تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الصافات - ١٠

درس صوتي · ٩٠:١٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

قال: فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات: ١٠٢] من الرأي؛ يعني: فكرْ في أمرك وانظر ماذا ترى، فكان جوابه جوابًا عجيبًا عظيمًا قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُوهذا شبيه بما وقع من عائشة رضي الله عنها حين خيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى معه وأن تفارقه للدنيا وقال لها: «اسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» يعني: استشيريهم. فقالت رضي الله عنها: أفي هذا أستأمر أبوي؟ إني أختار الله ورسوله والدار الآخرة . هنا قال: انْظُرْ مَاذَا تَرَىيعني: فَكِّرْ في أمرك. هل أنت مستعد لهذا الشيء أو لا؟ وهذا من باب الاختبار في حال هذا الابن وتهيُّئِه لتنفيذ ما أمر الله به أباه. فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىقال المؤلف أي: (من الرأي شاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به)، نعم لو أنه حين قام من النوم جر ابنه وذَبَحَه بدون أن يخبره لفات في ذلك فائدتان عظيمتان: الفائدة الأولى عدم ظهور تَقبُّل هذا الابن لأمر الله، والثانية أنه إذا أتاه بغتة صار أشد وقعًا في نفسه وأشد ألمًا مما لو أُخْبِر به؛ لأن الإنسان إذا أخبر بالشيء قبل أن يقع واستعدت نفسُه له وتهيأت صار الوالد العظيم يرد على النفس وهي أيش؟ متهيئة فيسهل عليها، بخلاف إذا ما وَرَد على غِرَّة فإنه يكون أشدَّ وقعًا وأشد ألمًا؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به). قال: (يَا أَبَتِالتاء عوض عن ياء الإضافة) وأصلها يا أبي، ولكن العرب قد يبدلون الياء تاء فيقولون: يا أبت، وعلى هذا فالتاء بدلا عن الياء فهي ياء المتكلم. (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُبه) سبحان الله! ما قال: يا أبت لا مانع عندي، قال: افْعَلْفحثه على أن يفعل، ولم يقل: افعل ما رأيت، قال: افعل ما تؤمر به حثًّا لإبراهيم على أن يفعل؛ لأنه إذا ذَكَّرَه أن هذا أمر الله فإنه يزيده قوة في تنفيذ هذا الأمر؛ لأن إسماعيل عليه الصلاة والسلام خاف أن تُدْرِكَ إبراهيم رحمةُ الولد فيراجعَ الله عز وجل في ذلك فأشار عليه أن يُبادِر بفعل ما أُمِرَ به، افعل ما تُؤْمَر، ولم يقل: ما رأيت، ليكون هذا أشد حثًّا لإبراهيم على الإقدام لهذا. (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُبه سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ما شاء الله نعم، سَتَجِدُنِيهذه السين كما قلنا فيما سبق قريبًا للتنفيس وتفيد شيئين: التوكيد، وقرب الوقوع. والتأكيد يعني تحقق هذا الشيء، ولكنه لما كان أمرًا مستقبلًا والإنسان لا يثق أن يقوم بالأمر المستقبل قال: إِنْ شَاءَ اللَّهُسَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وأتى بالاستثناء قبل ذِكْر المفعول الثاني للمبادرة به سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَولم يقل: ستجدني من الصابرين إن شاء الله، فبدأ بالاستثناء الدال على الاستدراك يعني: إن لم يشأ الله لن تجدني كذلك ولكن سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. وقوله: إِنْ شَاءَ اللَّهُجملة معترضة بين مفعولي (تجد) لأن المفعول الأول الياء والثاني مِنَ الصَّابِرِينَأي: من الصابرين على أيش؟ على أمر الله، هذا الأمر العظيم الصابرين على بلاء الله؛ لأن هذا من بالبلاء العظيم أن يصبر الإنسان على أن يُقْتَل امتثالًا لأمر الله سبحانه وتعالى، وهنا لم يقل: ستجدني إن شاء الله صابرًا قال: مِنَ الصَّابِرِينَإشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام سيكون له تَأَسٍّ بمن سبق حتى يكون من جملة المتصفين بهذا الوصف وهو الصبر. قال الله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات: ١٠٣] خضعا وانقادا لأمر الله وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) أَسْلَمَايعني: استسلما لأمر الله، وانقادا لأمره عن كره ولّا عن رضا ورغبة؟ عن رضا ورغبة بلا شك من الأب الذي عزم على أن ينفذ أمر الله، والابن الذي تَقَبَّل هذا الأمر بانشراح صدر وحَثٍّ لأبيه على أن يفعل ما أمره الله به، وهذا غاية ما يكون من الاستسلام وهذا استسلام القلب، وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِهذا استسلام الجوارح، يعني أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تَلَّ ابنه للجبين يعني: صرعه على الأرض على جبينه ليذبحه، وإنما صرعه على جبينه من أجل ألا يرى وجهه حين يذبحه، ولئلا يرى الابن السكين فيفزع، ومعلوم أن رؤية المذبوح للسكين تريعه ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلًا يَحُدَّ الشفرة ليذبح شاة فقال: «أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا ميتتين» ؛ لأنه إذا ارتاعت البهيمة هذا روعة عظيمة، حتى إن بعض البهائم إذا رأى السكين تُحَدُّ هرب وهو بالأول مطمئن، المهم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تَلَّ ابنه للجبين بسرعة قوةً في تنفيذ أمر الله عز وجل. قال المؤلف رحمه الله: (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِصرعه عليه ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة، وكان ذلك بمنى وأَمَرَّ السكين على حلقه فلم تعمل شيئًا بمانع من القدرة الإلهية) ونحن نقول، وقلنا سابقًا أيضًا: إن قَصَص الأنبياء السابقين إنما يُؤْخَذ من الكتاب والسنة الصحيحة؛ لقوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، ونحن في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا ينبغي لنا أن نتجاوز القرآن ولا أن نُقَدِّر شيئًا لا يقتضيه السياق فهنا يقول: تَلَّهُ لِلْجَبِينِصَرَعَه على جبينه، الجبين هذا طرف الجبهة؛ يعني القرنين، وذكرتُ لكم الحكمة في فعله هذا. وأما قول المؤلف: (وذلك بمنى) فهذا يحتاج إلى دليل هو لا شك أنه في مكة؛ لأن إسماعيل كان نشأ في مكة من صغره، ولكن كونه في منى هذا يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة وإلَّا وجب التوقف فيه. يقول: (أَمَرَّ السكين على حلقه فلم تعمل شيئا بمانع من القدرة الإلهية)، هذا أيضا يحتاج إلى دليل، وليس في القرآن الكريم أنه أَمَرَّ السكين على حلقه، فالواجب علينا أن نتوقف في هذا، لا نصدِّق ولا نكذِّب، لأن القرآن لم يصدق ذلك ولم يكذبه، لكن عندي -والله أعلم- أن هذا لو وقع لكان من الحكمة أن يُذْكَر؛ لأن فيه دلالة على آية من آيات الله وهي عدم تأثير السكين في حلقه، ولو وقع مثل هذا لذكره الله عز وجل لما فيه من الدلالة على آية عظيمة من آيات الله، والذي نجزم به الآن أنه وقع أنه تله للجبين ليذبحه فقط، وكفى بذلك فخرًا أنه لم يَبْقَ إلا أن يمر السكين على حلقه، فماذا كان؟ قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]. قوله: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(لما) هذه شرطية تحتاج إلى شرطٍ وجوابِه؛ فشرطها قوله: أَسْلَمَاوَتَلَّهُمعطوف عليه وَنَادَيْنَاهُلا يستقيم أن نجعله معطوفًا على أَسْلَمَا، ولكن اختلف العلماء في الواو هنا فقيل: إنها زائدة، وتقدير الكلام: فلما أسلما وتلَّه للجبين ناديناه: أن يا إبراهيم قد صَدَّقْتَ الرؤيا، وقال آخرون: ليست بزائدة؛ لأن زيادة الحروف المعنوية التي تقتضي المغايرة لا يمكن أن يقع في القرآن الكريم، بل هي معطوفة على شيء مُقَدَّر، فالتقدير: فلما أسلما وتلَّه للجبين تحقق تنفيذ أمر الله أو ما أشبه ذلك من الكلام المناسب، ثم عطف على الجواب المحذوف قولَه: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاإلخ. طالب: إبراهيم لما ترك هاجر وإسماعيل هل رجع إليهم؟ الشيخ: إي، رجع إليهم وحصلت القصة هذه ثم ذهب ثم رجع مرة ثانية بعد أن تزوج إسماعيل. طالب: ما ذكر في القرآن موقف أم اسماعيل. الشيخ: إي نعم. الطالب: (...)؟ الشيخ: الله أعلم، ما نعرف لماذا لم يُذْكَر، هل هي قد ماتت أم هي موجودة؟ الله أعلم. طالب: بالنسبة للرؤيا في المنام بعد انقطاع الوحي إذا رأيت فيها أمرًا شرعيا أو حكمًا هل يجوز العمل به؟ الشيخ: أبدًا لا يجوز العمل بالرؤيا ولو صادقة فيما يخالف الأحكام الشرعية، أما ما يؤيد الأحكام الشرعية وتشهد له النصوص بالصحة يمكن. من فوائد الآيات الكريمة في قوله تعالى: قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات: ٩٧] شدة كيد هؤلاء المكذبين لإبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث أَروا الناس أنه بُنِيَ له بنيانًا دون أن يروه أنهم يريدون أن يحرقوه؛ لقوله: فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا [الصافات: ٩٨]. ومن فوائدها: أن النار التي أضرموها في هذا البنيان كانت عظيمة؛ لقولهم: فِي الْجَحِيمِوالجحيم هي النار العظيمة. ومن فوائدها: عتوهم؛ لأنهم قالوا: ألقوه، والإلقاء يدل على العنف وعدم الرحمة، وهو كذلك هم لو كانوا يريدون رحمته ما هَمُّوا بإحراقه. ومن فوائدها أيضًا: أن نيتهم هذه نية عدوان؛ لأنهم قالوا: ابْنُوا لَهُواللام ذكرنا أنها أيش؟ للتعليل يعني: ما بنوا هذا البنيان إلا بهذه النية السيئة. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَبيان ما يُكِنُّه أعداء الإسلام للمسلمين وللإسلام من إرادة الكيد بالإسلام وأهله، وهذا كما أنه في الأمم السابقة فيكون في الأمم اللاحقة؛ لقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١]. ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله أيش؟ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا، والجبرية ينفون أن يكون للإنسان إرادة في فعله؛ لأنهم يرون أن الإنسان مُجْبَر على الفعل وأن فعله الواقع بإرادته كفعله الواقع بغير إرادته، الكل عندهم سواء. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين كادوا كاد الله بهم فجعلهم هم الأسفلين. ومن فوائدها: أن مَنْ تعالى على الحق فإن الله تعالى يجازيه بنقيض قصده؛ لأن هؤلاء أرادوا العلو والفساد في الأرض فعاملهم الله تعالى بنقيض قصدهم فجعلهم الأسفلين. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله عز وجل، وأن بني آدم مهما بلغوا من الطغيان فإنهم تحت حكم الله تعالى وسلطانه؛ لقوله: فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ. ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هؤلاء لما طغوا واعتدوا وتعالَوْا عاقبهم الله تعالى بالسفل المناقض لِمَا أرادوا فكانت العقوبة مناسبة للفعل. ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات: ٩٩] الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإعلانه الهجرة من بلده الذي يتضمن تحدي قومه وعدم مبالاته بهم؛ لأنهم لم يُمْسِكُوه ولم يمنعوه عن الهجرة وهذا من حكمة الله عز وجل أن يظهر التحدي في مثل هذا ولا يقع. ومن فوائدها: ثقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بربه؛ حيث قال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ. ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في العمل؛ لقوله: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي، وهذا فيه إخلاص القصد لله عز وجل، وهذه هي النية الصالحة أن يكون الإنسان قاصدًا بعمله الوصول إلى رضا الله عز وجل. ومن فوائدها أيضا: تَحَنُّن الإنسان إلى ربه في الدعاء بأن يأتي بالعبارات الدالة على التحنن والتعطف والافتقار إلى الرب؛ لقوله: إِلَى رَبِّيفأضاف الربوبية إلى نفسه من باب التلطف والتحنن إلى الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي بل يجب على الإنسان ألا يعتمد على نفسه، بل يعتمد على ربه عز وجل؛ لقوله هنا: سَيَهْدِينِ. ويستفاد من الجملة: ما أشرنا إليه أيضًا من الفوائد وهي ثقة إبراهيم بالله عز وجل. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١٠٠] أن كلَّ أحد وإن علا قَدْرُه من البشر مفتقر إلى الله عز وجل، ومفتقر إلى من يُعِينُه؛ لقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، والمؤلف رحمه الله قَدَّر أن في الآية محذوفًا تقديره (ولدًا)، وكأنه خص هذا الطلب بالولد لقوله تعالى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] على أن الآية تحتمل أن المحذوف ليس كلمة (ولدًا)، وأنه حُذِفَ المعمول لإفادة العموم؛ يعني هب لي من الصالحين مَنْ يكون عونًا لي من الأولاد وغيرهم، لأن القوم الذين كان فيهم غير صالحين فسأل الله أن يهب له من الصالحين مَنْ يُعينُه ويساعده فكانت الإجابة من الله أن بَشَّرَهُ بمن يعينه من صُلْبِه في قوله: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍفيكون هذا الوجه الذي ذكرنا أعم من الوجه الذي قاله المؤلف، المؤلف خَصَّه بالولد بقرينة قوله: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍوهذا الوجه الذي ذكرنا أنه عام، سأل الله أن يهبه من الصالحين مَنْ يكون عونًا له، وحُذِفَ المعمول لإفادة العموم. ومن فوائد الآية: الحث على الاستعانة بالصالحين؛ لقوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَوأنه ينبغي للإنسان أن يكون قرناؤه من الصالحين؛ لأن القرين الصالح يعينك على الخير ويحذِّرك من الشَّرِّ وكما مثل الرسول عليه الصلاة والسلام للقرين الصالح الجليس الصالح بحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن يبيعك وإما أن تجد منه رائحة طيبة . ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍإجابة الله سبحانه وتعالى للدعاء؛ لقوله: فَبَشَّرْنَاهُ. والفاء هنا ماذا تفيد؟ طالب: ما أعرف. الشيخ: ما حضرت؟ طالب: حضرت، لكن لا أعرف اللغة. الشيخ: ما لغة هذه، هذه معنى. طالب: تفيد التعقيب. الشيخ: وغيره، التعقيب والترتيب. الطالب: التعقيب والترتيب. الشيخ: لكن التعقيب غير الترتيب غير. طالب: الفورية. الشيخ: هذا التعقيب. طالب: السببية. الشيخ: السببية على كل حال فبسبب دعائه بادرنا ببشارته فبشرناه. يستفاد -يعني يتفرع أو يلزم- من هذه الفائدة -وهي إجابة الله عز وجل لمن دعاه- صدق وعده؛ لقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] وقدرته على تحقيق ما وَعَد به؛ لأنه لو كان عاجزًا لم يُعْطِ ما دُعِيَ به؛ لأنه عاجز، ولكن الله عز وجل على كل شيء قدير. ومن فوائد هذه الآية: الثناء على إسماعيل بوصفه بماذا؟ طلبة: بالحلم. الشيخ: بالحلم. ومن فوائدها: تبشير المرء بما وُلِدَ له من ولد ولا سيما إذا كان ذكرًا؛ لأن الله عَبَّر عن إخباره إبراهيم أنه سيولد له، عبَّر عن ذلك بالبِشارة، فأخذ العلماء من هذا أنه تُشْرَع بِشارة مَنْ وُلِدَ له ولد ولا سيما إذا كان ذكرًا. وهل يستفاد من الآية الكريمة إثبات كلام الله؟ طالب: (...). الشيخ: لو كانت البشارة من الله لكان يستفاد من ذلك إثبات الكلام، لكن قد يكون بشرناه على لسان الملائكة؛ يعني الملائكة هي اللي بَشَّرَتْه، فالله أعلم. ومن فوائد الآيات في قوله: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ.. إلى آخره أن الله عز وجل قد يبتلي عبده المؤمن ببلوى عظيمة شديدة على النفوس وذلك بما أرى الله نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ذبح ولده، نحن نعلم أن الله لو قدر على ولدك أن يموت لكان هذا مصيبة عظيمة، لكن إذا أمرك الله سبحانه وتعالى أن تذبحه أنت بنفسك صار هذا أعظم وأشد وصار الصبر على هذا الأمر أشد وأفضل من الصبر على موته بقدر من الله، أليس كذلك؟ الصبر على أنك أنت بنفسك تتولى قتل ابنك أشد مما لو أماته الله عز وجل بقدر من عنده. ومن فوائد الآية: أن هذا الوقت الذي أُمِرَ إبراهيم بذبح ابنه فيه كان وقتًا يكون فيه تنفيذ الأمر شديدًا؛ لأنه بلغ معه السعي فتنفيذ الأمر في هذه الحال يدل على كمال عبودية المأمور حيث نفذه في أَشَدِّ ما يكون تَعَلُّقًا بابنه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أراد أن يُنَفِّذ شيئًا مكروهًا لشخص أن يأتي بأسلوب يدل على أنه لا يريد الإضرار به وإنما هو أمر لا بد منه؛ لقوله: يَا بُنَيَّفإن إتيانه بهذه الصيغة على صيغة التلطف من أجل أن يبعد عنه تهمة أنه لا يحبه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز امتحان الشخص بما لا يُؤْخَذ رأيه فيه ولكن للاستعلام؛ لقوله: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىفإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يريد أن ينظر لابنه إن قال: لا تذبحني ترك الذبح، بل يريد أن يعرف مدى قبوله واستعداده فيكون في هذا تورية، والتورية لاشك أنها جائزة للاستعلام والاستخبار ولا سيما عند الحكم في القضاء. وقد مر علينا قصة سليمان عليه الصلاة والسلام في المرأتين اللتين تخاصمتا في ولد بينهما، حيث تخاصمتا عند داود فحكم به للكبرى، ثم تخاصمتا عند سليمان فدعا بالسكين ليشقه نصفين بينهما. وهل سليمان سيفعل؟ لا، لن يفعل أبدًا، لكن هذا من باب التورية واستطلاع الحقيقة، فلما دعا بالسكين وأراهما أنه يريد أن يشقه نصفين قالت الصغرى: هو ولدها يا نبي الله فعرف أنه لها؛ لأنها أدركها حب الولد فتنازلت عن حقها منه ودعواها والكبيرة رضيت؛ لأنه لا يهمها أن يقتل ابن هذه المرأة كما أكل الذئب ولدها. طيب، إذن يؤخذ من هذا أنه يجوز للإنسان أن يُوَرِّي بالشيء لاستطلاع الأمر واستظهاره؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال لابنه: انْظُرْ مَاذَا تَرَىفإن ظاهر ذلك أنه يريد أن يستشيره ويأخذ رأيه إن وافق وإلا لم ينفذ، وليس الأمر كذلك بل أراد أن يختبره لأي شيء؟ لينظر مدى قبوله لهذا الأمر واستعداده لتنفيذه. ومن فوائد الآيات: أن رؤيا الأنبياء حق؛ وذلك لأن إبراهيم اعتمدها ولو لم تكن حقًّا لم يعتمدها، لكن لو رأى أحدنا مثل هذه الرؤيا أنه يذبح ابنه فهل هذا حق؟ طالب: نعم. طالب آخر: لا. الشيخ: لا، ليس بحق قطعًا؛ لأننا لا نؤمر أبدًا عن طريق المنام ولا عن طريق اليقظة بذبح أبنائنا، لكن إما أن تكون رؤيا ويكون فيها إشارة إلى شيء مشابه، وإما أن تكون من الشيطان ليحزنك، أما أن تكون أمرا يجب تنفيذه فهذا لا يمكن.


