تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة العنكبوت - ١٢

درس صوتي · ٩١:٤٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

(...) من فوائد الآية أيضًا: إثبات عُلُوِّ الله، من أين تؤخذ؟ طالب: (...). الشيخ: ما فيها (وأنزلنا)، من قوله: أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ [العنكبوت: ٥١]. ومنها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ، وهذا يعني أنه موحًى إليه به. ومنها: الإشارة إلى شَرَف هذا القرآن؛ حيث كان مكتوبًا في اللوح المحفوظ وفي الصُّحُف التي في أيدي الملائكة. ومن فوائد الآية: أن المشركين قد قامت عليهم الْحُجَّة؛ لقوله: يُتْلَى عَلَيْهِمْ، فهو ليس غائبًا عنهم حتى يعتذروا، ولكنه يُتلى عليهم. ومن فوائد الآية: أن مجرَّد تلاوة القرآن على شخصٍ يكون مُلْزِمًا له بالاتِّباع؛ لأن الله لم يَذكُر أكثر من ذلك يُتْلَى عَلَيْهِمْ، فإذا تُلِيَ القرآن على إنسانٍ فقد قامت عليه الحجَّة، ولهذا الجنُّ ولَّوْا إلى قومهم منذِرينَ، بماذا؟ بمجرَّد أن سَمِعوا القرآنَ؛ قالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن: ١، ٢]، يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠]، فقراءة القرآن مُلْزِمةٌ. طيِّب، إذا كان لا يَفْهم لغةَ القرآن هلْ يكون ذلك مُلْزِمًا؟ لا؛ لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، ما يَحصُل له البيان وهو لا يعرف اللغة. ومن فوائد الآية: ما يتضمَّنه إنزال القرآن من الرحمة؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً، ومن الذِّكْرى، وهي الاتِّعاظ والتذكُّر؛ لقوله: وَذِكْرَى. ومن فوائدها: أنه لا يَنتفع بهذه الرحمة والذِّكْرى إلا المؤمنون لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١]. ومن فوائدها أيضًا: أنه كلَّما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أكثرَ انتفاعًا بالقرآن، وكلَّما كان أضعفَ إيمانًا أو أكثرَ معصيةً كان أبْعَدَ عن فهم القرآن والانتفاع به، بلْ إنَّ المعاصي تَحُول بين الإنسان وبين فهْمِ القرآن، وقد استنبط بعض العلماء من قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٥-١٠٦] استنبطوا منها أن الاستغفار سببٌ لبيان الحقِّ عند الْحُكْم، سواء كان هذا الْحُكْم فُتْيَا أو حُكْمَ قضاءٍ، فإنَّ الإنسان إذا استغفر صار ذلك مفتاحًا للفَهْم والعِلْم؛ لأن الذنوب حائلٌ بين الإنسان وبين التوفيق؛ كما قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، ولهذا لما رانَ على قلوبهم هذا الشيءُ صاروا يقولون عن القرآن: إنه أساطير الأوَّلينَ. لم ينتفعوا به والعياذ بالله. طالب: مَنْ قال الاستغفار هنا بعد قصة الرسول صلى الله عليه وسلم مع بني (...)؟ الشيخ: إي نعم، لكن ذِكْرها بعد هذا يدلُّ على أن لها أثرًا حتى في المستقبل؛ يعني ليس هذا آخرَ حُكْمٍ للرسول عليه الصلاة والسلام. من فوائد الآية أيضًا: فضيلة الإيمان؛ حيث تَتِمُّ به الرحمة والذِّكْرى بالقرآن. طالب: إثبات الرحمة (...). الشيخ: نعم. فيها أيضًا: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً، فهو أنزله ليرحم به الخلْق. ثم قال تعالى: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ [العنكبوت: ٥٢] إلى آخره. يُستفاد من هذه الآية: أنَّ الله سبحانه وتعالى شهادته أعظمُ شهادةٍ وأكبرُ شهادةٍ؛ لقوله: كَفَى بِاللَّهِشَهِيدًا، وفي سورة الأنعام قال الله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩]. ومنها أيضًا: أن شهادة الله سبحانه وتعالى تكون بالقول وبالفعل؛ أمَّا بالقول فإن الله تعالى يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: ١٦٦]، وأمَّا بالفعل فإنَّ تمكينَ الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في الأرض ونَصْره إيَّاه وخذلان أعدائه أكبرُ شهادةٍ على أنه صاحب الحقِّ وأنَّ أعداءه أهلُ الباطل، فالشهادة إذَنْ نوعان: شهادةٌ فِعْلية، وشهادةٌ قولية. ومن فوائد الآية: إطلاق الشهادة على الْحُكْم، منين نأخذه؟ طالب: مِن الشهادة الفعلية لله. الشيخ: مِن قوله: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا، ما قال: شهيد لي عليكم، قال: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وقد سبق أن الحكْم شهادةٌ من وجهينِ؛ لأنه شهادةٌ بأن هذا حُكْم الله، وشهادةٌ للمُحِقِّ على أنه مُحِقٌّ وللمُبطلِ على أنه مُبْطلٌ. ومنها: إثبات علم الله عز وجل؛ لقوله: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وإثبات عموم العلم، والعموم غير مُطْلَق العلم؛ فالإنسان عالِمٌ، لكنْ هلْ عِلْمه عامٌ؟ لا، أمَّا الله عز وجل فإنه عالِمٌ وعِلْمه عامٌّ. ومن فوائد الآية: إثبات تعدُّد السماوات؛ لقوله: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وهي جَمْعٌ، وهي هُنا مبهَمةٌ، لكنها بُيِّنتْ في آيات متعدِّدة بأنها سبع سماوات. ومنها: إثبات علم الله بما يفعله الإنسان؛ لأن ما يفعله الإنسان داخلٌ في كونه في السماوات أو الأرض، فيكون في ذلك ردٌّ على غُلاة القَدَريَّة الذين أنكروا علم الله وقالوا -والعياذ بالله-: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العبد، وأنه مستأنف العلم. طالب: هلْ يصحُّ أن يؤخذ من الجملة السابقة جوازُ شهادة الحاكم؟ الشيخ: شهادة بأيش؟ الطالب: يشهد لأحد الخصمَينِ. الشيخ: ما يشهد، إنْ كان عنده شهادة ما يحكم بها كما قال أهل العلم، يحوِّلهم إلى قاضٍ آخرَ ويشهد. طالب: إن شِئتم أن أحكُم ولم أَشْهد أو أَشْهَد ولم أحكُم. على ما قال عمر رضي الله عنه. الشيخ: إي نعم. ومن فوائد الآية: أن الإيمانَ بالباطل والكفرَ بالله سببٌ للخسارة؛ لقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [العنكبوت: ٥٢]. ومنها أيضًا: أن الْخُسرانَ هنا بقَدْر ما آمَن الإنسان به من الباطل وكَفَر به من الحقِّ، فأعظمُه الشرك بالله عز وجل، ومنه ما هو دون ذلك؛ كما لو آمَن بحُكْمٍ مخالفٍ لِحُكْم الشريعة وكَفَر بحُكْم الشريعة، فإنَّ لديه من الْخُسران بقَدْر ما حَصَل منه من هذه المخالفة. وما فَسَدَتْ أحوالُ العالم الإسلامي وغير الإسلامي إلا بالْحُكْم بغير ما أنزل الله، ولو كانت الأُمَّة الإسلامية صادقةً في إرادة العِزِّ والكرامةِ والسعادةِ والفلاحِ، لو كانت صادقةً في ذلك لرجَعتْ إلى الحكْم بكتاب الله؛ لأن الحكْم بالقوانين الوضعية المخالِفة للشريعة لا شكَّ أنه خسارةٌ بنصِّ القرآن؛ فإنها باطلٌ، وما نزل به القرآن فهو الحقُّ، فيكون عليهم من الْخُسران بقَدْر ما خالَفوا من الحق. ومما يُستفاد منها: أن من حقَّق الإيمانَ باللهِ والكفرَ بالباطلِ فهو الرابح، ويدلُّ على هذا قوله تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر [العصر: ١ - ٣]. هلْ نأخذ من هذه الآية أن مَن آمَن بالباطل فهو كافر بالله؟ طالب: (...). الشيخ: كيف ذلك؟ طالب: من هذه الآية؟ الشيخ: إي من هذه الآية قصدي. طالب: من قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. الشيخ: إي، ما يخالف، لكنْ هل نقول: كل من آمن بالباطل فهو كافر بالله؟ طالب: من باب اللزوم. الشيخ: أبغي من الآية. طالب: (...) ظاهر. الشيخ: ظاهر الآية أنه ما يكْفر، لأنها جمعت أمرين، والعطف يقتضي المغايرة. ويمكن أن يُقال: إن قوله: آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِإن هذا لبيان حالِهِم وأنَّه يَلْزم من الإيمانِ بالباطل الكفرُ بالله؛ لأننا نقول: هَبْ أنَّه آمَن بالباطل وآمَن بالله أيضًا، هلْ يكون إيمانُه صادقًا، لو قال إنه يؤمن بالله ربًّا ثم صار يعبد الصنمَ ما صار مؤمِنًا بالله؛ فالإيمان بالباطل يَلْزم منه الكفرُ بالله. لكن هذا في الحقيقة حكايةٌ لحالهم أنهم جمعوا بين أمْرينِ صريحًا؛ فآمنوا بالباطل وكفروا بالله. ثم قال تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى [العنكبوت: ٥٣]. يُستفاد من هذه الآية أمران؛ استعجالهم بالعذاب يُستفاد منه أمران: الأول: سَفَهُهم؛ فإن الإنسان إذا وُعِدَ بالشيء فإنَّ العقل والرُّشْد يقتضي ألَّا يستعجل به، ولهذا قال المؤمن لآل فرعون: إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [غافر: ٢٨]، فكون الإنسان يُوعَد بالعذاب إذا لم يؤمِن ثم يَستعجِل به هذا من السَّفَه. والفائدة الثانية: تفيد أنهم قومٌ عُتَاةٌ معانِدون، ولهذا يَتَحدَّوْنَ أخبارَ الرُّسُل باستعجالهم بالعذاب. ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات حِكْمة الله وأنها غايةٌ في الكمال؛ لقوله: وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُفلولا الحِكْمة لعُوجِلوا بالعذاب لاستعجالهم به، ولكنْ الحِكْمة تقتضي عدم ذلك. وانظرْ إلى غايةِ الحِكْمة الإنسانية في قول الرسول عليه الصلاة والسلام لِمَلَك الجبال لما جاء يستأذنه قال: إنْ شِئْتَ طبَّقْتُ عليهم الأَخْشَبَيْنِ. فقال عليه الصلاة والسلام: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ» . ما ظنُّك لو أنَّ مِثْل هذا وَقَع لواحدٍ من الناس؟ قومٌ كذَّبُوه وأخرجوه مِن بلده، ثم رجع من البلد الآخر أيضًا على نفس الحال، مقتضى الطبيعة البشرية إذا جاءه مَن يقول: مكِّنِّي فأنا أُهْلكهم عن آخرهم، أن يقول: نعم، وجزاك الله خيرًا. لكن الحِكْمة هي التي تمنع الإنسان مِن أيِّ فِعْلٍ لا يُحمد عُقْباه فيما بَعْدُ، ولذلك يقول الله عز وجل: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩]، وكثيرًا ما يندم الإنسان على تصرُّفاته عند فوات الحِكْمة، فلهذا يجب على الإنسان أن يُغَلِّب جانِبَ العقل دائمًا لا جانِبَ العاطفة؛ لأن جانِبَ العاطفة فيه خَلَلٌ كثيرٌ، لكن تغليب جانِب العقل هذا هو الحِكْمة. ومن فوائد الآية: أنَّ أفعال الله سبحانه وتعالى مقدَّرة منظَّمة، ليست هكذا تأتي صُدَفًا أو تأتي بغير عِلمٍ أو تأتي بغير رُشْدٍ، بلْ هو سبحانه وتعالى كاملُ العِلْمِ كاملُ الحِكْمةِ، كلُّ أفعاله مقدَّرة منظَّمة. من أين تؤخذ؟ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ. ومن فوائد الآية أيضًا: أن الحوادث مقدَّرة عند الله تعالى في عِلْمه؛ لقوله: وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى، فيكون هذا فردًا من الأفراد الكثيرة الدالَّة على أن الله سبحانه وتعالى قدَّر ما يكون؛ لأن الخلْق تابعٌ للإرادة؛ متى أراد أن يفعله خَلَقه، لكنه مُقدَّر، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠]. وهاتان هما الدرجتان اللتان يتضمنهما القضاء والقدر لأن القضاء والقدر يتضمن أربع مراتب: هذه التي في الآية الكريمة مرتبتان وهما: العلم والكتابة إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍالعلم والكتابة، وباقٍ المرتبةُ الثالثةُ: المشيئة، والرابعةُ: الخَلْق.

