تفسير سورة البقرة - ٦٤
درس صوتي · ٩١:٤٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ليس اختياريًّا، لو تكلم جاهل يحسب أن الكلام لا بأس به. طالب: والصحيح هذا؟ الشيخ: إيه الصحيح أنها لا تبطل صلاته ودليل ذلك حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه حينما دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالناس فعطس رجل فقال: الحمد لله، فقال له معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم ينظرون إليه فقال: وَاثُكْلَى أُمِّيَاهْ! رضي الله عنه، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت، ولما سلم الرسول صلى الله عليه وسلم دعاه قال معاوية بن الحكم رضي الله عنه: فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن تعليمًا منه، والله ما كَهَرَنِي ولا نَهَرَني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التكبير والتحميد وقراءة القرآن أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة، ولو كان ذلك مبطلًا لأمره بالإعادة كما أمر الذي كان لا يطمئن في صلاته أمره أن يعيدها. وكذلك لو تكلم ناسيًا فإنه. طالب: لا تبطل صلاته. الشيخ: لا تبطل صلاته. لو تكلم موسوسًا، فيه بعض الناس موسوس، أتاه الشيطان ووسوس له ومع كثرة الوسوسة بدأ يتكلم، ما تقولون؟ طالب: (...) يا شيخ، مغلوب. الشيخ: مغلوب على أمره؛ يعني بعض الناس -والعياذ بالله- يخليه الشيطان ينطق بما أراد، لا سيما فيما يتعلق في مسألة الطلاق، دائمًا يجيء ناس يستفتون يقول إنه طلق زوجته غصبًا عليه، ما أراد، لكن أجرى الشيطان على لسانه هذا الكلام، فالمهم أن الكلام لا يُبطل الصلاة إلا إذا كان من عالم ذاكر غير مغلوب عليه، فأما إذا كان عن جهل أو نسيان أو غلبة فإنه لا يبطل؛ لأن هناك قاعدة عند أهل العلم يقولون: إن فعل المحظور مع العذر لا أثر له، ولا يترتب عليه شيء، كل المحظورات مع العذر لا يترتب عليها شيء، وهذه القاعدة تنفعك هنا وفي غيرها حتى محظورات الإحرام حتى الجماع، لو جامع الإنسان قبل التحلل الأول ناسيًا أو جاهلًا فإن حجه صحيح وليس عليه شيء؛ لأن هذه قاعدة يعني مؤسسة على أصل وهو قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] وقوله: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمَْ [الأحزاب: ٥]، وقوله في الصيد: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا [المائدة: ٩٥]. فكل المحظورات إذا فعلها الإنسان وهو معذور فيها فإنه لا أثر لها ولا حكم لها. الشيخ: القنوط. ومن فوائد الآية الثانية. طالب: هل تستطيعون (…)؟
الشيخ: ما أدري إذا كان العلاج بالصلاة. الطالب: كيف وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨]، يعني ما يقصد بها (…)؟ الشيخ: وجوب القيام، وجوب الإخلاص، وتحريم الكلام، هذي ثلاث فوائد. طالب: هل الأمر القيام على إطلاقه يعني؟
الشيخ: ويستثنى من هذا النفل (...) إذا لم تستدل عليه. هذه في وجوب القيام يجب أن يستثنى من ذلك صلاة النافلة لدلالة السنة على جوازها من قاعد، هذا إذا جعلنا الصَّلَوَاتِفي حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ عامة، وإن جعلناها خاصة بالفرائض فلا استثناء. طالب: إذن المراد. الشيخ: يستثنى من هذا (...) يستثنى منها النافلة لدلالة السنة على جوازها من قاعد إلا أن يكون المراد بالصلوات الفرائض فلا استثناء. ويؤخذ من الآية الثانية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل لقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًاوأن هذا الدين يسر؛ لأن هذا من التيسير على العباد. ويستفاد منها أيضًا: جواز الحركة الكثيرة للضرورة لقوله: فَرِجَالًالأن الراجل سوف يتحرك بحركة كثيرة؛ المشي.
ويستفاد منها: جواز الصلاة على الراحلة في حال الخوف لقوله: أَوْ رُكْبَانًاكذا؟ أما في حال الأمن فلا تجوز الصلاة على الراحلة إلا النافلة، إلا إذا تمكن من الإتيان بالصلاة على وجه التمام فإنه يجوز، ولهذا جوزنا الصلاة في السفينة وفي القطار وما أشبه ذلك؛ لأنه سيأتي به على وجه التمام، أما على الراحلة الأخرى من بعير وسيارة فإنه لا يجوز، وكذلك الطيارة فإنه لا يجوز أن يصلي عليها الفريضة؛ لأنه لن يتأتى منه أن يصليها على الكمال. طالب: حتى في الطائرة يا شيخ؟ الشيخ: ما يتمكن أن يأتي بها على التمام، إذا تمكنت تقوم وتركع وتسجد فذاك، لكن ما تفعل، أما إذا خفت خروج الوقت تصلي علي أي حال يا أخي، هذه ما هي واردة، إذا خاف الإنسان خروج الوقت يصلي على أي حال ولو مضطجعًا وفي أي مكان.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أنه يجب على المرء القيام بالطاعة على التمام متى زال العذر، أن يجب عليه أن يقوم بالطاعة أو بالعبادة على التمام متى زال العذر لقوله: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٣٩]. ومن فوائدها أيضًا: أن الصلاة من الذكر لقوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَوالكلام هنا في الصلاة. ومن فوائدها أيضًا: بيان منة الله علينا في العلم لقوله: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. ومن فوائدها أيضًا: بيان نقص الإنسان لكون الأصل فيه الجهل، حيث قال: مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَفالأصل في الإنسان الجهل حتى يعلمه الله عز وجل. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستحل لعمله وعلمه لقوله: كَمَا عَلَّمَكُمْ. والرد على الجبرية أيضًا لتوجيه الأوامر إلى الإنسان لقوله: حَافِظُواوفَاذْكُرُوا اللَّهَوما أشبهها؛ لأننا لو قلنا بأن العبد مجبور صار توجيه الخطاب إليه من تكليف ما لا يطاق ولا يمكن تطبيقه، وهل يستفاد منها وجوب صلاة الجماعة؟ الطلبة: ذكرت في الآية. الشيخ: لا. طالب: (...) فَإِنْ خِفْتُمْ. الشيخ: إن قلنا: يستفاد وجوب الجماعة وأن الخطاب موجه للجميع صار معناه أن الخائف الواحد لا يصلي راجلًا ولا راكبًا، ولكن هذه كسائر الخطابات تُوجه للعموم وإن كانت تتناول الفرق. ثم قال تعالى. طالب: شيخ، لو صعب عليه استقبال القبلة في حالة الجو الغائم؟ الشيخ: إي نعم، يسقط استقبال القبلة، وربما يستفاد من هذا مع أنه ما تعرض الله تعالى في الآيات لاستقبال القبلة إطلاقًا، ما ذكر.