الطالب: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٠٥ - ١١١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا البحث إلى قوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَأظن، بعده؟ طالب: أخذنا أن رؤيا الأنبياء حق لأن إبراهيم اعتمدها. الشيخ: ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. من فوائد هذه الآية: أنه يجوز اختبار الإنسان ليُنْظَر مدى استعداده وقبوله للأمر؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام اختبر ولده بذلك في قوله: فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى، وقد سبق لنا أن هذا ليس من باب المشاورة لأنه من المستحيل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يستشير ابنه في تنفيذ أمر الله. ومن فوائد الآية الكريمة: حسن أدب إسماعيل؛ حيث قال في جواب أبيه: يَا أَبَتِ، ولم يقل: يا هذا، أو يسكت، بل قال: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ. ومن فوائدها أيضًا: أن الخبر قد يكون بمعنى الأمر؛ لأن هذه الرؤيا -كما مر علينا- بمنزلة الخبر حيث لم يقل له في الرؤيا: اذبح ولدك، بل رأى نفسه يذبح الولد، ولكن الخبر قد يكون بمعنى الأمر، وهل يحتاج إلى قرينة في هذا أو لا؟ الجواب: نعم، يحتاج إلى قرينة؛ لأن الأصل في الخبر أنه لا يدل على الطلب، ولكن إذا وُجِدَ قرينة تقتضي ذلك كان أمرًا. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حث المفضول للفاضل على فعل الأوامر؛ لقوله : افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ. فيتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يُحَقِّر نفسه في الأمر بالخير فيقول مثلًا: هذا أجل مني، هذا أعلم مني، أكبر مني، فلن آمره بشيء، بل نقول: مر بالخير سواء كنت أصغر سنًّا أو شأنًا من المأمور أو مثله أو أكبر منه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُعَلِّق كل أمر مستقبل على مشيئة الله؛ لقوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَفإن هذا أمر مستقبل، وينبغي أن يعلق الإنسان كل شيء مستقبل بمشيئة الله سبحانه وتعالى. فإن قال قائل: كيف نفهم هذا الحكم من قول إسماعيل؟ فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى قصَّه علينا لنعتبر به كما قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١] ويؤيد هذا أيضًا شرعنا فإن الله قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصبر يكون على امتثال الأوامر وعلى المصائب؛ فإن قوله: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَأي الصابرين على تنفيذ هذا الأمر وعلى ما يقتضيه من الآلام؛ لأنه ذَبْحٌ، والصبر ثلاثة أقسام دلت هذه الآية على قسمين منها، والثالث الصبر عن معصية الله. ومن فوائد هذه الآيات في قوله: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِفضيلة إبراهيم وإسماعيل؛ حيث استسلما لأمر الله في هذه الأمر العظيم الذي لا يقدم عليه إلا أمثالهما، ولا شك أن هذا من مناقبهما. ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يحول بين نفسه وبين كل شيء قد يعيقه عن تنفيذ أمر الله؛ لقوله: تَلَّهُ لِلْجَبِينِفإن هذا يهون عليهم الأمر فيهون عليهم التنفيذ وربما يتفرع على هذه الفائدة العمل لسد الذرائع ومنعها، الذرائع التي تحول بين المرء وبين تنفيذ أمر الله أو توجب أن يقع فيما نهى الله عنه. ثم قال: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَنَادَيْنَاهُضمير الفاعل يعود على الله عز وجل، والنداء -كما سبق- يكون بالصوت العالي للمنادى بخلاف المناجاة فتكون بالصوت المنخفض، ولا شك أن الصوت العالي يقال لمن كان بعيدًا، والصوت المنخفض يقال لمن كان قريبًا. وقوله: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْهذه تفسيرية؛ لأنها -أي التفسيرية- هي التي تأتي بعد فعل أو بعد عامل يتضمن معنى القول دون حروفه فهي بمعنى أي. أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاصدقتها أي: فعلت ما يقتضي تصديق هذه الرؤيا، وقد رأى أنه يذبح ابنه وعزم على ذلك وقام ببعض العمل الذي يكون بين يدي الذبح فجعل الله تعالى ذلك تصديقًا، والرؤيا ما يراه الإنسان في منامه. وما يراه الإنسان في منامه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم رؤيا، وقسم حلم، وقسم يكون عن حديث النفس؛ أما الأول فإنه من الله وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وأما الثاني فهو من الشيطان، وغالب ما يكون هذا فيما يمتنع شرعًا أو حسًّا أو عقلًا، أي: أن الشيطان يسول للشخص شيئًا ممتنعًا في الشرع أو ممتنعًا في العقل أو ممتنعًا بالحس، وغالب ما يكون هذا أيضًا من أجل إحزام الرأي وإخلال عقله، وقد حدث رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رأى في منامه أنه قد ذُبِحَ وأن رأسه هرب، وذهب الرجل يشتد وراء رأسه يريد أن يطلب رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «لَا تُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا يَتَلَاعَبُ بِكَ الشَّيْطَانُ فِي مَنَامِكَ» لأن هذا الشيء غير معقول، إنسان قُطِعَ رأسه وهرب الرأس وذهب يشتد وراءه ليأخذه ويضعه على رقبته، هذا شيء ينافي العقل. أحيانًا يضرب لك الشيطان مثلًا بما يمتنع شرعًا كما يُذْكَر عن عبد القادر الجيلاني رحمه الله أنه رأى نورًا عظيمًا وسمع من هذا النور قولًا يقول: إني أنا ربك، وحدثه فقال: إنه قد وضع عنه الصلاة. فقال له: كذبت ولكنك الشيطان. بما عرف أنه كاذب؟ بأنه حدثه بما يمتنع شرعًا، فإن وضع الصلاة لا يمكن أن يكون أبدًا، وهي أهم أركان الإسلام والوحي قد انقطع فإذا رأى الإنسان في منامه ما يمتنع شرعًا فإنه من الشيطان. كذلك القسم الثالث من الحلم ما يريه الشيطان للإنسان في منامه لأجل أن يحزن وهذا كثير جدًّا، ودواء هذا ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ وَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَمِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى الْجَنْبِ الْآخَرِ، وَلَا يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ هَذَا الْحُلْمُ» عرفتم؟ طيب، فصار ما يريه الشيطان النائم إما ممتنعًا عقلًا وإما ممتنعًا شرعًا، وإما لأجل الحزن وإدخال الهَمِّ والغَمِّ على الرائي؛ لأن الشيطان حريص على ما يؤذي الإنسان. أما القسم الثالث من أقسام الرؤيا فهو ما يُحَدِّث الإنسان به نفسه في اليقظة؛ فإنه لشدة تعلق نفسه به قد يراه في منامه، وهذا كثير أيضًا، وقد قال العامة: إن رؤيا أهل نَجْد حديث قلوبهم، أقولها باللغة العامية يعني يرون ما تتحدث به نفوسهم، وهذا شيء كثير يوجد، وقد حدثني بعض الناس أنهم كانوا إذا رَأَوْا رؤيا تقع على حسب ما رَأَوْا تمامًا إما في نفس اليوم أو بعد أيام قليلة، ويقولون: أن هذا الشيء مطرد لا نرى رؤيا إلا وقعت كما رأيناها، لا يَرَوْنها على سبيل المثل، بل يرونها هي مباشرة، وهذا شيء عجيب يعني حتى إن بعضهم يتأذى إذا رأى شيئًا يكره ثم وقع على حسب ما رأى، لكن على كل حال هذا شيء نادر، والنادر لا حكم له، فالحاصل أن الرؤيا في المنام تنقسم إلى ثلاثة أقسام، والقسم الذي من الشيطان ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام. (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَابما أتيت به مما أمكنك من أمر الذبح أي: يكفيك ذلك فجملة ناديناه جواب (لما) بزيادة الواو) وهذا سبق البحث فيه وبيَّنَّا أن الصحيح أن الواو ليس زائدة، ولكنها عاطفة على مُقَدَّر مناسب للمقام؛ لأن الواو من حروف المعاني وتفيد فائدة لا نستفيدها إذا قلنا بزيادتها، وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يكون زائدًا. قال: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَكما جازيناك نَجْزِي الْمُحْسِنِينَلأنفسهم بامتثال الأمر بإفراج الشدة عنهم). إِنَّا كَذَلِكَأي: مِثْل جزائنا إياك نجزي المحسنين؛ وذلك بإزالة الشدة عنهم إذا فعلوا ما أُمِرُوا به، وشاهد هذا قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣]، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤]، فهاتان آيتان تدلان على أن الإنسان كلما اتقى الله زالت عنه الهموم وفُرجت عنه. وقوله: الْمُحْسِنِينَيشمل الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، أما الإحسان في عبادة الله فقد فَسَّره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» . وأما الإحسان في معاملة الخلق فقيل فيها: إنها بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه؛ بذل الندى يعني بذل المعروف القولي والفعلي والمالي والجاهي، هذا بذل الندى. كف الأذى معروف؛ أن تكف أذاك عن الناس أو أذاك للناس بالقول أو بالفعل. وطلاقة الوجه ألا تكون عبوسًا، بل تكون دائمًا منشرح الصدر مستنير الوجه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائمَ البشر كثير التبسم، والإنسان إذا كان كذلك يبقى هو نفسه مسرورًا منشرح الصدر دائمًا، وكذلك يكون مَنْ يقابله مسرورًا منشرح الصدر ولا بأس إذا وُجِدَ سبب حقيقي للعبوس وكانت المصلحة تقتضيه لا بأس أن يقوم به الإنسان لكن بشرط ألا يكون ممنوعًا شرعًا، فلو عبَّس الإنسان في وجه إنسان جاء يطلب الخير والحق وانشرح لآخرين لا يريدون ذلك فهذا لا يجوز له، ولهذا عاتب الله النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك في قوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس: ١، ٢] إلى آخره، لكن إذا كانت الحال تقتضي ذلك بكون هذا الرجل لو أنك استبشرت في وجهه وأطلقت وجهك له زاد عُتُوًّا ونفورًا وطغيانًا، فإن الأولى ألا تريه انشراحًا. طيب، يقول: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٥] (إِنَّ هَذَاالذبح المأمور به، لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُأي الاختبار الظاهر) فهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: أولهما: (إِنَّ)، والثاني: اللام، بل الثالث؟ طالب: قسم مقدر. الشيخ: ضمير الفصل، ما فيها قسم مقدر، لكن فيها ضمير الفصل. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٦] ولا شك أن الأمر -كما قال ربنا عز وجل- أنه بلاء مبين اختبار عظيم ظاهر أن أُمِرَ بذبح ابنه الذي فيه هلاكه وموته على يده، والواحد منا قد لا يطيق الصبر على موت ابنه الذي جرى بفعل الله عز وجل، فكيف يصبر على أن يذبح ابنه بيده؟ ولهذا قال الله: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٦] قال: (أي الاختبار الظاهر) ففسر المؤلف الْمُبِينُهنا بأيش؟ بالبين، ولكن يحتمل أن يكون المراد به الْمُبِينُالمظهر يعني الذي أظهر حقيقة إبراهيم عليه الصلاة السلام، وأنه يُقَدِّم محبة الله على ما يحب، قال أهل العلم: ولهذا جعله الله تعالى خليلًا له، والخُلَّة هي أعلى أنواع المحبة حيث قَدَّم عليه الصلاة والسلام ما يحبه الله على ما تحبه نفسه. (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ [الصافات: ١٠٦، ١٠٧] أي المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحاق قولان بِذِبْحٍبكبش عَظِيمٍمن الجنة وهو الذي قربه هابيل جاء به جبريل عليه السلام فذبحه السيد إبراهيم مكبِّرًا) فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍفدينا مَنْ؟ الذبيح علشان نأخذ بالقولين، الذبيح يعني الذي أُمِرَ بذبحه أي: جعل الله له فداء، فنُقِلَ الأمر من ذبح هذا الولد إلى ذبح أيش؟ طلبة: الكبش. الشيخ: الكبش؛ لأن الشيء الذي يقع فداء للشيء يكون بدلًا عنه ونائبًا منابَه، فانتقل الأمر من ذبح هذا المولود إلى ذبح الكبش فصار فداء له. وقوله: (بكبش عظيم) الكبش هو الكبير من الضأن يعني الكبير الجسم، وزيد في ذلك قوله: عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٧] يعني أنه من عظيم الكباش، ثم ما هذا الكبش؟ يقول المؤلف: (إنه الذي قربه هابيل) كيف قربه هابيل؟ هابيل أخو قابيل وكان قد قَرَّب قربانًا فتقبل منه وقَرَّب قابيل قربانًا فلم يتقبل منه فحَسَدَه قابيل وقال له: لأقتلنك، قال له هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين، يعني: فلو اتقيت الله لقُبِلَ منك، والقصة معروفة في ابني آدم عليه الصلاة السلام، ولكن ما قاله المؤلف دعوى تحتاج إلى دليل وليس فيه دليل من الكتاب والسنة، بل إن الدليل على خلافها؛ لأن القربان الذي تقرب به هابيل لا يتعين أن يكون كبشًا، ثم على فرض أنه كبش فإنه قد ذُبِحَ وأُكِلَ ولَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: ٣٧]، لكن هذا مما يأخذه بعض المفسرين عن الإسرائيليات، ولا يجوز أن يؤخذ عن الإسرائيليات مثل هذا الكلام؛ لأن هذا كلام يقطع بكذبه، وأخبار بني إسرائيل إذا كان يقطع بكذبها لا يجوز نقلها إلا على سبيل التكذيب لها. وأما قول المؤلف رحمه الله: (وهو إسماعيل أو إسحاق قولان) فالأمر كما ذكر، اختلف العلماء رحمهم الله مَنْ هو الذي أُمِرَ بذبحه هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ والصحيح أنه إسماعيل، بل إنه هو المتعين؛ لأن الأوصاف التي ذُكِرَت للذبيح ليست هي الأوصاف التي ذُكِرَت لإسحاق كما يظهر ذلك بالتأمل في الآيات؛ ولأن الله تعالى قال في هذه القصة بعد أن ذكر قصة الذبح قال: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات: ١١٢]، ولم يذكر ما جرى بعد هذه البشارة فتعيَّن أن يكون الذبيح هو إسماعيل، والله أعلم. طالب: الرؤيا ثلاثة أقسام، ما هي الثلاثة أقسام؟ الشيخ: إحنا ما ذكرناها؟ طالب: أنا ما فهمت. الشيخ: يفهمك مهند؟ طالب: ثلاثة أقسام: الأول المنام، ثم الرؤيا، ثم القسم الثالث، ما يحدث به الانسان نفسه مما يراه في المنام. الشيخ: الرؤيا التي من الله، والحلم الذي من الشيطان، وما يحدث الإنسان به نفسه (...)