عِلْـــــــــمٌ كِتَابَـــــــــــةُ مَــــــــوْلَانَا مَشِيئَتُــــــــــهُ

وَخَلْقُـــــــهُ وَهْــــــــوَ إِيجَــــــــادٌ وَتَكْوِيـــــــــــنُ

هذه هي مراتب القضاء والقَدَر عند أهل السُّنة والجماعة. ومن فوائد الآية: إضافة الفعل إلى الحادث؛ لقوله: لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُوالجائي به حقيقةً مَن هو؟ الله عز وجل، لكنْ يَصْدُق عليه أنَّه آتٍ. ومن فوائد الآية: عِظَم العذاب إذا جاء غيرَ متوقَّع؛ لقوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. ومن فوائدها أيضًا: تهديد هؤلاء المستعجلين بالعذاب بأنه سيأتيهم ولا بُدَّ، لكنْ يأتيهم على غِرَّةٍ وبَغْتةٍ ليكون أشدَّ وقْعًا. ومن فوائد الآية: تكرار ما به الذَّم على مَن يستحقُّه؛ لقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِهذا إذا جعلنا يستعجلونك بالعذاب [العنكبوت: ٥٤] الثانية توكيدًا للأولى، أمَّا إذا حملنا الأُولى على عذاب الدنيا والثانية على عذاب الآخرة فلا توكيد في المسألة. ومن فوائد الآية: أن أهلَ النَّار -والعياذ بالله- يأتيهم العذاب مِن كُلِّ وجْهٍ؛ لقوله: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [العنكبوت: ٥٤]. ومن فوائدها: عِظَم هذا العذاب؛ حيث كان يُغَلَّظ عليهم من ناحيتينِ: العُلو والسُّفْل؛ لأنه يكون لهم بمنزلة الغِطاء والوِطاء، فيكون كأنَّه مُطْبَقٌ عليهم بنارٍ ومُوقَدٌ عليهم من تحت بنارٍ -والعياذ بالله- هذا عدا ما يأتيهم من كل جانب؛ لقوله: لَمُحِيطَةٌ. ومن فوائد الآية أيضًا: ما يَحْصُل لهؤلاء المعذَّبينَ من التقريع والتوبيخ الذي فيه الألم النفسي، والألم النفسي قد يكون أشدَّ من الألم الجسمي؛ لقوله: وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٥٥]. ومنها: جواز التعبير بالسبب عن المسبَّب، من أين يؤخذ؟ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وهُمْ في الحقيقة لا يذوقون ما كانوا يعملون، إنما يذوقون جزاءَه، لكنَّه مِن باب التعبير بالسبب عن المسبَّب، وأيضًا فهو أشدُّ في التقريع إذا قال: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ لأن العمل هُمْ اختاروه بأنفسهم والجزاء لم يختاروه بأنفسهم، فكأنه يقول: هذا هو الذي اخترتم تمامًا. ومن فوائد الآية: أنَّ الجزاء من جنس العمل، منين يؤخذ؟ قوله: مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فجعل الجزاء هو نفس العمل، إذَنْ فهو نظيره تمامًا؛ لأنه عبَّر به عنه، وهذا بالنسبة للكفار وأهْل الظلم يُجَازَون بقَدْر أعمالهم، أمَّا مَن عَمِل خيرًا فإنَّه يُجزى الحسنةَ بعَشْر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ أعظم وأكثر. وآخِر الآية ما قرأناه لكن أتبعناه الفوائد . طالب: (...). الشيخ: نعم. الطالب: إثبات يوم القيامة. الشيخ: إثبات النار. طالب: ويوم القيامة (...) الآخرة.

طالب آخر: من جهنم (...). الشيخ: من جهنم أو من عذاب جهنم يكون في الآخرة، ولكنَّه قد يكون بَعْد الموت، إلا أنَّ قوله: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ [العنكبوت: ٥٥] قطْعًا في النار، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة. طالب: فيها ردٌّ على الجبرية؛ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَواضح. الشيخ: إي نعم، نِسْبة العمل إليهم تدلُّ على أنهم يفعلونه باختيارهم، فيكون فيها ردٌّ على الجبرية الذين يقولون: إنَّ الإنسان لا يُضاف إليه العمل إلا على سبيل المجاز فقط. فعَمَل الإنسان عندهم كإحراق النار، لَمَّا تَحرِقُه شيء مُجْبَر عليه بدون اختياره. طالب: (...) يأتيهم العذاب بَغْتةً. الشيخ: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً. الطالب: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً، يوافق قول الإنسان: (...) صُدْفة. الشيخ: ما تقولون في هذا؟ دائمًا نحن نُعبِّر نقول: لقيتُ فلانًا صُدْفةً، و: مَرَّ بِي صُدْفةً، وما أشبه ذلك. طالب: يصح، له وجهان. الشيخ: لا، هو يقول: الآية هذه يُستفاد منها جواز أنْ يقع الشيء على الإنسان صُدْفةً. طالب: بالنسبة له هو أما بالنسبة للخالق (...) مُقَدَّر. الشيخ: هو على كلِّ حالٍ كلمةُ الصُّدْفة هذه بالنسبة للخالق محرَّمة ولا يجوز لأحدٍ أن يقول: إن الله تعالى أَوْقَعَ هذا صُدْفة؛ بمعنى أنه هو نفْسه ما أرادَه ولا قَدَّره، لكنْ بالنسبة للإنسان نفْسه فالإنسان قاصِر العلم، يَقَع الشيء عليه بدون توقُّع فيقول: حَصَل كذا صُدْفة، أو: صادفني فلانٌ؛ بمعنى لقِيَني بدون سابِقِ عِلْمٍ وما أشبه ذلك، هذا لا بأس به، وما يزال الناس يعبِّرون به. طالب: شيخ، فيه ناس يقولون: العالم الفلاني (...) دجال (...) كأنهم مكذبون. الشيخ: أعوذ بالله، هذا خطير، قُلْ لهم: ألسْتُم في كل صلاة تقولون: أعوذ بالله من عذاب جهنَّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال؟