تفسير الآية (٢٤٠)
٠٠:١٠:١٩
ثم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍالقراءات: قوله: وَصِيَّةًفيها قراءتان: وَصِيَّةًو{وَصِيَّةٌ}، ويأتي إن شاء الله توجيهما في الإعراب. وقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَالإعراب وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَمبتدأ. وقوله: وَصِيَّةًأو {وَصِيَّةٌ} من هذا يؤخذ خبر المبتدأ، فإن كانت بالنصب فإن خبر المبتدأ جملة فعلية؛ التقدير: يوصون وصية، أو يوصيهم وصية، على خلاف في ذلك هل الوصية من الله أو منهم، فإن كانت من الله فالتقدير: نوصيهم وصية، وإن كانت منهم فالتقدير: يوصون وصية، وأما على قراءة الرفع {وَصِيَّةٌ} فإن الخبر تقديره: عليهم وصية لأزواجهم، أفهمتم الآن؟ أين الرابط؟ الرابط الضمير في الجملة المحذوفة سواء قلنا: عليهم وصية، أو قلنا: نوصيهم وصية، أو: يوصون وصية هو الضمير المحذوف. وقوله: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِمَتَاعًاهذه مصدر لفعل محذوف، التقدير: يمتعونهن متاعًا إلى الحول. وقوله: غَيْرَ إِخْرَاجٍهذه إما صفة لمصدر محذوف؛ يعني متاعًا غير إخراج؛ يعني: متعة غير مخرجين فيها، أو أنها حال من الفاعل في الفعل المحذوف. وقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْهذه لا النافية للجنس واسمها وخبرها. وقوله: مِنْ مَعْرُوفٍمتعلق بـ فَعَلْنَ، إلى آخره، والباقي واضح. يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَأي: يقبضون، والمراد قبض الموت؛ لأن الوفاة وفاتان: وفاة نوم، ووفاة موت، فمن وفاة النوم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام: ٦٠]، فهذه وفاة النوم طبعًا، ومن وفاة الموت قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة: ١١]. ومن الوفاة الجامعة لهما قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر: ٤٢] يعني ويتوفى التي لم تمت من منامها، ومن أي الأقسام قوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥]؟ طالب: وفاة النوم.
الشيخ: وفاة النوم على القول الصحيح، وإن كان بعضهم ذكر أنها وفاة موت، لكن الصواب أنها وفاة نوم. طالب: كيف نعرف يا شيخ أنها وفاة موت؟ الشيخ: وقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْأي: يقبضون أيش؟ وفاة الموت ولَّا وفاة النوم؟ الطلبة: الموت. الشيخ: طيب ومن الذي يتوفى؟ جاءت في القرآن على ثلاثة وجوه: مضافة إلى الله، ومضافة إلى ملك الموت، ومضافة إلى رسل الله، فمن ورودها مضافة إلى الله؟ الطالب: قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام: ٦٠]. الشيخ: أي وفاة النوم. طالب: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢].
الشيخ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا. ومن ورودها مضافة إلى ملك الموت؟ الطالب: يتوفاكم يعني قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: ١١]. الشيخ: نعم، ومن ورودها مضافة إلى الرسل الملائكة؟ طالب: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]
الشيخ: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ، فهل في هذا تناقض؟ الجواب: لا؛ لأنه لا تناقض في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنها تُحمل على وجوه، فإضافتها إلى الله؛ لأنها وقعت بأمره، فهو الذي يأمر بها سبحانه وتعالى، وإذا كان الأمر يتوقف على أمر، إذا كان الشيء يتوقف على أمر آمِر فإنه ينسب إليه، ولهذا نقول: بنى فلان قصره، أي: أمر ببنائه، وقال: بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط أي: أمر ببنائها، وأما إضافتها إلى ملك الموت؛ فلأنه هو الذي يقبض الروح، وأما إضافتها إلى الملائكة فلأنهم أعوان ملك الموت، فإما أن يكون المراد بالملائكة الذين يعالجون الروح حتى تخرج وتبلغ الحلقوم ثم يقبضها ملك الموت، أو أن المراد بهم الملائكة الذين يقبضونها من ملك الموت؛ لأنها تنزل عند الاحتضار ملائكة إلى الميت؛ ملائكة رحمة وملائكة عذاب، ثم يقبض ملك الموت الروح ويعطيها هؤلاء الملائكة الذين نزلوا؛ إذن الآية هنا مبنية للمجهول يُتَوَفَّوْنَفتعم كل هذه الوجوه. وقوله: مِنْكُمْالخطاب لعموم الأمة، وليس خاصًّا بالصحابة رضي الله عنهم؛ لأن القرآن نزل للجميع إلى يوم القيامة، فالخطاب الموجود فيه عام لكل الأمة.
وقوله: وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًامعطوف على قوله: يُتَوَفَّوْنَومعنى يَذَرُونَيتركون. وقوله: أَزْوَاجًايعني أزواجا لهم، وهو جمع (زَوْج)، والزوج للشيء ما كان مزدوجًا معه مختلطًا معه، وكذلك يقال للشفع: زوجًا؛ لأنه يجعل الواحد اثنين.
وقوله: وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْاختلف فيها العلماء، هل المعنى وصية منهم لأزواجهم، أو وصية من الله لهم يوصون لأزواجهم؟
وبينهما فرق، فإذا قلنا: وصية لأزواجهم أي: أنهم هم يوصون لأزواجهم صار المعنى أنه يلزمهم أن يوصوا لأزواجهم إذا قلنا التقدير: عليهم وصية، يكون عليهم وصية لأزواجهم. (يوصون وصية) جملة خبرية بمعنى الأمر، وإذا قلنا: وصية من الله للأزواج؛ فالمعنى أن الله أوصاهم بذلك، والله تعالى يوصي كما قال الله تبارك وتعالى في آيات الفرائض وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١٢] ويُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ [النساء: ١١].
وقوله: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِلأزواجه من الزوجات. مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِيعني: أنهم يوصون بأن يُمتعون إلى الحول بالنفقة والكسوة، وأما السكنى فأفادها قوله: غَيْرَ إِخْرَاجٍ. وقوله: غَيْرَ إِخْرَاجٍمن أين؟ الميت قد مات ولكن غَيْرَ إِخْرَاجٍمن الورثة الذي يرثون المال بعده، ومنه البيت الذي تسكنه المرأة؛ الزوجة. وقوله: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِأي: إلى السنة من موته إلى أن يأتي عليه الحول، والمراد بالسنة هنا السنة الهلالية؛ لأنها هي المواقيت الشرعية كما قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩] فَإِنْ خَرَجْنَيعني أنتم لا تخرجوهن، لكن هل يلزمهن البقاء في هذا؟ طالب: لا يلزمهن. الشيخ: لا، ولهذا قال: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ. إن خرجن قبل الحول فلا إثم عليكم؛ لأن الخيار لهن، ولكن لا بد أن يكون ما تفعله هؤلاء النساء بالمعروف الذي يقره الشرع وتقره العادة، فلو خرجت من البيت على وجه منكر كما لو خرجت متبرجة متطيبة تتعرض للفتن، فهل علينا جناح لَّا لا؟ نعم، لأن الله قيدها بالمعروف. وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌعَزِيزٌأي: ذو عزة، والعزيز من أسماء الله سبحانه وتعالى، ومعناه: أنه عزيز في مُلكه، عزيز في قدْره، عزيز في امتناعه، عزيز في ملكه غالب لا يُغلب، عزيز في قدره؛ يعني عظيم القدر، وعزيز في امتناعه أي: يمتنع أن يناله السوء، وأما الأول فإن منه قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨] يعني الأعز في ماذا؟ في الغلبة، في الغلبة والقهر، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المنافقون: ٨]، وأما الثاني -الذي هو عزة القدر- فمثل أن تقول لصاحبك: أنت عزيز عليَّ؛ يعني غالٍ عليَّ وذو قدر في نفسي، وأما الثالث وهو الامتناع فإن منه قولهم: هذه أرض عزَازٌ، عزاز يعني شديدة قوية، وعندنا في اللغة العامية يقولون: هذه أرض عزا، عزا بالألف أي: قوية، فالله سبحانه وتعالى ممتنع أن يناله السوء، هذا هو معنى العزة كما أشار إليها ابن القيم رحمه الله في النونية وقال:
........................