؛ الرؤيا من الله هي التي تكون حقًّا، وتكون في الغالب ضرب أمثال؛ ولهذا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثُلْمَةً في سيفه قبل غزوة أحد ورأى بقرًا تُنْحَر أَوَّلها عليه الصلاة والسلام بأن الثلمة في سيفه أن يُقْتَل رجل من أهله، وأما البقر التي تُنْحَر أن يقتل رجال من أصحابه ، ووقع الأمر كذلك، ولما رأى في يديه سوارين من ذهب نفخهما عليه الصلاة والسلام فطارا فأَوَّلَها بأنهما كَذَّابان يَدَّعِيَان النبوة ، وهذا هو الذي وقع في حياته عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا رؤيا الرجلين اللَّذَيْن دخلا السجن مع يوسف، ورؤيا أبيه يعقوب، كل هذه ضرب أمثال (...). وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍهذه؟ طالب: إي نعم. الشيخ: أخذنا الفوائد نكمل القصة ونأخذ الفوائد جميعًا. طالب: وقفنا على اختلاف العلماء في اسماعيل واسحاق. الشيخ: في أيش؟ طالب: وقفنا على اختلاف العلماء في اسماعيل واسحاق. الشيخ: قال المؤلف: (وَفَدَيْنَاهُأي: المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحاق قولان)، (أو) في كلام المؤلف ليست للشك، ولكنها للتنويع؛ أي: من العلماء من قال: أن الذبيح إسحاق، ومنهم من قال: إن الذبيح إسماعيل، ولكن القول الراجح أن الذبيح إسماعيل لعدة أوجه منها: ما سيأتي في كلام المؤلف في قوله: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَحيث قال المؤلف: (استدل بذلك على أن الذبيح غيره). ومنها: أن الله تعالى قال في إسحاق: بشرناه بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [الحجر: ٥٣]، وفي الذبيح قال: بَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١] وهذا غير هذا؛ لأن الذي وُصِفَ بالحلم هو الذي صبر على الذبح وتنفيذ أمر الله عز وجل. ومنها: أن الله وصف إسماعيل بأنه صادق الوعد وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ [مريم: ٥٤]، وهذا الوصف إنما يقال في أمر عظيم صدق به الإنسان، والوعد الذي وَعَد هو قوله لأبيه: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَوقد وَفَّى بذلك. ومنها أيضًا: أن الله تعالى وصف إسماعيل بأنه من الصابرين، ولم يصف بذلك إسحاق فقال تعالى: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء: ٨٥]، ولم يذكر إسحاق ولم يصف إسحاق بالصبر، ومعلوم أن الصبر الذي صبره إسماعيل هو الصبر الذي يستحق أن يُثْنَى به عليه؛ لأنه صبر عظيم. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى بَشَّر بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقال: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١]، ولو كان إسحاق هو الذي أُمِرَ بذبحه لكان هناك تناقض؛ لأنه كيف يؤمر بذبحه وقد بُشِّر بابن له أي: بإسحاق؛ لأن يعقوب ابن إسحاق، فإذا كان قد بُشِّر بأن له ولدًا اسمه يعقوب فلا يليق أن يؤمر بذبحه. وقد يقول قائل: إنه بُشِّر بيعقوب باعتبار المآل؛ لأنه إذا نسخ وجوب الذبح بقي هذا الولد ورزق ولدًا، فيقال: نعم هذا يمكن أن يرد به، لكن تفوت البشارة عندما يُؤْمَر بالذبح تكون البشارة بيعقوب قد انتفت في تلك الحال، ومن المعلوم أن الإنسان المُبَشَّر بالشيء لا يمكن أن يزعج بضده، إذا أُزْعِجَ بضده انقلبت البشارة سوءًا. هذا خمسة أوجه كلها تدل على أن الذبيح إسماعيل. الوجه السادس: قوله هنا: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ [الصافات: ١١٢] بعد أن ذكر قصة الذبح كاملة، ولا يمكن أن يكون في القرآن تكرار. السابع: أن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق للأم وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَولم يذكر ذلك في إسماعيل. الثامن: أن الله تعالى قال في إسحاق: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَوإذا كان قد بُشِّرَ بأنه نبي فإنه لا يليق ولا يسوغ أن يأمر بذبحه بعد أن بشر بنبوته. هذه ثمانية أوجه كلها تدل على أن الذبيح هو إسماعيل. التاسع: أنه روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» يعني إسماعيل وأباه عبد الله بن عبد المطلب، فإن صحَّ هذه الحديث فهو أيضًا دليل واضح على أن الذبيح إسماعيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من ذرية إسماعيل ولم يكن من ذرية إسحاق، بل كان من ذرية إسماعيل. طيب، ربما يأتينا أوجه أخرى تؤيد أن الذبيح كان إسماعيل. قال المؤلف رحمه الله: (بِذِبْحٍبكبش عَظِيمٍمن الجنة وهو الذي قَرَّبه هابيل جاء به جبريل عليه السلام فذبحه السيد إبراهيم مكبِّرًا) تقدم أن هذا قول ليس عليه دليل صحيح، وأن هذا الفداء كان من بهيمة الأنعام الموجودة في وقته، وليس هناك دليل على أنه من الجنة ولا على أن في الجنة كباشًا فالصواب أنه ذبح من ذبح الدنيا أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأن يذبحه، وظاهر الآية الكريمة أنه ذبحه فداء عن إسماعيل، ويجوز أيضًا أن يكون مع الفِداء شكرًا لله سبحانه وتعالى على نعمته بهذا البلاء المبين. قال: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَتَرَكْنَاقال المؤلف: (أبقينا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَثناء حسنًا سَلَامٌمنا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) أفادنا المؤلف رحمه الله أن الترك هنا بمعنى الإبقاء، وأن مفعوله محذوف تقديره ثناء حسنًا، وهذا أحد القولين في المسألة، والقول الثاني أن المفعول لـتَرَكْنَاهو قوله: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَيعني أن الله ترك عليه في الآخرين السلام أي أن يسلم من الثناء القبيح، ورجح هذا ابن القيم رحمه الله في كتابه جلاء الأفهام، وقال: إن مفعول تَرَكْنَاهو الجملة في قوله: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَهذا هو الذي ترك؛ ولهذا يثنى عليه إلى يوم القيامة، ويقال: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، كما يقرأ في القرآن الكريم صفاته التي يثنى بها عليه. وقوله: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَالسلام يعني السلامة من النقائص والعيوب التي تعتري البشر، ومن الثناء القبيح الواقع عليه من غيره؛ ولهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان الناس كلهم يفخرون بالانتساب إليه حتى اليهود قالوا: نحن على ملة إبراهيم والنصارى قالوا: نحن على ملة إبراهيم، قال الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: ٦٧]. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠] (لأنفسهم). إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَالجملة هذه استئنافية يُقْصَد بها الثناء على إبراهيم بغاية ما يُثْنَى به وهو الإيمان والعبودية، العبودية في قوله: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا، والعبودية هنا العبودية الخاصة بل خاصة الخاصة؛ لأن العبودية تنقسم إلى قسمين عامة مثل. طالب: مثل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]. الشيخ: لا. الطالب: مثل إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر: ٤٤]. الشيخ: إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِطيب، وخاصة؟ الطالب: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]. الشيخ: نعم، الخاصة هذه أيضًا فيها ما هو خاص فيه شيء من العموم، وفيها أيضًا ما هو أخص وهي عبودية الرسالة كقوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١] وكلما كان أخص فهو أكمل وهل الأخص ينافي الأعم؟ لا، لأن الربوبية الخاصة أو العبودية الخاصة في ضمن الربوبية العامة أو العبودية الخاصة فكل من كان عبدًا لله بالمعنى الخاص فهو عبد له بالمعنى العام ولا عكس يعني ليس كل من كان عبدًا لله بالمعنى العام يكون عبدًا له بالمعنى الخاص. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَبَشَّرْنا إبراهيم بإسحاق يعني: أعلمناه به على وجه يُسَرُّ به بعد البشارة الأولى بإسماعيل؛ ولهذا كان إسماعيل أكبر من إسحاق عليهما الصلاة والسلام. قال: (استدل بذلك على أن الذبيح غيره) ووجه الاستدلال أن هذه البشارة وقعت بعد قصة الذبح واستكمالها قوله: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّاحال مقدرة أي يوجد مقدرًا نبوته). قوله: بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَأي: بولادته ووجوده، نَبِيًّاحال من إسحاق، وهل الحال هذه حال مقدرة أو حال واقعة؟ أفاد المؤلف بأنها حال مقدرة لكن لما كانت أمرًا واقعًا لا محالة وُصِفَ بها حال البشارة وإلا فإنه حال البشارة ليس بنبي؛ إذ إنه صغير، ولكن سيكون نبيًّا ولما كان هذا أمر محققًا جُعِلَ كأنه حال واقع وأمر واقع. وقوله: مِنَ الصَّالِحِينَأي: القائمين بحق الله وحق عباده. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ [الصافات: ١١٣] أي: على إبراهيم (بتكثير ذريته) وَعَلَى إِسْحَاقَابنه (ولده بجعلنا أكثر الأنبياء من نسله) صح، بارك الله على إبراهيم حيث جعل في ذريته النبوة والكتاب، كل الأنبياء بعد إبراهيم من نسله، وعلى إسحاق أيضًا؛ لأن أنبياء بني إسرائيل كلهم من نسل إسحاق، ليس من نسل إسماعيل نبي إلا واحد وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌمؤمن وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِكافر مُبِينٌبَيِّن الكفر) مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَاأي: ذرية إبراهيم وإسحاق. مُحْسِنٌأي: قائم بحق الله عز وجل وحق عباده، ومنهم ظَالِمٌ لِنَفْسِهِبارتكاب المعاصي والعدوان على الحق وعلى الخلق. مُبِينٌأي: بَيِّن الظلم كما قال المؤلف، وعلى هذا فهي من (أبان) اللازم، ويجوز أن تكون من (أبان) المتعدي، ويكون المعنى مُظْهِر لظلمه، والواقع أن ذرية إسماعيل وإسحاق يتصفون بهذا الوصف، ظالم ومحسن؛ ولهذا لما قال إبراهيم حين قال لهم الله عز وجل: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] كان في قوله تعالى: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَإشارة أنه سيكون من ذرية إبراهيم مَنْ هو ظالم لا يستحق أن يكون إمامًا في دين الله عز وجل. قال: وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤] بالنبوة) وموسى وهارون من ذرية إسحاق، وأكد الله مِنَّته عليهما باللام و(قد) والقسم المقدر. والمنة هي العطاء بلا ثمن، العطاء بلا ثمن يُسَمَّى منة، وأعظم عطاء يعطيه الله للإنسان هو النبوة. ولهذا قال: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَقال المؤلف: (بالنبوة، وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَابني إسرائيل مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ[الصافات: ١١٥] أي: استعباد فرعون إياهم)، فذكر الله مِنَّتَه على موسى وهارون بالنبوة ثم بنجاتهما وقومهما من الكرب العظيم، وما هو الكرب؟ يحتمل أنه الهلاك كما سبق في نظيرها، ويحتمل أنه ما لحقهما من الشدة من فرعون، فإن فرعون استعبد بني إسرائيل وصار يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فأحيانًا يذبحهم ذبحًا كالغنم، وأحيانًا يقتلهم قتلًا إما بأحجار أو بغيرها، المهم أنه كان يؤذيهم أشد إيذاء يسومهم سوء العذاب، ولا شك أن هذا سيكون فيه كرب عظيم على هؤلاء القوم، فنجاهم الله سبحانه وتعالى من ذلك فذكر الله مِنَّتَهُ عليهم به. قال: (وَنَصَرْنَاهُمْ [الصافات: ١١٦] على القبط، فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ) نَصَرْنَاهُمْالضمير يعود على موسى وهارون وقومهما، ثلاثة، نصرناهم على عدوهم وأعظم انتصار ما حصل في النهاية؛ حيث أُمِرَ موسى عليه الصلاة والسلام أن يخرج من مصر فاتجه إلى البحر الأحمر ولما بلغه أُمِرَ بضربه فضربه فانفلق، فخرج موسى وقومه سالمين ودخل فرعون وقومه فهلكوا، حتى أراهم الله سبحانه تعالى جُثَّة فرعون فوق الماء ليطمئنوا بموته ويتيقنوا ذلك؛ ولهذا كان ذلك نصرًا لهم. وقوله: فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَالْغَالِبِينَفي النهاية وإلا فإن أول الأمر كان فرعون قد سامهم سوء العذاب، لكن العبرة بالنهاية، والنهاية أنهم غَلَبُوا؛ لأن الله عز وجل يقول في آل فرعون: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] يعني الأمر كذلك مؤكد وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَوهؤلاء القوم هم بنو إسرائيل كما في آية الشعراء وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ٥٩]، فهذا من النصر العظيم أن الله تعالى يورث هؤلاء القوم الذين استضعفوا في الأرض يورثهم أرض هؤلاء العتاة الطغاة الفراعنة بكل سهولة. في قوله: فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَإشكال لأن هم ضمير والغالبين منصوب فكيف ينصب الخبر؟! الطالب: ضمير فصل. الشيخ: ضمير فصل؟ وإذا كان ضمير فصل؟ الطالب: الْغَالِبِينَخبر كان. الشيخ: خبر (كان) إي نعم، وضمير الفصل؟ الطالب: ما له محل من الإعراب. الشيخ: ما له محل من الإعراب، طيب. طالب: قول المؤلف: (السيد إبراهيم) (...). الشيخ: ليس له وجه في الواقع الحقيقة أن هذا كنت بأعلق عليه لكن نسيت، الواقع أن تسميته بالسيد فيه نظر لو أنه قال: إبراهيم أو الخليل أو الرسول، أما السيد في هذا المقام ما ورد ولا شك أن إبراهيم عليه الصلاة السلام سيد من سادات الخلق لكن كوننا نعبر عنه بهذا الوصف عند ذكره وندع وصفه بالرسالة أو العبودية أو ما أشبه ذلك فيه نظر. طالب: بالنسبة لقوله تعالى: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَليش ما قال: سلام الله؟ الشيخ: ما إعراب سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ؟ طالب: مبتدأ. الشيخ: سَلَامٌمبتدأ، وعَلَى إِبْرَاهِيمَخبر، طيب. طالب: النكرة يمكن أن تكون مبتدأ؟ الشيخ: يقول: النكرة هل يمكن أن تكون مبتدأ؟ طالب: تكون مبتدأ. الشيخ: طيب، لا تكون ولَّا تكون؟ طالب: تكون. الشيخ: ابن مالك يقول:

وَلَا يَجُـــــوزُ الِابْتِــدَا بِالنَّـــكِرَةْ

....................