الطالب: يعني هذا يظنون أنه بعيد. الشيخ: إحنا ما نعلم الحقيقة متى يأتي، واللِّي يُوهِم الناس أنه يجيء عَقِب سَنَة أو عَقِب سنتين غَلْطان، هذا ما نعلم، يجب أن نقول: إنه من أشراط الساعة، وأما أنه يجيء عَقِب سنة أو سنتين ما نُوهِم الناس هذا الشيء. الطالب: الرسول صلى الله عليه وسلم ما راح يوم حذَّرهم من الدجال (...). الشيخ: الرسول حذَّرهم من هذا، لكنهم خافوا؛ لأنهم قالوا: حتى ظَنَنَّا أنه في أعطاف النخل. خافوا لشدة إنذار الرسول لهم، لكن كونك تُوهِم الناس أنه الآن عندكم.. لأنَّ دُول عَوَامّ ولا يفهمون كما يفهم الصحابة رضي الله عنهم. طالب: هم فهموا من الإنذار ما فهموا (...). الشيخ: على كل حال يُنْصَحون هؤلاء، تُبْذَل لهم النصيحة، ويقول هذا: فلَرُبَّما يكون هذا تكذيبًا بالحق فتكفرون وأنتم لا تشعرون. طالب: (...) استعجال العذاب. الشيخ: إن كان شكًّا في هذا الأمْر فهو يُشْبه الاستعجال بالعذاب، مع أنَّ الدجَّال ليس عذابًا في الحقيقة، هو عذابٌ على قومٍ ورحمةٌ على آخرين، فهذا الذي يقتله ويُحييه هو أعظم الناس شهادةً عند الله، فهو له رحمة. طالب: شيخ (...) كيف إثبات العدل (...)؟ الشيخ: إثبات العدل؟ الطالب: (...). الشيخ: فيه إثبات العَدْل؛ حيث كان الجزاء من جنس العمل. طالب: بالنسبة لقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِلو أنَّ الإنسان ظنَّ بأنَّ تطبيقه للقوانين الوضعية يساوي (...) الشرعية؟ الشيخ: إي، هذه أيضًا فائدةٌ مهمَّةٌ؛ وهي أن الإيمان بالباطل –في ظاهر الآية الكريمة- وإنْ لم يعملْه؛ فإذا اعتقد أنَّ الباطل حقٌّ فإنه داخلٌ في الآية، وإن كان الإيمان الشرعي لا بُدَّ فيه من القبول والإذعان، لكننا نقول هنا: يُحمَل على الإيمان اللغوي وأنَّ من صدَّق بالباطل وأَقَرَّه فإنه كافرٌ وإنْ لم يفعلْه هو بنفْسه؛ فالذي يقول مثلًا: إنَّ هذه القوانين الوضعية المخالِفة للشريعة إنها حقٌّ، فإننا نَحْكم بكُفْره؛ لأنه إذا أثبتَ الحقَّ في أحد المتضادَّينِ لَزِمَ أن ينتفي الحقُّ عن الضِّدِّ الآخر ولا بُدَّ، وعلى هذا فالمسألة هذه خطيرةٌ، فإشعار الناس من بعض أهل العلم أن هذه القوانين الوضعية صحيحةٌ وحقٌّ وهي تخالف الشريعة هذا خَطَرٌ عظيمٌ. طالب: يعني إذا أرادوا مثلًا أن يُقَرِّبوها إلى الإسلام كما يفعلون؛ يعني يكون مثلًا بعض الأحكام يحاولون يُقربونها إلى الإسلام بشيءٍ قليلٍ. الشيخ: هو على كُلِّ حالٍ إذا أمْكَنَ أنْ نُصحِّحَها بطريقٍ من الطُّرق فهذا أَوْلى، معلومٌ، لكن كوننا نقول: إنها مخالِفةٌ للشريعة الإسلامية، وهم يقولون: هذه أحقُّ وأَوْلى، هذا خطأ. طالب: (...). الشيخ: الإيمان ببعض الكتاب والكُفر ببعض هذا كُفْرٌ بالجميع؛ لأنه يكون اتَّبع هواه حيث أخذ بما وافَقَ الهوى. طالب: شيخ، كثير من اللِّي يسافرون للغَرْب تجدهم إذا جاؤوا يتحدَّثون يقولون: واللهِ هذه الحياة، هذه الرفاهية، هذه السعادة، (...) الطواغيت. الشيخ: إي نعم، هؤلاء في الحقيقة عندهم جَهْلٌ عظيمٌ؛ لأنَّ ما عليه الغَرْب منه شيءٌ حقٌّ كالصِّدْق والإخلاص في المعاملة وما أَشْبَهَ ذلك، هذا حقٌّ يُحمدون عليه، ومنه ما هو باطلٌ فِسقٌ وفُجُور وكُفْر فلا يُحمدون عليه، فيكون الذي يمدحهم على سبيل الإطلاق هذا أخطأ خطأً عظيمًا وهو على خَطَر، وأمَّا مَن قال: إن فيهم معاملةً طيِّبة فلا شكَّ أنَّ هذا أمرٌ يجب أن يقوله الإنسان؛ لأن هذا هو العدْل، ثم.. طالب: شيخ وإذا لم يؤمن بالباطل ولكن عمل به؟ الشيخ: إنْ كانَ مُكْرَهًا عَلَيه. الطالب: كأنْ يتحاكم إليه مثلًا، (...) هذا ما يُوجِب (...). الشيخ: أقول: إذا كانَ مُكْرَهًا عليه. طالب: ليس مُكْرَهًا؛ رجُلٌ عنده حقٌّ ضائعٌ، فيريد أن يأتي به من محكمةٍ تحكم بهذا الباطل، هلْ يجوز له ذلك؟ وإنْ لم يتحاكم إلى هذه المحكمة لا يَحْصُل على الحقِّ. الشيخ: ما تقولون في هذه؟ هذه مشكلة. طالب: على عهد (...).

الشيخ: إي، ويش ينصحون فيها؟ الطالب: يقول: اللِّي مُضْطر إليه؛ لأنه هو استخراج حقّ، يجوز له أنْ يستخرج حقَّه. الشيخ: هذه بشرطِ أنْ يكون إنْ حَكَم له بغير الحق أن يرفض الحكْم، بغير الحقِّ يجب عليه يرفض الحكْم؛ مثلًا: افرض أنه تحاكم إلى هذا الحاكم وحَكَم له بمضاعفة الحقِّ على المطلوب مثلًا، هذا لا يجوز أن يقْبله. طالب: ما يترك حقَّه أيضًا. الشيخ: لا، أنا قصْدي أنه إذا أُلْجِئَ إلى المحاكمة إلى هؤلاء فقد نقول بالجواز لاستخراج حقِّه، بشرط ألَّا يقبل أكثر من حقِّه، وقد نقول بالمنع أيضًا؛ لأن التحاكم إليهم يُوجِب اغترار المسلمين بذلك بأن يقال مثلًا: فلانٌ حاكَمَ إليهم. فيوجِب اغترار المسلمين بهذا، ولكن الظاهر أنه يجوز إذا كان وسيلةً لاستخراج حقِّه، بشرط ألا يقْبل ما زاد على الحقِّ، والناس مضْطرُّون إلى هذا في البلاد الأخرى، وحقيقةً، مضْطرُّون، تضيع حقوقهم صعبة هذه. طالب: مثل العالِم القدوة يجوز يتحاكم عند هؤلاء الطواغيت (...) ماله (...) لاستخراج حقه؛ لأن العالِم ما هو مثل غيره. الشيخ: واللهِ ربما أنه يقال: القدوة ليس كغيره لتحقُّق المفسدة في حقِّه، فيُقال: أنت على كلِّ حالٍ تُقَدِّر أن هذا شيءٌ كتبه الله عليك وضررٌ لا بد منه. طالب: القدوةُ هذا يذهب إليهم ويأخذ حقَّه ويُخبرهم بفساد ما هم عليه ويصرح لهم. الشيخ: لا مشكلة أن هذا صحيح، لكنْ ما هو بيعني يصرح في كلِّ مكان، كل مكان صَعْب، ولَّا يمكن (...) ويصرح بأنهم كفار. طالب: (...) حين اضطر إلى التصوير، فدخل محلات التصوير وهو يُنكر عليهم بشِدَّة ويبيِّن لهم ضلال ما هُمْ عليه وخطأَ اللِّي ارتكبوه، ما هو مضطر إلى هذا لما وجد.. الشيخ: التحاكم ما هو من جنس التصوير في الحقيقة، التحاكم شيء حسَّاس جِدًّا، فعلى كل حالٍ إذا تيقَّنْتَ المفسدة فيجب أنك تتجنَّب هذا، وتجعل مالك هذا من الأمور التي قدَّر الله عليها أن تَتْلف. طالب: الإمام أحمد ما تأوَّل لأنه قدوة. الشيخ: إي، غيرها، الإمام أحمد لو قال: إن القرآن مخلوق؛ مشكلة، بس هذه ما هي مثل هذه. الطالب: (...). الشيخ: لا، لأن قول: القرآن مخلوق. معناه قولٌ بالباطل، أمَّا هذا فأنا ما رُحْت أتحاكم إليه لأجْل يحكم لي بالباطل، ولهذا قلنا: إنه بشرط أنه إذا حَكَم له بغير الحق يرفُض الحكْم. طالب: (...). الشيخ: ما فيه إلا الإيهام فقط، لكنْ كلام الإمام أحمد ما به إيهام، صريحٌ، إذا قال مثلًا: إن القرآن مخلوق. واضح. طالب: لكنْ لو أَنْكَر عليهم، قالوا: العالِم الفلاني يتحاكم (...). الشيخ: نعم، نقول: العالِم الفلاني تَحاكَمَ عندهم لكنَّه عارَضَهم وأَنْكَر عليهم. الطالب: (...). الشيخ: على العموم مثل ما قلتُ لك أنا، أنا قلتُ: إذا كان الإنسان قُدْوة ويُخشَى أن يكون عليه مَفْسَدة تكون مَفْسَدةً في الإسلام، فكَوْنه يرى أن هذا أمْرٌ قدَّره الله على ماله وتَلِف أَوْلى من كونه يتحاكم، والحمد لله دائمًا، مالُك يتلف في حريقٍ أو بلصوصٍ تسطو عليه وتأخذه، قَدِّرْ أنَّ هذا مثله. طالب: أو يجعل محاميًا. الشيخ: نعم، وربما لو جَعَل المحامي بعْدُ يكون أخفى. طالب: الذين يعملون في هذه الوظائف، ما حُكْم الْـ (...). الشيخ: حُكْم عملهم: إذا كانوا يريدون أنْ (...) من مخالفة الشرع فهذا لا بأس به، بلْ قد يجب عليهم؛ إذا قالوا: نحن سنكون هنا حُكَّامًا لأجْل أن نحكم بالشريعة بقَدْر ما نستطيع. فهؤلاء قد يجب عليهم أن يتوظَّفوا، أما إذا كانوا يعرفون أنفسهم أنهم ما يستطيعون وأنهم سيوافقون هؤلاء (...).. طالب: فيه بعض الأشياء لا بُدَّ فيها يُصَرَّح لهم بالاختيار (...)، لكن هناك أشياء لا بُدَّ يُجْبر على أن يَحْكم فيها بقوانين معيَّنةٍ منصوصٍ عليها، وفيه أشياء معلومة تُخالِف الشرع لا بُدَّ له أن يتَّبعها وليس له.. الشيخ: إذا كان ما يُمْكن تخفيفها فلا يدخل عندهم. طالب: هذا وذاك -يعني- خَلْط. الشيخ: إذا كان لا يُمْكنه أن يُخفِّف الأحكام المخالِفة للشرع وأنه لا بُدَّ أن يَحكُم بها فلا يُمْكنه أن يتخلَّى عنها ولا يُمْكنه أن يخفِّف؛ فإنه لا يجوز الدخول.. طالب: التخفيف يجوز؟ الشيخ: التخفيف مثلًا أنه في بعض الأحيان يَحكُم بالحق، ولو كان يُجْبَر عليه، فيَحكُم بالحق ويأتي بمبرِّراتٍ تُخالِف معارضة الدولة مثلًا، فهذا يجب عليه الدخول، أمَّا إذا كان ما يُمْكن أبدًا إلا أن يَحكُم بالطاغوت فإنه لا يجوز أن يدخل.