فَالْعِزُّ حِيَنئِذٍ ثَلَاثُ مَعَانِ
وأما الحكيم فقد تقدم لنا أنه مأخوذ من الحُكم والحِكمة، فعلى أنه مأخوذ من الحُكم يكون حكيم بمعنى (حاكِم)، وعلى أنه مأخوذ من الحِكمة يكون حكيم بمعنى (مُحْكِم). أما حكيم بمعنى (حاكِم) فهي كثيرة في اللغة العربية ولا تحتاج إلى شواهد؛ لأنها معروفة، وأما حكيم بمعنى (مُحْكِم) فإن (فَعِيلًا) تأتي بمعنى (مُفْعِل) كما في قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ
يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَــــــــــــــــابِي هُجُـــــــــوعُ
فالسميع هنا بمعنى (الْمُسْمِع)، إذن فالحكيم بمعنى (الْمُحْكِم) يعني الذي أحكم كل شيء، أحكم كل شيء حكم به أي: أتقنه ووضعه بحيث لا يكون فيه نقص ولا خلل، ولهذا قيل: إن الحكمة هي وضع الشيء في مواضعه مع الإتقان والإجادة. نحن قلنا الآن إن حكيم بمعنى (حاكِم) وبمعنى (مُحكِم)، والحكم، حكم الله عز وجل كوني وشرعي، فمن الشرعي قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] هذا أيش؟ هذا شرعي، وكذلك قوله تعالى في سورة الممتحنة لما ذكر ما يجب نحو المهاجرات قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي. ومن الحكم الكوني قول أحد إخوة يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠]. يعني حكم شرعي ولَّا قدري؟ حكم قدري؛ لأن الحكم الشرعي هو غير ممنوع شرعًا محكوم له بأن يبرح الأرض، لكنه يريد حكمًا كونيًّا. وقوله أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] ما المراد به؟ يشملهما، يشملهما جميعًا فهو أحكم الحاكمين كونًا، وأحكم الحاكمين شرعًا. ثم نعود فنقول: إن الحكمة تتعلق بكل من النوعين، أي: من الحكم الكوني والشرعي، فحكمة الله تعالى ملازِمة لحكم الكوني والشرعي، ثم نقول مرة ثانية في الحكمة: إن الحكمة لها صورة ولها غاية، فالصورة معناها أن يكون هذا الشيء على هذا الوجه المعين، والغاية أن يكون الغاية منه غاية حميدة يحمد عليها الحاكم، وهذا ثابت لله عز وجل في الحكمين ولَّا لا؟ ثابت في الحكمين، فخلق الأشياء والحكم عليها وعلى أفعالها كله موافق للحكمة، ثم الغاية من هذا الخلق أيضًا موافقة للحِكمة، هذا هو تفسير الآية الكريمة وإعرابها وقراءاتها. أما فوائدها: فيستفاد منها عدة أمور: من فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تبقى زوجيتها حتى بعد الموت؟ الطلبة: نعم. الشيخ: نعم، من أين تؤخذ؟ الطلبة: من قوله: وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. الشيخ: من قوله: أَزْوَاجًاألا يقول قائل: إن المراد باعتبار ما كان؟ طالب: إنه خلاف الأصل. الشيخ: خلاف الأصل؟ إذا قلتم: تبقى زوجة يرد علينا إشكال أنها لا تحل لأحد بعده؟ طالب: مقيدة. الشيخ: مقيدة لأيش؟ الطلبة: إلى الحول. طالب: إلى انتهاء العدة. الشيخ: أو بانتهاء العدة. ويدل لذلك أن المرأة إذا مات زوجها جاز أن تُغسله ولو كانت أحكام الزوجية يعني منقطعة ما جاز لها أن تغسل زوجها. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوج يوصي بوصية من الله لزوجته بعد موته أن تبقى في بيته سنة كاملة وينفق عليها من تركته، أو لا؟ أن الزوج يوصي لزوجته بوصية من الله -أنا قلت هكذا علشان تشمل القراءتين- يوصي بوصية من الله، قصدي علشان يشمل المعنيين، يوصي لزوجته بوصية من الله أن تبقى في بيته لمدة سنة كاملة وينفق عليها من أيش؟ من تركته، هذا ما تفيده الآية، فهل هذا الحكم منسوخ؟ لأن لدينا الآن حكمين؛ الحكم الأول: أنها تأخذ شيئًا من ماله إلى مدة سنة، والحكم الثاني: أنها تتربص بمقتضى وصيته لمدة سنة. اختلف العلماء في هذه الآية؛ فمنهم من قال: إنها منسوخة في الأمرين، ومنهم من قال: إنها منسوخة في وصية المال، ومنهم من قال: إنها غير منسوخة فيهما، فهذه ثلاثة أقوال: منسوخة في الأمرين، غير منسوخة فيهما، منسوخة في المال دون غيره، نشوف، الذين قالوا: إنها منسوخة فيهما قالوا: أما البقاء في البيت مدة سنة فقد نُسخ بقوله تعالى فيما سبق: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٤]. وهذا قول جمهور المفسرين، وعليه يدل حديث الذي في البخاري حين سئل عثمان بن عفان رضي الله عنه: لماذا أبقيت هذه الآية وهي منسوخة؟ .ولماذا وضعتها بعد الآية الناسخة؟ وكان الأولى أن تكون المنسوخة قبل الآية الناسخة لمراعاة الترتيب، فأجاب عثمان رضي الله عنه بأنه لا يغير شيئًا كان سبقه من قبل . يعني لأن الترتيب بين الآيات توقيفي ما يمكن يغيره، فالآيات هذه باقية توفي الرسول عليه الصلاة والسلام وهي تتلى في القرآن، وبما كانت ولا يمكن أن نغير، وعلى هذا فتكون هذه الآية منسوخة بالآية السابقة بالنسبة لأيش؟ للعدة، وأما بالنسبة للمال فقالوا: إنها منسوخة بآيات المواريث لقوله: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ [النساء: ١٢] فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [النساء: ١٢] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . فعلى هذا تكون منسوخة بالنسبة للحُكمين جميعًا، وقال بعض أهل العلم: إنه لا نسخ في الموضعين؛ أما الأول العدة فإن هذه الآية لا تعني العدة؛ لأن العدة يجب أن تبقى المرأة في بيت زوجها، ولكن الآية هذه تعني أن الإنسان مأمور بأن يُوصي لزوجته أن تبقى في بيته لمدة سنة جبرًا لخاطرها وحتى لا يجتمع عليها مفارقة الزوج ومفارقة البيت لمدة سنة، وكانوا في الجاهلية تبقى المرأة بعد الوفاة سنة كاملة ما تتزوج ولا تخرج من بيتها وليست في بيتها أيضًا، وإنما تكون في حفش صغير كوخ صغير في وسط البيت، وتبقى لا تتطهر ولا تأخذ فضلاتها؛ شعورها وأظافرها وأوساخها ونتن حيضها، كل ذلك يبقى لمدة سنة، وإذا انتهت السنة وخرجت جاؤوا لها بشيء من الحيوان، طير عصفور أي شيء من الحيوان وقالوا: تمحشي به، يقول في الحديث: فَقَلَّ مَا تَمَحَّشَتْ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ وأيش السبب؟ الطلبة: الرائحة الكريهة. الشيخ: الرائحة الكريهة، ثم تخرج وتأخذ بعرة البعير تأخذها وترمي بها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» . إشارة إلى أي شيء؟ إلى أن جميع هذه الأشياء التي جرت عليها هي أهون عليَّ من رمي هذه البعرة (...). طالب: بعد الموت قوله: وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. الشيخ: لكن هذه يجب أن نعلق عليها، وهذا ليس عامًّا في جميع الأحكام؟ هذه الفائدة الأولى، وهذه آخرها وهذا ليس عامًّا في جميع الأحكام، وتنقطع أيضًا وتنقطع الصلة بتمام العدة. الفائدة الثانية قلتم؟ طالب: أن الزوج يوصي بوصية من الله لزوجته بعد موته، وأن تبقى في بيته سنة كاملة وينفق عليها من تركته.
