وقوله: إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌصحيح هذَا الحصْر حقِيقي، الدُّنيا التي هي الدنيا تنْحَصِر في هذين الأمرين: في اللهو واللَّعب، والفرق بينهما قيل: إنَّ اللعب بالجوارح، واللَّهْو باللسان؛ لقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [لقمان: ٦]. وقال تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ [الطور: ١٢]. وقيل: إنَّ اللهو في القلْبِ وهو غفْلَتُه وانطِلَاقُه في الملاهي وفيما يلْهِيه عن طاعَةِ الله، واللَّعِب في الجَوَارح مِن اللسان وغيرِ اللسان، وهذا أقرب؛ أنَّ اللهوَ في القلوب واللعب في الجوارح، هذا هو الأقرب. وعليه فحاصِلُ الدنيا أنَّها لَهْو يلهو به الإنسان؛ غفَلَات وسَرْح يمينًا وشمالًا، وكذلك لَعِب حتى الأمور الجِدِّيَّة التي للدنيا هي لَعِب؛ لأنَّها تَذْهَب ولا تَبْقَى، أو يَذْهَب عنها صاحبُها، فهي كلعب الأطْفَال يتَسلَّوْن بها ما داموا أطفالًا، ثم يهجُرونها إذا كبروا وعقَلوا وعرَفوا ما هم عليه. قال المؤلف: (فأما القُرَب فمِن أمور الآخرة لِظُهور ثمرَتِها فيها) قوله: (فأما القُرب) هذا جواب عن سؤال مقدَّر، كأنَّ قائلًا قال: كيف تكون الدنيا لهوًا ولعبًا مع أنَّ الإنسان يعمل فيها عملًا صالحًا؛ يصلي ويزكي ويصوم ويحُجّ ويبر والديه ويصِل رحمه وما أشبه ذلك؟ فهل هذا لعب؟ طالب: لا. الشيخ: يقول المؤلف: ليس بلَعِب. طيب أليس هذا في الدنيا؟ قال: بلى هو في الدنيا، لكن ظُهُور ثمرتِه في الآخرة؛ ولهذا قال: (أمَّا القُرَب) -وهي مِن الدنيا- (فمن أُمور الآخرة لظهور ثمرتِها فيها). وصدَقَ المؤلف، فإنَّ الأعمال الصالحة ما هي مِن أعمال الدنيا؛ ولهذا لو أرَاد بها الإنسان الدنيا لَبَطَلَتْ ولم يكُن له أجْر فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَن حَجَّ ليَأخذ فليس له في الآخرة مِن خلاق؛ يعني مِن نَصِيب، ويشهَد لهذا الكلام الذي قالَه الشيخ يدُلّ له قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) [هود: ١٥ - ١٧]. ويدُلّ له أيضًا قولُه صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» إلى آخره. والحاصِل أنَّ أعمال الآخرة ليست مِن أعمال الدنيا، بل إذا أُرِيد بها أعمالُ الدنيا بطَلتْ. قال: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُهذه الجملة مؤَكَّدَة بثلَاثة مؤكِّدَات، أقول: بيِّن لنا المؤكِّدَات في هذِه. طالب: الواو. الشيخ: الواو ما هي للتأكيد، ما هي الواو مِن أدوات التأكيد.

الطالب: (...). الشيخ: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ. طالب: (إنَّ)، واللام، والضمير. الشيخ: وضمير الفصل: لَهِيَ الْحَيَوَانُ. شف أكَّدَ الله عز وجل أنَّ الحيَوان يعني الحَيَاة، لكنَّها جاءَت على هذا الوزن لِلمُبَالغة؛ (حيوان): فَعَلَان للمُبالغة، وإلا فالحَيوان بمعنى الحياة، ووَزْن (حَيَوَان): فَعَلَان، ففيها زيادَةُ الألف والنون لِلمبالغة. وقوله: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ: هي ما يكُون يوم القيامَة. لَهِيَ الْحَيَوَانُقال: (بمعنى الحياة)، ولكن زِيدَت الألف والنون فيها لِلمبالغة؛ يعني هي الحياة الحقيقية؛ ولهذا يقول الكافر يوم القيامة يقول: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] حياته الدنيا مُقَدِّمٌ لها، بل هي جنَّتُه، لكن الحياة الحقيقية هي حَيَاةُ الآخِرة؛ لأنَّ حياة الدنيا في الحقيقة ليست بِحياة؛ أولًا: لأنَّها مُنَغّصَة، كل صَفْوِها له كَدَر. وثانيًا: أنَّها غير باقِية أليس كذلك؟ وثالثًا: أنَّ الإنسان مُهَدَّدٌ فيها، فلا يدْري متى يأتِيه أجلُه صباحًا أم مساءً، وكم مِن إنسانٍ خرَجَ من أهله ولم يرجِع إلا جُثَّتُه، وكم مِن إنسان على كرسِيِّه فما أكمَل الكتابة التي يخُطُّها بيمينه، هذه حياة؟ الجواب: طالب: لا. الشيخ: لا، ما هي حياة في الحقيقة؛ ولهذا يقول الشاعر:

لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً

لَذَّاتُــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِ الْمَـــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ

مهما طاب لك العيش إذا تأَمَّلْت سوف تهْرَم وتدَع هذا العيش ولا يطِيب لك، وسوف تموت فلا تبْقى للعيش أصلًا. والحاصل أنَّ الدار الآخرة -صدَقَ ربُّنا جل وعلا- هي الحيوان، فهي التي ينبغي للإنسان العاقل أن يسْعَى لها، والغريب أنَّه إذا سعى للآخرة حَصَّل الدنيا والآخرة، وإذا سَعَى للدنيا فقط فاتَتْهُ الدنيا والآخرة، الدليل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [الشورى: ٢٠] أيش معنى نَزِدْ لَهُ؟ يعني: نُعْطِيه حرث الآخرة مع الدنيا؛ لِقولِه تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] هذا جزاءٌ عاجل وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَهذا الجزاء الآجِل، ومَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ. طالب: (...). الشيخ: لا، نؤتيه منها ولا نعطيه اللي هو يبغي نُؤْتِهِ مِنْهَا [آل عمران: ١٤٥] وهذا الوَعْد أيضًا مقْرُون بالمشِيئَة كما في آية الإسراء: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ [الإسراء: ١٨]، ما هو بالذي يريد ولا بعْض الذي يُريد مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، إذن الحَيَوان حقِيقة هي الآخرة. والحيوان الواو هنا هي أصلِيَّة ولَّا منقَلِبَة؟ قيل: إنَّها منْقَلِبَة عن يَاء وأَنَّها قُلِبَتَ واوًا؛ لِئَلَّا يلْتَبِس بالمـُثَنَّى، خلوا بالكم يا أهل النحو! وأنَّه لو قال: وإنَّ الآخرة لهي الحيَيَان؛ لكان يلْتَبِس بالمثنى فقُلِبَت واوًا، وهذا رأيٌ لِسيبويه بناءً على أنَّ الحيَاة يائِيَّة مِن حَيِيَ يَحْيَى. وقيل: إن الواو أصلية، وإنَّ الواو في الحياة هي الأَصْل، لكن قُلِبَت ياء في حَيِيىَ ليش؟ لِتَحَرُّكِها وانكسار ما قبلها فقُلِبَت ياء، وهذا على كل حال تصريف، هذا بحث تصْرِيفي مَحْض. وقولُه تعالى: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَهذه جملَة مستَأْنَفة ليست لَوْهنا صِلَة تتَعَلَّق بما قبلها، ولكنَّها مسْتَأْنَفَة فهي شَرْطِيّة، وجواب الشرط محذوف قدره المؤلف بقوله: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَذلك ما آثَرُوا الدنيا عليها) والحقيقة أنَّ قولَه: (ما آثروا الدنيا عليها) صحيح أنَّه يصِحُّ أن يكون جوابًا، لكنَّ الجواب أبلَغ مما قدَّرَه المفسر؛ ولِهذا حذَفَهُ الله لأَجْل أن يبلُغَ الذهنُ في تقديرِه كُلَّ مبْلَغ؛ علشان الذهن يقدر كل شيء لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَلَعَمِلُوا لها ليلًا ونهارًا مو فقط ما آثروا الدنيا لكان عملُهم لها فقط دون الدنيا، ومعناه أنَّ مَن قَدَّم الدنيا على الآخرة فليس عنده عِلْم، لو كان يعلم حقيقة ومن ذوي العلم والأفهام ما قدَّمَها. فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت: ٦٥] إِذَا رَكِبُواالضمير يعود على المشركين يعني سَلْ هؤلاء عن آلِهَتِهم هل هم يرجعون إليها عند الشدائد ولَّا هم يعترفون بأنَّه لا يفرج الشدة في الشدة إلا الله؟ الجواب: الثاني هم مُعْتَرِفُون بأن أصنامهم لا تنفعُهم واعتَرَفوا فيما سبق بأنَّ الذي خلق السماوات والأرض مَن؟ الله وأنَّ الذي ينزل مِن السماء ماء الله، وأنَّ الذي سخَّر الشمس والقمر الله، وأن الذي يدفَع الضَّرورة بناءً على ما ذُكِر في الآية هذه مَن؟ الله. إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِوالفُلْك السُّفُن أو السفينة؟ يصلُح لأنَّه صالحٌ للجمع والمفْرَد، قال الله تبارك وتعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس: ٢٢] هذا جمْع، والمفرَد؟ طالب: إذا ركبوا (...). الشيخ: لا. طالب: (...). الشيخ: لا، على الفُلْك؟ الطالب: على الفُلْك. الشيخ: وهو واحد؟ الطالب: إيه. الشيخ: طيب. قال: إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَدَعَوُا اللَّهَدَعَوُاهذه جواب إِذَاوهي مرُكَّبَة مِن فِعْلٍ وفَاعِل، وهنا فيه إشكال وهو أنّه تقدَّم لنا أنَّ الفعل الماضي إذا اتَّصَلَتْ به واو الجماعة فإنه يُبْنَى على الضَّمّ وتُسَكَّن واو الجماعة، وهنا ما بُنِي على الضم ولا سُكِّنَتْ واو الجماعة، تقول: قَامُوا اللي قبل واو الجماعة مضْمُوم، وواو الجماعة؟ مُسَكَّنَة، وهنا دَعَوُالا ضُمَّ ما قبل الواو ولا سُكِّنَت الواو، فكيف المخرَج مِن هذا الإشكال؟ طالب: (...). الشيخ: لا (...) قَبْل الواو، الآن هو إذا اتَّصل واو الجماعة في الفعل الماضي ضُمَّ ما قبلَها وسُكِّنَت. الطالب: (...). الشيخ: هَالْحِين اللِّي عندنا بالعكس. الطالب: دَعَوُا. الشيخ: دَعَوُا اللَّهَ. الطالب: (...). الشيخ: لا. الطالب: (...). الشيخ: واحدة. الطالب: (...). الشيخ: لا. اللي عندنا الآن واحدة. الطالب: (...). الشيخ: يعني والواو الموجودة ويش هي؟ الطالب: (...). الشيخ: أو واو الفعل. الطالب: واو (...). الشيخ: يعني واو الفعل، طيب هذا جواب.. نعم. طالب: (...) واو (...) واو الفاعل (...) لأن الواو واو الفاعل (...). الشيخ: حذفت الواو. الطالب: واو (...). الشيخ: طيب والفَتْح ويش اللي جابه؟ طالب: بقِي على الأصل أن الضمة أصل الواو (...). الشيخ: وهذا الجواب؟ نعم. طالب: (...) واو الجماعة أنه يُحذف ويُفتح ما قبل واو الجماعة (...) دَعَوْا، أصل الفعل: (دعا) (...) حرف العلة (...) فحذفت (...) قبله. الشيخ: وبقِيَت الفتحة؟ الطالب: علامةً عليها. الشيخ: دليلًا عليها على ذلك، طيب ضمّ الواو دَعَوُا؟ طالب: (...). الشيخ: (قَامُوا) ما هُو (...) مُسَكَّنَة.

