تفسير سورة البقرة - ٦٥
درس صوتي · ٩١:٢٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
والجملة معطوفة على ما سبقها. طالب: ومن فوائد الآية السابقة. الشيخ: الفائدة الثانية عشرة من فوائد الآية أيضًا: تَمَدُّح الله سبحانه وتعالى لنفسه، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يمدح نفسه بما أنعم به على عباده، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» فهو سبحانه وتعالى يحب أن يُمدح ويحمد، لأن ذلك صدق وحق، فإنه سبحانه وتعالى أحق من يثنى عليه وأحق من يحمد، وهو يحب سبحانه وتعالى الحق لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ٢٤٣]. الثالثة عشر: أن من طبيعة البشر الفرار من الموت لقوله: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [البقرة: ٢٤٣]. فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يستعد لهذا الشيء الذي يحذر منه وهو لا يدري متى يفجؤه، واضح؟ هذا آخر ما عندني في هذه الآية. طالب: شيخ أما نضيف فائدة أخرى؟ الشيخ: وهي؟ الطالب: أن الأصل الاستيطان لا السفر؛ يعني المقام في الديار هو الأصل، والخروج منها لعارض، هل يؤخذ من هذه الآية؟ الشيخ: نعم. الطالب: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ.
الشيخ: إيه خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْصح. الطالب: نعم، يعنى الأصل بقاؤهم في الديار، لكن لهذا العارض خرجوا منه لكن الأصل بقاؤهم في ديارهم.
الشيخ: أنا ما أفهم. طالب: يا شيخ، ما فيه فائدة أن كثرة كثرتهم فيها فائدة ولَّا يعني مثل ما قال؟ الشيخ: إيه، فيها فائدة وهي أنهم وإن كثروا يعني تفيد قدرة الله عز وجل حيث أماتهم جميعًا وأحياهم جميعًا مع أنهم ألوف، وهذه ربما سبقت الإشارة إليها. الطالب: أقول: ما يستلزم أنهم صاروا ألوف أنهم يصبرون. الشيخ: يصبرون؟ الطالب: يصبرون خلافًا إذا صاروا قليلًا. الشيخ: ما صبروا، خرجوا، خرجوا جميعًا. طالب: ما يستفاد يا شيخ أن قليلًا من الناس الذين يشكرون.
الشيخ: قلناها.
تفسير الآية (٢٤٤)
٠٠:٠٤:٠٣
قال: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٤٤]. (قاتلوا): هنا حُذف المفعول، والمفعول معلوم وهم الكفار، قاتلوا الكفار. وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: في طريقه. وهذا يشمل النية والعمل، أما النية فأن يكون الإنسان قاصدًا بقتاله أن تكون كلمة الله هي العليا كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ أيهم الحمية أو الشجاعة أو من قاتل ليرى مكانه، رياء وسمعة أي ذلك في سبيل الله؟ عدل النبي صلى الله عليه وسلم في الجواب عن كل هذه الثلاثة وقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» هذا القتال في سبيل الله، أن تكون نيتك أن تكون كلمة الله هي العليا، لا كلمتك أنت، ولا كلمة إمامك الذي تقتدي به، ولا كلمة أي من كان، ولكنها كلمة الله سبحانه وتعالى، أن تكون كلمة الله هي العليا، كذا. هذا باعتبار النية. كذلك في سبيل الله باعتبار العمل، بأن يكون عمل الإنسان في جهاده على وفق الشرع، فيلتزم ما دل الشرع على التزامه من وجوب طاعة الأمير وأن لا يغزو إلا بإذنه، وأن لا ينصرف عن الغزو إلا بإذنه وما أشبه ذلك مما تقتضيه أعمال الجهاد. فهو شامل لهذا وهذا؛ لأن (في) للظرفية فتشمل الأمرين جميعًا؛ النية، ويش بعد؟ والعمل. وعلى هذا فلا يجوز لنا العدوان على الكافرين إلا على الوجه الذي أباحه الشرع فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٩٣].
