تفسير سورة الشعراء - ٨
درس صوتي · ٩٠:٢٠
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
الصواب أن يقال: إن هذه الناقة ناقة وُلدت من نُوق، ولكن لها مزية على غيرها، وهي هذه المزية العظيمة لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء: ١٥٥]، كيف لها شِرْب ولكم شِرْب؟ يعني أنها هي تشرب من هذه البئر، تأتي وتشرب، واليوم الثاني تذهب وترعى، لكن في اليوم الذي هي تشرب قال أهل العلم: إن كل من أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، فصاروا هم يشربون يومًا لبنًا ويومًا ماءً، هذا اللبن يأخذونه من هذه البعير، من هذه الناقة، وهذا بلا شك من آيات الله؛ إذ لا يوجد ناقة في هذه المثابة. وقوله: وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍكأن هذا الشِّرْب موقَّت بوقت جعلوه لأنفسهم، بحيث لا يلتبس على من ليس في البلد، حتى لو كان الإنسان في خارج البلد يعرف أن اليوم يوم الناقة، أو أن اليوم يوم الناس، فيأتي ويرد هذه البئر ويشرب منها، أو يرد في يوم الناقة فيشرب من لبنها، وهذا هو الفائدة من قوله: وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
تفسير الآية (١٥٦)
٠٠:٠١:٤٨
{وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: ١٥٦] يقول المؤلف: إنه عظيم (بعظم العذاب)؛ يعني: وليس اليوم نفسه هو العظيم، ولكن لوقوع العذاب فيه صار عظيمًا. والعظيم وصف لليوم، وهل العظيم وصف مدْح أو وصف ذم؟ طالب: على حسب السياق، وصف ذم. الشيخ: إي، لكن هو في الحقيقة وصْف مدح، ودليل على القوة فيما وُصف به، حتى إن كان عذابًا فهو دليل على قوة العذاب؛ إن كان خيرًا فهو دليل على قوة هذا الخير، المهم أن العظمة من حيث هي معنى من المعاني تدل على الكمال والمدح، سواء كان هذا في عذاب أو في نعمة. وقوله: عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍكثير من الناس يتحاشون أن يصفوا المخلوق بالعظيم، ولكن الحقيقة لا وجه لهذا؛ فقد قال الله تعالى: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣]، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ: ١، ٢]، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [الواقعة: ٧٦]، فوصف الله تعالى بالعِظَم نفسه وكلامه ووحيه، ووصف به أيضًا بعض مخلوقاته؛ مما يدل على أنه لا بأس به. وقد كان ناس يتحاشون أيضًا من قول: المعظَّم، وهذا أيضًا لا يُتحاشَى منه؛ والسبب أن الْمُعظَّم ليس عظيمًا، الْمُعظَّم قد لا يكون عظيمًا. قد يُعظَّم من ليس بعظيم، وهو أقل رتبةً من العظيم، فإذا كان العظيم جائزًا إطلاقه فالمعظَّم من باب أولى.
تفسير الآيات (١٥٧-١٥٩)
٠٠:٠٤:٣٢
ثم قال الله تعالى: (فَعَقَرُوهَاأي: عقرها بعضهم برضاهم فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ [الشعراء: ١٥٧] على عقرها فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ [الشعراء: ١٥٨] الموعود به، فهلكوا). هو قال: لا تمسوها بسوء، ولكنهم مَسُّوها بأسوأ السوء والعياذ بالله، عقروا الناقة. وما معنى العَقْر؟ الظاهر أن المراد به القتل، وليس قطع الأرجل فقط، بل إنهم أهلكوها فعُوقبوا بمثل ما جنوا. أصبحوا نادمين، هل هم نادمون على ما فعلوا من ذنب، أو أنهم نادمون على ما فاتهم من مصلحتها؟ طالب: على الأمرين، فاتهم المصلحة وأتاهم العذاب. الشيخ: ما بعد أتاهم العذاب إلى الآن. الظاهر أنهم ندموا على ما فاتهم من المصلحة الدنيوية؛ لأنهم لو ندموا على الذنب لكانوا تائبين، ولم يُهلَكوا، لكن ندموا، ترى أمس نشرب اللبن واليوم فاتنا اللبن، فالظاهر أن ندمهم هذا إنما كان من أجل فوات المقصود الدنيوي، وكم بقوا بعد ذلك؟ طالب: ثلاثة أيام. الشيخ: نعم، ثلاثة أيام. والحكمة من هذه الأيام الثلاثة -والله أعلم- لعلهم يتوبون، ولكنهم لم يتوبوا. وقد أُخِذ من هذا استتابة المرتد كم؟ ثلاثة أيام، إن تاب وإلا أُجري عليه الحد. على خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة، المهم أن هؤلاء لم يندموا على فعل المعصية، ولو ندموا لكان توبة، ولكنهم ندموا على ما فاتهم من حظ الدنيا فقط، فأخذهم العذاب الموعود به فهلكوا، إلا أن الله تعالى أنجى صالحًا ومن معه. وقوله: فَعَقَرُوهَا، ومعلوم أنهم لم يكونوا كلهم عقروها، ولكن لما كان برضا الجميع، ومن زعمائهم؛ نُسِب إليهم جميعًا، وأنتم تعرفون أن فعل الطائفة من الأمة يُعتبَر فعلًا للجميع إذا لم يُنكروه، إذا سكتوا فلم ينكروه فهو للجميع؛ ولهذا يُذكِّر الله تعالى اليهود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بما فعل أسلافهم، ويخاطبهم به مخاطبة الفاعل؛ لأنها أمة واحدة، فإذا لم تُنكر ما كان عليه أسلافها نُسب للجميع. (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُالموعود به)، وما هو العذاب الذي أخذهم؟ طلبة: صيحة. الشيخ: ورجفة، صيحة ورجفة جميعًا؛ يعني رجف الله بهم الأرض، وصاحَ بهم جبريل، فماتوا، أصبحوا في ديارهم جاثمين والعياذ بالله، صرعى كنفس واحدة. وفي هذا دليل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الله تعالى على كل شيء قدير وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]. ولو أننا عقلنا -نحن المسلمين- وآمنَّا حقيقة الإيمان ما كنا بهذه الحال التي نحن عليها؛ يعني ما كنا نخاف الناس أكثر مما نخاف الله. الآن زعماء المسلمين -مع الأسف- يخافون الناس أكثر مما يخافون الله، ولهذا يداهنون الناس في أحكام الله عز وجل، ولو أنهم اعتزوا بعزة دينهم لخافهم الناس. ولهذا يقولون: الإنسان لا بد أن يخاف ويرجف، لكن إما أن يخاف الله أو يخاف غيره، فإن خاف الله خافه الناس، وإن خاف غير الله استولى عليه هذا الخوف. وهذا صحيح، هذا حق، يكون مَنْ خاف الله خافه كل شيء، ومن اتقى الله اتقاه كل شيء، وبالعكس يكون الأمر بالعكس. فعلينا جميعًا أن نكون واثقين بوعد الله عز وجل، غير ناظرين إلى الأسباب الحاضرة، صحيح لو نظرنا نظرةً مادية محضة لكنا لا يمكن أن نتكلم مع هؤلاء، أو أن نتحداهم في تنفيذ الشريعة ومحاربتهم، لكن يجب ألا ننظر إلى هذه الأسباب الحاضرة، يجب أن ننظر إلى أسباب أخرى فوق المادة، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: ولهذا من نظر إلى هذه الأسباب المشاهَدة الطبيعية ما يستقيم له أمر. الصحابة رضي الله عنهم عندما جاهدوا الفُرس والروم هل نظروا لهذه الأسباب؟ طلبة: لا. الشيخ: أبدًا، كانوا يحاصرون المدينة العظيمة لمدة، ثم يخرجون في الصباح فيُكَبِّرون الله، فإذا كبَّروا تصدعت الأسوار، وهذه شيء متواتر في التاريخ عنهم؛ أنهم يحاصرون المدينة مدة، ثم إذا كبَّروا الله سبحانه وتعالى كأنها مدافع وقنابل تُصدِّع هذه الجدران، ولكنه تكبير يخرج من القلب. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ١٥٨، ١٥٩]. طالب: قوم صالح، هل آمنوا، يعني بغض النظر عن عقر الناقة هل آمنوا بالله واتبعوه..؟ الشيخ: لا، قليل منهم. الطالب: إذن كيف (...)؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: (...). الشيخ: نعم، يعني إمهال الله لهم ثلاثة أيام، معناها أننا نمهل نحن الكفار ثلاثة أيام، لكنَّ الكفار الأصليين في الشريعة الإسلامية لهم أحكام خاصة؛ كإقرارهم بالجزية مثلًا، وغيرهم ممن لا يُقَرُّ على دينه -وهو المرتد- يُنظر ثلاثة أيام، فالمسألة خلافية. ثم إن أيضًا الردة تختلف، من الردة ما يمكِن أن يُمهَل، ومنها ما لا يمكن أن يمهل. طالب: فلنذكر من ذلك قوم صالح، يعني هل إنهم (...) يعني ذهبوا، يعني ماتت وهي في محلها يعني؟ الشيخ: إي، (...) الظاهر أن كل إنسان مات في بيته. الطالب: في بيته؟ الشيخ: هذا الظاهر إي. طالب: واللي أدركه الموت عند (...)؟ الشيخ: (...). طالب: فأما القبيلة جميعها يشربون من بئر واحدة، المعروف أن عندهم بساتين وزروع، ما لهم أنهار أيضًا؟
الشيخ: لا؛ لأن البئر هذه هي الصالحة للشرب. الطالب: وغيرها؟ الشيخ: وغيرها ما يصلح للشرب. طالب: خص الشرب في هذه البئر. الشيخ: في هذه البئر؛ ولهذا قسم لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، ولا مانع أيضًا من أن يكون هذه البئر يسقي كل ما عندهم، ما يمتنع، لكن الأقرب والله أعلم أن البساتين منتشرة فيها العيون، وأن هذه البئر هي التي يأخذون منها ماء الشرب. طالب: فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ [الحاقة: ٥]، قيل: الرجفة أو ما شابه؟ الشيخ: الظاهر أنه اسم للجميع؛ يعني بما طغى عليهم. الطالب: بما طغى عليهم، يعني غلبهم؟ الشيخ: إي، غلبهم. الطالب: شيخ، سبب منع الرسول صلى الله عليه وسلم (...)؟ الشيخ: وجهه (...)؛ لأن استعمال هذا الماء يؤدي إلى النزول فيه والطمأنينة، والرسول عليه الصلاة والسلام لما مر بها مر مُقنعًا رأسه وأسرع، وقال: «إِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» . فالمسألة ما هي بهينة، والعجيب أن كثيرًا من الناس اليوم -الله يهدينا وإياهم- يذهبون إليها مذهب الفرجة والنزهة، هذا حرام ما يجوز، ولا يعارِض هذا قول الله عز وجل: وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ [إبراهيم: ٤٥]، السبب أنه لا يعارض، ليش؟ طالب: الكافرين (...). الشيخ: يعني معناه أن فعلهم لا يدل على الجواز؛ يعني كونه مسكونًا، أو يقال: إن شريعتنا وردت بخلاف ذلك بالتحريم. وأما قول بعض الناس: الأرض كلها ما تخلو من أمم مُكَذِّبة، فنقول: نعم، الأرض ما تخلو من أمم مكذبة، لكن من قال: إن هذا المكان المعين مكان أمة مكذبة؟ الأحقاف الآن هل يجوز نزولها ولَّا ما يجوز؟ طالب: لا يجوز (...). الشيخ: يجوز؛ لأنه ما تُعْلَم مساكنهم بعينها، لكن ثمود المساكن موجودة بعينها الآن، إذا دخلها الإنسان كأنه داخلها في ذلك الوقت؛ ولهذا الرسول منع من الدخول إلا والإنسان باكٍ، قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ» . لكن عندنا اليوم يقولون: يدخلون ومعهم آلات التصوير. طالب: يشدون الرحل أيضًا لمكان محذور. الشيخ: لا، شد الرحل من أجل التعبد ما فيه مانع. الطالب: من أجل التعبد. الشيخ: إي، شد الرحل من أجل التعبد، فيه ناس يشدون الرحال للتجارة ولغير التجارة لكن شدها للنزهة هذا حرام.. طالب: (...). الشيخ: إي، هذا ما يجوز؟ طالب: (...). الشيخ: ويش عليه اللي يروح لهذا؟ اللي يروح لهذا لا بأس، يمكن يقال: إن هذا لا بأس به، على أن المسألة فيها نظر، قد يُقال: إن الاعتبار بما في القرآن أبلغ من الاعتبار بما في دنياه، فالمسألة فيها نظر لكنه أهون من الذي يروح للنزهة والفُرْجة، القلوب قست.. الطالب: أليس بشد الرحل إذا كان قصد هذا التعبد يعني؟ الشيخ: لا؛ لأنه ما قصد البقعة بعينها، أصلها أن الإنسان يقصد بقعة معينة يشد الرحل إليها (...)؛ يعني مثلما بيقول: أنا بروح أشد الرحل إلى مسجد الرياض؛ لأنه مسجد قديم وتوالت فيه الملوك، (...) بروح أشد الرحل إليه، هذا حرام ما يجوز، أو أشد الرحل إلى مسجد بني أمية في الشام؛ لأنه مسجد الخلفاء، نقول: ما يجوز، حرام. طالب: للعبرة والموعظة (...). الشيخ: لا، هذه قد تكون مثلما قلنا في الأول: وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ [إبراهيم: ٤٥] إنما ما تدل على.. لكن قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا [النمل: ٦٩] هذه قد تكون إذا قلنا: إن السير حسي يشمل (...). طالب: لكن بشرط البكاء؟ الشيخ: بشرط البكاء، نعم، بشرط أنه يعتبر الإنسان. طالب: خصص ديار ثمود من جميع بقاع الأرض..
الشيخ: أصل ما عندنا بقعة معينة تدل على أن هذه ديار القوم إلا مثل قرية لوط؛ لأن الله يقول: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] لكن الله أنكر على الذين يمرون ولا يعتبرون. طالب: الشرب من (...) ثمود العلة هو الافتقار، فلو أوتي الإنسان بـ(...)؟ الشيخ: بدون (...). الطالب: يشرب منه. الشيخ: إي معلوم. الطالب: لو أوتي بماء من (...)؟ الشيخ: إي يجوز، حتى بئر الناقة نقول: إنه يجوز؛ لأن المسلمين كانوا يشربون منها بدون نكير، بئر الناقة.. الطالب: معروف؟ الشيخ: معروف في الزمن السابق، الآن ما أدري والله إلى الآن معروف ولَّا لا؟ ولا كان في الأول حسب كلام الفقهاء أنه معروف كان بئر كبيرة يردها الحُجَّاج اللي يأتون من الشام.