طالب: (...). الشيخ: طيب:

...............................

وَإِنْ يَكُـــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُـــــــــهُ اسْتَحَـــــــــقَّ

طالب: (...). الشيخ: (...). طالب: (...). الشيخ: جوابُه صحِيح الأول ولَّا لا؟ طالب: (...). الشيخ: إيه إنه حُذِفَت الألف، محذُوف مِن الفعل الأَلِف؟ طالب: (...) الألف ألف الفعل (...). طالب آخر: (...). الشيخ: لا، ما يتكلم أحد يا جماعة إلا المسؤول. طالب: (...). الشيخ: ما هو صحيح. الطالب: (...). الشيخ: اللي هو الضَّمِير؟ الطالب: إيه، وحُذِف لالتقاء الساكنين. الشيخ: الظَّاهِر إنه بيصير فيه خلاف بينكم، لعلنا نقطَع الطريق. طالب: (...). الشيخ: لا، الصحيح: أصله أنّه محذوفة الألف حُذِف ألِفُ الفعل وبَقِيت الفتحة دليلًا عليها، والواو الموجودة واو الضمير لكن حُرِّكت بالضَّم لالْتِقَاء الساكِنَين، وين الساكِنَان؟ لو بَقِيَت الواو ساكِنَة وهمزة (أل) ساكنة ما يستقيم، فإذا قال القائل: القاعدة أنك تحذف الواو لأن:

..............................

