تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٦٣

درس صوتي · ٩٢:٠٤

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الشيخ: منع الحق لمن يستحقه لولا التعذير، والتعذير بمنع الحق لمن يستحقه هو جائز، وعلى هذا فنقول: الصحيح في هذه المسألة أن من عقد على مُعتدَّة فالأصل أنها تحل له بعد انتهاء العدة لعموم قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤] لكن إن رأى الحاكم أن يمنعه منها تعذيرًا فله ذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العناية بالعدة وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة: ٢٣٥]، كذا؟ ومن فوائد الآية الكريمة: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة، من أين تؤخذ؟ الطلبة: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. الشيخ: حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُلأن أجله ما بُيِّن هنا، وإن كان بُيِّن في آية ثانية، وقد سبق لنا أن من فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه وتحرص عليه حتى تدركه، فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان ولا ينساه، واضح؟ ولهذا نحن لا نؤيد فكرة أن يكون كل شيء موجودًا عند الطالب؛ يعني ما نؤيد أننا نجيب له كتاب ونشرح له كل ما فيه، خلِّ الكتاب به بعض الشيء لأجل الإنسان يستعمل فكره، ولا نؤيد استعمال الطالب للآلات الحاسبة إلا عند الضرورة، ويش الآلات الحاسبة؟ معروفة؛ لأنك إذا تعودتها. طالب: لم تُعمِل الفكر وتبلّد. الشيخ: تبلّد فكرك، وصار ما تعرف إلا بهذه الآلة، ولا نؤيد أيضًا استعمال الطالب لآلات الفرائض؛ آلات علم الفرائض، فيه آلات الآن كمبيوتر ما تبين لك علم الفرائض، اعرف بس قاعدتها واضرب الأرقام هذه وتحل لك المسألة، تقسم لك أي مال يكون، بدلًا من أن تتعب في قسم التركات وتُراجع كتب الفرضيين استعمل هذه، ولكن ما نعلمكم اللي عنده؛ لأني أخشى بعد تتخذونها، استعملها لو كنت عامي ما تعرف شيئًا من الفرائض أبدًا، بس يوريك كيف تعمل، ثم تجيء بالمال وتكتب على الشاشة، ثم تنغز الأزرَّة وتكتب الورثة، ومع ذلك لو نغزت واحدًا (...) من هادولا ما تطلع اسمه ما تعطيه. طالب: ما مذهبها؟ الشيخ: مذهبها على المشهور عند الحنابلة. طالب: حسبما تُعد؟ الشيخ: حسب، لكن (...) أقول: إني لا أؤيد ذلك؛ لأن الطالب ينبغي أن يدرك العلم بفهمه. يستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ. ويستفاد منها: وجوب الحذر من أن يُسِرَّ الإنسان في نفسه ما لا يُرضي ربه من قوله: فَاحْذَرُوهُ. ويستفاد منه: أن هذا القرآن العظيم مثاني بمعنى: تُثنَّى فيه الأمور والمواضيع، فإذا ذُكر أهل الجنة ذُكر أهل النار، وإذا ذُكر الرجاء ذُكر معه الخوف، وهكذا، وقد نص الله على ذلك في قوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر: ٢٣] وهو هذا القرآن، من أين يؤخذ من هذه الآية؟ لأنه لما حذر قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والحليم، وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن؟ طالب: للصفات. الشيخ: للصفة، وهل يتضمن الحكم؟ طالب: إذا تعدَّى. الشيخ: إي، فيه تفصيل، إن كان متعديًا يتضمن الحكم، وإن كان غير متعدٍ لم يتضمن. وهل يدل على أكثر من صفة؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، ربما يدل بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة عندهم ثلاثة: مطابَقة، وتضَمُّن، والتزام، وياسر يضرب لنا مثالًا للمطابقة؟ الطالب: (...). الشيخ: أيش؟ الطالب: كنت أريد المسألة تعيدها تشرحها. الشيخ: مثال ذلك أقرب شيء نمثّل بالمحسوس، أنا عندي الآن بيت، فإذا قلت: هذا بيت فلان، كلمة (بيت فلان) تدل على كل البيت بما فيه من الغُرَف والْحُجر والفُسَح والصالات وما أشبه ذلك، ولَّا لا؟ تدل على مجموعه دلالة مطابقة؛ يعني إذا دل اللفظ على كل معناه فهو مطابقة، وتدل على الحجرة الواحدة والصالة الواحدة والفسحة الواحدة بالتضمن؛ يعني إذا دل اللفظ على جزء معناه فهي دلالة تضمن، وتدل على أن لهذا البيت بانيًا بالالتزام؛ لأن البيت ما يقوم بنفسه لا بد من بانٍ يبنيه تُسَمَّى هذه: التزام؛ يعني دلالة اللفظ على أمر خارج عن مدلوله وهو من لوازمه يسمى (دلالة التزام). بالنسبة لأسماء الله تدل على ذات الله وعلى الصفة التي يتضمنها هذا الاسم، تدل على الأمرين دلالة أيش؟ الطلبة: دلالة مطابقة. الشيخ: دلالة مطابقة، وتدل على الأمر الخارج اللازم لهذا المعنى؛ تدل دلالة التزام، مثل (الخالق) من أسماء الله؛ دلالته على الذات والخلق مطابقة، ودلالته على العلم والقدرة التزام، ودلالته على الخلق وحده أو الذات وحدها تضمن. واضح؟ الطالب: لا. الشيخ: سبحان الله! واضح؟ الطالب: نعم. الشيخ: الخالق الآن يدل على ذات الله والصفة اللي هي الخلق دلالة مطابقة؛ لأنه دل على كل معناه، ويدل على الذات وحدها وعلى الخلق وحده تضمن؛ يعني معناه إفراد كل واحد عن الآخر، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام، كيف؟ ما يمكن يكون خالقًا إلا وهو عالم قادر، ولَّا لا؟ هل يخلق من لا يقدر؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، هل يخلق من لا يعلم؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، لا بد أن يكون عالمًا قادرًا، ولهذا قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢] فذكر العلم وذكر القدرة بعد أن ذكر أنه خَلَق، ولا يمكن أن يكون هناك خَلْق إلا بعلم كيف يخلق وبقدرة على الخلق وإلا (...). لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّإلى آخره [البقرة: ٢٣٦]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ. وربما يُشعر قوله: لَا جُنَاحَأن الأَوْلى عدم ذلك وأن لا يطلق؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها وقدم لها الصداق فيه شيء على المرأة وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعًا متعجلًا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إطلاق المسِّ على الجماع؛ لقوله: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ.

ويستفاد منها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: أَوْ تَفْرِضُوالأنه معطوف على قوله: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّيعني: وما لم تفرضوا لهن فريضة. وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة وشرط أن لا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح صحيح والشرط فاسد ولها مهر المثل، ومنهم من يرى أن النكاح غير صحيح، وهذا هو الصحيح أنه إذا شُرط عدم المهر فالنكاح غير صحيح؛ لأن الله اشترط للحِلّ المال؛ قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ [النساء: ٢٤]. والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يُشرَط المهر ويعيَّن، أو يُسكَت عنه، أو يُشرَط عدمه؛ ففي الحالة الأولى النكاح صحيح ولا إشكال فيه ولا نزاع، وفي الثانية النكاح صحيح ولها مهر الْمِثل إذا سُكت عنه، وفي الثالثة أن يُشرط عدمه موضع خلاف بين أهل العلم.

ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب المتعة على من طلَّق زوجته قبل الدخول ولم يسمِّ لها مهرًا؛ لقوله: وَمَتِّعُوهُنَّ، وهذا بالإجماع أنه إذا طلقها قبل المسيس والخلوة ولم يفرض لها مهرًا فلها المتعة واجبة بالإجماع.

ويستفاد من الآية أيضا: أن العبرة بالمتعة حال الزوج: إن كان موسرًا فعليه قدره، وإن كان معسرًا فعليه قدره؛ لقوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ. ويتفرع على هذه الفائدة يعني فائدة أخرى وهي: امتناع التكليف بما لا يطاق، كيف ذلك؟ طالب: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ. الشيخ: لقوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، وهذه القاعدة امتناع التكليف بما لا يطاق دل عليها القرآن في عدة مواضع، منها قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب إذا أمتع زوجته هذا الإمتاع أن يكون بالمعروف؛ أي: بما يقتضيه العرف، بحيث يبذله عن سخاء نفس وبدون مِنَّة؛ لقوله: مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ. ومن فوائدها: أن القيام بهذه المتعة من الإحسان وإن كانت واجبة؛ لقوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بشأن النكاح حيث أنزل فيه هذه الآيات الكثيرة المتعددة ولم تتم بعدُ أيضًا؛ لأنه عقد من أخطر العقود، إن لم يكن هو أخطر العقود فإنه من أخطرها. واستنبط بعض العلماء من هذه الآية أن المعتبَر في الإنفاق حال الزوج لقوله: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُفقاس الإنفاق على الإمتاع، وهذا القياس قد يُقبل وقد لا يُقبل، لكن يغني عنه النص في هذا وهو قوله تعالى في سورة الطلاق: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق: ٧]. وظاهر الآية الكريمة: أنه إذا دخل بها ولم يمسها وجب المهر، من أين يؤخذ؟ من قوله: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ؛ فعلَّق الحكم بالمسيس، وهو الجماع، ولكن الصحابة رضي الله عنهم حكموا بأن الخلوة كالمسيس؛ لأنه استباح منها ما لا يُباح لغير الزوج وهو الخلوة، فإذا خلا بها أو قبّلها أو باشرها لشهوة فهو كالجماع يتقرر به المهر. طالب: استنتاج الفائدة من الآية. الشيخ: إي، لأنه قال: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّثم قال: وَمَتِّعُوهُنَّ، فظاهره أنه إذا طلقها قبل أن يجامع فإنه ليس عليه متعة مع أن عليه متعة في هذه الحال.

طالب: إذا خلا بها. الشيخ: إذا خلا بها، إذا خلا بها ظاهره أنه أن عليه المتعة، إذا خلا بها وليس عليه المهر كاملًا؛ لأنه علق الحكم مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، فعلق وجوب المتعة بحال وهي إذا لم يمسها، فظاهره أنه وإن خلا بها لا يجب لها المهر، واضح؟ طالب: إي نعم. الشيخ: ولكن الصحابة حكموا بأن الخلوة كالجماع، وعلى هذا فإذا خلا بها وجب لها المهر دون المتعة، واضح؟ طالب: مهر المثل، مهر كامل؟ الشيخ: كامل نعم، المهر كامل. الطالب: حتى بدون مسيس ولا جماع. الشيخ: إي نعم، بدون مسيس ولا جماع، يجب لها المهر وتجب عليها العدة، ويثبت كل ما يثبت بالجماع. ثم قال الله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧]، وفي قراءة: {تُمَاسُّوهُنَّ}، والمراد به الجماع. وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّأو {تُمَاسُّوهُنَّ} أي: من قبل أن تجامعوهن. وهنا كلمة قَبْلِنجد أنها مجرورة بـ (مِن)، فهي إذن معربة، وإذا كانت معربة فلماذا لم تُنون؟ الطلبة: للإضافة. الشيخ: لأنها مضافة، مضافة إلى أي شيء؟ طالب: المصدر المؤول. الشيخ: لأن أن الداخلة على الفعل تؤول بمصدر؛ أي: من قبل مسِّهن، أو مماسَّتهن على القراءة الثانية. وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةًالواو هذه للحال؛ يعني: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة؛ أي: عيَّنتم لهن مهرًا مسمى؛ مثل أن يتزوجها على ألف درهم معيَّنة ثم يطلقها قبل ذلك؛ قبل أن يمس، هذا فرض المسألة التي ذكر الله عز وجل. وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْالفاء هذه واقعة في جواب الشرط وهو قوله: إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ، ونِصْفُمبتدأ خبره محذوف، وما تقدير هذا الخبر؟ طالب: فلهن. الشيخ: (فلهن) أو (فعليكم) يصلح هذا وهذا: فلهن نصف ما فرضتم، أو: فعليكم نصف ما فرضتم، ويجوز أن نجعل نِصْفُخبر مبتدأ محذوف ويكون التقدير: فالواجب نصف ما فرضتم. قوله: نِصْفُ مَا فَرَضْتُمْإن كان هذا المفروض يمكن إفراز بعضه عن بعض فُصِل، كما لو كان ألف درهم فيُجعل خمس مئة وخمس مئة، وإن كان لا يمكن إفرازه بقي النصف مشاعًا كما لو كان بعيرًا مثلًا أو سيارة، لو كان سيارة وتزوجها على هذه السيارة ثم طلقها قبل أن يمسها، فكيف نقول له النصف؟ مشاعًا. نقول: له النصف مشاعًا، أي: لها نصف هذه السيارة وله نصفها. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ(إلا) استثناء من أعم الأحوال، يعني: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال، وهذا الاستثناء يسمونه الاستثناء من أعم الأحوال؛ يعني كأنه يقول: فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ(أن) هذه حرف مصدر ينصب الفعل المضارع، والمشكِل أنه لم ينصب؛ لأن الواو موجودة إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، فهل نقول: إن هذا للضرورة؟ طالب: (...). الشيخ: لا ضرورة. الطلبة: النون موجودة. الشيخ: إي، النون، والواو فاعل! يَعْفُونَفعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل!