طالب: عندهم آلات (...) قوتهم الجسدية.. الشيخ: ما فيه شك أن عندهم قوة، ولكن أنتم تذكرون الناس عندنا من الأول يصنعون شيئًا ما يصنع بالوقت الحاضر. الطالب: (...). الشيخ: يصنعون (...) يسمونها الندية، يشكلون الهندسة من أحسن شيء. الطالب: (...) الجس. الشيخ: جس، الجس ليِّن. الطالب: نحت. الشيخ: لكن هذا نحت (...). الطالب: ينقشونها.. الشيخ: إي ينقشوها ويزينونها، ويجعلون لها طارًا من فوق كذلك أيضًا اللي يسمونها جراوة، تقول: جرو، وتسمية صحيحة عربية، الجرو الآن تجده (...)، ومع ذلك كبير بحيث يسع ماءً كثيرًا. الطالب: ولا ينكسر. الشيخ: ولا ينكسر حين نحته، وبعضه أيضًا يحطون (...) عليه فوق.. طالب: وحفر الآبار؟ الشيخ: وحفر الآبار أيضًا. طالب: (...). الشيخ: الله أعلم. طالب: كيف ترتب العذاب على عقر الناقة مع (...) متقدمة على عقر الناقة؟ الشيخ: إي؛ لأن هذه آية، لكونها آية لهم وبرهانًا على صدقه (...) معناه أن عقره عدوان على الرسالة؛ يعني هي ما بناقة عادية هي. الطالب: (...). الشيخ: هذا من الكفر هذا؛ يعني كأنهم إذا تجرؤوا هذه الجرأة العظيمة على آية الرسول، معناه بلغوا الغاية أو جعل هذا علامة وشرطًا على هلاكهم فقط بالإضافة إلى الكفر. طالب: ألا (...) وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: ٥٩] أنها ليست مولودة من ناقة؟ الشيخ: ليش؟ الطالب: لآتيناهم: أعطيناهم. الشيخ: مُبْصِرَةًيعني آية مبصرة تبين الحق. الطالب: بس (...). الشيخ: (...).
الطالب: (...). الشيخ: لا (...).
الطالب: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥) كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ١٦١ - ١٩١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فيما سبق قصة ثمود الذين أُرسِل إليهم صالح، وفيها في أولها إذا قوله: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٤٥] ما سبق في قصة عاد ونوح. وفي قوله: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ [الشعراء: ١٤٦] دليل على؟ طالب: على عدم بقائهم في (...). الشيخ: يعني أنهم ما يمكن أن (...) بدون رُسُل وشكر للنعمة. ما المراد بالاستفهام؟ الطالب: الاستفهام للاستبعاد والاستنكار. الشيخ: يعني لا يمكن أن يُتركوا، يكون للنفي والتوبيخ. طالب: التحذير. الشيخ: لا، التوبيخ متضمن للتحذير؛ لأنهم إذا وبخوا فهم مُحذَّرون. وفي قوله: آمِنِينَدليل على؟ الطالب: دلالة على عِظَم شأن نِعْمة الأمن، وأنها مما يستوجب الشكر العظيم لله سبحانه وتعالى، وأنه هو معطي الأمان (...). الشيخ: يدل على عِظم نعمة الأمن، وهذا صحيح، فإن نعمة الأمن قد تُقابِل نعمة الشِّبَع والشرب والري. ماذا يستفاد من قوله: وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ [الشعراء: ١٤٨]؟
طالب: وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌأن النخل من أطيب أنواع الفواكه؛ فهي لينة وسهلة الهضم. الشيخ: أيش وجه؟ الطالب: أي وجه؟ أن يكون.. الشيخ: إي، ويش وجه أنها مُفضَّلة على غيرها. الطالب: طَلْعُهَا هَضِيمٌأنها.. الشيخ: غيرها؟ الطالب: أنها تؤتي أكلها كل حين. الشيخ: لكن من السياق ما يُؤخذ شيء؟ الطالب: (...) طلع هضيم في اللين والـ.. الشيخ: لا، مين اللي يعرف؟ الطالب: لله الْمِنَّة امتنَّ.. طالب آخر: التخصيص بعد التعميم. الشيخ: التخصيص بعد التعميم يدل على مزيد فضل وعناية. ويستفاد من قوله: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ [الشعراء: ١٤٩] ما يستفاد منها؟ الطالب: بين قوتهم (...). الشيخ: القوة. الطالب: نعم، القوة، (...) كانت بيوتهم تنحت في الجبال. الشيخ: إي، طيب قوة، ويش بعد؟ الطالب: (...). الشيخ: ما يخالف، القوة، والعظمة، والنشاط إلى آخره، ولكن بمعنى آخر غير القوة الجسمية. الطالب: من ناحية الحذق في الهندسة. الشيخ: زين، الحذق في الهندسة؛ لأن هذا يتطلب حذقًا؛ إذ إنه أمر مُغَيَّب، ما هو بشيء أمامك (...) على ما تريد. ماذا يستفاد من قوله: فَارِهِينَ [الشعراء: ١٤٩] على القراءتين؟ طالب: على قراءة {فرهِينَ} أي: بَطِرِينَ، والقراءة الأخرى: فَارِهِينَبمعنى حَاذِقِينَ. الشيخ: نعم، بمعنى حاذقين. الطالب: الاستفادة جمع الأمرين، يعني بَطِرِينَ وحَاذِقِينَ. الشيخ: إي نعم، حرص في العمل، وبَطَر في النعمة، وهذا فائدة اختلاف القراءتين. قال: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [الشعراء: ١٥٢] في هذا فائدتان؛ لفظية ومعنوية، يفسدون ولا يصلحون الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ؟ طالب: (...).
الشيخ: إذن الفائدة المعنوية من هنا أنه لا يشارك فسادهم صلاح، فيكون في هذا النفي إثبات لكمال الفساد، هذه فائدة معنوية. فائدة لفظية: أظن ما قلتها لكم ولكن ما يخالف، تراها في علم البديع. طالب: في المقابَلة. الشيخ: لا، الطباق؛ فيها الطباق؛ لأن يفسدون ولا يصلحون مثل: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا [الروم: ٧] وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٧] يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا. وهذا لا شك أنه من الأسلوب اللفظي الحسن مع ما فيه من النِّعم. قوله: الَّذِينَ يُفْسِدُونَهل هي صفة كاشفة ولا صفة مؤسِّسة مقيدة؟ طالب: لا، صفة كاشفة. الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: بمعنى أي مسلم (...). الشيخ: (...) هذا؟ الطالب: هذا ليس تقييدًا؛ بمعنى أن هناك فيه من لا يفسدون، وإنما هو كشف وتوضيح لحالهم. الشيخ: تمام، هذا الإفساد في الأرض هل فِعْله فساد أو سبب له؟
الطالب: فعلهم نفسه فساد. الشيخ: فعلهم فساد نفسه. الطالب: ويكون أيضًا سببًا. الشيخ: ويكون سببًا، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]. جواب هؤلاء لصالح عليه الصلاة والسلام تضمن ثلاثة أشياء، ما هي؟ طالب: أيضًا أنه من المسحرين الذين قد كثر.. سحروهم (...) كثيرًا حتى غلب على أمره السحر. الشيخ: لا، (...)، بس أعطني إياه في القرآن. الطالب: وأيضًا أنه بشر مثلهم، وأنهم ألزموه بأن يأتي بآية إن كان من الصادقين. الشيخ: هذه الأجوبة ثلاثة هي صحيحة ولَّا لا؟ الطالب: فيها التفصيل؛ جواب إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَكذب محض. الشيخ: صحيح، هذا كذب محض. الطالب: مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَاصحيح. فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَفي تفصيل؛ إن كانوا يريدون طلب الحق فهو طلب صحيح، وإن كانوا يردون التعجيز والتحدي فليس بصحيح.