وَإِنْ يَكُـــــــنْ لَيْنًا فَحَذْفُــــــــهُ اسْتَحَـــــــقَّ

قلنا: حذف الواو هنا غير مُمكن، لو حَذَفْنا الواو اسْتَلْزَمَ ذلك إرجَاع ألف الفعل، ثم إذا رَجعْنَاه لم يكن لدينا دليل على الضَّمِير فصارَ وجود الضمير لا بُدَّ منه، وحُرِّك بالضم لأنَّه الـمُجَانس للواو إذْ أنَّ ظُهُور الكَسْرَة على الواو ثَقِيل جِدًّا، والضَّمَّة أقْرَب لمجانَسَتِها الواو، وهذه موجودة في القرآن، بهذا عدة أمثلة. وقوله: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت: ٦٥] دَعَوُادُعاء عبادة ولَّا مسألة؟ طالب: مسْأَلَة. الشيخ: مسْأَلَة. وقوله: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَحالٌ مِن فاعل دَعَوُا، والإخلاص: تنْقِيَةُ الشيء عما يشُوبُه، فمعنى مُخْلِصِينَ لَهُأي: لا يجعلون مع هذا الدعاء دعاءً لِشيءٍ من الأصنام. وقوله: لَهُ الدِّينَقال المؤلف: (أي الدعاء)؛ لأنَّ الدعاء عبادة، فهو مِن الدِّين؛ فلِهذا قال: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَأي: لا يدْعُون معه غيرَه؛ لأنهم في شِدَّةٍ لا يكشِفُها إلا هو). وهم بذلك معتَرِفون ومضطرون، لا يمكن أن يدعو الواحد منهم صنمًا في هذه الحال؛ لأنه يعلم أنَّ الصنم لا ينفَعه، فلا يدعُون إلا الله، وهذه حُجَّةٌ ثالثة عليهم بل رابعة. الحجة الأولى: خلق السماوات والأرض. والثانية: تسخِير الشَّمْس والقمر. والثالثة: إنزَال الماء مِن السماء وإحيَاء الأرض أربعة (...). والخامِسة: إخلاصُهم الدعاء في حالِ الشِّدَّة لله. طالب: أكبر الحُجَج عليهم هذه. الشيخ: إي نعم، هذه مِن أكبر الحُجَج عليهم. قال: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَلَمَّاهذه شرْطِيَّة. فعل الشرط: نَجَّاهُمْ، وجوابه: إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. وإِذَايسَمِّيها النحويون فُجَائِيَّة، والفُجَاءَة الشيء الذي يأتي بغتة، والمعنى: أنَّهم إذا نُجُّوا إلى البَرّ فَاجَؤُوا وبادَرُوا ويش هو؟ بالشِّرك، أعوذ بالله، جزاء النعمة أن يكفُروا. فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّنجَّاهُم مَن؟ الله، يعني أنقَذَهم مِن الشِّدَّة التي هم فيها إِلَى الْبَرِّالذي هو شاطئ السلامة. (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَبه). هُمْ يُشْرِكُونَهذه جملة اسمية تفيد أنَّ هذا يكُون كالصفة اللازِمة لهم يسْتَمِرُّون -والعياذ بالله- على الشرك مُبادرِين به، وهذا غاية ما يكون مِن اللُّؤْمِ؛ لأنَّ الإنسان بطبِيعَتِه وفطْرَتِه لا يكْفُر بِمَن أنعم عليه، بل يشْكُر مَن أنْعَم عليه. أمَّا هؤلاء فإنهم بمجَرَّد النعمة يشركون والعياذ بالله، وهذا يُشبهه قولُ مَن يتَرَنَّم في بعض الإذاعَات العرَبِيَّة في الحَرْب التي يسمونها حرْب الأيَّام السِّتَّة تعرفونها هذه؟ حَرْب مع اليهود، حارَبَتْ سُورْيَا والأُرْدُن ومِصْر، حَرْبٌ قَضَتْ -والعياذ بالله- على معنوياتهم وأخذَتْ أراضِيَهم، لكن في أيام المعركة كان أحَدُ المذيعين يقول: سندخل تلَّ أبيب غدًا وتُغَنِّينَا أمُّ كلثوم، لكن أمَّ كُلْثُوم غنَّتْ على رُفَاتِهم. هذا في الحقيقة وعْدٌ بِالكُفْر بِكُفْر النعمة ولَّا لا؟ الرسول عليه الصلاة والسلام دَخَل مكَّة حين الفتح مطَأْطِئًا رأسَه خاضِعًا لله عز وجل ، نعم فرْق بين هذا وهذا، إنما هذه الحال كونه مثلًا إذا فتحْنا بلاد الكفار تُغَنِّينَا القِيَان تعْزِفُ علينا، هذا يُشْبِه فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. قال الله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ [العنكبوت: ٦٦] مِن النعمة، وَلِيَتَمَتَّعُواباجتِمَاعهم على عِبَادَةِ الأصنام، وفي قراءةٍ بسكون اللام: أمْر تَهْدِيد). قولُه: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْاللام هنا لِلأمْر أم لِلتعليل؟ طالب: للتعليل. الشيخ: نعم فيها قراءتان، إنْ سكَّنَّا اللام في قولِه: {وَلْيَتَمَتَّعُوا} -وهي القراءة الثانِية- صارَت اللام للأمر أمْر تهديد؛ لأنَّ الله ما يأمُر بالكفر أمْر إرشاد ولا أمْر إِلْزَام، وإذا كسَرْنا اللام الثانية: وَلِيَتَمَتَّعُواصارَتِ اللام لام (كَي). ثم هل اللام في قولِه: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْعلى أنَّها إذا لم تكن للأمْر هل هي لامُ التعليل ولَّا لام العاقبة؟ الجواب: أنَّها لام العاقبة؛ لأَنَّ الله ما نَجَّاهم إلى البَرّ فأشركوا لأجْل أن يَكفروا، لكن صَارَت عاقبتُهم الكفر، هل لام العاقبة معروفَة في اللغة العربية؟ نعم معروفة، قال الله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]. لو سأَلَنَا سائل: هل آلُ فرعون التَقَطُوا مُوسى لِهذا الغرض؟ لقلنا: لا، لكن صارت العاقِبة هذه، لو أنَّهم عَلِموا أنه يكون عدوًّا لهم وحزنًا.. طالب: ما التقطوه. الشيخ: إيه أو التقطوه فأهْلَكُوه، إنَّما ما يلتقطونه لِهذا الغرض، لكن صارت للعاقبة، فهنا العاقبة أنَّهم كفروا بما آتينَاهم. وقوله: بِمَا آتَيْنَاهُمْالباء للسببية أم إنَّ البَاء مُعَدًّى بها الفعل مثل كَفَر به؟ نعم هذا هُو الأقرب؛ يعني: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْأي أنَّ الفعل (كَفَرَ) تعدَّى إلى مفعولِه بالباء، والمعني: مثل كفَر بالله وكفر بالرسول وكفر بكذا، وقوله: بِمَا آتَيْنَاهُمْأي بما أعطيناهم مِن النعمة ويش هي النعمة؟ إنْجَاؤُهم مِن الغرق. وَلِيَتَمَتَّعُواقال: (باجْتِمَاعهم على عبادة الأصنام) ويمكن أن يقال: وَلِيَتَمَتَّعُوابالنعم أيضًا، بالنعم التي أُعْطُوها، فهم كفروا بها فلم يشكُرُوها وتمتَّعُوا بها إلى مآلِهم ومصيرِهم. يقول المؤلف: (وفي قراءة بسكون اللام أمرَ تهديد): {وَلْيَتَمَتَّعُوا}. وعلى هذا العامة الآن يقرَؤُونها {وَلْيَتَمَتَّعُوا} نرُدّ عليهم ولَّا لا؟ نرُدّ عليهم؟ طالب: (...). الشيخ: نرد عليهم. طالب: (...). الشيخ: إيه؛ لأنَّ القراءة قراءة غلط، نرد عليهم لأنَّهم يقرؤونها قراءة غلط؛ إذ إنه لو تقول (...) {وَلْيَتَمَتَّعُوا} وين ترجعون إليه؟ نرجِع إلى المصحف، إذا رجعنا إلى المصحف وجدْناها مكسورة، فقراءَتُهم إيَّاها بالسكون ليس عن عِلم بل هو عن خطأ وعدم معرفة، أمَّا لو جاء طالبُ علم فقرأها {وَلْيَتَمَتَّعُوا} فإننا لا نردُّ عليه؛ لأن طالب العلم قد يكون قرأَها على هذه القراءة. طالب: (...). الشيخ: إذا كان في واقع الأمر أنها صحيحة لكن ما أراد لام الأمر فهي ما هي بصحيحة، قراءته خطأ وهو ما أراد لام الأمر. طالب: (...) لام الأمر (...) اللغة العربية (...). الشيخ: إيه، لكن هم أرادوا ما تدُلُّ عليه اللغة العربية، وهي: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش أرادوا أن تكون رسول؟ الطالب: خبرًا. الشيخ: خبرًا، فهم أرادوا ما تقتضيه اللغة العربية الأخرى. الطالب: وهذا؟ الشيخ: لا، هذا ما أراد الأمر. الطالب: ما يدري. الشيخ: ما يدري؛ لكن هو أراد الذي في المصحف، إن نرُد عليه نقول: لأنَّك الآن تريد القراءة التي في المصحف فغَلِطت، أمَّا لو قال: نعم أنا سكنْتُها لأنِّي على الوجه الثاني في القراءة، قلنا: ما نرد عليه. طالب: رجل لو صار يقرأ في قراءة ورش وجاته آية مثل هذه وقرأها بالقراءة الثانية ما نرد عليه هو يعني قاصدها. الشيخ: لا إذا قصدها ما نرُدّ عليه إلَّا مثل ما قلت لكم سابقًا؛ إنه أَمامَ العامة ما ينبغي أن نقرأ خلاف القراءة التي بين أيديهم؛ لأنَّ هذا يوجب التشويش عليهم، ويوجب أنه بدَل ما كان القرآن محترمًا في نفوسهم تعرف العامي ما يقدّر هذه الأمور، يرى أن هذا فيه نقص في القرآن الكريم يقول: أيش لون هذا يتغير؟ إحنا ذكرنا أن القراءات طالب العلم ينبغي أن يقرأَها بنفسه فيما بينه وبين نفسه، ينبغي أن يقرَأ بكل القراءات لأنَّها كلها سنة، ولكن بالنسبة للعامة ما ينبغي أن تقرأ عندهم خلاف ما كان معروفًا بينهم. طالب: تسمية الدعاء دينًا. الشيخ: وجه تسمية الدعاء دينًا؛ لأنَّه من العبادة، الإنسان الذي يدعو ربه متعبدٌ له بهذا الدعاء؛ ولهذا خصوصًا العارف يشعر بأنه سيُثَاب على هذا فيكون دينًا. وقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَعاقبة ذلك). (سوف) يقول النحويون: إنَّها تفيد التوكيد لكن بمُهلة؛ ولهذا يقولون: التَّسويف، بخلاف السين فإنَّها تفيد التحقيق بقرب. وقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَالجملة خبرية ويُراد بها التهديد كقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر: ٣، ٤] في سورة (ألهاكم). وقال تعالى في سورة النبأ: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) [النبأ: ٤، ٥]. فالعذَاب والعياذ بالله نازِلٌ بهم لا محالة. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا [العنكبوت: ٦٧]، أَوَلَمْ يَرَوْاتقدم الكلام على مثل هذا التركيب وأنَّ الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف، وهل الهمزة مقدَّمَة عن مكانها أو لا؟ ذكرْنا أنَّ في ذلك خلافًا، وذكرْنا أنَّ القول الأسهل أنَّ الهمزة للاستفهام وأنَّ الواو عاطفة على ما قبلَها. وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْايقول المؤلف: (يعلموا) وذلك لأنَّ الرؤية نوعان: عِلْمية وبصرية، إن تعَدَّت إلى مفعولين فهي عِلْمية كقولك: رأيت العلم نافعًا، وإلى مفعولٍ واحد فهي بصرية كقولك: رأيتُ فلانًا. من الرؤية العلمية في القرآن كثير ومنه قوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) [المعارج: ٦ - ٨] نعلَمُه قريبًا، ويَرَوْنَهُالأولى رؤية ظَنّ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا. وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْاأي: يعلموا أَنَّا جَعَلْنَافي بلدهم مكة حَرَمًا آمِنًا). لِماذا خصَّه بأهل مكة؟ لقولِه: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.

جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًاالحرم ما لَهُ حرمةٌ أي تعظِيم، وسُمِّي التعظيم حرمة لأنه يُمنَع بهذا التعظيم ما كان سائغًا لولاه، أيش مِن جملة حُرُمَات مكة؟ طالب: تحريم قتل الصيد. الشيخ: تحرِيم قتل الصيد، والقتال فيها، وقَطْع الشجر، وحَشَّ الحشيش وغير ذلك، حتى الحيوانات غير المؤذية يجب أن تكون آمِنَة.

قوله: حَرَمًا آمِنًاأهل المجاز يقولون: آمِنًا مَن فيه، والصواب أنَّ الحرم نفسه آمِن؛ ولهذا عصَمَهُ الله سبحانه وتعالى مِن كل أحد كما قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل: ١]، وحرَّم النبي عليه الصلاة والسلام القتال فيه ، فهو نفسُه آمِن، وإذا أَمِن نفسه أَمِن مَن فيه. وقوله: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْيقول المؤلف: (قتلًا وسبيًا دونَهم): في عهْد الجاهلية، غيرُ أهل الحرم ليسوا بأمَان، يُغار عليهم فيُقْتَلون ويُسْبَوْن وتُؤخذ أموالُهم ونساؤُهم، لكن أهل مكة آمنون حتى إنَّه يجِد الإنسان قاتِلَ أبيه في الحرم ولا يقتلُه، قاتل أبيه مع شِدّةِ الحَمِيَّة عندهم لا يقتلُه، لكن اخرج عن الحرم تجِد القتل والسبي والنَّهب وكُل شيء. هذه نعمة مِن الله عظيمة على قريش، وكان عليهم أن يُقابلوا هذه النعمة بالشُّكْر والتصديق للرسول صلى الله عليه وسلم، مع أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام منهم يعرفونَه ويسَمُّونَه قبل أن يأتي بالرسالة يسَمُّونَه الأمِين، ويحتكمون إليه أحيانًا، لكن لَمَّا بُعِثَ بالرسالة -والعياذ بالله- وخالف أهواءَهم كفروا به.

طالب: (...). الشيخ: يقال فيه: إنَّ الحرم نفسه ما تغيَّر، وأَخْذُ الحجر منه ما بقِي، ولا تعَطَّل الناس مِن الحج، حتى وهو (...). مِن الفوائد: طالب: (...) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ(...). الشيخ: أي: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْمَن نزَّل ولَّا من خلق؟ طالب: من نزَّل. الشيخ: قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت: ٦٣]. مِن فوائِد هذه الآية: أولًا: حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال المطر مِن السماء. ومن فوائدها: أنَّه لا يقدر على إنزال المطر من السماء إلَّا الله، ومهما حاول هؤلاء الذين أعطاهم الله ما أعطاهم مِن الصنائع فإنَّهم لن يستطِيعوا أن يُنَزِّلوا المطر مِن السماء؛ لأن هذا خاص بالله عز وجل. ومِن فوائد الآية: قُدرَة الله سبحانه وتعالى على إحياء الموتى: فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا. ومِن فوائدها: أنَّ الجماد يُوصَف بالحياة والموت أَحْيَا بِهِمِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا، وذكرنا مثالًا آخر في هذه المسألة في الأصنام: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢٠، ٢١]. ومِن فوائدها: قياس الغائب على الشاهد. طالب: الغائب هو البعث أو النشور مرة أخرى، والشاهد هو إحياء الأرض؟ الشيخ: إي الغائِب إحياءُ الناس بعد الموت، والشاهد إحْيَاء الأرض. ومِن فوائدها: ثُبوت القياس الصحيح أو اعتبار القياس الصحيح خِلافًا لمن أنكرَه أو غَلا فيه؛ لأنَّ الناس انقسموا إلى قسمين: مِنهم مَن غَلَا، ومِنهم مَن دنا؛ يعني منهم مَن أنكر القياس مطلقًا كابن حزم وهو ينكِرُه ويقِيسُ أحيانًا، ومنهم مَن غلا فيه وتجَاوز الحد حتى بلَغ بهم إلى أن يقِيسُوا صِفَاتِ الخالق بصِفَات المخلوق كالمشَبِّهَة مثلًا. ومِن فوائد الآية: حُسْنُ مناظرة القرآن ومجادلَتِه، وأنَّ مناظرَاته ومجادَلَاته تكون مُلْزِمَة، وجه ذلك أنَّ إقرارهم بهذا الشيء ملْزِمٌ لهم أن يقروا بتوحيد الألوهية وكمالِ صفات الله. ومنها: وُجُوب إعلَان الثناء والحمد لله عز وجل أمام المشركين؛ لقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ. ومنها: أنَّ إقرارَ المشركين بما يختَصُّ به الله تعالى مِن القدرة هو في الحقيقة كمالٌ لله عز وجل؛ ولهذا أمَر الله نبيه أن يُثْنِي عليه بالحمد أو أن يصفَه بالحمد لَمَّا قال: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، فيُستفاد منه أن إقرار المشركين بما يختَصُّ به الله من صفات يُعتبر مِن كمالِ صفات الله التي يستَحِقُّ عليها الحمد. ومنها: أنَّ أكثرَ هؤلاء المشركين جُهَّال؛ لقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥]، المعنى: لا يعلمون ما يستَحِقُّه الله تعالى مِن أوصاف الكمال. طالب: لَا يَعْقِلُونَ. الشيخ: لَا يَعْقِلُونَنعم صح، أكثرهم سُفهاء، إن أكثرهم سفهاء لا يعقلون، لو كانوا عقلاء لَعرفوا اللازِم وملْزُومَاتِه وأقروا بها. ومِن فوائد هذه الآية: أنَّ الأشاعِرة ونحوهم ليس عندَهم فيما ذهبُوا إليه مِن إثبات بعض الصفات وإنكار بعضِها ليس عندهم معقول ولا أثَرٌ منقُول، أمَّا الأثر المنقول فظاهِر، ما عندهم دليل. وكذلك أيضًا ليس عندهم نظر معقول، فإنهم ينكرون ما يقِرُّون بمثله أو دونَه ولَّا لا؟ ومَرَّ علينا أمثلة لهذا فيما سبق. إذن نقول: كُلُّ مَن أقَرَّ بشيء مِن صفات الله تعالى وأفعاله وأنكَر آخر فهو دليلٌ على قِلَّةِ عقْله، وليس المرادُ بالعقل هنا عقْل الجنون لا ما هو الجنون، لكن عقل الرشد والهداية. طالب: كيف يوصف البعض بالعقل؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنَّ البعض أقَرّ وآمَن. الطالب: هو الآن يحكي عنهم يتكلم عنهم.. الشيخ: هم على سبيل العموم، والذي عنده عقْل ثم فَكَّر ونظَر آمَن ورَجَع. {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: ٦٤]. مِن فوائد هذه الآية: بيَانُ حَقَارَةِ الدنيا وأنَّها ليست بشَيْءٍ مطلقًا ولَّا بالنسبة للآخرة؟ طالب: بالنسبة للآخرة. الشيخ: ظاهر الآية أنه مطلق، إن ما هي إلا لهو ولعب، كل ما فيها لهو ولعب، فيمكن أن نقول: إنها على سبيل الإطلاق، ويمكن أن نقول: إنَّه على سبيل المقارنة بالآخرة؛ لقوله: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ. طالب: (...) يعني تُقيَّد؛ لأن فيها أشياء كالصلاة مثلًا.. الشيخ: هذه أجاب عنها المؤلف قال: (إنَّ القُرَب مِن أعمال الآخرة لظهور أثرِها فيها). نفس المؤلف أجاب عن هذا، فما كان مِن أعمال الآخرة فليس داخلًا في أعمال الدنيا. ومِن فوائد الآية: أنَّه لا يجوز أن يُقصَد بأعمال الآخرة شيءٌ من الدنيا، وجه ذلك؟ هذه فائدة ما هو سؤال، قلنا: يستنبط مِن هذه الآية أنَّه لا يجُوز أن يُقْصد بها الدنيا، ما وجهُ الدلالة؟ طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: لأن الدنيا (...) والدار الآخرة (...).

