تفسير سورة الصافات - ١٢
درس صوتي · ٩٠:٣٨
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
إثبات الجزاء المتسبب على العمل في قوله: فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات: ١٢٧]. ومن فوائدها: إهانة هؤلاء وأمثالهم، حيث قال: لَمُحْضَرُونَولم يقل: لنحضرهم، ولكنه في آية أخرى قد يضيف العقوبة إلى نفسه عز وجل، مثل قوله تعالى: ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا [مريم: ٦٨]. ومن فوائد الآيات: في قوله: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٢٨] بيان أن العباد المخلصين لا ينالهم عذاب هؤلاء، لكن في الآخرة قطعًا، وفي الدنيا فإنه يوشك أن يعم الله تعالى الصالح والفاسد بالعذاب، ولا سيما إذا قصر الصالح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فـ«إِنَّ النَّاس إِذَا رأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ» . ومن فوائد الآية الكريمة -أعني قوله تعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ-: الثناء على هؤلاء الذين اتبعوا الرسل بكونهم عبادًا لله ومخلصين. ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات: ١٢٩، ١٣٠] بيان أن الله سبحانه وتعالى يجازي المحسن بالإحسان حتى بعد موته؛ لقوله: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، والواقع شاهد بذلك، فإن أئمة الإسلام أبقى الله عليهم ثناء حسنًا في الآخرين وصد كل لسان يقدح فيهم، فجعل فيهم الثناء، وسلمهم من القدح. قال: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات: ١٣١، ١٣٢] يستفاد منها ما سبق في قصة موسى وهارون.
تفسير الآيات (١٣٣-١٣٨)
٠٠:٠٢:٣٧
ثم قال تعالى: وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٣٣]. في هذه الآية وما بعدها من الآيات في القصة أن لوطًا عليه الصلاة والسلام كان من الرسل، وقد مر علينا في التفسير أنه أرسل إلى قوم يأتون الفاحشة، وهي إتيان الذكران من العالمين، ويتركون ما خلق الله لهم من الأزواج. ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الرب عز وجل بالقضاء على سفاسف الأخلاق؛ لأن فاحشتهم هذه أوجبت أن يرسل الله إليهم رسولًا لدحضها والقضاء عليها. ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ [الصافات: ١٣٤] أن الله سبحانه وتعالى ينجي الذين اتقوا بمفازتهم، وأن الله نجى لوطًا وأهله إلا امرأته، ويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان المؤمن أن يغلب جانب الرجاء إذا كان قد قام بحق الله، وذلك حيث نجى الله سبحانه وتعالى المؤمنين المخلصين من عباده من عقوبة المكذبين المستكبرين. ومن فوائد هذه الآيات: أنه قد تكون المرأة الكافرة تحت الرجل المؤمن من غير أن يعلم بها؛ لقوله: إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥] وقد بين الله سبب ذلك -أي سبب وقوع العذاب فيها- بأنها كانت قد خانت زوجها بالكفر من غير أن يعلم. ويتفرع على هذه الفائدة أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد أهله، وأن يتحرى، وأن يسبر أمورهم حتى لا يقع في الخيانة، سواء كانت خيانة عرض أو خيانة دين. ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ [الصافات: ١٣٦] التحذير من أن يفعل الإنسان كفعل هؤلاء فيدمَّر، وتدمير قوم لوط حسي، ولكن ربما يدمر مَن شابههم تدميرا معنويًّا، وقد يدمر تدميرًا حسيًّا، فيرسل الله مثلًا عليهم الصواعق والبرد وغير ذلك مما يدمرهم، لكن التدمير المعنوي محقق، وبماذا يكون التدمير المعنوي في هذه الفاحشة؟ بانقلاب الذكور إناثًا؛ لأن هؤلاء المفعول بهم -والعياذ بالله- يكونون كالمرأة تمامًا، هو نفسه يطلب الرجال ويتتبعهم لعلهم يفعلون به والعياذ بالله؛ لأنه انقلب وصار كالمرأة تمامًا، ولا شك أن هذا تدمير للرجولة وقلب للمجتمع. ومن فوائد هذه الآيات: في قوله: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ [الصافات: ١٣٧] الإشارة إلى أن الإنسان إذا رأى الشيء بعينه كان ذلك أقوى يقينًا مما إذا أخبر به؛ لقوله: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَوتشاهدون آثارهم، وهذا يسمى حق اليقين، والخبر به يسمى علم اليقين. قال: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] قد يقال: في هذا دليل أو إشارة على أن السير في الصباح أحسن منه في آخر النهار؛ لقوله: مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِهذا إن قلنا: إن المراد بالإصباح الوقت الخاص، وهو أول النهار، أما إذا قلنا: إن المراد بالإصباح كل النهار، وأنه عبر بالبعض عن الكل كما أشار إليه المؤلف فليس في ذلك دليل. ومن فوائد هذه الآية: جواز المسير بالليل، وجه ذلك أن الله أقرهم فقال: وَبِاللَّيْلِ، ولكن هذه الفائدة فيها نظر؛ لأن الله تعالى يتحدث عن فعل هؤلاء المكذبين، فقد يقال: إن المراد بيان إقامة الحجة، لا إقرارهم، ولكن السنة قد دلت على جواز المشي في الليل. ومن فوائد الآية الكريمة: النداء على من لم يتعظ بالسفه وعدم العقل؛ لقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٨]. ومن فوائدها: أن العقل حقيقة هو ما أرشد صاحبه إلى فعل الخير وترك الشر، وليس العقل هو الذكاء، فالعقل شيء والذكاء شيء آخر، وكل من كان مكذبًا للرسل مستكبرًا عما جاءوا به فإنه ليس بعاقل، حتى وإن كان من أدهى الناس، أليس كذلك؟ نعم الإنسان المكذب للرسل المستكبر عما جاءوا به ليس بعاقل، وإن كان ذكيًّا، حتى وإن كان ذا شرف وجاه فإنه ليس بعاقل؛ لقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ، وقد قال الله مثل هذا في بني إسرائيل الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب فقال: أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]. والله الموفق. طالب: (...) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ [الصافات: ١٣٥] هل هو قدح فيها (...)؟ الشيخ: يعني هل قال ذلك من باب القدح فيها والعيب أو لبيان حقيقتها؟ أما بالنسبة لعرفنا الآن فإنها تعتبر قدحًا، ولكن الظاهر أنها في لغة العرب ما تعتبر قدحًا؛ لأنه يقال: شيخ ويقال: عجوز، ولا يعدون ذلك قدحًا، لكن عندنا يعتبر قدحًا في العرف. طالب: (...) فِي الْغَابِرِينَ؟ الشيخ: إي نعم فِي الْغَابِرِينَفي الباقين في العذاب؛ لأنه هو أمر أن يخرج من القرية إلا امرأته.
