تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الشعراء - ٩

درس صوتي · ٧٥:٣٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

حسب اعتقادهم إن كانوا جاهلين بالأمر، أو حسب عنادهم إن كانوا عالمين وكاتمين؛ مثل قول فرعون: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر: ٣٧] وهو يعلم أنه صادق. (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا [الشعراء: ١٨٧] بسكون السين وفتحها قطعة مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَفي رسالتك) هادولا أخبث من قوم صالح؛ لأن أولئك قالوا: فأتنا بآية، لكن هؤلاء قالوا: إن كنت صادقًا بما تُوعِدُنا به فأتِ بالعذاب فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ، كقول قريش للرسول عليه الصلاة والسلام حين قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢]، وهذا من سفاهتهم، وكان واجبًا أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا. طالب: في سورة العنكبوت (...). الشيخ: (...) ويش قالوا؟ الطالب: قالوا (...). الشيخ: على كل حال هذا كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ؛ يعني تشابهت القلوب والأفعال [الأنعام: ١٤٨]. فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(إن) هذه شرطية، والغرض منها التحدي، (قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ١٨٨] فيجازيكم به)؛ يعني: أنتم فعلتم كل قبيح وقابلتموني بكل إثم صريح، ولكن الذي يعلم ذلك هو الله، وهو يهددهم بلازم العلم، ولهذا قال المؤلف: (فيجازيكم به فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء: ١٨٩]، وهي سحابة أظلتهم بعد حرٍّ شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) أعوذ بالله! هم -والعياذ بالله- أصيبوا بحرٍّ شديد حر عظيم جدًّا، ما أطاقوه، فأنشأ الله تعالى سحابة تظلهم، فخرجوا من بلادهم عن بكرة أبيهم إلى هذا الظل، ولكن –والعياذ بالله- لما وصلوا وإذا هي نارٌ -والعياذ بالله- أحرقتهم عن آخرهم، وهذا من أشد ما يكون -والعياذ بالله- من العذاب؛ لأنهم جاؤوا هاربين من عذاب، فوقعوا في أشد منه والعياذ بالله، كانوا حينما أقبلوا ويش يظنون؟ أنهم نَجَوا من الحر بهذه الظلال، ولكنه -والعياذ بالله- صار حتفهم. إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍولهذا وصفه الله إِنَّهُأي: هذا العذاب كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وصدق الله إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ١٩٠، ١٩١]. هذه القصص عبرٌ في الحقيقة يعتبر بها الإنسان من عدة نواحٍ؛ أولًا: يعلم بها صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام وجلدهم وإخلاصهم لله، وأنهم لا يُبالون بما نالهم في ذات الله. هذا واحد. ثانيًا: يعتبر بها بالتسلي بما أصاب الرسل؛ لأن الإنسان يتسلَّى بما أصاب غيره. (...) بالصبر بأن يصبر هو على الدعوة إلى الله، ولا يمل ولا يكل؛ لأن العاقبة تكون لمن؟ للصابرين والداعين إلى الله، كل العواقب الآن اللي رأينا بالقصص كلها للرسل عليهم الصلاة والسلام. والرابع: أن فيها عبرة تُحذِّر المخالفين للرسل؛ فإن كل المخالفين للرسل -كما رأيتم- كلهم عوقبوا وأخذهم العذاب. وفيها أيضًا من العبر: بيان قدرة الله عز وجل؛ حيث ينزل العذاب، فينجو منه من ينجو، ويهلك به من هلك، وأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر: ٦١]. وفيه من العبر: أن الإنسان يتعجب كيف يصل بنو آدم إلى هذا العتو والعناد والاستكبار! يعني تحدٍّ لله عز وجل بما يخاطبون به رسله، تعجب كيف يصل الأمر؟! وفيها أيضًا من العبر، وهي السابعة: أنك تقيس حاضرك بغائبك. ألا يوجد الآن أمثال هؤلاء؟ يوجد الآن أمثال هؤلاء؛ لأن طبيعة البشر واحدة من آدم إلى اليوم، فيوجد من هؤلاء وإن اختلف الأسلوب، الأسلوب قد يختلف لكن المعنى واحد، العتو والاستكبار يوجد الآن من بني آدم من يقول: إن الدين خرافة، يوجد من بني آدم من يقول: إن الله تعالى يجب أن يوضع في قفص الاتهام. ليش هذا يشبع وهذا يجوع، وهذا يأمن وهذا يخاف، وهذا يصح وهذا يمرض؟ والعياذ بالله، فهذه الأشياء يجب أن تعتبر بها وأنه ما سبق قبل زمانك وجد منه مثله في زمانك. والعبر من هذا كثيرة ولو أن الإنسان كتب هذه العبر عند قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]؛ لأنك كلما استنتجتَ عبرة ازددت عقلًا؛ لأن الله جعل العِبَرَ لمن؟ لأولي الألباب، فكلما كان اللب أقوى كانت العبرة اللي تؤخذ من هذا أكثر. مثل هذا لو تيسر أنه يُكْتَب عند قوله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ، تكتب العبر، وفي سورة هود فصل كثير لقصص الأنبياء، وفيها أيضًا لما ذكر الله في آخرها وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود: ١٢٠]. طالب: (...). الشيخ: أيها؟ الطالب: (...). الشيخ: الأولى بيان ما قابل الرسل من صبرهم وجلدهم وتحملهم. الطالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم. طالب: لعل يشترط (...)؟ الشيخ: من؟ الطالب: (...). الشيخ: هذا هو ظاهر الآية إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ [الشعراء: ١٦١]، وأما من قال: إنه ليس منهم في النسب لكنه مصاهرٌ لهم، وأولاده منهم، والولد بعض من أبيه، فقال الله: أَخُوهُمْ؛ فهذا خلاف الظاهر. طالب: (...) يشترط؟ الشيخ: لا، ما هو بشرط. طالب: إنما هي من باب التغليب. الشيخ: إي، من باب التغليب. طالب: أن شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء من قراءتي لقصته بليغة جدًّا. الشيخ: إي، ما نجزم نقول: إنه خطيب الأنبياء، يمكن في الأنبياء من هو أخطب منه. الطالب: كان أعمى؟ الشيخ: لا. الطالب: ولوط كان أعمى. الشيخ: من يقول؟ الطالب: (...). الشيخ: الغالب أن الرسل عليهم الصلاة والسلام كاملون، ولهذا الفقهاء رحمهم الله قالوا: يُشْتَرط في القاضي أن يكون بصيرًا، نفس الفقهاء وهو المذهب؛ المذهب أن يكون بصيرًا، أنا ما أعتقد ولا أظن أن الله سبحانه وتعالى يبعث أحدًا أعمى. طالب: لم يعيروه (...). الشيخ: إلا، عيروه وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف: ٥٢]. الطالب: (...). الشيخ: المهم أنهم عيروه حتى إنهم عيروه بما ليس فيه قالوا: إنه آدر، فبرأه الله مما قالوا. طالب: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. الشيخ: المهم أنهم مثلما قال، لو كان هذه العاهة البدنية فيه لكان يعيرونه بها، ثم ويش هو الأصل؟ الأصل السلامة، وأن الله لا يبعث إلا من هو سليم في كل الحواس. طالب: وأين الدليل؟ الشيخ: هذا الحقيقة اللي ادعوه يجب منهم يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا اعتقد أنه نوع من الذنب؛ لأن هذا اتهام لله عز وجل أنه يرسل ذا عاهة؛ لأنه لا شك أن اللي ما هو مبصر لا شك أنه ناقص؛ فإن الإدراكات تكون بالسمع وبالبصر من أقوى ما يكون، ودائما يحتج الله على الإنسان بسمعه وبصره. طالب: هل تزوج (...) بابنة شعيب أو..؟ الشيخ: لا، ما هو ظاهر (...)، الصحيح أن صاحب مدين اللي في قصة موسى متأخر عن شعيب كثيرًا وله.. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، إي نعم. لكن لما قال: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٢] ظنوا أنه هو شعيب، ولا في القرآن ولا في السنة أنه شعيب، حتى ولا أن اسمه شعيب، حتى لو ثبت أن اسمه شعيب لكان لهم شبهة، لكننا نقول: إنهم يتسمون بأسماء أنبيائهم؛ مثل: يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم: ٢٨] مريم هي أخت لهارونَ؟ بينهم أزمان طويلة. طالب: وجه تنوع العذاب يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، يقول الله عز وجل: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ [العنكبوت: ٤٠] كل إنسان يُؤْخَذ بذنبه؛ بالمشابهة. طالب: (...)؟ الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: مثلًا فرعون ما وجه مشابهة الإغراق (...)؟ الشيخ: لأنه كان يفتخر بالماء هو، وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: ٥١]، فعُذِّب بمثل ما كان يفتخر به؛ أُخْرِج من مصر وأُغرِقَ بالماء. طالب: هذه الآية (...) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ؛ يعني: كل الرسل كل القصص (...). الشيخ: إي، لكن الكلام على بِذَنْبِهِ؛ يعني بالعقوبة التي تطابق ذنبه، لكن لا يلزم أننا نعرف كل شيء، قد يخفى علينا بعض الشيء. طالب: الفرق بين الوزن والكيل؟ الشيخ: ويش الفرق بينهم؟ سبحان الله! الفرق بين الكيلو والوزن. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف. طالب: الكيل يقيس الحجم، والوزن يقيس الثقل. الشيخ: ما كان يقاس به الحجم فهو مكيال، وما قيس به الثقل فهو ميزان، فيه عند الناس مشهور أن الإنسان اللي يزن روحه يُزكِّي على نفسه، ولهذا دائما السؤال عنه؛ يسألون أولا: هل يجوز ولا ما يجوز؟ ويسألون بعد ذلك: هل عليه زكاة إذا منه وزن روحه ولَّا لا؟