الشيخ: لأن هذه المسائل يقصد بها الآخرة، فلا يجوز أن تأخذ عنها عِوَضًا من الدنيا، والمسألة هذه عاد فيها خلاف بين أهل العلم في باب الإجارة. ومِن فوائد هذه الآية: كمال حياة الآخرة؛ لقوله: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ، وهو كذلك؛ لأنَّ الدار الآخرة دائِمة إما على الخير وإمَّا شر. ومِن فوائد الآية: الحث على العلم؛ لقوله: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ومنها: أنَّ مِن العلم بل مِن أفضَل العلوم التَّفريق بين الأمور النافعة والأمور الضارة، وهذا التفريق مِن أعظم ما يكون، إذا أُوتِيَه الإنسان حقيقة أوتِيَ خيرًا كثيرًا، إذا أوتي معرفة الفرق بين الأمور النافعة والضارة ومعرفة الفرق بين الأمور المتشابهة في العلم فهو ينالُ خيرًا كثيرًا. وقد صنَع بعض أهل العلم شيئًا مِن ذلك، فصاروا يؤَلِّفُون كتبًا اسمُها: الفروق والتقاسيم، مثلًا يذكرون: الفرق بين الفرْض والنفل، الفرق بين الأذان والإقامة، الفرق بين الجَعَالة والإجارة، الفرق بين العطِيَّة والوصِيَّة، الفرق بين كذا وكذا ويذكرون الفروق، وهذه مفيدة لطالب العلم، وهنا قال: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: الفرق بين الدنيا والآخرة ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. طالب: (...). الشيخ: في مؤلَّفات. الطالب: (...). الشيخ: لا ما نعرف، أنا ما أعرف، لكنه دائمًا في الإنصاف: ذكرَه فلان في الفروق والتقاسيم وما أشبه ذلك، الشيخ عبد الرحمن له رسالة صغِيرة في هذا الموضوع لكن ما استوعبه، إنَّما مفيدة في هذا الباب. طالب: كتاب القرافي؟ الشيخ: القرافي؟ إي نعم ما رأيْته. طالب: رسالة الشيخ؟ الشيخ: رسالة الشيخ اسمها القواعد، صغيرة ما هي كبيرة، القواعد والتقاسِيم، هذا.. طالب: (...) الحروف والقواعد. الشيخ: إي نعم. قال: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَإلى آخره [العنكبوت: ٦٥] طالب: يا شيخ، بالنسبة لقصد الدنيا وقَصْد الآخرة ترى الذين يُسَمُّون أنفسهم العارفين يقولون مثلًا: لا أعمل لأجل الجنة ولا خوفًا مِن النار، ويسمون هذه عبادة العبيد أو (...). الشيخ: (...) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَإلى آخره. مِن فوائد هذه الآية: بيَان أن المشركين -فيما سبق- يُخلِصُون في حال الشدة. ومِن فوائدها: اعتراف المشركين ضِمْنًا بأن آلهتَهم لا تنفعهم، لو كانوا يعتقدون نفعَها لدَعَوْها في هذه الحال، لكن هم يعرفون أنها ما تنفَعُهم. ومن فوائدها: أنَّ إشرَاكَ السابقين أهوَن مِن إشراك مَن أشْرَك مِن هذه الأمة ولَّا لا؟ لأنَّ المشركين مِن هذه الأمة ما هم يدعون الله، يدعُون أولياءَهم والعياذ بالله ومَن اتخَذُوهم أندادًا مع الله، يقولون مثلًا الرافضة يدْعُون عليًّا، يا علي! يا علي! طالب: عند الكعبة (...). الشيخ: إي نعم، وسمعت رجلًا منهم يدعُو عند المقام ويرفع صوته: يا علي يا علي! يرفَع صوتَه (...)، فجاءَه أحدُ رجال الحسْبَة فزجَرَه وقال: تُشْرِكُ تحت الكعبة! اخرُج. فقال: إنَّما أنا أقول: يا عليُّ، والله يقول في القرآن: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥] يعني أنَّه ينادِي الله، وهذا مِن التقية اللي هم يتَّخذُونَها وهي سَبِيلُ المنافقين. فهذا لا شك -فيما يظهر لي والله أعلم- أنَّه ما يريد الله، إنما يُريد عليًّا؛ لأنَّه لو كان يُريد الله لقال: يا ربِّ، أو: اللهم، أو ما أشبه ذلك، لكن لَمَّا وقَع في شَرَك العَدْل والتوحيد (...) الكلام ادَّعى هذه الدعوة، والحاصل أنَّ شِركَ مَن أشرك في هذه الأمة أعظَم مِن شرك المشْرِكين فيما سبق. ومِن فوائد الآية: أنَّ اللجوءَ إلى الله عز وجل أمرٌ فِطْرِيٌّ غريزِيّ؛ بدليل أنَّ هؤلاء غلبَتْهُم الفطرة حتى دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ. ومِن فوائد الآية: أنَّ الدعاءَ مِن الدين؛ لقوله:

(دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَأي: الدُّعاء) ولا شكَّ أن الدعاء مِن الدين والعِبادة؛ لأنَّ فيه غاية الذل والاعتِرَاف بالكمال لله عز وجل، أليس كذلك؟ فيه غاية الذل والاعتراف بالكمال لله عز وجل، وهذه هي العبادة. أنت عندما تقول: يا رب، معنَاها أنك مُفْتَقِر إلى الله عز وجل، ومعناها أنَّ الله كامل ولَّا لا؟ إي نعم؛ ولهذا بايَع الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ألَّا يسألُوا الناس شيئًا، فكان الرجل يسْقُطُ سوطُه مِن بعيرِه فينْزِل ويأخذُه ولا يقول: ناولْنِي إيَّاه يا فلان . بينما إنه مع الأسف الآن في وقتِنا تجِد الإنسان يتذَلَّل غايَة الذُّلّ في سُؤَال المـَال وهو غير مُحتاجٍ إليه، هؤلاء يأتون يومَ القيامة وما في وجوهِهم مُزْعَةُ لَحْمٍ والعياذ بالله، فالمهم أنَّ الدعاء تذَلُّل؛ ولهذا كان مِن العبادة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ هؤلاء المشركين إذا نجَوْا مِن الشدة كفَرُوا بالنِّعْمَة: لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ. ومِن فوائدِها: سفَهُ مَن يجْعَلُ النِّعَم سببًا للأَشَر والبَطَر، فإنَّ هذا فيه مِن مشابهة المشركين ما هو ظَاهر، اللي يجعلون النِّعْمة سببًا للأشر والبطر هؤلاء الْمُشابهون للكفار؛ لأنَّ الواجب على مَن أنعَمَ الله عليه نعمَة أن يزدادَ عبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنَّ العبادة مِن الشكر، فإذا أنعم الله عليك بالنعمة فازْدَدْ له شُكْرًا. ولهذا: كانَ الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلم لما دخَل مكة فاتحًا قد طَأْطَأَ رأسَهُ حتى إنَّه ليُصِيب مَوْرِكَ رحلِه عليه الصلاة والسلام، كُلّ هذا مِن أجل التَّذَلُّل لِلمُنْعِم سبحانه وتعالى، فلا تجْعَل نِعَمَ الله عليك سببًا للأشر والبَطر، بل اجعلْها سببًا للشُّكْر والذُّلِّ لله سبحانه وتعالى، حتى تزدادَ هذه النِّعَم وتكونَ نِعَمًا حقِيقِيَّة. وقوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٦٦] نُفَسِّر هذه الآية على أنَّها للأمر. فيستفَاد منها: تَهديد أهل الكفر والتَّمَتُّع المحرَّم؛ لأنَّ الأمر هنا للتَّهْدِيد؛ إذ لا يأمُرُ الله أحَدًا أن يكفر، ولا أن يتمَتَّعَ تمتعًا محرَّمًا. ويستفاد منها على قراءَة اللام التي للتعليل: أنَّ هؤلاء الذين أشركوا صارَت عاقبة أمرهم أيش؟ الكفر والتمَتُّع الزَّائِل؛ ولهذا قال بعدَه: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، فيستفاد منه: تهديد هؤلاء الكفار الذين ليس لهم إلَّا هَمُّ التمَتُّع بالدنيا. ومِن فوائدِها: الحَذَرُ الشديد مما كان عليه بعض المسلمين اليوم حيث صارَ ليس لهم هَمٌّ إلا أيش؟ التَّمَتُّع بالدنيا فقط، تجِد أكثر ما يتكَلَّمون عليه: الرَّفَاهِية والتَّرْفِيه وما أشبه ذلك، لكن أمراض القلوب وعلل القلوب وانحرافات القلوب قَلَّ مَن يتكلم عليها مع أنَّها هي الأصل. ترفِيهُ الأبدان إذا مرضت القلوب ويش الفائدة منه؟ ما فيه فائدة إلَّا أنَّه إذا نزَلَت النِّقْمَة مِن الله ازدَاد الإنسان حَسْرَة والعياذ بالله، لكن ترفيه القلب بطَاعَةِ الله عز وجل هذا هو الذي فيه الفائِدَة للبَدَن ولِكُلِّ شيء: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]. ثم قال الله تعالى مُذَكِّرًا هؤلاء الكفار بنعْمَةٍ عظيمة لا ينَالُها أحدٌ سواهم فقال:

