تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة العنكبوت - ١٠

درس صوتي · ٩٢:٥١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

.. هذا التعبير يراد به الأدب في العبارة فقط. ما محلّ قوله: مِنْ كِتَابٍ [العنكبوت: ٤٨] من الإعراب؟ محلّها؟ طالب: النصب. الشيخ: إي نعم، النّصب على أنّها مفعول به؛ أي: ما كنت تتلو كتابًا ولا تخطه بيمينك. كلمة مِنْ كِتَابٍقال بعضهم: إنّها توكيد لـتَتْلُو؛ لأنه لا يتلى إلّا المكتوب، وأنه لو قال: وما كنت تتلو شيئًا لاستقام الكلام، فما رأيكم في هذا؟ فاهمين السؤال ولَّا لا؟ يقول: لا يتلى إلا المكتوب فأنا عندما أقول: قرأت ويش تفهم؟ (قرأت) بس كذا؟ (قرأت) ماذا تفهم؟ طالب: شيء مكتوب. الشيخ: أي شيئًا مكتوبًا فيقولون: إنّ قوله: مِنْ كِتَابٍإنّه توكيد لكن في هذا نظر؛ لأنّ الذي يتلى قد يكون مكتوبًا وقد يكون مسموعًا، عندما أسمع منك كلامًا وأتابعك فيه أكون قد تلوته أليس كذلك؟ فـمِنْ كِتَابٍفي ظنّي أنها ليست من باب التوكيد لـتَتْلُووإن كان بعضهم زعم ذلك. وقوله: وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَهذا من باب التوكيد؟ طالب: الخط غير القراءة. الشيخ: إي، هذه قراءة، لكن باليمين معروف أنّ الخط باليد أو لا؟ يعني لو قال قائل: هنا (بيمينك) احترازًا من بيسارك، وأنّ الرسول كان يكتب باليسار مثلًا يستقيم ولَّا ما يستقيم؟ ما يستقيم الكلام، إذن فهذه يتعيّن أن تكون من باب التوكيد وليست من باب التّقييد؛ لأنّنا لو قلنا: إنها من باب التّقييد لكان مفهومها: وتخطّها بيسارك، لكنّها من باب التوكيد، قالوا: وهي كقوله تعالى: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام: ٣٨] فإنّ الطيران معروف أنه بالجناح، ولهذا إذا كسر جناح الطائر يطير ولّا ما يطير؟ ما يطير، وإن كان بعض المتأخّرين يقول: إنّ قوله: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِاحترازًا أنه تقييد وليس بتأكيد، وإنه احترازًا من الطيّارات الموجودات الآن؛ لأنّ الله يعلم أنه سيكون طائرًا بدون جناح، هل هذا مستقيم؟ طالب: لا، الطائر حي. الشيخ: نعم، ولهذا قال: ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَوالطيارات هذه ما تحشر يوم القيامة فيكون على كلّ حال من باب التّأكيد، طيب وقال: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَهل يؤخذ –هذه تصير من الفوائد- منها أنّ اللي يكتب باليمين أحسن من الذي يكتب باليسار؟ طالب: نعم، الأصل باليمين. طالب آخر: كان محمودًا. الشيخ: محمودة، لا المحمود لو تكتب برجلك ألواح، لكن الظاهر أنّ الغالب أنّ الأخذ باليمين والإعطاء والكتابة والضرب وغير ذلك يكون باليمين، ونادر أنّه يوجد أحد يعمل باليسار، وأندر منه من يعمل بهما جميعًا، وإلّا يوجد بعض الناس ما شاء الله يعطيها الله قوّة في اليد اليمنى واليسرى يعمل بهما على السّواء، والله أعلم. طالب: شيخ، بالنسبة لـ(من) الزائدة إذا قلنا: عبارة الاستغراق، أليست أدق من التوكيد وفي التعبير من الزائدة لفظًا، ومن حيث المعنى فهي (...)، فيجب أنها تشمل أي شيء يقع عليها اسم كتاب أو أي شيء يقع عليه اسم درهم وما أشبه ذلك؟ الشيخ: لتأكيد النفي هم يقولون: هي في الغالب ما تأتي إلا في النفي، ولهذا ابن مالك يقول:

وَزِيــــــــــــــــدَ فِي نَفْـــــــــــــيٍ وَشِبْهِـــــــــــــــــهِ

.......................

وزيادتها في الإثبات مختلفٌ فيها، بعض النحويّين يجيزها، مثل المبرّد. طالب: شيخ، (...) آيات مكّيّة كيف يستقيم تفسير المؤلف: قاتلوهم جالدوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية؟ الشيخ: إي نعم، يستقيم -سلمك الله- لأن الله سبحانه وتعالى ذكر حالة أهل الكتاب في مكة ليستعدّ الناس لهم. طالب: شيخ، ما هو التصديق المستلزم للقبول والإذعان (...)؟ الشيخ: قال الله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]. في هذه الآية مِن الفوائد؛ أولًا: وجوب تلاوة القرآن، وقد سبق أنّ التلاوة ثلاثة أقسام: تلاوة اللفظ والمعنى والاتّباع، نعم ولَّا لا؟ وذكرنا أثرًا يدلّ على ذلك تستحضرون الأثر؟ كانُوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العِلْم والعمل . إذن نقول: يستفاد مِن هذه الآية: وجوب تلاوة القرآن على الوجوه الثلاثة: اللفظ، والمعنى، والاتّباع. ومِن فوائد الآية: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رسول، من أين تؤخذ؟ من قوله: مَا أُوحِيَ إِلَيْكَفإن الوحي إليه يدل على رسالته.

ومِن فوائد الآية: أهمية الصلاة والعناية بها، تؤخذ من قوله: وَأَقِمِ الصَّلاةَفإنّها داخلة في تلاوة ما أوحى إليه، وخصّها بالذكر للعناية. ومنها: أنّه ليس المقصود فعل الصلاة بل إقامة الصلاة، وأظنّه لا يخفى على الجميع الفرق بين الإقامة وبين مجرد الفعل فيكون المأمور به إقامة الصلاة. ومن فوائد الآية: الآثار الحميدة على إقامة الصلاة، وهي النّهي عن الفحشاء والمنكر إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ. ومن فوائد الآية: فضيلة ذكر الله عز وجل؛ لقوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. ومنها: أنّ الأمور الإيجابية أكمل من الأمور السلبية، هذه ما أدري مفهومة ولّا باللغة الإنجليزية؟