الشيخ: زين، ما هو الجواب عن الأول، جوابهم عن الشُّبهة الأولى: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ؟ طالب: نقول: هذه دائمًا حجة كل من لا يجد؛ يعني من لا يرتكز في (...) على شيء حقيقي، وإنما غاية ما هنالك الإنكار. الشيخ: السب والشتم والعيب، فهي دعوة غير مقبولة، ويدل على هذا أنه إنما يدعوهم إلى أمر معقول، والمسحَّر مَسحورًا مُخَبَّلًا، هذا ما يمكن يدعوهم بمثل هذا. مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَاويش الجواب على هذه الشُّبْهة؟ طالب: لو اقتصروا على هذه لقلنا بأنهم فعلًا أرادوا الحق.. الشيخ: ما يخالف، بس ويش الجواب عليها، ويش الجواب على قولهم: مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا؟ إحنا نقول: صحيح، هو ما هو إلا بشر مثلكم، لكن ويش الجواب على هذا؟ ما هم جعلوها شبهة لرد قوله؟ الطالب: نعم، نقول: إذا كان بشرًا مثلكم هذا يعني (...) أن تطيعوه، ولم يأتِ من غير جنسكم، حتى تقولوا: لو أتانا من جنسنا لأطعنا. الشيخ: لا، غير هذا، الجواب الذي أجابت به الرسل. طالب: قوله تعالى: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١]. الشيخ: زين، نقول: ما يخالف، هو بشر مثلكم ولكن الله مَنَّ عليه بالرسالة ما فيه مانع. الشبهة الثالثة فَأْتِ بِآيَةٍ؟ الطالب: فَأْتِ بِآيَةٍطلبوا منه هذه الآية، فيكون إن أرادوا التعجيز فنقول: هذه كالأولى؛ لأنهم قوم مكذبون معاندون، وأما إن طلبوا دلالة على ما أتى به فهم مصيبون. الشيخ: مصيبون؛ ولذلك أعطاهم آية: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍصالح عليه الصلاة والسلام أعطاهم الآية سواء كانوا متحدين، أو طالبين للحق، قال: هذه ناقة. ما وجه كون هذه الناقة آية؟ طالب: أن لها شربًا ولهم شرب، يشربون، إنهم يشربون يومًا من لبنها وتشرب يومًا من الماء. الشيخ: ما هو كونها آية، لو كان عندي بعير يومًا أحلبه ويوم أسقيه ماء تصير آية؟ الطالب: لا؛ لأنها على خلاف العادة. الشيخ: إي، على خلاف العادة؛ لأن شربها من هذه البئر على خلاف العادة؛ لأنها تشرب وتحلب، ما دامت تشرب فهي تحلب، وهذا شيء لا يكون في مثلها عادةً. الطالب: في نفس اليوم؟ الشيخ: في نفس اليوم الذي تشرب تحلب. الطالب: (...). الشيخ: بعضهم يقول: إذا أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، وبعضهم يقول: لا، أنها تقف تشرب وما دامت تشرب فهم يحلبون، أي واحد (...) الشرب يحلب، كأن هذا الماء بإذن الله في الحال يتحول إلى لبن. طالب: ما المقصود يا شيخ من يوم تشرب ويوم تحلب؟ الشيخ: لا، اليوم الثاني تذهب وترعى؛ ولذلك هم باليوم الثاني يشربون من الماء يُروُّون منه. ماذا كانت النتيجة لهذه الآية؟ طالب: كانت النتيجة عقروها، أصبحوا نادمين.
الشيخ: عقروها. أصبحوا نادمين على أي شيء؟
طالب: قيل: نادمين؛ يعني لأنهم عصوا النبي (...). وقيل: وهو الأرجح أنهم نادمون بسبب ما فوتوا على أنفسهم (...). الشيخ: هذه الناقة. الطالب: في شِرب اللبن. الشيخ: والذي يرجحه؟ الطالب: الذي يرجحه أنهم لم (...). الشيخ: لو ندموا على ما فعلوا؟ الطالب: لتابوا. الشيخ: لتابوا. يستفاد من هذا؛ من فعلهم هذا الفعل القبيح، ماذا يستفاد؟ الطالب: يستفاد أن العقوبة ترتبت على الغاية.. الشيخ: لا، كونهم متى يأتيهم بالآية هم يذهبون إلى إبطال الآية بعقرها.. الطالب: العتو والجبروت. الشيخ: نعم، يستفاد منه العتو الجبروت؛ ففيه تسلية لكل داعية إذا دعا إلى حق لو أُصِيب بمثل هذا، لو كنت مثلًا تدعو افرض أنك تدعو إلى القرآن، وتقول: يا جماعة، هذا كتب الله بين أيدينا، ثم يجي واحد خبيث ويخده منك ويمزقه، تمزيق هذا القرآن شبيه بعقر هذه الناقة، ولكن الواجب عليك أن تصبر وأن تقول: جرى للأنبياء وهم أشرف عند الله مني ما هو أعظم. وقوله: فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُما نوعه؟ الطالب: العذاب الصيحة، رجفة مع صيحة. الشيخ: رجفة مع صيحة، ويش دليل هذا؟ الطالب: قوله تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا [الأعراف: ٩١، ٩٢]. الشيخ: لا، بس فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَوبس.. طيب والصيحة؟ الطالب: الصيحة: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الحجر: ٨٣، ٨٤]. الشيخ: لا. الطالب: يقول في سورة القمر: إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر: ٢٧ - ٣١]. الشيخ: أحسنت، تمام.
تفسير الآيات (١٦٠-١٧٥)
٠٠:٤٢:٠٦
ثم قال الله تبارك وتعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ [الشعراء: ١٦٠، ١٦١]. قوم لوط هؤلاء في قرية يقال لها: سدوم من أرض فلسطين، ولوط كما هو يقول المؤرخون: ابن أخي إبراهيم، فيكون إبراهيم عمه، أرسله الله تعالى إلى أهل هذه القرية، وكانوا مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى يعملون عملًا فاحشًا يعتبر من أخبث الأعمال والعياذ بالله، وقد سماه الله تعالى خبيثًا في قوله: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ [الأنبياء: ٧٤] فهو (...)؛ لأنه قبيح عقلًا وفطرة وشرعًا، هذا العمل الذي يعملونه هو أنهم يأتون الذكران والعياذ بالله كما يأتون النسوة. وهنا يقول سبحانه وتعالى: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٦١ - ١٦٤]، هذه كلها سبق الكلام عليها. وكل الرسول يُرسَلون أولًا بتحقيق التوحيد وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ [النحل: ٣٦]. هذا الأصل كل الرسل يُرسلون به، لكن هناك أنواع معينة من المعاصي يرتكبها بعض الأمم، يُركِّز عليها الرسل عليهم الصلاة والسلام ففيما سبق بل فيما ذُكِر الآن في قوم لوط كان جرمهم الخاص هو هذه الفاحشة؛ ولهذا قال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، الاستفهام هذا للتوبيخ والإنكار.
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَأي: الذكور، جمع (ذَكَر).