طالب: لا يا شيخ النون نون النسوة. الشيخ: ها، النون للنسوة، إذن الفعل منصوب لكنه مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، سكون أيش؟ سكون الواو يَعْفُونَ؛ لأن الواو هذه من الفعل، ولهذا لو وزناه في الميزان الصرفي لكان ميزانه (يَفْعُلْنَ) بخلاف قولك: الرجال يعفون، فإن وزن يعفون؟ الطلبة: يفعلون. الشيخ: لا. طالب: يَفْعُونَ. الشيخ: وزن يعفون: يَفْعُونَ، صح؟ لأن لام الفعل حُذفت لأجل واو الجماعة، إذن نقول: يَعْفُونَهذه منصوبة، لكنها مبنية على السكون في محل نصب؛ لأنها متصلة بنون النسوة. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَالضمير يعود على مَنْ؟ يعود على النساء المطلقات. طالب: ما يعود على الأزواج؟ الشيخ: لا لا، كيف يعود على الأزواج، نحن قلنا: نون نسوة، الأولى يكون النساء. أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِيعني أو إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، فإن عفون أو عفا الذي بيده عقدة النكاح، فما الحكم؟ ننظر من هو مستثنى؟ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، فإن عفوا فكل ما فرضتم، لكم ولَّا لهن؟ الطلبة: لكم. الشيخ: نشوف، هذا ينبني على ما المراد بقوله: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، اختلف المفسرون في هذا والفقهاء أيضًا؛ فقال بعض أهل العلم: إن المراد بـ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِالزوج؛ لأنه هو الذي يملك العقد والطلاق، أرأيت لو قال الولي: زوجتك بنتي، فقال: (هونت ما أبغاها)، ينعقد النكاح؟ الطلبة: لا. الشيخ: ما ينعقد، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: ولو أنه انعقد وقال: قبلت، ثم قال: طلقت، ينفسخ النكاح؟ طالب: لا ينفسخ. الشيخ: ينفسخ، زوجه، إذن من الذي بيده العقدة الآن؟ هو الزوج، وهذا واضح جدًّا أن الذي بيده عقدة النكاح الزوج، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح الولي مطلقًا؛ لأنه هو الذي يعقد فيقول للزوج: زوجتك، فحينئذٍ يكون بيده العقدة، وقيل: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة بناء على القول بأن الأب يُجبر ابنته، فهو إن شاء عقد وإن شاء لم يعقد بخلاف الأولياء الآخرين لأنهم لا يعقدون إلا بإذن مولياتهم، فيكون الذي بيده عقدة النكاح هو الأب خاصة، إذن ففيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه الزوج، الثاني: أنه الولي مطلقًا، الثالث: أنه الأب خاصة، ولكننا إذا رجعنا إلى ما يقتضيه اللفظ وجدنا أن القول الأول هو الصواب وأن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، أليس كذلك؟ وأيضًا إذا جعلناه هو الزوج فقد استفدنا من الآية فائدتين: الفائدة الأولى: العفو من جانب الزوجة، والفائدة الثانية: العفو من جانب الزوج. وإذا جعلنا الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا أو الأب صار العفو من جانب واحد. ثالثًا: إذا جعلناه الزوج صار الاستثناء في قوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَيعني فلكم الكل، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِفلهن الكل، ولَّا لا؟ وإذا جعلناه الولي صار المعنى: إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فلكم الكل دون النساء، واضح؟ ودلالة الآية على المعنيين أوْلى من دلالتها على معنى واحد، فهذه ثلاثة أوجه تُرجح أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج مع كون اللفظ دالًّا عليه بنفسه دون مرجِّح؛ لأن الأولياء لو جاؤوا كلهم وقالوا: زوجناك أيها الرجل الحبيب الطيب الكريم العالم الشجاع نرغب في أن نزوجك، وجاءت الأم وبنتها وخالتها وعمتها وكل شيء وقالوا: زوجناك، فقال: لا أريد، أيش يكون؟ ما ينعقد، إذن الذي بيده العقدة حقيقة هو الزوج، ولا حاجة لمرجِّح ما دام اللفظ دالًّا عليه، وبناء على ذلك يكون الاستثناء، نعرف الآن الاستثناء: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَفلكم الكل، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِفلهن الكل، صح أوْ لا؟ طالب: (...) كان. الشيخ: أقول: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَمستثنى من قوله: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، إِلَّا أَنْ يَعْفُونَفلكم الكل أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِفلهن الكل، تمام؟ يبقى إشكال فيما إذا كان الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح وأسقط حقه، فكيف نقول: إنه عفا مع أنه هو الْمُعفَى؟ نقول: نعم؛ لأن المفروض أن الزوج قد سلَّم المهر، فإذا سلم المهر بقي عند من؟ عند الزوجة، فإذن عفو الزوج معناه أن لا يطالبها بما قبضت، ولَّا لا؟ بما قبضت. إذا كان نصف المهر مؤجلًا، فكيف يصح عفو الزوج في هذه الحال؟ طالب: يعطي مرتين. الشيخ: لا، عفو الزوج؟ طالب: يعطي النصف المؤجل. الشيخ: لا، يكون بناءً على الأغلب؛ لأن الآن قصدي أن الزوج يعفو، كيف يعفو وهو ما بعد صار في ذمة زوجته شيء؟ إلى الآن ما سلمها نصف المهر فكيف يصح أن يقول: إلا أن يعفو؟

نقول: إن الآية مبنية على الأغلب، وإنه كان ينبغي أن يكون الصداق معجلًا لا مؤجلًا. طالب: مقدم؟ الشيخ: إي، معجل ومقدم؛ يعني لا مؤجلًا، وعلى هذا فيصح أن يكون الزوج عافيًا بمعنى أنه يسقط ما قبضته المرأة فلا يطالبها به. وقوله: بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِكلمة عُقْدَةُولم يقل: عَقْد، إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين أطرافي الحبل. ثم قال: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىهذا أيضًا مما يرجح أن المراد به الزوج؛ وَأَنْ تَعْفُواأيها الأزواج، ولم يقل: وأن يعفون أقرب للتقوى، بل قال: وَأَنْ تَعْفُوا؛ لأن الانكسار الآن من جانب من؟ الطلبة: الزوجة. الشيخ: الزوجة، فإذا عفوت عن حقك أيها الزوج كان ذلك أقرب للتقوى وأجبر لخاطرها؛ لأنه قد يكون في قلبها شيء، لماذا يطلقها قبل أن يدخل بها؟ فقوله: أَنْ تَعْفُوايعني عما تستحقون من المهر إذا طلقتم قبل الدخول، وهو ربعه. طالب: نصفه. الشيخ: ربعه ولَّا نصفه؟ الطلبة: نصفه. الشيخ: متأكدون؟ الطلبة: نعم. الشيخ: وهو نصفه، إذا عفوتم عن ذلك فهو أقرب للتقوى. وهنا قال: أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىولم يقل: فهو تقوى؛ لأن العفو ليس بواجب، لكن هذا يقربكم من التقوى ويكون وسيلة لكم إلى تقوى الله عز وجل فيما يجب تقواه به. وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْالخطاب هنا لَا تَنْسَوُاهل هو خاص بالزوجين؛ الزوج مع الزوجة وأوليائها، أو هو عام؟ طالب: عام. الشيخ: نقول: إن نظرنا إلى لفظه فهو عام، وإن نظرنا إلى سياقه فهو خاص، وإذا جعلناه خاصًّا بمقتضى السياق فإنه يكون عامًّا بالعموم المعنوي؛ لأن هذا التوجيه الكريم من الله عز وجل ليس خاصًّا بهؤلاء، كل الناس بيقول: لا تنسَ الفضل بينك وبين أخيك. وقوله: لَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْتَنْسَوُاهنا بمعنى: تتركوا؛ لأن النسيان يطلق بمعنى الترك، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان الذي هو الذهول، فيكون المعنى: لا تنشغلوا فيما بينكم مما يحصل بالفراق قبل الدخول، لا تنشغلوا عن نسيان الفضل؛ لأن الإنسان قد ينشغل بالشيء عن الشيء فينساه، فالنسيان إذن يحتمل أن يكون المراد به الترك، ويحتمل أن يكون به الذهول، وكلاهما وارد في اللغة العربية؛ قال الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر: ١٩] وقال تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] النسيان هنا بمعنى الترك، وقال تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] والنسيان هنا بمعنى الذهول، الذهول عن الشيء المعلوم. وقال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥]. الطلبة: يصلح (...). الشيخ: أيهم؟ يصلح هذا وهذا؟ إن قلنا: إن النسيان بمعنى الترك فلا إشكال، وإن قلنا: إن النسيان بمعنى الذهول احتجنا إلى جواب على: كيف يعاقبه الله عز وجل مع أنه نسي؟ والجواب على الإشكال الأخير ظاهر كما أجاب به أهل العلم فقالوا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان من خصائص هذه الأمة وليس للأمم السابقين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .

هنا لَا تَنْسَوُاقلت: يحتمل أن يكون النسيان بمعنى الترك؛ يعني لا تتركوا الفضل بينكم، ويحتمل أن يكون بمعنى النسيان؛ لأن الإنسان في مثل هذه المقامات قد ينشغل فكره وينسى ما نُدب إليه من الفضل.