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌلما أمر بالقتل حذر من المخالفة فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌسميع لأقوالكم وعليم بأحوالكم، والأمر هنا للتهديد لا لمجرد العلم؛ لأن مجرد علمنا أن الله سميع عليم بدون أن يحدث لنا ذلك امتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه، أقول: مجرد علمنا بذلك لا فائدة له، بل لا بد أن يكون له أثر في اتجاهنا؛ وهو أن نحذر مخالفته فنقول ما لا يرضى، أو نعمل ما لا يرضى لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. في هذه الآية الكريمة الأمر بالقتال، وهل هذا أمر بالقتال نفسه، أو أمر بإخلاص النية في القتال؟ عندنا الآن أمران: قَاتِلُواوفِي سَبِيلِهل الأمر منصب على قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِأو على قوله: قَاتِلُوا؟ ويكون أمرًا بالقتال مقيدًا بالإخلاص؟ الظاهر هو هذا، أنه أمر بالقتال مقيدًا بالإخلاص، وليس مجرد أمر بالإخلاص بالقتال، وإلا لقال: إذا قاتلتم فقاتلوا في سبيل الله، وعلى هذا فالآية دالة على الأمر بالقتال وأن يكون في سبيل الله. هل هذا الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ وهل هو للوجوب الكفائي أو العيني؟ هذا يختلف، قد يكون واجبًا على الأعيان، وقد يكون واجبًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًّا. والجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام، وهو في المرتبة الثالثة من الأعمال باعتبار محبة الله للعمل، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قلْتُ: ثمّ أيّ؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ولوِ اسْتزدْتُه لزَادَني. فعلى هذا نقول: ينقسم القتال في سبيل الله إلى ثلاثة أقسام: واجب على العيان، وعلى الكفاية، والتطوع. ذكر أهل العلم أنه يجب على الأعيان في أربع حالات: الحال الأولى: إذا حضر الصف فإنه يجب عليه حينئذٍ، ولا يحل له أن ينصرف لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٥، ١٦]. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر التولي يوم الزحف من كبائر الذنوب . الثاني: إذا حصر العدو بلده، يعني طوقه، فإنه يجب عليه الدفاع لوجوب إنقاذ المسلم وحصر البلد معناه أن يمنع من دخول الأشياء إليه أو من خروجها منه، وفي هذا ضرر على المسلمين؛ لأنه إذا طال الحصار فالنهاية الاستسلام. كذلك أيضًا إذا استنفره الإمام، يعني قال: انفر، يا فلان، اخرج، فإنه يجب عليه، ويكون هنا فرض عين لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩].
الرابعة: إذا احتيج إليه بذاته، بعينه، فإنه يجب عليه، وقد يكون لغيره فرض كفاية، لكن هو له فرض عين؛ لأن الناس محتاجون إليه كما لو كان صاحب رأي وتدبير، أو كان عنده علم باستعمال آلات الجهاد التي لا يعرف استعمالها إلا هو، ففي هذه الحال يتعين عليه ويكون الجهاد فرض عين. ويكون فرض كفاية وهو الأصل، الأصل أن الجهاد فرض كفاية، فيجب على المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله وجوبًا؛ لأن الله عز وجل أمر به أمرًا مطلقًا مثل هذه الآية، والأصل في الأمر الوجوب. ولا نقول: إنه فرض عين في غير الأحوال الأربعة التي سبقت؛ لأن المقصود بالقتال إذلال الكافرين، فإذا قام به من يكفيه سقط عن الباقين. وهذه هي القاعدة في العبادات المأمور بها والتي يقصد منها إيجاد الفعل، فإنها تكون فرض كفاية، كل عبادة يقصد بها إيجاد هذا الفعل فإنها تكون فرض كفاية، فمثلًا الأذان فرض عين ولَّا لا؟ فرض كفاية؛ لأن المقصود إيجاد الأذان، فإذا وُجد سقط عن الباقين، كذلك الجهاد، يجب على المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله. ولكن ليُعلم أن الجهاد له شروط: من شروطه القدرة، من شروط الجهاد القدرة، فإذا كان المسلمون عاجزين عن القيام به فإن الله تعالى لا يلزمهم به لقوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، ولقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له دولة وشوكة وقوة. وليس من العقل والحكمة أن نقاتل ونحن لا نستطيع القتال؛ لأن معنى ذلك تسليط عدونا علينا حتى يبيدنا، فمثلًا لو أن رجلًا خرج بسيفه وخنجره ورمحه إلى رجل معه الصواريخ العابرة للقارات والطائرات وما أشبه ذلك وقال: أنا بأقاتل في سبيل الله، نوافق على هذا؟ ما نوافقه؛ لأن نقول: معنى ذلك أنك أظهرت نفسك للعدو، ولكن تربص به حتى يأتي الله بأمره، والله على كل شيء قدير.
ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب الإخلاص لله لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِوقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإخلاص بقوله: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» .