قوله: وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٥٥] (أي: جزاءَه، فلا تَفُوتوننا). قوله: ذُوقُواالأمْر هنا لإهانتهم وتوبيخهم. وقوله: مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَمَاهنا اسم موصول بمعنى (الذي)، وعلى هذا يكون العائد محذوفًا؛ التقدير: ما كنتم تعملونه.

وقوله: مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(أي: جزاءَه)، وهو كذلك، لكنه عبَّر بالعمل نفْسه لأنَّه السبب، ولأنَّ الجزاء من جنسه. وفيها أيضًا قَبْلُ قولُه تعالى: {وَنَقُولُ} (فيه بالنون؛ أي: نأمر بالقَوْل، وبالياء؛ أي: يقول الْمُوكَّل بالعذاب). هذا في الحقيقة تحريفٌ من المؤلِّف؛ {نَقُولُ} أي: نأمر مَن يقول. ما هو الدَّاعي لصَرْف اللَّفظ عن ظاهره، هل فيه داعٍ؟ ما فيه داعٍ. طالب: فسادٌ في العقيدة. الشيخ: ولهذا المتعيِّنُ أن يكون القائل هو الله عز وجل، وقد قال الله تعالى في سورة المؤمنون: قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨] فإذا كان هناك: قَالَ اخْسَئُوا فِيهَاكلام الله ولا شكَّ فهُنا هو كلامه أيضًا بلا شكٍّ؛ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا [المؤمنون: ١٠٨، ١٠٩] وهذا واضحٌ وصريحٌ بأنَّ القائل هو الله، وهُنا أيضًا القائل هو الله، وكوننا نقول: نأمر مَن يقول، هذا تحريفٌ، فما الذي يمنع أن يكون الله تعالى هو الذي يقول، أليس الله يتكلَّم؟ بلى، يتكلَّم بما شاء متى شاء كيف شاء، وكلامه سبحانه وتعالى مسموعٌ، بصوتٍ لا يُشْبه الأصوات، لكنه بحروفٍ يفهمها مَن؟ يفهمها المخاطَب بهذا الكلام. وقوله: نَقُولُأضافه إلى نفْسه بصيغة العَظَمة؛ لأنَّه سبحانه وتعالى أعظم العُظَماء؛ كما قال تعالى: وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [الأنبياء: ٨١]، ومعلومٌ أنَّه واحدٌ، لكن هذا من باب التعظيم، وهو سبحانه وتعالى لا شكَّ أنَّه عظيمٌ، وقد سبق لنا أن ما أضافه الله إلى نفْسه بصيغة العَظَمة قد يُراد به هو نفْسه وهو الغالب الكثير، وقد يُراد به ملائكتُه وهو كثيرٌ أيضًا، لكن الأكثر أنَّه إلى الله عز وجل. فمِمَّا جاء والمراد به الملائكة قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٨]، والمراد جبريل؛ إذا قَرَأَهُ جبريلُ. ومما جاء كذلك قوله تعالى: وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود: ٧٤]؛ فإنَّ إبراهيم ما جادَلَ اللهَ، وإنما جادَلَ الملائكةَ. ومنه قوله تعالى في المحتضَر: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥]؛ فإنَّ المراد بالقُرْب قُرْب الملائكة بدليل قوله: وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ؛ فإن هذا يدلُّ على أنَّ هذا القريب في نفْس المكان لكنَّه لا يُبْصَر. وكذلك قوله -على القول الراجح-: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق: ١٦، ١٧]؛ فإن المراد: أَقْرَبُ إليه بملائكتنا؛ لأنَّه قيَّد هذا القرب بقوله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِفصار المراد قُرْب هذين المتلقِّيَيْنِ. وأمَّا قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦] فالمراد به قُرْب الله نفْسه، ولكنَّه قريبٌ في عُلُوِّه، لا يَلْزم من هذا القرب أن يكون الله سبحانه وتعالى في نفْس المكان الذي أنت فيه؛ فإنَّ هذا مستحيلٌ على الله عز وجل ممتنع، لكنَّه يَقْرب من خَلْقه كيف شاء كسائر صفاته، وكما أنه ينزل إلى السماء الدنيا وهو لا زال عاليًا لأنَّ عُلُوَّه من لوازم ذاته؛ إذْ إنَّ العُلُوَّ من الصفات الذاتية التي لا ينفكُّ الله عنها، فكذلك يَقْرُب من خَلْقه كيف يشاء مع عُلُوِّه سبحانه وتعالى. والحاصل أنَّ ما أضافه الله إلى نفْسه بصيغة التعظيم تارةً يُراد به نفْسُ الله عز وجل وهو الأكثر والغالب، ويكون هذا من باب التعظيم، وتارةً يُراد به ملائكته وهو قليلٌ. فإذا قال قائلٌ: كيف صحَّ أن يُضاف إليه وهو لملائكته؟ قلنا: لأنَّ ملائكته تفعل بأمْرِهِ، فهُمْ عباده يفعلون ما يؤمَرون، وما كان يُفْعَل بأمْر الآمِر صحَّ أن يُنسب إليه أو لا؟ وقدْ مَرَّ علينا هذا كثيرًا؛ قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ [غافر: ٣٦] لا شكَّ أن المراد: مُرْ مَن يَبْنيه، ما يريد أنَّ هامان هو اللِّي يروح يُباشِر يجيء بالمساحي والمعاوِل والزَّنابيل ويَبْني، ما أراد هذا. وقوله: نأمر مَن يقول ذلك، وبالياء؛ أي: يقول الْمَلَك الموكَّل بالعذاب. يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْوَيَقُولُيقول المؤلِّف: إنَّ المراد الملَكُ الموكَّل بالعذاب. تأويل الآية بالْمَلَك هنا أَهْونُ من تأويله في قوله: {وَنَقُولُ}؛ وذلك لأنَّ وَيَقُولُفيها ضميرٌ مستترٌ، للمتكلِّم ولَّا للغائب؟

طالب: للغائب. الشيخ: للغائب، هذا الغائب يجوز أن يكون اللهَ ويجوز أن يكون غيرَ الله، ولكنَّنا نقول: يَمْنع أن يكون القائل الملك القراءةُ الأُخرى، ويش هي القراءة الأخرى؟ {وَنَقُولُ}، فإنها تدلُّ على أنَّ القائل هو الله عز وجل، فلو فسَّرنا يَقُولُبأنَّه الملَك لَخالَفْنا القراءةَ الثانيةَ وهي: {وَنَقُولُ}؛ لأنَّ {نَقُولُ} يتعيَّن أن يكون القائل هو الله، ولا شكَّ أن القراءتين يفسِّر بعضُهما بعضًا، فالقراءة الثانية قد تكون تفسيرًا للأولى؛ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، القراءة الثانية {فَتَثَبَّتُوا}، إذَنْ ما معنى تَبَيَّنوا؟ طالب: تَثَبَّتوا. الشيخ: تَثَبَّتوا. فقول المؤلِّف: نأمُر مَن يقول. أو: يقول الْمَلَك. كلاهما تحريفٌ، أقول: الحاملُ عليه هو الاعتقاد، ولهذا أنا أكرِّر عليكم دائمًا..