تفسير الآيات (١٩٢-١٩٦)

٠٠:١٤:٤١

{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤]، الضمير في قوله: وَإِنَّهُيعود إلى القرآن -كما قال المؤلف- وإن لم يسبِقْ له ذكرٌ لكنه يُعيِّنه السياق، ومرجع الضمير -كما هو معروف- قد يكون مذكورًا، وقد يكون معلومًا، والمذكور قد يتقدم، وقد يتأخر، إلا أنه من القواعد المقَرَّرة أنه لا يعود الضمير على متأخر لفظًا ورُتبةً إلا في مسائل مُعيَّنة. قال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٩٢] اللام للتوكيد، فيكون هذا الخبر مؤكَّدًا باثنين؛ وهما: إن، واللام. وقوله: تَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَتَنْزِيلُمصدرٌ لكنه بمعنى اسم المفعول؛ أي: لمنزَّلٌ؛ لأن القرآن نفسه ليس تنزيلًا بل التنزيل فعلُ الله، والقرآن عبارة عن شيء منزَّل، كما قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ [الفرقان: ١]. وقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَهذه الربوبية العامة، إشارةً إلى أنه من مقتضى ربوبيته أن يكون مُنزِّلًا لعباده هذا الكتاب المفيد لهم، وفي قوله: رَبِّ الْعَالَمِينَأيضًا ما يشير إلى عموم شريعة هذا الكتاب؛ كما عمَّت رُبوبية منزِّله فهو أيضًا عام في (...). نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَالرُّوحُ الْأَمِينُهو جبريل عليه السلام، وُصِفَ بالروح لأنه ينزل بما فيه الحياة، وهو الوحي الذي به حياة القلوب، ووُصِفَ بالأمانة لأن المقام يقتضيه، وأمانة جبريل عليه الصلاة والسلام من عدة أوجه بالنسبة للقرآن: أولًا: أمين بحيث لا ينزل به إلا على من أُمِرَ به، وعلى هذا فيكون قول الرافضة -قبَّحهم الله-: إن جبريل أُمِرَ أن ينزل بالقرآن على عليٍّ، ولكنه خان فنزل به على محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ينافي وصف جبريل بالأمانة. ثانيًا: مقتضى الأمانة أن ينزل به كما سمعه من الله؛ لا يزيد فيه ولا ينقص، ولا يقدم ولا يؤخر. ثالثًا: أن ينزل به بالوقت الذي أمر بإنزاله فيه، فلا يتأخر إذا أُوحِيَ إليه به إلا بإذن الله. فهذه الأوصاف الثلاثة من مقتضى أمانة جبريل عليه الصلاة والسلام. وقوله: عَلَى قَلْبِكَخَصَّ القلب لأنه محل الوعي، وفيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالقرآن، وعلى كمال حفظ الرسول له صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما نزل على القلب يثبت ويرسخ، بخلاف ما سمعته الأذن؛ فإن الإذن قد توصل إلى القلب وقد لا توصل، قد يكون القلب غافلًا، ولكن هنا كان على القلب. وقوله: لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٤]، اللام للتعليل أو للعاقبة؟ طالب: للجميع. الشيخ: هما متلازمان؛ فإذا قلنا: (للتعليل) صار مكلفا بذلك، وإذا كانت (للعاقبة) كانت عاقبته أن يكون مُنذِرًا وإن لم يكن هناك تكليف، ولكن الصحيح أنها شاملة الأمرين. وقوله: مِنَ الْمُنْذِرِينَ؛ أي: الرسل، كما قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء: ١٦٥]. وقوله: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]، بِلِسَانٍ: بلغةٍ، وأُطْلِق اللسان على اللغة؛ لأنه محل الكلام الذي هو عنوان اللغة، قال: عَرَبِيٍّنسبة إلى العرب؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عربيًّا، وقد قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]. وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق؛ لأن الشرع الذي نزل بها شرع جميع الخلق، فكان ينبغي أن تكون اللغة العربية لغةَ جميعِ الخلق، خلافًا لمن يريدون أن يُذيبوها في عصرنا الحاضر بأن يطالبوا بجعل اللغة العامية مكان اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات وغيرها، وأقبح من ذلك من يحاولون أن يتكلموا باللغة الأعجمية؛ كما يوجد من بعض الناس الذين يفخرون بلغة الانكليز وغيرهم، فتجدهم يتشدقون بالكلام بها. ثم إن قوله: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّمتعلِّق بقوله: نَزَلَ بِهِ، وقوله: (مُبِينٍبَيِّنٍ، وفيه قراءة بالتشديد {نَزَّلَ}، ونصب الروح، والفاعل الله) {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الْأَمِينَ}، وفي اختلاف القراءتين فائدة؛ وهي أن الذي أمره بالنزول هو الله فنزل، فيكون جمعت بين فعل جبريل الصادر عن أمر الله وبين الدلالة على أمر الله له بذلك نزل به. (وَإِنَّهُ [الشعراء: ١٩٦]؛ أي: ذكر القرآن المنزَّل على محمد صلى الله عليه وسلم، لَفِي زُبُرِكتب، الْأَوَّلِينَكالتوراة والإنجيل)، وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَالمؤلف جعل الضمير يعود على القرآن؛ يعني أن ذكر القرآن موجود في زبر الأولين كتبهم، والمراد وصف القرآن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في التوراة والإنجيل بصفاته وصفات الكتاب الذي نزل به. وقوله: لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَظاهر الآية الكريمة العموم، وأن كل الكتب السابقة ذُكِرَ فيها القرآن وأُشِيرَ إليه، ومنها التوراة والإنجيل، فيكون الكاف هنا للتشبيه. وفي هذا دليل واضح على عناية الله تعالى بهذا القرآن وتشريفه وتعظيمه؛ حيث ذُكِرَ في كل كتاب سبق. وفيه أيضًا دليل على أنه لو جاء هذا الكتاب لوجب على جميع من يعتنقون الكتب السابقة أن يؤمنوا به.

تفسير الآية (١٩٧)

٠٠:٢٣:٢٩

(أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْلكفار مكة، آيَةًعلى ذلك؛ يعني علامة على أنه حق أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧]) آيَةًهذه خبر يَكُنْمقدمًا، وأَنْ يَعْلَمَهُاسمها مؤخر؛ يعني: أو لم يكن لهم آيةً علمُه، أَنْ يَعْلَمَهُ؛ أي: علمُه مِن عُلماءِ بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم بنو يعقوب بن إسحاق الذين تفرعوا منه. وهذا من الآيات البيِّنة على أنه مذكور في الكتب السابقة؛ أن علماء بني إسرائيل يعلمونه؛ لأنه لو لم يكن مذكورًا في كتبهم ما علموه، وإنما يعلمونه لأنه مذكور في كتبهم. وفي هذه الآية دليل على أن المرجع في مثل هذه الأمور إلى العلماء أهل العلم. وقوله: (كعبد الله بن سلام وأصحابه ممن آمنوا؛ فإنهم يخبرون بذلك) هذا ما هو بلازم؛ لأن كونهم يعلمون به هم عالمون، سواء أَخْبروا أمْ لم يخبروا، ولذلك القرآن ما قال: أو لم يكن لهم آية أن يُخْبِرَ به، بل قال: أَنْ يَعْلَمَهُ، فمجرد علم هؤلاء به هو آية وإن لم يخبروا به. ونقول: إن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ومن آمن هم من علماء بني إسرائيل، فعلموا وأخبروا، وغيرهم من العلماء الذين لم يؤمنوا علموا لكن لم يخبروا. و(يَكُنْبالتحتانية ونصب آيَةً، وبالفوقانية ورفع {آيَةٌ}). طالب: (...). الشيخ: {أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ}، فعليه يكون {أَنْ يَعْلَمَهُ} خبر {تَكُنْ}، وعلى الأول يَكُنْتكون آيَةًمنصوبة على أنها خبر مقدم، وأَنْ يَعْلَمَهُاسم مؤخر. طالب: ورفع {آيَةٌ} ما تكون كان.. الشيخ: لا؛ لأن ما تم الكلام {أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ} ما تم الكلام، {أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ} هل تم الكلام؟ ما تم، إذن فهي ناقصة {أَوَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ} إنما الفرق بين القراءتين: أن {آيَةٌ} بالرفع اسم {تَكُنْ}، وخبرها {أَنْ يَعْلَمَهُ}.