طالب: (...) يقدم. الشيخ: ما قدم هنا؟ الطالب: يجوز. الشيخ: يجوز الابتداء بالنكرة. الطالب: إذا أفادت العموم أو الخصوص. الشيخ: إذا أفادت، ولهذا قال ابن مالك:

........................

مَا لَمْ تُفِدْ.................

فهنا أفادت، أما إذا جعلناها من قول الناس يقولون: سلام على إبراهيم كما اختاره ابن القيم فالفائدة منها أنها من باب الدعاء. طالب: (...). الشيخ: لا، من قول الناس، وأما على رأي المؤلف (سَلَامٌمنا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فهي خبر محض؛ لأن الله سبحانه لا يدعو؛ لأنه هو الذي يُدْعَى، ولكن جاز الابتداء بالنكرة؛ لأنها مفيدة. طالب: كثير من (...) يذكرون قصص الأنبياء يقولون اسم النبي من غير عليه السلام؟ الشيخ: ما فيها شيء، لكن الأفضل أن يقول: عليه السلام أو صلى الله عليه وسلم، هذا هو الأفضل، ويثاب الإنسان على هذا، لكن بعض الناس تأخذه العجلة. طالب: وصف غير الأنبياء بالصلاة والسلام فيقال: كذا عليه السلام أو صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: وصف غير الأنبياء بالسلام ولَّا بالصلاة؟ الطالب: بالصلاة والسلام. الشيخ: بالسلام يجوز، (...) السلام عليك. الطالب: (...). الشيخ: أما بالصلاة على غير الأنبياء فإن كانت تبعًا فهي جائزة بالنص والإجماع (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد) إن كان تبعًا فهذا جائز، وإن كان استقلالًا فإن كان لسبب جاز ذلك أيضًا خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٣] فإذا كان هذا السبب الذي جاؤوا به مما أمر بالصلاة عليهم بسببه صلينا عليهم، وإن كان لغير سبب فإن اتخذ شعارًا لهذا الشخص كلما ذُكِرَ قيل صلى الله عليه أو عليه السلام فإن أقل أحواله الكراهة وإن لم يُتَّخَذ شعارًا فالصحيح فلا بأس به. طالب: (...) علي بن أبي طالب. الشيخ: علي بن أبي طالب يتخذه الرافضة شعارًا. الطالب: حتى الناس. الشيخ: لا مهو بحتى الناس عندنا لا نعرف إلا أنهم يقولون: علي رضي الله عنه. طالب: أو كرم الله وجهه. الشيخ: هو يسأل عن السلام يا إخواني، ليش تنقلونا لمسألة ثانية؟ يسأل عن السلام والصلاة، أنا ما عمري سمعت أحدًا من الناس يقول: علي عليه الصلاة والسلام إلا الرافضة، وأما (علي كرم الله وجهه) فكذلك أيضًا الظاهر أنه مِنْ وَضْعِ الرافضة، ولا شك أن قولنا: (علي رضي الله عنه) أفضل بكثير من (عليه السلام) ومن (كرم الله وجهه)؛ لأن رضا الله هو أعلى نعيم في الجنة كما قال تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢] والسلام عليه معناها السلامة من الآثام فهي صفة سلبية، أما هذه فهي صفة إيجابية الرضوان لكن لجهلهم صاروا يقولون: عليه السلام، أو لأجل أن يمتاز علي بن أبي طالب رضي الله عنه بصفة لا يشاركه فيها أحد أو لتحقيق ما يدعيه بعض الرافضة من أن عليًّا كان هو النبي وأن جبريل -والعياذ بالله- خان الأمانة ونزل بالوحي إلى محمد، ولا غرابة أن يقولوا هذا كما قالوا: إن الصحابة خانوا ونكثوا عهد النبي عليه الصلاة والسلام فإنه أوصى إلى علي بن أبي طالب بالخلافة وهم ظلموه، ولهذا يستبيحون لعن أبي بكر وعمر ويقولون في دعواهم: إنهم ظلمة، ولعنة الله على الظالمين، فيستبيحون -والعياذ بالله- لعن خير الأمة بهذا الشبهة الباطلة. على كل حال لسنا بصدد الكلام عن الرافضة وعن بدعهم وعن ما هم عليه، لكن نحن نقول: إن تخصيص علي بن أبي طالب بـ(عليه السلام) أو (عليه الصلاة والسلام) أو (كرم الله وجهه) هذا نقص، فإن رضى الله عنه أكمل من هذا كله -رحمك الله- إذا رضي الله عنه فهذا أكبر ما يكون من الثواب كما قال الله تعالى: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ.


الطالب: وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: ١١٧ - ١٢١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا. من فوائد هذه الآية وما بعدها: إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله وَنَادَيْنَاهُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، وأنه بصوت؛ لقوله: وَنَادَيْنَاهُ، وبحرف؛ لقوله: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.. إلى آخره. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية شهدت لما دلَّ عليه الحديث الصحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ» ، فإن أشد كرب وقع لإبراهيم بالنسبة لهذه القضية ما حصل منه حين تَلَّ ابنه على جبينه ليذبحه، فما تصورنا لهذا الحال؟ إنه لكرب عظيم، وفي هذا الكرب العظيم جاء الفرج من الله عز وجل: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، فالفرج يكون مع الكرب، وكلما اشتد الكرب والتجأ الإنسان إلى ربه كان الفرج إليه أسرع. ومن فوائد هذه الآية: أن فيها شاهدًا للحديث الصحيح أن الإنسان إذا قصد العمل وسعى به كُتِبَ له أجره لقوله: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَامع أنه لم يذبح لكنه فعل ما أُمِرَ به ولم يبق إلا أن يُنَفِّذه. وما هو الحديث الذي تشهد له هذه الآية؟ أولًا: ما ثبت في الصحيح في قصة الرجل الذي قال: لَيْتَ لي مثل ما لفلان فأعمل فيه ما عمل فلان ، وكان ينفق ماله في الخير، وكذلك في قصة الرجلان يقتتلان كلاهما يدخل النار فقيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصُا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» فإذا كان مَنْ فعل السيئة ولم يُتِمَّها يؤزر عليها، فمَنْ فعل الحسنة ولم يُتِمَّها من باب أولى أن يُؤْجَر عليها. ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبادة ما أمر الله به وإن كانت في غير هذا الموضع معصية، فإن قتل الابن من أكبر الكبائر فإذا أَمَر الله به صار طاعة ومن أفضل الطاعات؛ لأن تنفيذه مِنْ أشق ما يكون على النفس فإذا نَفَّذَه الإنسان مع قوة الداعي لمنعه كان ذلك أفضل وأكمل، وهل لهذا نظير؟ الجواب: نعم، له نظير، فالسجود لغير الله شرك، ولما أمر الله به الملائكة أن يسجدوا لآدم صار السجود لآدم طاعة، فالحاصل أن العبادة ما أمر الله به وإن كان جنسها قد يكون معصية في موضع آخر. ومن فوائد الآية الكريمة: العمل بالرؤيا إذا كانت صالحة، ولكن هل هذا في كل رؤيا؟ والجواب أن رؤيا الأنبياء فَنَعَمْ..