مِنَ الْعَالَمِينَبيان للذُّكْران؛ أي: من (الناس) سواء كانوا من قبيلتكم، أو من غير قبيلتكم؛ ولهذا لم يقل: أتأتون الذكران منكم بل قال: مِنَ الْعَالَمِينَإشارة إلى أنهم -والعياذ بالله- لا يتحاشون عن أحد فهم مثل الكلاب، ثم مع ذلك زيادة على خبثهم أنهم تركوا النعمة التي خلقها الله لهم وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ. فلو كنتم تأتون الذكران من العالمين؛ لأنكم مضطرون لذلك وليس لكم من الحلال ما يغنيكم لكان الأمر أهون، لكن لكم من الحلال من يُغنيكم فكيف تأتون الخبائث وتذرون الطيبات؟ ولهذا قال: وَتَذَرُونَهي داخلة في مضمون الاستفهام؛ يعني وأتذرون مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ(تَذَرُونَ) بمعنى: تتركون مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ؛ أي: (أقبالهن) تفسير لقوله: مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ؛ يعني تأتون الذي خُلِق لكم من الأزواج وهو القُبُل، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب خلاف هذا؛ الصواب أن مِنْبيان لـمَا؛ أي: ما خلق لكم ربكم من الأزواج؛ يعني: وتذرون الأزواج، هذا المعنى، ما هو بأقبالهن، تذرون الأزواج أي: ما خلق الله لكم من الأزواج. وفرق بين ما ذكرت وبين ما ذهب إليه المؤلف؛ يعني كأنه يقول: تذرون فروج النساء، ولكن لو قال: أتأتون أدبار الذكور لكان نعم، وتذرون فروج النساء ولَّا لا؟ لكن لما قال: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَيكون المناسب: وتدعون النساء لكن قال: مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْدون قوله: أزواجكم؛ إشارة إلى أن الله تعالى هيأ هذه الزوجة للذَّكَر يتمتع بها كما يشاء إلا فيما حرم الله من الدبر مثلًا؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣]، وقال: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون: ٥، ٦]، وهذا يدل إباحة الاستمتاع للرجل بامرأته إباحة مطلقة بلا حدود، ما عدا أمرين؛ الدبر والفرْج في الحيض، وما سوى ذلك فكل شيء مُباح، هذا يزيد الأمر قبحًا إلى قُبحه حيث يدعون الطَّيِّب ويأتون الخبيث. وفي قوله: أَتَأْتُونَوَتَذَرُونَالفائدة المعنوية اللي أشرنا إليها وهي زيادة القبح، والثانية: اللفظية ما هي؟ الطباق لِذِكْر الأمر ومقابله، المعنى ومقابله (تأتون وتذرون). وقوله تعالى: مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْاللام للإباحة أو للتعليل؛ أي: خلق لأجلكم خَلَقَ لَكُمْأباح لكم. وقوله: رَبُّكُمْإشارة إلى أنه سبحانه وتعالى هو المتصرف فيه، الذي (...). الطالب: المعية، معناها.. الشيخ: اللام في لَكُمْ. وقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَبَلْللإضراب ولكن ما هو الإضراب الذي حصل؟ يعني ما هو الْمُضْرَب عنه؟ كأنه قال: لا تأتون الذكران فطرةً ولا عملًا عاديًّا محبوبًا إلى الفِطَر، ولكن الذي حملكم على هذا هو العدوان المجرد والعياذ بالله، متجاوزين الحلال إلى الحرام، بيَّن لهم لوط عليه السلام أن ما فعلوه أمر مستنكر عقلًا، ومستنكر شرعًا وعرفًا؛ لأن العدوان لا شك أن كل أحد ينكره، وهؤلاء معتدون. ومن الغريب أن الفاعل منهم اليوم قد كان مفعولًا به بالأمس، والمفعول به اليوم يكون فاعلًا في المستقبل، وهذا غاية ما يكون من العدوان، وسبحان الله كيف أن هؤلاء الجماعة -نسأل الله السلامة- يرى الإنسان ولده أو أخاه الصغير تُفعل فيه الفاحشة ولا يبالي بهذا؟! والظاهر أنهم يفعلونها جهرًا؛ لقوله: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ [العنكبوت: ٢٩]، فهم لا يبالون والعياذ بالله أن يركب بعضهم بعضًا جهارًا؛ فهذا غاية ما يكون من السخط.
طالب: (...). الشيخ: إي، وما هي من الظالمين ببعيد، بعدئذٍ الجواب على: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُعن إنكارك علينا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَمن بلادنا). هذا الجواب القبيح لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِعن أيش؟ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا معناه لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَهذا معناه لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَأبلغ من قوله: لنخرجنك؛ كأنهم يهددونه بما هو أعظم ترويعًا له؛ يعني أننا أخرجنا غيرك، وستكون أنت من جملة المخرَجِين؛ لأن لنا القدرة وسلطة على إخراجك. وفي قوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِتأكيد بالقسم واللام ونون التوكيد لَئِنْ؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم. لَتَكُونَنَّاللام واقعة في جواب القسم، والجواب الموجود هنا للقسم ولَّا للشرط؟ طالب: (...). الشيخ: الآن السؤال هل هو للقسم ولَّا للشرط؟
طلبة: للقسم. الشيخ: للقسم.
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وقَسَمْ
جَـــــــوَابَ مــا أخَّــــــرْتَ فَهْــــوَ مُلْـــتَزَمْ
(قَالَلهم لوط عليه الصلاة والسلام: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَالمبغضين)، هذا فيه نوع من التحدي لهم؛ يعني إن أخرجتموني فأنا راضٍ بذلك، ولا يهمني إخراجي، لماذ؟ لأني لعملكم من القالين، والإنسان المبغض لعمل قوم هل يحب أن يبقى معهم؟ لا يحب أن يبقى معهم، فكأنه يقول: أنا لا يهمني إذا خرجت؛ لأنني لا أرغب في المقام معكم وأنتم على هذا العمل الخبيث الذي أبغضه، والإنسان أشد ما يكون عليه أن يبقى مع قوم يكرههم، يقول المتنبي:
وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى
عَـــــــــــــدُوًّا لَهُ مَــا مِنْ صَــــــدَاقَتِهِ بُـــدُّ
وهذا صحيح؛ أن تبقى مع قوم تكره أفعالهم هذا صعب على النفوس، فكأنه يقول: أنا أرغب هذا، ومستعد له، ولا أبالي بإخراجكم، وفي هذا دليل.. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، (...). وفيه دليل: على أنه يجب على كل مؤمن أن يبغض عملهم؛ عمل هؤلاء القوم؛ لأن الرسل يقلونه يبغضونه، وهذه هو فائدة الجمع، مِنَ الْقَالِينَ؛ أي: المبغضين له، وإن كان هو ما فيه إلا قليل من الذين آمنوا معه فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]؛ يعني أنه ما آمن معه أحد إلا أهل بيته، ولا هم كلهم بعد، امرأته كانت من الكافرين. رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَيقوله المؤلف: (من عذابه)، ولا شك أن هذا التأويل قاصر؛ لأن مِمَّا يَعْمَلُونَأي: من فعله، ومن عذابه أيضًا، ولا يمتنع أن يسأل الله تعالى أن ينجيه من هذا العمل، لا يمتنع ذلك أبدًا وإن كان الرسل لا يمكن أن يعملوه؛ لأن الصواب المقطوع به أنهم معصومون مما يُخِل بالشرف والكرامة، وعمل قوم لوط، هذا يخل بالشرف، لكنه هو دعا لنفسه وأهله نَجِّنِي وَأَهْلِيوأهله معصومون من ذلك؟ ليسوا معصومين، الصواب أنه سأل الله أن ينجيه من عملهم ومن عذابهم. قال الله تعالى: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، الفاء للتفريع؛ يعني فتفريعًا على دعوته أجيب: نجيناه وأهله أجمعين. (إِلَّا عَجُوزًاامرأته فِي الْغَابِرِينَالباقين أهلكنا)؟ طالب: (أهلكناها). الشيخ: (أهلكناها) اللي عندي أحسن، كأنه يريد إن (أهلكنا) مُسَلَّط على قوله: عَجُوزًاإلا عجوزًا أهلكنا؛ يعني إلا أن أهلكنا عجوزًا، واللي عندكم أيضًا لها معنى أوضح؛ لأنه إذا قال: الباقين أهلكنا قد يظن الظان أن المراد أهلك الباقين. على كل حال استجاب الله دعوته فنجاه وأهله. أَجْمَعِينَيدل على أن الأهل كانوا عددًا كثيرًا، والصحيح أننا لا ندري كم عددهم، إنما أهله ولكن أَجْمَعِينَيدل على الكثرة؛ لأن أَجْمَعِينَهذه جمع، أدنى ما يُقال فيه ثلاثة، مع أن هذه الكلمة أَجْمَعِينَتدل على جماعة؛ جماعة مستكثرة.