تفسير الآيات (١٩٨-٢٠٧)

٠٠:٢٦:٢٢

قال: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ؛ أي القرآن، عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ [الشعراء: ١٩٨] جمع أعجم، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ؛ أي: كفار مكة، مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٩٩] أنفة من اتباعه). لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَهذا اللسان العربي، سواء بلسان العرب أو بغيره، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْما آمنوا به، فالمعنى أنهم لن يؤمنوا، سواء جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو من صميم العرب ويعرفونه، أو جاء من رجل أعجمي ذلك؛ لأنهم معاندون، والمعاند -والعياذ بالله- لو جيء بكل آية ما آمن؛ لأنه فرق بين الإنسان الذي يتحرى الحق والإنسان الذي يعاند الحق؛ فالمعاند مكابر يصعب عليه أن يرجع عن الحق، والمعنى: أنه لو نزَّل الله هذا القرآن على بعض الأعجمين، إن كان بلغتهم فإنهم لن يؤمنوا به؛ لأنهم لم يفهموه بلغة العجم، وإن كان باللغة العربية ما آمنوا أيضًا أنفة من أن يتبعوا رجلًا أعجميًّا. (كَذَلِكَ؛ أي: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي، سَلَكْنَاهُأدخلنا التكذيب به، فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء: ٢٠٠]؛ أي: كفار مكة في قراءة النبي) لا يؤمنون به، كَذَلِكَ؛ أي مثل ذلك الإسلاك أو السلك، والمراد بالسلك الإدخال. وكَذَلِكَمفعول مطلق لـسَلَكْنَاهُ؛ يعني مثل ذلك، وهي دائمًا تأتي في القرآن: كذلك فعلنا، كذلك كذب، وما أشبهه، فيقولون: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي مضافة إلى اسم الإشارة العائد على المصدر المفهوم من الفعل، وعليه فيكون إعراب الكاف اسم بمعنى (مثل) مفعولًا مطلقًا، عاملها الفعل الذي بعدها؛ يعني أن الله جل وعلا أدخل التكذيب في قلوب المجرمين، والمراد بـالْمُجْرِمِينَما هو أعم من كفار مكة، خلافًا لما قال المؤلف؛ فالمجرم الكافر سواء كان من أهل مكة أو من غيرها. ولما دخل التكذيب في قلوبهم والاستكبار لَا يُؤْمِنُونَ بِهِإلى آخره [الشعراء: ٢٠١]، ليس في هذه الآية حجة لأهل الكفر والمعصية الذين قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا [الأنعام: ١٤٨]؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن في آية أخرى أن سبب كفرهم وشركهم هم أنهم كانوا لا يريدون الحق، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ولو كانوا يريدون الحق لشرح الله صدورهم له، لكنهم عندهم -والعياذ بالله- أنفة وكبرياء وغطرسة، ولذلك حُرِمُوا من الوصول إلى الصواب. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [الشعراء: ٢٠١، ٢٠٢]، لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ؛ أي بالقرآن، وإذا قلنا: إن الْمُجْرِمِينَعام، لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ؛ أي: بما نزل من عند الله. وقوله: حَتَّى يَرَوُاللغاية ولَّا للتعليل؟ طالب: للغاية. الشيخ: للغاية، المعنى أنهم إذا رأوا العذاب الأليم فقد يؤمنون، ولكن يقول الله عز وجل: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٥]. وقوله: فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَهذا هو الغالب على المكذبين المعاندين؛ أن الله يُمْلي لهم، فيُوغِلوا -والعياذ بالله- في الكفر وفي الفسق وفي المعصية، حتى إذا جاءهم العذاب أتاهم بغتة؛ على غرة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ، لأن هؤلاء لو أن الله سبحانه وتعالى أذاقهم البأس شيئًا فشيئًا لربما آمنوا ورجعوا، ولكنه -والعياذ بالله- يمهلهم حتى إذا وصلوا إلى قمة الكفر والفسق أُخِذوا. وهذا شيء مشاهد حتى في عصرنا الحاضر، الآن نرى أن بعض البلاد لما أوغلت في الكفر ووصلت إلى غايته أُخِذت والعياذ بالله. قال: فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ [الشعراء: ٢٠٣] (لنؤمن، فيقال لهم: لا، قالوا: متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} إلى آخره [الشعراء: ٢٠٤])، يعني: أنه إذا أتاهم العذاب بغتة يقولوا: هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ، هذا الاستفهام للتمني؛ يعني: ليتنا ننظر، هذا هو الظاهر، والمؤلف حمله على ظاهره على أنه للاستفهام الاستخباري، ولهذا يقال قال: (فيقال لهم: لا)؛ يعني: لن تنظروا، ولكن إذا جعلناه للتمني؛ أنهم يتمنون أن ينظروا ما احتاج إلى جواب. قال الله تعالى: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، سبق أن الهمزة في مثل هذا التركيب إما أنها داخلة على جملة مقدرة بحسب السياق، أو أنها داخلة على الجملة الموجودة، وأصل العطف الذي بعدها حرف العطف الذي بعدها قبلها أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، وهذا من باب التوبيخ والإنكار عليهم؛ يعني أيستعجلون بعذاب الله؟! وهو سبحانه وتعالى قريب الأخذ، فهو ينكر عليهم هؤلاء الذين يستعجلون بعذاب الله كيفية استعجالهم بالعذاب هل هو بالفعل ولَّا بالقول؟ طالب: بالقول والفعل. الشيخ: نقول: بالقول وبالفعل؛ أما القول فإنهم يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس: ٤٨]، وأما الفعل؛ فإن إيغالهم في الكفر والمعاصي موجب لأن يعاجلوا بالعقوبة، فصار هذا الإنكار عليهم سواء كانوا يستعجلون قولًا كما قال المؤلف: (قالوا متى هذا العذاب)، أو كانوا يستعجلون فعلًا؛ بأن يوغلوا ويتعمقوا في الكفر والمعاصي، فإن ذلك من استعجال عقوبة الله. قال الله تعالى: (...). يقول الله تعالى: أخبرني أيها المخاطب إن متعنا هؤلاء سنين، وأمهلناهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى بلغوا غاية المتعة في هذه الدنيا، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ماذا ينفعهم هذا التمتيع؟! في الحقيقة لا يزيدهم إلا حسرة والعياذ بالله، وإلا زيادة في العقوبة في النار؛ لأنه كلما كثرت معاصي الإنسان ازداد، هذا مثلًا في الحقيقة يُطبق على كل من قال لنا في شخص: إن هؤلاء الكفرة قد أنعم الله عليهم، وفتح عليهم الدنيا؛ الأمطار تأتيهم كل وقت، والأرض مخصبة، وهكذا، نقول له: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، ونقول: إن هذا أشد في وقع العذاب في قلوبهم؛ لأن الإنسان اللي يؤخذ على رغد من العيش وهناء وطمأنينة أشد من الذي يؤخذ على بأس، يمكن اللي في بأساء والضراء يمكن يرى أن الموت أريح له، لكن المأخوذ -والعياذ بالله- على شدة النعمة وقوتها أشد. وقد ذكرنا لكم أنه بينما كان ابن حجر رحمه الله وهو قاضي القضاة في مصر صاحب فتح الباري يمشي على العربة، وعلى يمينه ويساره الناس والحشم والخدم، مَرَّ برجل زيات يهودي كله وسخ من الزيت، فأوقفه اليهودي قال له: يا سيدنا -أظن أو كلمة نحوها- إن نبيكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» ، والآن أنت مؤمن وأنت في هذا النعيم، وهو يهودي كافر وهو في هذا الجحيم والعذاب؟ قال له: نعم صحيح، لكن ما مُتِّعْتُ به من النعمة هو بالنسبة إلى نعيم الآخرة سجنٌ، وما أنت فيه من البأساء هو بالنسبة إلى عذاب الآخرة نعيم وجنةٌ، ففتح الله على هذا اليهودي فأسلم، عرف أن هذا صحيح وخاف من هذا؛ لأن اليهود يعرفون ويُصدِّقون بالكتب السماوية لكنهم يستكبرون عن الانقياد لها، فيقال: إنه أسلم. فالحاصل أن هؤلاء إذا مُتِّعُوا طويلًا في الدنيا ونعيمها ثم جاءهم العذاب، فماذا يغني عنهم هذا المتاع؟ لا يُغْني شيئًا. فقولُه: مَا أَغْنَى عَنْهُمْمَالك أن تقول: إنها نافية، ولك أن تقول: إنها استفهامية لكنها بمعنى النفي. وأيهما أبلغ؟ أن تكون استفهامية بمعنى النفي؛ لأن الاستفهام الذي بمعنى النفي يتضمن النفي وزيادة؛ إذ إنه مُشرب معنى التحدي، ما أنت صانع بي؛ يعني: أتحداك أنك تصنع بي شيئًا، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٧]؛ يعني يتحداهم أن يغني عنهم شيئًا، فإذا كانت (ما) صالحة للنفي والاستفهام حملت على الاستفهام أولى وأبلغ؛ لأنه مثلما قلنا: تدل مع النفي على؟ طالب: على زيادة المعنى. الشيخ: زيادة المعنى والتحدي.