ويستفاد منها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياء؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا أمر الله بهذه العبادة العظيمة أن تكون خالصة له فما عدا ذلك يكون منهيًّا عنه، ولا يجوز للإنسان أن يُغرر بنفسه من أجل هذه الأغراض التي هي بالنسبة لكونها في سبيل الله دنيئة جدًّا. ولكن لو قال الرجل: أنا أقاتل حمية لوطني؛ لأنه وطن إسلامي، وأريد الدفاع عنه، فهل هذه نية خالصة؟ نعم، نية خالصة؛ لأنه يقول: أنا لا أفرق بين وطني والوطن الآخر ما دمت أقاتل عن أوطان المسلمين، هذه نية خالصة لا بأس بها. وهل يستفاد من الآية الكريمة وجوب الإخلاص في كل عمل الطاعة؟ قياسًا على ذلك، قياسًا على القتال؛ لأن القتال له أسباب ودوافع غير الإخلاص، فإذا أوجب الله الإخلاص فيه فمن باب أولى العبادات الأخرى التي ليس لها مثل دوافع الجهاد. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب التمشّي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة إقدامًا وإحجامًا، وأخذًا وتركًا لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من المخالفة لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌفإن الغرض من ذلك التحذير من المخالفة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذه الاسمين لله، وهما: السميع والعليم. ومنها: إثبات هاتين الصفتين، وهما: السمع والعلم؛ السمع يُطلق على إدراك المسموع، وعلى نتيجة هذا الإدراك وهو الاستجابة. فالسمع نوعان إذن؛ سمع بمعنى إدراك المسموع، وسمع بمعنى الاستجابة للمسموع، الاستجابة للمسموع وهي إجابة دعائه، فمن الثاني -وهو الاستجابة- قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني؟
الطلبة: استجاب الله. الشيخ: كذا؟ كذا؟ أيش قلت؟ الطالب: قلت: قول المصلي: سمع الله لمن حمده. الشيخ: بس ويش اللي قبلها؟ الطالب: سمع بمعنى إدراك المسموع، وبمعنى الاستجابة. الشيخ: طيب (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده، وقوله تعالى عن إبراهيم: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩] أي: مجيب. وأما الأول وهو السمع مع الإدراك فكثير، ثم هذا السمع الذي مع الإدراك ثلاثة، السمع الذي مع الإدراك قد يُراد به التهديد، وقد يُراد به التأييد، وقد يراد به بيان الإحاطة. فمن الأول -إرادة التهديد- قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١] ويش المراد بالخبر؟ التهديد، ما أخبر الله بذلك إلا ليهدد هؤلاء. ومن الثاني قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦] فالمراد به التأييد؛ تأييد موسى وهارون. ومن الثالث قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [المجادلة: ١] فهذا المراد به الإحاطة بيان إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء، وأما هنا سؤال قبل أن نتجاوز هذا المحل: السمع هل هو من الصفات الذاتية أو من الصفات الفعلية؟ الطلبة: الذاتية. الشيخ: خطأ. طالب: فعليّة. الشيخ: خطأ. طالب: ذاتيّة فعليّة. الشيخ: خطأ. الطالب: شيخ، باعتبار أصل الصفة ذاتية، وباعتبار يعني آحاده باعتبار فعله. الشيخ: خطأ. طالب: السمع بمعنى إدراك المسموع هذا ذاتي فعلي. الشيخ: نعم، صفة ذاتية، وبمعنى الإجابة صفة فعلية؛ لأن الله إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وباعتبار إدراك المسموع صفة ذاتية، هل إن شاء الله سمع وإن شاء الله ما سمع؟ سمع الله موصوف به أزلًا وأبدًا. العلم إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، هذا العلم، والله عز وجل موصوف بالعلم أزلًا وأبدًا جملة وتفصيلًا لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى في الأرض ولا في السماء لا جملة ولا تفصيلًا ولا ماضيًا ولا حاضرًا، ولهذا علم الآدمي محفوف بآفتين مع نقصه: الآفة الأولى: الجهل، والثانية: النسيان، وهو بنفسه قاصر لا يتجاوز إلا يعني لا يشمل إلا ما حول الإنسان، فلا يتجاوز ما حوله ولا يدرك بخلاف علم الله سبحانه وتعالى.
تفسير الآية (٢٤٥)
٠٠:٢١:٠٥
ثم قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} قراءة، قراءة أخرى: {فَيُضَعِّفَهُ}، قراءة ثالثة: {فَيُضَعِّفُهُ} قراءة رابعة: فَيُضَاعِفَهُففيها تشديد وتخفيف وفتح وضم، أربع قراءات: {فَيُضَعِّفَهُ}، {فَيُضَعِّفُهُ}، فَيُضَاعِفَهُ{فَيُضَاعِفُهُ}. ولهذا انظر إلى رسمها الآن صار القراءات الأربعة، الرسم، أو لا؟ ولو رسمنا على القواعد المعروفة عندنا ما صلحت القراءات الأربعة؛ لأن حسب القواعد المعروفة عندنا فَيُضَاعِفَهُنحط ألف، أو لا؟ تختلف عن {فَيُضَعِّفَهُ} لأن ما فيها ألف، لكن الرسم العثماني يحتوي القراءات؛ يحتويها على حسب الرسم. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَتقدم لنا مثل هذا التركيب، وأن ذا في مثل هذا التركيب تكون ملغاة. فـمَنْ ذَااسم استفهام، أو (منْ) اسم استفهام و(ذا) زائدة والَّذِيخبر المبتدأ؛ يعني مَنْمبتدأ. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَهذا استفهام بمعنى التشويق والحث، يعني أين الذي يقرض الله؟ فليتقدم. وقوله: يُقْرِضُ اللَّهَالقَرْض في اللغة (القطع)، ومنه الْمِقراض، تعرفون المقراض؟ ما هو؟ المقص؛ لأنه يقطع الثياب، القرض في اللغة القطع، ومعنى أقرضت فلانًا اقتطعت له جزءًا من مالي فأعطيته إياه. كذا؟ يُقْرِضُ اللَّهَأي: يقتطع جزءًا من ماله لله، هذا المعنى. لأن لما قال: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِوالقتال يكون بالنفس، قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَوهذا جهاد بالمال. وقوله: يُقْرِضُ اللَّهَالغالب أن المقترض لا يقترض إلا لحاجة، فهل هذا ممكن في حق الله؟ الطلبة: لا يجوز. الشيخ: ما يمكن، إلا عند شرار خلق الله وهم اليهود؛ فإنه لما نزلت هذه الآية مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَقالوا: يا محمد، إن ربك افتقر فهو يسألنا الإقراض نعوذ بالله قاتلهم الله، وليس غريبًا عليهم فقد قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١]، وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة: ٦٤]، وقالوا: إن الله تعب لما خلق السماوات والأرض فاستراح في يوم السبت، وهم معروفون بأنهم أجرأ عباد الله على حقوق الله. إذن يُقْرِضُ اللَّهَقلنا: إن القرض -في الغالب- ما يكون إلا لحاجة الاستقراض، فهل معنى ذلك أن الله محتاج؟ كلا والله، فإن الله تعالى هو الغني المغني، ولكنه سبحانه وتعالى شبه الإنفاق له بالقرض؛ لأن المقرض واثق من الوفاء والمستقرض ملتزم بالإيفاء، فجعل الله تعالى معاملته كالقرض تطمينًا لمن أنفق في سبيله أن هذا الذي أنفقت سوف أيش؟ سوف يرد إليك. واستمع الآن إلى كيفية الرد، ليست كيفية الرد فيما تعامل به الله فكيفية الرد فيما تعامل به عباد الله، ما تعامل به عباد الله ربما يماطل فيه، وربما ينكر، وربما ينقص، يماطل، ينكر، ينقص، لكن حق الله عز وجل خالف ذلك كله بل زائد، ولهذا قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَولكن اشترط الله عز وجل قال: قَرْضًا حَسَنًا. ما معنى القرض الحسن؟ القرض الحسن ما وافق الشرع، بأن يكون من مال حلال، فإن كان من مال حرام فليس بقرض حسن؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. الثاني: أن يكون خالصًا لله، فإن كان رياءً وسمعة فليس قرضًا حسنًا، الدليل: قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . الثالث: أن يكون في محله بأن يتصدق على فقير أو مسكين أو في مصالح عامة، فأما لو بذلها فيما يُغضب الله فإن ذلك ليس قرضًا حسنًا. الرابع: أن تكون نفسه طيبة به لا متكرِّهًا ولا معتقدًا أنه غرم وضريبة كما يظن بعض الناس في الزكاة يظن أنها ضريبة حتى إن بعض الكُتّاب يقول هذا اللفظ، يقول: ضريبة الزكاة، ضريبة الزكاة والعياذ بالله، والواجب أن تطيب نفسك بما تبذله لله عز وجل؛ لأن أفضل ما تُنفقه من مالك هو ما أنفقته لله، إذا كانت تطيب نفسك أن تشتري لأهلك برتقالًا وتفاحًا يأكلونه، ثم يتعفن في بطونهم ثم يخرج إلى بيت الخلاء، كيف لا تطيب نفسك أن تتصدق لله عز وجل بصدقة تجدها مدخرة لك عند الله؟! لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام على أهله قال:«مَا أَبْقَيْتُمْ لَنَا مِنَ الشَّاةِ؟» ويش قالوا؟ قَالُوا: مَا بَقِيَ إِلَّا كَتِفُهَا. قَالَ:«بَقِي كُلُّهَا إِلَّا كَتِفهَا» لأيش؟ لأن الذي أُنفق هو الذي يبقى، ولهذا جعل الله ذلك تقديمًا للنفس فقال في سورة المزمل: وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل: ٢٠]. صحيح أن الإنسان يشح ببذل المال في طاعة الله، يشح؛ لأن أمامه عدوين، هما: الشيطان، والنفس. الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨] بالبخل يعني يعدك الفقر يقول: شوف (...) تروح تشحذ الناس، صح ولَّا لا؟ نعم، ينقص مالك، يجوع العيال، ولا تلقى شيئًا (...) على البيت، لا تنفق، كذا؟ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِيقول: أمسك، أمسِك مالك فهو خير لك. وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًامغفرة؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وفضلًا وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩]. قَرْضًا حَسَنًاقلنا: فيه أربعة أمور نعيدها: أن يكون من كسب حلال، والثاني: الإخلاص لله، والثالث: أن يقع موقعه، والرابع: أن تطيب بها نفسه. قال الله عز وجل: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً. أَضْعَافًاهذه مصدر، ويمكن أن نقول: إنها مبينة للنوع؛ لأنه قال: أَضْعَافًالأن مطلق الضِّعف يكون في واحدة، لكن إذا قال: أضعافًا صار أكثر من واحدة فيكون مصدرًا مبينًا للنوع. كيف هذه الأضعاف؟ قال الله عز وجل في نفس هذه السورة: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة: ٢٦١]، كم تكون المضاعفة؟ سبع مئة. وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١] ربما يأتي أضعاف أيضًا أكثر، فعليه نقول: إن الأضعاف التي ذكرت هنا هي التي ذكرت في نفس السورة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦١]. وقوله: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُقوله: يَقْبِضُ وَيَبْسُطُالقبض ضد البسط، والبسط التوسيع، فيكون المراد بالقبض التضييق، فهو الذي بيده القبض وبيده البسط، والفائدة من ذلك -أو من ذكر القبض والبسط- بعد الحث على الإنفاق، الفائدة: الإشارة إلى أن المنفق لا يظن أن إنفاقه سبب لضيق رزقه، فإن القبض والبسط بيد الله سبحانه وتعالى، فقد يتصدق الإنسان ويُنفق ويُوسع الله له في الرزق، وقد يمسك ويبخل فيضيق الله عليه، وكم من إنسان أمسك ولم يُنفق في سبيل الله فسلط الله على ماله آفات، في نفس المال كالضياع والاحتراق والسرقة وما أشبه ذلك، أو آفات تلحق هذا الرجل ببدنه أو بأهله يحتاج معها إلى أموال كثيرة، وهذا من باب القبض، وقد يكون الإنسان ينفق ويتصدق في سبيل الله على الوجه الذي يرضى الله فيبارك الله له في المال ويأتيه الرزق من حيث لا يحتسب. وقوله: يَقْبِضُ وَيَبْسُطُيعم كل شيء، فيقبض في الرزق ويبسط، ويقبض في العلم ويبسط، وكذلك يقبض في كل ما يتعلق في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة؛ القبض والبسط كله إلى من؟ إلى الله عز وجل، يقبض في الأعمار ويمد فيها هذا من القبض والبسط. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ختم الآية بقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَالتزهيد، فائدته: التزهيد في الدنيا، كأنه يقول: هذا المال الذي تحرصون عليه وتبخلون به ولا تنفقونه سوف تنتقلون عنه وترجعون إلى الله سبحانه وتعالى، فلهذا خُتمت بقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وتقديم المعمول في قوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَله فائدتان؛ فائدة لفظية وفائدة معنوية؛ أما الفائدة اللفظية: فهي توافق رؤوس الآيات. والثانية: الحصر، الفائدة المعنوية الحصر. إِلَيْهِيعني لا إلى غيره تُرْجَعُونَفالمرجع كله إلى الله كما أن المبدأ كله من الله سبحانه وتعالى. من فوائد هذه الآية الكريمة، أظن اللي قبلها مكتوب فوائدها؟ من فوائدها: الحث. طالب: قبل الفوائد هل فيها قراءة؟ الشيخ: إي نعم، في يَبْسُطُقراءة بالسين، يَبْسُطُو{يَبْصُطُ} بالصاد. طالب: في القراءة الأولى: {فَيُضَاعِفَهُ}، ما توجيهها؟ الشيخ: توجيهها؟ الطالب: الإعراب بالنصب؟ الشيخ: إي نعم، من حيث الإعراب، قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة: ٢٤٥] أما على قراءة النصب فوجهه أنها صارت جوابًا للاستفهام في قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ. وفاء السببية بعد الاستفهام ينصب الفعل المضارع بعدها بأن مضمرة بعد فاء السببية، وإلى هذا أشار ابن مالك في قوله:
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ
مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
وأما على قراءة الرفع فالفاء هنا للاستئناف وليست للسببية، أي: فهو يضاعفه، فتكون الجملة هنا مستأنفة. من فوائد الآية: الحث على الإنفاق في سبيل الله عز وجل لقوله: مَنْ ذَا الَّذِيوالاستفهام هنا للتحضيض والحث. ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل أوجب على نفسه مجازاة هذا الذي أقرضه قرضًا حسنًا، وجه الإلزام أنه سمى الإنفاق قرضًا، والقرض قد ألزم المقترض نفسه بوفائه. ومن فوائدها: ملاحظة الإخلاص، وأن يكون الإنسان مقرضًا لله عز وجل على سبيل الإخلاص، وطِيب النفس، ومن مالٍ حلال، ولا يتبع إنفاقه منًّا ولا أذى لقوله: قَرْضًا حَسَنًا. هل يفهم من الآية أن القرض المتضمن للربا حرام؟ طالب: نعم. الشيخ: من أين يؤخذ؟ طالب: قَرْضًا حَسَنًا. الشيخ: من قَرْضًا حَسَنًا. إذا قال قائل: هذا في حق الله مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا؟ قلنا: صحيح، هذا في حق الله، لكن ربما يستدل به على أن الآية تشير إلى أن القرض يجب أن يكون حسنًا ليس فيه خروج عن الشرع، وربما يستدل بذلك على ذلك بقوله تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩]. شوف قابل الزكاة بماذا؟ بالربا، وعلى كل حال الأخذ من هذه الآية فيها شيء من الثقل. ومن فوائد الآية: أن كرم الله عز وجل وعطاءه واسع، وأن جزاءه للمحسن جزاء فضل لا جزاء عدل، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً؛ لأنه لو كان جزاء عدل لكان يعطى مثله فقط، لكن جزاءه سبحانه وتعالى للطائعين المحسنين جزاء فضل.
