تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة العنكبوت - ١١

درس صوتي · ٩٢:١٠

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

قلنا: إنه مضمَّن للحكم، وكذلك أيضًا إذا قال: إنه مؤمن وهم كفار، فهذا حكم بأنه على الحق وهم على باطل. قال: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِومنه: حالي وحالكم) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، مَااسم موصول يفيد العموم، وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ، ولم يقل: من في السماوات؛ تغليبًا للأكثر أو للذوات والصفات، وهذه أولى؛ لأننا قد نمانع بأن الأكثر غير العاقل باعتبار السماوات والأرض، فإن السماوات ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد، والسماوات عظيمة وواسعة، وما يعلم جنود ربك إلا هو، لكن نقول: لأنه يعم الذوات والصفات، وما يعبر بها عن الصفة دون الموصوف. قال الله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣] ولم يقل: من طاب؛ لأن المرأة إنما تنكح لصفاتها، إذن يقول: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِيشكل علينا صلة الموصول، وين صلة الموصول (ما)؟ طالب: (...). الشيخ: لا، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِصلة الموصول، أين صلة الموصول؟ طالب: (...). الشيخ: وينها؟ الطالب: (...). الشيخ: ويش التقدير؟ طالب: (...). الشيخ: إي، وين صلة الموصول؟ طالب: (...). الشيخ: توافقونه على هذا؟ طالب: (...). الشيخ: إي، بقيت. طلبة: أو ما استقر. الشيخ: ما استقر، طيب ابن مالك يقول:

وَجُمْلَـــــةٌ أَوْ شِبْهُهَــــا الَّــــذِي وَصَــــــــلْ

بِهِ كَـ(مَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ)