طالب: لا، مفهومة. الشيخ: مفهومة؟ لأنّ النهي عن الفحشاء والمنكر أمر سلبي، وذكر الله أمرٌ إيجابي؛ ولهذا قال: إنّه أكبر، ولهذا قال العلماء: إنّ الصبر على طاعة الله أكمل من الصبر أيش؟ عن معصية الله؛ لأنّه صبر على فعل ومعاناة ومشقّة؛ فالإنسان يجاهد نفسه في الصبر على طاعة الله من وجهين: من جهة إلزامها بها، ومن جهة الصبر والتحمّل على هذه الأفعال أو الأقوال. ومن فوائد الآية أيضًا.. طالب: على أن ذكر الله يكون أعظم من النهي عن الفحشاء والمنكر، (...) الصوفية (...). الشيخ: إي نعم، أعظم، هم بس الصوفيّة ما هم بيذكرون الله، لا يذكرون الله؛ لأنّ ذكرهم بدعي، والبدعة مردودة عند الله غير مقبولة. طالب: هل يفضل هذا الذكر على النهي عن الدعوة؟ الشيخ: معلوم ما فيه شكّ أنّ الذكر أفضل من النهي عن الفحشاء والمنكر بنصّ القرآن، لكن الذّكر ما هو بس باللسان فقط، الذّكر لا بدّ يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح وعلى مقتضى الشريعة أيضًا، كلّ ذكر على خلاف مقتضى الشريعة فليس ذكرًا لله لو ادّعى صاحبه أنه ذكرٌ لله فليس بذكر لله. مِن فوائد الآية إذا قلنا: إنّها مضافة إلى الفاعل؛ لأن نحن قلنا: لَذِكْرُ اللَّهِتحتمل أن تكون مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ أو نسيتم؟ إذا كانت مضافة إلى الفاعل، فمعناه أن الله يذكرك، إلى المفعول أنك تذكر الله وهي صالحة للأمرين. فيستفاد منها أيضًا: فضيلة ذكر الله للعبد، وأنّها من المراتب العالية؛ لقوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. ومِن فوائد الآية: إثبات علم الله من قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ، وإثبات عموم العلم منين يؤخذ؟ من قوله: مَا تَصْنَعُونَ؛ لأنها عامة، وإثبات تعلّق علم الله بفعل العباد تَصْنَعُونَ، فيكون فيه ردٌّ على طائفة وهم القدريّة غلاتهم، مو هم بكلهم غلاة القدرية قديمًا، كانوا ينكرون تعلّق علم الله بفعل العبد، ويقولون: إنّ الأمر أنف؛ أي: مستأنف، وأنّ الله ما يعلم بأعمال العباد إلّا إذا عملوها، ولا شك أنّ هذا قول كفر، هذا كفرٌ كما قال الشافعي وغيره: جادلوهم بالعلم فإن أقرّوا به خصموا، وإن أنكروه كفروا. ومن فوائد الآية أيضًا -كما فيها ردٌّ على القدرية-: إثبات الأفعال الاختياريّة للمرء ونسبتها إليه من قوله: تَصْنَعُونَففيها ردٌّ على طائفة ضدّ القدرية وهم الجبريّة. ثم من فوائد الآية أيضًا: أنّ من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فإنّه لم يقمها، منين تؤخذ؟ لأنّ الله قال: أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِفجعل هذا أمرًا مرتَّبًا على إقامة الصلاة، إذا لم تنهك عن الفحشاء والمنكر فإنّك لم تقمها، وهذه المسألة يجب علينا -كما قلنا في التفسير- يجب علينا أن نحاسب أنفسنا عنها لا نقل: إنّنا أقمنا الصلاة حتى ننظر آثارها، فإذا وجدنا أنّ القلوب لم تتغيّر ولم تكره الفحشاء والمنكر بفعل الصلاة علمنا أنّنا أيش؟ لم نقمها مقصّرون في إقامتها، وإلّا لو أقمناها لكانت النتيجة كما قال الله عز وجل. ننتقل إلى الآية الثانية: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْإلى آخره [العنكبوت: ٤٦]. يُستفاد مِن الآيةِ الكريمة: وجوب اتّباع الأحسن في المجادلة منين نأخذه؟ الحصر: لا تجادلوهم إلا بالتي هي أحسن، فهذا حصر والنهي يقتضي التحريم، فإذا حرمت المجادلة إلّا بالتي هي أحسن معناه وجبت المجادلة بالتي هي أحسن. ومِن فوائد الآية: أنّه يجب على المرء أن يعرف ما عند خصمه ليجادله به؛ يعني مثلًا واحد يبغى يجادل اليهود قال: أنا بقرأ قبل التّوراة وما في كتبهم حتى أعرف أرد عليهم ممكن هذا ولَّا لا؟ يمكن، ولكننا قلنا في التفسير: إنّ في القرآن والسنة من ذلك ما يكفي ويشفي فإنّ ما فيهما حق وما في التوراة قد يكون محرّفًا. مِن فوائد الآية أيضًا: ألّا نجادل غير أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن كما لو جادلنا الفلاسفة وغيرهم ما نجادلهم إلَّا بالتي هي أحسن. ومِن فوائد الآية أيضًا: أنّه يجب في المجادلة اتّباع ما يكون أشدّ إقناعًا وإبطالًا لحجّة الخصم من قوله: هِيَ أَحْسَنُاسم التفضيل، وقد ذكرنا في التفسير أنّه إذا كانت المجادلة تفتح باب المنازعة فإنه يترك هذا الباب إلى باب لا تمكن المنازعة فيه، وذكرنا مثالًا على هذا قصّة إبراهيم لما قال له الذي حاجّه: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨]، قال له إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِوحينئذٍ ما عاد يقدر يجادل أبدًا. فأنت إذا سلكت طريقًا في محاجّة غيرك ورأيت أنّ هذا الطريق سيفتح باب الجدل، فماذا تصنع؟ لا بأس أن تتنازل عن هذه الطريق؛ لأنّ بعض الناس قد لا يتنازل عن الطريق التي وضعها خوفًا من أن يظنّ أنّه منهزم، لكن إذا كان عندك أدلّة وطرق أخرى لإفحام الخصم فلا حرج، بل قد يجب أن تعدل عن الأوّل إلى الثاني؛ لأنّه لا ضيق عليك حتى تقول: سأبقى في هذه الطريق. طالب: شيخ، في بعض الأحيان يكون مثلًا كل مثلًا طريق تجد فيه مدخلًا، لكن (...) عنها؟ الشيخ: ما يخالف، أوردها جميعًا إذا كان بمجموعها ينتفي الاعتراض، فأورد جميعها فتقول: مثلًا إذا كان هذا فلننتقل إلى الثاني، ثم إذا أورد عليك انتقلت للثالث، فإذا أوردت قلت: بمجموعها لا يمكن أنّك تكون كذا وكذا. طالب: ما يكون انسحاب؟ الشيخ: ما يكون انسحاب هذا حتى لو كان انسحابًا فهو لأجل استتباع هذا العدو؛ مثلما يكون في الجيوش العسكرية قد ينسحب الإنسان أمام عدوّه لأجل يستتبعه حتى يقضي عليه من جهة أخرى لا مانع. من فوائد الآية الكريمة: أنّ الظالم في المحاجّة لا يجادل بالتي هي أحسن؛ لقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْولكن هل يترك أو يستعمل معه الشّدّة؟ ذكرنا فيما سبق أنّه على حسب الحال إن كانت المصلحة تقتضي تركه ترك أو اتّباع الشدة اتّبع الشدة. ومن فوائد الآية: أنّ من أهل الكتاب من هو معاند ظالم، ومنهم من قد يكون خفي عليه الحق فبالمجادلة يتبيّن له، من أين تؤخذ؟ طالب: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي... الشيخ: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوافقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواعلم منه أنّهم ينقسمون إلى قسمين: ظالم معاند مكابر، وآخر مسترشد قد يخفى عليه الحق بما لبّس عليه من علمائه، فإذا تبيّن له الحق رجع وأخذ به. ومِن فوائد الآية أيضًا: سلوك ما يطمئن الخصم في المناظرة ما يقتضي اطمئنانه وإلزامه أيضًا، منين؟ طالب: قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا... الشيخ: نعم، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ؛ لأن هذا يستلزم سكون الخصم ما دام أنّه يقول: خصم لي آمن بما أنزل إليك، ثم يستلزم أيش؟ إلزامه فهو يقول: أنا مؤمن بالاثنين، لماذا لا تؤمن أنت بالاثنين؟ ومِن فوائد الآية أيضًا: إثبات أنّ التوراة نزلت من عند الله، وكذلك الإنجيل؟ طالب: بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا... الشيخ: أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ. ومنها إثبات أنّهم -أي التوراة والإنجيل والقرآن- أيضًا كلام الله، تؤخذ؟ طالب: من قوله: بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ. الشيخ: ومنها إثبات العلوّ لله عز وجل؟ طالب: أنزل كذلك؛ لأن ما يكون إلا من أعلى. الشيخ: النّزول ما يكون إلا من أعلى، نعم، ويش تقول؟ طالب: كل الآيات يؤخذ منها أنّ القرآن كلام الله؟