وقوله: الْفَضْلَقيل: إنه بمعنى الإفضال؛ يعني لا تنسوا أن يُفضِل بعضكم على بعض ويعطيه من الفضل. فهنا هل نقول للزوج: اعفُ ولا تترك نفسك من الإفضال على الزوجة، أو نقول للزوجة: أسقطي ولا تنسي الفضل بينك وبين الزوج، أو للجميع؟ الطلبة: للجميع. الشيخ: للجميع بحسب الحال؛ قد يكون الزوج معذورًا في الطلاق قبل الدخول، وقد يكون فقيرًا والمرأة غنية فيكون مقتضى الحال أن يكون الإفضال من الزوجة على الزوج، وقد لا يكون هكذا فيكون الإفضال من الزوج على الزوجة. ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌختم الآية بهذا الاسم للتحذير من المخالفة؛ فإن الله بصير بكل ما نعمل. وهل البصر: بصر العين الذي مقتضاه الرؤية، أو البصر: العِلم؛ فيشمل ما يُرى وما يُسمع وما يُعلم؟ الطلبة: الأخير أشمل. الشيخ: نعم، الأخير أعم، والأول فيه احتمال أن المراد بصير بما نعمل بمعنى أنه يراه، لكن تعلمون أن هذا التفسير يقتضي حصر ذلك فيما يُرى فقط، والتفسير الثاني أعم، وإذا وُجد معنيان أحدهما أعم واللفظ محتمل له كان الأخذ به أولى لأنه أشمل. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الطلاق قبل المس مع تعيين المهر، وجهه: أن الله أقر هذه الحال وجعل لها أحكامًا، ولو كانت حرامًا ما أقرها ولا جعل لها أحكامًا. وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهر؛ لأن الآية فيما إذا طُلقت قبل المسيس ولم يُسمَّ لها مهر، وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمِّي لها مهر، كذا؟ وإن طلقت بعد المسيس؟ إن سُمِّي لها مهر فلها المهر، وإلا فلها المتعة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله: وَقَدْ فَرَضْتُمْ، فلو تنازع الزوجان فقالت الزوجة للزوج: أعطني ما شئت، وقال الزوج لها: افرضي ما شئتِ، تحجه بهذا وتقول: أنت اللي موكل لك الأمر. نعم، تحجه تقول له: أنت الذي لك الفرض. ولكن إذا أبت بما فرض؟ الطلبة: ليس لها. الشيخ: ليس لها ذلك؟ لا، لها ذلك، ما يمكن نجبرها بمهر لا ترضاه. طالب: شيخ، (...) الآية فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ. الشيخ: إي نعم، لكن إذا فرض لها عشرة آلاف قالت: ما يكفي؟ طالب: يعني قبل عقدها؟ قبل العقد؟ الشيخ: قبل قبل، إي، قبل العقد هي بالخيار. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب نصف المهر إذا طلقها قبل الدخول وقد فرض لها مهرًا؛ لقوله: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ. ومن فوائدها: جواز إسقاط المرأة المهر عن الزوج أو بعضه؛ لقوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ. ومن فوائده: جواز تصرف المرأة في مالها؛ لقوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، ولكن هذا مشروط بما إذا كانت بالغة عاقلة رشيدة كما تدل عليه آيات أخرى، فإن لم تكن كذلك فلا تملك هذا. وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها وإن كانت مدينة لقوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ؟ طالب: لا يملك الحق (...).

الشيخ: أو نقول: إذا كانت مدينة فليس لها أن تعفو، فالآية ظاهرها العموم إِلَّا أَنْ يَعْفُونَوليس هذا معاوضة حتى نقول: إن هذه المرأة أخذت من مالها ما يضر بالغرماء، بل هذا عِوض جديد مقابل باستمتاع الرجل بالزوجة. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِفإن قلنا: إنه الولي مطلقًا أو الأب صار عندنا إشكال، ما هو؟ هو أن الولي لا يملك التبرع ولا الإسقاط لمال موليه، انتبه للقاعدة، الولي سواء كان وليًّا على مال يتيم أو على مال سفيه لا يملك التبرع ولا الإسقاط؛ لأن ذلك ليس من حظ اليتيم أو السفيه، وقد قال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢]، ولهذا المسألة مشكلة من الناحية المالية على قول من يقول: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي مطلقًا، ليش؟

لأن الولي لا يملك العفو عما استحقته موليته، أفهمتم؟ أما إذا كان الأب فالأب فيه خلاف، هل يملك إسقاط الدَّين الذي لولده أو لا يملكه؟ فمن أهل العلم من قال: يملك إسقاط الدَّين الذي لولده، ومنهم من قال: لا يملك، والراجح أنه يملك؛ لأنه إذا كان يملك تملُّك العين الذي في يد الولد فله أن يملك إسقاط الدَّين الذي له من باب أولى؛ لأن تعلق نفس الولد بالمال الذي بيده أقوى من تعلقها بالدَّين، فإذا كان يملك يأخذ ماله من بين يديه فله أن يُسقط دينه عمن هو عليه، وعلى هذا لا إشكال إذا قلنا بأن الذي بيده عقدة النكاح هو الأب، لكن سبق لنا أن هذا قول ضعيف، وعلى هذا فتنزع هذه الفائدة؛ لأنها مبنية على قول مرجوح (...) حتى مع الدَّين، الآية قوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَظاهرها جواز العفو حتى مع الدَّين؛ يعني حتى ولو كان على الإنسان دين فإنه يجوز أن يعفو، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، اختلف العلماء في جواز تبرع الإنسان في ماله أو بشيء من ماله إذا كان عليه دَين يستغرق؛ فالمشهور من مذهبنا مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يتبرع الإنسان بشيء من ماله وإن كان عليه دَين يستغرق ما لم يُحجر عليه، فإن حُجِر عليه فإن التصرف ممنوع كما هو ظاهر، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يصح تبرعه بشيء من ماله مع الدَّين المستغرق لتعلق حق الغرماء به، وقوله هو الصواب وأنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله (...). من المعلوم أن الواجب أهم من التطوع، وإذا كان بعض أهل العلم يُسقِط الزكاة الواجبة في المال إذا كان على الإنسان دين مع وجوب الزكاة، فالتبرع من باب أولى؛ لأن الواجب لا يسقط إلا إذا كان التصرف محرمًا، وعلى هذا فيكون حتى على قاعدة المذهب لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من ماله مع دين يستغرق، ولكن قد يقال: إنه يُعفى عن الشيء اليسير الزهيد كالدرهم والدرهمين؛ لأن كثيرًا من الناس اليوم عليهم ديون أكثر مما في أيديهم من الأموال ويأتي السائل فيعطونه الدرهم والدرهمين وما أشبه ذلك، فهل نقول: إنهم آثمون؟ في القلب من هذا شيء، ولكن لا شك أنهم مخطئون وأن تصرفهم هذا غير سليم؛ هذا الدرهم الذي تعطيه لهذا السائل أعطِه نفسك أولًا لأنك محتاج، فإذا أوفيت دينك فبعد هذا تصدق بما شئت؛ «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» كما قال النبي عليه الصلاة والسلام قبل كل شيء، قد يقول: هذا درهم أو درهمين ما هو بنافع ولا هو بضار، نقول له: ما تقول في قطرات الماء ينزل من السماء هل تسيل به الأودية؟ الطلبة: نعم. الشيخ: وهي قطرة واحدة، هذا الدرهم وفره اليوم والدرهم الثاني وفره غدًا، وتوفر في السنة ثلاث مئة وأربعة وخمسين درهمًا، نِعمة، فعلى هذا نقول: إنه من الحكمة والعقل والدين أن الإنسان الذي عليه دَين يستغرق يجمع ما يُحصّل في قضاء دينه. يستفاد من الآية الكريمة: أن النكاح من العقود؛ لقوله: عُقْدَةُ النِّكَاحِ. ويترتب على هذه الفائدة: جواز التوكيل فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكّل في العقود عروة بن الجَعْد، وكَّله في شراء أضحية له ، فيجوز أن يوكل الإنسان من يتزوج له، ولكن كيف يكون عقد النكاح إذا كان الإنسان وكيلًا للزوج، هل يقول الولي له: زوجتُك بنتي، فيقول: قبلت؟ طالب: لا.