وقوله: إِلَّا عَجُوزًاشوف -والعياذ بالله- هذه المرأة عجوز كبيرة في السن، وكان الذي ينبغي لكبير السن أن يكون منيبًا إلى الله عز وجل؛ لأنه قريب من الموت، هو أقرب إلى الموت من الشاب، ولكن -والعياذ بالله- كفانا الله شر العجز، والشابات هي صارت خبيثة والعياذ بالله، كافرة بالله لكنها كاتمة لذلك؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة التحريم أيش؟ قال: فَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠] ليست خيانة شهوة وزِنى، ولكن خيانة كفر؛ ولهذا قال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍفَخَانَتَاهُمَا [التحريم: ١٠] لم تشعراهما بكفر، فما علم بكفرهما. طالب: هي كانت مؤيدة لفعل القوم؟ الشيخ: إي، هذا إقرار بالكفر، هي كافرة ومؤيدة أيضًا زيادة. والإقرار (إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَالباقين)، الغابر يُطلَق على معانٍ، منها الباقي، ومنها الماضي أيضًا، فيكون فيه ما يُسمَّى بالأضداد؛ لأن اللغة فيها كلمات تصلح للشيء ولضده؛ تسمى الأضداد. ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَبعد أن انتهينا لوطًا وأهله. دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ؛ لأنه بعد أن أمر أن يسير بأهله ليلًا ويخرج من البلدة إلا امرأته، دمر الله هذه البلدة؛ يعني فخرج، ثم دُمِّرت. الْآخَرِينَالمراد به مَنْ؟ قومه. قال المؤلف: (أهلكناهم). (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًاحجارة. قال: من جملة الإهلاك)، من جملة الإهلاك أن الله سبحانه وتعالى أمطر عليهم مطرًا، والظاهر لي أن قوله: وَأَمْطَرْنَاعطف تفسير على قوله: ثُمَّ دَمَّرْنَا؛ لأن هذا هو الذي دُمِّروا به، أن الله أمطر عليهم مطرًا، وما هو المطر؟ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود: ٨٢]: متتابع، مسومة عند الله. يقول تعالى: (فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَمطرهم) فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَأي: مطر هؤلاء القوم وإنما قال: الْمُنْذَرِينَ؛ لبيان أنها قد قامت عليم الحجة ولم يمطروا بالعذاب إلا بعد أن أُعذِر منهم. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَفي هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بهذه الحجارة؛ بالتدمير بالحجارة، وليس بالقلب، كذا؟ طالب: في هذه الآية وغيرها من الآيات ما يدل على أن قوم لوط أُهلِكوا بالحجارة. الشيخ: وليس بالقلْب، كما هو مشهور عند أهل العلم وكثير من المفسرين أن بلادهم حُمِلت إلى عنان السماء، ثم قُلِبَت، هذا ما في القرآن ما يدل عليه، ما في القرآن إلا: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [الحجر: ٧٤]، وجعل العالي هو السافل يكون بغير القلب، فإن هذه الحجارة إذا نزلت على المنازل وهدمتها صار العالي من المنازل صار سافلًا، ثم إنها إذا قُلِبت مثلًا وصار الناس في باطن الأرض فما قيمة الحجارة حينئذٍ؟ ما لها قيمة. والمهم أنه ليس في الأمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن أرضهم حُمِلت وقُلِبت، وما دام أنه ليس في الأمر ما يدل على ذلك فالأولى أن يقال: إنهم دُمِّروا بهذه الحجارة والإشكال الذي في قوله: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [الحجر: ٧٤] ينحل بقولنا: إنها إذا تهدمت البيوت صار العالي سافلًا، صار أعلاها سافلًا. ويستفاد من هذه القصة: أولًا: السعادة في توحيد الله، والأمر بتقواه إلى آخره، هذا سبق، والإخلاص في الدعوة لله سبحانه وتعالى، وأنه لا ينبغي للداعي أن يأخذ على دعوته أجرًا، كل هذا سبق، لكن يستفاد به أن من بني آدم من تُقلب طبيعته وفطرته حتى يستحسن الخبيث؛ لأن هؤلاء هذه حالهم. وفيه أيضًا: زيادة الإنكار فيما إذا كان للإنسان مندوحة عن الحرام؛ لقوله: وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ. وفي الآية دليل: على جواز الاستمتاع بالزوجة استمتاعًا مطلقًا؛ لقوله: مَا خَلَقَ لَكُمْ. وفيه دليل: على أن من تجاوز الحلال إلى الحرام فهو عادٍ ظالم لنفسه ولغيره؛ لقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ. وفيه دليل: على أن المعاندين للرسل إنما يلجؤون إلى قوتهم وسلطتهم لا إلى العقل والإقناع؛ لقوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ، وقال ذلك قوم نوح: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: ١١٦]، لكن عذاب آخر، وكذلك أيضًا قاله فرعون، لمن؟ لموسى: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]، وقاله آزر لابنه إبراهيم: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم: ٤٦]، كل هذا مما يدل على أن هؤلاء الذين يهددون بالسلطة لا بالإقناع والعقل، هؤلاء لا حُجَّة لهم. وفيه دليل: على أنه يجب على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله؛ لأن هذه طريقة الرسل؛ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ. وفيه دليل: على أنه لا غنى لأحد عن دعاء الله رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ، وأما قول بعض العارفين الجاهلين: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فهذا قول باطل، الله يعلم بحال كل أحد، ومع ذلك ما زالت الرسل وأتباعهم يدعون الله تبارك وتعالى. وفيه دليل: على وجود الرب سبحانه وتعالى؛ لقوله: رَبِّ نَجِّنِيفَنَجَّيْنَاهُ، وهذا دليل حسي ظاهر. وفيه دليل: على إجابة الله للدعاء، وهذه الإجابة تتضمن عدة صفات؛ تتضمن العلم، والقدرة، والرحمة. وفيه دليل: على أن الله سبحانه وتعالى ينقد أهل الحق إهلاك الكافرين، ويهلك الكافرين ولو كانوا في أحضان أهل الحق؛ لأن الله أنجا لوطًا، وأهلك امرأته وهي في أحضانه، وهذا هو السر في قوله: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] التعبير القرآني، المؤمنون نجوا ولَّا لا؟ لكن البيت المسلم ما نجا كله، المرأة التي كانت تتظاهر بالدِّين وهي مسلمة ظاهرًا، هذه ما نجت؛ ولهذا قال: غَيْرَ بَيْتٍمنين؟ مِنَ الْمُسْلِمِينَفالبيت هذا أهله مسلمون، لكن ليس كلهم مؤمنين، كان فيهم هذه المرأة العجوز، كانت كافرة، وليس في الآيه دليل كما يقول بعض الناس، ليس فيها دليل على أن الإيمان هو الإسلام؛ لأن فرق بين هذا وهذا. وفي الآية أيضًا دليل: على أن القرب من الأنبياء والأولياء لا يغني الإنسان شيئًا، منين نأخذه؟ من أن هذه زوجة نبي ومع ذلك هلكت مع من هلك، فكون الإنسان قريبًا من إنسان ولي لله لا يفيده شيئًا، أبو لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك ما نزل من القرآن في أحد معين من الكفار سوى أبي لهب عم النبي عليه الصلاة والسلام، وما نزل القرآن في تسمية شخص بعينه من المسلمين إلا في زيد بن الحارث مولى من الموالي من أبعد ما يكون عن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ وبهذا يتبين أن القرب قرب النسب، وقرب المصاهرة وغيره لا يغني عن الإنسان شيئًا، وتأمل آية سورة التحريم، نزلت فيها قصة: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ [التحريم: ١٠] ضَرَبَ اللَّهُ؛ لأن عائشة وحفصة اللتين تظاهرا على النبي صلى الله عليه وسلم قد يغترا بقربهما من الرسول صلى الله عليه وسلم فيعملا ما عملاه، فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا تنفعهما صلتهما بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا دليل: على أن عقوبة الله سبحانه وتعالى تتنوع حسب العمل؛ لأن هنا أُمطِروا مطرًا حتى هُدِّمت منازلهم وصار عاليها سافلها، ثم خُصف بها فيما بعد؛ ولذلك الآن هي بُحيرة اسمها الآن بحيرة لوط، معروفة. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، لكنه بحر ميت؛ لأنه غير متصل بالبحار. طالب: (...) البحر الميت. الشيخ: ويكون أيضًا ماء يعيش فيه السمك والحوت في مثل ما يعيش فيه غيره، وفيه لكن مو مثل غيره؛ لأنهم (...) بحار عميقة، فلا يكون في ذلك شيء صغير وكبير. طالب: (...) عاد مثلًا؟ الشيخ: إي، عاد ممكن على أساس أنه خصف به. وفي هذا استدل بعض العلماء أخذًا من هذه القصة أن اللوطي يُقتل بأن يُرمى بالحجارة حتى يموت قياسًا على رمي الله تعالى على هؤلاء بالحجارة، والمسألة كما أشرنا إليه سابقًا فيها خلاف؛ من العلماء من قال: أن اللوطي لا يُتعرَّض له، ولا يقال له شيء؛ هذا قول. والقول الثاني: أنه يُعزَّر بالضرب والحبس وما أشبه ذلك. والقول الثالث: أنه كالزاني، إن كان محصنًا رُجِم، وإن كان غير محصن جُلِد وغُرِّب. والقول الرابع: أنه يقتل بكل حال سواء كان محصن أم غير محصن ولكن كيف يقتل؟ قيل: بالرجم، وقيل: بالسيف، وقيل: بالتحريق، وقيل: بإلقائه من شاهق وإتباعه الحجارة، وهذا الأخير القول الخامس، أظن أربعة، القول الرابع هو الذي اتفق عليه الصحابة أنه يُقتل. أولًا: لا يتعرض له، أنه يُعزَّر، أن حده كحد الزاني، الرابع: أنه يقتل بكل حال، ثم اختلفوا في صفة القتل، وهذا القول هو الصحيح المتعيِّن؛ أنه يُقتل بكل حال فاعلًا كان أم مفعولًا به، إذا كان بالغًا عاقلًا؛ لأن هذا ليس كالزنى أشد وأعظم؛ ولأنه أمر لا يُمكن التحرز منه بخلاف الزنى، الزنى يمكن التحرز منه، لكن هذا لا يمكن فإنه لو أن خبيثًا أمسك بيد أمرد ما أحد يقوله، أيش الأمر هذا؟ وليش تمسك إيده، وما أشبه ذلك؟ فهو أمر لا يتحرز منه، يأتي في نوادي الرجال وغيرها، فهذا هو الصواب المقطوع به. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، أن الصحابة أجمعوا على قتله، أما من قال: إنه لا يتعرض له أيش حجته؟ قال: لأن هذا مما تنفر عنه الطباع، وما تنفر عنه الطباع يُكتفى بالرادع الطبيعي، كما قلنا: إن شارب البول لا يتعرض له، وشارب الخمر يُجلد؛ لأن الخمر تدعو النفس إليه، وهذا لا تدعو النفس إليه. هذا قول باطل لا الأصل ولا الفرع، فإن قوله: (إنها لا تدعو النفوس إليه)، نقول: صحيح، النفوس السليمة لا شك لا تدعو إليه، وتستهجنه، وتستقبحه، لكن ألا يوجد هناك نفوس خبيثة؟ طالب: بلى.
الشيخ: شهواه أكثر من النساء، شهواه -والعياذ بالله- أكثر من النساء، يهجرون نساءهم في فروجهن، ويذهبون إلى هذه الفعلة الفاحشة. ثانيًا: قوله: إن البول لا يُعزَّر على شربه ويُكتفى بالرادع الطبيعي، هذا باطل أيضًا، بل يجب أن يُعزَّر على فعله، ومن رأيناه يشرب بولًا يجب أن نعزره؛ لأنه فعل محرمًا، والتعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فالصواب أنه يُقتل بكل حال والله المستعان. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، لا يعذب بالنار إلا الله سبحانه وتعالى ، لكن كأنهم رأوا لعِظَم هذا الفعل، وأن المقصود بالتعذيب بالنار في الأمور التي دون هذا وإلا فقد وقع ذلك في أبي بكر رضي الله عنه، ومن عبد الملك بن مروان؛ ثلاثة من الخلفاء كلهم اتفقوا عليه. طالب: الراجح؟ الشيخ: الراجح الرجم. الطالب: قوله: (...). الشيخ: لا، ما فيه إلا كلام المؤرخين. الطالب: (...)؟ الشيخ: حد لوطي؛ يعني الْمُحصَن يُرجم. الطالب: (...). الشيخ: لا، إحنا قلنا: إن حده القتل بكل حال؛ يعني لو يتلوَّط من له سبع عشرة سنة كمن له ست عشرة سنة قُتِلا جميعًا، وإن كان ما لهم زوجان لو ما تزوجوا. الطالب: رواية المذهب هذه. الشيخ: المذهب ضعيف في هذه المسألة. الطالب: (...) الرواية الثانية. الشيخ: وين؟ الطالب: (...). الشيخ: فيه قول ثانٍ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ما أدري فيه رواية عن أحمد ولَّا قول..، يعني ما فيه وجه قوي للأصحاب هذا، وممن قال به شيخ الإسلام، لكن كونه رواية ما أدري. طالب: قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي [الحجر: ٧١]. الشيخ: إي، يعني أزوجكم إياهن. الطالب: (...). الشيخ: بعض المفسرين قال: بناتي؛ يعني بذلك بنات الأمة؛ لأن الرسول أب لقومه، فيكون لهم بمنزلة الأب.
الطالب: وجيه هذا؟ الشيخ: ما هو بوجيه لكن اللي دعاهم إلى هذا قالوا: إن بناته مسلمات مؤمنات، وهؤلاء كفار، والكافر لا يتزوج بالمؤمنة فيقال: الجواب على هذا إما أن شريعتهم تبيح ذلك، أو أن معنى هَؤُلَاءِ بَنَاتِييعني فأسلموا وتزوجوهن ويكون المعنى مفهومًا. طالب: (...). الشيخ: كم هم اللي جايين؟ ما يخالف، كم اللي جايين؟ الطالب: (...). الشيخ: يقينه جاي الناس. الطالب: جاي الناس. الشيخ: لأنهم ذهبوا يبشر بعضهم بعضًا بهؤلاء القوم. الطالب: (...). الشيخ: إي، المهم..
الطالب: جاء أهل المدينة (...). الشيخ: إي نعم، ما يخالف لكن ما هو بالمعنى أنه بيقسم بناته على كل المدينة قطعًا، لكن المعنى أني أزوجكم بناتي وإن لم يتزوج منكم عدد يقابل بناتي فالباقي يخدوا من النساء (...). ثم إن هذا بالحقيقة كأنه يقول: أنا أحافظ على ضيوفي أكثر مما أحافظ على أي شيء آخر؛ يعني فإني أبغي أحميهم حتى إني أتنازل عن بناتي أزوجهن من أجل المحافظة على هؤلاء الضيوف؟ طالب: دليل من قال بإلقاء (...)؟ الشيخ: بناءً على أن القرى هذه يعني رُفِعت، ثم قُلِبَت.