ووجدتم أنَّ مَن يعتقد مذهبًا من المذاهب تجده يحرِّف الكلام عن مواضعه لأجْل أن يُوافِق ذلك المذهبَ، وهذا خطير جدًّا، والواجب أن يكون الإنسان نحو الأدلَّة ساذجًا؛ بمعنى خاليًا مرَّة؛ يكون تابعًا تمامًا، لا يجعل الدليلَ تابعًا، يجعل نفسَه هو التابع، ويكون كأنه أرضٌ ما فيها عُشْبٌ ولا نباتٌ فهي مُهَيَّئةٌ لما يُبذَر فيها وليس بها نباتٌ من قَبْلُ، إن كان فيها نبات من قَبْل مُشْكلٌ، يُمْكن يحاول أنَّه يكون الغَرْس مثل هذا النبات. طالب: بالنسبة لقول أهل السنة: بحرفٍ وصوتٍ، لو قال قائل مثلًا: ما وردَتْ كلمة: بحرفٍ وصوتٍ، وإنَّما إثبات الكلام لله عز وجل فقط، فماذا الجواب؟ الشيخ: نقول: الجواب على هذا: ينبغي أن نعرف أنَّ أهل السُّنة والجماعة -جعلني الله وإياكم منهم- صار لهم أحوالٌ وأوقاتٌ، يُنَزِّلون كلَّ حالةٍ وكلَّ وقتٍ منزلتَه، هم ابْتُلُوا بقومٍ يقولون: إنَّ كلام الله هو المعنى القائمُ بالنفْسِ. وعلى هذا فإنَّ هذا القول في الحقيقة نفيٌ لكلام الله، اضْطُرُّوا إلى أن يقولوا: بحرفٍ وصوتٍ، تأكيدًا لمعنى الكلام فقط، فهم مضطرُّون لمقابلة هؤلاء، ولهذا لَمَّا قيل للإمام أحمد: ما بالُنا نقول: غيرُ مخلوق، والسلف اللي قَبْلنا ما قالوا: غير مخلوق، قالوا: منَزَّل، وسكتوا؟! فتعجَّب الإمام أحمد قال: كيف ما نقول: غير مخلوق، وهؤلاء يقولون: مخلوق؟! قالوا: مخلوقٌ، فلا بد أن نقول: غير مخلوق. فأخبر الإمام أحمد بهذا أنَّهم رحمهم الله يأتون بالكلمات لأجْل دَفْع إيهام القول بما يقوله أهل الباطل، لو سكتوا وقالوا: القرآن كلام الله، أو: إنَّ الله يتكلَّم بكلامٍ، فقط، صار في هذا إيهامٌ، حتى إنَّ الإمام أحمد سُئِل عن رجلٍ قال: أنا أقول: إنَّ الله معنا، ولا أزِيد على هذا. فقال: قد تَجَهَّمَ. لأنَّ الجهمية كانوا يُضِلُّون الناسَ؛ أحيانًا يُصَرِّحون يقولون: الله معنا بذاته في الأرض، وأحيانًا يقولون: الله ما هو معنا ولا تقُلْ شيئًا؛ لأجْل يهوِّنون من إثارة الناس عليهم، فهُمْ يتستَّرون بمثل هذا الشيء، فقال الإمام أحمد: قد تَجَهَّمَ. كذلك لو قال قائل: السلف يقولون: إنَّ الله استوى على العرش بذاته. أين (بذاته) في القرآن أو في السُّنة؟ طالب: (...). الشيخ: موجُودَة؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، لكنْ لأنَّهم لو قالوا: اسْتَوَى: علا على العَرْش، قال لهم أولئك المحرِّفون: نعم، هو علا على العَرْش، لكنْ عُلُوًّا معنويًّا؛ فيكون اسْتَوَىبمعنى استولَى ومَلَك. فاحتاجوا إلى أن يقولوا: بذاته. كذلك أيضًا عبَّر بعضهم في حديث النزول «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» فقال: بذاته. فهي موجودة؟ طلبة: لا. طالب: حتى كلمة (الذات) موجودة. الشيخ: أقول: دفعًا لأيش؟ طالب: دفعًا للتحريف.. الشيخ: دفعًا لتحريف مَن قالوا: ينزل أمرُه، أو: ينزل مَلَكٌ من ملائكته، أو: تنزل رحمته، مثلًا، فالمهِمُّ أنَّ السلف رحمهم الله يضيفون بعض الكلمات لدفع هذا الباطل، كما أنهم يَسْكتون عن بعض الكلمات خوفًا من تَوَهُّم الباطل. والإنسان يعرف أنَّ أهلَ العلم رحمهم الله، ربما نَفْس الفتوى معنويًّا -ما هو لفظيًّا- تتغيَّر بتغيُّر الزمان؛ هذا عُمَر رضي الله عنه أجاز الطلاق الثلاثَ فجعله؟ طالب: واحدة. الشيخ: جعله طلاقًا بائنًا، مع أنَّ مَن قَبْله؛ النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، يجعلون الطلاق الثلاث واحدةً، هو نَفْسه يجعل الطلاقَ الثلاثَ واحدةً سنتينِ من خلافته، لكن لَمَّا رأى الناسَ كثُرَ فيهم هذا الشيء أراد أنْ يُلزِمهم به لأجْل أنْ يرتدعوا ، وهكذا فلْيُعْلم -وهذا نُكرِّره دائمًا أيضًا- أنَّ العِلْم ليس مجرَّد عِلْمٍ، بلْ هو عِلْمٌ وتربية، أهمُّ شيءٍ أن يُرَبَّى الناسُ على الشريعة، ولهذا يُروى عن عليّ رضي الله عنه أنَّه قال: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟! ، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنَّ مسألة الذَّات لم تَرِدْ في لسان العرب العُرَبَاء، ولكنَّها صحيحة، فيجوز الإخبار بها عن الله، ولكنْ ما تجعلها من أسمائه، ولكنْ يجوز أن يُخْبَر به عنه؛ مثل ما أنَّه يجوز أن تقول: إنَّ الله موجودٌ، و(الموجود) ليس من أسماء الله، لكنَّه معلومٌ، لا بُدَّ أن تُقِرَّ بأنَّ الله موجود، وفي أسماء الله ما يُغْنِي عنها مثل (الحيّ): الذي لا يموت، يُغْنِي عن (الموجود) بلا شك.

(القديم) يصلح أن تُخْبر عن الله بأنَّه قديم، ويُعنَى بـ(القديم) ما لا أوَّلَ له، هذا يَصْلح أنْ تُخبِر به عنه، لكنْ ما يجوز أن تَجعل (القديم) اسمًا من أسمائه، خِلافًا لبعض المتأخرين الذين جعلوا أخصَّ أوصافه أنَّه قديم، نقول: هذا ما هو بصحيح، وفي القرآن والسُّنة ما يُغني عنها، وهو؟ طلبة: الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الحديد: ٣]. الشيخ: الْأَوَّلُيُغني عنها، وهو أيضًا أَبْلَغ من (القديم)؛ لأنَّ (القديم) قد يُطلَق على الحادث المتقدِّم كما في قوله تعالى: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩] فلا يدلُّ على السَّبْق المطْلَق، ولأنَّ (الأول) تُفيد معنًى زائدًا على تَقَدُّم الزمن، وهو أنَّ الأشياء تؤول إليه وترجِع إليه؛ كما قال الله تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم: ٤٢]. طالب: (...).


الشيخ: (...) الَّذِينَ آمَنُوا [العنكبوت: ٥٦] إشارة إلى أنَّ مُقتضى العبودية والإيمان أن يقوم الإنسان بحقيقة ما تقتضيه هذه العبودية، وهو ألَّا يَرَى لنفْسه حقًّا بجانب حقِّ الله؛ بمعنى ألَّا يقدِّم حظوظ نفْسه على حقوق ربِّه، وليس المعنى ألَّا يقوم بالأمرينِ؛ فإنَّ الإنسانَ مأمورٌ بأنْ يقوم بالأمرين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» ، لكن المهم ألَّا يقدِّم حظوظ نفْسه على حقوق ربِّه، ولهذا قال: يَا عِبَادِيَ [العنكبوت: ٥٦]، وإضافة العبودية إلى الله هُنا فيها من التشريف والتكريم ما هو ظاهر؛ لأنَّ كون الله يناديهم فيقول: يَا عِبَادِيَويُضيف ذلك إلى نفْسه هذا له معنًى عظيم فيما هو ظاهر. وقوله: يَا عِبَادِيَاعلم أنَّ العبادة تنقسم إلى قسمينِ: عبادة كونيَّة، وعبادة شرعيَّة. فالعبادة الكونية هي الخضوع لحكم الله الكونيِّ، وهذه ثابتةٌ في حقِّ جميع الخلْق؛ المؤمنِ والكافرِ، والبَرِّ والفاجر. والثاني: العبادة الشرعية، وهي الخضوع للحُكْم الشرعيِّ، وهذه خاصَّة بمن أطاع الله عز وجل؛ لأنَّه خضع لِحُكْمه الشرعيِّ أمرًا ونهيًا، واخترْتُ أن أُعَبِّر بقولي: (حُكْم) دون (أَمْر) لأجْل يشمل الأمرَ والنهيَ؛ فإنَّ العبادة هي القيام بطاعة الله امتثالًا لأمرٍ واجتنابًا لنهيٍ. طيب، أمثلة لذلك؛ للعبودية الخاصَّة والعامَّة. طالب: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣]. الشيخ: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِهذا عامٌّ. طالب: هذا خاص. الشيخ: عامٌّ، يشمل حتى الكفارَ، الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِوتوبوا إلى الله، ولهذا قال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. مِثال للخاصَّة: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] هذه خاصَّة.