الشيخ: نعم بعده؟ طالب: ونحن قلنا: يوصي بوصية من الله قلت: هذا لأجل أن تشمل المعنيين، إحنا ذكرنا قلنا: هذا ما تفيده الآية، فهل هذا الحكم منسوخ حكمين؟ الحكم الأول: أنها تأخذ شيئًا من ماله إلى مدة سنة، والحكم الثاني: أنها تتربص بمقتضى وصيته لمدة سنة. الشيخ: هل هذا الحكم منسوخ بالحكمين؟ طالب: (...) إذا كانت تبقى (...) ما تتزوج (...) طفل صغير في وسط البيت وقد سبق لها. الشيخ: وسط البيت. الطالب: نعم، وسط البيت. الشيخ: ونعلق على بقيتها، الآن فهمنا أن من أهل العلم من يقول: إن الآية ليست منسوخة في الموضعين لا بالنسبة للوصية بأن تبقى في البيت، ولا بالنسبة لإبقائها مدة الحول، أما بالنسبة لبقائها في البيت فقالوا: إن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه، فإذا أوصى الزوج زوجته أن تبقى في بيته فهذا أمر يسير، وليس وصية بمال يقتطع من ماله لها، وأما بقاؤها هي لمدة حول كامل فليس هذا على سبيل الوجوب حتى نقول: إنه نُسخ بآية العدة؛ لأن آية العدة تدل على أنه يجب على المرأة أن تبقى في بيت زوجها لمدة العدة، إن كانت حاملًا حتى تضع وإن كانت غير حامل فأربعة أشهر وعشرًا، أما هذه الآية فإن الله تعالى قال: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْولا يمكن أن يُنسخ شيء مستحب بشيء واجب؛ لأنه لا تعارض، وقد علمنا مما سبق أن من شرط النسخ أن لا يمكن الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ، وعندي أن القول بالنسخ في مسألة الوصية بالمال وهو السكنى والمتاع قول قوي، وأما بالنسبة للعدة فلا نسخ لإمكان الجمع، ومتى أمكن الجمع فإنه لا نسخ. يستفاد من الآية الكريمة: أن الله عز وجل ذو رحمة واسعة حتى أوصى الزوج بأن يوصي لزوجته مع أن الزوج قد جعل الله فيه رحمة لزوجته كما قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١] فكانت رحمة الله عز وجل أعظم من رحمة الزوج بزوجته. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة يحل لها إذا أوصى زوجها بأن تبقى في البيت يحل لها أن تخرج ولا تنفذ وصيته لقوله تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٢٤٠] لأن هذا شيء يتعلق بها وليس لزوجها مصلحة فيه، وعليه يتفرع عنها فائدة أخرى: لو أوصى زوجته أن لا تتزوج من بعده فهل يلزمها أن تنفذ وصيته؟ لا، لا يلزمها؛ لأنه إذا كان لا يلزمها أن تبقى في البيت في مدة حول فلا أن لا يلزمها أن تبقى غير متزوجة من باب أولى. وهكذا أيضًا يؤخذ منه قياسًا كل من أوصى شخصًا بأمر يتعلق به بنفسه -بنفس الموصى له- فإن الحق له في تنفيذ الوصية وعدم تنفيذها. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المسؤولين عن النساء هم الرجال من قوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْيخاطب الرجال مع أن السياق للنساء. ويستفاد منه: أن على الرجال الإثم فيما إذا خرجت المرأة عن المعروف شرعًا لقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍفدل ذلك على أنهن لو فعلن ما ليس بمعروف فعلينا الإثم. يتفرع على هذا فائدة أخرى: أن كل مسؤول عن شخص إذا تمكن من إقامته ومنعه من المنكر فإنه يأثم، هل هذا يعارض قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤]؟ يعني مثلًا أنا ولي على ولدي وفعَل أمرًا منكرًا وباستطاعتي أن أمنعه منه، فهل آثم؟ نعم آثم، أفلا يعارض هذا قوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤]؟ لا؛ لأني ما دمت مسؤولًا فإنني إذا فرطت في مسؤوليتي كنت وازرًا، ووزري على نفسي. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن المعروف في جميع أحوالها، والمعروف هو ما أقره الشرع والعرف جميعًا، فلو خرجت في لباسها أو مشيتها أو صوتها عن المعروف شرعًا فهي آثمة ولا يحل لها أن تخرج، وعلينا إذا خرجت، أو حاولت الخروج علينا أن نردعها. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفات سواء كان ذلك عن طريق اللزوم أو المطابقة أو التضمن. وقد مر علينا قاعدة مهمة في ذلك وهي: (أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا عكس)، فليس كل صفة متضمنة لاسم، وذلك لأن أسماء الله وأسماء رسوله وأسماء كلامه كلها أسماء مشتقة من معانيها بخلاف أسماء الإنسان مثلًا فإنها ليست مشتقة من معانيها، قد نسمي رجلًا بعبد الله وهو عبد للشيطان مِن أكفر عباد الله، وقد نسمي هذا الرجل محمدًا وهو مُذمَّم ليس فيه خصلة حميدة، لكن أسماء الله ورسوله والقرآن كلها أسماء ذات تحمل معانيها، وحينئذٍ نقول: كل اسم فهو متضمن لصفة، وقد تكون صفة واحدة أو صفتان أو أكثر كما مر علينا. ومن فوائد الآية: إثبات العزة والحكمة على سبيل الإطلاق؛ لأن الله أطلق قال: عَزِيزٌوقال: حَكِيمٌ، فيكون عزيزًا في كل حال وحكيمًا كذلك في كل حال.