أما جزاؤه للعصاة فهو دائر بين العدل والفضل، إن كانت المعصية كفرًا فجزاؤها عدل، وإن كانت دون ذلك فجزاؤها دائر بين الفضل والعدل، كيف بين الفضل والعدل؟ لأن الله إن شاء عاقب عليها وإن شاء غفر، وهذا دائر بين الفضل والعدل. ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ربوبية الله عز وجل، من قوله: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ. ومنها: الإشارة إلى أن الإنفاق ليس هو سبب الإقتار والفقر، كيف؟ لأنه ذكر هذه الجملة بعد الحث على الإنفاق، يُشير ذلك إلى أن الإنفاق لا يستلزم الإعدام أو التضييق؛ لأن الأمر بيد مَن؟ بيد الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية: إثبات المعاد والبعث لقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. ومن فوائدها أيضًا: تهديد المرء أن يخالف، وترغيبه في طاعة الله لقوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ لأن الإنسان إذا علم أنه راجع إلى ربه لا محالة فإنه لا بد أن يكون فاعلًا لما أمر به وتاركًا لما نهي عنه؛ لأنه يخاف من هذا الرجوع، كما لو أن ملكًا من ملوك الدنيا قال لك: اذهب واسعَ ومردك إليَّ، ماذا تعامل هذا الملك؟ معاملة من يؤمن بأن الملك سوف يحاسبه على حسناته أو على سيئاته.
تفسير الآية (٢٤٦)
٠٠:٤٠:٥٨
ثم قال عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَلَمْ تَرَالخطاب إما للرسول عليه الصلاة والسلام، وخطاب زعيم الأمة خطاب له وللأمة؛ لأنها تبعه، وإما أنه خطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب، فيكون عامًّا في أصل وضعه. الفرق بين المعنيين: أن الأول عام باعتبار التبعية للمخاطب به أولًا، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. والوجه الثاني: أنه عام باعتبار وضعه؛ يعني ألم تر أيها المخاطب؟ وقوله: تَرَهل المراد تنظر، أو المراد تسمع، أو المراد تعلم؟ نشوف الفعل هنا عدي بـ (إلى)، وإذا عدي بـ (إلى) تعين أن يكون من رؤية العين، تقول: رأى إلى كذا، أو نظر إلى كذا، لو عدي بنفسه لأمكن أن يكون المراد بالرؤية العلم، فإذا كان كذلك فإنه يلزم أن يكون المعنى: ألم ترَ إلى شأن الملأ من بني إسرائيل؛ لأنه من المعلوم أننا نحن بل والرسول عليه الصلاة والسلام لم يشاهده. ويمكن أن نقول: إنها عديت بـ (إلى) وهي بمعنى (النظر)؛ لأن الإخبار بها جاء من عند الله، وما كان من عند الله فهو كالمرئي بالعين بل أشد وأبلغ. قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِالاستفهام هنا للتقرير أو للتشويق؟ الظاهر أنه للتشويق؛ يعني يشوقنا أن ننظر إلى هذه القصة لنعتبر بها؛ لأن التقرير -أيها الجماعة- التقرير إنما يكون في أمر كان معلومًا للمخاطب فيقرر به، مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] أما هذا فهو أمر غير معلوم للمخاطب إلا بعد أن يخبر به، فيكون هنا للتشويق. يعني مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ [الصف: ١٠]، ومثل قوله: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] وما أشبهها؛ فالمعنى يشوقنا الله عز وجل أن ننظر إلى هذه القصة من أجل أن نعتبر بها، أما لو كان يخاطب من كان عالِمًا بها لقلنا: إن الاستفهام للتقرير. إِلَى الْمَلَإِالْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَإذا أُضيف إلى أحد فإن المراد الأشراف مثل: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ [الأعراف: ٦٠] يعنى الأشراف والكبراء. وقد يراد به الملأ الطائفة مطلقًا سواء كانوا من أشراف الناس أو من غير أشرافهم، هؤلاء ملأ من بني إسرائيل إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. إِذْهذه ظرفية.
طالب: مِنْ بَعْدِ مُوسَى.