الشيخ: إي نعم، كيف يؤخذ هذا يا جماعة؟ الطلبة: (...). الشيخ: طيب، القرآن يقال: هل القرآن عينٌ قائمٌ بنفسه أو صفة؟ طالب: صفة. الشيخ: صفة؛ لأنّه كلام ليس عينًا قائمًا بنفسه، بل هو كلام، إذا كان كلامًا، والكلام صفة فلا بدّ لكلّ صفة من موصوف، وبهذا نعرف أنّ القرآن كلام الله، واضح؟ أمّا مسألة الإنزال فهي حجّة، لكن فيها شبهة وهي أن يحتجّ عليك الجهميّ فيقول: إنّ الله تعالى قال: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦] ومعلوم أنّ الأزواج الثمانية مخلوقة ولَّا لا؟ مخلوقة، وسماه الله تعالى إنزالًا، وقال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد: ٢٥]، والحديد لا شكّ أنّه مخلوق، ولكننا ننفكّ عن هذه الإيراد بماذا؟ بأنّ هذه أعيان قائمة بنفسها، والعين القائمة بنفسها مخلوقة بكل حال، كلّ ما سوى الله فإنّه مخلوق من الأعيان، ونبطل الحجة بهذا. ومِن فوائد الآية: أنّ أهل الكتاب يقرّون بالألوهيّة؛ ألوهية الله؟ طالب: وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ. الشيخ: وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌأظنّ أوردنا في التفسير على هذه الآية إشكالًا؛ وهو أنّ النصارى ما يوحّدون الله؛ يعني حقيقة قولهم عدم التوحيد؛ لأنّهم يقولون: إنّ الله ثالث ثلاثة، وأنّ الإله مكوّن من أقانيم ثلاثة؛ هي الأب، والابن، وروح القدس، أو خلاف ذلك فيما يصطلح به عندهم، فنقول: إنهم هم يزعمون أنّه إله واحدٌ في ثلاثة، يزعمون هكذا، يقولون: إلهٌ واحد، لكنّه في ثلاثة، وهذا لا شكّ أنه مكابرة، كيف يكون إلهٌ في ثلاثة وكلّ واحد قائم بنفسه منفرد عن الآخر؟! لكن الذي جاء به الإنجيل والذي جاءت به التوراة أنّ الإله واحد ولا متعدد؟ طالب: واحد. الشيخ: أن الإله واحد. مِن فوائد الآية: أنّ الإسلام إنّما يكون لله سبحانه وتعالى من أين تؤخذ؟ من تقديم المعمول لَهُ مُسْلِمُونَوَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَوتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر قال الله تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [البقرة: ١١٢]. ثم قال الله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت: ٤٧] وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ. يُستفاد مِن هذه الآية: أنّ القرآن منزّل من عند الله أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ، وأنّه كلامه؛ لقوله: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ، وأنّه كلامه بحروفه لقوله: الْكِتَابَوالذي يكتب هو الحروف، وعلى هذا فيكون القرآن كلام الله حروفه ومعانيه كلّها كلام الله عز وجل، وسبق في التفسير أشرنا إلى أنّ الأشاعرة ومن نحا نحوهم يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وهذه الحروف مخلوقة عبارة عنه أو حكاية هم يقولون عبارة الأشاعرة والكلابيّة أتباع عبد الله بن سعيد بن كلّاب الذي تتلمذ عليه الأشعري يقولون: إنّه حكاية عن كلام الله وليس عبارة، وأمّا أهل السنة والجماعة فيقولون: إنّه كلام الله تعالى حقيقة لا حكاية ولا عبارة. وقوله: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَيستفاد منه: الإشارة إلى أنّ القرآن الكريم مكتوب، وذكرنا أنّه مكتوب في ثلاثة مواضع وهي؟ طالب: اللوح المحفوظ والمصاحف.. الشيخ: والصحف التي في أيدي الملائكة والمصاحف التي بأيدينا، الدليل على أنّه مكتوب في اللوح المحفوظ؟ طالب: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: ٧٧، ٧٨]. الشيخ: نعم، وعلى أنّه مكتوب في الصحف؟ طالب: قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٦]. الشيخ: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍأما كونه مكتوبًا في المصاحف الدليل؟ طالب: الواقع. الشيخ: نعم، هذا ما يبغي دليل؛ لأن هذا واقع. ومن فوائد الآية الكريمة: قوله: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِأنّ من أهل الكتاب من آمن به فعلًا؛ لقوله: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَوالمراد البعض مثل من؟ طالب: عبد الله بن سلام. الشيخ: عبد الله بن سلام يُؤْمِنُونَ بِهِ. هذه الآية يستفاد منها: الاستشهاد بالغير على صحّة المدّعى به أو لا؟ أنّ الإنسان يستشهد بغيره من خصومه؟ طالب: ورد في القرآن فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤]. الشيخ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: ٤٣]، وهذه الآية: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، فيقال: ممن أوتى الكتاب منكم أنتم أيها اليهود أو النصارى، من آمن بهذا القرآن وهذه الحجة مفيدة جدًّا عند المناظرة أن تحتجّ على الطائفة بقول بعض علمائها، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره يحتج مثلًا على الفلاسفة بقول بعض نظارهم احتجّ على بطلان مذهب المتكلمين مثلًا بقول الرازي وهو من أكابرهم قال:

نِهَايَــــــــةُ إِقْــــــدَامِ الْعُقُـــــــولِ عِقَــــــــــالُ

وَأَكْثَــــــرُ سَعْـــيِ الْعَالَمِــــــينَ ضَــــــلَالُ

وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَـا

وَغَـــــــــايَـــــــــــــةُ دُنْــــــــيَـــــــــانَا أَذًى وَوَبَالُ

وَلَمْ نَسْتَفْدِ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْـــرِنَا

سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيـــــلَ وَقَــــالُــــــوا

وهذه فائدة عظيمة أو لا؟ هذه ليست فائدة (قيل وقال) ويش هذا؟ الشاهد من مثل هذا هو نفسه يتكلم بهذه الأبيات إمّا منشدًا أو منشئًا، لكنّه سبقها كلام يقول: لقد تأمّلت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فلم أرها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ووجدت أقرب الطرق في ذلك طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، وأقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي، هذا صريح في أنّ الرجل أقرّ على نفسه بأنّ هذه المذاهب الفلسفية كلّها لا خير فيها لا تشفي العليل ولا تروي الغليل، فالاحتجاج على الطائفة بقول زعمائها هذا من أقوى الحجج، والقرآن سلك هذا المسلك كما في هذه الآية وغيرها واضح؟ ومن فوائد الآية: أنّ من المشركين، أو بالأصح من قريش من آمن بالقرآن كقوله: وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِفيكون حجّةً على الذين لم يؤمنوا، وأظنّكم تعرفون أنّه آمن من قريش من أشرافهم ووجهائهم من سبقوا إلى الإسلام مثل من؟ أبو بكر رضي الله عنه كان من أشرافهم، وكانوا يرجعون إليه في النسب معرفة الأنساب ومعروف بالكرم أيضًا، فإنّ أوصافه رضي الله عنه كأوصاف النبي عليه الصلاة والسلام يحمل الكلّ، وكذلك أيضًا يعين على نوائب الحقّ، ومع ذلك كان أسبق الناس إلى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، فلماذا تنكرون أنتم وفيكم من آمن؟! ومِن فوائد الآية: أنّ كل من جحد بآيات الله فهو كافر؛ لقوله: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ، هل هذا يشمل جحد الآيات عمومًا أو حتى أفرادها؟ طالب: حتى أفرادها. الشيخ: حتى أفرادها؛ يعني ما هو لازم يجحد القرآن كله مثلًا، لو جحد بعضه وأقرّ ببعض حكم بكفره كما قال الله تبارك وتعالى: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ١٥٠، ١٥١]، فمن آمن ببعض وكفر ببعض علمنا يقينًا أن إيمانه ليس بحقّ لو كان إيمانه حقًّا لم يكن هناك فرق بين ما آمن به وكفر به، وإنّما هو لمجرّد هواه. إذن من جحد شيئًا من الشريعة الإسلامية فإنّه كافر ولو آمن بالبعض، ولكن لاحظوا أنّ هذا مشروطٌ بالعلم، فإذا انتفى العلم وجحده لعدم علمه لم يكفر حتى يتبيّن له الحق؛ لأنّ الله يقول: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥]، وكذلك أيضًا يقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]. فإذا بيّن لهم ما يتقون ولم يتّقوه حينئذٍ حكم بضلالهم، أما أنّه يضلّهم جل وعلا قبل أن يبيّن لهم ما يتقون، هذا لا يمكن؛ لأنّه ليس مما تقتضيه حكمة الله وعدله، ويقول تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩]، ويقول تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، وأخذ أهل العلم بذلك فقالوا: من نشأ بالبادية أو بدار كفر، وجحد ما هو معلومٌ عند المسلمين بالضرورة فإنّه لا يكفر حتى يعرّف به، فإذا عرّف به وتبيّن به، ثم أنكر حينئذٍ يكفر، وهذه مسألة يجب علينا يا إخواننا أن نتأمّلها؛ لأنّ بعض الإخوة الغيورين على دينهم يحكمون بالتكفير على سبيل الإطلاق، وهذا خطأ؛ فإنّه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ .

وأيضًا الحكم بالتكفير حكم من أحكام الله؛ لأنّ قولك عن هذا الرجل: إنّه كافر كقولك عن هذا الطعام: إنّه حرام أو إنّه حلال، الحكم لمن بالتكفير والإيمان؟ لله فلا يجوز أن تكفّر إلا من كفّره الله ورسوله بل، ولا أن تفسّق إلا من فسّقه الله ورسوله؛ فالأمر ليس إليك، الحكم على العباد بيد خالقهم سبحانه وتعالى إن حكم عليهم بالكفر أو الفسق فاحكم به وإلّا فلا، كذلك أيضًا من شروط التكفير ألا يوجد مانع منه فإن وجد مانعٌ من التكفير لم يكفّر؛ لأنّ العلم شرط، العلم بما يوجب الكفر شرط كذلك انتفاء المانع شرط، فإن وجد مانع يمنع من التكفير لم يكفّر، والموانع كثيرة منها الإكراه لو أكره رجلٌ على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان ما تقول؟ طالب: لا يكفر. الشيخ: ما يكفر بنصّ القرآن وإجماع المسلمين، كذلك أيضًا ألّا يحول دون إرادته حائل؛ بمعنى ألّا يكون هناك حائل يمنعه الإرادة، والقصد فيكون خرج منه الكفر بغير قصد، فإذا خرج منه الكفر بغير قصد يكفر ولَّا لا؟ لا يكفر، ولو كان كفرًا صريحًا كالشمس ما دام بغير قصد مثل أن يكون غاضبًا غضبًا شديدًا، أو فرحًا فرحًا شديدًا، أو خائفًا خوفًا شديدًا فيطلق الكفر من غير إرادة فهذا لا شكّ أنّه لا يكفر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في فرح الله بتوبة عبده المؤمن: أنّه كرجل أضلّ بعيره وعليها طعامه وشرابه، فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، ثم استيقظ، وإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بالخطام وقال من شدة الفرح: اللّهمّ أنتَ عبدِي وأنَا ربُّكَ . ما تقولون في هذه الكلمة؟ طالب: كفر. الشيخ: كفر ولَّا إيمان؟ الطالب: كفر. الشيخ: كفر يعني لو قال: أنت عبدي فقط كفر كيف إنه قال: أنت عبدي وأنا ربك، أيضًا فادّعى لنفسه الربوبيّة ولربّه العبوديّة، لكن قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» .

فالحاصل من هذه المسائل وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَيجب علينا أن نقول: إنّ التكفير لا بد فيه من وجود الشروط وانتفاء الموانع وهذا الأمر -أي اعتبار وجود الشروط وانتفاء الموانع- ليس خاصًّا في مسألة التكفير، أظنّنا نعلم جميعًا أنّه عام أو لا؟ كلّ الأشياء ما تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها، بقي لنا هذه المسألة الذي ذكرها الأخ؛ يمكن إذا ادّعى الجهل ومثله لا يجهله هل يقبل؟ يقول: أنا والله ما علمت أنّ هذا مثلًا واجب، لو علمت أنّه واجب ما جحدته. نقول: الحمد لله، إذا قلت هكذا فأنت الآن تبت ما دمت تقول: أنا ما علمت أنه واجب، ولو علمت أنّه واجب ما جحدته، فالآن أقررت به. واضح؟ لكن لو أنه جحده رأسًا قبل أن نطالبه إذا كان مثله لا يجهله فهو كافر، لو جحد تحريم الزنا وهو ناشئ في البلاد الإسلاميّة المحافظة إنسان نشأ مثلًا في بلاد إسلامية محافظة تحرّم الزنا، ونشأ فيها وقال: إنّ الزنا حلال ما تقولون؟ هذا لا يعذر؛ لأنّه نشأ في بلاد إسلامية محافظة، في بلاد إسلامية متهتّكة أسواق الزنا فيها مفتوحة وجحد تحريم الزنا يعذر؟ طالب: ينظر إذا كان.. الشيخ: إي، هذا إنسان عاش في هذه البلاد، وشاف أن فيه أسواق دعارة مبيحة للزنا ولا يدري، نقول: نعم، ما دام أنه فيه شبهة فإنّ الحدود تدرأ بالشّبهات، والإنسان المسلم هو مسلم، ولا يمكن نخرجه من الإسلام إلا بيقين. طالب: (...) على تحريم الزنا (...)؟ الشيخ: على تحريم الزنا؟ إذا كان ما يدري عنها؟ إذا كان يدري عنها كيف يقول: إني جاهل؟! يدري عنها فهو دارٍ إذا كان أن الزنا معروف، الآن تحريم الرّبا لو نشأ الإنسان في بلاد كلها مثلًا ربوية تتعامل بالربا بالبنوك وغيرها، وقال: أنا والله ما أعرف أنه حرام، يمكن يصير هذا حقًّا؟ نقول: يمكن الإنسان إذا عاش في شيء ما يدري عنه، الآن مثلًا الذين نشؤوا في بلاد ينتحل علماؤها طريق الأشاعرة، أتعلمون أنّهم لا يدرون عن مذهب أهل السنة شيئًا يحسبون أنّ هذا هو الحق حتى إنّ منهم من يؤلّف ويقول: إن مذهب أهل السنة والجماعة ينحصر في مذهب الأشاعرة والماتريديّة؛ لأنّه جاهل وهذه بليّةٌ عظيمة، هذا جهل؟ طالب: يا شيخ! من يؤلّف هل يكون معذورًا؛ لأنه أصبح يعني طالب علم؟ الشيخ: إي، قد يعذر يا أخي؛ لأنه إذا صار هذه البلاد علماء (...) الطريق، وليس هناك كتب يقرؤها هذا من جنس الذي عاش في بلاد كفر، وليس عنده كتب من كتب الإسلام فالجهل واحد؛ لأنّه قد لا يطرأ على بالهم إطلاقًا أن هناك مذهب ثالث بين المذهبين ما يطرأ على باله، عندنا الآن عند العامة، وإلا دعنا عاد من طلبة العلم العامة يظنّون أنّه ما هناك مذهب إلا مذهب الحنابلة حتى إنّ بعضهم سئل في حضرة الملك عبد العزيز رحمه الله قديمًا بعض العامة قال له: الملك يمزح عليه، ما هو مذهب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: مذهب النبي صلى الله عليه وسلم حنبليٌّ قرص. ويش يدري يحسب ما يوجد في الدنيا طريق إلّا طريق الحنابلة، المهم أنّ مسائل الجهل هذه ما لها حد، والحمد لله الإنسان ما دام أنه يمكن أن تجد مخرجًا من تكفير المسلم فاسلكه إنما عاد إذا أصرّ وعاند هذا شيء آخر. طالب: من صرف جزءًا مما ينبغي لله لغيره؟ الشيخ: جزءًا مما يختصّ به الله لغيره فيكون مشركًا. الطالب: حتى ولو ادعى الجهل؟ الشيخ: لا، إذا ادّعى الجهل، إحنا ننظر إذا كان مثله يجهله فإنه نقول: الآن علمت؛ لأن مسألة دعوى الجهل يا إخواننا ما هي بمشكلة إذا ادّعى الجهل نقول له: الآن علمت فأقرّ. طالب: ولا يكفر؟ الشيخ: ما يكفّر إذا ادّعى الجهل ومثله يجهله ما يكفّر، أما إذا كان مثله لا يجهله نقول: كذبت في دعواك الجهل، لكن الآن أقرّ بما يقتضيه العلم. طالب: يعني (...) تدعو أصحابها (...) لا يكفرون؟ الشيخ: لا، نحكم بكفرهم في ظاهر الحال إذا كان مثلهم لا يجهله، أما إذا كانوا جاهلين فلا نحكم بكفرهم، لكننا ندعوهم للحق، فإذا أصرّوا قال: والله ما نقبل منكم هذا، هذا دين جديد، نحن على ما كان عليه آباؤنا حينئذٍ كفّرناهم. طالب: إذا ما صدقوا؟ إذا قلت له: وما صدّق يعني كذّبني أنا؟ الشيخ: يعني عدم ثقتهم بك؟

طالب: إي نعم. الشيخ: فهذا يعذر أمام الله.

لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١] (...) من طريق. طالب: (...). الشيخ: هذه محاجّة بالباطل. قال الله تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨].

قال: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِأي: من قبل القرآن مِنْ كِتَابٍ، هذه مِنْحرف جر زائدة إعرابًا، لكنها مفيدة، المعنى وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(إذًا) هذه (إذ) منوّنة ويسمّي علماء النحو هذا التنوين؟ يسمونه تنوين العوض عوضًا عن أيش؟ (إذًا) عوض عن جملة، التقدير: إذ لو كنت تتلو من قبله من كتاب أو تخطه بيمينك لارتاب المبطلون، انتبهوا إلى تنوين العوض يقول هذه (إذ) (إذًا) أصله ويش أصله؟ (إذ)، ونوّنت تنوين عوض عن جملة، وتقدير الكلام: إذ لو كنت تتلو من قبله من كتاب أو تخطّه بيمينك لارتاب المبطلون، طيب على هذا نقول: لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَاللام واقعة في جواب (لو) المحذوفة أو لا؟ في الجملة المعوّض عنها بالتنوين، فقوله: لَارْتَابَاللام واقعة في جواب (لو) المحذوفـــة في الجملة المعوّض عنها بأيش؟ بالتنوين، هل نحفظ مثالًا آخــر فيه التنـــوين عوض عن جملة؟ تذكرون شيئًا؟ طالب: قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم: ١٤]. الشيخ: نعم، يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَأي: يوم إذ تقوم الساعة فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ [الواقعة: ٨٣، ٨٤]، أي: حين إذ بلغت عوض عن جملة حين إذ بلغت الحلقوم، وهذا كثير في القرآن، قال: إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَارتاب بمعنى (شك) إلَّا أنّ أهل العلم يقولون: إنّ الريب والشك بينهما فرق فالرّيب شكٌّ بقلق والشّكّ تردّدٌ بدون قلق؛ يعني أنّهم لو كنت على هذا الحال لارتاب المبطلون. وقوله: لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَما قال: (لارتاب الناس)؛ لأنّه حتى لو فرض أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتلو كتابًا من قبل ذلك ويخطّه بيمينه، وأتى بهذا القرآن مع وجود الآيات الدالّة على صدقه، هل يحصل ارتياب؟ ما يحصل ارتياب، لكن المبطل قد يحتجّ بالشبهة ويراها بيّنة، أليس كذلك؟ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(أل) هنا، ويش إعرابها عند النحويين؟ اسم موصول صلته مُبْطِلُونَ، وصفةٌ صريحة صلة (أل). وقوله: الْمُبْطِلُونَأي: المائلون إلى الباطل أو الداخلون فيه؛ لأنّ زيادة الهمزة قد تفيد الدّخول في الشيء مثل ما يقال: أحصد الزرع أيش معناها؟ دخل في وقت الحصاد، ويقال: أنجد الرجل؛ أي: دخل في نجد، أبطل أي دخل في الباطل، وأخذ به كما أنّ الْمُبْطِلُونَ؛ أي: المبتغون للباطل الدّاخلون فيه والله أعلم. طالب: قَبْلِهِ؟ الشيخ: قبل الكتاب؛ يعني قبل القرآن. قال الله تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِأي: القرآن مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. قال الله تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ [العنكبوت: ٤٩] بَلْ هُوَهذه بَلْللإبطال، وقد سبق لنا أن (بل) تأتي للإضراب، وأن الإضراب نوعان: إضرابٌ لإبطال ما سبق، وإضرابٌ للانتقال منه إلى ما فوقه أو دونه، ولهذا يقال: الإضراب نوعان: إبطاليّ وانتقاليّ. ففي قوله تعالى: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦] ما نوع الإضراب؟ طالب: انتقالي. الشيخ: انتقالي، وهنا لما قال الله تعالى وقوله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ [المطففين: ١٣- ١٤] ما هذا؟ طالب: إبطالي. الشيخ: هذا إبطالي؛ أبطل قوله: إنّها أساطير الأولين، هنا قال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌهذا إبطالي ولَّا انتقالي؟ طالب: إبطالي. الشيخ: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌيحتمل أنّه إبطاليّ أو انتقاليّ، أما كونه إبطاليًّا فهو لإبطال قولهم: إنّه جاء به من عنده، أمّا كونه انتقاليًّا فإنّه لما نفى ما يكون به متقوِّلًا على الله أثبت أنّه آياتٌ من الله فيكون انتقالًا من النّفي إلى الإيجاب، قال: بَلْ هُوَأي: القرآن آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: ٤٩] أي: المؤمنين يحفظونه. قوله: آيَاتٌجمعها؛ لأنّ كلّ آية من القرآن فهي آيةٌ على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنّ كلّ آية منه فهي -كما قال أهل العلم- معجزة كلّ آية من القرآن فهي معجزة، والله تعالى تحدّى الناس والعرب كلّهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعشر سور منه أو بسورة أو بحديث، ولو آية قال الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨]، هذا عموم القرآن، أسّس سور؟ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود: ١٣]، وهذه سورة (هود)، السورة الواحدة: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: ٣٨]، وهذه في (يونس)، الآية الواحدة فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤]، وهذه في سورة (الطور)، إذن كلّ آية منه فهي آية ومعجزة للرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: بَلْ هُوَ آيَاتٌجمعها، والآيات العلامات كما تقدّم، وسبق أنّ آيات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى كونيّة وشرعيّة. طالب: (...) إعجازه فقط بلفظه؟ الشيخ: لا، كلّه لفظه ومعناه، وكل ما يتعلق به الإعجاز. وقوله: بيِّنَاتأي: ظاهرات لا إشكال فيها ولا غموض. وقوله: فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَفِيللظرفية حملها المؤلف وكثيرٌ من المفسرين على أنّ المراد حفظه عن ظهر قلب، وأنّ هذا القرآن محفوظ في الصدور، ولهذا قال المؤلف في تفسيره: (أي المؤمنين يحفظونه)، ويكون المعنى أنّ هذا القرآن محفوظٌ في الصدور، ويحتمل أنّ المعنى آياتٌ بيناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم؛ أي: في قلوبهم؛ أي أنّهم يعلمون أنّه حقّ كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]، وقد يقال: إنّ المراد النوعان جميعًا؛ أي: حفظه في الصدور فإنّه يدلّ على أنه معتنًى به ومهتم به، وكذلك كونه آيات بينات في الصدور يعترف به أهل الإيمان أهل العلم، المهم أنّه لا ينبغي أن نقتصر على أنّ المراد أنّه في صدورهم يحفظونه، بل إنّه في صدورهم يعلمونه ويحفظونه كذلك؛ فأهل العلم يعرفون في قلوبهم أنّ القرآن آياتٌ بينات ولا يمترون في هذا؛ ولذلك قال: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ. وقول المؤلف: (فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَأي: المؤمنين) بناءً على أنّ المراد به أهل العلم العاملين به، وهذا لا يكون إلَّا للمؤمنين. وقوله: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَاتقدم أن الجحد هنا ضمّن معنى أيش؟ طالب: التّكذيب. الشيخ: التكذيب. وقوله: الظَّالِمُونَالظلم هنا الظلم الأكبر؛ لأنّ الظلم ظلمان: ظلم أصغر؛ وهو ما دون الشرك والكفر، وظلمٌ أكبر وهو الكفر والشرك، وكلاهما موجودٌ في القرآن، أيش مثال الظلم الأكبر؟ طالب: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]. الشيخ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وكذلك هنا في هذه الآية، كذلك الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، طيب الظلم الأصغر؟ طالب: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص: ١٦]. الشيخ: نعم، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الشورى: ٤٢]. طالب: الذين أوتوا العلم، لماذا لا يستعان بهم في جميع النحل؟ يوجد جماعات كبيرة من النصارى واليهود إذا كان.. الشيخ: يعني يرونه حقًّا؟ طالب: لا (...)، لا يستطيع التعبير في اللغة العربية (...). الشيخ: المؤلف كما ترى حملها على المؤمنين بأنّهم المنتفعون بالعلم، لكن هل أنّ غير المؤمنين من أولي العلم يكون: القرآن آيات بينات؟ قد يكون آيات بينات ويجحدون بها، وقد ثبت عن بعض زعماء قريش ، أنّه لما سمع القرآن أعجب به وقال: هذا ما يمكن يكون من قول بشر، واعترف بأنّه من الله، لكنّه منعه الكبر، وقد ذكر الله عن قوم فرعون أنّهم جحدوا بالآيات واستيقنتها أنفسهم، فعلى هذا نقول: إبقاؤها على أنها عامة فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَيكون أولى. طالب: يا شيخ، إذا قلنا: إن يعلمون أنه آيات؛ ففي تكرار مع قوله تعالى: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت: ٤٧]، فهناك ذكر الإيمان به، وهنا ذكر الحفظ. الشيخ: صُدُورِ الَّذِينَ(...) هؤلاء وهؤلاء، ولا نقول أيضًا في مسألة الحفظ قد لا يحفظونه، لكن يعرفون أنّه حقّ على الوجه الثاني الذي ذكرناه. (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَأي: اليهود جحدوها بعد ظهورها). قوله: (أي: اليهود) لا شكّ أنه قاصر، فإنّ الآية عامّة تشمل اليهود والنصارى والمجوس، وكلّ من عاند فإنّه ظالم. قال الله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [العنكبوت: ٥٠]. (وَقَالُوا-عندي- أي: كفار مكة)؛ لأن هم الذين اقترحوا الآيات كما في قوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًاإلى آخره [الإسراء: ٩٠]. وقوله: (لَوْلَابمعنى هلّا ) فتكون للتحضيض، وهذا إحدى معاني لَوْلَا، والمعنى الثاني؟ مرّ علينا قريبًا المعنى الثاني لـلَوْلَا؟ طالب: الشرط. الشيخ: المعنى الثاني أن تكون شرطيّة حرف امتناع لوجود، مثالها: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة: ٢٥١]. طالب: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ. الشيخ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ [الأنفال: ٦٨] فهمتم؟ أمّا هنا فهي للتحضيض بمعنى (هلا) يعني: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} أي: على محمد صلى الله عليه وسلم.

({آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} وفي قراءة: {آيَاتٌ} والمعنى واحد؛ لأنّ {آيَةٌ} نكرة في سياق ما يشبه الشّرط وهو التحضيض فكانت للعموم. وقوله: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ}، {آيَةٌ} أي: علامة على صدقه؛ يعني لصدّقناه، هذا المعنى يقولون: لولا أنزل عليه آية، هلّا أنزل عليه آية حتى نصدّقه ويتبيّن لنا صدقه. وقوله: (وفي قراءة {آيَاتٌ}) القراءة هنا سبعية ولَّا شاذّة؟ طالب: سبعية. الشيخ: سبعيّة؛ لأنّ من اصطلاح المؤلف أنّه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعيّة، وإذا قال: (وقرئ) فهي شاذّة. قال: (كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى)، فهذه آيات حسيّة، وهم طلبوا هذه تعنّتًا، وإلا فقد جاءهم من الآيات الحسية والمعنوية ما هو أعظم، لقد أراهم النبي عليه الصلاة والسلام انشقاق القمر ، ولقد أخبرهم بما رأى ليلة الإسراء والمعراج ، فهذه آياتٌ من جنس ما طلبوا، لكن كما قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس: ٩٧،٩٦]، وكلّ إنسان متعنّت فإنّه لا يمكن أن يقبل؛ لأنّ من قصده الحق يكفيه الآية التي تدلّ على صدق ما قال صاحبه، أمّا المتعنِّت اللي يقول مثلًا هات كذا، فإذا جاء به قال: لا هات غيره فهذا ما يقبل منه، والمتعنّت هذا دأبه؛ يعني حتى لو جاءت آيةٌ على ما يقولون لقالوا: نريد غيرها أنت ساحر، نريد غير هذه الآية، ولهذا يقول الله عز وجل في جوابهم.. طيب فيها الأمثلة ناقة صالح، كيف هي آية ناقة صالح؟ طالب: لأنهم يشربون لبنها تكفي قبيلة فتشرب الماء يومًا ويشربون لبنها يومًا. الشيخ: نعم، مثلما قال: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء: ١٥٥]، هذا وجه كونها آية، أمّا ما ذكر في الإسرائيليات من أنّها خرجت من الحجر وما أشبه ذلك فالله أعلم به، إنما الآية التي أبانها الله هي أنّ لها شربًا ولهم شرب يوم معلوم، وعصا موسى آية من وجوه متعددة؛ منها أنّه إذا ألقاها كانت ثعبانًا عظيمًا، ومنها أنها التقمت ما جاء به السحرة من الحبال والعصيّ، ومنها أنّه كان يضرب بها الحجر فيتفجّر عيونًا، ومنها أنّه كان ضرب بها البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطّود العظيم، ومنها أو ليس منها أنّها يهشّ بها على غنمه؟ طالب: ليس منها. الشيخ: ليس منها؟ أي: لأن هذا من كلّ أحد. طالب: استحب بعض العلماء (...) العصا. الشيخ: أي: ما هو بصحيح، لا ليس بصحيح، ما هو من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. طالب: يقول: (...) أكلته ولا أبطلته إبطالًا؟ الشيخ: لا أكلته تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف: ١١٧] تأكله أكل. طالب: وين يروح يا شيخ؟ الشيخ: ما ندري وين يروح به؟ موجود هذه يعني هذه حبال كثيرة وعصيٌّ كثيرة ملؤوا المكان. الآيات هذه.. طالب: (...). الشيخ: لا، هيّن هي تنقلب عصا الانقلاب غير مسألة أنه يذهب، ولا يدرى أين ذهب. طالب: الحجم الكبير هذا ينقلب إلى عصا، كيف (...)؟ الشيخ: طيب كذلك أيضًا مائدة عيسى، هذا التّمثيل من المؤلف يدلّ على أنّه يرى أنّ المائدة أنزلت، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنّ الله أنزل المائدة على بني إسرائيل، ومنهم من قال: إن الله لم ينزلها أيّهما أقرب إلى ظاهر القرآن؟ طالب: قال: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ. الشيخ: طيب ما يخالف، نشوف الآن هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا [المائدة: ١١٢، ١١٣] شوف الله أكبر، البطن دائمًا الناس يبغون مليه، كذلك أيضًا قوم موسى قالوا: حنطة بدل حطّة. أقول: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ١١٥]، إن نظرنا إلى قوله: إِنِّي مُنَزِّلُهَافظاهره أنها نزلت وإن نظرنا إلى الشّرط فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُقلنا: إنّها ما نزلت، ليش؟ لأنّه ما جرى هذا التعذيب الذي لم يعذّب أحدٌ من العالمين به للنصارى، وأيضًا فإنّها لو كانت هذه المائدة نزلت لكانت عيدًا لأولهم وآخرهم، وهي الآن مجهولة ما هي عند النصارى هذه المائدة، عيد المائدة ما هو موجود عند النصارى، فهذا مما استدلّ به من يقول: إنّها لم تنزل؛ لأنّ الله تعالى ذكر شرطًا في نزولها لم يوجد، فدلّ على عدم وجود النزول. طالب: العذاب (...)؛ لأنه ما ذكر في الدنيا ولا في الآخرة. الشيخ: لا، معروف أنّه في الدنيا عقوبةً لهم؛ لأنّ الآيات إذا نزلت الآيات المقترحة إذا نزلت، ولم يؤمن أصحابها فإنهم يعذّبون.