تفسير الآيتين (٢٤١-٢٤٢)
٠٠:٤٥:١١
ثم قال عز وجل: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَوَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌالجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فالخبر مقدم لِلْمُطَلَّقَاتِوالمبتدأ مؤخر وهو قوله: مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِومن ثم ساغ الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه يجوز الابتداء بالنكرة إذا تأخر المبتدأ. وقوله: حَقًّاهذه مصدر (...) لأن لِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌمعناه جملة خبرية تثبت الحق ولَّا لا؟ مثل قول ابن مالك:
....................
...كَابْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفَا
لأن هذا مصدر مؤكد لمضمون الجملة فلا يحتاج إلى عامل، وأيًّا كانت فهي منصوبة على المصدرية. والْمُتَّقِينَيعني ذوو التقوى، والتقوى تقدم لنا مرارًا أنها قيام بطاعة الله على عِلم وبصيرة، وما أحسن ما قاله طلق بن حبيب رحمه الله: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
يقول الله عز وجل: لِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌللمطلقات كلمة مطلقات -كما نعلم جميعًا- تعتبر من الألفاظ العامة، من ألفاظ العموم أو لا؟ لأن (أل) فيها اسم موصول كما قال ابن مالك:
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ
...................
إذن لِلْمُطَلَّقَاتِعام كل مطلقة بدون استثناء. ومَتَاعٌيعني ما تتمتع به من لباس وغيره. وقوله: بِالْمَعْرُوفِمتعلق بـ (متاع)؛ يعني هذا المتاع مقيد بالمعروف، أي: ما يعرفه الناس، وهذا قد يكون مفسرًا بقوله تعالى فيما سبق: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٦]. ويكون معنى مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِأي: على الموسر بقدر إيساره وعلى المعسر بقدر إعساره، وهذه الآية يقول الله عز وجل فيها: مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّايعني أمرًا ثابتًا واجبًا على كل متقٍ لله عز وجل. وقوله: عَلَى الْمُتَّقِينَلا يعني أنه لا يجب على غير المتقين، ولكن تقييده بالمتقين من باب الإغراء، من باب الإغراء والحث مثل ما يرد أحيانًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَفْعَلَ..» كَذَا وَكَذَا. يعني من الأمثلة أن تُحِدّ على ميت فوق ثلاث ، فقوله: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» لا يعني أن من لا تؤمن بالله واليوم الآخر يحل لها، ولكن هذا من باب الإغراء والحث، كما لو قلت لك: لا ينبغي للرجل أن يفعل كذا وكذا، أو لا يفعل هذا إلا الرجال، المقصود من ذلك الإغراء والحث، وأيضًا تقييده بالمتقين يفيد أن التزامه من تقوى الله عز وجل، وأن من لم يلتزمه فقد نقصت تقواه. ولنرجع إلى الآية الكريمة هنا فنبحث فيها هل هذه الآية منسوخة أو لا؟ وهل إذا قلنا إنها محكمة هل هي عامة يعني يراد بها العموم أو عامة يراد بها الخصوص، أو عامة مخصوصة؟ فعندنا الآن عدة مباحث: المبحث الأول: هل الآية منسوخة أو محكمة؟ المبحث الثاني إذا قلنا: بأنها محكمة غير منسوخة فهل هي شاملة لكل مطلقة أو يُخص منها بعض المطلقات، أو لم يُرد بها العموم من الأصل، بل هي عام أُريد به الخصوص، لننظر الآية الكريمة واضحة، أو بعبارة أصح: الآية الكريمة العموم فيها ظاهر، من أين يؤخذ؟
من قوله: وَلِلْمُطَلَّقَاتِفإن الله تعالى لم يستثنِ شيئًا، لم يستثنِ المطلقة قبل الدخول ولا من سُمي لها مهر، بل أطلق، فيشمل المطلقة قبل الدخول والمطلقة بعد الدخول وغيرها. وحينئذٍ نقول: المطلقة قبل الدخول إذا لم يُسمَّ لها مهر، قد ذكر الله تعالى لها متعة فيما سبق، وين المتعة؟
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: ٢٣٦]. وحينئذٍ لا يكون في الآية هذه نسخ؛ لأن المطلقة التي لم يُسمّ لها مهر، المطلقة قبل الدخول التي لم يُسمَّ لها مهر حكمها مطابق لهذه الآية ولَّا غير مطابق؟ الطلبة: مطابق. الشيخ: مطابق؟ كلتا الآيتين تدل على وجوب المتعة، كذا ولَّا لا؟ وإذا كانت الآية العامة تدل على وجوب المتعة التي معنا، وتلك الخاصة تدل على وجوب المتعة، فإن القاعدة عند المحققين من أهل العلم أن (ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص). وقد مرت علينا هذه القاعدة، وعليه فتكون الآية السابقة: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُتكون فردًا من أفراد هذه الآية، وحينئذٍ لا إشكال فيها. المطلقة قبل الدخول التي فُرض لها، وأيش الواجب لها؟ نصف ما فرضتم، وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ [البقرة: ٢٣٧]. هل يجب على زوجها أن يمتعها مع تنصيف المهر؟ أو يقال: إنه لما سمي المهر صارت المتعة هنا نصف المهر؟ ما تقولون؟ طالب: (...) المتعة هو الظاهر. الشيخ: لأن نصف المهر متعة لا شك، لا سيما في وقتنا هذا إذا صار المهر أربعين ألفًا مثلًا، كم يكون نصفه؟ الطلبة: عشرين. الشيخ: عشرين، متعة ما شاء الله، تحصل ثياب وطعام وكل شيء. نعم، ربما نقول هكذا، ونقول: إن من طُلقت قبل الدخول وقد سمي لها مهر فإنه يكتفى بنصف المهر عن المتعة. إذا قلنا بذلك فهل تكون مخالفة لهذه الآية، أو موافقة لكن لما كان المهر فيها مقدرًا اكتُفي بالتقدير وهو النصف؟ طالب: الأخير يا شيخ. الشيخ: نعم، إن قلت: إنها موافقة فلا إشكال، وإن قلت: إنها مخالفة فحينئذٍ تكون هذه الآية عامة لكن خُصصت بماذا؟ طالب: بمن سُمِّي لها المهر.