الشيخ: لا، ما يصلح. هل يقول: زوجت موكلك بنتي فيقول: قبلت لموكلي؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لا. طالب: يُعيِّنه.

الشيخ: لازم يعيّنه، يقول: زوجت موكلك فلانًا ابنتي فلانة، فيقول: قبلت النكاح لموكلي، وهذه المسألة كلمة: لموكلي، يرى بعض الفقهاء أنه يجب أن يقول: لموكلي، وبعض العلماء يقول: لا يجب اكتفاءً بالإيجاب، ويش هو الإيجاب؟ الإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه، فإذا قال: زوّجت ابنتي فلانة موكلك فلانًا فقال: قبلت، يعني؟ أقول: يعني لمن؟ طالب: قبلت لموكلي. الشيخ: لموكلي، لكن ذكر الموكل في القبول أولى، يقول: قبلت لموكلي فلان، واضح؟ إذا كان الولي هو الذي وكّل فكيف يقول؟ يقول: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانةَ. طالب: أو وليها، يعني يكون لها ولي؟ الشيخ: فلانةَ، فيقول ذاك الزوج: قبلت، ولَّا لا؟

طيب، هل يثبت لهذا العقد ما يثبت لعقد البيع من الخيار؛ خيار المجلس أو خيار الشرط؟ الطلبة: لا. الشيخ: خيار المجلس لا يثبت؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» ، ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالبًا إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق ونظر وبحث، بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة وعن حرص على الربح بدون أن يتروَّى الإنسان، واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع، وهذا ظاهر؛ لأن البيع يقول: إذا ما جازت لي أرجع، أبيعها، لكن المشكلة الزوجة، ولهذا ليس فيه خيار مجلس -أعني النكاح- لكن هل فيه خيار شرط؟ طالب: لا، ما فيه. طالب: فيه شرط. الشيخ: المذهب لا خيارَ فيه، ليس فيه خيار الشرط، واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» . وعندي أن خيار الشرط بالنسبة للزوج غير وارد، ليش؟ لأن النكاح في حقه جائز متى شاء طلق، ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: إذن هو في غِنى عن الشرط، لكن الزوجة هي التي تحتاج إلى الشرط، والصحيح أنه جائز، فيقول: زوجتك ابنتي بشرط الخيار لمدة سنة، كذا؟ الخيار لها، العقد تام الآن، لكن لها الخيار إذا شاءت أن ترد العقد، أو ما يقع كثيرًا بشرط الخيار لها في جلوسها مع أهلك؛ لأن بعض الناس قد يكون أهله عندهم سوء عِشرة، ويزوجوه منه (...) بيقولون: بشرط أنه إذا لم يطب لها المقام مع أهلك فلها الخيار، فالمهم أن العلماء مختلفون في خيار الشرط في النكاح؛ المذهب: لا يصح، واختار شيخ الإسلام أن ذلك صحيح، وهو مستفاد من كلمة عُقْدَةُ النِّكَاحِ. ومن فوائد الآية الكريمة: استحباب أو الحث، أو بعبارة أصح: الترغيب في العفو، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىوهذا شامل لكون العفو نفسه مقرِّبًا للتقوى، ولكون العفو أيضًا سببًا للتقوى؛ فالإنسان الذي يعفو عن عباد الله يعفو الله عنه، وإذا عفا الله عنك فإن ذلك يكون سببًا بتقواك الله عز وجل؛ لأن مدار التقوى على الإيمان، وكلما عفا الإنسان عن عباد الله مبتغيًا بذلك وجه الله ازداد إيمانه فازدادت تقواه. هل يستفاد من هذه الآية: أن الأعمال تتفاضل؟ الطلبة: نعم، أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى. الشيخ: نعم، لكن هل يستفاد منها أن الأعمال تتفاضل؟ الطلبة: نعم، هذه واضحة. طالب: الذي يعفو أفضل من الذي ليس يعفو، لفظ تفضيل أَقْرَبُ، أَقْرَبُلفظ تفضيل.

الشيخ: إي نعم، هذه نعم يستفاد منها أن الناس يختلفون في القرب من التقوى، لكن هل يفيد أن الأعمال بعضها أفضل من بعض، أو يفيد أن الإيمان بعضه أعلى من بعض؟ هذا هو الظاهر، كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد تقوى، وكلما كان إلى التقوى أقرب كان إلى الإيمان أقرب. إذن فيُستفاد منه أن الناس يتفاضلون في الإيمان، وهذا هو القول الراجح بلا شك، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، هل الذي يزيد وينقص هو إقرار القلب، أو قول اللسان، أو عمل الجوارح؟

الطلبة: الكل. الشيخ: الكل، إقرار القلب يزيد بلا شك يتفاضل، وأقوال اللسان تتفاضل، وأفعال الجوارح تتفاضل، كذا؟ أما تفاضل أعمال الجوارح فظاهر؛ فالمصلي أربع ركعات أزيد من المصلي ركعتين، وأقوال اللسان كذلك؛ فالذاكر اللهَ عشر مرات أفضل من الذاكره خمس مرات، لكن كيف يتفاضل الإيمان في القلب؟ نقول: نعم، يتفاضل؛ لأن زيادة اليقين لها سبب، ولَّا لا؟ فإذن كلما ازداد اليقين كان أقوى في الإيمان وهو يتفاضل، أنا عندما يخبرني رجل ثقة في خبر ويكون عندي شيء من العلم، إذا أخبرني آخر بهذا الخبر ازداد علمي ولَّا لا؟ طلبة: ازداد علمي. الشيخ: ازداد علمي ويقيني، وهكذا، ولهذا قال الله تعالى: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١] فالزيادة ثابتة في القرآن. بعض العلماء يقول: أثبت الزيادة ولا تُثبت النقص، ما قولكم في هذا؟ الطلبة: ما يستقيم. الشيخ: هذا غير صحيح، ليش؟ الطلبة: لا زيادة إلا بنقص. الشيخ: لا زيادة إلا بنقص؛ إذ إن الزيادة يقابلها النقص، فمثلًا إذا قلنا: هذا زائد على هذا لزم أن يكون الثاني المزيد عليه ناقصًا، ولهذا الصواب أنهما متلازمان. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله: وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْلا تنسَ أن يكون لك الفضل عليهم، ولهذا جاء في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» (...).

فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر، والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله. ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة عِلم الله تعالى وبصره بكل شيء مما نعمله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها ترغيبًا في العمل الصالح وترهيبًا من العمل السيئ؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة معناه: احرصوا على العمل الصالح فإنه لن يضيع، واحذروا من العمل السيئ فإنكم تجازون عليه؛ لأن الكل معلوم عند الله سبحانه وتعالى. الطالب: قلتم يا شيخ إن خيار الشرط غير وارد للزوج؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: بالنسبة للمهر الذي دفعه للزوجة لو اشترط يعني يعود إليه المهر، أما إذا لم يشترط لا يعود؟ الشيخ: لو كان يعود عليه المهر كان صحيح يستفيد من الشرط، لكن الظاهر أنه ما يعود عليه المهر لعموم الحديث ذكرناه، لها المهر بما استحل من فرجها. الطالب: إذن ما صار (...). الشيخ: ولهذا هو الحقيقة مشكلة، إلا إذا قلنا بأنه يعود، لكن العلماء كلهم يكادون مُطبقين على أنه يستقر المهر بالدخول. الطالب: إذن ما صار (...). الشيخ: هو هذا اللي (...)، والشيخ صرح رحمه الله بأنه يجوز شرط الخيار لهما أو لأحدهما، فبالنسبة للزوجة ظاهر، بالنسبة للزوج ما له مصلحة إلا مثل ما قلت، إذا قلنا: بأنه يعود عليه المهر، أو إذا قلنا: بأنه يعود عليه نصف المهر قبل الدخول، وإلا فالفائدة قليلة. طالب: والزوجة يعود لها أيش؟ الزوجة يعود لها؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا اختارت الطلاق في ها السنة هذه، اختارت الفراق مع (...) يعود لها المهر؟ الشيخ: المهر لها ثابت.

الطالب: ثابت؟ الشيخ: ثابت بالدخول. الطالب: ما يدخل فيه يعني الإجحاف؟ الشيخ: هو اللي اشترط، هو الذي رضي بذلك. الطالب: لكن ربما تختار الفراق ثم يطيب لها المقام يعني؟ الشيخ: لا، كيف ما دام اشترط لها إلا إذا قالت الشرط عيّنته، إذا لم تستقم الحال مع أهلك، وهذا هو الأحسن يعني كونه يكون شرطًا مطلقًا حتى في النفس منها شيء؛ لأنه قد يكون شبيهًا بنكاح المتعة، فالأوْلى أن يقيد هذا الرأي بكونه تشترط المرأة الخيار في شيء لها فيه غرض كسوء العشرة منه أو من أهله. الطالب: ولا يجوز أنه يقول: إن اخترتِ الفراق يرجع المهر؟ الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنه خلاف الشرع، إذا دخل بها فلها المهر (...).


تفسير الآية (٢٣٨-٢٣٩)

٠١:٠٢:٣٣

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨]. أولًا: هذه الآية جاءت بين أحكام النساء وعدتهن ومهورهن وما يتعلق بذلك، مع أن الصلاة من العبادات الخاصة بالله عز وجل، ونحن نعلم أن الترتيب في الآيات توقيفي؛ يعني أنه بأمر الله ورسوله، فما وجه كون هذه الآيات؛ الأمر بالمحافظة على الصلاة بين آيات تتحدث عن النساء وأحكامهن؟ الجواب على ذلك أن يقال: هناك مناسبة لفظية بلاغية؛ وهي أن الكلام إذا سار على نسق واحد فإن الإنسان ربما يغفل ولا يحدث شيء يوجب له الانتباه، فإذا جاء الشيء في غير موضعه المترقب صار ذلك أشد انتباهًا؛ لأنه تدركون مثلًا: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّثم تأتي حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِسبحان الله ويش لون هذا؟ فهذا يوجب أيش؟ طالب: الانتباه. الشيخ: الانتباه.

ثانيًا: أن المحافظة على الصلوات تُعين الإنسان على تنفيذ هذه الأحكام الشرعية؛ لأن الله يقول: أَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥]، فإذا قام الإنسان بالمحافظة على صلواته سهل عليه أن يلتزم هذه الحدود، التي كما رأيتم من قبل يُكرر الله فيها ذكر الحدود والتقوى وما أشبه ذلك. ثالثًا: أنه ربما إذا تشاغل الإنسان في أحكام تتعلق به شخصيًّا كمسألة النكاح والطلاق والعدة وما أشبه ذلك ربما ينسى ما يكون خاصًّا لله مثل الصلاة فنُبِّه على ذلك بين هذه الأحكام المتقاربة والمتشابهة.

فهذه ثلاثة أوجه من الحكمة التي بلغتنا، ولله عز وجل حِكم فوق ما ندركه، ربما يكون هناك حِكم أخرى أعظم وأبلغ مما ذكرناه الآن، إنما على كل حال ذكر هذه الآية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىإلى آخره، ذكرها في هذا الموضع لا شك أنه يوجب التساؤل، لا لأن الإنسان شاكّ في حكمة الله، ولكن لأن الإنسان يريد أن يعرف الحكمة والأسرار في هذا القرآن العظيم. نرجع الآن إلى قوله: حَافِظُواولم يقل: احفظوا، والمحافظة على الشيء بمعنى العناية به والملازمة له؛ بمعنى أن الإنسان يكون دائمًا محافظًا عليها، وهو أبلغ من قولك: احفظ الصلاة، بدليل أنك لو أعطيتني وديعة وقلت: يا أخي حافظ عليها، أو قلت: هذه وديعة احفظها، أيهما أبلغ؟ الطلبة: حافظ عليها. الشيخ: (حافظ عليها) أبلغ، فلهذا جاء في الآية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ. وقوله: عَلَى الصَّلَوَاتِالصلوات جمع (صَلاة)، وهي معرفة عند الفقهاء بماذا؟ الطلبة: بأنها أقوال وأعمال مفتتحة بالتكبير. الشيخ: بأنها أقوال طالب: وأفعال.. الشيخ: هذا ناقص جدًّا، والصواب أنها عبادة، عبادة ذات أقوال، أو التعبد لله تعالى بأقوال وأعمال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهذا أمر يجب عليكم أن تنتبهوا له: أن التعاريف في العبادات الشرعية لا بد أن تقرن فيها العبادة حتى لا تكون أعمالًا جافة، أنت لو قلت: هي أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ما يشعر الإنسان المخاطَب بأنها عبادة، لكن إذا قلت: التعبد لله، أو عبادة ذات أقوال وأفعال صار هذا أبلغ، وحتى يستحضر الإنسان أنه في هذه الصلاة متعبد لله. وقوله: الصَّلَوَاتِقلت: إنها جمع صلاة، وهي لغةً: الدعاء، وشرعًا: التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. وكلمة الصَّلَوَاتِهذه عامة تشمل النوافل والفرائض؛ لأن النوافل وإن كان الإنسان لا يأثم بتركها لكنها مهمة بالنسبة للفرائض، من مهمتها أنها تكمل النقص الذي في الفرائض، وأينا لم يؤدِّ الفريضة على وجه ناقص؟! فنحتاج إلى ما يتمم هذه الفرائض، ومنها النوافل، الحمد لله أن الله شرعها. وقوله: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىالصواب أن العطف هنا للمغايرة وليس عطف تفسير كما قيل، ولكنه عطف مغاير، مغاير بالذات ولَّا بالصفة؟ طالب: بالصفة. الشيخ: بالصفة؛ لأن الصلاة الوسطى، وسطى بمعنى فُضلى، ومنه قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣] أي: أمةً عدلًا خيارًا مفضلة، فـالْوُسْطَىهنا بمعنى الفُضلى، فهي معطوفة على الصَّلَوَاتِباعتبار تغاير الوصف، فما هي هذه الوسطى؟

اختلف فيها أهل العلم على أقوال متعددة، ولكنه سبق لنا في مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أولى ما يُفسَّر به القرآن أن يُفسَّر بالقرآن ثم بالسنة، وهنا جاءت السنة صريحة صحيحة بأن المراد بالوسطى صلاة العصر .