طالب: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْلم يذكر شرط هذه العبارة. الشيخ: هذا كله واحد الشّرط سواء من أولها أو آخرها فهو منتظر. طالب: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْإنها لو في المستقبل. الشيخ: فَمَنْ يَكْفُرْمفرّع على ما قبله الفاء تدلّ على التفريع. الطالب: مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ. الشيخ: فإذا نزلتها فمن يكفر فإني أعذبه. الطالب: (...) حرفوا النصارى، ومع ذلك هذا العيد؛ يعني ما يمنع لكن.. الشيخ: على كل حال الآية محتملة، ولهذا اختلف العلماء، وكلٌّ له وجه. طيب هذه ثلاث آيات، قلنا: إنّ الرسول عليه الصلاة والسلام أعطي ما هو أعظم منها، لكن المتعنّت لا ينتفع بالآيات. طيب قال الله عز وجل مبيّنًا أنّ لدى الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم من ذلك الجواب: (قُلْلهم إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِينزّلها كيف يشاء). ولو قال: وما تشاء لكان أحسن إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ، هذه الجملة حصر؛ يعني ما الآيات إلّا عند الله ليست عندي حتى أعطيكم ما تقترحون، وإذا كانت عند الله فإنها تبعٌ لمشيئته وحكمته، ينزّلها كيف يشاء ومتى شاء، وليس الناس هم الذي يقترحون على الله عز وجل الآيات، إنّما الله تعالى هو الذي ينزّلها فالحكم إذن إلى من؟ إلى الله. والله عز وجل ينزّلها لحكمة، ومع ذلك فإنّنا نعلم علم اليقين أنّ الله ما أرسل رسولًا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ لأنّ الله حكيم لا يرسل رسولًا للناس يقول للناس: أنا رسول الله إليكم، أستبيح دماءكم وأموالكم ونساءكم إذا لم تؤمنوا بي، هذا لا يمكن أنّ الله تعالى يمكنه إلا بآيات تلزم الناس بقبول. قوله: وهذا أمرٌ معلوم أنه ينافي الحكمة لو جاء رسول بدون آيات، أليس كذلك؟ ولهذا قال: إنّما الآيات عند الله؛ يعني هو الذي يأتي بها، لكن تبعًا لمشيئته وحكمته ينزّلها كيف يشاء ومتى شاء.

(وَإنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌمظهرٌ إنذاري بالنار أهل المعصية) إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌهذه أيضًا الجملة حصر، وهل الحصر في الجملتين إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ، وفي إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌهل هو حقيقيّ أو إضافي؟ طالب: في الأولى حقيقي. الشيخ: الأولى حقيقي توافقون؟ طالب: نعم. الشيخ: ما في نشوف هذان رأيان ما تقول ما ترجّح؟ حقيقي ولا إضافي؟ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِهذا حصر وإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌهذا حصر آخر هل الحصر فيهما حقيقي أو إضافي؟ الطلبة: (...). الشيخ: طيب إذن ما يخالف، رأيان؛ رأي يقول: إن الحصر في الأولى إضافي، والثاني حقيقي، ورأي بالعكس، ورأي يقول: يجوز الوجهان، وهذا على كل حال الأخير طريقة معروفة، للجنّ وأتباعهم.

بقينا الواقع أنّ الحصر الأول حقيقي؛ أنّ الآيات ما تكون إلا عند الله، ما أحد يستطيع أن يأتي بها، والثاني إضافي لأنّك إذا قلت: ما أنا إلا نذير مبين، فإن هذا ليس باعتبار الواقع، والحقيقة أنّه ليس إلا نذيرًا بل هو نذير مبين وبشير وسراج منير وبَشَر إلى آخره، فالحصر إذن إضافي؛ أي بالإضافة إلى كذا، فهو بالإضافة إلى الإتيان بالآيات غير قادر لكن يقدر على شيء آخر وهو الإنذار. وقوله: إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌما هو الإنذار؟ يقول العلماء: إنّ الإنذار هو الإخبار بالمخوف، هو الإنذار والإخبار بالمرغوب بشارة فالنبيّ عليه الصلاة والسلام نذير، وهنا ما قال: بشير؛ لأنّ المقام يقتضي ذلك إذ هو يخاطب المكذّبين المعاندين. وقوله: (مُبِينٌ) هنا بمعنى بيّن أو بمعنى مبيّن؟ طالب: خلافه. طالب آخر: مبيّن. الشيخ: لا، مبيّن، ولهذا قال: (مُظهر)، نعم فقط، وقد علمنا أنّ بان وأبان: بان لا تستعمل إلا لازمة، يقال: بان الصبح إذا ظهر، وبان هذا من هذا إذا انفصل منه، وأمّا أبان فتستعمل لازمةً ومتعدِّية، يقال: أبان الصبح بمعنى (بان) و(ظهر)، ويقال: أبان الأمر بمعنى أظهره ووضّحه، في بعض الأحيان تكون الآية لا تحتمل إلّا اللازم، وفي بعض الأحيان لا تحتمل إلَّا المتعدي، وفي بعضها تصلح لهذا وهذا، فالرسول عليه الصلاة والسلام نذير مبينٌ لإنذاره أو نذير بيّن الإنذار، وعلى هذا فيكون النعت سببيًّا إذا جعلنا (مبين) بمعنى بيّن، والأصل أنّ النعت حقيقي وليس سببيًّا. وقوله: (إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: مظهر هنا، شوف كلام المؤلف في قوله: (مظهرٌ إنذاري بالنار أهل المعصية). أيش إعراب (أهل المعصية)؟ طالب: مفعول لـ(إنذار). الشيخ: مفعول لـ(إنذار)؛ لأنّ إنذار مصدر يعمل عمل فعله، فالرسول عليه الصلاة والسلام هذا شأنه، وهذه وظيفته أنّه منذر، أمّا أنه يأتي بالآيات إذا طلبت، أو أنّه يهدي الناس إذا ضلّوا، فهذا ليس إليه، هذا إلى الله عز وجل هو الذي يملك هذا. ثم قال الله تعالى معارضًا لطلبهم بما هو أولى منه فقال: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ [العنكبوت: ٥١] فيما طلبوا أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَالقرآن يُتْلَى عَلَيْهِمْ). أَوَلَمْ يَكْفِهِمْالضمير يعود على من؟ على الذين قالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه، والهمزة هنا للاستفهام، والواو عاطفة على أي شيء؟ على جملة مقدّرة تقدّر بحسب المقام، هذا أحد الرأيين لأهل النحو، والرأي الثاني يقول: إنّ الواو عاطفة على الجملة السابقة، ولا تحتاج إلى تقدير، وأنّ ترتيب الهمزة التّأخّر، وأنّ التقدير: وألم يكفهم، وهذا القول أسهل لأنّ القول الأول وإن كان أنه مبني على أصل، وهو أنّ الأصل عدم التقديم والتأخير، لكنّ القول الأول أحيانًا يعييك أن تقدر المحذوف ما تستطيع أن تقدّره، وأمّا هذا القول فإنه لا يعييك ما دام أنّك تقول: هذا معطوف على ما سبق ما يكون فيه إشكال أبدًا، وقوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْالكفاية بمعنى الغنى عن الشيء، ومنه ما هو معروف عند أهل الفقه يجب عليه كفاية من يمونه؛ أي: إغناء من يمونه عن غيره.