الشيخ: بمن طُلقت قبل الدخول وقد سمي لها مهر. الرابعة طُلقت بعد الدخول. الطلبة: الثالثة. الشيخ: الثالثة: طلقت بعد الدخول وقد سمي لها المهر؟ طالب: تدخل في هذا؟ الشيخ: تدخل في الآية؟ الطالب: نعم. الشيخ: إذا قلنا: تدخل في الآية معناه أنه يجب عليه مهرها وتمتيعها، فإن كانت قد قبضت المهر فوجوب التمتيع ظاهر، وإن كانت لم تقبضه صار معناه يلزم بما سماه وأيش بعد؟ وبالمتعة، فيلزم بالأمرين، ولكن هذا مشكل؛ لأننا نقول: إذا كنتم تقولون: إن المطلقة قبل الدخول المفروض لها لا يلزمها إلا ما قدر الله لها وهو النصف، فإن المطلقة بعد الدخول لا يلزم زوجها إلا ما سمى لها وهو قياس واضح؛ لأنه لا فرق بين ما قبل الدخول وما بعده، أما إذا كان قد سلمها المهر وأنفقته فهذه قد نقول بوجوب المتعة، ولكن الجمهور على أنه ليس بواجب؛ التمتيع في هذه الحالة، ويحملون الآية على الاستحباب، وحمل الآية على الاستحباب لا شك أنه بعيد من الصواب؛ لأن هذه الآية كما تشاهدون فيها تؤكد وجوب المتعة من ثلاثة أوجه؛ قوله: لِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌوإذا كان لها فمعناه يجب عليه أن يقوم بحقها. والثاني قال: حَقًّا، والثالث: عَلَى الْمُتَّقِينَكيف نقول: إن هذا مستحب؟! ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن المتعة واجبة حتى في هذه الصورة حتى فيمن طلقت بعد الدخول وسُمي لها مهر، وقال: إن الآية هذه صريحة ولا فيها نسخ. الرابعة: من طلقت بعد الدخول ولم يُسمَّ لها مهر، فما الواجب؟ طالب: المهر واجب؟ الشيخ: المتعة واجبة لا شك فيها، ولكن ما هي المتعة؟ هو مهر مثلها كما صح ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قضى به، وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة عقد عليها زوجها ثم توفي ولم يُسمَّ لها مهر، فقال: لها مهر نسائها ولها الميراث وعليها العدة، فقام رجل فقال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم في بِرْوَع بنْتِ واشِق امرأة منا بمثل ما قضيت . وعلى هذه الرابعة التي طلقها زوجها بعد الدخول ولم يُسمِّ لها المهر ماذا يجب لها؟ يجب لها مهر المثل وهو متعة، هذا ما تقتضي هذه الآية فصار المطلقات الآن أربعة؛ اثنتان قبل الدخول، واثنتان بعد الدخول؛ اثنتان قبل الدخول، واحدة سمي لها مهر، والثانية لم يُسمَّ، اثنتان بعد الدخول واحدة سمي لها مهر والثانية لم يسم. بقي خامسة وهي: مَن شُرط في عقدها نفي المهر بأن قال: قبلت النكاح على شرط أن لا مهر عليَّ، فما تقولون فيها؟ الطلبة: ناقص.. فاسد.
الشيخ: في هذا خلاف؛ المشهور من المذهب أن الفاسد هو الشرط، وإذا فسد الشرط صار وجوده كالعدم وصارت كأنها امرأة مفوضة يعني لم يسم لها مهر، ويجب لها حينئذٍ مهر المثل، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن النكاح باطل غير صحيح؛ لأن الله إنما أحل لنا ما سوى المحرمات بشرط أن نبتغي بالمال، قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء: ٢٤]. ولأنه إذا شُرط نفي المهر صار حقيقة الأمر أنه هبة، والهبة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله أقرب إلى الصواب، وعلى هذا فإن كان لم يدخل بها أُعيد العقد من جديد، وإن كان قد دخل بها فُرِّق بينهما، ووجب لها مهر المثل بوطئها إن كان قد وطئها، ويُعاد العقد على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، فالحاصل الآن أننا عرفنا أن المطلقات أربعة. الطلبة: خمس. الشيخ: خمس، المطلقات خمس، وهذه الأخيرة عرفتم (...). طالب: شيخ، الصورة الثالثة؟ الشيخ: إن كان بعد الدخول فلها مهر المثل (...) هي التي طلقت ولم يسم لها مهر فلها المتعة، عرفتم؟ وجوبًا، معلوم تقدم أنه وجوبًا، لكن ذكروا أثرًا لو صح لكان واضحًا: أن رجلًا لما نزلت الآية الأولى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَقال رجل: إن الله تعالى جَعَلَهَا إِحْسَانًا إن شئت متعت وإن شئت لم أمتّع فأنزل الله هنا: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. فأوجبه الله، فهؤلاء يقولون: إن الآية عامة أُريد بها الخصوص، شيخ الإسلام رحمه الله يرى أنها عامة في كل مطلقة، وأنها واجبة، هذا أحد القولين، والقول الثاني: عامة لكل مطلقة وواجبة إلا فيمن طلقت قبل الدخول وقد فرض لها؛ لأن الله بيَّن ما الذي يجب لها وهو نصف المهر، عرفتم؟ ونحن إذا نظرنا إلى الآية الكريمة وظاهرها وجدنا أنها عامة، وأن حتى التي طلقت قبل الدخول وقد فُرض لها فلها نصف مهرها فرضًا، وتمتَّع بما زاد عليه بناء على هذه الآية، هذا ظاهر الآية، لكنه مُشكل أن التقدير بالنصف معناها أنه حد فاصل ما فيه متعة، وعلى هذا فنقول: ما قدره الشارع اقتصرنا عليه، وما لم يقدره فإننا نضيف إليه المتعة، فإذا طلق قبل الدخول وقد فرض لها أيش؟ النصف، قبل الدخول ولم يفرض المتعة باتفاق الآيتين ولَّا لا؟ باتفاق الآيتين، بعد الدخول وقد فرض لها الكل المهر يعني؛ المهر كاملًا، وهل تجب المتعة؟ تنبني على الخلاف في هذه المسألة، ولو قيل: إنه يفرق بين ما إذا كان المهر لم يُقبض فإن إقباضها إياه عند الطلاق يغنيها عن المتعة، أو كان قد قبض وأنفقته فإن المتعة واجبة، لو قيل بهذا القول لكان له وجه. الرابعة: من طلقت بعد الدخول ولم يفرض لها فهذه لها مهر المثل، وقد نقول: إنه يُستغنى بها عن المتعة؛ لأنهما حقانِ ماليان واجبان بسبب واحد أو على الأقل بسببين، لكن اتفقا فوجب الاقتصار على واحد منهما، أما إذا قلنا: إنها مستحبة، وأنها عامة فإنه يُشكل على ذلك قوله: لِلْمُطَلَّقَاتِاللام للاستحقاق، وقوله: حَقًّا، وقوله: عَلَى الْمُتَّقِينَ. طالب: شيخ، القول بأنها مستحبة هي المطلقه أو (...)؟ الشيخ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَكَذَلِكَأي: مثل ذلك البيان، فالكاف إذن في محل المفعول المطلق، وعامله قوله: يُبَيِّنُأي: مثل ذلك السابق، مثل ذلك البيان السابق يبين الله لكم آياته، ومعنى البيان التوضيح؛ التوضيح أن الله تعالى يوضحه حتى لا يبقى فيه خفاء. وقوله: لَكُمْيحتمل أن اللام للتعدية؛ تعدية الفعل يبين، ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي: يبين الآيات لأجلكم حتى تتبين لكم وتتضح. وقوله: آيَاتِهِيشمل الآيات الكونية والشرعية، فإن الله سبحانه وتعالى بين لنا من آياته الكونية والشرعية ما لا يبقى معه أدنى شبهة في أن هذه الآيات علامات واضحة على وجود الله عز وجل، وعلى ما له من حكمة ورحمة وقدرة. ولقد حدثني رجل عن شخص كان في نزهة مع أصحاب له، وكانوا -والعياذ بالله- قد اعتادوا أن يشربوا المسكر، فدخل إلى البلد ذات ليلة وخرج إليهم بقوارير من المسكر، فلما خرج من البلد وجد الأرض ممطرة فمشى غير بعيد، فإذا الأرض يابسة ما فيها مطر، فمشى غير بعيد فإذا هي ممطرة، فمشى غير بعيد فإذا هي خمسة محلات ما بين يابس وممطر، ثم أوقف السيارة ووضع يديه على رأسه وجعل يفكر كيف هذا؟ ومن الذي صنع هذا؟ فألقى الله الإيمان في قلبه، سبحان الله العظيم! فأخذ القوارير فكسّرها، ثم ذهب إلى صحبه، فلما وصل إليهم وإذا هم ينتظرونه بفارغ الصبر ويقولون: الله يعافيك يا أبا فلان يا أبا فلان، (...) علينا، أبطأت علينا، وما أشبه ذلك، فقال لهم: نعم، أبطأت عليكم وأنا رأيت كذا وكذا، وهداني الله عز وجل، وهذه قواريركم مكسّرة، فمن وافقني على ما فعلت فهو صاحبي، ومن لم يوافقني فلا أرى عينه بعد ذلك، هذه قصة واقعة مؤكدة، هذه من آيات الله الكونية؟ وشوف كيف اهتدى الرجل بها؟ وهكذا بقية الآيات الكونية يبينها الله عز وجل ويوضحها لنا حتى نتبين بها الحق؛ الآيات الشرعية مبينة أيضًا، مبينة موضحة، لا اشتباه فيها ولا خفاء، كلها بائنة واضحة. وقوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(لعل) هنا للتعليل أي: لأجل أن تعقلوا، فهي كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَفكذلك يبين الله الآيات لأجل أن نعقل، هذه الآيات عقل فهم وإدراك أي: كلا العقلين. يستفاد من الآية الكريمة وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِوجوب المتعة لكل مطلقة، ووجه ذلك أيش؟ العموم في قوله: وَلِلْمُطَلَّقَاتِإلا أن بعض أهل العلم قال: إن هذا عام أريد به الخاص، ما هو الخاص الذي أريد به؟ قال: الخاص الذي أريد به هي من طلقت قبل الدخول ولم يُسمّ لها مهر، وعلى رأيه تكون هذه الآية توكيدًا للآية السابقة فقط، ولم تأتِ بزيادة معنى، أما على ظاهرها فقد أخذ بها شيخ الإسلام رحمه الله في موضع من كلامه، وفي موضع آخر قال: إنها تجب المتعة لكل مطلقة إلا من طُلقت قبل الدخول وقد فُرض لها فإن لها نصف المهر. ويستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي تأكيد الحقوق التي قد تتهاون النفوس بها، من أين تؤخذ؟ من قوله: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. ويستفاد منها أيضًا: أنه ينبغي ذكر الأوصاف التي تحمل الإنسان على الفعل، أو بعبارة أصح: تحمل الإنسان على الامتثال فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور، من أين تؤخذ؟ من قوله: عَلَى الْمُتَّقِينَلأن تعليق ذلك بالمتقين دليل على أن خلاف ذلك مخالف للتقوى، على أن عدم القيام به مخالف للتقوى، وأن القيام به من التقوى.
وأما الآية الثانية فمن فوائدها: إظهار منة الله على عباده ببيان الآيات لقوله: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ. ومن فوائدها أيضًا: أن مسائل النكاح والطلاق قد يخفى على الإنسان حكمتها؛ لأن الله جعل بيان ذلك إليه، فقال: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ. ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المفوِّضة أهل التجهيل، وعلى أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل، من أين تؤخذ؟ من قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِلأن أهل التفويض وهم أهل التجهيل يقولون: إن الله تعالى لم يبين ما أراد في آيات الصفات وأحاديثها، وأن هذه الآيات والأحاديث بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم معناها. وفيها رد على أهل التحريف كيف ذلك؟ لأن أهل التحريف يقولون: إن الله لم يبين وإنما البيان ما ندركه نحن بماذا؟ بعقولنا، فنقول: لو كان المراد ما ذكرتم لكان الله تعالى يبينه، فلما لم يبين ما قلتم عُلم أنه ليس بمراد. ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على العقل، من أين تؤخذ؟ من قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَلكن المراد به العقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات، أما العقول غير الصريحة فليست بعقول بل هي أهواء، والله عز وجل يقول: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [المؤمنون: ٧١]. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلة لأفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يمكن أن يوجد في الشرع حكم غير مبيّن، من أين يؤخذ؟ من قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِآيات هذه جمع مضاف فيعم.
فإن قال قائل: إننا نجد بعض النصوص تخفى علينا؟ فالجواب: أن ذلك إما لقصور في فهمنا وإما لتقصير في تدبرنا، أما النص باعتبار ذاته لم يبيَّن فهذا شيء مستحيل، واضح؟
تفسير الآية (٢٤٣)
٠١:١٥:٢٣
ثم قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواإلى آخره.
الاستفهام هنا الداخل على النفي يراد به التقرير والتعجيب أيضًا في هذه الآية. وقوله: تَرَأي: تنظر، والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى خطابه، وأيهما أحسن؟ الأخير؛ لأنه أعم. إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِولم يبين الله عز وجل من هؤلاء الذين خرجوا، فقيل: إنهم من بني إسرائيل، وقيل: إنهم من غيرهم. والحقيقة أنه لا يهمنا جنس هؤلاء القوم، وإنما الذي يهمنا أيش؟ القصة والقضية اللي وقعت، أما جنسهم لا يهمنا. وقوله: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْأي: من بيوتهم وأحيائهم التي يأوون إليها. وقوله: وَهُمْ أُلُوفٌالجملة في موضع نصب على الحال من الواو، كلمة أُلُوفٌهي جمع كثرة ولَّا جمع قلة؟ الطلبة: كثرة. الشيخ: نشوف جمع القلة أربعة:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ
ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّهْ
أُلُوفٌمن أي الأربعة؟
طالب: ليست منها. الشيخ: ليست منها، إذن فهي جمع كثرة. فما عدد هذه الألوف؟ قيل: إنها ثمانية آلاف، وقيل: ثمانون ألفًا، ولا شك أنهم جمع كثير؛ ألوف، وإذا نظرت إلى صيغة اللفظ وَهُمْ أُلُوفٌتجد أنها تدل على أكثر من أربعة، وأن ألوف عالم كثير. حَذَرَ الْمَوْتِهذه مفعول لأجله، والعامل قوله: خَرَجُواخرجوا هي عاملها، يعني خرجوا حذر الموت، أي خوفًا منه، وهل هذا الموت الموت الطبيعي؟ لأنه نزل في أرضهم وباء، أو الموت بالقتال في سبيل الله؟ في ذلك قولان لأهل العلم؛ فمنهم من يقول وهم أكثر المفسرين: إن المراد خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْخوفًا من الموت لوباء وقع في البلاد، فخرجوا فرارًا من قدر الله عز وجل، فأراد الله عز وجل أن يريهم أنه لا مفر منه إلا إليه، وقيل: إنهم خرجوا حذر الموت أي الموت بالقتل؛ لأنه داهمهم العدو ولكنهم جبنوا وخرجوا خوفًا من أن يقتلهم العدو، فالذين قالوا بالأول قالوا: لأننا إذا أخذنا الآية بظاهرها حَذَرَ الْمَوْتِولم يقل: حذر القتال، فبين أنه نزل في أرضهم وباء فخرجوا خوفًا من هذا الوباء الذي يقتلهم، والذين قالوا بالثاني قالوا: لأن الله قال بعدها: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِفكأن الله تعالى عرض قصة هؤلاء الذين جبنوا وهربوا، ثم أمرنا أن نقاتل في سبيل الله وأن نصبر. يقول الله سبحانه وتعالى: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْقال لهم قولًا كونيًّا أو قولًا شرعيًّا؟ الطلبة: كونيًّا. الشيخ: كونيًّا؛ يعني ما أمرهم أن يموتوا؛ لأنه لو أمرهم أمرًا شرعيًّا أن يموتوا ما ماتوا ما يقدرون، يقدر واحد يموّت نفسه؟ الطلبة: يقدر.