تفسير الآية (١٧٦)
٠١:١٩:٢٦
ثم قال الله تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِوفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء وهي غيضة) إلى آخره. نشوف القراءة المعروفة: (الْأَيْكَةِوفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام) {اليْكَةَ} (وَفَتْح الْهَاء) وينه؟ طالب: (...). الشيخ: (...) {كَذَّبَ أَصْحَابُ اليْكَةَ} هذه القراءة الثانية. وعلى القراءة هذه إنما كسرت لأجل (أل) التعريف؛ لأجل (أل) المعرفة. على القراءة الثانية اللي أشار إليها في التفسير {كَذَّبَ أَصْحَابُ اليْكَةَ} الهمزة راحت، و(أل) الْمُعرِّفة كلها راحت، وعلى هذا تكون ممنوعة من الصرف؛ لأنه لم يوجد فيها (أل) التي تحول غير المصروف إلى الانصراف.
لكن ما هي الْأَيْكَةِيقول: هي (غيضة شجرة قُرْب مدين)، غيضة الشجرة يعني: أرض مملوءة بالشجر، والغالب أن يكون الأشجار الملتفة بعضها على بعض، يقول: الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٧٦]. طالب: مدين (...). الشيخ: مدين، يعرف على أنه في فلسطين من قصة موسى.. أصحاب مدين المرسلين.
تفسير الآيات (١٧٧-١٩١)
٠١:٢١:٥٠
(إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌلم يقل: أخوهم؛ لأنه لم يكن منهم) وفيما مضى من القصص يقال لهم: أخوهم وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف: ٨٥]، فتبين بهذا أن أصحاب الأيكة ليسوا أهل مدين؛ ولهذا المؤلف يقول: (قُرْب مدين) وليسوا من القرية التي بُعِث فيها شعيب؛ لأن أهل القرية التي بعث فيها وهي مدين من قبيلته؛ ولهذا لما ذكر مدين قال: أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، وأما هذا فقال: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء: ١٧٦، ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، ومما يدل على أنهم ليسوا أصحاب مدين أن العذاب الذي أُخِذوا به غير العذاب الذي أخذ به أصحاب مدين، أصحاب مدين أخذوا بالصيحة، وهؤلاء أُخِذوا بعذاب الظلة، كما سيأتي إن شاء الله. طالب: على هذا يكون مرسلًا مرتين؟ الشيخ: لا، مرسل مرة واحدة لكن إلى قومين. الطالب: (...). الشيخ: إلى هؤلاء وهؤلاء، ويجوز أن يكون هذا من باب التبع، أن هذه القرية هذه الصغيرة مثلًا، وكانت تابعة لبلدته التي هو منها، ويدلك على هذا أن عملهم واحد، عمل هؤلاء وعمل أهل مدين. إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، هذه عامة لكل الرسل كما عرفتم. الذنب الخاص بهؤلاء (أَوْفُوا الْكَيْلَأتموه وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَالناقصين) هؤلاء القوم الذين بُعث إليهم شعيب سواء كانوا قومه أم أهل القرية هذه كانوا يبخسون المكيال والميزان والعياذ بالله، إذا وزنوا للناس نقصوه، وإذا اتزنوا منهم استوفوا، هذا الظاهر: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين: ١ - ٣]. أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَهذا مقابل لقوله: أَوْفُوا الْكَيْلَلأجل ألا يقال: إن من أوفى في أكثر الأعمال يكون مُوفيًا؛ يعني مثل الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فأوفوا الكيل؛ يعني في كل فرد من أفراد معاملاتكم؛ ولهذا قال: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَأي: من المتصفين بالإخسار، والإخسار بمعنى النقص.
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِهذا الوزن، والفرق بين الوزن وبين الكيل أن ما قُدِّر بالحجم فهو كيل، وما قُدِّر بالثِّقل فهو ثقل، اللي يُقدَّر بالحجم؛ لأن المكيال تضع فيه الشيء يكون حجمه هكذا، وأما هذا فيُقدَّر بالثِّقل فيُسمَّى وزنًا. وقوله: بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِيقول المؤلف: (الميزان السوي)، فعلى هذا القِسطاس بمعنى الميزان، والمستقيم بمعنى السوي. طالب: أعجمي؟
الشيخ: لا مُعرَّب. (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْلا تنقصوهم من حقهم شيئًا)، هذا عام حتى فيما يُزرع وفيما يُعَدُّ، مثل هؤلاء القوم، ذنبهم الخاص الذي بُعِث هذا الرسول لإصلاحه مع عبادة الله هو بخس الناس في الكيل والميزان وغيره؛ ولهذا عمَّم وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء: ١٨٣] لا تنقصوهم حقوقهم. (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَفي القتل وغيره). قول الله تعالى: وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَفي القتل، لم نعرف أن هؤلاء القوم –أي: قوم شعيب- كانوا يقتلون الناس بل المعروف من ذنبهم أنهم كانوا يبخسون الناس أشياءهم. طالب: (...). الشيخ: يمكن بالقتل أو غيره ما ندري، إنما الإيعاد سواء بالحبس أو بالضرب أو بغيره هو من الفساد، ومن الفساد أيضًا نقص الناس أشياءهم؛ ولهذا «مَا بَخَسَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» . ومنع القطر من السماء فساد في الأرض بلا شك. وقول الله: وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الشعراء: ١٨٣] هذه الحال يسميها أهل النحو: حالًا مؤكدة؛ لأن العتو هو الفساد مثل لو قلت: لا تقم قائمًا. فإن (قائمًا) حال، وهي مؤكدة لقوله: لا تقم. طالب: يجوز؟ الشيخ: إي، يجوز. طالب: الظاهر لا تقم قائمًا؛ أي: لا تقوم قائمًا (...). الشيخ: لا، لا تقوم قائمًا؛ يعني لا تستمر قائمًا زَمانًا. وقوله: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَفي القتل وغيره من عَثِيَ بكسر المثلثة أفسد ومُفْسِدِينَحال مؤكِّدة لمعنى عاملها). (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَالخليقة الْأَوَّلِينَ) حذرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالذي خلقهم وخَلَقَ الخلق الأول أيضًا؛ إشارة إلى أنكم ستزولون كما زال مَنْ قبلكم، فأنتم مخلوقون من العدم وستؤولون إلى العدم. قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَمثل جواب من؟ قوم صالح. ({وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} -مثلهم تمامًا- {وَإِنْ} مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه أي الشأن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ). ويش الدليل على (إن) مخففة هنا من الثقيلة؟ ويش الدليل؟ طالب: وجود اللام. الشيخ: ويش بعد؟ وجود اللام هذا دليل لفظي. الطالب: قرينة الحال (...). الشيخ: إذن فإن هنا الدليل على أنها مخففة من الثقيلة أمران:
لفظي: وهو اللام؛ لأن اللام لا تقترن إلا في خبر (إن) المخففة. والثاني: المعنى، لو كان في الآية وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَيعني وقال قائل: إن (إن) نافية. قلنا: ليس كذلك؛ لأنهم لو قالوا: ما نظنك من الكاذبين لكانوا مُصَدِّقين به، والأمر ليس كذلك، إذن هم يقولون: إن نظنك من الكاذبين، وهذا الظن حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالِمِين وكاتمين مثل قول فرعون: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر: ٣٧] وهو يعلم أنه صادق. (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًابِسكون السِّين وفتحها قطعة مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَفي رسالتك) أعوذ بالله، هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتِنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما توعدنا به فأتِ بالعذاب فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِكقول قريش للرسول عيه الصلاة والسلام حين قالوا..