تفسير الآيات (٢٠٨-٢١٥)

٠٠:٤٥:٣٢

(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ [الشعراء: ٢٠٨] رسل تنذر أهلها)، قوله: إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَهذه صفة لـقَرْيَةٍ؛ يعني: ما أهلكناها إلا في هذه الحال إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ. ومُنْذِرُونَهل المراد أن الله تعالى ينذر (...) رسله؛ يعني إلا ونحن لها منذرون، أو أن إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ؛ يعني: رسل تنذر؟ المؤلف يقول: إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ؛ يعني: إلا ولها رسلٌ تُنْذِرها، ولكنهم مِن قِبَلِ مَن هؤلاء الرسل؟ مِن قِبَلِ اللهِ. (ذِكْرَى[الشعراء: ٢٠٩] عظة لهم)؛ يعني أننا نرسل هؤلاء المنذرين لأجل الذكرى؛ يعني الموعظة لهؤلاء، (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَفي إهلاكهم بعد إنذارهم). المؤلف يقول: (وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَفي إهلاكهم بعد إنذارهم) وهذا صحيح، ويحتمل وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ؛ أي مهلكين بدون إنذار، والمعنى صحيح على هذا الوجه، وعلى الوجه الذي ذكر المؤلف؛ فالله تعالى إذا أهلكهم بعد إنذارهم وقد عصوا فهو لم يظلمهم، وكذلك لا يمكن أن يهلك مَن لا يُنْذَرُ؛ لأن ذلك ظلم. وفي هذه الآية دليل على أن الشرع لا يلزم قبل بلوغه؛ أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأنه ما دام الإنسان غير عالم بالشرع فإنه لا يُكلَّف به. ولهذا شواهد؛ منها: ما مَرَّ علينا في قصة المسيء في صلاته ؛ فإن الرسول لم يلزمه بقضاء ما فاته لأنه ما علم، ومنه: المرأة التي كانت تستحاض فلا تصلي، فلم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء ، ومنها: حديث عدي بن حاتم؛ حيث أكل بعد طلوع الفجر ، إلى غير ذلك أشياء كثيرة من هذا، إلا أنه قد يلزم الإنسان بالشيء إذا كان مفرطًا مهملًا؛ مثل لو انقدح في ذهنه، أو قيل له: إن هذا الشيء واجب، ولكنه قال كما يقول العامة: لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]، (...) لا تفتش بكرة يقولوا: كذا واجب ومنه يحرجونه، أو هو يفعل شيء وانقدح في ذهنه أنه حرام أو قيل له: إنه حرام، وقال: (...)، أخاف إن سألت علماء قالوا: هذا حرام، فهذا ما يعذر؛ لأنه ليس بغافل، والله تعالى يقول: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١]؛ يعني: ما طرأ على بالهم شيء ولا علموا شيئًا، وأما الإنسان الذي طرأ على باله لكنه فرَّط في ترك السؤال، فهذا ينبغي أن يُلْزَمَ. طالب: (...) إنسان مثلًا أعرابي وغلط في (...) غلط كبير فاحش (...) عمره (...)؟ الشيخ: لا، يجب عليه يعلمه. الطالب: كثير غلطه وما يستجيب. الشيخ: المهم أنك إذا علمته قمت بالواجب عليك، ثم إن هداه الله فهو له ولك، وإن لم يهتَدِ فلكَ وعليه. الطالب: هم العوام صعب عليهم (...) أو بس تعطيه أنت كل العذر.. الشيخ: (...) العلم، قلْ له مثلًا: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّرْ، ثم اقرأ فاتحة القرآن، ثم ما تيسر معك من القرآن، عرف إذا قال: إي، امشِ معه الركوع والرفع منه، عرف، نعم امشِ في السجود. الطالب: العامي مشكلة. الشيخ: إذا الإنسان ما عرف، أعد عليه، وين تروح وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: ٦٩]، الآن كون الله ينعم عليك بالعلم أشد تبعه من الناس، العلم أشد تبعة؛ لأنه هو الحقيقة نشر للرسالة تبليغ لشريعة الله. وفي هذا في قوله: وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَإشارة إلى إمكان الظلم، ولكنه مستحيل شرعًا، العلم شرعًا لا لذاته؛ لأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُعذِّب المطيع، وإن أطاع ولَّا لا؟ ليس مستحيلًا، لكنه تبارك وتعالى مُنزَّه عنه لكمال عدله. ففيه ردٌّ على الجهمية الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى يستحيل في حقه الظلم يستحيل لذاته، فيقولون (...). يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ دعاء المسألة مثل يقول لغير الله: يا فلان أعطني، يا فلان ارزقني، وما أشبه ذلك، واحد وقف عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله ارزقني، يا رسول الله هَيِّئ لي زوجة، يا رسول الله أعطني ولدًا. ويش حكم هذا؟ طالب: شرك. الشيخ: شرك أكبر مخرج عن الملة، وهو دعاء مسألة. دعاء العبادة: أن يقف عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام ويعبد النبي؛ يركع له، ويسجد له، وما أشبه هذا. والنهي عن الدعاء مع الله إلهًا آخر شامل للنوعين. فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ. ويش اللي ناصب تكون؟ طالب: فاء السببية بعد الاسم. الشيخ: لوقوعها بعد النهي، فَتَكُونَ؛ أي: إن دعوت مع الله إلهًا آخر مِنَ الْمُعَذَّبِين، ولم يقُلْ: مُعذَّبًا أو فتُعَذَّب؛ إشارةً إلى أن المشركين والكفار كثيرون، والذي يدعو مع الله إلهًا آخر يكون منهم. (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَوهم بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهارًا. رواه البخاري ومسلم )، وهذا في أول الدعوة أمر أن يُنْذِرَ عشيرته الأقربين. لماذا؟ لأنهم أحق الناس ببره، ولأنهم بمقتضى القرابة لا بمقتضى الواقع أسبق الناس إلى الإيمان به، ولأنهم أيضًا بمقتضى القرابة هم أشد الناس غيرة عليه، ولأنهم أيضًا بمقتضى القرابة هم أعظم الناس حقًّا عليه، فلذلك الإنسان مسؤول عن أهله أكثر مما هو مسؤول عن الأجانب، ومسؤول عن القربى أكثر مما هو مسؤول عمَّن ليس بينه وبينه قرابة. وقوله: الْأَقْرَبِينَهذه اسم تفضيل، فيقتضي ما دام أن الحكم معلقًا بالأقرب أنه كل من كان أقرب كان أولى وأحق. وقوله: (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) هذا ليس بصحيح بهذين البطنين، بل حتى البطنان الآخران بنو عبد شمس وبنو نوفل منهم من الأقربين بلا شك، لكن منهم من أجاب، ومنهم من لم يُجِبْ؛ فقد امتنع عن الإجابة عمه أبو لهب، وهو من أقرب الناس إليه؛ لأن عم الرجل صنو أبيه، وامتنع عن الإجابة عمه أبو طالب أيضًا وهو صنو أبيه، لكن عمه أبو طالب والاه وناصره، وعمه أبو لهب عاداه وخذله والعياذ بالله. وقد صاروا أمام الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: قسم آمن به، وقسم نصره ولم يؤمن به، وقسم لم يؤمن به ولم ينصره. وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنهم لو نصروه كلهم وآمنوا به لقيل: هذا رجل يريد الملك والسيادة، ولهذا تبعه أقاربه وهم مُتَّفقون على هذه الخطة، ولكن من حكمة الله أن الله تعالى قسمهم هذا التقسيم. وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَوفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان أن يرسل ويعظ الأقرب منه فالأقرب، وهو مسؤول سؤالًا مباشرًا بالنسبة إلى أهله. (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَألن جانبك، لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥] الموحدين) الإنذار للعشيرة، والخفض -خفض الجناح- للمؤمن، سواء كان من عشيرته أو ليس من عشيرته. وفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان ألَّا يتعاظم على أحد، لكن بالأخص المؤمن أن يلين له جانبًا. بس غير المؤمن لا يلين له جانبًا؟ طالب: لا يبدأ بالسلام. الشيخ: المهم لا يلين له جانبًا. قوله تعالى: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [طه: ٤٤]. طالب: ما قبل التبليغ (...) الدعوة، ولكنه رفض وعرف الدعوة وبلغته الدعوة، فينبغي (...). الشيخ: يعني ترجع المسألة إلى المصلحة إلا بما دل الشرع على خلافه، فالشرع هو المقصد؛ لقوله: اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥]. في هذا دليل على أن تحقيق الإيمان إنما يكون بأي شيء؟ باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما قال: أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ، فهو إذا أنذر إما أن يُتْبَعَ، وإما ألَّا يُتْبَعَ.

تفسير الآيات (٢١٦-٢٢٠)