تفسير الآيات (١٣٩-١٤٨)
٠٠:١٠:٣٣
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ [الصافات: ١٣٩ - ١٤٩]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: الأول (إن) والثاني اللام، وسبب التأكيد أن إثبات الرسالة أمر ينكره كثير من الناس، والشيء الذي ينكر يجب أن يؤكد بما يدل على ثبوته، سواء كان ذلك عن طريق التأكيد اللفظي بأدوات المؤكدات، أو عن طريق التأكيد المعنوي بذكر الآيات والشواهد الدالة على ثبوته، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد ثبتت رسالتهم بالنوعين؛ أي بالتوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي، فأيدهم الله تعالى بالآيات الكونية والشرعية، وأيد الله رسالتهم بالمؤكدات اللفظية؛ كما في هذه الآية، قال: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَيعني لمن القوم الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده، ولم يبين إلى من أرسل، لكن قد ذكر في آيات أخرى أنه أرسل إلى قومه، وكذلك صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل نبي يُبعَث إلى قومه خاصَّةً إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه بُعث إلى الناس عامة ، ويونس هو أحد أنبياء بني إسرائيل، أرسله الله تعالى إلى قومه، وسيأتي إن شاء الله بيان قصته هنا، ثم قال: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. إِذْ أَبَقَقال المؤلف: (هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِالسفينة المملوءة حين غاضبَ قومه) إلى آخره، قوله: إِذْ أَبَقَيحتمل أن تكون (إذ) متعلقة بالمرسلين، أي: لمن المرسلين في هذه الحال، أي أن إباقه لم يسلبه الرسالة، ويحتمل أنها متعلقة بمحذوف وتقديره: اذكر إذ أبق إلى الفلك المشحون، وهذا أحسن أن تكون متعلقة بمحذوف؛ لأنه لما أثبت رسالته بين حالًا من حالاته، وهو إباقه عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فنقول: إِذْ أَبَقَليست متعلقة بالمرسلين؛ لأن رسالته كانت قبل أن يأبق، لكن متعلقة بمحذوف، التقدير: اذكر إذ أبق، والإباق هو الهرب، وكأنه عليه الصلاة السلام خرج مسرعًا لأنه خرج مغاضبًا لقومه حين لم يؤمنوا ولم ينزل بهم العذاب. قال: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، الفلك يعني السفينة، وهي مراكب الماء، وقد أنعم الله على العباد بالفلك تجري في البحر بأمره تحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، وامتن الله بها على العباد وعظمت منته في عصرنا الحاضر، فإن الفلك في عصرنا الحاضر ليس كالفلك فيما سبق، الفلك فيما سبق كان على الشراع والهواء، وكان له معوقات، وكان فيه مخاطر عظيمة، أما الفلك الآن فعلى العكس من ذلك، ومنَّ الله أيضًا بالفلك على عباده في عصرنا الحاضر بأن تنوعت هذه الفلك فصارت فلكًا مائيًّا وفلكًا بريًّا وفلكًا هوائيًّا، الفلك الهوائي الطائرات، والبري السيارات، والمائي السفن، وكل هذا داخل في قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: ١٢، ١٣]. وقوله: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِقال المؤلف: (السفينة المملوءة) يعني الْمَشْحُونِبمعنى المملوء من الركاب، فركب البحر (مغاضبًا لقومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به، فركب السفينة فوقفت في لجة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة) هكذا قال المؤلف رحمه الله: إن السفينة وقفت في لجة البحر وإن وقوفها كان بسبب إباق يونس فقال الملاحون، وهم قواد السفينة: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة، ولكن ما ذكره المؤلف ليس عليه دليل، وهو من الإسرائيليات البعيدة، بل إن هذه السفينة المشحونة لما كانت في عرض البحر وهي مشحونة مملوءة وصارت في لجة البحر ثقل الحمل، وإذا ثقل الحمل فلا بد من أحد أمرين؛ إما أن يخفف الحمل وإما أن يغرق الجميع، ولا شك أن تخفيف الحمل أولى من غرق الجميع؛ لأنه إذا خفف الحمل نجا من بقي، وإذا بقي الحمل على ما هو عليه غرق الجميع، وبقاء البعض أولى من هلاك الكل، وهذا أمر عقلي اقترعوا يعني ليس إلقاء بعضهم في البحر أولى من إلقاء الآخر، فلا سبيل حينئذ إلى التخلص من هذه المشكلة إلا بالقرعة فاقترعوا. فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١] اقترعوا أيهم الذي يلقى، ومن المعلوم أننا إذا علمنا من يلقى علمنا من يبقى، ولهذا قال الله عز وجل: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَساهم أي (قارع أهل السفينة) فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ(المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر)، وظاهر صنيع المؤلف رحمه الله أنه لم يلق أحد سوى يونس، ولكن الآية تدل على خلاف ما يدل عليه كلام المؤلف؛ لأن قوله: فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ(من) هنا للتبعيض، أي: بعضًا منهم، وهذا يدل على أن القرعة أصابته وأصابت غيره أيضًا، فالمسألة الآن واضحة، الفلك كان مملوءا، الفلك لا بد أن يغرق إلا أن يلقى بعض ركابه، إلقاء بعض الركاب أولى من هلاك الجميع، لا سبيل إلى إلقاء البعض على التعيين؛ لأننا لو عينا أحدًا دون أحد كان في ذلك ظلم، وامتنع من عيَّناه، وصار في هذا خصومة وربما غرقت السفينة في أثناء هذه الخصومة. إذن فما هو الطريق إلى تعيين من يلقى؟ هو القرعة. فاقترعوا فأصابت القرعة قومًا ونجا منها قوم، وكان يونس من جملة الذين أصابتهم القرعة فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَفألقي في البحر. قال الله تعالى: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُابتلعه وَهُوَ مُلِيمٌأي: آتٍ بِمَا يُلام عليه من ذهابه إلَى البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه) التقمه الحوت التقامًا، ولم يمضغه؛ لأنه لو مضغه لتكسر وهلك، لكن الله تعالى سخر له هذا الحوت فالتقمه التقامًا وابتلعه، حتى وصل إلى مقر بطنه دون أن يصيبه أذى، وقوله: وَهُوَ مُلِيمالجملة هنا في موضع نصب على الحال من الهاء في قوله: (التقمه)، لا من الفاعل في (التقمه)؛ لأن الفاعل من؟ الحوت، والحوت ليس بمليم، المليم: الملتقم. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌأي: يونس، ومعنى مُلِيمٌآتٍ بما يلام عليه، كما يقال: منجد لمن دخل نجدًا مثلًا، فمُفعِل قد تأتي بمعنى التلبس بالشيء، فالمليم هو الذي فعل ما يلام عليه، وما الذي يلام عليه؟ الذي يلام عليه أنه خرج من قومه مغاضبًا لهم قبل أن يأذن الله له، وكان الواجب أن يصبر، ولهذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القلم: ٤٨ - ٥٠]، المهم أن يونس عليه الصلاة والسلام التقمه الحوت في حال يلام عليها، ووجه ذلك أنت أيش وجه ذلك؟ طالب: أنه خرج مغاضبًا من قومه من غير إذن من ربه عز وجل. الشيخ: قال الله تعالى: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات: ١٤٢ - ١٤٤] (لولا) هذه ترد كثيرًا في القرآن وفي السنة وفي كلام الناس، فما هي؟ أقول: (لولا) تأتي لوجوه: الأول أن تكون حرف امتناع لوجود، يعني أنه امتنع جوابها لوجود شرطها: (لولا الله ما اهتدينا) انتفى عدم الهداية لوجود الله، وهذا كثير، يقال: حرف امتناع لوجود، لها عديلتان: (لو) و(لما)، فـ(لما) حرف وجود لوجود، و(لو) حرف امتناع لامتناع، فصار (لو) و(لما) و(لولا) كل واحدة منها تدل على شيء تشارك الأخرى، مثلًا (لو) حرف امتناع لامتناع، تقول: لو جاء زيد لأكرمته، ويش الممتنع؟ الإكرام لامتناع وجوده، وتقول: لما جاء زيد أكرمته، هذا حرف وجود لوجود، الذي وجد الإكرام لوجود المجيء، كذا؟ وتقول: لولا مجيء زيد لأكرمت فلانًا. حرف امتناع لوجود، ما الذي امتنع؟ إكرام فلان لوجود مجيء زيد. هنا فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَما الذي امتنع؟ اللبث لوجود التسبيح، لولا أنه أي يونس كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(الذاكرين بقوله كثيرًا في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) يعني لولا أنه كان من المسبحين بهذا اللفظ أو بغيره، وهذا أولى أن نقول بهذا اللفظ أو بغيره، يعني كان ممن يسبح الله إما قبل أن يلتقمه الحوت، أو في أثناء وجوده في بطن الحوت، لولا هذا لَلَبِثَ فِي بَطْنهأي في بطن الحوت إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(لصار بطن الحوت قبرًا له إلى يوم القيامة) ولكن لوجود التسبيح السابق أنجاه الله سبحانه وتعالى. ثم قال: فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ [الصافات: ١٤٥] النبذ بمعنى الطرح والإلقاء، هنا قال: فَنَبَذْنَاهُبصيغة الجمع، مع أن النابذ؟ طالب: النابذ هو (...). الشيخ: واحد طيب ولكن أتى بصيغة الجمع من باب التعظيم، وذلك لكمال صفاته عز وجل وكثرة صفاته عظم نفسه. فقال: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِأي: ألقيناه من بطن الحوت بِالْعَرَاءِبوجه الأرض، أي: بالساحل من يومه أو بعد ثلاثة أو سبعة أيام أو عشرين أو أربعين يومًا) نبذناه بالعراء، العراء وجه الأرض، والمراد به وجه الأرض الذي ليس فيه ما يظل من شجر ولا بناء، وسُمي عراء لعروه عما يكسوه من الأشجار والبناء، فالحوت لفظه على الساحل، فبقي عليه الصلاة والسلام على الساحل ليس عنده بناء ولا أشجار تظله، عراء، ولكن الله سبحانه وتعالى لطف به؛ لأن رحمة الله سبقت غضبه رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]. قال: وَهُوَ سَقِيمٌ. وأما قول المؤلف: إنه من يومه، أو بعد ثلاثة أيام، أو أربعة أيام أو سبعة أيام أو عشرين يومًا أو أربعين يومًا، فهذه أقاويل، وكلها ليس عليها دليل، لكن لا شك أن الله سبحانه وتعالى أبقاه في بطن الحوت ما شاء الله أن يبقى، وأما تعيين ذلك فلا بد فيه من دليل عمن قوله حجة، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك في مثل هذه الأمور فإنها لا تقبل. قال: (وَهُوَ سَقِيمٌعليل كالفرخ الممعط) قوله: (عليل) تفسير للسقيم، والسقم بمعنى المرض والعلة، وأما قوله: (كالفرخ الممعط) يعني المنتوف شعره، فهذا ليس في الآية ما يدل عليه، لكن لا شك أن المريض يكون ضعيف البدن ليس عنده قدرة على مقاومة الشمس والهواء، وقوله: وَهُوَ سَقِيمٌيدل بظاهره على أن يونس بقي في بطن الحوت مدة أدت إلى سقمه. يقول: وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦] (وهي القرع، تظله بساق، على خلاف العادة في القرع، معجزة له) أنبتنا عليه ولم يقل: أنبتنا له؛ لأنه الآن بحاجة إلى ظل، فأنبت الله عليه ظلًّا هذه الشجرة شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، (من) هذه لبيان الجنس، كما يقال: خاتم من حديد، واليقطين هو القرع، القرع أنواع في الواقع: منها قرع يسمى عندنا قرع نجد، هذا له شجر، وأشجاره لينة كالإبرسيم، ويقال: إنه لا يقع عليه الذباب، وأما النوع الثاني من القرع فهو قرع ورقه خشن حتى إن الإنسان إذا لمسه بيده يحس بالخشونة، والظاهر أن الذي أنبته الله عليه من النوع الأول اللين الذي يكون كالإبرسيم، وهو أيضًا بارد الظل، أنبت الله عليه هذه الشجرة، وأما قول المؤلف: إنها لها ساق على خلاف العادة فهذا يحتاج إلى دليل، لكن لا شك أن الله أنبت عليه شجرة تظله، ولا بد أن يكون لها نوع من الارتفاع. وَأَرْسَلْنَاهُقال: (وكانت تأتيه وعلة صباحًا ومساء يشرب من لبنها حتى قوي) الوعلة الأنثى من الظباء، يعني أنثى الأوعال، فكانت تأتيه ويشرب من لبنها حتى قوي وهذا الخبر يحتاج إلى دليل عن معصوم، وليس فيه دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن فهو خبر إسرائيلي نتوقف فيه، لا نصدق ولا نكذب، إن كان الله تعالى قيض له ذلك فالله على كل شيء قدير، وهذا سبب حسي يحتاج الإنسان إليه، يحتاج إلى غذاء، وإن كان الله تعالى قواه على تحمل الجوع والعطش فهذا أيضًا ليس ببعيد، وحينئذ نجعل الآية فيه أن الله قواه على خلاف العادة، أما إذا جعلناها وعلة فهنا يكون بقاؤه وتغذيته على حسب العادة من وجه، ومعجزة من وجه آخر حسب العادة، حيث تغذى بأيش؟ باللبن كغيره من البشر، على خلاف العادة، حيث قيض الله له هذه الوعلة التي ليست من جنسه، تأتي حتى يشرب من لبنها، لكن إذا قلنا: إن الله قواه على تحمل الجوع والعطش صار هذا آية محضة، وليس هذا ببعيد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن الوصال قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل. الوصال يعني أن يقرن الصائم بين يومين لا يفطر بينهما، قالوا: إنك تواصل، قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» يعني بلا أكل ولا شرب، ومع ذلك يكتفي بما أودع الله في قلبه من محبة الله وذكره عن الغذاء الجسدي، يعني يكتفي بالغذاء الروحي عن الغذاء الجسدي، فالله على كل شيء قدير. نظير هذا من بعض الوجوه أن الله سبحانه وتعالى قال: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠] هنا لم يذكر الله سبحانه وتعالى كيف نصره على قريش وهو في الغار، فعلى أي شيء يُحمل؟ وردت أحاديث ضعيفة بأنه عششت عليه العنكبوت، وأنه صار على فم الغار حمامة، وأن الله أنبت شجرة تحجز رؤية المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر هذه الثلاثة أمور حسية تمنع من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، أمور حسية عادية، لكن وجودها في هذا الوقت آية ولَّا لا؟ آية أن الله أنبت هذه الشجرة وسخر هذه الحمامة لتقف على باب الغار، وسخر العنكبوت لتنسج على بابه، هذه آية لا شك، ولكن هناك آية أعظم من هذا، آية محضة، وهي أن الله تعالى أعمى أبصارهم عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه؛ لأنهم وقفوا على الغار وقوفًا على أقدامهم حتى قال أبو بكر: لو نظر أحدهم الى قدمه لأبصرنا كما صح ذلك في البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا مما يدل على ضعف قصة العنكبوت والحمامة والشجرة؛ لأن هذا الثاني أبلغ آية من الأول، وكلام أبي بكر يدل على أنه ليس هناك حاجز حسي يمنع من الرؤية؛ لا شجرة ولا عش عنكبوت، وليس هناك ما يبعد أن يوجد في الغار أحد من وقوع الحمامة على بابه، والحمامة قد تقع على باب الحجرة ولو كان فيها أحد كما هو مشاهد كثيرًا. فالحاصل أن بعض الناس يأتون بمثل هذه الآيات ولا يفكرون في أنها تضعف جانب الآية؛ لأن كون الآية أن الله أعمى أبصار قريش عن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مع أنهم واقفون على الغار أبلغ بكثير من العنكبوت أو الشجرة أو الحمامة، على أنها كلها أحسنها نسج العنكبوت من حيث السند، ومع ذلك فهو ضعيف، وإذا كان ضعيف السند وشاذ المتن لمخالفته لما جاء في الصحيحين فإنه لا يكون مقبولًا. نرجع الآن إلى قصة يونس، يونس ذكر المؤلف أن الوعلة تأتي إليه ويرضع منها حتى قوي، فماذا قلنا حول هذا الخبر؟ قلنا: هذا خبر ليس ثابتًا عن معصوم، فموقفنا منه أن نتوقف فيه ونقول: هذا لا يتعين، وربما يكون الله تعالى قد أعان يونس على تحمل الجوع والعطش. قال: (وَأَرْسَلْنَاهُبعد ذلك كقبله إلى قوم بنِينَوَى من أرض الموصل في العراق إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْبل يَزِيدُونَعشرين أو ثلاثين أو سبعين ألفًا فَآمَنُواعند معاينة العذاب الموعودين به فَمَتَّعْنَاهُمْأي أبقيناهم ممتعين إِلَى حِينٍ) أرسله الله تعالى بعد ذلك إلى قومه، يعني أتم رسالته إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، إِلَى مِائَةِ أَلْفٍنص في العدد، وقوله: أَوْ يَزِيدُونَاختلف العلماء في (أو) هنا فقيل: إنها بمعنى (بل) كما قاله المؤلف، يعني: بل أكثر من مئة ألف. وأما تعيين هذا بزيادة عشرين أو ثلاثين أو سبعين ألفًا فهذا لا دليل عليه، ولا يمكن أن تكون الزيادة سبعين ألفًا؛ لأنه لو كانت الزيادة سبعين ألفًا ما صح أن يقال: إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، بل يقال: إلى مئة وسبعين ألفًا؛ لأن الفارق بين العدد الأول والثاني كثير، فعلى كلام المؤلف يكون الله تعالى أرسله إلى أكثر من مئة ألف، وتكون (أو) هنا بمعنى (بل)، والمراد بها أي بـ(بل) التي كانت أو بمعناها؛ المراد بها الإضراب الانتقالي، وليس الإضراب الإبطالي؛ لأنهم يقولون: إن الإضراب إما أن يكون لإبطال ما سبق، أو الانتقال عنه إلى ما بعده. وذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا للتحقيق وليست للإضراب، أي: إن لم يزيدوا على مئة ألف لم ينقصوا، فكأن ما بعد (أو) لتأكيد ما قبلها، وليس للزيادة عليه، كما لو سألك سائل عن قومك: كم عددهم؟ فقلت: مئة ألف أو أكثر، يعني أنهم إن لم يزيدوا لم ينقصوا، وليس المراد إثبات الأكثرية أو الزيادة على هذا العدد، بل المراد تأكيد هذا العدد. هناك احتمال لكنه لا يرد في هذا المقام؛ أن تكون (أو) للشك، وهذا الاحتمال غير وارد هنا، لماذا؟ لأنه لا يكون الشك في خبر الله أبدًا؛ لإحاطة علمه بكل شيء، وعلى هذا فتكون (أو) هنا إما بمعنى (بل)، وإما للتحقيق، أي تحقيق العدد السابق، فعلى القول الأول يكون المرسل إليهم زائدين على مئة ألف، وعلى الثاني يكون المرسل إليهم مئة ألف، لكن أكد ذلك بقوله: أَوْ يَزِيدُونَ. إن شاء الله يأتي بقية الكلام على الآية وعلى الفوائد. طالب: لما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة يونس وأنه أبق من الفلك ذكر حال يونس ثم (...)؟ الشيخ: إي نعم في سورة يونس أن الله عز وجل قال: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا [يونس: ٩٨] فهذا فيه شيء من الثناء عليهم، فهم في الحقيقة فيهم إساءة من جهة، ويدفع عنهم اللوم من جهة أخرى. طالب: شيخ، بارك الله فيكم، عصمة الأنبياء (...) كيف تكون خبر يونس عليه السلام هنا؟ الشيخ: كيف؟ طالب: يعني لم يستأذن وخرج مغاضبًا.. الشيخ: هذا نتكلم عليه في الفوائد. طالب: قول المؤلف: إن وقوف السفينة كان بسبب يونس ما له يا شيخ وجه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدر وقوف السفينة لكي يوضح أن يونس في هذا البلاء، يعني بسبب يونس ما يصير له وجه من هذا.. الشيخ: هو ينبغي أن نأخذ قاعدة، وهو أن الشيء الذي يخرج عن العادة لا بد فيه من دليل، وإلا فإن الأمور على مقتضى العادة.