الشيخ: نعم إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى. مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ(بني) في الأصل للذكور، لكن إذا وُصف بها القبيلة صارت عامة للذكور والإناث، كما نقول: بنو تميم يعم ذكورهم وإناثهم. وقوله: إِسْرَائِيلَمن هو إسرائيل؟ هو يعقوب بن إسحاق، ومعنى إسرائيل أي: عبد الله أو ما أشبه ذلك من الأوصاف التي تضاف إلى الله. وقوله: مِنْ بَعْدِ مُوسَىلما بين قبيلتهم وأنهم من بني إسرائيل ذكر زمنهم، فقال: مِنْ بَعْدِ مُوسَىموسى بن عمران عليه الصلاة والسلام وهو أفضل أنبياء بني إسرائيل. إِذْ قَالُواهذه ظرف، وهي مبنية على السكون في محل نصب أي: وقت قولهم. إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُوفي نَبِيٍّقراءتان: لِنَبِيٍّ (...) أصلها (نبيء) لكن خُففت الهمزة فلا خلاف، وإذا قلنا: نبيء من النبوة لا من النبأ فبينهما خلاف. لِنَبِيٍّ لَهُمُلهؤلاء الملأ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا. النبي عند جمهور أهل العلم هو الذي أوحى الله إليه بالشرع ولم يلزمه بإبلاغه، ما أمره به، فيكون بمنزلة المجدد الذي يصلح ما فسد عند الناس وإن كان لا يلزم بالإبلاغ؛ إبلاغ هذا الوحي إلى غيره، وأشبه ما له في هذه الأمة العالم، أشبه ما له العالم مع أن العالم مأمور بالإبلاغ، لكن مأمور بإبلاغ رسالة من قبله. وقيل: إن النبي هو الذي أُمر بإبلاغ رسالة من قبله، وأُوحي إليه وحي خاص، يُبلغ رسالة من قبله، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ويستدل له بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [المائدة: ٤٤] (يحكم بها) فلم يجعل لهؤلاء الأنبياء وحيًا خاصًّا يعني وحيًا مستقلًّا، بل جعلهم يحكمون بالتوراة، وهذا القول جيد لولا أنه منتقض بنبوة آدم، فإن آدم كان نبيًّا ولم يسبقه شرع، ولولا هذا النقض لكان ما ذهب إليه الشيخ أرجح. وقد يقال: إن النبي إذا أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه فإنما يوحى إليه بالشرع السابق ليؤكد ذلك الشرع ويجدد ما اندثر منه، ولكن المشهور عند أهل العلم هو المعنى الأول. وقوله: لِنَبِيٍّ لَهُمُ. لو قال قائل: من هذا النبي؟ قلنا: إن الله تعالى أبهمه فلنبهم ما أبهمه الله، ولو كان في معرفة اسمه فائدة لكان الله عز وجل يبينها لنا؛ يبين اسمه لنا، لكن ليس لنا فيه فائدة، المهم أنه نبي من الأنبياء. ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِابْعَثْ لَنَا مَلِكًامعنى ابعث يعني مُرْ ملكًا، وأقم لنا ملكًا. نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِوكأن أمرهم في ذلك الوقت كأن أمرهم فوضوي ليس عندهم ملك يدبر أمورهم ويدبر شؤونهم، والناس إذا كان ليس لهم ولي أمر صار أمرهم فوضى كما قيل:
لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ
.................................
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم القوم إذا سافروا أن يُؤمِّروا أحدهم حتى لا تكون أمورهم فوضى . يقول: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًاأي: أقم لنا ملكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِالذي جزم كلمة نُقَاتِلْجواب الطلب: ابْعَثْ.
وهذا دليل على أنهم عازمون على أن يكون لهم ولي أمر يقودهم للقتال في سبيل الله. وقوله: نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِسبق لنا معنى قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِوأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرها بأحسن تفسير، وهو أيش؟ بماذا فسرها الرسول عليه الصلاة والسلام؟
الطالب: «وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» .
الشيخ: «وَمَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا». هذا في سبيل الله. فقال لهم النبي يريد أن يثبتهم وينظر عزيمتهم: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا. عَسَيْتُمْفيها قراءتان الكسر والفتح. طالب: النصب. الشيخ: ما هو النصب، النصب في الإعراب، الكسر والفتح {هَلْ عَسِيتُمْ} وهَلْ عَسَيْتُمْيعني يقول: هل يُتوقع منكم إن كُتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟ فقالوا: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا. فيكون المعنى هنا: هل يتوقع؟ فـ(عسى) هنا للتوقع، أي: هل إذا كُتب عليكم القتال يتوقع منكم ألا تقاتلوا؟ فجملة إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُجملة شرطية معترضة بين اسم (عسى) وخبرها؛ لأن اسم (عسى) الضمير التاء. وأَلَّا تُقَاتِلُواهو خبرها. وعسى تقترن بـ (أن) ولَّا لا؟ تقترن بـ (أن) كثيرًا، كما في الألفية. وجملة إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُجملة شرطية معترضة جوابها محذوف، وقد نقول: إنها لا تحتاج إلى جواب لعلمه بالسياق، لكن قدره بعض المعربين فقال: فلا تقاتلوا، هل يتوقع منكم ألا تقاتلوا إن كتب عليكم القتال فلا تقاتلوا؟
والجواب: إي نعم هذا هو الجواب محذوف. ولو قلنا: بأنه لما كان معلومًا بالسياق فإنه لا يحتاج إليه كما في نظائره لكان له وجه. وقوله: إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُكُتب بمعنى فُرض، فرض عليكم القتال ألا تقاتلوا. ماذا كان جوابهم؟ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا. قوله: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ(أن) هذه زائدة ولَّا غير زائدة؟ الصواب أنها غير زائدة؛ لأن مثل هذا التركيب يصح فيه وجود (أن) ويصح فيه حذفها. قال الله تعالى: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا [إبراهيم: ١٢]، وقال تعالى: وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ [المائدة: ٨٤]. ففي الآية الأولى أَلَّاأتت (أن)، وفي الثانية حُذفت، وعلى هذا فهما استعمالان عربيان مشهوران؛ أي أن (أن) في مثل هذا التركيب يجوز أن توجد ويجوز أن تُحذف. وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِيعني: أي شيء لنا في عدم القتال؟ يعني أي مانع لنا يمنعنا من القتال في سبيل الله وقد وجد مقتضي ذلك ويش المقتضي؟ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا. والإنسان إذا أخرج من داره وبنيه فلا بد أن يقاتل لتحرير البلاد وفك الأسرى. قوله: وَمَا لَنَا. نرجع إلى إعرابها، مَااسم استفهام مبني على السكون في محل رفع. ولَنَاجار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ما، وأَلَّا نُقَاتِلَمنصوب بنزع الخافض، وأصله: وما لنا في ألا نقاتل. وقد مر علينا أن (أنْ) المصدرية إذا دخلت على حرف نفي فإن الحرف يُقدّر بكلمة؟ طلبة: في. الشيخ: لا، بكلمة (عدم). فالمعنى إذن: وما لنا في عدم القتال، يعني أي شيء لنا في ألا نقاتل، أي مانع؟ والجواب: فيه مانع ولَّا لا؟ لا مانع. وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِوَقَدْ أُخْرِجْنَاالجملة هنا حالية، فهي في محل نصب.