(أَوَلَمْ يَرَوْا [العنكبوت: ٦٧]: يعلَمُوا) وسبق لنا الكلام على إعراب مثل هذا التركيب: أَوَلَمْ يَرَوْا، وقلنا: إنَّ في ذلك لأهل العلم.. طالب: (...). الشيخ: (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْقتلًا وسبيًا دونَهم) قال تعالى: (أَفَبِالْبَاطِلِالصنم يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَبإشراكِهم؟) الاستفْهَام هنا لِلتوبيخ: أَفَبِالْبَاطِلِ، وهو يقال فيه كما يقال في: أَوَلَمْ يَرَوْا؛ بمعنى أنَّ الهمزة هل هي بعد الفاء وأُخِّرَت الفاء، أو إنَّها في مكانِها والعطف على الجمل السابقة؟ أَفَبِالْبَاطِلِقال المؤلف: (الصنم) وفي هذا نظر إلَّا إذا قصد المؤلف التَّمْثيل، وأنَّ مِن جُملة الأشياء الباطِلة الأصْنَام، وإلَّا فإنها تشْمَل كُل ما لا خَيْرَ فيه مِن صنم أو دُنيا أو رئاسة أو غيرِه، كلُّ شيء سوى الحق فهو باطِل. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ» فعلى هذا نقول: الباطل أعَمُّ مما ذكر المؤلف. وقوله: يُؤْمِنُونَأي يصَدِّقُون ويطمَئِنُّون إليه، فهم تجِدُهم في الأمُور الباطلة مُطْمَئِنِّين مصَدِّقِين مُتَّبِعِين، لكن بنعمة الله يكْفُرون: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ. وقوله: بِنِعْمَةِ اللَّهِأي: بما أنعم عليهم مِن المال والجَاه والرئاسة وغيره يَكْفُرُونَ؛ لأن هذه النعم تحتاج إلى أي شيء؟ إلى شكر؛ بالرُّجوع إلى طاعة الله، فإذا بَقِي الإنسان على معصية الله مع إدْرَار النِّعَم عليه صارَ بذلك كافِرًا. وممكن أن نقول بالنسبة للمسلمين: بِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَالنِّعمة المادية الجسَدِيَّة، والنعمة المعنوية القلبِيَّة، فالإسلام أكبَر النعم علينا ولَّا لا؟ إذا كفر به الإنسان ولم يقُم بواجباتِه فإنَّه يُوَبَّخ على هذا، يقال: ألسْتَ مسلمًا؟ فسيقول: بلى. طب لماذا لم تُصَلِّ؟ لماذا لم تُزَكِّ؟ لماذا لم تصُمْ؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا مِن الواجبات؟ فشُكْرُ نعمة الله بالإسلام واجب، كما أنَّ شكرَ نعمة الله تعالى علينا بالمال والبَنِين والأمن والراحة وما أشبه ذلك واجبٌ، بل الشكر على الإسلام أوجَب، وكُفْرُ الإسلام أخطَر؛ لأنَّ الله يقول: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨]، ويقول: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام: ٨٩]. يمكِن أن ينزِع الله الإسلام مِن قومٍ لا يقومُون بواجباتِه، مثل ما ينزع الأمْن والرَّخاء مِن قومٍ لا يشْكُرون هذا الأمْنَ والرخاء، النعم واحِدَة، وسبيلُها واحد. وقوله: وَبِنِعْمَةِ اللَّهِذي واحدة ولَّا كثيرة؟ طلبة: كثيرة. الشيخ: طيب وليش أنه قال: نعمة الله؟ طالب: مُفْرَد مُضَاف. الشيخ: مُفْرَد مُضَاف فيَعُمّ، الدليل قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِشوف تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] ولو كانت واحدة ما تبغي عَدًّا ولا إحصاءً معروفة. طالب: (...). الشيخ: لا ما تُثَنى إلا باعتبار النوع، ما تثَنَّى، قال: وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ. أين يتعلق قولُه: بِنِعْمَةِ اللَّهِ؟ طالب: بـ يَكْفُرُونَ. الشيخ: بـ يَكْفُرُونَ. فقُدِّمَت لِإفادة الحصر، كأنَّهم لا يكفرون بشيءٍ إلَّا بنعمة الله، وهذه فائدة معنوية.

وفيها أيضًا فائدة لفظِيَّة: وهي مراعَاة الفَوَاصل.

تفسير الآيتين (٦٨-٦٩)

ثم قال سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا [العنكبوت: ٦٨] أي أشرَكَ به.

قوله: مَنْيقول المفَسِّر: (أي لا أحد)، وعليه فيكون الاستفهامُ هنا بمعنى النَّفي، وفائدة إتيَان الاستفهام في موضع النفي أنه يكون مُشْرَبًا معنى التَّحَدّي، كأنه يقال: إن كنتَ صادِقًا فأَعْلِمْنِي أنَّ أحدًا أظلَم، فالاسْتفهام في موضِع النفي هذه فائدتُه؛ أنَّه يكونُ مُشربًا معنَى التحدي. قال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًاأي لا أحدَ أظلَم مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا. قوله: لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى: اختلَق عَلَى اللَّهِ كذبًاقال المؤلف: (بأَن أشركَ به). وهذا أيضًا تفسير قاصر إلا أن يُريد أيش؟ إلا أن يريد التمثيل، مَن أشرَك بالله فقد افترى على الله كذبًا كيف ذلك؟ لأنَّه زعَمَ أنَّ مع الله إلهًا آخَر وهو كاذِب، مَن قال: إنَّ الله حرَّم كذا، وهو لم يحَرِّمه فقد افترَى على الله كذبًا، فهمتم؟ مَن قال: إنَّ الله أراد بكلامه كذا دون كذا فقد افتَرَى على الله كذبًا، مَن قال: إنَّ الله ليس له يدٌ حقيقة وليس له وجهٌ حقيقة وليس له رضًا حقيقة وما أشبَه ذلك فقد افترى على الله كذبًا، والافتراء على الله كذبًا له أنوَاع كثيرة وأفرَاد لا تُحصَى، فكلُّ مَن قال عن الله أو عن أفعاله أو عن أحكامه شيئًا لم يقُلْه الله ورسوله فإنه مُفْتَرٍ على الله كذبًا. وقوله: مَنْ أَظْلَمُيشكل علينا أنه في بعض الأحيان تأتي مثل هذه الصيغة في مسألة غير هذه يقال فيها: مَنْ أَظْلَمُ [البقرة: ١١٤]، وقد جمعهما الله سبحانه وتعالى في آية: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: ٩٣]. عدة مسائل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤] ماذا نقول ونحن فسرنا مَنْ أَظْلَمُأي لا أحد أظلم؟ فكيف نجمع بين هذه النصوص؟