ومثال العامَّة ما أشرت إليه من آية (الزُّمَر)، وكذلك قوله تعالى لإبليس: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢] إذا قلنا: إنَّ الاستثناء هُنا مُتَّصل؛ فتكون العبودية هُنا العامَّة، وإذا قلنا: منقطع؛ فهي العبودية الخاصَّة. يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [العنكبوت: ٥٦] الَّذِينَويش محلها من الإعراب؟ محلها النصْب؛ لأنَّ (عباد) منصوبة منادًى منصوب بسبب الإضافة. الَّذِينَ آمَنُواآمَنُواسبق لنا مرارًا أنَّ الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرَّد التصديق كما قاله أهل الإرجاء، أهل الإرجاء يقولون: إنَّ الإيمان مجرَّد التصديق، فمَن صدَّق بالله فهو مؤمن، لكنْ إذا استكبر عن العبادة كان دليلًا على عدم صِدْقه في تصديقه. وهذا قولٌ منكر، والصواب الذي عليه أهل السُّنة والجماعة أنَّ الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان. وقوله: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌهذا هو محَطُّ النداء، المنادى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، والمنادى به الذي هو محَطُّ النداء قوله: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ. أَرْضِيالإضافة هنا مِن باب إضافة المملوك إلى مالكه، فتكون من باب إضافة الخلق والتكوين أو من باب إضافة الاختصاص؛ يعني الأرض التي هي محلُّ عبادته؟ طالب: من باب الاختصاص. طلبة: الأول. الشيخ: إذا قلنا: إنها الأول، صار إشارةً إلى أن يهاجروا إلى بلاد كُفرٍ أو إسلامٍ، وإذا قلنا: إنها الثاني إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌأرضي التي هي على سبيل الاختصاص وهي أرض عبادة الله، فتكون هنا يُراد بها البلاد الإسلامية، وهذا هو الظاهر وأنَّه سبحانه وتعالى يَحُثُّ المقيمين ببلاد الكفر على أن يهاجروا إلى أرض الله، وهو كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [النساء: ٩٧]، وهذا واضحٌ بأنَّ المراد بـأَرْضُ اللَّهِهنا؟ طلبة: أرض الإيمان. الشيخ: أرض الإيمان والعبادة التي هي دار الإسلام. قوله: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌالواسع معناه ضدُّ الضيِّق؛ يعني الذي يسع ما يكون فيه، وليس فيها ضيقٌ، فلا حُجَّة لكم في التأخُّر عن الهجرة، ولهذا قال: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت: ٥٦] قوله: إِيَّايَأيش محلُّها من الإعراب؟ طلبة: مفعول به. الشيخ: مفعول لـاعْبُدُونِ؟ طالب: ضمير في محل نصب. الشيخ: ضمير في محل نصب مفعول لـاعْبُدُونِ؟ طالب: مقدَّم. الشيخ: مفعول مقدَّم! ولكنَّ هذا ليس بصحيحٍ على الرغم من إجماعكم، وفي هذا دليلٌ على أن الإجماع ليس بحُجَّة. طالب: يمكن نقول: بدل. الشيخ: لا. طالب: يمكن يكون بدلًا عن الياء؛ لأن الياء في فَاعْبُدُونِمفعول به. الشيخ: اعْبُدُونِمفعوله محذوف؛ لأنَّ نون الوقاية تدلُّ على أن هناك ياءً؛ (اعبدوني)، ولهذا قيل: إنَّ إِيَّايَمفعول لفعلٍ مقدَّر، المعنى؟ طالب: الزموا إياي. الشيخ: نعم، فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ: إيَّايَ خُصُّوا بالعبادة فاعبدوني. طالب: ما يكون من باب الاشتغال هذا؟ طالب آخر: ما تكون من الاشتغال (...)؟ الشيخ: لا، الاشتغال ما يكون بالضمائر، يكون بالأسماء الظاهرة، أمَّا الضمائر يُقَدَّر لها أفعال. إذَنْ نقول: إِيَّايَمفعول لفعلٍ محذوف دلَّ عليه ما بعده. أمَّا مفعول الفعل الموجود فهو محذوف دلَّت عليه نون الوقاية. وقوله: فَاعْبُدُونِقد يقول قائل: هذا يتناقض مع قوله: يَا عِبَادِيَ، ولكننا نقول: لا يتناقض؛ لأنَّ المراد: اعْبُدُونِأي: أديموا عبادتي وأكمِلوها؛ لأنَّ الأمر بما هو واقعٌ لَغْوٌ من القول، فحينئذٍ لا بدَّ أن نُقَدِّر معنًى يتلاءم مع الأمر. في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء: ١٣٦]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِما آمَنوا؟! الطلبة: (...). الشيخ: المعنى: أديموا وأكمِلوا واستمِرُّوا على الإيمان، هذه مثله؛ يَا عِبَادِيَفَاعْبُدُونِ؛ المعنى: أديموا عبادتي وحقِّقوها بالتكميل؛ لأنَّ العبد قد يكون عبدًا لكنَّه يُخِلُّ في بعض الأمور. وقوله: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِواضحٌ أنَّه يدلُّ على الحصر والاختصاص. ثم قال المؤلف: (فَاعْبُدُونِفي أيِّ أرضٍ تيسَّرَتْ فيها العبادة بأن تُهاجروا إليها من أرضٍ لم تتيسَّرْ فيها). إذَنْ الله سبحانه وتعالى رغَّبَ في الهجرة بقوله: إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌوأمَرَ بها في قوله: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ؛ لأنَّه ما تتحقَّق العبادة في بلاد الكفر، فإذا لم تتحقَّق فما لا يتِمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، وعلى هذا فتكون الهجرة واجبةً، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليها في الفوائد. قال: (نَزَل في ضعفاء مُسْلِمي مكة؛ كانوا في ضيقٍ من إظهار الإسلام بها). كانوا في ضيقٍ من إظهار الإسلام فأُمِروا أن يهاجروا إلى بلادٍ يستطيعون أن يقيموا فيها دينَهم؛ هاجَرَ منهم جماعةٌ إلى الحبشة، ثم قيل لهم: إنَّ مُشْركِي قريشٍ أسلموا، فرجعوا، ولكنَّ كُفَّار قريش ازدادوا في اضطهادهم -والعياذ بالله- فرجَعُوا مرَّةً ثانية إلى الحبشة، ثم بعد ذلك أُذِنَ للنبي عليه الصلاة والسلام أن يهاجر هو وأصحابه إلى المدينة فهاجَروا، فكان أوَّل بلدٍ إسلامي هو المدينة، أوَّل بلدٍ إسلامي تُقَام فيه الحكومة الإسلامية هو المدينة، تحقَّق ذلك بالهجرة. وقوله: (كانوا في ضيقٍ من إظهار الإسلام بها). الضِّيق الذي حَصَل لهم من الكُفَّار متنوِّع بالقول وبالفعل، وربما يُؤَدِّي إلى القتل وأنواعٍ كثيرة، حتى إنَّهم -والعياذ بالله- يعذِّبونهم في شدة الحرِّ في الرَّمْضاء ويضَعُون الأحجار الحامية على بطونهم، لكنَّ ذلك لا يثْنِيهم عن دينهم أبدًا لأنَّهم مؤمنون حقًّا، ويرون أنَّ الدنيا هذه ليست بشيءٍ؛ مثل ما قال السَّحَرة الذين آمنوا بموسى: اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ [طه: ٧٢] لماذا؟ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه: ٧٢]، ما يُهِمُّ، أنت افعلْ ما تشاء، والذي يَفُوتنا بما تقضي به علينا إنْ فاتنا هو الحياةُ الدنيا، وهذا هو حقيقة الإيمان؛ أنَّ الإنسان يفدي دينَه بنفْسه وبماله، وأمَّا الإيمان الهَشُّ الذي إذا أُوذِيَ صاحبه في الله جعل فتنةَ الناس كعذاب الله فرجع عمَّا كان عليه، فهذا في الحقيقة ناقصٌ غاية النقصان. ومن حِكْمة الله عز وجل أنَّ الله يبتلي الإنسان بالفِتَن في دينه لأجْل أن يتبيَّن صِدْق إيمانه من ضَعْفه كما تفيده هذه الآية، ولهذا قال:

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ٥٧]. كُلُّ نَفْسٍهذه قضيَّة عامَّة سُورها كُلِّيٌّ، منين؟ كُلُّ نَفْسٍكلُّ نفْسٍ بدون استثناء. وقوله: ذَائِقَةُ الْمَوْتِأي: ميِّتة، لكنْ عبَّر عن حقيقة الموت بالذَّوق لأنَّ الإنسان يذوق مرارةَ الموت وألَمَ فراقِ الحياة، لكنَّه إذا كان مؤمنًا فإنه يذوقه من وجْهٍ لكنْ يُهَوِّن عليه الأمْرَ وجْهٌ آخَر، وهو أنَّه إذا بُشِّرَ بالجنة عند موته فإنَّه يُسَرُّ بذلك، ولهذا يسْهُل على نفْسه الخروج، الملائكة تتنَزَّل عليهم أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُون [فصلت: ٣٠] فيُسَرُّون بذلك ويَهُون عليهم فراقُ الأحِبَّة، ثم إنَّهم يَشعرون في هذه الحال بأنَّ أمامَهم إمامهم، مَن؟