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الصافات: ١٤٩ - ١٥٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَالأخ الجملة هذه مؤكدة بكم مؤكدًا؟ طالب: اثنين. الشيخ: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَما هما؟ طالب: إن واللام. الشيخ: إن واللام طيب، ما الحكمة من أنها تؤكد بمؤكدين؟ لماذا لم يقتصر فيها على مجرد الخبر؟ طالب: لأن الرسالة قد تبلغ من يصدق ومن يكون في شك من هذا أو يكذب. الشيخ: لأن من الناس من يكذب بالرسالة هذا واحد؟ طالب: نعم. الشيخ: والثاني؟ طالب: لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام أكدوا بأمور معنوية، فأكدوا أيضًا.. الشيخ: لا، دعنا من طرق التوكيد، ولأهمية ذلك أهمية ثبوت رسالته من أجل أن نؤمن به، طيب قوله: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِمحمد إِذْ أَبَقَ(إذ) هذه ظرف متعلقة بأيش؟ طالب: متعلقة بالمرسلين. الشيخ: بالمرسلين. طالب: متعلق بـاذْكُرْ. الشيخ: بمحذوف. طالب: إي نعم. الشيخ: تمام. طالب: (...) يتعلق بـاذْكُرْ. الشيخ: أحسنت تمام؛ لأنه لا وجه للثناء عليه حين إباقه، قوله: فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَسلك المؤلف في هذا مسلكًا خلاف الظاهر، ما هو؟ طالب: أن أهل السفينة لما.. الشيخ: لا مِنَ الْمُدْحَضِينَفقط. طالب: يعني أنه عبد أبق من سيده (...). الشيخ: نعم. طالب: (من) هنا للتبعيض. الشيخ: لا، ما الذي سلكه المؤلف ورددنا عليه نحن؟ طالب: أنه قال: إن أهل السفينة قالوا: إن عبدًا أبق من سيده. الشيخ: لا، نعم. طالب: هو أنهم قالوا: إنه يعني ألقي في البحر يونس لحاله. الشيخ: وحده. طالب: وحده. الشيخ: تمام. طالب: و(من) للتبعيض، يعني معه أناس. الشيخ: تمام، المؤلف سلك أن الذي ألقي يونس وحده، وهذا خلاف ظاهر الآية؛ لأن الآية تدل على أن معه غيره، طيب جملة وَهُوَ مُلِيمٌمحلها من الإعراب؟ طالب: النصب على الحال. الشيخ: محلها النصب على الحال من الفاعل في التقم أو من المفعول. طالب: من الفعل يا شيخ. الشيخ: كيف؟ طالب: من المفعول.
الشيخ: من المفعول (...) الآية ما يصلح أن تكون للفاعل؟ من الملوم؟ الحوت الملتقم أو يونس الملتقم؟ طالب: يونس. الشيخ: يونس، إذن فيها حال من المفعول به، ما معنى مُلِيمٌ؟ طالب: أي: آتٍ بما يلام عليه. الشيخ: آتٍ بما يلام عليه، تمام، قوله: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ(لولا) هنا حرف. طالب: امتناع لوجود. الشيخ: امتناع لوجود، ما الممتنع وما الموجود؟
طالب: الممتنع لبثه في بطن الحوت. الشيخ: لبثه في بطن الحوت إلى يوم القيامة، والموجود؟ طالب: التسبيح. الشيخ: التسبيح، ما هو التسبيح الذي صار سببًا لخروجه من بطن الحوت؟ طالب: قوله: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. الشيخ: قوله: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ(أو)؟ طالب: اختلف العلماء؛ فمنهم من قال: إنها بمعنى (بل) ومنهم من قال. الشيخ: تكون للإضراب. طالب: (...) بل يزيدون أكثر من ذلك. الشيخ: يعني وعلى هذا، فيكون الذي أرسل إليهم أكثر من مئة ألف، والقول الثاني. طالب: والقول الثاني أنها للتحقيق، يعني إن لم يكن مئتين فلا ينقصون عن ذلك. الشيخ: فلا ينقصون عن ذلك؛ كقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة: ٧٤]. قوله: فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍمعنى متعناهم؟ طالب: وقفنا عليه. الشيخ: ما يخالف، إن شاء الله نأخذها الآن فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍيعني أبقيناهم إلى حين، وهذا الحين هو وقت آجالهم التي قدرها الله لهم، يعني أنهم لم يهلكوا بهذا العذاب الذي أصابهم كما قال تعالى: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس: ٩٨]. في هذه الآيات فوائد: أولًا إثبات رسالة يونس عليه الصلاة والسلام، ويتفرع على هذه الفائدة وجوب الإيمان به رسولًا، يعني يجب علينا أن نؤمن بأن يونس رسول من عند الله. ومن فوائدها: الثناء على يونس؛ لقوله: لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ؛ لأنه لا شك أن مقام الرسالة أعلى مقامات البشر؛ كما قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩]، وهذا الذي عليه أمة الإسلام، أن مقام الرسالة أفضل من كل مقام هي أعلى مقامات البشر، خلافًا لمن زعم أن أعلى مقامات البشر الولاية، ثم النبوة، ثم الرسالة، وقال في ذلك قولًا منكرًا فقال:
مَقَـــــامُ النُّــــــبُوَّةِ في بَـــــــرْزَخٍ
فُوَيْــقَ الرَّسُـولِ وَدُونَ الْوَلِي
هؤلاء يقولونه طائفة من الصوفية، يقولون: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول، ما هو بعيد، ودون الولي، يعني بعيدًا، فالولي إذن أعلى شيء، ولقد كذبوا في ذلك، فمقام الرسالة أعلى المقامات، وكل رسول فهو ولي، ولا عكس، ثم النبوة ثم الولاية. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز القدح في يونس من أجل ما حصل منه من عدم الصبر؛ فإن الله قال: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِلكنه لا يجوز أن نقدح فيه في ذلك؛ لأنه أحد الرسل، والقدح في الرسل كفر، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» فنهى أن نفضله عليه؛ تواضعًا منه صلى الله عليه وسلم، ولئلا يؤدي التفضيل -أي تفضيل الرسول صلى الله عليه وسلم- إلى احتقار يونس. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات جماعة الرسل؛ لقوله: لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، ولكن كم عدد الرسل؟ يقول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] ما من أمة من الأمم إلا جاءها رسول تقوم عليها الحجة؛ كما قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]. ومن فوائد الآيات الكريمة: أن مقام النبوة لا يمنع من فعل بعض ما لا يكون محبوبًا إلى الله، أي أن الرسول قد يفعل بعض المعاصي أو يقوم بشيء لم يُؤمر به، دليل ذلك قوله: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، والإباق هو الهرب، أي هرب العبد من سيده، والعبد إذا أبق من سيده فهو قد هرب منه تمردًا عليه، ولكن لا شك أن هذا الوصف إنما ينطبق على العبد المملوك للبشر، لا على يونس عليه الصلاة والسلام، لكن الله عبر عن خروجه بالإباق لأنه خرج خروجًا لم يؤمر به. وهذه المسألة -أعني مسألة عصمة الرسل- محل خلاف طويل عريض بين العلماء، وقد سبق لنا بيان ذلك على وجه التفصيل، فذكرنا أنهم معصومون من كل ما يخدش الرسالة وينافي الرسالة، مثل الكذب والخيانة والشرك وما أشبه ذلك هذا معصومون منه قطعًا؛ لأنهم إنما جاءوا لهدم الشرك، ولا يمكن أن يصدر منهم الكذب أو الخيانة؛ لأن هذا يؤدي إلى الشك فيما جاءوا به. وثانيا: معصومون من أيش؟ طالب: (...). الشيخ: ذكرناها، معصومون أيضًا من كل ما يخل بالشرف؛ كالسرقة وشبهها مما يعد دناءة وخسة؛ وذلك لأن النبوة أعلى مقامات البشر، فلا ينبغي أن يتخلق من اتصفوا بها بأرذل أخلاق البشر. الثالث: أنهم معصومون من الاستمرار في المعصية، لا يمكن أن يقروا عليها، بل لا بد أن ينبهوا عليها ويحصل منهم التوبة، بخلاف غيرهم من الناس فإنهم قد يفعلون المعصية ويقرون عليها ولا يُوفَّقون للتوبة منها، وأما القول بأنه لا ذنوب لهم مطلقًا فهذا قول يخالف الكتاب والسنة، فإن الله تعالى قال في كتابه لأشرف الرسل وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩] وقال له: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح: ١، ٢]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ» ، وكل هذا صريح في أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يقع منه الذنب، ولكن الشأن كل الشأن أنه لا يقر عليه طيب. ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد ييسر للعبد ما لا يكون له في الحسبان، وذلك من قوله: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، حيث قدر له أن يركب هذا الفلك المملوء من أجل الغاية التي أرادها الله، وهي أن يلتقمه الحوت ويغيبه ويضيق عليه حتى يتبين له أنه لا مفر من قدر الله؛ كما قال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧]. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المساهمة، يعني القرعة؛ لقوله: فَسَاهَمَ. فإن قال قائل: هذا من شرع من قبلنا؟ فالجواب أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، فكيف وقد ورد شرعنا بوفاقه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا . إذن يُستفاد منه: جواز المساهمة، يعني القرعة. فإن قال قائل: المساهمة فيها خطر، فهي ميسر؛ لأن الإنسان قد يكون غانمًا وقد يكون غارمًا؟ فالجواب على ذلك من أحد وجهين؛ إما المنع وإما التسليم، ولكن لأن الضرورة دعت إلى ذلك؛ إما المنع بأن نقول: إن الإنسان لا يمكن في القرعة أن يكون سالمًا غانمًا أو غارمًا، بل هو إما غانم وإما سالم، أما أن يغرم شيئًا فلا، أو نقول بأنها فيها غرر، لكن الضرورة دعت إليه؛ إذ لا يمكن التوصل إلى التمييز بين المشتركين في حق من الحقوق إلا بالقرعة، ولذلك إذا أمكن التمييز بينهما بغير القرعة فإنه يجب التمييز بينهما بدون القرعة، فمثلًا إقراع النبي صلى الله عليه وسلم بين زوجاته إذا أراد السفر نقول: هو لا يمكن أن يذهب بهن جميعًا؛ لأنه لو أمكن لذهب بهن جميعًا، إذن لا بد أن نميز من الذي يستحق أن يخرج من؟ كيف نميز؟ نقول: الأخيرة منهن، الشابة منهن، الكبيرة منهن، ما ندري فهن متساويات في الحقوق، ولا سبيل إلى التعيين إلا بالقرعة، فإذا خرجت القرعة لواحدة فالباقيات لم يغرمن شيئًا، غاية ما هنالك أنه فاتهن ما يرغبن فقط، ولهذا إذا خرجت القرعة عن هذا إلى الميسر صارت حرامًا. مثال ذلك: أراد اثنان مشتركان في قمح أن يقتسما القمح بينهما، وهما شريكان بقدر النصف، كل واحد له النصف، فقسم القمح أثلاثًا، أي جُعل ثلثان في جهة وثلث في جهة أخرى، وأرادوا القرعة أيهما يأخذ الثلثين، فالقرعة هنا حرام؛ لأن أحدهما إما غانم وإما غارم؛ إما أن يأتيه أكثر من حقه وإما أن ينقص حقه، فهذه تكون حرامًا؛ لأنها صارت ميسرًا واضحًا، لكن قسمنا القمح نصفين وأردنا أن نميز كل واحد في حقه فما هو الطريق إذا لم يتنازل أحدهما للآخر ويخيره ويقول: اختر ما شئت؟ فلا طريق لنا إلى التمييز بينهما إلا بالقرعة. طيب هل ذكرت القرعة في القرآن في غير هذا الموضع؟ نعم في آل عمران وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤]. من فوائد الآية: أنه ليس للقرعة أو للمساهمة طريق معين، فيسلك فيها ما يحصل به التمييز؛ إما بكتب رقاع، أو بأحجار، أو بلفائف، خرق، أو بأي طريقة، المهم أن نميز من له الحق بأي وسيلة؛ لأن المساهمة وردت في النصوص، ولم تعين طريقًا خاصًّا لها، فأي طريق توصلنا به إليها جاز. من فوائد الآية الكريمة: ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما، وجه ذلك أن هذه القرعة سيكون فيها هلاك بعض الركاب، وهو أهون من هلاك الجميع. إذن فالواجب إذا كان لا بد من الضررين الواجب ارتكاب الأدنى؛ لأن ارتكاب الأدنى يسقط عنا ارتكاب المفسدة الزائدة، واجتناب المفسدة الزائدة واجب، لهذا نقول: يجب ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما. وفي هذه الآيات دليل على العمل بمثل هذه القضية، يعني لو كان ناس في مركب، وكان المركب مشحونًا، وكان لا بد من إلقاء بعض الركاب أو هلاك الجميع، فإنه يجوز أن يلقى بعض الركاب، لكن عن طريق القرعة ليبقى البقية. فإن قال قائل: كيف يمكن كيف نلقي هذا الرجل في البحر في الهلاك، وهل هذا إلا قتل نفس؟ فما الجواب؟ يعني نأخذ الرجل نعرف أنه بيموت نأخذه ونلقيه في البحر، هل هذا إلا قتل نفس؟ ما الجواب؟ نقول: نعم هو قتل نفس لكن لإبقاء نفوس، وأيما أولى: أن يقتل الجميع أو أن ينجو البعض؟ الثاني بلا شك أولى، وهذا أمر لا بد منه؛ لأننا لو أبقينا الجميع لكنا تسببنا لهلاك الجميع، وكوننا نتسبب لهلاك البعض أهون من كوننا نتسبب لهلاك الجميع، لكن هذا بشرط ألا يكون هناك احتمال ولو ضعيفًا للنجاة. فإن كان هناك احتمال فإنه لا يجوز ارتكاب مثل هذا. طيب إذا كانت الفلك مشحونة بأمتعة وأطعمة وأغنام وآدمي، فمن نبدأ بالقائه؟ الأمتعة، الشيء الذي ليس فيه روح، فإن أمنا وإلا ألقينا الأطعمة، فإن أمنا ألقينا الحيوان، فإن أمنا وإلا أقرعنا بين البشر. ومن فوائد الآية الكريمة: حصول آية من آيات الله عز وجل، وذلك بتسخير هذا الحوت ليونس حتى التقمه بدون مضغ، ولا شك أن هذا من آيات الله؛ لأن مثل هذا بعيد في العادة، العادة أنه يمضغ ثم يأكل، لكن هذا التقمه جميعًا لم يكسر له عظم ولم يهشم له شيء من أضلاعه أو غيره. ومن فوائد الآية الكريمة: حب الإعذار من الله عز وجل، وأنه يحب الإعذار من خلقه، أي: إقامة العذر لما فعله عز وجل حتى لا ينسب فعله للظلم أو للسفه. تؤخذ من قوله: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌيعني ليس في حال لا يلام عليها حتى يقال: إن في هذا ظلمًا له أو سفهًا في حقه، بل التقمه الحوت في حال هو مستحق فيها لذلك ولهذا قال: وَهُوَ مُلِيمٌ. ومن فوائد الآيات: أن الأنبياء قد يأتون ما يلامون عليه، ولكن ييسر لهم الخروج من ذلك؛ لقوله: وَهُوَ مُلِيمٌ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الطاعات السابقة تكون سببًا للنجاة من المهلكات اللاحقة؛ لقوله: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَفيكون في هذا شاهد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعَرَّفَ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» ، وهذا كما أنه مقتضى النصوص القولية فهو مقتضى النصوص الحالية، فإن أصحاب الغار الثلاثة الذي انطبق عليهم الغار نفعهم الله بماذا؟ بما سبق من أعمالهم الصالحة، فأنت إذا عملت عملًا صالحًا فإن هذا العمل قد يكون سببًا لنجاتك من مكاره عظيمة «تَعَرَّفَ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»، طيب وهنا قال: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو بقي في بطنه لكان في ذلك آية من آيات الله، أن يبقى هذا الحوت من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛ لأن هذا ظاهر اللفظ أنه يبقى في بطنه إلى البعث. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أفعال المخلوقات تُنسب إلى الله، لكنها تنسب إليه تقديرًا وقضاء، وتنسب إلى العامل مباشرة وكسبًا، تُؤخذ من قوله: فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ؛ لأنه من المعلوم أن الذي لفظه هو الحوت، ومع ذلك لا نجزم بهذا؛ لأنه ربما أن الحوت لفظه ويسر الله له من الريح ما يحمله إلى أن يصل إلى الأرض اليابسة، ويحتمل أن الحوت لفظه في الأرض اليابسة، فالله أعلم، المهم أن الله يسر له من أسباب الوصول إلى الأرض اليابسة ما أوصله إليها. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي له أن ييئس من الشفاء، ولو بلغ به من المرض ما بلغ؛ لقوله: وَهُوَ سَقِيمٌ، إلى قوله: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: ١٤٧]، فهذا الرجل السقيم الذي بقي في بطن الحوت ما شاء الله وخرج سقيمًا عافاه الله وشفاه، فلا تيئس من رحمة الله سبحانه وتعالى بما يصيبك من المرض؛ فإن الله قد ييسر لك ما يكون سببًا لشفائك. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات تأثير الأسباب؛ لقوله: وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦]؛ لأن هذه الشجرة تظله وتبرد عليه، وهي كما أسلفنا لينة الملمس، ويقال: إن الذباب لا يقع عليها، والله قادر على أن يظله بغمامة مثلًا، وقادر على أن يبقيه في الشمس في العراء ولا يتأثر، لكن الله عز وجل يبين لعباده أن الأشياء تكون بأسبابها، ومر علينا أمس في أصول الفقه بيان أن الأسباب مؤثرة لكن لا بنفسها ولكن بما أودع الله فيها من أسباب التأثير. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل السابقين إلى قوم مخصوصين؛ لقوله: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَواستدل بهذه الآية بعض المتأخرين على إثبات الإحصاء السكاني؛ لأنه قال: إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَفأحصاهم عددًا، مع أنه لو قال: أرسلناه إلى قومه كفى، لكن عدهم عدًّا، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الإحصاء. ولا شك أن الإحصاء إذا كان فيه فائدة فإنه داخل في عمومات النصوص الدالة على وجود ما فيه فائدة، أما إذا لم يكن فيه فائدة وإنما يكون تطويلًا للمدة، وإضاعة للوقت، وإتلافًا للمال بما ينفق عليه فإنه كغيره مما لا فائدة منه لا يكون مطلوبًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى أنجى قوم يونس بعد أن عاينوا العذاب؛ لقوله: فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ. فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في أن الله يخص قوم يونس بذلك؛ بأن تقبل منهم التوبة بعد نزول العذاب، فالجواب أن الحكمة من هذا أن نبيهم لم يصبر حتى تتم إقامة الحجة عليهم، بل خرج منهم مغاضبًا قبل أن يؤذَن له، فلم تتم إقامة الحجة، فكان لهم شبه عذر في تأخير العذاب عنهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان وإن نجا من الأسباب المهلكات فلن ينجو من الموت، بل لا بد منه؛ طال الزمن أم قصر؛ لقوله: فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ. ومن فوائدها: أن الإيمان سبب لطول الحياة؛ لقوله: فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ، ولا شك أن الإيمان سبب لطول الحياة؛ لأن نوحًا قال لقومه: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح: ٤] فبين لهم أنه إذا حصل منهم الإيمان والتوبة غفر الله لهم، وأخرهم إلى أجل مسمى، وإن لم يفعلوا أهلكهم الله. ومن فوائد الآيات كلها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى؛ لكونه يضيف الأفعال إلى نفسه، بماذا؟ بضمير الجمع. ومن المعلوم أن الله واحد. وقد اشتبه هذا على النصارى عليهم لعنة الله، اشتبه عليهم فقالوا بتعدد الآلهة لجمع الضمير الذي يضاف إلى الله عز وجل، وهذا من اتباع المتشابه، فإنهم اتبعوا هذا المتشابه وأعرضوا عن الصريح في قوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣] .
تفسير الآيات (١٤٩-١٦٣)
٠١:١٧:٥٥
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ١٤٩ - ١٦٠]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَالأمر في قوله: فَاسْتَفْتِهِمْيعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والهاء في قوله: فَاسْتَفْتِهِمْيعود إلى المشركين الذين جعلوا لله البنات ولهم البنون. وقوله: فَاسْتَفْتِهِمْأي: اطلب منهم أن يفتوك، والفتوى في الأصل بيان الحكم الشرعي. وتوجيه الاستفتاء إليهم من باب التهكم بهم، كأنهم نصبوا أنفسهم حكمًا يحكمون بما يشاؤون، وهذا كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] على أحد القولين في تفسيرها، وإلا فإن هؤلاء ليسوا أهلًا للاستفتاء، فضلًا عن أن يستفتوا في هذا الأمر العظيم، لكن هذا من باب التهكم. ثم بين المستفتى عنه فقال: أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، والاستفهام هنا للتوبيخ، يعني يوبخهم على هذا الحكم المعلوم من قبل؛ لأنهم جعلوا لله البنات وجعلوا لهم البنين. ولهذا يقول: فَاسْتَفْتِهِمْ(استخبر كفار مكة توبيخًا لهم) هذا يعود على الاستفهام، وأما التهكم فتوجيه الاستفتاء إليهم، قال: أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ(بزعمهم أن الملائكة بنات الله وَلَهُمُ الْبَنُونَفيختصون بالأسنى) أي بالأشرف، يعني هل هذا حكم صحيح عادل أو حكم باطل جائر، والجواب معلوم لكل أحد أن هذا حكم باطل جائر، ولهذا قال الله تعالى في سورة النجم: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم: ٢١، ٢٢] أي جائرة، وقوله: وَلَهُمُ الْبَنُونَليست الجملة حالية، بل هي معطوفة على الجملة التي قبلها، فهي داخلة في ضمن الاستفهام، يعني كيف يكون لله البنات ولهم البنون، فإن هذا حكم جائر، ولهذا قال: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ(أم) هنا منقطعة، و(أم) المنقطعة هي التي تكون للإضراب، ولهذا تقدر بـ(بل) والهمزة، فمثلًا أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَتقدير الكلام: بل أخلقنا الملائكة إناثًا، و(أم) تكون متصلة، وتكون منقطعة، فإذا حل محلها (بل) وهمزة الاستفهام فهي منقطعة، وإذا كانت بمعنى (أو) فهي متصلة، تقول: أعندك زيد أم عمرو؟ يعني أو عمرو. سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦] يعني: أو لم تستغفر لهم متصلة، والمتصلة تأتي بعد همزة التسوية غالبًا: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا، قوله: خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًاأي: جعلناهم إناثًا، وعلى هذا فتكون إناثًا مفعولًا ثانيًا لـ(خلقنا)، ويجوز أن نجعل الخلق على أصله، يعني: أم صيرنا الملائكة إناثًا، ويجوز أن نجعل (خلقنا) على بابها، وتكون (إناثًا) منصوبة على الحال، يعني: أم خلقنا الملائكة حال كونها إناثًا، والجواب: نعم ولَّا لا؟ لا، ما خلق الله الملائكة إناثًا، بل ولا ذكورًا، ولهذا لا نصف الملائكة بالأنوثة، ولا بالذكورة؛ لأن الملائكة لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، لكن هم قالوا: إن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة إناثًا. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ(خلقنا فيقولون ذلك)، الجملة في قوله: وَهُمْ شَاهِدُونَفي موضع نصب على الحال، يعني هل خلقنا الملائكة إناثًا حال كون هؤلاء شاهدين على خلقنا إياهم إناثًا، والجواب: لا، فما خلق الله الملائكة إناثًا ولا شهدوا خلقهم، وهذا كقوله في الآية الثانية: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف: ١٩]، والحاصل أن الله سبحانه وتعالى بين لهؤلاء حالين: الحالة الأولى: الحكم الجائر الذي حكموا به بينهم، وبين الله حيث جعلوا لله الملائكة وجعلوا لأنفسهم البنين، وهذا جور كما تدل عليه آية النجم. الحال الثانية: جعلهم الملائكة إناثًا، سواء جعلوا لأنفسهم البنين أم لم يجعلوا، هذا أيضًا كذب وافتراء؛ لأنهم لم يشهدوا خلقهم حتى يحكموا عليهم بأنهم إناث، ولهذا قال: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ. ومن الملائكة؟ الملائكة عالم غيبي غائبون عنا ما نشاهدهم، إلا أن يرينا الله إياهم على سبيل الكرامة، أو على سبيل الآية، وإلا فهم عالم غيبي؛ لأنه ما من إنسان إلا ولديه ملكان عن اليمين وعن الشمال قعيد، وملائكة يحفظونه من بين يديه، يحفظونه من أمر الله ومن خلفه، ونحن لا نشاهدهم، وملائكة يحضرون مجالس الذكر ولا نشاهدهم؛ لأنهم عالم غيبي، الملائكة خلقوا من نور كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلقوا صمدًا، يعني لا يأكلون ولا يشربون؛ لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون. الملائكة منهم من علمنا بأعيانهم، ومنهم من لم نعلم، فممن علمنا بأعيانهم جبريل وميكائيل وإسرافيل الذين كانوا يسميهم النبي صلى الله عليه وسلم في افتتاح صلاة الليل فيقول: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
طالب: (...) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨٢]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٧١] (...).
ميكائيل بما فيه حياة الأرض، وهو المطر والنبات، وإسرافيل بما فيه حياة الأجساد عند نفخ الصور، فإنه قد التقم الصور ينتظر متى يُؤمَر، المهم أنه يجب علينا أن نؤمن بالملائكة إجمالًا فيما لم نعلم اسمه، وتعيينًا فيما علمنا اسمه، ونؤمن أيضًا بما نعلم من أوصافهم؛ كجبريل مثلًا له ست مئة جناح قد سد الأفق ، وبما نعلم من أحوالهم وعباداتهم؛ لأن هذا من أصول الإيمان التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الإيمان، فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ» ، وعلينا أيضا أن نحب هؤلاء الملائكة وأن نجلهم ونعظمهم؛ لأنهم عباد لله عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: ٢٦] منقادون لأمر الله فنحبهم لله عز وجل. وعلينا أيضًا أن نكرمهم، فنبغض من عاداهم كاليهود مثلًا الذين عادوا جبريل، ونبغض أيضًا كل من سبهم أو تعرض لأذاهم؛ لأنهم من أشرف عباد الله. وقد اختلف العلماء هل هم أفضل أو صالح البشر أفضل، والخلاف في هذا معروف مشهور، وأكثره خلاف جدلي؛ لأن المقام والمرتبة عند الله عز وجل تدل على أن البشر أفضل، فإن البشر يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٣، ٢٤]. ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: البشر أفضل باعتبار النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأن البشر خُلقوا من طين، والملائكة خلقوا من نور، والنور أشرف من الطين. ثم قال: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَقال الله تعالى مبينًا حكمهم الباطل الذي قد علم مسبقًا قبل أن يستفتوا، قال: أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ [الصافات: ١٥١].