طالب: (...). الشيخ: زين، واضح؟ طالب: (...). الشيخ: إي، يعني إمَّا أن نقول: لا أحد أظلم في هذا المعنَى المعيَّن؛ يعني مثلًا الافتراء -افتراء الكذب- يكون على الله ويكون على غيرِه، كده ولّا لا؟ أيُّهما أظلم؟ طالب: مَن افترى على الله. الشيخ: مَن افترى على الله. مَن منع مساجد الله، المنْع يكون منْع المساجد، ويكون منع الأسواق، ويكون منع البيت بيتك أنه ما تدخله مثلًا، أيُّها أعظم منْعًا؟ طالب: مسَاجِد الله. الشيخ: مسَاجِد الله. وهكذا نجعَل كل شيء مختَصًّا بما يقتضيه السياق. أو نقول: إنَّ الجميع اشتَرَك في الأظْلَمِيَّة؛ يعني: ما من أحد أظلَم من هذا، ولا أظلَم من هذا، ولا أظلم مِن هذا، ولا أظلم مِن هذا إلى آخرِه، وصار المعنى أنها كلها اشتركت في أيش؟ في الأظلَمِيَّة (...). فمَن قال: إنَّ مع الله شريكًا؛ فقد افترى على الله كذبًا، ومَن قال: إنَّ مِن أسماء الله كذا -وهو ليس من أسمائه- فقد افترى على الله كذبًا. النصارى يُسَمُّون الله: الأب، والفلاسفة يقولون: إنَّه العِلَّة الفاعلة، وهذا كذِب على الله عز وجل. وكذلك الكذب على الله في صفاتِه وقد سبق أمثلَتُه. الكذِب على الله في أحكامه مثل الذي يقول: هذا حلال، وليس بحلال. أو حرام، وليس بحرام، وما أشبه ذلك. فالله تعالى بيَّن أنَّه لا أحدَ أظلَمُ مِن هذا، وسبق الجمع بين هذه الآية ومثلِها في: مَنْ أَظْلَمُأنه يُجمع بينهما مِن أحد وجهين. قال الله تعالى: أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ. كَذَّبَ بِالْحَقِّالحق: هو الشيءُ الثابت إن كان خبَرًا فهو الصِّدْق، وإن كان أحكامًا فهو العدل. وقوله: لَمَّا جَاءَهُلَمَّابمعنى (حين) حين جاءَه كذَّبَ به. وقوله: لَمَّا جَاءَهُ؛ لأنه قبل مجيئِه إليه لا يُلزَمُ به، فإنَّ الله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]. فالله سبحانه وتعالى برحمتِه وعدلِه لا يُعاقِبُ أحدًا حتى تقوم عليه الحجة ببلُوغِ الشرْعِ له. وقوله: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًىمأوًى لِلْكَافِرِينَأي فيها ذلك وهو منهُم). قول المؤلف: (أي فيها ذلك) إشارة إلى أنَّ المراد بالاستفهام هنا التَّقْرِير، والغالب أنَّه إذا دخلت همزةُ الاستفهام على أدَاةِ نفْيٍ الغالب أنَّها للتقرير، وأمثلَة هذا كثيرة مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨]، أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: ٤٠]، وأشبَاه ذلك، فكلُّ هذا يدُلُّ على أنَّ الهمزَة هنا للتَّقْرِير. قوله هنا: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًىالمعنى: في جهنَّم مثوًى؛ ولهذا قال المؤلف: (أي فيها ذلك وهو منهم)، (وهو) أي مَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كذبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمنهم؛ أي مِن الكافرين. وقوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًىالمثْوَى: هو المأْوَى، لكن المأوى الذي هو محَلّ إقامة يَأْوِي إليه على أنَّه محل إقامَتِه، فثَوى في كذا؛ أي: أقَام فيه إقامَةً دائمة. وقوله: لِلْكَافِرِينَهو في الحقيقة إظْهَار في موضِع الإضْمَار؛ إذ إنَّ مقتضَى السياق أن يقال: أليس في جهنم مثوًى له، لكنَّه أظْهَرَ في موضع الإضمار، وذكرْنا أن الإظهارَ في موضع الإضمار يُستفاد منه ثلاث فوائد: طالب: التوكيد. الشيخ: (...) ضمير الفصل. طالب: تعميم الحكم (...). الشيخ: صح، أولًا: تعميم الحكم بحيثُ يكون عامًّا له ولغيرِه، طيب هذا واحد. طالب: (...). الشيخ: نعم، صحيح؛ أنَّ الحكم عليه بهذه الصِّفَة؛ يعني أنَّه مثلًا كافِر في المثال اللي معنا كافِر، فيُستفاد التَّسْجيل على هذا؛ أي على موضِع الضمير بأنَّه متَّصِفٌ بهذا الوَصْف، الفائدة الثالثة: طالب: التعليل. الشيخ: التعليل إي نعم، إفادة التعليل إذا كان مشْتَقًّا أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ، التقدير: لِكُفْرِه. لو قال: أليس في جهنم مثوًى له. ما استفَدْنا هذه الفوائد الثلاث، فتكون الفوائد إذن: أولًا: دلالة التَّعْمِيم. وثانيًا: الحكم على مَرْجِع الضمير بما يقتَضيه هذا الوصف. والثالث: إفادَةُ العلة أو الإشارة إلى العِلة، وهذا إذا كان مشْتَقًّا. ثم قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا [العنكبوت: ٦٩] في حَقِّنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاأي: طُرُقَ المسِير إلينا) الَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَامبتدأ، وجملة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاخبرُه، والخبرُ كما ترون مؤكَّدٌ بثلاثة مؤكدات؛ وهي: القسم، ويش بعد؟ واللام، ونون التوكيد. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَاجَاهَدُواأي: بذَلُوا جُهْدًا في الوصول إلى الغاية، هذا هو الجِهَاد، بذل الجهد للوصول إلى الغاية يُسمَّى جهادًا.

وقوله فِينَاقال المؤلف: (في حقنا) أي في دِين الله وما يجِب له سبحانه وتعالى، ومِن بيان شريعة الله سبحانه وتعالى؛ ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر، ومنه كَفُّ النفس عما يحرُم وإلزامُها بما يجِب، كلُّ هذا من الجهاد في الله، ومنه أيضًا قتالُ الكفار لإعلاء كلمةِ الله، فالآية عامة، كلُّ مَن بذَل الجهاد في الله فإن جزاءَه عاجلًا قبل الآجِل. لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاهدَاية دَلَالة وهِداية توفِيق، فهنا شاملة لأمرين؛ ولهذا قال: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاولم يقل: (لنهدينهم إلى..) بل قال: سُبُلَنَا، فعَدَّى الهداية بنفسِها إلى المفعول الثاني، وإذا تعدت الهداية بنفسها إلى المفعول الثاني شمَل الدَّلَالة والتوفيق. ومنه قوله تعالى في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] لم يقل: (اهدِنا إلى الصراط)، بل قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ؛ لِيَشْمل الهداية إليه والهداية فِيه، الهداية إليه الدَّلالة إليه أنه يدُلّك على هذا، والهداية فيه أن يُوَفِّقَك لِلعمل في إطَارِ هذا الصِّراط. فإذن لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَايشمَل أيش؟ هداية الأمرين: هداية الدَّلَالة والعِلْم، وهداية التوفيق والإرشاد، وهذا وعدٌ مِن الله عز وجل مؤَكَّدٌ بهذه المؤكدات الثلاث، إذا كان الإنسان يُؤمِن بهذا الوعد؛ لأنَّه مِن الرَّبِّ جَلَّ وعلا وهو لا يُخْلِفُ الميعاد لِتَمَامِ علمِه وقدرَتِه وصِدْقِه أيضًا، عِلْم وصِدْق وقُدْرَة، وإِخلاف الـمَوْعِد يكون بتخَلُّفِ واحِد مِن هذه الثلاثة، ما هي؟ العِلم والصدق والقدرة. ما أحد يخلفك الموعد إلَّا جاهل وعَدَك بشيءٍ وهو يظَنُّ أنه حصل ولم يكن على ظنِّه، أو إنسانٌ كاذب وعدَك فكذَبَك، أو إنسان عاجز هو صَدُوق ويعلَم الأسباب لكن عجز، أمَّا الله عز وجل فقد انتفى في حقِّه كل هذه الثلاث: الجهْلُ، والكذِبُ، والعَجْز، فلِتمامِ قدرتِه وعلمِه وصدقِه لا يُخلِفُ الميعاد. أقول: مَن صدَّق بهذا -والحمد لله نحن نُصَدِّقُ به- فإنَّه لا بد أن يبذُل جُهدَه في حَقِّ الله؛ يُجَاهِد، وهذا هو مِصْدَاقُ ما جاء في الآثار الكثيرة مِن أنَّ الإنسان إذا عَمِل بعلْمِه فإنَّ الله تعالى يزِيده عِلمًا، يُثَبِّتُ علمَه الذي كان يعمَل به ويزِيدُه علمًا؛ ولهذا قيل: قيِّدُوا العلم بالعَمَل. وقيل: العِلْم يهتِف بالعَمَل، فإن أجاب وإلَّا ارتَحَل . يهتِف يقول: تعال، إن أجابَ وعَمِلَ الإنسان بعلمِه بقِي وزادَ أيضًا، الله يقول: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاهذه زيادة، وإن لم يُجِب ارتَحَل العلم، وهذا حَقّ يؤيِّدُه الواقع ويؤَيِّدُه المعلوم بالشرع، أمَّا الواقع فإن الإنسان إذا صَار يعمَل بعلمِه فإنَّ عملَه بالعلم دراسَةٌ له في الحقيقة، أليس كذلك؟ نعم ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم، إذن العَمَلُ بالعِلم دراسَةٌ له، أنت تعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وتُطَبِّق ذلك في كل صلواتك، تنْسَاه ولَّا ما تنساه؟ طالب: ما تنساه. الشيخ: ما تنساه؛ لأنَّ التطبيق دِرَاسة. ثانيًا: مِن الناحية الشرعية يقول الله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: ٧٦]، فكل مَن اهتدى فإنَّ الله تعالى يزِيدُه هدًى وعلمًا وفي الحقيقة، نحن نعرِف هذا ونقرؤُهُ دائمًا، لكن يغْلِبُ علينا السَّهْو والغفْلة والنسيان، ولَّا نعلم أن هذا حق وأنَّ كل مَن عَلِمَ فعَمِل فإنَّ الله تعالى يزيدُه ثباتًا في علمه وفضلًا مما لا يعْلَمُه. طالب: (...) هِدَاية الدَّلالة (...). الشيخ: إيه لكن هِدَاية الدَّلالة تتَفَاوت، أنت الآن هل تعلم كلّ ما دَل عليه الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الطالب: الصلاة والصِّيام.. الشيخ: لا، أسألك الآن أَجِبْنِي. الطالب: (...). الشيخ: ما تعلم ولا أحد يدَّعي ذلك، إذن فهداية الدلالة ما هي ثابتة لكل أحد، الدلالة في الأصل موجودة، لكن اهتداء الإنسان أو علمه بهذه الهداية محدُود، وإلا الكتاب والسنة كلها (...) ما هنا شيء يحتاج الناس إلى الاهتداء إليه إلا وهو مَوجود في الكتاب والسنة، لكن هذا الموجود ليس موجودًا لِكل إنسان، إي نعم.