طالب: رسول الله. الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام، وخُلَفاؤه الراشدون والصَّحابة، فيقول الإنسان: الحمد لله، أنا أنتقل من دار العَنَاءِ والشَّقَاءِ والابْتلاءِ والامتحانِ إلى دار النعيم، أكون مع النبي عليه الصلاة والسلام وخلفائه الراشدين وأصحابه، فيزداد بُشْرى، ويَهُون عليه الفراق، فهُنا يقول: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، ولكنْ فرْقٌ بين المذاقَيْن؛ بين مذاق المؤمن ومذاق غير المؤمن. وقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِبعد الإشارة إلى الهجرة كأنَّه يقول: بقاؤكم في بلاد الكفر من أجْل التمتُّع بالمال والبلاد والأوطان هذا نَقْصٌ في التفكير؛ لأنَّ هذا الأمر الذي أنتم تحافظون عليه وهو البقاء في البلاد والتمتُّع بها زائلٌ ولَّا باقٍ؟ زائلٌ، فإذا كان زائلًا ولا بُدَّ فكيف نحافظ عليه ونَدَع ما هو أهَمُّ؛ من الهجرة؟! ولهذا قال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ. طالب: (...)؟ الشيخ: يجيئنا في الفوائد هذا إن شاء الله. قال: ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَثُمَّ بعد الموت نُرْجَع إلى الله عز وجل، وإذا رُجِعْنا إلى الله يتبيَّن كَشْف الحساب؛ ماذا حصل؛ لأنَّ هذا الكتاب لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف: ٤٩]، شوف صَغِيرَةًوإنْ صَغُرَتْ؛ لأنَّها نكرة في سياق النفي، وَلَا كَبِيرَةًولو عَظُمَتْ إِلَّا أَحْصَاهَا. لو أنَّ الإنسان أراد أن يُحصِي ما يتكلَّم باليوم، كَمْ يكون من مجلَّد في الأسبوع؟ مجلَّدات، أنا جَرَّبْتُ هذا في الحقيقة وتبيَّن لي -الله يعفو عن الجميع- تبيَّن لي عِظَمُ الأمر؛ فيه بعض الإخوان في دروسنا في الْحَرَم سجَّلُوها وكتبوها في أوراق، جاؤوا بها إلَيَّ، لكنْ وجدتها وأنا ما ظنَّيتُ أنها تَبْلُغ هذا المبلغ؛ بعض الأسئلة يكون عليها صفحةً أو صفحتين الجوابُ، والإنسان حينما يتكلَّم يقول: ويش أنا قُلْتُ؟! ما قُلْتُ شيئًا كثيرًا، فالإنسان يجب عليه أن يعتبر بمثل هذه الأمور؛ كيف تبلغ كلماتُه في كلِّ يومٍ وفي كلِّ أسبوعٍ وفي كلِّ شهرٍ وفي كلِّ سَنَةٍ وفي العمر كلِّه، وهذا الكتاب لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]. طالب: شيخ، أقول: موجودة الأوراق هذه؟ الشيخ: موجودة عندي (...). الطالب: (...). طالب آخر: شيخ، بالنسبة إلى الكلام العادي يُمْحى (...)؟ الشيخ: لا، هو يُكْتَب، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، فتُكْتَب الحسنات وتُمْحَى السيِّئات. طالب: الكلام العادي اللِّي لا فيه حسنة ولا سيئة؟ الشيخ: الكلام العادي ما ندري واللهِ، المؤكَّد أنه يُكتب، أمَّا مسألة أنه يُمْحى ما ندري، إلا ما أخبر الله به من أن الحسنات يُذْهِبنَ السيئات، وكذلك قوله: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩] يدخل فيه هذا النوع. طالب: شيخ، (...) تعست الدابة، قال مَلَك السيئات: ليست بسيئةٍ فأكتبها، وقال ملك الحسنات: ليست بحسنةٍ فأكتبها، فأخبرهم الله سبحانه وتعالى أن ما ليس بحسنة فاكتبوه سيئة .

الشيخ: لا، هذا حرام. الطالب: (...) ما غير الحق باطل. الشيخ: أعوذ بالله، لا ما هو بصحيحٍ، نسأل اللهَ العافيةَ، وهذا ينسبونه إلى الله! الطالب: ينسبونه إلى الله. الشيخ: الله ما قال أنه يُكتَب له شيء، إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]، ولا قال: إنه يُجازى بسيئة. هو يُكتَب لكن كونه يُجازَى بسيئة فغريب. طالب: الكلام العادي مباح لماذا مثلا نقول بناء على أصل (...) يُكتب؟ الشيخ: لا، نقول: يُكْتَب ولكنْ ما يُجازَى عليه، الجزاء غير مسألة الكتابة. طالب: لعموم الآيات. الشيخ: إي، لعموم الآيات. وقوله: ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَتُرْجَعُونَ(بالتاء والياء) قراءتان سبعيَّتان: {يُرْجَعُونَ} وتُرْجَعُونَ، لكن الفرق بينهما من حيث المعنى أن {يُرْجَعُونَ} للغائب وتُرْجَعُونَللمخاطَب. وفي قوله: ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَترغيبٌ وترهيبٌ؛ فالإنسان إذا نظر إلى رحمة الله عز وجل وسعى في عفوه رَغِبَ وقال: سأرجع إلى ربٍّ عَفُوٍّ كريمٍ، وإذا نظر إلى شِدَّة عقابه وأخْذِهِ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢] فإنه يخاف. وهلْ يُغَلِّب جانبَ الرجاء أو جانبَ الخوف؟ فيه آراء لأهل العلم؛ منهم مَن قال: يُغَلِّب جانبَ الرجاء، ومنهم مَن قال: يُغَلِّب جانبَ الخوف، والآيات في هذا قد تُرَجِّح هذا القولَ وقد تُرَجِّح هذا القولَ؛ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩، ٥٠] فبدأ بالمغفرة والرحمة قبل ذِكر العذاب، وقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨] فبدأ بالتهديد قبل الوعد، فاختلف أهل العلم في هذا. وقال بعض العلماء: في حال الصحة يُغَلِّب جانبَ الخوف حتى يستقيم على أمر الله، وفي حال المرض يُغَلِّب جانبَ الرجاء لأجْل أن يُلاقي الله وهو يُحسِن الظنَّ به. فاعتبَروا اختلافَ حالَيْنِ. وقال آخرون: يجعل خوفَه ورجاءه واحدًا. قال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غَلَب هلك صاحبه. لأنه إنْ غَلَّب جانبَ الخوف استولى عليه اليأسُ من رحمة الله، وإن غَلَّب جانبَ الرجاء استولى عليه الأمنُ من مَكْر الله، فيكون بين هذا وهذا. وقال بعض العلماء: في حال الطاعة يُغَلِّب جانبَ الرجاء، وفي حال المعصية يُغَلِّب جانبَ الخوف. في حال الطاعة يُغَلِّب جانبَ الرجاء كيف؟ يعني إذا عَمِل الطاعة يقول: أرجو أن الله يقبلها. فينشط على العبادة ويفعلها. في المعصية يُغَلِّب جانبَ الخوف لئلَّا يفعل المعصية أو يستمر عليها بدون توبة. والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا لم يَكُنْ هناك سببٌ لتغليب أحدهما على الآخر فالأَوْلى أن يكونا سواءً، أمَّا إذا كان هناك سببٌ فإنه ينبغي أن يُتَّبع ذلك السبب؛ فإذا هَمَّ بالمعصية لو جَعَل رجاءه وخوفَه واحدًا هانتْ عليه، لكنْ لو غَلَّب جانبَ الخوف وعظمة من يعصيه كان ذلك أحسنَ له لتجنُّبِ المعصية، نعم، لو وقع في المعصية وأراد التوبة قلنا: غَلَّب جانبَ الرجاء. طالب: شيخنا، الرسول دَخَل على غلامٍ وهو يُحتَضَر، قال: «كَيْفَ حَالُكَ؟» -معنى الحديث- قال: أرجو اللهَ وأخاف ذنوبي. قال: «مَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» فيدلُّ على استواء الأمرين. الشيخ: على كلِّ حالٍ المسألةُ لها أحوالٌ (...) أحسن، وهذا الحديث إن شاء الله تحققوه لنا (...) صحته من ضعفه. ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَقال المؤلف: (بَعْدَ البعثِ).