٠٠:٥٧:٣٢

(فَإِنْ عَصَوْكَ؛ أي: عشيرتك) والأصح أو غيرهم، (فَقُلْلهم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٦] من عبادة غير الله)، التعبير إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَلم يقل: (منكم)؛ لأنه لو قال: (منكم) لكان هذا أشد صدمة، ولاحتمل أن يكون هذه البراءة شخصية، وأيضًا لم يحصل منه النفور عن العمل؛ لأنه (...) فإذا قال: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَعرفوا أن السبب في البراءة العمل، فربما يكون ذلك سببا لأنْ يرتدعوا عنه؛ لأجل أن ينالوا الولاء دون البراء. (وَتَوَكَّلْبالواو والفاء)، وهذه من المسائل النادرة في القراءات؛ لأن الغالب في القراءة أن يكون الخلاف في صفة الكلمة أو الحرف ليس في ذاته أو عينه، لكن هذا قد يأتي أحيانًا بذات الحرف، وأحيانًا أيضًا بإسقاط الحرف من عدمه في قوله تعالى في سورة البقرة: إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [البقرة: ١١٥، ١١٦] فيه قراءة إسقاط الواو: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ}، وهذا من المسائل النادرة في القراءات، فالقراءة قد تكون في نظم الحرف، وفي وجود الحرف، وفي شكل الحرف. أكثرها ما هو؟ في شكل الحرف وهيئته؛ يُمَد أو لا يُمَد، يُرْفَع أو يضم، لكن فيه نوع الحرف نادر مثل هنا بالواو والفاء، هذا في أي شيء؟ في نوع الحرف، في وجود الحرف، مثلما أشرت إليه في آية البقرة إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ [البقرة: ١١٥، ١١٦]، وفي قراءة {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ}، وفي سورة المائدة أيضًا حرف (...)، فيه أيضًا زيادة الواو في قراءة، وحذفها في قراءة. وقوله: وَتَوَكَّلْالتوكل.. طالب: (...) القراءة هذه. الشيخ: {فَتَوَكَّلْ}، والتوكل هو الاعتماد على الله مع الثقة به في جلب المنافع ودفع المضار، (عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [الشعراء: ٢١٧] الله؛ أي: فوِّض إليه جميع أمورك)، ولم يقل: (على الله) بل قال: الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ لأن المقام يقتضيه؛ يقتضي عزةً في مقابل المكذبين له، ورحمة في مقابل قيامه بواجب الإنذار، (الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُإلى الصلاة، وَتَقَلُّبَكَفي أركان الصلاة قائمًا وقاعدًا، وراكعًا وساجدًا، فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٩]؛ أي المصلين). قوله: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُإلى الصلاة، بعضهم يقول: حين تقوم من منامك، ولكن هذا المعنى الذي ذكر المؤلف أعم. وقيل: إن المعنى حين تقوم في شؤونك من الإنذار وغير الإنذار؛ يعني يراك حين تقوم منذرًا، ويراك حين تقوم مصليًّا، ويراك حين تقوم صائمًا، وحين تقوم حاجًّا، في جميع الأحوال؛ يعني حين تقوم إلى عبادة الله، ويراك أيضًا حين تقلبك في الساجدين؛ أي في المصلين؛ أي في جملتهم، وهذا المعنى الأخير أعم من الجميع. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَخُصَّت الصلاة لأنها أصل العبادات البدنية، وقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء: ٢٢٠] هذه الجملة استئنافية لبيان أنه مع رؤيته تبارك وتعالى فهو أيضًا سميع عليم، إذن ثلاث صفات: الرؤية والسمع والعلم.

تفسير الآيات (٢٢١-٢٢٣)

٠١:٠٢:٥٠

(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ؛ أي كفار مكة، عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [الشعراء: ٢٢١] بحذف إحدى التاءين من الأصل) وأصلها: تتنزل. (تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍكذَّاب أَثِيمٍ [الشعراء: ٢٢٢] فاجر، مثل مسيلمة وغيره من الكهنة). يقول الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُهذا كله يدور حول قول الكفار: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان كاهنًا، والكاهن من تنزل عليه الشياطين، وهذا القرآن تنزيل رب العالمين، ما تنزلت به الشياطين، بيَّن الله بعد ذلك هذا الاستفهام للتشويق أو لإقامة الحجة والتحدي؛ يعني أن الشياطين إنما تنزل ليس على مثل الرسول صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين البعيد عن الفحشاء، إنما هي تتنزل على كل أفَّاكٍ، وإتيان الكلام بمثل هذه الصيغة باستفهام ثم خبر أبلغ في رسوخه في القلب؛ لأنه لو جاء مرسلًا هكذا خبرًا ما (...) الوقت الذي كان حينما جاء بصيغة الاستفهام هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍكذَّاب أَثِيمٍ، وأَفَّاكٍهذه بالنسبة والمبالغة أيضًا أي كثير الإفك، والإفك بمعنى الكذب، والأثيم بمعنى الآثم؛ أي جامع بين سوء القول وسوء العمل. وقوله: (مثل مسيلمة وغيره من الكهنة) هذا تمثيل؛ مِثْلُ كذا. (يُلْقُونَ [الشعراء: ٢٢٣]؛ أي الشياطين، السَّمْعَ؛ أي ما سمعوه من الملائكة إلى الكهنة، وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَيضمُّون إلى المسموع كذبًا كثيرًا، وكان هذا قبل أن حُجِبَت الشياطين عن السماء). يُلْقُونَ السَّمْعَالضمير في يُلْقُونَيعود على مَن؟ الشياطين السمع؛ أي المسموع، وهو مصدر بمعنى اسم المفعول. يلقونه على من؟ على الكهان، يأخذون من السمع ما أخذوا، ولكنهم يزيدون إلى هذا كذبات كثيرة، ولهذا قال: وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ، قال المؤلف: (يضمون إلى المسموع كذبًا كثيرًا، وكان هذا قبل أن حُجِبَت الشياطين من السماء)، وكانت الشياطين قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام تستمع إلى شيء من السماء، ولكنه حين البعثة صاروا لا يستمعون؛ لقولهم: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن: ٩]، ما يستطيعون، لو قعدوا مقاعدهم بالأول ليستمعوا أتتهم الشهب. ولكن هل هذا انقطع بانقطاع الوحي لأن الحكم يدور مع علته أو بقي؟ الظاهر -والله أعلم- أنه انقطع بانقطاع الوحي، وأنه في ذلك الوقت مُنِعَت السماء من الشياطين، أما بعد ذلك فإنها لا تُمْنَع، ولكن قد تُمْنَع أحيانًا مثلما نرى نحن كثيرًا من الشهب. طالب: إحنا ذكرنا الحديث: إن الشياطين يركب بعضهم بعضًا (...) قوة (...) بدون أن يركب بعضهم بعضًا (...)؟ الشيخ: (...). الطالب: هذا يرجع إليها (...). الشيخ: (...)، أنا ما أعرف هذا من المرفوع أو من الموقوف؛ إن كان من المرفوع فيجب التصديق به ولا يجب أن نعترض عليه، وإن كان من الموقوف فلا يجب علينا أن نصدق به، وهم بلا شك قادرون على أن يصلوا، ولهذا هم بسرعتهم وخفَّتهم غير البشر، العفريت من الجن قال لسليمان: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩]، هذا ما يتمكن أحد من البشر من القيام به أبدًا، مهما بلغ البشر من قوة ما يمكن يأتون به بمثل هذه السرعة. قال الله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء: ٢٢٤] مناسبة (...) هذا لأن كفار قريش عارضوا النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كاهن وعارضوه بأنه شاعر أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: ٣٠]، (...) الله تعالى أن يكون كاهنًا فيما سبق.