وعلى هذا فإنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ولا يمكن أن نلتفت إلى قول سوى هذا القول؛ لأن الذي فسر لنا هذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلم الناس بما أراد الله؛ لأن الله قال: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] وعلى هذا فالصلاة الوسطى -بلا شك- هي صلاة العصر، وأمر الله بالمحافظة عليها بذاتها؛ لأنها ذات فضل عظيم، وفيها أجر عظيم هي والفجر كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» . الصلاة اللي قبل طلوع الشمس هي الفجر، والتي قبل الغروب هي العصر، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» وعلى هذا فهي أفضل الصلوات، فهي الوسطى بدليل تفسير النبي صلى الله عليه وسلم. وقد مر علينا: إذا عُطف الخاص على العام فهل ذلك ذِكر له مرتين أو ذِكر له مرة واحدة؟ والصحيح أنه ذكر له مرتين: مرة على سبيل العموم ومرة على سبيل الخصوص، وتخصيصه بالذكر مع دخوله في العموم يدل على العناية به وفضله، وهنا قال الله عز وجل: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىولم يُبيِّن عز وجل كيف المحافظة، ولكنها بُيِّنت في آيات أخرى وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فمنها: المحافظة على الأوقات؛ لقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: ٧٨]. ومنها: المحافظة على الجماعة؛ لقوله تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء: ١٠٢]. ومنها: المحافظة على ركوعها وسجودها؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج: ٧٧]. ومنها: المحافظة على قيامها؛ لقوله تعالى هنا: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. ومنها: المحافظة على القراءة فيها؛ لقوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠].

ومنها: المحافظة على ستر العورة؛ لقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١] إلى غير ذلك مما جاء في الكتاب والسنة من الأوامر المتعلقة بالصلاة، فإنها كلها داخلة في قوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى.

ثم قال تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَقُومُوا لِلَّهِهذا أمر ولا إشكال فيه. وقوله: لِلَّهِاللام هذه يصح أن تكون للتعليل؛ أي: قوموا لأجل الله، وإذا كانت للتعليل فإنها تحتمل معاني: المعنى الأول: قوموا ممتثلين لأمر الله، يصح هذا الوجه ولَّا ما يصح؟ الطلبة: يصح. الشيخ: قُومُوا لِلَّهِمثلما تقول: افعل هذا لله؛ أي: لأن الله أمركم. ثانيًا: أن تكون اللام هنا للاختصاص، أو للتخصيص؛ أي: قوموا مخلصين لله، يصلح أو ما يصلح؟ الطلبة: يصلح. الشيخ: يصلح؛ حتى لا يكون في عبادتك شرك ولو بالرياء، فقم لله تعالى في صلاتك مخلصًا له. ويحتمل أن تكون اللام هنا للتعليل بمعنى التعظيم؛ يعني: قم معظِّمًا لله كما يقوم الناس يعظم بعضهم بعضًا بالقيام، وكل هذه معانٍ صحيحة ولا يناقض بعضها بعضًا. وفي قوله: قُومُواهل المراد بالقيام هنا المكث على الشيء، أو المراد به القيام على القدمين؟ العلماء يستدلون بهذه الآية على ركنية القيام في صلاة الفريضة، يستدلون بها، وبناءً على هذا الاستدلال يكون القيام هنا القيام على القدمين، فحينئذٍ نقول: قُومُوا لِلَّهِأي: واقفين. وقوله: قَانِتِينَإعرابها واضح للجميع أظن، وهي؟ الطلبة: حال. الشيخ: حال من؟ الطلبة: الواو. الشيخ: من الواو في قُومُواأي: حال كونكم قانتين. والقنوت يطلق على عدة معانٍ: منها: دوام العبادة والطاعة، ومنه قوله تعالى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم: ١٢]، وقوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ [النحل: ١٢٠]، ومثالها أيضًا: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ. [الزمر: ٩]. ويُطلق القنوت على الخشوع، وهو السكون تعظيمًا لمن قنتَّ له، وعليه يدل سبب نزول الآية؛ فإن الناس كانوا يُكلم بعضهم بعضًا وهو إلى جنبه في الصلاة، يخاطبه مخاطبة عادية حتى أنزل الله وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَفأُمروا بالسكوت ونُهوا عن الكلام. إذن فهو خشوع القلب الذي يظهر فيه خشوع الجوارح ومنها اللسان حتى لا يتكلم الإنسان إلا فيما يتعلق بصلاته، وكذلك لا يفعل إلا ما يتعلق بصلاته. ثم قال تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ [البقرة: ٢٣٩] خفتم من أيش؟ أي خفتم من القيام لله قانتين، أو خفتم من المحافظة الواجبة بأن أخافكم عدو أو مرض أو ما أشبه ذلك مما يخاف منه الإنسان. وهل المراد الخوف من المكروه، أو يشمل حتى الخوف على فوات المطلوب؟ لا شك أن ظاهر الآية المعنى الأول: الخوف من المكروه؛ لقوله: فَإِذَا أَمِنْتُمْ، ولكن بعض أهل العلم ذكر أنه يشمل الخوف من فوات المطلوب، حتى قالوا: إن الرجل لو أحرم بالحج وخاف أن يفوته الوقوف بعرفة فإنه يجوز له أن يصلي صلاة الخوف على راحلته؛ لأن هذا فوات مطلوب ويعظم على المرء فواته، فيكون كالخوف من حصول المكروه. يقول عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًايعني لا نساء؟ الطلبة: لا، راجِلين. الشيخ: الدليل قوله؟ الطلبة: أَوْ رُكْبَانًا. الشيخ: أَوْ رُكْبَانًا، وهذا من طُرق التفسير أن تُفسر الكلمة بما يقابل ما جُعلت قسيمًا لها. أو لا؟ فهنا رِجَالًايعني: لا ركبانًا؛ أي: على أرجلكم، وهي جمع (راجِل)، والراجل: الذي يمشي على رجليه، والرجال هنا بالآية: الذين يمشون على أرجلهم، بخلاف الرجال في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤] فإن المراد بهم الذكور، أليس كذلك؟ لأنه قال: عَلَى النِّسَاءِ، وهذه الطريقة؛ أعني طريقة تفسير القرآن بما يقابل ذكر القسيم، هذه مفيدة لطالب العلم، وقد مثَّلنا من قبل بقوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١]؛ لأن (ثُبات) يبعد فهمها، في الواقع أن المراد بثبات أيش؟ الوحدان، فُرَادى أو انفروا جميعًا. طيب رِجَالًاويش إعرابها؟ طالب: حال. الشيخ: رِجَالًاحال؟ انتبه، يصلح أن تكون حالًا؟ الحال وصف، نناقش في كلمة وصف. طالب: مؤول. طالب آخر: رجل. الشيخ: هذه رجل، ما هي وصف أو لا؟ كلمة رجل أو رجالًا الجمع هذه ما هي وصف، اسم جامد، ولكن نقول: إنه مؤول؟ نعم، نقول: إنه مؤول، أو نقول: إنه وصف لأنه جمع أيش؟ راجِل، وراجِل اسم فاعل، فيكون وصفًا. على كل حال هي إعرابها -كما قلتم- حال، إعرابها حال. فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًاأي: راكبين، وركبان جمع (راكِب)، يعني: إن خفتم فلم تتمكنوا من المحافظة ولا من القيام فإنكم تُصلُّون رجالًا أو ركبانًا. كلمة رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًاتعني أن الإنسان يصلي ولو كان يمشي، أوْ لا؟ هو بيتحرك وبيمشي؟ طلبة: نعم. الشيخ: حركة كثيرة ولا قليلة؟ الطلبة: كثيرة. الشيخ: ربما تكون كثيرة، نعم، وربما تكون قليلة، حسب ما تقتضيه الحال، لكن الحركة هنا لا تبطل الصلاة لأجل الضرورة. فَإِذَا أَمِنْتُمْشوف فَإِنْ خِفْتُمْفَإِذَا أَمِنْتُمْمقابل الخوف؛ يعني: زال الخوف عنكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. اذْكُرُوا اللَّهَالكلام الآن في الصلاة حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِكيف قال: اذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ؟ الجواب على ذلك: لأن الصلاة ذكر من أفضل الذكر؛ قال الله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥]، قال بعض المفسرين: ولَمَا فيها من ذكر اللهِ أكبرُ وأعظمُ من نهيها عن الفحشاء والمنكر، وعلى كل حال فالصلاة -بلا شك- من ذِكر الله؛ لأنها مشتملة على ذكر الله بأنواع من التعظيم والذكر؛ فيها قيام وقعود وركوع وسجود وقرآن وتسبيح وتكبير ودعاء، ولَّا لا؟ فهي مشتملة على روضة من رياض الذكر. وقوله: اذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْالكاف هنا للتعليل ولَّا للتشبيه؟ الطلبة: للتشبيه. طالب: يجوز الاثنان. الشيخ: نعم، فيها وجهان: الوجه الأول أنها للتعليل؛ أي: فاذكروا الله لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمون، فتكون الكاف هنا للتعليل كما هي في قوله تعالى فيما مر علينا: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة: ١٨٥]، وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: ١٩٨]، فهنا كَمَا عَلَّمَكُمْيحتمل أن تكون الكاف للتشبيه ويحتمل أن تكون للتعليل؛ أما للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الصفة التي دلكم عليها، وهي أن تكون صلاة أمْن لا صلاة خوف. مرة ثانية نعيد هذا، نقول: الكاف في قوله: كَمَا عَلَّمَكُمْيحتمل أن تكون للتعليل كما هي في قوله: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ، ويحتمل أن تكون للتشبيه؛ فعلى الأول يكون المعنى: اذكروا الله شكرًا له على ما علَّمكم، وعلى الثاني يكون: اذكروا الله على الوصف الذي علمكم، ولهذا قال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. وإذا نظرت إلى سياق الآية فإنه يترجح عندك أن التعليل أقرب؛ لأنه قال: كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، فلتعليمه إيَّانا ما لم نعلم يجب علينا أن نذكره. طالب: مَا لَمْ تَكُونُواالـ(ما) هنا الموجودة (...) أو موصولة؟ الشيخ: كَمَا عَلَّمَكُمْ. الطالب: مَا لَمْما؟ الشيخ: مَاهذه (ما) اسم موصول؛ يعني: كما علمكم الذي لم تكونوا تعلمون، وحينئذٍ نحتاج إلى الرابط، قصدي العائد الذي يعود على الموصول. الطلبة: محذوف. الشيخ: محذوف تقديره: ما لم تكونوا تعلمونه. نعود إلى الفوائد:

أولًا: وجوب المحافظة على الصلوات؛ لقوله: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، والأصل في الأمر الوجوب، فإن قلت: إنك ذكرت في التفسير أن الصلوات عامة للفرائض والنوافل، فهل المحافظة على النوافل واجبة؟ طالب: لا. الشيخ: قلنا: أما أداؤها على الوصف الذي جاءت به فهو واجب؛ لو أن أحدًا أراد أن يصلي نافلة وبدأ يسجد قبل أن يركع أو يسجد على يد واحدة أو على رجل واحدة كان ذلك حرامًا؛ لأنه استهزأ بآيات الله، وأما إذا كان المراد المحافظة على النفل أن يؤدى كما أُمر ولكنه لازم أن يحافظ عليه فإن هذا من باب استعمال المشترك في معنيين، أو لا؟ لأن المحافظة هنا تكون واجبة وتكون مستحبّة، فهي بالنسبة للفرائض واجبة لكل حال، وبالنسبة للنوافل مستحبة إذا أداها على الوجه المشروع، أما إذا أدَّاها على وجه آخر فهي حرام، والمحافظة على الوجه المشروع واجبة. ومن فوائد الآية: فضيلة صلاة العصر، من أين يؤخذ؟

الطلبة: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى. الشيخ: من قوله: وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىحيث خصَّها بعد التعميم. ومنها: وجوب القيام؛ لقوله: وَقُومُوا لِلَّهِ. ومنها: وجوب الإخلاص؛ لقوله: لِلَّهِ. ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا تعبّد لله أن يستشعر أمر الله بناءً على المعنى الذي أشرنا إليه في اللام أنك تقوم ممتثلًا لأمر الله، وهذه أقول: إنها تفوتنا كثيرًا، يفوتنا كثيرًا عندما نقوم لله تعالى بعبادة أن نشعر بأننا نقوم بها امتثالًا لأمر الله، هذا يفوتنا كثيرًا، نعم، نحن نقوم بهذا على أنه واجب، لكن ما نستشعر كأن الله يأمرنا به، وإذا استشعرنا بأن الله يأمرنا به صار ذلك أفيد لنا وأصلح لقلوبنا. وهل يدخل في ذلك؛ في قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ، أنه يجب أن نأتي بالصلاة على وجه متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الطلبة: نعم. الشيخ: وجهه أنه إذا كان قيامنا امتثالًا لأمر الله فقد أمرنا الله أن نتأسى برسوله وأن نتبعه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب القنوت لله، وهو خشوع القلب الذي يظهر منه سكون الجوارح؛ لقوله: قَانِتِينَ، وليس هذا القنوت قنوت الوتر، لا، هذا القنوت -كما أشرنا إليه- هو خشوع، خشوع القلب؛ بدليل أنه لما نزلت مُنعوا من الكلام. ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الكلام في حال الصلاة اعتمادًا على أيش؟ الطلبة: سبب النزول. الشيخ: على سبب النزول؛ لأن سبب النزول يدل على أنه يحرم أن نتكلم في الصلاة. والتكلم في الصلاة محرّم حتى وإن كان لتنبيه الإمام؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا؟ يعني لو زاد الإمام ركعة يعني وقلنا له: سبحان الله ولا فهم، فقلنا له: زدت ركعة. طالب: لا يجوز. طالب آخر: هذا من جنس الصلاة. الشيخ: لا، الإخوان يقولون: ما يخالف، لا، هذا يقول: للصلاة، لمصلحة الصلاة؟ الطالب: من جنس الصلاة، يقال: من جنس الصلاة. الشيخ: كيف يعني؟ الطالب: يعني آية قرآنية مثلًا. الشيخ: إي، لا، إحنا نقول: الكلام، القرآن ما يدخل في الكلام، كلام الله القرآن ما هو كلام الآدميين، والمراد كلام الآدميين. نقول: لا يجوز كلام الآدميين حتى فيما يتعلق بمصلحة الصلاة، حتى لو أن الإمام اختلط عليه الأمر فلم يدرِ ما يقول ولم يدرِ ما يفعل لا تنبهه بكلام الآدميين، أما بكلام الله عز وجل بأن تقرأ آية تشير إلى ذلك وتقصد القراءة فهذا لا بأس به. لو أن الإنسان تكلم بغير قصد، ما قَصَد الكلام؛ مثل: استأذن عليه رجل وهو يصلي وعلى العادة قال: ادخل، أيش تقولون؟ الطلبة: لا بأس. الشيخ: هو فيه بأس، لكن هل يبطل الصلاة ولَّا لا؟ الطلبة: لا يبطل الصلاة. الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأنه بغير اختياره. الشيخ: لأنه بغير اختياره. لو أنه وقع عليه شيء وقال: أح؟ الطلبة: كذلك.