إذن هذه شبه جملة؛ لأنه جار ومجرور، فصلة الموصول إما أن تكون جملة اسمية، أو فعلية، أو شبه جملة؛ وهو الظرف أو جار ومجرور، والظرف والجار والمجرور هل هو نفسه صلة، كما هو ظاهر كلام ابن مالك، أو متعلقه هو الصلة، كما هو قول الجمهور؟ يقولون: متعلقه هو الصلة، وهل يقدر فعلًا أو اسمًا؟ قال عصام: إنه يقدر اسمًا، ولكن الصحيح أنه يقدر فعلًا؛ لأن هذا هو الأصل، وعمل الاسم عند الحذف قليل وضعيف، فيقدر صلة الموصول تقدر بفعل، وخبر المبتدأ ويش يقدَّر؟ بِاسْم، ويجوز بفعل، لكن بِاسْم هو الأصل تقول: الرجل عندك، التقدير: الرجل كائن أو مستقر عندك، ويجوز الرجل استقر عندك، على أن يكون الخبر جملة فعلية، لكن هذا خلاف الأصل؛ لأن الأصل في الخبر أنه مفرد، لكن صلة الموصول نقدرها جملة فعلية؛ لأنه هو الأصل، لو قلت: جاء الذي عندك؛ الذي مستقر عندك، لزم أن نقدر المبتدأ مرة ثانية ونقول: الذي هو مستقر، والخلاصة -حطوا بالكم لها-: إذا وقع الظرف أو الجار والمجرور خبرًا فقدره بأيش؟ بِاسْم، إذا وقع صلة للموصول فقدره بفعل، هذه القاعدة المعروفة. طالب: ابن مالك يقول: أنه كلها يلزم بعدها (...) على ظاهره (...)، وقد تقع شبه الجملة والجملة قبل (...)؟ الشيخ: لا؛ لأنهم يقولون: إن الظرف والجار والمجرور، بعض النحويين: يتحمل الضمير وإن كان ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا. طالب: شيخ، (...) معناها دلالة الإشارة (...)؟ الشيخ: لا، دلالة الإشارة التي يذكرها الأصوليون هي دلالة على شيء (...). طالب: (...) قراءة سبعية صادف يعني.. الشيخ: بدون قصد. الطالب: يصوب يعني ولا..؟ الشيخ: لا، يُسأل، ما يُخَطَّأ ولا يُصَوَّب. طالب: ما عنده القدرة على الاطلاع.. الشيخ: ما عنده اطلاع، إذن يُؤمَر بأن يقرأ على المشهور عنده؛ لأنه يكون هذا تلاعب. الطالب: خطأ يعني؟ الشيخ: لا، أقول له (...) أخطأ، لكن أصاب قراءة صحيحة، المهم أن نرد عليه ما دام من غير قصد، لكن أنا (...) نستفسر أولًا هل قصدت القراءة أو هذا خطأ، إذا قال: أبدًا، ما قصدت إلا القراءة اللي بالمصحف، نقول: لكن هذا خطأ. طالب: (...)؟ الشيخ: إذا علمنا أنه عامي فنرد عليه، أما إن كان طالب علم فلا نرد، لكننا ننصحه ألَّا يتلو القرآن بقراءة غير مشهورة بين أيدي العامة؛ لأن قراءة القرآن بغير القراءة المشهورة عند أيدي العامة توجد فتنة للناس، أما إنسان بيقرأ عند طلبة علم يعلمهم ويش؟ القراءات، هذا لا بأس، بل وهو السنة؛ لأن السنة أن نتلو القرآن بكل القراءات اللي وردت، مثل غيره من العبادات التي جاءت على وجوه متنوعة، فإن الأفضل أن نأخذ بهذا الوجه مرة وبهذا الوجه مرة، فالإنسان اللي يعرف القراءات ينبغي أن يقرأ بهذا تارة وبهذا تارة؛ لأن الكل ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، إلا في المجالس العامة؛ لئلا يوجد ذلك فتنة. طالب: هم يقولون: قراءة (...). الشيخ: إي نعم، وجاء متواترًا. طالب: (...) كتب خاصة؟ الشيخ: لا، فيه كتب المعتنين بهذا أهل القراءات، في بعض المصاحف، أنا عندي مصحف مغربي على قراءة غير المشهورة هذه. طالب: قراءة ورش؟ الشيخ: إي نعم. طالب: نفس المصحف. الشيخ: نفس المصحف. طالب: (...) على قراءة نافع. الشيخ: إي. طالب: أقول: إذا كان الواحد (...) وقال: إن هذا على قراءة حفص أحيانًا (...)؟ الشيخ: يعني أنت قصدك الأشرطة اللي تنتشر؟ طالب: مثل المنشاوي مثلًا (...) يقول: آلله أذن لكم (...)؟ الشيخ: واللهِ نرى أن هذا خطأ، اللي ينشر بين العامة بدون تعليم بس يقرأ هكذا. طالب: وكل ما جاء أول الشريط قال: بقراءة حفص عن عاصم. الشيخ: على كل حال مثلما قلت: التعليم غير مسألة التلاوة، أنا أرى أن الإنسان لا يتلو على العامة إلا ما كان مشهورًا بين أيديهم؛ لأنك تعرف العامي أولًا يستنكر ويغار، هذه واحدة، ثانيًا أنه ينخفض قدر المصحف في نظره، إذا شاف المصحف (...)، ما هو مثل لو صار عنده محترمًا معظمًا ما يُغيَّر ولا يَتَغيَّر. طالب: (...) القراءات (...)؟ الشيخ: ما أعرف أنها صنفت كالأحاديث مثلًا. طالب: (...)؟ الشيخ: الظاهر هذه؛ لأنها متواترة. طالب: رواة هذه الأسانيد لهم كتب ولهم درجات، وكذا يعني..؟ الشيخ: واللهِ إحنا ما عرفناها إلا بس أنها الكتب المصنفة في القراءات، نقول: قرأ فلان، وقرأ فلان، بس هذا اللي نحن نعرفه. طالب: في ناس متخصصة في هذا العلوم. الشيخ: إي، لا، هي على كل حال مضبوطة ومتواترة، التواتر يغني عن الأسانيد؛ ولهذا المتواتر يقولون: ما يحتاج إلى سندٍ، لو يقول لك أحد مثلا الآن: وين الدليل على أن فيه بلد تسمى واشنطن مثلًا؟ تقول: حدثني فلان، عن فلان، عن فلان؟ طالب: وإذا كان (...)؟ الشيخ: كل القراءات السبع متواترة، إذا كانت آحاد هي ما تعتبر من القراءات السبع، واختلف العلماء في جواز القراءة بها. طالب: (...)؟ الشيخ: تقدم أن فيها خلافًا، وأن الراجح أنه إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي قراءة معتبرة. طالب: (...) خبر الواحد؟ الشيخ: إي نعم، إذا تلقته الأمة بالقبول، البخاري مثلًا. قال الله تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذن لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب قبل أن ينزل عليه القرآن؛ لقوله: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ. واختلف العلماء هل صار يحسن الكتابة والقراءة بعد ذلك بعد نزول القرآن عليه أو لا؟ جمهور الأمة على أنه لا يحسنها، وأنه عليه الصلاة والسلام مات وهو لا يقرأ ولا يكتب. واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميًّا، وصفه الله بأنه النبي الأمي، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا الوصف الأصل بقائه حتى يتبين زواله، واستدلوا أيضًا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لديه كتابٌ يكتبون الوحي والرسائل للملوك، يدعوهم إلى الله عز وجل، ولو كان يكتب بيده لكانت كتابته بيده أوثق وأبلغ اطمئنانًا في المكتوب، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن ليدع ما هو أوثق وأقوى اطمئنانًا لأمر دونه إلا عند العجز عنه. وقال بعض أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم صار يحسن الكتابة والقراءة بعد نزول الوحي عليه، واستدلوا بأن الله قال هنا: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ، فمفهوم مِنْ قَبْلِهِيقتضي أنه بعد ذلك لا يمتنع عليه أن يقرأ أو يكتب. واستدلوا أيضًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية لما أمر علي بن أبي طالب أن يكتب: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو» أبى رضي الله عنه أن يكتبها قال: ما أمحو اسمك؛ لأن أول ما كتب: «هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو» وقال: ما يمكن تكتب رسول الله؛ لأننا لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ولا صددناك، فأمر بمحوها، فأبى علي رضي الله عنه، فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام فمحاها وكتب: محمد بن عبد الله ، هذا لفظ البخاري قالوا: فكلمة (كتب) تدل على أنه باشر الكتابة. والثالث: أن هذا –أي: أن كونه يقرأ ويكتب- هو الأظهر بعد أن نزل عليه القرآن؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أعطاه الله تعالى عقلًا وأعطاه علمًا، والعاقل العالم لا يشق عليه أن يقرأ أو يكتب بعد أن ينزل عليه القرآن؛ لأن التعلم هذا يكون من الصبيان الصغار، فكيف في مثل حال الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فلا يمتنع عليه ذلك. وأجابوا عن احتجاج أولئك بقولهم: إن وصفه بالأمي لا ينافي أن يكون تعلم الكتابة بعد ذلك من وجهين؛ الوجه الأول: أن وصفه بكونه أميًّا لا يعني الوصف الشخصي؛ إذ قد يراد به أنه من الأميين، فيكون الأمي مثل القرشي، والله تعالى يقول: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢]، أو يقال: إنه كان أميًّا حين نزول القرآن عليه، هذا جواب. والجواب عن كون الرسول عليه الصلاة والسلام له كتاب هو أن الكبير والرئيس جرت العادة أن يكون له كتَّابٌ يكتبون له ما يريد كما هو مشهور، فهذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع كتاب الوحي وكتاب الرسائل إلى الملوك. وقالوا: إن المحذور الذي يتحقق أو يخشى منه بكون الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ أو يكتب قد زال بعد أن نزل عليه الوحي، وهو لا يقرأ ولا يكتب وثبتت الرسالة، فإنه قد زال، وإن كان يمكن أن يقال: إنه قرأ أو كتب ما ينزل عليه من الوحي شيئًا فشيئًا، لكن الأصل أنه بعد ثبوت نبوته لأول مرة زال هذا المحذور. وتوسط بعض أهل العلم فقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب صناعة، من حيث الصناعة لا يقرأ ولا يكتب؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأما ما وقع منه يوم الحديبية؛ فهو إما أنه من آيات الله؛ يعني أنه معجزة أن يكون هو لا يقرأ ولا يكتب ثم في تلك اللحظة الحرجة صار يقرأ ويكتب، وكتب اسمه وطبعًا، قرأ من كتب قرأ. أو يقال: إنه فكتب؛ أي: أمر من يكتب، فإن الأفعال تسند إلى من يأمر بها، وهذا كثير أن تسند الأفعال إلى من يأمر بها، والله سبحانه دائمًا يسند الأفعال؛ أفعال الخلق إلى نفسه؛ لأنه المدبر لها. ويقال في المثل: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط، هو ما بناها بنفسه، من الذي بناها؟ طالب: العمال. الشيخ: العمال بأمره. المهم أنهم حملوا قوله: (كتب) على أَمَرَ أن يكتب. وقال بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف أن يكتب اسمه فقط، لا أنه آية في تلك اللحظة، ومن كان يكتب حرفًا دون حرف، أو أكثر الحروف ما يكتبها وأكثر الكلمات ما يكتبها هل يخرج عن وصفه بكونه أميًّا؟ طالب: لا يخرج. الشيخ: لا يخرج؛ ولهذا تجد الآن كثيرًا من الناس يعرف يوقع يكتب اسمه مثلًا، لكن ما يعرف يكتب غيره، هل نقول: هذا الرجل كاتب؟ لا نقول. والخلاصة أن المسألة ما زالت محل إشكال، والأدلة فيها متقابلة، فإذا كانت الأدلة متقابلة فإننا نرجع إلى القاعدة العامة وهي: أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فنقول: إن الأصل أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يكتب ولا يقرأ، فهذا هو الذي نبقى عليه حتى يتبين لنا بيانًا ظاهرًا بأنه صلى الله عليه وسلم تعلم الكتابة والقراءة. طالب: (...) تجد في أحاديث البخاري؟ الشيخ: المهم على كل حال، المسألة -كما رأيتم، وعرضناها لكم- هي متقابلة الأدلة فيها، ولكننا نرجع إلى الأصل، أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، والله أعلم. طالب: يترتب على الخلاف أثر؟ الشيخ: الأثر البالغ ما يترتب عليه؛ لأنه بعد ثبوت نبوته ما يضره أنه قد قرأ وكتب، والمحذور الشديد الذي يترتب على هذا أنه لو ثبت أن يكون قارئًا أو كاتبًا لكان للمبطلين حجة إذن لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. لكننا نقول: ما دام أنه ثبت أنه كان قبل النبوة لا يقرأ ولا يكتب، فإنه بمجرد الوحي صار نبيًّا، فيزول المحظور هذا، واحتجاجهم يزول حتى لو تعلم الكتابة بعد، لكن الكلام على أن هذا هل ثبت أو لا؟ طالب: على القول أنه لم يقرأ ولم يكتب هل يستحب عدم تعلم القراءة والكتابة؟ الشيخ: لا. الطالب: بعضهم أخذ.. الشيخ: لا، هذا جهل، إلا اللي يتشوف أن يكون نبيًّا، نقول: لا تقرأ ولا تكتب. الطالب: هو يسمع فقط مثلًا يتعلم بالسماع.. الشيخ: لا، أبدًا، هذا جهل، الله يقول: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة: ١٢٩]. الطالب: ويعلمهم بالاستماع والفهم. الشيخ: حتى بالاستماع، لا، والكتابة فرض كفاية، بماذا يحفظ الدين الآن؟ يعني لو أن الدين الآن عاد إلى صدورنا فأظنه ما يبقى، فلولا أن الله مَنَّ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٤، ٥] هذه امتنان ولَّا تهجين؟ الطالب: امتنان. الشيخ: طيب، لا، صاحبك هذا جاهل مركب. الطالب: والرسول محمد صلي الله عليه وسلم لما هاجر للمدينة أمر بتعلم الكتابة. الشيخ: إي، وأمر بتعلم زيد بن ثابت لغة اليهود، المهم أن هذا صاحبك هذا أجهل من حماره إن كان يركب الحمير. نقول الآن: مَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍفي الآية دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يقرأ ولا يكتب قبل نزول القرآن عليه، وهل كان يقرأ ويكتب بعد نزول القرآن؟ ذكرنا أن في المسألة خلاف. من فوائد الآية: أن كل مبطل فإن الله تعالى قد أبطل شبهته -ولا نقول: حجته- الإسلام مبطل لجميع شبه المبطلين؛ لقوله: إذن لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. ومن فوائد الآية: هو أنه ينبغي في المناظرة التنزل مع الخصم وإبطال ما يحتج به حتى عند التنزل معه؛ لأن هذا ليس بلازم أن نقول: إنكم كاذبون في إبطالكم نبوة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن مع هذا بيَّن الله هذه الآية الواضحة المحسوسة أنه لو كان يقرأ ويكتب لكان في ذلك ارتياب للمبطل، بمعنى شبهة يحتج بها، وهذا كقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣]، أبطل الله هذه الحجة بمثل هذه الحجة ويش قال؟ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، كيف يكون هذا؟! إي نعم. ومن فوائد الآية: أن المبطل يتعلق بكل شبهة؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ أو يكتب، ثم يقول: إنه أوحي إليه، ويؤيد ذلك بالآيات، هل يكون كتابته وقراءته مانعًا من قبول حجته؟ طالب: لا. الشيخ: لا، لكن المبطل يتعلق بكل شبهة، ومع ذلك تنزلنا معه وقلنا له: أنت الآن لو زعمت أن الرسول تعلمه من غيره، فكتبه وجاء يقول: أنا أوحي إليَّ هذا القرآن، فإننا نقول لك: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يقرأ ولا يكتب. ومن فوائد الآية: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [العنكبوت: ٤٩]. طالب: شيه، فيه زيادة فائدة، قلنا إن الارتياب شك مع قلق، فيكون المبطل لا يكتم الشك فقط وإن كان يقلق في طلب الشبه؟ لأنه لم.. الشيخ: لا، بس مو هو على هذا الوجه، نعم نقول: الارتياب شك بقلق، والمعنى أن المبطل لو حصل منه الشك، فإن هذا الشك مقترن بالقلق؛ لأنه ليس شكًّا مبنيًّا على أصل، فهو قَلِقٌ منه؛ هل يكون ذلك الشك حقيقة أو مجرد شبهة واشتباه، بخلاف الشك الذي له أصل حقيقي، فتجد الإنسان ليس بقلق منه، كما لو شك في عدد ركعات الصلاة مثلًا؟ طالب: (...)؟ الشيخ: على إضافة الفعل إليه؟ الطالب: إي. الشيخ: إي نعم، صحيح، الحمد لله. ومن فوائد الآية: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَأن أسلوب القرآن كما يبطل الشبه معنى يبطلها لفظًا؛ لأن (بل) للإضراب الإبطالي، إضراب للإبطال وليس للانتقال. ومن فوائد الآية أيضًا: أن الذي يتبين كون القرآن آية هم أولو العلم؛ لقوله: فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ. ومن فوائدها: أن محل العقل والوعي القلب؛ لقوله: فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ، والقلوب في الصدور كما قال الله تعالى: وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. ومن فوائدها: جواز التعبير بالمحل عن الحال؛ لقوله: فِي صُدُورِوالمراد: في قلوب الذين أوتوا العلم التي في صدورهم. ومن فوائد الآية أيضًا: الثناء على العلم والقدح في الجهل، وجه ذلك: أن الذي يتبين كون القرآن حقًّا هم أهل العلم، وهذه منقبة، والذين يجهلون ذلك هم أهل الجهل، وهذه مَذمَّة. طالب: أُوتُوا الْعِلْمَقلنا في التفسير: هم المؤمنون فقط؟ الشيخ: لا، قلنا: هو أعم، المؤلف قال: إنهم المؤمنون، لكن قلنا: ينبغي أن تكون أعم من ذلك؛ لأن أهل العلم يعلمون أنه حق، فاليهود مثلًا يعلمون أن القرآن حق ومع ذلك ما آمنوا. ومن فوائد الآية: ظهور كون القرآن آية؛ لقوله: بَيِّنَاتٌ، فليس في القرآن خفاء، بل كونه آية للرسول صلى الله عليه وسلم أمرٌ بيِّن ظاهر. ومن فوائد الآية: أن الجحد بالآيات ظلم، والإقرار بها عدل؛ لقوله: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَفي مقابل ذلك: وما يؤمن بها إلا أهل العدل والإنصاف؛ ولهذا كل من كان منصفًا فإنه لا بد أن يُقرَّ بحقية القرآن، والإنسان الظالم على ظلمه. طالب: من لم ينفعه علمه فليس بعالم. الشيخ: لا، مو هو معنى ليس بعالم ما عنده علم، لكن ليس بعالم انتفع بعلمه، ما يمكن.. طالب: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨] الذي لم يخش الله.. الشيخ: العلماء بالله لا بد أن يخشوه، إذا كان علمهم حقيقي ينفعهم، فالعلم لا شك أنه يطلق حتى على من لا ينتفع به، يقال: عالم، لكن يقال: عالم لم ينفعه علمه، فالجاهل خير منه، ما هو بس مثل الجاهل. طالب: يا شيخ، لو سمحت تقسيم العلماء إلى عالم بالله وعالم بأمر الله؟ الشيخ: لا، العالمُ بأمر الله مِنَ العالمِ بالله؛ لأن العلم بالله يشمل العلم به وبأسمائه وصفاته وأحكامه كما يُريد. نقول: في هذا دليل على أن أهل الجهل أهل الظلم، وأن في مقابل ذلك أهل العدل والإنصاف يقرون بآيات الله؛ لأنها حق. وقوله تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت: ٥٠]. يستفاد من هذه الآية: تعنت المشركين بطلبهم الآيات؛ لقوله: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ، وإلا فنحن نقول لهم: قد جاءتكم آيات، أليس كذلك؟ لكنهم يقولون هذا تعنتًا. ومن فوائدها: أن المتعنت مكابر؛ لإنكاره ما هو ظاهر، فإنهم قالوا: لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِمع أنها قد جاءتهم الآيات، والنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء ما أرسلوا إلا بالآيات التي يؤمن على مثلها البشر. ومنها: إقرار المشركين بالله؛ قوله: مِنْ رَبِّهِ. ومنها: إقرارهم بعلوه؛ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ، فيكون اعتقاد المشركين في الله من حيث العلو أكمل من اعتقاد المعتزلة والجهمية والأشاعرة؛ لأن هؤلاء ينكرون علو الله الذاتي، ويقولون: الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا مباين، وهذا معروف عندهم. ومن فوائد الآية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشرٌ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ. ومن فوائد الآية: أن إضافة الأمور إلى الله تقطع الحجج أو لا؟ لقوله: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ. ويتفرع على هذه المسألة فائدة أخرى في الأحكام الشرعية: إذا سئلنا ما الحكمة من كون كذا كذا وكذا؟ نقول: هذا من عند الله، هذا حكم الله، وهذا كافٍ لكل مؤمن؛ لقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]؛ ولهذا احتجت عائشة على عمرة بأيش؟ كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة . إذن فإسناد الأمور إلى الله كافٍ في إبطال الحجج وهو أعظم حجة؛ لقوله: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ. ومنها: إثبات قدرة الله عز وجل، من أين نأخذه؟ طالب: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ. الشيخ: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ؛ لأن الشيء لا يكون آية حتى يكون خارقًا للعادة، أليس كذلك؟ لو جاء رسول إلى الناس وقالوا له: أعطنا آية، فقال: عندي لكم آيتين مو بآية واحدة، ما آيتك؟ وكان ذلك في وقت الاعتدال الربيعي قال: آيتي أن تطلع الشمس الساعة الثانية عشرة وتغيب الساعة الثانية عشرة، هذه آية؟ طالب: لا. الشيخ: ليش؟ طالب: لأن هذا الوقت. الشيخ: هذا العادة، لا بد أن تكون الآية مخالفة للعادة، فإذا أجرى الله الأمر على خلاف العادة دلَّ ذلك على قدرته، واضح الآن؟ فقوله: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِفيها إثبات قدرة الله عز وجل؛ لأن الآية لا تكون إلا مخالفة للعادة، ومخالفة العادة لا شك أنه دال على القدرة. ومنها: الرد على أهل الطبيعة الذين يقولون: إن الكون طبيعة منظمة لنفسها بنفسها، وأنها عبارة عن مقدمات ونتائج ينتج بعضها ببعض ومن بعض، تؤخذ من قوله: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِعند الله وحده، فهو الذي يدبر سبحانه وتعالى الكون، ويأتي بالآيات الدالة على كمال قدرته وسلطانه. ومن فوائد الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظيفته الإنذار لا الهداية؛ لقوله: وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. ومنها أيضًا: أنه لا يملك أن يأتي بآية إلا من عند الله، وهذا ما يفيده الحصر في قوله: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، وأكبر شاهد على هذا: أنهم سألوه عن قصة أصحاب الكهف فقال لهم: «أُخْبِرُكُمْ بِذَلِكَ غَدًا»، انتظروا الوحي، فامتنع الوحي خمسة عشر يومًا لم ينزل، فضاق النبي عليه الصلاة والسلام بهذا ، ولكن هو في الحقيقة من تأييد الرسول عليه الصلاة والسلام من تأييده؛ لأنه ينفي كل شبهة يمكن أن يقال: إنه يتقول القرآن، فالذي يتقول القرآن يحرص غاية الحرص على ألَّا يخلف ما قال، أليس كذلك؟ لأنه إذا أخلف ما قال صار موضع شك، لكن حقيقةً هو موضع يقين؛ لأنه لو كان يتقول لجاء به من الغد بناء على وعده، ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يتقول وإنما يتلقى، فهو يتلقى من الله الوحي وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦]. ومن فوائد الآية: أنه لا يجب على من بلغ عن الرسول عليه الصلاة والسلام إلا الإنذار، كذا؟ يعني أهل العلم اللي هم ورثة الأنبياء ما يملكون هداية الخلق، لكن عليهم الإنذار والتبليغ. ومنها: أن من بلاغة الكلام أن يكون الخطاب موافقًا لمقتضى الحال؟ طالب: الحصر. الشيخ: كيف الحصر؟ الطالب: حصر إضافي. الشيخ: الحصر في ذكر الإنذار فقط، والرسول عليه الصلاة والسلام بشير ونذير، لكن الآن المقام في محاجة من؟ الطالب: الكافرين. الشيخ: الكافرين، فكان مقتضى الحال أن يقال لهم صفة الإنذار فقط دون التبشير؛ لهذا قال: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. ومن فوائدها أيضًا: المنقبة للمنذر إذا كان مبينًا في إنذاره، فيكون فيه مدح للفصاحة والبلاغة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» . وكم من رجل يكون قليل العلم، لكنه قوي الفصاحة، فيؤثر تأثيرًا كبيرًا أكثر مما يؤثره ذاك الآخر كثير العلم، فالله سبحانه وتعالى إذا أعطى الإنسان قوة في البيان وانطلاقًا في العبارة، فإنه من نعمة الله عليه يؤثر تأثيرا بالغًا، وهذا أمر ظاهر. ثم من الناس من يعطيه الله الفصاحة في القول والكتابة، ومنهم من يعطيه الله تعالى فصاحة في القول دون الكتابة، ومنهم من يكون فصيحًا في الكتابة دون القول. وحدثني شيخنا محمد العبد العزيز المطوع رحمه الله أن الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار رجل بليغ في كتابته؛ كتابته عظيمة جدًّا، والذي قرأها يعرفها، لكن يقولون: إنه في الإلقاء ضعيف جدًّا، يقول: حتى إني أنا ما عرفته، كان يقول لي: يدرس في الحرم أيام الحج وما عرفته؛ عبارة لا هي بجيدة، ولا هي بسلسة، ولا هي بمقنعة، لكن كتاباته -سبحان الله العظيم- معروفة. ومن الناس من يكون بالعكس؛ تجده إذا قام يتكلم ما تود أن يسكت، وعنده قوة في البيان وإيراد الحجج والدفاع، لكن عندما يكتب يتخربط، ما بالك؟ باللي رديء من الجهتين. طالب: في عوامل تكون سببًا لهذا؟ الشيخ: هي على كل حال تعرف جميع الطبائع غريزة مكتسبة، فمن الناس من يعطيه الله تعالى الموهبة من طبيعته يكون هكذا، ومن الناس من يكون بسبب الدراسة؛ دراسة الكتب، وكذلك مثلًا سماع الخطباء، وما أشبه ذلك، يتأثر بهم كثيرا؛ ولهذا الذي يطالع كتب عالم من العلماء ويُدمِن المطالعة فيها تجده يتأثر به، لا من حيث العلم حتى من حيث الأسلوب وإيراد الكلام. طالب: شيخ، بالنسبة للآية السابقة قوله: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَهل يؤخذ منها الثناء على حفظ القرآن؟ الشيخ: على حفظه؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: إلا بلى، يؤخذ منها. طالب: يؤخذ منها الرد على القدرية هذا شيء معروف كثيرًا، لكن الحث على طلب العلم من الله بالدعاء؛ لقوله: أُوتُوا الْعِلْمَ، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: ١١٤]؟ الشيخ: نعم، يؤخذ منها أن العلم من الله عز وجل للعبد. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ [العنكبوت: ٥١]. طالب: هل فيها وجهان للإعراب؟ الشيخ: للعرب ولَّا للنحويين؟ طالب: للنحويين؛ إما أن نقول بأن الهمزة تقدمت على حرف العطف، وأن أصل الكلام: وألم يكفهم، أو نقول بأن.. الشيخ: فتكون الجملة معطوفة على ما سبق. الطالب: أو أن هناك معطوفًا مقدرًا بين الهمزة والواو. الشيخ: أو تكون الهمزة في مكانها، ويحتاج إلى تقدير بين الهمزة والواو، لماذا احتجنا إلى التقدير؟ لماذا لم نقل الهمزة للاستفهام والواو حرف عطف على ما سبق؟ الطالب: لأن الهمزة قد تكون العطف. الشيخ: إي نعم؛ لأن لها صدر الكلام، أين فاعل (يكفهم)؟ طالب: الفاعل ممكن أَنَّا أَنْزَلْنَا، والتقدير: إنزالنا؛ أو لم يكفهم إنزالنا. الشيخ: يعني مصدر مؤول؟ الطالب: نعم، مصدر مؤول. الشيخ: قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَالمشار إليه ما هو؟ طالب: الإنزال. الشيخ: هو الإنزال، أو المنزَّل؟ الطالب: ظاهر الآية يفيد الإنزال. الشيخ: إِنَّ فِي ذَلِكَالإنزال، إذن الذكرى في الإنزال ولَّا في المنزَّل؟ الطالب: الاثنين. الشيخ: للتلازم بينهما. قوله تعالى: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَلماذا خص أهل الإيمان به؟ طالب: لأنه هم اللي ينتفعون. الشيخ: نعم، هم اللي ينتفعون به، وهم الذين رحموا به أيضًا أو لا؟ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. من فوائد هذه الآية: أنه كلما ازداد الإيمان ازداد الانتفاع بالقرآن، كيف ذلك؟ طالب: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، خص الرحمة والذكرى بالمؤمنين، فالحكم يدور مع دوران علته وجودًا وعدمًا.