تفسير الآيات (٢٢٤-٢٢٧)

٠١:٠٨:٤٤

ثم قال: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ؛ أي: في شعرهم، فيقولون به ويروونه عنهم، فهم مذمومون) مين المذموم الشعراء ولَّا الغواة؟ طالب: الجميع، (...). الشيخ: إي نعم، يعني يجب أن نعرف من يتبع الشعر، لا يتبعه إلا الغواة، إذن فهو باطل، هذا القرآن ليس كذلك، هذا القرآن لا يتبعه إلا أهل الرشد والسداد، فدل ذلك على أنه ليس بشعر؛ لأن الغالب أن الشعر لا يتبعه ويأخذ به إلا الغاوي، والشعر هنا ما لم يُؤْخَذ من الكتاب والسنة، فإن أُخِذَ من الكتاب والسنة فإنه يتبعه (...)، مثل بعض القصائد التي نظمها أهل العلم والإيمان، هذا ما يعتبر شعرًا يتبعه الغاوون (...)، ولهذا قال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [الشعراء: ٢٢٧]. طالب: (...) ابن القيم. الشيخ: لا، هذا شيء عُرِفَ به لأجل أن الإنسان ينتقل من هذا إلى هذا، ابن القيم لأجل ينتقل من بيت الغزل إلى الموضوع مثلما فعل (...). قال: (أَلَمْ تَرَتعلم أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍمن أودية الكلام وفنونه يَهِيمُونَ [الشعراء: ٢٢٥] يغلبون، فيجاوزون الحد مدحًا وهجاء)، صحيح هذا؛ الشاعر يقول ما لا يستطيع أن يملك نفسه فيه؛ لأنه يبالغ في المدح إن مدح، ويبالغ في الذم إن ذَمَّ؛ (...) كأنه يتكلم من غير شعور وإن كان الشعر لأنه يأخذه الشعور، لكن الشاعر يتكلم من غير شعور، والمراد بالشعراء غير الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولهذا استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [الشعراء: ٢٢٧] (...) (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَفعلنا مَا لَا يَفْعَلُونَ [الشعراء: ٢٢٦]؛ أي: يكذبون، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ). يقول المؤلف: (يَقُولُونَفعلنا مَا لَا يَفْعَلُونَ [الشعراء: ٢٢٦]؛ أي: يكذبون) فيه نظر، لكن يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَفيما إذا امتدحوا أو هجوا يقولون: نحن نفعل، نفعل كذا وكذا، إذا كانوا يريدون أن يتقربوا لشخص: نحن نخدمك، نحن نواسيك بأنفسنا، نفديك بأهلنا، وما أشبه ذلك. لكن هل يفعلون هذا؟ لا؛ لأنهم غواة غير (...). كذلك أيضًا يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَيقولون في هجاء عدوهم: نحن نضربه على الهام، نحن نُيَتِّم أولاده، نحن نُرَمِّل نساءه، وما أشبه ذلك، وهم لا يفعلون ذلك، يمكن يكون الشاعر الذي يثور الأمة بشعره يصير هو في الخلف، ما يكون في المقدمة عند التقاء الصفين. (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِمن الشعراء، وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا؛ أي: لم يشغلهم الشعر عن الذكر، وَانْتَصَرُوابهجوهم الكفار مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوابهجو الكفار لهم في جملة المؤمنين، فليسوا مذمومين، قال الله تعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: ١٤٨]، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]). هذا في قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء: ٢٢٧] هذه أربعة أوصاف: الإيمان، والعمل الصالح، وذكر الله كثيرًا، وهذا يشير إلى أن الشاعر يقِلُّ ذكره لله، فما امتلأ قلبٌ بالشعر إلا بعُدَ عنه ذكر الله، قال ابن القيم:

حُبُّ الْكِتَابِ وَحُبُّ أَلْحَانِ الْغِنَا

فِي قَلْبِ عَــــبْدٍ لَيْـــــسَ يَجْتَمِـعَـــــانِ

والصفة الرابعة: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواانتصروا؛ يعني لأنفسهم، وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُون [الشورى: ٣٩]. مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء: ٢٢٧] بأي شيء؛ إما بهجاء الكفار لهم إذا كان شاعر مقابل شاعر، أو باعتداء الكفار عليهم أيضًا. قال الله تعالى: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوامن الشعراء وغيرهم، أَيَّ مُنْقَلَبٍمرجع، يَنْقَلِبُونَيرجعون بعد الموت)، فالجملة هذه فيها من التهديد ما لا يخفىيعني أن الذين ظلموا سيعلمون عن قرب أي منقلب يكون انقلابهم، وهو المرجع إلى الله عز وجل، وهذا تهديد بيِّنٌ للظالمين، والظلم مرتع (...)، الظلم من أقرب ما يكون في المعاجلة بالعقوبة، لا سيما إن دعا المظلوم على ظالمه فإن الأمر يكون إليه سريعًا. ثم إن الظلم نوعان: أحدهما: ظلم متعد للغير، والثاني: ظلم للنفس؛ فإن كان في معصية الله فهو ظلم للنفس، وإن كان في الاعتداء على الغير فهو ظلم للغير؛ كما لو أخذ ماله، أو أفسد عليه شأنه، فإن هذا من الظلم المتعدي، والله أعلم. طالب: بر الوالدين هو حق لهما أو لله؟ الشيخ: للجميع أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان: ١٤]. الطالب: لو أسقط الوالد حقه يجوز عدم طاعته؟ الشيخ: إي، يجوز عدم طاعته (...)؛ يعني لو قال مثلًا: أنا (...) ما فيه مانع، لكن إذا طالب صرت مطالبًا به..