الشيخ: يكتم نفسه ولَّا لا؟ ما يقدر (...) بل ولا يريد، فالقول إذن قول كوني، فهو كقوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] إذن قال الله لهم موتوا. ثُمَّ أَحْيَاهُمْثم أحياهم بعد موتهم، وكلمة (ثُمَّ) تدل على التراخي، وأنه أحياهم بعد مدة، وهل أحياهم بسبب أو بغير سبب؟ قال بعض المفسرين: إن نبيًّا من الأنبياء مر بهم وهم ألوف مؤلَّفة جثث هامدة فدعا الله سبحانه وتعالى أن يحييهم فأحياهم، وقال بعض المفسرين: إن الله أحياهم بدون دعوة نبي، وأي القولين ظاهر اللفظ؟ الثاني، يعني الأول لا دليل عليه في السياق، وعلى هذا فنقول: إن الله أحياهم ليري العباد آياته ثُمَّ أَحْيَاهُمْ. إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَإِنَّ اللَّهَ لَذُواللام هنا للتأكيد، و(ذو) بمعنى صاحب، فَضْلٍ عَلَى النَّاسِالفضل بمعنى العطاء والتفضل. وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَولَّا كل الناس؟ ولا القليل منهم؟ الأكثر، فعندنا قليل، وعندنا كل، وعندنا أكثر، وعندنا مساوي، أو لا؟ كذا؟ الطالب: نعم. الشيخ: وأيش قلنا؟ الطالب: قلنا: الناس إما كثير أو قليل، أو أكثر. الشيخ: كثير أو أكثر أو كل أو القليل. أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَإذن في الناس من يشكر؟ نعم، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] فإذن الأكثر يقابله القليل وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣]. هذه الآية الكريمة إذا قال قائل: ما وجه الفضل فيها؟ نقول: وجه الفضل أن الله تعالى أرى عباده كمال سلطانه، وأنه لا مفر منه، ولا شك أن هذا من فضل الله أن يريك الله تعالى آياته وسلطانه وقدرته وحكمته، ونقول أيضًا: فيها فضل آخر؛ أن الله تعالى أنجاهم، أنجاهم بعد أن أراهم تمام قدرته وسلطانه أنجاهم، بماذا؟ بإحيائهم، فنجوا؛ إما من الوباء على قول، وإما من العدو على قول آخر، وهذا فضل ولَّا لا؟ وهذا فضل.
يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة أمور: أولًا: أن قصة هؤلاء القوم كانت مشهورة؛ لأن قوله: أَلَمْ تَرَيدل على أيش؟ التقرير والتعجيب، وأن هذا أمر واقع، وانظر إلى أمثلتها في القرآن تجدها هكذا أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم. أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: ٤٥] معلوم. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل: ١] معلوم ولَّا لا؟ كل هذا أمر معلوم، فكأن هؤلاء القوم قصتهم مشهورة معلومة، ولهذا جاءت بصيغة التقرير. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز للإنسان أن يفر من قدر الله، من أين يؤخذ؟ من قول الله: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواوقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الطاعون: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ» فرارًا منه، أما تخرجوا لسبب آخر فلا بأس. ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل لقوله: مُوتُواوماتوا ولَّا لا؟ الطلبة: نعم، ماتوا. الشيخ: ماتوا؛ بدليل قوله: ثُمَّ أَحْيَاهُمْفيستفاد منها تمام قدرته بإماتة الحي وإحياء الميت. ومن فوائدها: أن فيها دلالة على البعث، وجهه؟ أن هؤلاء أحياهم بعد أن أماتهم، وقد ورد في هذه السورة بيان قُدرة الله على إحياء الموتى في خمسة مواضع أظنها سبقت؟ الموضع الأول: في قوم موسى، أنهم أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ثم بعثهم الله بعد موتهم. والثانية: قصة القتيل الذي أمر الله تعالى أن تُذبح بقرة، ويوضع في بعضها، فضربوه ببعضها فأحياه الله. والقصة الثالثة: هذه (...) والآية الرابعة: الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة: ٢٥٩] وستأتي إن شاء الله تعالى.
والقصة الخامسة: قصة إبراهيم رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] هذا شوف خمس حوادث في سورة واحدة كلها تُثبت البعث، وأن الله تعالى قادر على ذلك. ويستفاد من الآية الكريمة: أن بيان الله عز وجل آياته للناس، وإنقاذهم من الهلاك من فضله لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ٢٤٣]. ويستفاد منها: أن لله نعمة على الكافر لقوله: عَلَى النَّاسِعام، ولكن نعمة الله على الكافر ليست كنعمته على المؤمن؛ لأن نعمة الله على المؤمن نعمة متصلة بنعمة الدنيا والآخرة، وعلى الكافر نعمته في الدنيا فقط. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشاكر من الناس قليل لقوله: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ. ومن فوائدها: أن العقل يدل على وجوب شكر المنعِم؛ لأنه قال: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍثم قال: أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَوهذا على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ الذم، فيكون من لا يشكر مذمومًا عقلًا وشرعًا. ويستفاد من الآية: إثبات القول لله: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا. ويستفاد منها أيضًا: أن معنى قوله تعالى: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ [يس: ٨٢] معناها أن الله يتكلم بما أراد، ما هو يقول: كن فقط، بل يتكلم بما أراد: كن كذا؛ لأن الكلام بكلمة كُنْمجمل ولَّا مبين؟ مجمل، ولمَّا قال الله للقلم اكتبْ، قال: ربِّ ماذا أكتُبُ؟ يصير معنى قوله: كُنْأي: الأمر المستفاد من هذه الصيغة، لكنه يكون أمرًا خاصًّا، فلو كان الله تعالى يريد أن ينزل مطرًا لقال أيش؟
طالب: أنزلي. الشيخ: نعم، أمطري، أيها السحاب أمطري مثلًا، ما يقول (كُن) وبس، بل يكون بالصيغة التي أراد الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز حذف ما كان معلومًا، وأنه لا ينافي البلاغة، وهو ما يُسمى عند البلاغيين بإيجاز الحذف، بإيجاز الحذف، من أين يؤخذ؟ طالب: من (...). الشيخ: لا. طالب: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ. الشيخ: لا. طالب: فقال لهم.
الشيخ: فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْلا شك فيه كلام محذوف، التقدير: فماتوا، نعم، فماتوا ثم أحياهم، وهذا كثير في القرآن، ويسمى إيجاز الحذف أي: الاقتصار الاقتصار، وقد مر علينا أن هناك اختصارًا، وهناك اقتصارًا، الفرق بينهما؟ الاختصار معناه؟
طالب: ما قل لفظه. الشيخ: ما قل لفظه وكثر معناه، يعني أقلل الحروف مع بقاء المعنى، والاقتصار: أحذف بعض الشيء وأقتصر على بعضه. الطالب: (...) التقرير يتضمن التعجب. الشيخ: التعجيب نعم، لماذا؟