فمعنى يَكْفِهِمْأي: يغنهم عن كل آية أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ، أَنَّاهذه تؤوّل وما بعدها بمصدر على أن يكون فاعل (يكفي)؛ يعني: أولم يكفهم إنزالنا عليك الكتاب، وهذا الاستفهام هنا للتوبيخ؛ يعني كان الذي يجب أن يكفيهم هذا الإنزال، ولهذا قال: أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَالقرآن، وهو مكتوبٌ كما مرّ في اللوح المحفوظ والصّحف التي بأيدي الملائكة والمصاحف التي بأيدينا. يُتْلَى عَلَيْهِمْيقرأ، ولا أحد يحول بينهم وبينه والذي يتلوه من؟ الرسول عليه الصلاة والسلام يتلوه على الناس فيبلّغهم إيّاه فيتناقلونه. وقوله: يُتْلَى عَلَيْهِمْقال: فهو آية مستمرة لا انقضاء لها بخلاف ما ذكر من الآيات. والحقيقة أنّه كما قال المؤلف: (آيةٌ مستمرة) إلى يوم القيامة؛ لأنّ الله تعالى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] بخلاف الآيات السابقة؛ الآيات السابقة آيات مشهودة من الذي ينتفع بها؟ المشاهدون لها، أمّا من بعدهم فإنما تصل إليهم عن طريق الأخبار وتعلمون أنّه ليس الخبر كالعيان، أمّا القرآن فإنّه بيننا نشاهده ونسمعه ونتلوه فليس هو من طريق الخبر عن شيء مضى فيكون أعظم آيةً من الآيات التي انقضت وزالت، وهذا هو السرّ في أنّ هذا القرآن كان آيةً لكل الناس؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع البشر، ولكن لاحظوا أن هذا القرآن آية لمن يتلى عليه ولا يبعد عن أذهانكم ما سبق قبل قليل أنّه آياتٌ بينات في صدور الذين أوتوا العلم، أمّا المستكبرون عنه فليس آيةً لهم الذي يقرأ القرآن وهو معرض لا لينتفع به فإنّه لا تظهر له الآيات فيه، قال الله تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٥]، وقال الله تعالى أيضًا في سورة (القتال): وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا [محمد: ١٦]، فلا ينتفعون ولا يحفظون أيضًا فالقرآن آياتٌ، لكن لمن أقبل عليه، ولهذا قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: ٢٩]. ثم إنّ هذا القرآن آية بنفسه لا لوجود مانع من معارضته خلافًا لمن قال: إنّ معارضة القرآن ليس للقرآن نفسه، ولكن لصرف الناس عن معارضته وإلا فهم قادرون، هذا لا شكّ أنّه خطأ، خطأ بيّن، ولو صحّ لكان آية، لكنّه لم يصحّ، بل نقول: إنّ القرآن نفسه آيةٌ من آيات الله وكافٍ في الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن لمن تدبّره، وقوله: لمن تدبره واضح؛ لأنّ العامّي الآن قد لا يظهر له كونه آيةً للرسول صلى الله عليه وسلم بيّنة؛ لأنّه ليس من أهل العلم. نعم، العامي يشعر بأن هذا القرآن كلام الله، وكذلك أيضًا يشعر بما فيه من التّرغيب والتّرهيب يشعر بذلك، ولهذا تجده يسأل الله من فضله عند آية الترغيب ويستعيذ بالله من النار أو من العذاب عند آية الترهيب، وإذا جاءت أسماء الله فإنه يشعر بأنّه يقشعرّ جلده، ثم يلين لذكر الله، لكن الآيات العظيمة التي يتضمّنها هذا القرآن لا يعرفها العامي، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْويش تقول؟ طالب: إننا نقول: بتعدد التالي، الذي يتلوه أكثر من واحد؛ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة. الشيخ: إي: أوّل من تلاه الرسول عليه الصلاة والسلام فالذي بلغه أولًّا الرسول عليه الصلاة والسلام. طالب: لكن عبر بالإنزال (...)، ولم يعبر بتلاوة! الشيخ: إي يتلى عليهم؛ لأنّه أعم، لكن أول من تلاه الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا هو السبب أنّه ما قال: تتلوه عليهم لأنّه يتلوه على الناس، ثم الناس يعلّم بعضهم بعضًا. قال: (يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَالكتاب لَرَحْمَةً وَذِكْرَىعظةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). إِنَّ فِي ذَلِكَقال المؤلف: (الْكِتَابَ) ويحتمل أنّه إنزال الكتاب، أننا أنزلنا عليك؛ لأنّ الذي ذكر الله أنهم يكفيهم هو الكتاب ولَّا إنزاله؟ إنزاله فيكون الذي فيه الذكرى هو الإنزال، ومعلومٌ أنّه إنما تكون الذكرى بالإنزال باعتبار المنزّل، لكن إنزاله من الله ذكرى فالقرآن -في الحقيقة- ذكرى من الوجهين؛ من جهة أنّه نزل من عند الله، ومجرّد شعور الإنسان بأنّه نزل من عند الله لا شك أنه يتذكر به ويعظّمه؛ لأنّه كلام ربه، وكذلك أيضًا ما فيه من المعاني العظيمة والآثار الحميدة هو أيضًا آية من آيات الله. ولهذا قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً. وقوله: لَرَحْمَةًمنين الرحمة؟ من الله، فالله أنزل القرآن رحمةً للناس، وأيضًا ذكرى يعني عظة يتذكّر به الناس، فبه يتراحمون ويرحمون، وبه أيضًا يتذكرون، ولكن لقوم يؤمنون، أمّا من لم يؤمن فليس رحمةً في حقه، ليش؟ لأنّه يزيده رجسًا إلى رجسه فيضلّ أكثر، ويزداد كفرًا والعياذ بالله. فعلى هذا المؤمن هو الذي يكون القرآن رحمةً له وذكرى ينتفع به، وما دام الأمر علّق على الوصف في قوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أكثر رحمةً بهذا القرآن وتذكّرًا، وكلما كان الإنسان أضعف إيمانًا كان القرآن أقلّ رحمةً له وتذكُّرًا. (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًابصدقي يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [العنكبوت: ٥٢] كَفَى بِاللَّهِيقول المعربون: إنّ الباء هنا زائدة، وأنّ المعنى كفى الله، وشَهِيدًاقيل: إنّها حال من الاسم الكريم، وقيل: إنّها تمييز كقولهم: لله درّه فارسًا؛ لأنّ (شهيدًا) هنا ليست مصدرًا ولا اسمًا جامدًا بل هي مشتقّة فتصلح أن تكون حالًا، وتصلح أن تكون تمييزًا؛ أي: كفى شهادة الله بيني وبينكم. وقوله: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الرعد: ٤٣] ضمّن الشهادة هنا معنى الحكم وإلّا فإنّ الشاهد ما يكون شاهدًا بين فلان وفلان، يكون شاهدًا لفلان على فلان، لكنّه ضمّن الشهادة هنا معنى الحكم وهو كذلك فإنّ شهادة الله لنبيّه عليه الصلاة والسلام بالحق حكمٌ له بالحق، وما وجه كون ذلك شهادة وحكمًا؟ لأنّ كون الله عز وجل يمكّن نبيّه صلى الله عليه وسلم من قتال هؤلاء الكفار واستباحة دمائهم وأموالهم، وكونه يمكّن له في الأرض فيفتح بلادهم ويش يدل عليه؟ على أنه حكم له عليهم أو لهم عليه؟ طالب: له عليهم. الشيخ: له عليهم، وهذا ظاهر أنّ تمكين الله للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يراه يقتل عباده ويستبيح دماءهم وأموالهم وهو سبحانه وتعالى يمكّن له ويفتح له الأرض أرضًا أرضًا، لا شكّ أنّ هذا أكبر دليل على شهادة الله له بالصّدق، ولهذا قال في سورة (الأنعام): قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩]، وهذا أكبر ما يكون من الشهادة شهادة الله وقد شهد الله لنبيّه بالفعل والتّمكين على أنّه حق قال: يَعْلَمُ مَا.