تفسير سورة الصافات - ١١
درس صوتي · ٩١:٢٠
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
الجواب: نعم لهم نظير، فالسجود لغير الله شرك، ولما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم صار السجود لآدم طاعة. فالحاصل أن العبادة ما أمر الله به، وإن كان جنسها قد يكون معصية في موضع آخر. ومن فوائد الآية الكريمة: العمل بالرؤيا إذا كانت صالحة، ولكن هل هذا في كل رؤيا؟ والجواب: أما رؤيا الأنبياء فنعم؛ لأن رؤياهم وحي، وأما رؤيا غيرهم فإن شهدت النصوص الشرعية باعتبارها أو وُجِدَت قرائن حسية تشهد لها عُمِلَ بها، وإلَّا فلا. إذن: رؤيا الأنبياء يُعْمَل بها مطلقًا، ورؤيا غيرهم لا يُعْمَل بها إلا إذا شهدت النصوص الشرعية باعتبارها أو وجدت قرائن حسية تشهد لها. مثال الأول ما ذكر ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمه الله شيخ الإسلام رحمه الله: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسأله عن مسائل كانت قد أشكلت عليه، ومنها: أنه يقدم الجنائز لا يدرى أمسلمون هم أم كافرون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: عليك بالشرط يا أحمد، يعني أرشده إلى أن يشترط فيقول مثلًا: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، هذه الرؤيا شهد الشرع باعتبارها وهو جواز الدعاء المعلق على شرط، مثل قوله تعالى في الرجل يقذف امرأته يشهد لنفسه أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النور: ٧]، والمرأة كذلك تشهد بدرء ما رماها بها أربع مرات وفي الخامسة وأَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩] فهنا دعاء مُعَلَّق بشرط. ومثال الثاني: ما ذُكِرَ عن ثابت بن قيس رضي الله عنه الذي استشهد في اليمامة وأتاه رجل من الجيش فأخذ درعه ووضعه في رحله تحت قِدْرٍ فرأى أحد أصحاب ثابت بن قيس ثابتًا في المنام وأخبره بأنه مر به رجل وأخذ درعه ووضعه تحت قدر وهو بُرْمَةٍ وهو قِدْرٌ من الفخار وعنده فرس تستن، وذكر أشياء أوصى بها، فلما بلغ ذلك أبا بكر أنفذ وصيته؛ لأن الرجل الذي رأى هذه الرؤيا ذهب إلى المكان الذي ذكره ثابت فوجد الأمر كما قال فهنا وُجِدَت قرينة حسية تدل على صدق الرؤيا. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٥] أن كل محسن فإن الله تعالى يجعل له من كلِّ هَمٍّ فرجًا ويكتب له أجر العبادة وإن لم يفعلها إذا سعى في أسبابها، وهذا له أمثلة كثيرة يمكن أن نذكر منها ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فإن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا بلا شك وساق الهدي ومع ذلك قال: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» فهنا تَمَنَّى صلى الله عليه وسلم أن يكون قد تمتع ولكنه قرن فيُكْتَب له أجر التمتع الذي قال عنه: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». فالإنسان المحسن الحريص على الخير قد يكتب الله له من الأجور ما هَمَّ أن يفعله وإن لم يفعلها. هذه واحدة. ثانيًا: أن الله يفرِّج له كل كرب، وشاهد هذا قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، ولكن لا بد في هذه الحال من قَيْدٍ وهو أن ينتظر الإنسان فرج الله عز وجل لا يَبْعُد بنفسه عن الله وييأس، لا، بل ينتظر الفرج فإذا انتظر الفرج مع تقواه وإحسانه فما أقرب الفرج إليه؛ لقوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الرب عز وجل حيث أسند الفعل إليه بضمير العظمة إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٥]، ولا شك أن الله تعالى أثنى على نفسه بالعظمة والإحسان والفضل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٥]، فكما أحسن في عبادة الله أحسن الله إليه، وقد قال الله عز وجل في سورة الرحمن: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] يعني: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وبهذا يتبين لك كمال فضل الله عز وجل فإن الله عز وجل هو الذي أحسن إليك أولًا بتوفيقك للطاعات والإحسان، ثم أحسن إليك ثانيًا بماذا؟ بالجزاء عليه. فاعرف أيها المؤمن قَدْرَ نعمة الله عليك بالإحسانين؛ إحسان سابق للهداية هداك الله ووفقك، وإحسان لاحق وهو الثواب العظيم. نحن في الحقيقة في غفلة عن هذا، كثيرًا ما يعتمد الإنسان على نفسه بفعل الخير ولا يرى نعمة الله عليه به مع أن الواجب أن ترى نعمة الله عليك به، إذا أتيت مثلًا إلى المسجد فاعرف قدر نعمة الله عليك حيث سهل عليك المجيء إلى المسجد للصلاة أو لقراءة العلم؛ لأن الله حرم أممًا كثيرة عما مَنَّ الله به عليك، ما أكثر الذين لا يأتون إلى المساجد، وما أكثر الذين يحضرون بأبدانهم لا بقلوبهم، وما أكثر الذين يحضرون عادة لا عبادة، ما أكثر الذين حُرِموا التردد إلى المساجد لطلب العلم أو قراءة القرآن، كل هذه يجب أن يتفطن لها الإنسان وأن يعرف قدر نعمة الله عليه بها، ثم يرجو ثواب الله عز وجل عليها ويُحْسِن الظن بالله سبحانه وتعالى، وقد قال الله سبحانه تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٥]. ثم قال عز وجل: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٦]. ومن فوائد هذه الآية: بيان أن الله عز وجل قد يختبر عبده المؤمن بمصائب يفعلها هو بنفسه أو بمصائب يُقَدِّرها الله عليه لا اختيار له فيها، أليس كذلك؟ اختبار الله عز وجل، يختبر المؤمن بمصائب، إما أن يفعلها هو بنفسه أو يجريها الله عليه بغير اختياره، والأول أكمل من الثاني يعني أن يبتلي الله الإنسان بمصائب يفعلها هو بنفسه، هذه أكمل من الثاني؛ لأن الثاني الذي يجرى عليه بالاختيار كما قال بعض السلف: إما أن يصبر صبر الكرام وإما أن يسلو سلوَّ البهائم، لكن الشيء الذي يفعله بنفسه أعظم وأكمل، ما جرى لإبراهيم من الاختبار من أي النوعين؟ طلبة: من الأول. الشيخ: من الأول الذي قَدَّر الله عليه مصيبة يفعلها بنفسه وهو ذبح ابنه فإنه سيفقده، وفقد الابن في هذا السن -وهو أيضًا وحيده الذي ليس له ولد سواه- لا شك أنه مصيبة عظيمة ولهذا وصفه الله بأنه بلاء مبين. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل فيما يُقَدِّره على عبده المؤمن من مكروه، لا يقول الإنسان: لماذا ابتلاني الله تعالى بهذا دون غيري؟ نقول: لله في ذلك حكم عظيمة، يبتلي الله المؤمن بالمصائب، إذا صبر نال بذلك درجة الصابرين، وإذا احتسب الأجر بهذا الصبر نال بذلك ثواب الصابرين؛ والصبر كما نعلم جميعًا مرتبة عالية يوفى فيه العامل أجره بلا حساب، وهل يمكن صبر بلا مصبور عليه؟ أجيبوا. طلبة: لا. الشيخ: لا يمكن، إذن لا بد من ابتلاء وامتحان يُعلم به قدر صبر الإنسان حتى يثاب على قدر ما حصل منه من الصبر. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إبراهيم وإسماعيل، وقد سبق، لكن من هذه الآية يتبين فضيلتهما بأنهما صبرا على هذا الابتلاء، صبرا صبر الكرام وأسلما، ولم يبق إلا التنفيذ حتى جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] بيان أن رفع القتل أو رفع الذبح عن الابن جُعل له مقابل لتكميل التنفيذ والامتثال، وذلك بأن أُمِرَ إبراهيم بأن يذبح فداءً عن ابنه ويكون هذا الذبح أي المذبوح عظيمًا؛ فلهذا قال: فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍيعني: أمرناه أن يذبح ذبحًا عظيمًا فداء له. ومن فوائد هذه الآية على ما استنبطه بعض العلماء: أن الإنسان إذا نذر ذبح ابنه وجب عليه أن يذبح فدية عنه كبشًا، قال: لأن هذا هو الذي أمر الله به إبراهيم ليكون فداء عن ابنه، ومعلوم أن الإنسان إذا نذر أن يذبح ابنه فإنه لا يحلُّ له أن يوفي به لأنه نذر معصية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» إذن ماذا يصنع؟ قالوا: يذبح كبشًا كما أُمِرَ إبراهيم بذلك، وهذا الاستنباط جيد لولا مخالفته لظاهر السنة وهو أن من نذر معصية فإنه يحرم عليه فعلها ولكن يُكَفِّر كفارة يمين، فإذا قال شخص: لله علي نذر أن أذبح أول ولد يأتيني، ثم أتاه ولد، فإنه لا يحل له أن يذبحه، ولكن نقول: عليك -على القول الراجح- أن تُكَفِّر كفارة يمين. ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٨، ١٠٩] أن الله تعالى أبقى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ثناءً حسنًا وسلامًا في الآخرين؛ ثناءً حسنًا يثنى عليه بما حصل منه من الدعوة إلى الله عز وجل والصبر على البلاء الذي حصل له بغير اختياره والصبر على البلاء الذي حصل له باختياره، فمن البلاء الذي حصل له بغير اختياره الإحراق حين قال قومه: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٦٨]، وأنتم تعلمون ماذا يحصل للإنسان عندما يُعزم على تحريقه أو على إحراقه لقاء الدعوة إلى الله؛ لأنه سيتألم لذلك ألمًا بدنيًّا وألمًا قلبيًّا. إن منا مَنْ إذا رأى عدم قبول الناس لدعوته تألم بمجرد أنهم لم يقبلوها، فكيف إذا ردوها وأحرقوه من أجلها أو حرقوه من أجلها! أليس هذا يكون أشد ألمًا على القلب؟ طلبة: بلى. الشيخ: طيب، إذن هذا لا شك أنه بلاء ومع ذلك صبر وأُلْقِيَ في النار، ولكن الله عز وجل أمر أن تكون بردًا وسلامًا عليه. البلاء الثاني اللي حصل باختياره هو الأمر بذبح ابنه وعزمه على أن ينفذ ذلك. طيب، هذا من الثناء الحسن على إبراهيم. كذلك أيضًا إبراهيم اتفقت الأمم على الثناء عليه وعلى ألا يعاب؛ ولهذا قال: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٩]. فإن قلت: إننا -نحن هذه الأمة- نسلم على إبراهيم وغيره؛ فإننا نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ؟ فالجواب أننا نسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض، ولكن سلامنا على إبراهيم وأمثاله من أولي العزم من الرسل أشد وأبلغ من سلامنا على عامة الصالحين. ومن فوائد الآية في قوله: كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] أن الله تعالى كرر هذه الجملة المفيدة لهذا الحكم ترغيبًا للناس في الإحسان، فيستفاد منها: أنه ينبغي لمن تكلم في أمر يُرَغِّب فيه أن يكرر؛ لأن النفوس كلما تكرر لها الحكم ازدادت طمأنينة فيه ورغبة فيه، وفي مقام الترهيب كذلك يُكرَّر، ألم تروا إلى قوله تعالى في سورة المرسلات: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: ١٥]؟ حيث كُرِّرَت عدة مرات تحذيرًا وإنذارًا، فلكل مقام مقال، التكرار قد يكون من الركاكة ومن البُعْد عن البلاغة، لكن إذا كان في موضع يحسن فيه كان ذلك من البلاغة، وهنا كرر الله هذه الجملة: كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٠] في عدة آيات. ومن فوائد الآيات: في قوله: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١١١] الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهذين الوصفين وهما: العبودية، والإيمان. ويتفرع على ذلك: أن من اتصف بالعبودية والإيمان ناله من الثناء بقدر ما اتصف به منهما، فكلما كان الإنسان لله أعبد وبه آمن كان الثناء عليه أكثر وأعظم، ولا تغترَّ بما تلاقيه في الدنيا من مجابهات فإن هذا قد يَرِد ولكن يكون أيش؟ امتحانًا واختبارًا، ويكون الثناء ولو بعد موت الإنسان، كم من أئمة من هذه الأمة أوذوا في حياتهم ولكن بعد مماتهم صار جزاء هذه الأذية أن الله تعالى رفع لهم الذكر، والشواهد على ذلك كثيرة، وكثير منكم يعرف منها كثيرًا، أن كثيرًا من أئمة هذه الأمة أوذوا في الله عز وجل وحصل لهم صدمات وحصل لهم أذى بالقول وبالفعل ولكن صارت العاقبة لهم والثناء الحسن بعد مماتهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة العبودية لله عز وجل والإيمان به؛ لأنه لا شك أن المراد بقوله: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١١١] الثناء عليه، وإذا عُلِّق الثناء بل إذا عُلِّق الحكم على وصف فإنه يقوى بقوته ويضعف بضعفه، فإذا كان الثناء معلقًا بالعبودية والإيمان فكلما كان الإنسان أشد عبادة وأقوى عبادة كان أحق بالثناء، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أحق بالثناء والعكس بالعكس. ومن فوائد الآيات الكريمة: في قوله: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢] مشروعية البشارة بالولد، وقد سبقت، وذلك لأن الولد يُسرُّ به الإنسان بلا شك، لا سيما إذا بُشِّر بأنه نبي كما في هذه الآية: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَأو بأنه: غُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] كما في الآيات التي في إسماعيل. ومن فوائد الآية الكريمة: الدليل الظاهر على أن الذي أُمِرَ إبراهيم بذبحه إسماعيل وليس إسحاق، وقد بينا في الدرس الماضي تسعة أوجه تدل على أن الذي أُمِرَ بذبحه هو إسماعيل. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات نبوة إسحاق؛ لقوله: إِسْحَاقَ نَبِيًّا [الصافات: ١١٢]. ومن فوائدها: أنه قد يُنَبَّأ الإنسان وهو صغير حين ولادته، كيف؟ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّانقول: هذه الحال مقدرة، وليست حال حالية بل هي حال مستقبلة، كما مر علينا في التفسير أمس، إذن يستفاد منها بدل هذه الفائدة أنه ينبغي للإنسان عند البشارة أن يذكر ما يرجى من مستقبل ما بُشِّر به سواء كان ولدًا أم مالًا أم زوجة أم بيتًا أم غير ذلك. المهم أن الإنسان إذا توقع خيرًا في المستقبل فيما بَشَّر به فإنه ينبغي أن يقرن ذلك بالبشارة، لأن الله قرن نبوته بالبشارة به. ومن فوائد هذه الآية: الثناء على إسحاق عليه الصلاة والسلام بكونه نبيًّا من الصالحين، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا بين الصلاح بأنفسهم والإصلاح لأممهم، فهم صالحون مُصلِحون. ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبوة وصف كمال؛ لأن الله تعالى قرنها بالبشارة فلولا أنها وصف كمال يستبشر به الإنسان لكان ذكرها لغوًا لا فائدة منه. ومن فوائدة الآيات الكريمة في قوله: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ [الصافات: ١١٣] أن الله سبحانه وتعالى بارك على إبراهيم وعلى إسحاق؛ فمن بركات إبراهيم أن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته؛ لقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد: ٢٦] في ذريتهما، أما من سبق إبراهيم فهو من ذرية نوح، وأما من بعده فهو من ذرية نوح وإبراهيم كذا؟ ولَّا ما توافقوني؟ طالب: من بعد يا شيخ ذرية إسحاق. الشيخ: كيف؟ هنا (من ذريتهما) مَن؟ طلبة: إسحاق وإبراهيم. الشيخ: زين، الذي ليس من ذرية إسحاق هو من ذرية إبراهيم، أنا ذهب وهمي إلى نوح، الذي من غير ذرية إسحاق هو من ذرية إبراهيم، والذي من ذرية إسحاق من ذرية إبراهيم وإسحاق. مثال من لم يكن من ذرية إسحاق إسماعيل ومحمد صلى الله عليه وسلم فإنهما من ذرية إبراهيم وليسا من ذرية إسحاق، أما أنبياء بني إسرائيل فكلهم من ذرية إسحاق. ومن فوائد قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] من فوائدها أن ذرية إبراهيم وإسحاق انقسموا إلى قسمين: محسن، وظالم، وهذا يشمل الإحسان المطلق ومطلق الإحسان، والظلم المطلق ومطلق الظلم، كذا؟ طيب، أو نقول: إن مطلق الإحسان يشترك فيه مطلق الظلم أو يشترك معه مطلق الظلم؛ لأن مَنْ جَمَع حسنات وسيئات ففيه مطلق الإحسان ومطلق الظلم؛ يعني: ليس فيه الإحسان الكامل لأن عنده ظلم، وليس فيه الظلم المطلق لأن عنده إحسان فيكون الإحسان المطلق والظلم المطلق متقابلان. الإحسان المطلق الذي إذا فعل معصية ذكر الله فاستغفر فرُفِعَ عنه أثر المعصية. والظلم المطلق: هو الكافر الذي ظلم بالكفر كما قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]. فذرية إبراهيم وإسحاق ينقسمون إلى ثلاثة أقسام عند التفصيل: محسن مطلق، وظالم مطلق؛ المحسن المطلق هو المسلم بل هو المؤمن الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ١٣٥]. والثاني الظالم المطلق وهذا الكافر. بقي عندنا مَن عنده مطلق الإحسان وهو المؤمن أو المسلم الذي عنده معاصٍ. ومطلق الظلم وهو كذلك المؤمن أو المسلم الذي عنده معاصٍ، فإن كَثُرَت معاصيه على طاعاته صار إلى الظلم أقرب، وإن كثرت طاعاته على معاصيه صار إلى الإحسان أقرب. ومن فوائد الآية الكريمة: وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١١٣] أن الظلم يكون بينًا أو مظهرًا لصاحبه على حسب القول في مُبِينٌهل بمعنى بين أي ظاهر، أو بمعنى مظهر لظلم صاحبه؟ لأن الظلم قد يكون ظلمًا بينًا واضحًا كالعدوان على الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم فهذا يكون الرجل فيه مظهرًا لظلمه، وقد يكون خفيًّا يستتر به الإنسان فهذا ظلم بَيِّن بالنسبة له، ولكنه ليس مُظْهِر له لأنه قد أخفاه على الناس، والله أعلم.
الطالب: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١١٤ - ١٣٢]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَيعني: أعطيناهما الكتاب المستبين وهو التوراة، ووصفه بأنه مستبين؛ لأنه فيه تبيان كل شيء يحتاج إليه بنو إسرائيل. والمستبين أبلغ من المبين أو البين؛ لأنه كلما كثُرَت الحروف كثرت المعاني في الغالب، ولهذا يقال: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، لكن هذا ليس دائمًا بل في الغالب، فمثلًا شجرة حروفها أكثر من شَجَر، ومعنى شجر أكثر من شجرة، وكذلك بقر ونمل وما أشبهه. يقول الله تعالى: الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَوسماه كتابًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى كتبه سبحانه وتعالى بيده كما جاء ذلك في بعض الآثار ، فالله سبحانه وتعالى كتب التوراة بيده قال الله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥] فهي إذن كتاب بمعنى مكتوب. قال: (البالغ البيان) من أين أتى المؤلف بكلمة البالغ البيان؟ من قوله: الْمُسْتَبِينَ؛ لأن زيادة حروفها تدل على زيادة معناها. قال: (البليغ البيان فيما أتى به من الحدود والأحكام وغيرها)؛ ولهذا يقال: إن أشمل كتاب بعد القرآن هي التوراة وقد جعلها الله تعالى عمدة لبني إسرائيل إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [المائدة: ٤٤]. قال: وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] الصراط الطريق. لكن قال العلماء: إنه ليس كل طريق صراط بل هو الطريق الواسع المستقيم المعتدل الذي ليس فيه اعوجاج؛ وذلك لأنه مأخوذ من صرط أو زرط بمعنى التقمه بسرعة، زرط اللقمة يعني التقهما بسرعة فلم يغص فيها، فالطريق الواسع المستقيم العدل يسمى صراطًا، ولا شك أن صراط الله عز وجل الذي وضعه لعباده طريق واسع يسع كلَّ من تمسك به. وقوله: هَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَولم يقل: إلى الصراط؛ لأن المراد بذلك هداية التوفيق وهداية الدلالة، وإذا كان المراد بالهداية الهدايتين فإنه يتعدى بنفسه، فيقال: (اهدنا الصراط). وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، فإذا كانت الهداية بمعنى الدلالة تعدت بـ(إلى)، وإذا كانت بمعنى الدلالة والتوفيق تعدت بنفسها، ثم إنها إذا تعدت بنفسها تفيد الهداية إلى الصراط، والهداية في الصراط تفيد المعنيين جميعًا؛ إلى الصراط بحيث يصل الإنسان إليها، وفيه بحيث لا يتجاوزه ولا يخرج عنه. فحذف الجارِّ فيه هذه الفائدة؛ أن يكون أعم مما لو تعين الجار فيكون شاملًا للهداية إليه والهداية فيه. وقوله: الْمُسْتَقِيمَإذا جعلنا الصراط هو الطريق الواسع المعتدل صارت المستقيم بيانًا للواقع وصفة كاشفة؛ لأنها لو حُذِفَت وقيل: الصراط لاستغني عنها، إذا فسرنا الصراط بما ذكرنا، أما إن فَسَّر الصراط بمطلق الطريق فلا بد من ذكرها. وقوله: الْمُسْتَقِيمَيعني: الذي استقام فليس فيه اعوجاج ولا انحراف، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]. الصراط المستقيم المعتدل القائم والسبل تخرج يمينًا وشمالًا؛ ولذلك من خرج عن الصراط المستقيم ضاع وتاه قال الله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى [الأنعام: ٧١]. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ [الصافات: ١١٩] (أبقينا عليهما في الآخرين ثناء حسنًا، سَلَامٌمنا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ). يقال في هاتين الآيتين ما سبق. قال: (إِنَّا كَذَلِكَ [الصافات: ١٢١] كما جزيناهما نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ). أيضًا نقول فيها كما سبق. ثم قال عز وجل: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٢٣] الجملة هذه مؤكدة بـ(إن) واللام إِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَويؤكد الله مثل هذه الأشياء التي يكفي فيها خبره سبحانه وتعالى عن كل توكيد جريًا على عادة العرب في توكيدهم الأمور الهامة أو الأمور التي يكون المخاطب فيها شاكًّا أو يكون المخاطب فيها مُنْكِرًا، فهم يُؤَكِّدون الخبر لأسباب: منها هذه الأسباب الثلاثة: أن يكون المخبر به أمرًا هامًّا، أو أن يكون المخبر شاكًّا في الخبر، أو مُنْكِرًا له، فيؤكدونه زيادة في طمأنينة المخاطب، وإلا فإن مجرد خبر الله بالشيء يغني عن كل توكيد. وقوله: إِلْيَاسَقال المؤلف: (بالهمز أوله وتركه) يعني أن فيه قراءتين إِلْيَاسَهمزة قطع، وترك الهمزة فيقال: {وَإِنَّ الْيَاسَ} أو وَإِنَّ إِلْيَاسَ. (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَقيل: هو ابن أخي هارون أخي موسى، وقيل: غيره، أرسل إلى قوم ببعلبك ونواحيها) ليس فيه دليل على أنه ابن أخي هارون أخي موسى لا من القرآن ولا من السنة، وذِكْرُ قصته بعد قصتهما لا يفيد ذلك، فالله تعالى يذكر قصة هود بعد نوح ومع ذلك فبينهما زمن طويل، ونحن لا يهمنا صلة هذا النبي بالنبي الآخر من حيث النسب، لكن الذي يهمنا صلة دعوتهما بعضهما ببعض كما قال تعالى في قصة إبراهيم: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات: ٨٣] فإن الأنبياء دعواهم واحدة كلهم يدعون إلى توحيد الله، وأما النَّسَب فليس بهامٍّ، فهذا رسول أرسله الله تعالى إلى بعلبك كما هو كلام المؤلف أرسله إليهم. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [الصافات: ١٢٤] (إِذْمنصوب بـ(اذكر) مُقَدَّرًا) اذكر إذ قال لقومه، وإذا قلنا: إنه منصوب بـ(اذكر) مُقَدَّرًا فهل الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم يعني اذكر إلياس لقومك، أو الخطاب لكل واحد يصح خطابه ويكون المراد بقوله: (اذكر) المقدر أي تذكر؟ يحتمل هذا وهذا. وعلى كل حال فإن الله عز وجل أمر نبيه أن يذكر للناس هذه القصة وأمر كل واحد أن يتذكر هذه القصة لأن في ذلك عبرة. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] (ألا) هنا أداة تحضيض وليست أداة عرض؛ لأنه لا يقصد عرض التقوى عليهم ولكن يحضهم على هذا. قال المؤلف: (أَلَا تَتَّقُونَالله) فقَدَّر المفعول المحذوف باسم الجلالة، ولكن الأولى أن يقال: إنه أعم من ذلك، ألا تتقون الله؟ ألا تتقون النار؟ كما قال تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ [آل عمران: ١٣١]، ألا تتقون يوم الحساب كما قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١]، فحَذْف المفعول أعم، ولا ينبغي إذا دلت الآية على معنى أعم أن نقيدها بمعنى أخص؛ لأن هذا يعتبر نقصًا في تفسير الآية، بل إذا جاءت الآية عامة فلتبقَ على عمومها مطلقة فلتبقَ على إطلاقها. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] والتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. (أَتَدْعُونَ بَعْلًا [الصافات: ١٢٥] اسم صنم لهم مِنْ ذهب، وبِهِ سُمِّيَ البلدُ أيضًا مضافًا إلى (بك) أي: أتعبدونه). قال: أَتَدْعُونَ بَعْلًاالاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار والتسفيه، وتَدْعُونَبمعنى تعبدون، فإن الدعاء يسمى عبادة قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر: ٦٠] ولم يقل: عن دعائي، وهذا يدل على أن الدعاء يُراد به العبادة وهو كذلك. ويحتمل أن يكون المراد بدعوتهم هذا الصنم دعوة المسألة وأنهم يستغيثون بهذا الصنم وإن لم يركعوا له ويسجدوا له، كما يوجد الآن في كثير من المسلمين -مع الأسف- من يدعو الأولياء في قبورهم، وإن كانوا لا يركعون لهم ولا يسجدون، ولكن أيهما أعم؛ أن نجعل الدعاء بمعنى العبادة أو أن نجعله بمعنى السؤال؟ بمعنى العبادة أعم؛ لأن السؤال نفسه عبادة، كل إنسان يسأل الله ولو حاجة دنيوية فإنه يعتبر عابدًا لله عز وجل مُثْنيًا عليه؛ لأنه جعله المرجع سبحانه وتعالى وجعله ملاذَهُ. أَتَدْعُونَ بَعْلًاوهو اسم صنم كما قال المؤلف. (وَتَذَرُونَتتركون أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥] فلا تعبدونه) (وَتَذَرُونَتتركون) وهنا قال: أَحْسَنَ الْخَالِقِينَولم يقل: تذرون الله، بل قال: أَحْسَنَ الْخَالِقِينَفلا بد أن يكون هناك نكتة، فالعدول عن اسم الله الذي يختص به وهو الله لا بد أن يكون هناك نكتة، والنكتة هنا هو إقامة الحجة عليهم بعدم صلاحية معبودهم للعبادة، لماذا؟ لأنه لا يستطيع الخلق، والله وحده هو الذي يقدر على الخلق وعلى أحسن الخلق، فالله تعالى أحسن الخالقين، كل من خلق شيئًا فالله تعالى أحسن منه خلقًا حتى الذين يضاهئون بخلق الله لا يمكن أن يخلقوا مثل خلق الله، بل هم يُقَلِّدون على خلق الله، ولا يمكن أن يأتوا بمثله ولا أحسن منه، فالله سبحانه وتعالى هو أحسن الخالقين. وفي قوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ [الصافات: ١٢٥] إشكال، وهو: أنه قد يفهم فاهم من هذه الآية أنهم لو دعوا البعل ولم يذروا الله فلا إنكار عليهم، فما الجواب؟ الجواب: أن يقال: يحتمل أن هؤلاء القوم يدعون البعل ولا يدعون الله ولا يعبدون الله كما يوجد الآن في طوائف الكفر مَن لا يرون أحدًا يُطاع ويتقى إلا زعماؤهم ورؤساؤهم، فالدول الشيوعية مثلًا كانوا لا يعرفون إلا ستالين ومن سَنَّ لهم هذه القوانين ويرون أنه هو الرب الذي يجب أن يطاع وأن يخشى ولا يعرفون الله، وعلى هذا فيكون قوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَعلى ظاهره أي أنهم يدعون هذا البعل ولا يدعون الله. ويحتمل أنهم يدعون البعل ويدعون الله، ولكن مَنْ دعا غير الله ودعا الله فإن الله غني عنه، فيكون كالتارك لدعاء الله، كما صحَّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» وعلى هذا فيكون إلياس جعلهم تاركين لله لأنهم أشركوا به، ومن أشرك بالله معه غيره فالله غنيٌّ عنه فكأنه لم يعبد الله، وعلى هذا فإما أن يكونوا قد تركوا الله على سبيل الحقيقة وإما أن يكونوا قد تركوا الله على سبيل الحكم. متى يكونون تركوا الله على سبيل الحقيقة؟ إذا كانوا يعبدون البعل ولا يعبدون الله، وعلى سبيل الحكم إذا كانوا يعبدون البعل ويعبدون الله، فإن هؤلاء حقيقة تركوا عبادة الله لأن الله تعالى غني عنهم. ثم قال: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] قال المؤلف: (برفع الثلاثة على إضمار (هو) ونصبِها على البدل من أحسن). الثلاثة: اللَّهَرَبَّوَرَبَّ آبَائِكُمُيقول: فيها قراءتان: الأولى الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف يعني هو ربكم، وتكون هذه الجملة منقطعة عما قبلها استئنافية لبيان مَنْ هو أحسن الخالقين. والقراءة الثانية بالنصب اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَعلى أنها بدل من أحسن أي: وتذرون الله ربكم ورب آبائكم الأولين. أما معنى الآية فالله بمعنى المألوه وأصلها الإله لكنها حُذِفَت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال. ورَبَّكُمْأي: خالقكم ومالككم والمدبر لأموركم؛ لأن الرب كما مَرَّ علينا هو الخالق المالك المدبر. وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] آبائكم الأولين يعني: السابقين وهم مَنْ؟ الأجداد، وإنما قال: وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَإشارة إلى أن الله عز وجل هو الذي بيده الخلق خلق الحياة والموت فإن هؤلاء الآباء الأولين قد ماتوا، أماتهم مَنْ؟ الله مَنْ؟ فيذكر هؤلاء بأنهم سوف يموتون كما مات آبائهم الأولين، ومن المعلوم أن الإنسان إذا كان له قلب وذُكِّرَ بالموت وأنه سوف ينتقل من هذه الحياة التي هي حياة العمل إلى حياة أخرى وهي حياة الجزاء فلا بد أن يلين قلبه وأن يعمل للدار المستقبلة التي لا بد أن يصير إليها فكونه يذكر الآباء الأولين إشارة لما ذكرنا وهو تذكيرهم بأنهم سيموتون كما مات هؤلاء فليستعدوا. ثانيًا: أن الله تعالى هو الخالق لموتهم وحياتهم، فإذا كان هو الخالق لذلك فإن الواجب أن يُعْبَد وحده دون غيره، هذا الصنم هل يخلق الموت والحياة؟ لا. اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] قال: (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧] في النار) (كذبوه) أي: كَذَّبوا ما جاء به خبرًا وطلبًا. كذبوه أنه رسول وقالوا كما قال غيرهم والعلم عند الله: ما هذا إلا بشر مثلنا، بل كل الذين سبقوا من الرسل قيل لهم ذلك؛ قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [إبراهيم: ٩، ١٠]. المهم أن كل مَنْ سبق يُكَذِّبون رسلهم يقولون: أنتم بشر، يعني ولو شاء الله أن يُرسِل رسولًا لجعله ملكًا، ولكن الله رَدَّ على هؤلاء قال: لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا [الأنعام: ٩] يعني بصورة الرجل؛ لأنه لا يتلاءم أن ينزل ملكٌ لبشر ليدلهم ويقودهم، وكيف يتبع الناس هذا الملك وهو على صورته الأصلية؟! لا يمكن؛ لأنه لا بد من التلاؤم، فلو أرسل الله ملكًا إلى البشر لجعله رجلًا مثلهم، إذا جعله رجلًا عاد الأمر كما كان قالوا: نريد ملكًا؛ ولهذا قال: وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩]. فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧] الفاء هنا للسببية أي: فبسب تكذيبهم إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَأي: محضرون إلينا يوم القيامة وسيُجازَوْن على ذلك. وأما قول المؤلف: (لَمُحْضَرُونَفي النار) ففيها نظر؛ لأنه لم يسبق للنار ذكر، اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء إلا عباد الله المخلصين قد يدل على ذلك، لكن المعنى الذي أشرت إليه أولى أي: لمحضرون عندنا، كما قال الله تعالى: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٣٢]. المهم أن الله توعَّد هؤلاء بل أخبر عن هؤلاء بأنهم سوف يحضرون إلى الله وسوف يجازيهم على أعمالهم. فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَالجملة هذه مؤكدة بكم مؤكد؟ طالب: مؤكدين. الشيخ: مؤكدين (إن) واللام. ثم قال: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] أي: المؤمنين منهم فإنهم نَجَوْا منها يعني من النار. وعباد الله المخلصين الذين أَخْلَصَهم الله لنفسه؛ فأخلصهم من الشرك ومن تكذيب الرسل، والعبودية هنا إلا عباد الله عبودية خاصة؛ الاستثناء هنا منقطع أو متصل؟ على كلام المؤلف متصل، وعلى ما أشرت إليه يكون منقطعًا. وجه ذلك أنَّا إذا قلنا: إنهم محضرون إلى الله، فإنه لا يستثنى أحدًا، كلٌّ سيحضر، وعلى هذا فيكون الاستثناء منقطعًا، يعني لكن عباد الله المخلصين سوف ينجون من هذا الحضور أي من العذاب الذي يترتب على هذا الحضور والمجازاة. أما على قول المؤلف: (إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَفي النار) فإن الاستثناء متصل، يعني أن قومه يحضرون في النار إلا المؤمن منهم إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ [الصافات: ١٢٩] قال المؤلف: (ثناء حسنًا). (سَلَامٌمنا عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات: ١٣٠]) (هو إلياس المُتَقَدَّم ذكرُه، وقيل: هو ومن آمن معه فجُمِعوا معه تغليبًا كقولهم للمهلب وقومه: المهلِّبون، وعلى قراءة آل ياسين بالمد أي أهله المراد به إلياس أيضًا). أفادنا المؤلف أن في الآية قراءتين القراءة الأولى: إِلْ يَاسِينَ، والقراءة الثانية: {آلِ يَاسِينَ} {سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ} أما على قراءة الأولى إِلْ يَاسِينَفهل إل ياسين هو إلياس أم هم قومه؟ فيه قولان للعلماء؛ فمن العلماء من قال: إن إل ياسين هو إلياس ويكون كقوله تعالى: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٩] سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١٢٠]، وهنا لما ذكر إلياس قال: سلام على إلياس، ولكن اختلف اللفظ لأن الاسم أعجمي، والعرب إذا عرَّبت الاسم الأعجمي صار فيه شيء من التصرف. مثل (جهنم) الذي مر علينا قبل أيام، يقال: إن أصله جَهَنَّام، وأصلها الفارسي كَهَنَّام وعلى هذا لا نحتاج إلى التعب فنقول من أين اشتُقت جهنم؟ كما سأل الأخ، وعلق عليه الأخ. نقول: جهنم اسم فارسي، لكنه معرب من كهنام، أنتم تعرفون إلى الآن كهنام عندكم؟ طالب: كهنام الحين متروك. الشيخ: متروك. الطالب: نعرف جهنم بجهنم.. من كهنم. الشيخ: من كهنم، على كل حال أقول: إذا جعلنا إل ياسين هو إلياس نفسه صار جاء مرة بإلياس ومرة بإل ياسين بناء على أيش؟ أن العرب يتصرفون في الأسماء الأعجمية المعربة. وفيه معنى آخر على القراءة الأولى: إِلْ يَاسِينَعلى أن المراد قومه، وأن الياء والنون زِيدَت كما تُزاد في مسلم فيقال: مسلمين، فتكون إل ياسين جمعًا لإلياس كما قال المؤلف: (المهلبين) وأصلها أن يقال: المهلبيُّون نسبة إلى المهلب، لكن قالوا: المهلبين، هذا آل ياسين أصلها إلياس ثم زيدت الياء والنون وصار المراد بذلك قومه، هذا على قراءة أيش؟ إِلْ يَاسِينَ. يكون فيها معنيان؛ المعنى الأول: أنه إلياس نفسه وهذا التصرف في اللفظ بناء على أنه اسم أعجمي، والعرب تتصرف في الأسماء الأعجمية عند تعريبها، أو المراد قومه وأنه جُمِعَ باعتبار قومه. أما على القراءة الثانية: {آلِ يَاسِينَ} فهي أيضًا في كلمة (ياسين) تصرف تعريبي؛ لأن ياسين هو إلياس، وعلى هذا فيكون المراد بآل ياسين إلياس وقومه، فآل الشخص يدخل فيهم الشخص إلا إن ذكر معهم لم يدخل فيهم، كما تقول: اللهم صل على محمد وعلى آله محمد، أما إذا لم يُذْكَر معهم فإنه يدخل فيهم كما في قوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، ومنهم فرعون، بل هو أولهم يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]. طالب: إلياس وإدريس واحد؟ الشيخ: لا. الطالب: بعض المفسرين يقولون: إلياس وإدريس.. الشيخ: ما هو بصحيح، فرق بين إلياس وإدريس. طالب: قوله: رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ [الصافات: ١٢٦] (...)؟ الشيخ: إي نعم، هذه تأتي أن شاء الله في الفوائد. طالب: (...)؟ الشيخ: يتجه هذا، أقول: له وجه من المرسلين (...). طالب: (...)؟ الشيخ: إدريس من أنبياء بني إسرائيل، ومَنْ قال: إنه قبل نوح فقد أخطأ كما مر علينا من قبل، كثير من المؤرخين الآن يجعلون إدريس قبل نوح وهذا خطأ. طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥]، إذا قلنا على سبيل الحقيقة: إنهم يدعون بعلًا ولا يدعون الله ما زال الإشكال موجودًا؛ يعني أنهم إذا دعوًا بعلًا وما دَعَوُا الله سبحانه وتعالى فلا ينطبق عليهم أنهم من الكافرين أو من المشركين؟ الشيخ: كيف لا ينطبق؟! أي شيء أكفر من شخص يدعو الله ويدعو غيره؟! الطالب: لا، قصدي على حكم أنها حقيقة؛ إذا واحد دعا غير الله سبحانه وتعالى ودعا الله سبحانه وتعالى ولم يذره، ما زال الإشكال موجودًا لأنه لاينطبق عليه هذا الحكم؟ الشيخ: ليش؟! مشرك. طالب: لا على القول بأنها حقيقة؟ الشيخ: إذا قلنا بأنها حقيقة، فهم ما دَعَوُا الله إطلاقًا، أتدعون بعلًا وتذرون الله ما تدعونه، واضح؟ الطالب: واضح. الشيخ: هم يدعون هذا البعل ويتركون الله، هؤلاء ما أشركوا لكن كفروا، أما يدعون البعل ويدعون الله فيكون معنى تركهم لله هنا أنهم في حكم التارك؛ لأن من أشرك بالله معه غيره تركه الله وشركه (...). قال الله تعالى: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات: ١١٤، ١١٥] في هذه الآية وما بعدها فوائد: فمنها: عظيم مِنَّة الله عز وجل على موسى وهارون بالرسالة؛ لأن الرسالة من أعلى مقامات البشر؛ قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩] ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد رسالتهما؛ لقوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤]. ومن فوائدها: أن مَنْ منَّ الله عليه بإرث الأنبياء بالعلم فإن ذلك مِنْ أعظم المِنَن؛ ولهذا قال أهل العلم: إن العلم أفضل من المال؛ يعني لو اجتمع عالم وغني فالعالم أفضل من الغني، حتى وإن بذل الغني ماله في سبيل الله فالعالم المنتَفَع بعلمه المعلِّم لغيره أفضل من صاحب المال. ومن فوائدها: جواز تعدد الرسل في آن واحد وهذا قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، أما بعد بعثته فهو خاتم النبيين ولا نبي بعده. ومن فوائد الآيات في قوله: وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] بيان مِنَّة الله على موسى وهارون وقومهما بالنجاة من الهلاك سواء كان على أيدي الفراعنة أو بعذاب من عند الله عز وجل، فإن الله نجاهما وقد ذَكَّر موسى قومه، بل ذَكَّر الله قوم موسى هذه النعمة في قوله: وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [الأعراف: ١٤١] فيها آيتان يذبحون يقتلون ويذبحون؛ لأنهم تارة يقتلونهم وتارة يذبحونهم كما تذبح الشاة -والعياذ بالله- إرهابًا وإزعاجًا فأنجاهم الله منهم. ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات: ١١٥] أن بني إسرائيل أصابهم كرب عظيم بسبب ما حصل لهم من استعباد فرعون لهم؛ لأنه كان استذلهم استذلالًا عظيمًا. فمن العلماء من قال: إنه فعل ذلك؛ لأنه قيل له: إنه سيولد منهم ولد يكون ذهاب ملكك على يده. ومنهم من قال: بل فعل ذلك لمجرد إذلالهم خشية من أن يكثروا ويكون لهم عزة وشوكة ومنعة، وكونه فعل ذلك من أجل الخوف من هذا الذي قيل عنه ما قيل يحتاج إلى دليل. ومن فوائد الآيات في قوله: وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الصافات: ١١٦] بيان مِنَّة الله عز وجل على الإنسان بالنصر، فإن النصر من أعظم النعم لأن الإنسان يكون له عزة وغلبة ويكون عدوه خائفًا منه ذليلًا أمامه. ومن فوائدها: أن الغلبة صارت في النهاية لموسى وقومه. ويتفرع على هذه الفائدة: أخذ العبرة من ذلك بأن النصر بيد الله عز وجل، قد ينصر من هو ضعيف، وقد يذل من هو قوي، كما قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هلاك عدوك يعتبر غلبة لك أي: يعتبر أنك غالبه سواء كان هلاكه على يدك أو بعذاب من عند الله، فإنه بلا شك لم يكن هلاك فرعون وقومه على يد موسى وقومه بل كان بفعل الله، ومع ذلك جعل الله عز وجل إنجاء موسى وقومه من فرعون غلبة. والتخلص من العدو يُسَمَّى نصرًا وفتحًا وغلبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة حين كانت الراية مع مَنْ؟ مع زيد بن حارثة ثم كانت مع جعفر بن أبي طالب ثم كانت مع عبد الله بن رواحة، وكلهم قُتِلُوا رضي الله عنهم قال: «ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدٌ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ» ، وخالد لم ينتصر على الروم لم يغلبهم ولكن نجا منهم، فسَمَّى النبي صلى الله عليه وسلم هذه النجاة فتحًا كما سمى الله هنا نجاة موسى وقومه من فرعون سماها نصرًا وغلبة. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] بيان عظيم منة الله سبحانه وتعالى بإتيان أو بإيتاء الكتاب لموسى وهارون، وهو من عطف الخاص على العام في قوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤]؛ لأن إيتاء الكتاب أعظم منة. ويتفرع على هذا: أن مَنْ آتاه الله العلم فله نصيب من هذه المنة إذا آتى الله الإنسان علم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فله نصيب من هذه المنة. ومن فوائد الآية: الثناء على التوراة في قوله: الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧] أي: البالغ البيان، ولا شك أن التوراة هي أعظم كتاب أنزله الله تعالى على بني إسرائيل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل ينزل الكُتُب تبيانًا للناس، فيؤخذ من ذلك أن العقول لا تَسْتَقِلُّ بمعرفة ما يجب لله من الحقوق ولا بمعرفة ما يجب له من الصفات ولا بمعرفة ما يجوز عليه، ولا ما يمتنع فيكون في ذلك ردٌّ على مَنْ؟ على مَنْ حَكَّموا العقول في باب أسماء الله وصفاته. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨] أن كل إنسان مفتقر إلى الله تعالى في الهداية مهما بلغت مرتبته؛ فهذا موسى وهارون منَّ الله تعالى عليهما بهدايته إياهما الصراط المستقيم. لا يقول قائل: أنا عالم، أنا عابد، فيعتمد على نفسه ويعجب بها، لا، بل يجب عليه أن يرى قدر نعمة الله عليه بالهداية، فكم من أناس أضلهم الله وهم أقوى منه ذكاء. ومن فوائد هذه الآية: أن صراط الله عز وجل صراط مستقيم لا اعوجاج فيه ولا انخفاض ولا ارتفاع، فهو سهل لسالكه، ومن المعلوم أن الصراط إذا كان معوجًّا أو فيه ارتفاع أو انخفاض فإنه يعيق سالكه، لكن صراط الله -على العكس من ذلك- مستقيم. ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان محتاج في الهداية إلى الصراط المستقيم إلى هدايتين: هداية دلالة وهي التي تعدى بـ(إلى)، وهداية توفيق وهي التي تعدى بنفسها؛ ولهذا قال: وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الصافات: ١١٨]، ولم يقل: إلى الصراط. ومن فوائد الآيات: في قوله: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ [الصافات: ١١٩] أن الله سبحانه وتعالى ذكر موسى وهارون في الآخرين وأثنى عليهما بما يستحقانه. ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١٢٠] أن الله سبحانه وتعالى دافع عن موسى وهارون حيث سَلَّمَهما من الثناء القبيح في الآخرين، هذا على القول بأن سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَمتعلق بقوله: وَتَرَكْنَايعني أنه ترك عليهما السلام في الآخرين، أما إذا قلنا بأنه ترك عليهما ثناء حسنًا وجعلنا السلام من الله فهو جملة مستأنفة لا تتعلق بما قبلها. ومن فوائد الآيات في قوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٢١] بيان فضل الله سبحانه وتعالى على عباده الذين أحسنوا؛ حيث يجزيهم بالحسنى كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]. وفيها أيضًا: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على العباد من وجه آخر، وهو أنه هو الذي منَّ عليهم بالإحسان أي: جعلهم محسنين، ثم منَّ عليهم مرة ثانية بمجازاتهم على هذا الإحسان، وعلى هذا فكل إحسان تفعله فإن لله عليك فيه منتين؛ المنة الأولى توفيقك لهذا الإحسان، والمنة الثانية ثوابك على هذا الإحسان. ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله عز وجل لا يجزي العامل لشخصه وإنما يجزيه بعمله؛ ولهذا بَيَّن أن هذا الجزاء لا يختص بموسى وهارون بل هو لكل إنسان محسن. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢١، ١٢٢]. في هذه الآية من الفوائد: الثناء على المؤمن الذي حقق عبودية الله؛ لقوله: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢]. ومن فوائدها: أن البشر مهما عَلَت منزلتهم ومرتبتهم فهم داخلون ضمن العبودية؛ لأن موسى وهارون من أكابر الأنبياء، ومع ذلك فإن الله تعالى وصفهما بالعبودية له سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن وصف الإنسان بالعبودية لله شرف له وعز؛ لأنه ما من إنسان إلا وهو عبد، فإما أن يكون عبدًا لهواه، وإما أن يكون عبدًا لمولاه، كل إنسان له إرادة، كل إنسان متحرك، ولكن ما هي الإرادة وإلى أين التحرك؟ إن كانت الإرادة إرادة الله عز وجل والتحرك إلى دينه فهذه هي الحرية، وإذا كانت الإرادة لغيره والتحرك إلى غير شرعه فهذه رق ولَّا حرية؟ رق، ولهذا نرى أن هؤلاء الفوضويون الذين يريدون أن يكون الناس فوضى مدعين أن هذه هي الحرية نرى أنهم هم الذين ابتُلوا بالرق؛ لأن الشيطان استرقهم وجعلهم عبيدًا له، ولو عبدوا الله سبحانه وتعالى لسلِموا من هذا الرق، فهم تركوا الرق الذي خلقوا له، وبلوا برق النفس والشيطان، كما قال ابن القيم رحمه الله في النونية قال:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ
وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ
الرق الذي خلقوا له، ما هو؟ العبودية لله، لكنهم بُلوا برق النفس والشيطان، فما من إنسان يهرب من عبادة الله إلا ووقع في عبادة الشيطان ولا بد، فالعبودية وصف كمال للإنسان إذا كانت لله، وإذا كانت للشيطان فهي وصف نقص. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان؛ لقوله: إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٢٢]. ومن فوائدها: أن كل جزاء وكل وصف عُلِّقَ بالإيمان فإن للأنبياء منه الحق الأوفر والأكمل. ثم قال الله تعالى: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٢٣]. من فوائد هذه الآيات في قوله: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَإثبات رسالة إلياس، وسبق لنا أن إلياس -فيما يظهر- من أنبياء بني إسرائيل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يثني على عباده بما يستحقون من الأوصاف في الآخرين ليبقى ذكرهم مخلدًا فإنه لولا أن الله ذكر هؤلاء الأنبياء لطُوِيَت صحائفهم وما عُلِمَ عنهم شيء. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] دليل على أن التقوى تُطْلَق على فعل الأوامر وترك النواهي؛ لأن هؤلاء قال: أَلَا تَتَّقُونَيعني: بعبادة الله، ويدل لهذا قوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان تلطف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة قومهم؛ لأنه قال: أَلَا تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤] وهذا للعرض والحث، ولم يقل لهم: اتقوا الله مع أن الرسل قد يقولون: اتقوا الله، لكن ينزل كل مخاطب منزلته بما يليق به. ومن فوائد هذه الآية، وهي في الحقيقة فائدة في كل ما سبق من الآيات: اختصاص رسالة الرسول فيما سبق بقومه؛ لقوله: إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ [الصافات: ١٢٤]. فإن قال قائل: إذا أخذتم من إضافة القوم إلى الرسول اختصاص الرسالة بقومه فإن الله تعالى وصف النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك فقال: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] فهل تقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم مُرسَل إلى العرب فقط؟ فالجواب: لا، لكننا نأخذ عموم رسالته من أدلة أخرى كقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨]، وكقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، وكقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «كَانَ النَّبَيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» ومن فوائد هذه الآيات في قوله: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥] بيان سفه هؤلاء القوم؛ لأنهم يعبدون البعل وهو صنم ربما صنعوه بأيديهم فكان مخلوقًا، ويذرون الخالق عز وجل الذي هو أحسن الخالقين، وهذا لا شك أنه غاية السفه فإن أحق مَنْ يعبد هو الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل أحسن الخالقين خلقًا، في أي شيء؟ في كل ما يعود إلى صفة الخلق من كمال الخلقة وجمالها ومناسبتها لطبيعتها وغير ذلك، ومن أراد أن يتوسع في هذا المجال فليقرأ كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم فإنه ذكر من ذلك العجب العجاب -رحمه الله- في خلق الله عز وجل. ومن فوائد الآية: أن غير الله تعالى يوصف بأنه خالق؛ لقوله: أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥]، ووجه ذلك أن في هذه الآية مفضل ومفضل عليه، فمن المفضل؟ الله عز وجل، والمفضل عليه ما سواه. ونقول: هذا هو الواقع؛ أن هناك خالقِين غير الله، لكن هذا الخلق ليس كخلق الله عز وجل؛ لأن خلق الله خلق إيجاد، وأما خلق غيره فخلق تغيير وتحويل فقط. مثال ذلك: مَنِ الذي خلق الخشب؟ الله عز وجل، ثم يخلقه الآدمي فيحوله إلى أبواب وسُرُر وما أشبه ذلك ويقال: خالق. من خلق الحديد؟ الله عز وجل، ويحوله الآدمي إلى أواني ومعدات ومراكب وما أشبه ذلك، فهذا ليس خلق إيجاد حتى نقول: إنه مشاركة مع الله، ولكنه خلق تغيير وتحويل؛ يحول الشيء من شيء إلى شيء. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في المصورين: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» وهم في الحقيقة ما خَلَقوا، حتى وإن صوروا وأبدعوا في الصورة فإنهم لن يخلقوا كخلق الله يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] حتى وإن أبدع المصور في تصويره الذي جعله على مثال الآدمي أو مثال الحيوان فإنه لن يكون كخلق الله. ومن فوائد الآيات في قوله: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] أنه ينبغي للداعية أن يذكر الإنسان بما يكون سببًا لاتعاظه؛ لقوله: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الصافات: ١٢٦] فيذكِّرهم بأن آباءهم قد فَنُوا وذهبوا وأنكم أنتم سوف تذهبون كما ذهب الآباء. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: فَكَذَّبُوهُ [الصافات: ١٢٧] دليل على أن الإنسان مهما بلغ في عرض الدعوة إلى الله وبيانها والعظة فإنه لا يستلزم أن يؤثر فيمن وجه الخطاب إليه؛ لأن إلياس -كما رأيتم- عرض الدعوة إليهم عرضًا رقيقًا وبيَّن لهم الأدلة على أن الله وحده مستحق للعبادة ومع ذلك كذبوه. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للداعية إذا رُدَّ قولُه ألا يعتبر نفسه مقصِّرًا أو فاشلًا؛ لأنه أدى ما عليه، والذي عليه هو البلاغ، والهداية على مَن؟ على الله عز وجل لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٧٢]، فلو أراد الله بهؤلاء خيرًا لانقادوا للهدى أما أنت فقد أراد الله بك خيرًا؛ لأنك بلغت ما عليك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تَرَتُّب الجزاء على العمل من أين تؤخذ؟ طالب: (...). الشيخ: الفاء الدالة على السببية فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧]، فالجزاء مرتب على العمل وقد ذكر الله في آية أخرى أن الجزاء يكون من جنس العمل؛ فقال: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: ٤٠] قدرًا وكيفية ثم فسر الله تعالى هذا الأخذ. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء المتسبب على العمل في قوله: فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧]. ومن فوائدها: إهانة هؤلاء وأمثالهم حيث قال: لَمُحْضَرُونَ، ولم يقل: نحضرهم، ولكنه في آية أخرى قد يضيف العقوبة إلى نفسه عز وجل، مثل قوله تعالى: ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم: ٦٨].