(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ [العنكبوت: ٥٨] نُنْزِلَنَّهم، وفي قراءةٍ بالمثلَّثة بعد النون من الثَّوَاء: الإقامة، وتعديته إلى غُرَفًابحذف (في)). الآية فيها قراءتان: لَنُبَوِّئَنَّهُمْبمعنى: لنُنْزِلَنَّهم، وعلى هذا فتكون الهاء في (نُبَوِّئَنَّهُمْ) المفعولَ الأول، وغُرَفًاالمفعولَ الثاني. في قراءةٍ أخرى بدل الباء ثاء، وبدل الهمزةِ ياء: {لَنُثْوِيَنَّهُمْ} هذا لفظها {لَنُثْوِيَنَّهُمْ}، ومنين هو مأخوذ؟ من الثَّواء، وهو الإقامة؛ يقال: ثَوَى في المكان: أقام فيه، وعلى هذا فتكون غُرَفًامنصوبة بنزع الخافض (في)؛ أي: لنُثْوينَّهم في غُرَف؛ لنُقيمَنَّهم في غُرَف، وقيل: إنها منصوبة بتعدِّي الفعل إليها على سبيل التوسُّع، وهذا أصحُّ لأنه على هذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير (في)، المهم أن الآية فيها قراءتان وهما: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ: نُنْزِلنَّهم، و{لَنُثْوِيَنَّهُمْ}: لنُقيمَنَّهم، والقراءتان يَثْبُت معناهما جميعًا، فتكون الآية دالَّةً على الإنزال وأنه إنزالُ إقامةٍ لا إنزالُ إعارةٍ، يعني: نُنْزلنَّهم على وجْهِ الإقامةِ الدائمةِ، كما في آيات كثيرة تدلُّ على دوام نعيم أهل الجنة. وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِهذا يتكرر في القرآن؛ ذِكْر الإيمان والعمل الصالح، واعلم أنه إذا أُطْلِق الإيمانُ شَمِل العملَ الصالحَ، وإذا ذُكِر مع العمل الصالح صار الإيمانُ في القلبِ والعملُ الصالحُ في الجوارحِ كما ذَكَر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل؛ سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فبيَّن كلَّ واحدٍ منها على حِدَةٍ ، ولكن إذا أُطْلِق الإيمان شَمِل الإسلام، وإذا أُطْلِق الإسلام شَمِل الإيمان؛ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] يشمل جميع الشريعة بعقائدها وأعمالها. هنا قال الإيمان؛ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، نقول: الإيمان في القلب وهو العقيدة، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيرِه وشرِّه، وعَمَلُ الصالحاتِ: هو أعمال الجوارح، وإذا قيل: (عَمَل)، شَمِل ثلاثة أعمالٍ: عمل القلب، وعمل اللسان، وعمل الجوارح. عَمَل القلب هو حركة القلب، وهو غير العقيدة؛ العقيدة: قول القلب وهو إقراره واطمئنانه إلى هذا الأمر، وأمَّا عَمَله فإنه حركةٌ يتحرَّك بها كالمحبَّة مثلًا، وكالتوكل، وكالرجاء والخوف، ونحو هذا. وقوله هنا: عَمِلُوا الصَّالِحَاتِقلنا أيضًا: يشمل قولَ اللسان؛ فإنه عَمَلٌ؛ فإنَّ اللسان عندما يقول يعمل ولَّا لا؟ يعمل؛ يتحرَّك بحركةٍ عجيبةٍ لا تُشْبه أن تكون اختياريةً ولا قهريةً، هكذا اللسان، الآن عندما نتكلم هل الواحد مِنَّا يريد أن يرفع لسانه عندما يأتي حرفٌ يقتضي الرفعَ ويُنْزِله عندما يقتضي الحرفُ التنزيل؟ طالب: لا. الشيخ: لو كان يلاحظ هذا كان يقعد يُفَكِّر لكي يُظْهِر اللام من الميم من السين من الشين، لكن سبحان الله! بإذْنِ الله عز وجل وحِكْمته يتحرَّك حركةً آليَّةً لا شعورية، لكنْ أصل تحريكه باختيارك ما فيه شك، ما يُمْكن أن تتكلم إلا بإرادتك، لكن هذه الحركات التي تظهر بها الحروف هي عبارة آليَّة، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، بهذا يُعرَف قدرة الله سبحانه وتعالى في الخلق؛ كيف هذا الجزء من البَدَن يتحرَّك هذه الحركة الآليَّة، وفي ظَنِّي -والله أعلم- أنه لو كانت حركةً إراديَّةً محضة لكان يتعب اللِّسان أو لا؟ طالب: كل الجوارح (...). الشيخ: لا، ترفعها باختيارك، هلْ أنت لما بدأت تأكل بدأت إيدك ترفع وتنزل بدون اختيار؟ طالب: (...). الشيخ: لا يا أخي، (...) حركة إرادتك مع القدرة، الكلام على حركة اللسان بالقول، ما هي مثل حركة الرِّجْل بالمشي واليدِ بالبطش أبدًا، ولهذا الآن في أعمال الجوارح هذه ممكن تتعب؟ طالب: إي نعم. الشيخ: لكن في اللسان أنا ما خابِر أحدًا يقول: واللهِ أنا تَعِب لساني. صحيح يتعب مُخُّه ودماغه لكنْ ما يتعب لسانه أبدًا. إذَنْ نقول: عَمَل اللسان هو حركته بالنطق، عَمَل الجوارح ظاهر، وقد مَرَّ علينا في العقائد أن الإيمان قَوْل القلبِ واللسانِ وعَمَلُ القلبِ والجوارحِ، وأنَّ قَوْل اللسان يصحُّ أن نقول: إنه قولٌ؛ باعتبار النطق والصوت، و:إنه عَمَل؛ باعتبار حركة اللسان والشفتين. قال: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًاغُرَفًاجمع غُرْفة، وهي السَّكَن العالي، والْحُجْرة هي السكن الأسفل؛ لأنَّه فيه حُجَر وفيه غُرَف؛ فالسكن العالي يُسَمَّى غُرْفة، والنازل يُسَمَّى حُجْرة لأنه متحجَّر. قال: غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [العنكبوت: ٥٨] الْأَنْهَارُجمع نهر، وهذه الأنهار أربعة أصنافٍ كما قال الله تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] الله أكبر! أنهارٌ تجري، اللَّبَن جاء من بَقَر أو إِبِل؟ لا، الذي خَلَق اللبنَ في الدنيا من بين فَرْثٍ ودَمٍ قادرٌ على أن يُجْري أنهارًا في الجنة من هذا اللَّبن، وكذلك العسل والماء، وكذلك الخمر، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير؛ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. واعلمْ أنَّ أحوال الدنيا لا تُقاس بها أحوال الآخرة، وإنما تُفْهم أحوال الآخرة من أحوال الدنيا بالاسم فقط، أمَّا حقيقة المسَمَّى فإنه لا مُقارنةَ ولا مُساواةَ بين هذا وهذا؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ فَقَطْ ، لكن الحقيقة اللِّي هي عليها: يختلف اختلافًا عظيمًا. وقوله: مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُانظر كيف تتصوَّر حُسْنَ المنظر إذا صارت هذه الغُرَفُ والقصورُ العظيمة والخِيامُ تجري من تحتها هذه الأنهار المطَّردة، يعني منظر يَبْهَج الناظرين، ولا يُساويه شيءٌ في الْحُسْن والسرور، وهذه الأنهار -كما قال ابن القيم- وَرَدَتْ فيها أحاديث تدلُّ على أنها تجري بدون أُخْدودٍ؛ يعني بدون شيءٍ يمنعها، يتصرَّف فيها الناس كما يشاؤون، يدبِّرها بدون مَسَاحٍ وبدون عُمَّالٍ، كما يشاؤون، قال في النونية:

أَنْهَارُهَـــــــا فِي غَيْرِ أُخْــــــدُودٍ جَــــــــــــرَتْ

سُبْحَــــانَ مُمْسِكِهَــــا عَــــنِ الْفَيَضَــــــانِ

نعم، سبحانه. الآن نجد –ضرْب مَثَلٍ، وإلَّا فَرْقٌ بين الأمرين- لو كان في يدك دَسَمٌ وجرى عليها الماءُ أليس ينحصر في حبيبات؟ الطلبة: بلى. الشيخ: طيب، هذا الانحصار فيه سَلَالِي تمنعه؟ فيه حدود تمنع؟ لا، فإذا كان الأمر هذا ممكنًا فإنه يمكن في الآخرة ما هو أشدُّ من هذا وأعظم. طالب: اللي يُمْسِك السماء بلا عَمَد. الشيخ: إي نعم. الطالب: قادر أن يمسك.. الشيخ: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا [الرعد: ٢]، فالحاصل أنَّ هذه الأنهار عندما يتخيَّلها الإنسان وهي تجري من تحت هذه الغُرَف يتصوَّر منظرًا عظيمًا، ولاسِيَّما الذين لهم ذَوْق في هذه الأمور، نحن ما عندنا ذَوْق في هذه الأمور فلا نتصوَّر كيف يكون هذا المنظر وهذه البهجة. وقوله: خالدين [العنكبوت: ٥٨] قال: (مُقَدَّرِينَ الْخُلودَ فيها). طالب: (...).

الشيخ: ما نعلم فيها غيرَ هذا، والله أعلم إنه ليس فيها غيرُها؛ لأنَّ مقام الامتنان يستوعب ذِكْر كلِّ ما يُمْكن أن يَمْتَنَّ الله به، فلما لم يُذكر سواها عُلِم أنه ليس فيها غيرها، ولكننا لا نجزم بذلك. طالب: قول ابن عباس: ليس في (...) إلا الأسماء . عليه دليل واضح؟ الشيخ: إي نعم، قوله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]. طالب: لماذا (...)؟. الشيخ: هو ما قَصْده الأسماء مجرَّدةً عن المعنى، قصْده: معناه أننا نُسَمِّي هذا خَمْرًا لكنْ ليس كخَمْر الدنيا. الطالب: إي بَسْ يدخل فيها أصل (...) حين أجد هنا عندنا أو مثلا مثل العسل (...) نجد أصل الخمر، أصل الطعم. الشيخ: العَسَل معروف أنه هو هذا الشراب الحلو اللذيذ، لكن هلْ حلاوة ما في الآخرة كحلاوة ما في الدنيا ولذَّته؟ هذا هو قصْده، ما هو معناه أنَّا ما نعرف إلا اسم (عَسَل) فقط (عين سين لام)، كان معنى ذلك التفويض، قصْده أنَّ الحقائق هذه ما تُعْلم، ما فيه إلا الأسماء، هذا قصده. طالب: الطلح المنضود (...). الشيخ: إي، موجودٌ عندنا في الدنيا. طالب: بَسْ ما فيه فائدة. الشيخ: فيه فائدة يا أخي (...) سيستفيد منه فائدة عظيمة. الطالب: والسدر؟ الشيخ: أنت ما تخبر أوراق هذه؟ أوراق النبت تؤخذ من ذا وتصلح بها الرؤوس. الطالب: السدر؟. الشيخ: إي. طالب: (...) الطلح.. طالب آخر: هذا أكلٌ، لكن قيل بأنه (...) صحيح؟

الشيخ: لا، الله أعلم.