(...) بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقوله: شَهِيدًا [العنكبوت: ٥٢] قلنا: إنه يجوز في إعرابها وجهان: أن تكون حالًا، والثانية أن تكون؟ طالب: تمييزًا. الشيخ: تمييزًا؛ يعني أن الله سبحانه كافٍ شهيدًا بيني وبينكم، فيحكم بيننا؛ يبين المحق من المبطل. وقلنا: إن شَهِيدًاهنا مضمنة معنى الحكم، بدليل قوله: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فإن مثل هذا التعبير يكون في الحكم لا في الشهادة، فإن الشهادة يقال فيها: (لي)، أو (عليَّ شهد)، أما (بيني وبينك) فهو في الحكم. والشهادة تطلق بمعنى الحكم، كما في قوله تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٢٦، ٢٧]، فإن قوله: وَشَهِدَ شَاهِدٌبمعنى: حَكَمَ حَاكمٌ. والحاكم في الحقيقة: الشاهد، من وجهين؛ أولًا: أنه شاهد بحكم الله؛ لأنه حاكم به، فهو إذا حكم يقول -يقوله بلسان الحال- أشهد بأن حكم الله كذا وكذا، وهو شاهد على المحق بالحق، وعلى المبطل بالباطل، فهذا وجه كون الحاكم شاهدًا؛ ولذلك يقولون: إن الحاكم شاهدٌ ومفتٍ وملزمٌ كالأمير، وهذا واضح فيما ذكروه. قال الله تعالى: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا، ووجه كونه سبحانه وتعالى كافيًا أن كونه يؤيد رسوله صلى الله عليه وسلم بالآيات البينات ويدحض حجج أولئك، ماذا يدل عليه هذا؟ على أن الرسول عليه الصلاة والسلام على حق، وأن خصومه على باطل، وهذا من أبين الأمور. ثم قال: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِهذه الجملة حال من اللَّهِيعني: حال كونه يعلم، ويجوز أن تكون استئنافية؛ لبيان صحة شهادة الله سبحانه وتعالى وحكمه، فإنه يشهد عن علم، فيعلم المُحِق فيحكم له، والمُبْطِل فيحكم عليه. وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِكلنا يعلم أن (ما) هنا اسم موصول، وأنه مفيد للعموم، واختيار (ما) على (مَن) الدالة على العقلاء؛ إما للتغليب إن كان غير العقلاء أكثر، وإما لملاحظة الصفات مع الذوات، وملاحظة الصفات يعبر فيها بـ(ما)؛ لأن الصفة ما هي عاقلة، قالوا: ومنه قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣] ولم يقل: من طاب؛ لأنه ليس المقصود عين المرأة، المقصود وصف المرأة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا» . وقوله: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِإذا كان للعموم فهو يشمل أفعال الإنسان؛ يشمل أفعاله وأقواله وسره وعلانيته، وفيها رد ظاهر على من؟ على غلاة القدرية الذين كانوا قديمًا ينفون العلم -والعياذ بالله- ويقولون: إن الأمر أُنُف؛ يعني مستأنف، والذين ينكرون علم الله سبحانه وتعالى كفار؛ لأنهم مكذبون للقرآن. يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِدائمًا يجمع الله سبحانه وتعالى السماوات ويفرد الأرض، وكلها في العدد سواء، كما ثبتت به السنة، وكما هو ظاهر القرآن في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، فيكون (الأرض) مفردة لكن معناها ويش معناها؟ معناها الجمع، فـ(أل) هنا لاستغراق الجنس؛ يعني كل ما يسمى أرضًا، فيشمل السبع الأرضين. (ومنه) أي: مما في السماوات والأرض، (حالي وحالكم) ونص المؤلف على ذلك؛ لأن المقام يقتضيه حيث قال: كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا. ثم قال الله تعالى -مستأنفًا الكلام فيما يظهر-: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَهذا من الحكم بينه وبينهم، فقوله: وَالَّذِينَ آمَنُواالظاهر أنها من كلام الله، وأنها جملة مستأنفة، وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِقال: (وهو ما يعبد من دون الله) آمنوا به؛ يعني اعترفوا به وأقروا به، ورأوا أنه حق، هؤلاء خاسرون، والباطل: كل ما عبد من دون الله في هذا المقام، وإلا ففي غيره يقال: الباطل: كل ما خالف الحق فهو باطل، حتى الشيء اللي ما فيه خير للإنسان يسمى باطلًا وإن لم يضره، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا كَذَا وَكَذَا» ، لكن الباطل يفسر في كل مكان بحسبه. وهذه القاعدة شاملة لجميع الكلمات؛ تجد الكلمة الواحدة في سياق لها معنى، وفي سياق آخر لها معنى آخر بحسب السياق، وهذا هو الذي يطمئن الإنسان إلى صحة القول بأنه لا مجاز في اللغة العربية؛ حيث إننا قلنا: إن الذي يحدد معنى الكلمة هو سياقها ومكانها في هذا السياق، باعتبار حال المتكلم بها، وحال الموضوع الذي هي مسوقة لأجله. فالباطل هنا لا يصح أن نقول: إنه كل ما لا نفع فيه، بل نقول: هو الأصنام، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢]. ولو قال قائل بأنه يشمل كل ما خالف الحق فليس ببعيد، وتكون عبادة الأصنام داخلة فيه دخولًا أوليًّا. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِكَفَرُوا بِاللَّهِأي: أنكروا ما يجب له من حق؛ وذلك لأن الكفر في اللغة العربية بمعنى الستر، ومنه سمي الكُفُرَّى، ويش هو الكُفُرَّى؟ طالب: غطاء الرأس. الشيخ: الكُفُرَّى غطاء الرأس؟ طالب: لا، ما هو غطاء الرأس. طالب آخر: (...). الشيخ: المغفر؟ لا، الكُفُرَّى يسمونه الكافور عندنا، حق الطلع؛ طَلْع النخل، إي نعم؛ لأنه يستر الثمر. وقول المؤلف: (منكم) هذا من أغرب ما يكون؛ حيث قال: (منكم)، إلا إذا كان المؤلف يرى أن الكلام في قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِأنه من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن قوله: (منكم) له وجه؛ لأنه يكون المخاطب بذلك من؟ طالب: المشركون. الشيخ: المشركون، يكون الرسول يخاطب المشركين، ويقول: الذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله منكم أيها المشركون، أما إن كانت من كلام الله فإنها عامة، وهي بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه واقعة ولَّا لا؟ طالب: غير واقعة. الشيخ: غير واقعة، فإذا كان الكلام من الله فإن قوله: (منكم) لا معنى لها، وإن كان الكلام من النبي عليه الصلاة والسلام فهي وجيهة. وقوله: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَفي صفقتهم، أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. أولًا الَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِإعرابها على أنها مبتدأ، أين الخبر؟ طالب: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. الشيخ: جملة أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وصوغ الجملة على هذا الوجه له معنًى عظيم؛ حيث جاءت بالجملة الاسمية المفيدة للحصر، لو قال: والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله الخاسرون لعلم المعنى، لكن إذا جاءت في قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَصارت أبلغ؛ لأن الإشارة للتعيين، كما هو ظاهر، وضمير الفصل يفيد الحصر. وعلى هذا فيكون حصر الخسران فيهم من جهتين: من جهة التعيين بالإشارة في قوله: أُولَئِكَ، ومن جهة ضمير الفصل أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَخسروا صفقتهم فما ربحوا، بل تضرروا بهذه الصفقة، ضمير الحصر -ذكرنا فيما سبق- أنه يفيد ثلاث فوائد وهي؟ طالب: الفصل، التمييز بين الصفة والخبر، والتوكيد والحصر. الشيخ: والحصر، التوكيد والحصر والتمييز أو الفصل بين الصفة والخبر؛ ولهذا سمي ضمير فصل، فإذا قلت: زيد الفاضل يحتمل أن (الفاضل) صفة، والخبر منتظر؛ لأن زيد الفاضل مثلًا قائم، فإذا قلت: زيد هو الفاضل تعين أن يكون خبرًا، فاستفدنا من ضمير الفصل أنه عين أن ما بعده خبر لا صفة، واضح؟ ضمير الفصل هل هو اسم ولَّا حرف؟ طالب: اسم. الشيخ: الأصح أنه حرف. طالب: وهو ضمير. الشيخ: وهو ضمير، لكن بصيغة الضمير، وبعضهم يقول: إنه ضمير، ولكن ما له محل من الإعراب، وبعضهم يقول: ضمير، ومحله من الإعراب ما قبله، ولكن الأخير هذا خلاف اللغة العربية؛ لأن الضمائر ما ينعت بها ولا تنعت، صحيح أنها تؤكد (إذا قام هو). فعلى كل حال الأصح والأرجح اللي عليه الأكثر أنه حرف جيء به للفوائد الثلاث اللي ذكرنا. وقوله: الْخَاسِرُونَاعلم أن الخسران يكون بفوات المحبوب، ويكون بحصول المكروه، والذي حصل لهؤلاء المؤمنين بالباطل الكافرين بالله كلا الأمرين؛ فهم فاتهم المطلوب، ووقعوا في المكروه، فاتهم الثواب العظيم الذي أعد الله للمؤمنين به من الجنات، وحصلوا -والعياذ بالله- على النار، فخسروا الأمرين جميعًا. (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَفي صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان) الخسران هنا هم خسروا أنفسهم فقط؟ لا، خسروا أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ودنياهم وآخرتهم، أعوذ بالله، خسروا أنفسهم ظاهر؛ لأن أنفسهم التي كانوا بصدد أن يحموها عن المحارم وعن الباطل، ضيعوها فخسروها، ضاعت مع نفوس الهالكين. وخسروا أهليهم؛ لأن المؤمنين قد ربحوا أهليهم في الدنيا والآخرة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١]، فربحوا الذرية في الدنيا والآخرة، وأما هؤلاء فخسروا ذريتهم في الدنيا والآخرة، ما انتفعوا بها؛ لأنهم -والعياذ بالله- أهل النار ما يجتمعون ويتحابون ويتآلفون، بل بالعكس، كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨]، وكل إنسان -والعياذ بالله- في تابوت معذب وحده، فهم -والعياذ بالله- خسروا أهليهم. خسروا أموالهم أيضًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦]. ثم إن المال المفروض أن الإنسان ينتفع به، المال ينتفع به، هؤلاء ما انتفعوا بمالهم؛ مهما أنفقوا من نفقة فلن يقبل منهم وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ [التوبة: ٥٤]، إذن هم الخاسرون من كل وجه، والعياذ بالله؛ ولهذا حصر الخسارة فيهم. ثم قال الله عز وجل: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [العنكبوت: ٥٣] يعني: يطلبون منك التعجيل بالعذاب؛ لقوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس: ٤٨] -والعياذ بالله- هذا تحدٍّ، وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ [السجدة: ٢٨] قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ [السجدة: ٢٩]، فهم يتحدون الرسل وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، بِالْعَذَابِيقولون: وين العذاب اللي تقولون؟ وهذا كقولهم أيضًا في البعث: مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الجاثية: ٢٥]، شوف الشبهة ما هي حجة، الذين قالوا بالبعث ووعدوهم بالبعث هم قالوا: إن البعث يكون في الدنيا ولَّا في الآخرة؟ طالب: في الآخرة. الشيخ: إذن قولهم: ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَتشبيه ولَّا حجة؟ تشبيه؛ لأن الجواب أن نقول: ما قالوا لكم: إنهم سيبعثون اليوم حتى تقولوا: ائتوا بهم، فالحاصل أن هؤلاء يستعجلون بالعذاب، لا لأنهم يريدون العذاب فيما يظهر، وقد يكونوا يستعجلونه يريدونه، كما في قوله تعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢]، فهم يستعجلون بالعذاب تحديًا. وأحيانًا يستعجلون به، مثلما ينتحر المضطهد، يقولون: إذا كان هذا هو الحق فإننا لا نريد البقاء في الدنيا ولننتحر، وليأتنا العذاب حتى نخلص من هذه الدنيا، لكن الغالب أن المستعجلين بالعذاب يريدون التعجيز والتحدي، بدليل قوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. طالب: لو قال قائل: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍهل هذا المسلم عندما يكون في محاجة مع آخر في شيء معين مثلًا، هل يجوز أن يفعل ذلك؟ الشيخ: هذا في مسألة المباهلة. الطالب: المباهلة تكون مع غير المسلمين؟ الشيخ: المباهلة حتى مع المسلمين، ابن عباس رضي الله عنه طلب المباهلة في بعض مسائل الفرائض . طالب: مع من، مع أحد الصحابة؟ الشيخ: إي نعم. طالب: (...) استهزاء وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [هود: ٨] يكون استهزاء؟ الشيخ: هي لها أسباب، قد يكون من أسبابها الاستهزاء، مع أنه ينظر في هذا الذي يقول، إنما المؤكد أنهم يريدون التعجيز. قال الله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِبِالْعَذَابِ(أل) هنا للعهد أو لبيان الحقيقة، فقولنا: (للعهد) يكون المراد: العذاب الذي وعدوا به؛ يعني الذي قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: إنه سيقع بهم، وإن قلنا: إنها لبيان الجنس صارت أعم من ذلك. وقوله: وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُنبدأ أولًا بالإعراب، لَوْلَا أَجَلٌهذه للتحضيض. طالب: شرطية. الشيخ: شرطية ولَّا تحضيضية، وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى؟ طالب: شرطية. الشيخ: شرطية؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: زين، بدليل جواب الشرط لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ. أَجَلٌمبتدأ، سَوَّغ الابتداء به وقوعه في سياق الشرط، هذا واحد، والثاني وصفه بقوله: مُسَمًّى، أين خبر المبتدأ؟ طالب: محذوف وجوبًا. الشيخ: محذوف وجوبًا، تقديره: وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّىمقدَّر، مثلًا، أو ما أشبه ذلك، لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ، الشاهد على حذفه في كلام ابن مالك؟ طالب:

وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ

........................

الشيخ: (...)

وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ

........................

حذف الخبر ممنوع؟ الطالب: غالبًا. الشيخ: إي ممنوع

وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ

........................

(حذف الخبر) مبتدأ وين خبر المبتدأ؟ ما أفدتنا إلى الآن. طالب: وبعد لولا غالبًا حذف الخبر أجز. الشيخ: أجز، هذا جواب.. طالب:

وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ

حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ

الشيخ: صح، الآن بان الجواب. طالب: رويناها بالمعنى. الشيخ: لا، ولا بالمعنى؛ لأنك أنت تقول: أجز، وهي (حتم)

وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ

حَتْمٌ .....................

إذن الخبر هنا محذوف، وقوله: لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُهذا جواب الشرط. قوله تعالى: وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّىفي هذا أَجَلٌالأجل هو غاية الشيء؛ يعني لولا الغاية التي حددها الله، وقوله: مُسَمًّىأي: معين أو محدد، معين في علم الله عز وجل تبعًا لحكمته؛ لأن الله عز وجل كل شيء عنده بمقدار، حتى القطرة التي تنزل من السماء ما تنزل إلا بمقدار أو لا؟ ما تنزل إلا بمقدار في وزنها وحجمها وزمنها ومكانها، كل شيء، وهذا يدل عليه قوله تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٨، ٩]، ما يخفى عليه شيء، ولا يشذ عن تقديره شيء سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: مُسَمًّىمعين محدد بنظام وانتظام، لا يزيد ولا ينقص، وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١]. قال: لَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُكما استعجلوا به، ولكن الله عز وجل يحلم ويحكُم ويُحكِم، فهو حليمٌ حكيمٌ، لو كان سبحانه وتعالى كلما طلب هؤلاء من آية أعطاهم، وكلما استعجلوا به من عذاب عاجلهم لفسدت الأرض، وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: ٧١]، ولكن الله عز وجل حكيم يقدر الأشياء حسب ما تقتضيه حكمته، وهذه الحكمة لغاية قد تعلم لنا وقد لا تعلم، قد نعلمها ولو مستقبلًا، وقد لا نعلمها؛ لأننا ضعفاء في العلم، قال الله تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]. وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُثم قال متوعدًا ومتهددًا لهم: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَقال: (وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّىله) أي: للعذاب، (لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُعاجلًا)، ولكن الله تعالى سينزله عندما تقتضيه حكمته، قال: (وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَوقت إتيانه). قوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةًهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، ونون التوكيد، ومعنى يَأْتِيَنَّهُمْيجيئنهم؛ أي: العذاب. بَغْتَةًالبغتة: كل ما باغت الإنسان؛ أي أتاه من غير توقع له، إذن وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَتكون جملة مؤكدة لقوله: بَغْتَةً؛ لأن المباغت للإنسان يأتيه بدون شروط، وقيل: إنها جملة مستقلة بمعناها، وإن قوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةًهذا تهديد وتحذير، فاحذروا أن يأتيكم، وإن قوله: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَأي: أنه لا يأتيهم الآن حين طلبوا؛ لأنهم إذا أتاهم العذاب حين طلبوا يكون قد أتاهم وهم متوقعون له شاعرون به، ولكنه سيأتيهم في غير وقت طلبهم؛ يعني: والحال أنهم لا يشعرون، فيكون المعنى يَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةًهذا صفة وقوع العذاب بهم، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَأي: في غير وقت طلبهم إتيان العذاب؛ لأنه إذا أتاهم وقت الطلب صاروا شاعرين به؛ لأنهم يكونون قد تهيؤوا واستعدوا بسبب طلبهم العذاب أن ينزل بهم العذاب. أما على القول الأول: إنها توكيد لقوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً، فيكون هذا مفسرًا بقوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف: ٩٧، ٩٨]، وهذا فيه غفلة ولَّا لا؟ طالب: غفلة. الشيخ: الإنسان النائم ما هو مستعد للعذاب، بل هو آمن غاية الأمن إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ [الأنفال: ١١]، والإنسان اللي يلعب في رابعة النهار هذا أيضًا آمن، ولكن الله هدَّد هؤلاء المبطلين في حال أمنهم أن يأتيهم عذاب الله عز وجل. طالب: (...) إذا استعجلوا العذاب (...)؟ الشيخ: إي؛ لأن الإنسان الشيء الذي يأتيك وأنت مستعد له ومتهيئ يكون أخف وقعًا عليك، وإلا هو مو بنافع والعذاب بيستأصله، لكن يكون أخف وقعًا، شوف الآن لو أنك الآن تمشي وأنت غير مستعد لحفرة أمامك لو هي صغيرة مرة، تحس بها ولَّا لا؟ طالب: إي نعم. الشيخ: تحس بها، لكن إذا كنت متوقعًا يمكن لو هي كبيرة ما تهمك. ثم قال تعالى: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِهذا أيضًا تأكيد آخر. طالب: نسينا هذه الجملة وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. الشيخ: نعم، هذه نسينا أن نتكلم عليها، قوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَظاهر الآية الكريمة أن هذا في الدنيا يأتيهم بغتة، ولا فرق بين أن يكون هذا العذاب على أيدي الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، أو من الله عز وجل، فالعذاب الذي أتى قريشًا من الله ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه عليهم به في قوله: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» ، فهذا عذاب أصابهم الجدب والقحط -والعياذ بالله- والجوع، وكذلك أيضًا ما كان على أيدي المؤمنين في غزوة بدر؛ فإن تلك الغزوة أصابتهم إصابة بالغة عظيمة؛ ولهذا سمى الله يومها يوم الفرقان، ما من بيت من بيوت مكة الكبار إلا وقد أصيب بهذه المصيبة وعذب بهذا العذاب. وعلى العموم فإن قريشًا أصيبوا عامة بنكبة بالغة؛ لأن صناديدهم ورؤساءهم قتلوا، ثم قتلوا في الحقيقة وغلبوا وأسروا وهزموا وخابوا، على حين أنهم -كما قال الله تعالى- خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال: ٤٧] يعني: قد جزموا أنهم غانمون وهازمون للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أبو جهل يقول: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا، فننحر الجزور ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، ويسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، هذا كلامه، لكن الله عز وجل من ورائهم محيط، الذي حصل أن العرب تحدثوا بهم، وأن القيان عزفت عليهم بالنعي لا بالفرح، وأنهم سقوا كأس الحمام ولم يسقوا الخمور، فصار الأمر عكس ما قالوا تمامًا، والنبي عليه الصلاة والسلام رفع الله رايته ونصره ووقف عليهم موبخًا على القليب وهم جثث هامدة يقول: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانَ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا؟» . أبلغ من هذا الذل -والعياذ بالله- والعار، وسبعين رجلًا منهم أسروا ولم يطلقوا إلا بفداء، وصاروا بدل الكراسي العالية، صاروا يدرسون الصبيان في المدينة ويعلمونهم الكتابة، هذا ذل ما وراءه ذل، وعذاب ما وراءه عذاب، وليس في الحقيقة العذاب ألم البدن فقط، أنا عندي -وعندكم أيضًا- أن العذاب المهين هو ألم القلب والنفس، هذا أشد وأعظم، ولسنا ممن نقول: شوي ولا بالنعمة، نحن نقول: شوي ولا بالقلب، العذاب العظيم هو عذاب القلب في الحقيقة؛ ولذلك إذا مَنَّ الله على إنسان بقلب مطمئن وصدر منشرح مهما كان ما يتعذب بشيء. فعلى كل حال نقول: هذا من العذاب بغتة، ما أصابهم في الدنيا مما كان بفعل الله عز وجل أو بفعل الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وكذلك أيضًا قد يكون في الدنيا ما يصيب الواحد منهم عند الموت؛ لأنه إذا جاءه الموت -وما أقرب الموت مهما طالت بالإنسان الحياة- إذا جاءه الموت ويش يبشر؟ يبشر بغضب من الله وسخط، والعياذ بالله، ويقال لروحه: اخرجي أيتها الروح الخبيثة، فهذا -والعياذ بالله- عذاب أيضًا. وقوله: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [العنكبوت: ٥٤] يكون هذا المراد عذاب الآخرة، فيكون قوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةًهذا في الدنيا، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَهذا في الآخرة، وهم في الحقيقة يستعجلون العذاب هذا وهذا؛ لأنهم يكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام بما قال من وعيد الآخرة، وبما قال من أنه سينتصر عليهم وتكون الغلبة له. طالب: (...) ما أتاهم العذاب؟ الشيخ: إلا؛ لأنه في الحقيقة -مثلما قلت في المقدمة- هم جاؤوا لأي شيء؟ جاؤوا للانتصار؛ لأن هذا القيان وسقي الخمور ونحر الجزور، هذا بعد الانتصار، هم جاؤوا على أنهم منتصرون على النبي عليه الصلاة والسلام مئة بالمئة، ولا فكروا إلا أنهم سيسحقون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، هذا تفكيرهم، فجاء الأمر على غير تهيئة له وعلى غير توقع منهم له. طالب: لقاء الحديبية كان على فجأة وقت قصير؟ الشيخ: إي نعم، بدون ميعاد، قال الله تعالى: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِيعني: يطلبون منك تعجيله، ولكن الأمور مقدرة بيد الله عز وجل، ولهم عذاب ما يستطيعون الخلاص منه؛ ولهذا قال: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَهذه الجملة أظنها مؤكدة بمؤكدين وهي: (إن) واللام، والإحاطة بالشيء معناه أن يأتيه من كل جانب، فـجَهَنَّمَوهي اسم للنار، أعاذنا الله وإياكم منها، وسميت بذلك لأمرين: لبعد قعرها، وسوادها، فهي من (الجُهمة)، والنون زائدة فيها، وعلى هذا فيكون وزنها (فَعَنَّل)، وقيل: إنها قسم أعجمي وإن أصلها: (كهنام) في اللغة الأعجمية، لكن عندما عرِّبت طبعًا يكون فيها تغيير، فصارت إلى (جهنم)، والغريب أن العجم الآن عندما يتحدثون إذا بغوا يعبرون عن النار تلقاهم يقول: جهنم، حتى نار الدنيا يسميها جهنم؛ يعني عندهم إلى الآن جهنم اسم للنار، مع إن إحنا لو نقول: جهنم هي النار العظيمة أو لا، النار التي تشتعل في عود الكبريت نسميها جهنم؟ طالب: لا. الشيخ: لا، ما نسميها جهنم، النار العظيمة جدًّا، هم عندهم أن جهنم اسم لمطلق النار. طالب: شيخ، حديث «أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، وَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَتْ، وَأُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَتْ» حديث ضعيف ولَّا له أصل يعني؟ الشيخ: المادة هذه؛ مادة الجيم والهاء والميم تدل على هذا، الجُهمة معناها في اللغة: الظلمة. الطالب: نار الآخرة تكون مسودة؟ الشيخ: إي، هي سوداء -والعياذ بالله- مظلمة، وقوله: لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَالحمد لله أنه ما قال: بالظالمين قال: بِالْكَافِرِينَ، الكافر يكون في قعر الجحيم، والعياذ بالله، فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في المكان السوي منها وهو الوسط. هؤلاء -والعياذ بالله- تحيط بهم النار من كل جانب؛ لأن الإحاطة تقتضي ذلك، لكن يبقى على هذا التقرير قوله تعالى: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت: ٥٥] يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُيَغْشَاهُمُيعني: يغطيهم، ومنه قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] يَغْشَىيعني: يغطي. طالب: (...) يغشي؟ الشيخ: وأجز الشواهد، لو بنسأل على كل شاهد تعبنا؛ فقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىيعني: يغطي الأرض بسواده، فعلى هذا يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ [العنكبوت: ٥٥] أي: يغطيهم، لكن من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ونحن قلنا: الإحاطة من كل جانب، فهل تكون الآية يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُمخصصة لهذه الإحاطة، وتكون الإحاطة من فوق ومن تحت، أو يقال: إن تغشية العذاب أبلغ من إحاطة النار؟ وهذا هو الأقرب، وخص الفوق والتحت؛ لأنه لا يمكن الفرار منه، لكن الجوانب يمكن الفرار؛ إن جاءك من الخلف تروح قدام، إن جاءك من قدام تروح من الخلف، من اليمين تروح يسارًا، ومن اليسار تروح يمينًا. وقال بعض المفسرين: خص الفوق والتحت؛ لأن نار الدنيا ما تأتي من فوق ومن تحت، تكون من جانب؛ إلى جنبه، وهذا منقوض بمن ألقي في نفس النار، منين يجيه النار؟ إي، من جميع الجهات، أو من فوق وتحت، قد تكون من تحت تتلهب فوق رأسه، ومن أسفل أيضًا، إنما الذي يظهر -والله أعلم- لأنه أقل تمكنًا من الفرار، إنما الذي نرى أن ما بعد قوله: مُحِيطَةٌلا يخصصه، تصير الإحاطة عامة من كل جانب، وتغشية العذاب -وهو أشد وأعظم- يكون من الفوق ومن تحت، كما قال الله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر: ١٦]. طالب: (...) يكون هذا (...) لبعض الحال بيان؟ الشيخ: يعني أنه ما يغشاهم من كل جانب بس من فوق ومن تحت؟ طالب: لا، بيان جزء من الحال؛ يعني نوعه.. الشيخ: يعني يكون هذا أشد؛ يعني نوع من الإحاطة أنها تكون أشد؛ من فوق ومن تحت أشد، والإحاطة عامة، لكن من فوق ومن تحت يشدد عليهم أكثر. طالب: عدَّى وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِوهو معل.. الشيخ: أيش؟ الطالب: يقول: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِولم يقل: يستعجلونك العذاب، فما فائدة الباء هنا؛ من زيادتها؟ الشيخ: هي ما تتعدى بالباء وبنفسها؛ اسْتَعْجَلَ بِهِ، واسْتَعْجَلَهُ، الظاهر أنها من جنس: شَكَرَه، وشَكَرَ لَهُ، تعتبر هذا وهذا. طالب: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَجملة استئنافية ولَّا أيش؟ الشيخ: إي نعم، استئنافية؛ لبيان ما استعجلوا به وأنه سيأتيهم. طالب: اطلاع أهل الجنة على عذاب أهل النار ما يحدث تألم لأهل الجنة؛ لأن الشخص إذا رأى شخصًا يعذب ولو على سبيل التفقد -وإن كان معذبًا، يستحق- يتألم، لا سيما إذا كان بنار الآخرة؟ الشيخ: ما تقولون في هذا الإشكال؟ طالب: قد يكون سبب السرور؛ لأنه يرى ألاعيبه ويرى (...). الشيخ: صحيح، والدليل من الآية نفسها. طالب: ما هو الجواب؟ الشيخ: يقولون: إن هذا يزيد في سرورهم واغتباطهم بنعمة الله عز وجل، وهذا تدل عليه الآية؛ لأنه قال لهم: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٦، ٥٧]، هذا من وجه. من وجه آخر: أن الإنسان في الحقيقة يسر إذا رأى عدوه يعذب لو كان عذابًا عظيمًا يُسَر، خصوصًا إذا كان في وقت لا يتمكن من الاستعتاب، فالآن ما يمكن أن هذا العدو تحسن حاله حتى يكون وليًّا لي (...). قدمناه في المناقشة في الآيات: أن القرآن مغنٍ عما سواه من الآيات، وقد سبق في التفسير وجه ذلك. ومن فوائدها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: أَنْزَلْنَا [العنكبوت: ٥١]، والشيء المضاف إلى الله عز وجل إذا كان غير عين قائمة بنفسها فإنه صفة من صفاته، أما إذا كان عينًا قائمة بنفسها أو وصفًا في ذلك العين فإنه مخلوق، وتكون الإضافة إلى الله؛ إما من باب إضافة التكوين، أو من باب إضافة التشريف، فهمتم؟ فالمضاف إلى الله إذن ثلاثة أنواع: صفة، وعين قائمة بنفسها، وصفة في تلك العين. فالصفة يكون صفة لله؛ لاستحالة قيام الصفة بدون موصوف، وهي قد أضيفت إلى الله في هذا الموضع، فتكون صفة له، مثل عزة الله، وقدرة الله، وسمع الله، وبصر الله، وما أشبه ذلك. والثاني: عين قائمة بنفسها أضيفت إلى الله، فهي ليست من صفاته، بل هي مخلوق من مخلوقاته وأضيفت إليه؛ إما من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، وإما من باب التشريف، كقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، هذا من باب إضافة؟ طالب: المخلوق إلى خالقه. الشيخ: تشريفًا؟ طالب: لا. الشيخ: تكوينًا وخلقًا، وقوله تعالى: نَاقَةُ اللَّهِ [الأعراف: ٧٣]. و(بيت الله) هذا للتشريف، ومنه أيضًا وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر: ١٠]، فإنها من باب إضافة التشريف؛ يعني المراد أرضه التي تقام فيها عبادته. الوصف: مثل إضافة الروح إلى الله عز وجل؛ روح آدم، وروح عيسى، فإن الروح وإن كانت جسمًا لكنها تحل في الجسد، فهي تشبه الصفة فتكون مخلوقًا ولَّا لا؟ تكون مخلوقًا؛ لأنها روح لجسد مخلوق، فتكون مخلوقة. من فوائد الآية: إثبات علو الله. طالب: (...).