وقوله: سُبُلَنَاالضمير هنا (نا) ضمِير جمع، ما تقول في ضَمِير الجمع هذا؟ طالب: التعظيم. الشيخ: التعظيم؟ يقول النصارى: إنَّه للتثليث. الطالب: كذَبوا. الشيخ: كذبوا؟ أعطنا دليلًا على كذبهم. الطالب: قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣]. الشيخ: إيه طيب، كمِّل الآية عشان يبين. الطالب: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة: ٧٣]. الشيخ: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌكذا؟ كَفَرُوا بقولهم: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وأبطل الله ودلَّل على بطلان قولهم بقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ، وهذا أمْرٌ معلوم بالحس والعقل والفطرة، فإذن هذه الآيات الآية وشبهها التي أضَاف الله فيها الأمْرَ إلى نفسه بصيغة الجَمْع هي مِن متَشابه القرآن عند قوم. النصارى يقولون: أنتم تقولون الله واحد، والله دائمًا يقول: نحن وفعلْنا وقلْنا، وما أشبه ذلك، كيف تقولون: الله واحد؟ وهذه الضمائر لأي شيء؟ لِلجمع. فنقول: إنَّ هذه للتعظيم، كما يقول ملكُكم أو قِسُّكم يقول: فعلْنا وقلْنا وما أشبَه ذلك، مع أنَّه واحد، لكن له أُناس يأتَمِرون بأمرِه ويقولون بقولِه. قال: (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاأي: طُرُق السَّيْر إلينا) وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَهذه الجملة مؤَكَّدة بـ (إن) واللام، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَلَمَعَ(مع) هذه حرف ولَّا اسم؟ طالب: حرف. الشيخ: حرف؟ مثل هذه. الطالب: (...). الشيخ: كيف وجْهُ جوازِها؟ الطالب: (...). الشيخ: ولا صارت مفتوحة. طالب: إذا كانت ساكنة حرف. الشيخ: حرف. الطالب: إذا كانت ساكنة. الشيخ: إيه، الظاهر أنه (...) عليك ما تقول؟ طالب: (...). الشيخ: طيب وإذا صارت غير مفتوحَة؟ الطالب: (...). الشيخ: يعني وافقته على (...). الطالب: (...). الشيخ: ما تقولون أنتم؟ طالب: حرف. الشيخ: حرف؟ حرف أيش؟ حرف جَرّ؟ طالب: (...). الشيخ: طيب الآن، كيف تُعْرِب (مع) مضَافًا و(المحسنين) مضَافًا إليه؟ طالب: لَمَعَمنصوبة على المعِيَّة. الشيخ: ما يخالف، منصوبة على المعيَّة، لكن كيف مَعَ الْمُحْسِنِينَالْمُحْسِنِينَأيش إعرابها؟ الطالب: (...). الشيخ: مجرورة بأيش؟ الطالب: بـ (مع). الشيخ: بـ (مع)، بِالإضَافة؟ الطالب: نعم. الشيخ: إذن صارت اسمًا؛ لأنَّه لا يُضَاف إلَّا الاسماء. هي في الحقيقة فيها خلاف بين النحويين: منهم مَن يرَى أنَّها اسمٌ وهو الصحيح بلا شكّ، ومِنهم مَن يرى أنَّها حرف. وفيها لغتان: الفتْح وهو الأكثَر، والتسكِين. قال ابن مالك:

ومَـــــــعَ مَـــــــعْ فِيهَـــــا قَلِيــــــلٌ وَنُقِـــــــــــلْ

فَتْــــحٌ وَكَسْـــــرٌ لِسُكُـــــونٍ يَتَّصِـــــلْ

الحاصِل أنَّ لَمَعَالصحيح أنَّها ظرْف اسْم، وأنَّها منصُوبة على الظَّرْفِيَّة؛ لأنَّها تدُلّ على الصُّحْبة، ومَعَمضاف، والْمُحْسِنِينَمُضافٌ إليه. وقول المؤلف: (لَمَعَ الْمُحْسِنِينَالمؤمنين) هذا تفسِير ناقص؛ لأنَّ الْمُحْسِنِينَأخَصُّ مِن المؤمنين؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ» إلى آخرِه، ثم قال: «الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» . فكل مُحْسِن إحسانًا شرعيًّا -ما هو عادِيًّا- فهو مؤمِن ولا عكس. وأقول: إحسانًا شرعِيًّا؛ احترازًا مِن الإحسان العادِيّ، فإنَّ الإحسان العادي يقَع حتى مِن الكافر، أليس كذلك؟ لكِن الإحْسَان الشرعي الذي فسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، هذا أخَصُّ مِن المؤمِن. وقوله: (بالنَّصْر والعَوْن) نعم صحيح هو معَهم بذلك، وليس معَهم في مكانِهم؛ لأنَّ هذا شيءٌ مستحِيل على الله عز وجل أن يكون مع الناس في أمكنَتِهم لا المحسنين ولا غير المحسنين؛ وذلك لأنَّ هذا القول يستلْزِم نفْيَ علُوِّه، وقد التزَم بذلك مَن قال به مِن الجهْمية القُدَماء منهم أيضًا ولَّا المتأخرون كما قرَّرناه غير مرة ماذا يرَوْن بالنسبة لمكَان الله؟ طالب: (...). الشيخ: لا لا، يرَوْن أنَّه لا داخِلَ العالم ولا خارِجَه، ولا فوقَ العالم ولا تحتَه، ولا مُتَّصِل ولا مُبَاين، هذا ما استقَرّ عليه مذهب الجهمية، وتبِعَهم في ذلك الأشاعِرة؛ فإنَّهم يرَوْن هذا النفي المحض والعياذُ بالله، أمَّا قدماءُ الجهمية فقالوا بأنَّه -تعالى- في الأرض وليس في السماء؛ ليس علا في السماء، ومِن العجائب أن نَفَوُا العلو مع تطَابق الأدلة عليه، وأثبَتُوا الحلُول مع تطَابُق الأدلة على إنكَارِه. العُلُوّ تقدَّم لنا أنَّه دَلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة وإجماع سلف الأمة، أليس كذلك؟ الكتاب مَمْلُوءٌ بما يدُلُّ على هذا، حتى إنَّ بعض أهل العلم قال: إنَّ في الكتاب ألْف دليل على عُلُوِّ الله، والسنةُ كذلك مملوءة مِن الدلالة على علُوِّ الله عز وجل على وجُوهٍ متنوِّعَة: قَول وفعل وإقرار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ» . وقال: «الْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» . وأشارَ عليه الصلاة والسلام بأصْبُعِه إلى السماء يُشْهِد الله على إِقْرَارِ أمَّتِه بالبلَاغ في أعظَم مجْمَعٍ للمسلِمين، متى؟ يوم عرفة حين قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . ودعا في خُطبَة الجمعة دعَا ربَّه فرفَع يديه إليه يقول: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» . هذه سُنَّة فعلِية ولَّا قولية؟ فِعْلية. أمَّا الإِقْرَارِيَّة فإنه سَأَلَ الْجَارِيَةَ قَالَ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . طالب: (...). الشيخ: نعم، وأمَّا دلالة العقْل على ذلك فهي ظاهِرة أيضًا؛ لأنَّنا نقول: العُلُوُّ صفة كمال ولَّا صفة نقص؟ صِفَةُ كمال ولا أحد ينكِرُ هذا، والسُّفُول صِفَة نقْص، والله سبحانه وتعالى مُسْتَحِقٌّ للكمال أو واجِبٌ له الكمال، مُنَزَّهٌ عن النَّقْص، أمَّا الفطرة فسل الصَّبِيَّ والعجُوز والعَامِّيَّ الجاهل الذي لا ..