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا. قولهم: أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَاقال المفسرون: إن المراد إخراج بعضهم؛ لأن هؤلاء الذين كلموا نبيهم كانوا في ديارهم، لكن كان لهم أقوام سبقوا تسلط عليهم العدو فأخرجهم من ديارهم ومن أبنائهم. قال الله عز وجل: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا. نسأل الله السلامة، هم طلبوا الآن أن يبعث لهم نبيهم ملكًا يقاتل في سبيل الله ليقاتلوا في سبيل الله، ولما استثبت نبيهم منهم ماذا قالوا؟ قالوا: إنا عازمون، عازمون على ذلك، وثابتون عليه، ولكن لما كتب عليهم القتال وفُرض عليهم تولوا، فصار ما توقعه بنبيهم حقًّا أنهم لم يقاتلوا. وسيأتينا في الفوائد أن بعض السؤال يكون نكبة على السائل كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ [المائدة: ١٠١]. فهنا قال الله عز وجل: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْايعني أعرضوا عن هذا الفرض ولم يقوموا به. إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْوالقليل عادة يكون أقل من النصف ولَّا لا؟ أو نقول: أقل من الثلث أيضًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» . فهم تولوا كلهم إلا القليل، ممكن أن نقول: أقل من الثلث، وهي منصوبة على أنها مستثناة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَعليم بالظالمين، ومقتضى علمه بهم أن يجازيهم على ظلمهم، والظلم هنا ليس لفعل محرم، ولكنه لترك واجب؛ لأن ترك الواجب كفعل المحرم فيه ظلم للنفس ونقص من حقها. من فوائد الآية الكريمة: الحث على النظر والاعتبار لقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَإلى آخره. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن في هذه القصة عِبرًا لهذه الأمة، حيث إن هؤلاء القوم الذين كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم، ففيها تحذير هذه الأمة من التولي عن القتال إذا كُتب عليهم. ومن فوائدها: أنه لا بد للجيوش من قائد يتولى قيادتها لقولهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ومنها: أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الْمُلك لقولهم: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًايخاطبون النبي، فالنبي إذن له السلطة أن يبعث لهم ملكًا يتولى أمورهم ويدبرهم. ومن فوائد الآية الكريمة: ذكر ما يشجع على إجابة الطلب فيما إذا طَلب الإنسان شيئًا من غيره أن يذكر ما يشجعه على إجابة الطلب لقولهم: نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِفإن هذا يبعث النبي ويشجعه على أن يبعث لهم الملك. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في قولهم: فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ومن فوائدها: تثبيت المخاطَب بما طلب إيجاده، تثبيته هل يقوم بما يجب عليه نحوه أم لا لقوله: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا. فإذا طلبك إنسان أن تُرسله في حاجة، أو أن تكلفه بعمل فلا حرج عليك أن تذكر له الأشياء التي يتبين بها أيش؟ ثباته وقيامه بهذا العمل، لهذه الآية. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الإنسان بفطرته يكون مستعدًّا لقتال من قاتله لقولهم: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا. ولهذا تجد الجبان اللي من أجبن ما يكون إذا حُصر يأتي بما عنده من الشجاعة، يستنفد كل شيء حتى وإن كان أجبن من النعامة فإنه عندما يُحشر يكون عنده قوة للمدافعة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أسباب القتال إخراج الإنسان من نفسه وأهله، قصدي إخراج الإنسان من بلده وأهله لقولهم: وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يظن الصبر على ترك المحظور أو القيام بفعل المأمور، فإذا ابتلي به نكص، من أين يؤخذ؟ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْمع أنهم كانوا في الأول كانوا متشجعين على أن يقاتلوا. طالب: الفائدة الأخيرة تعيدها يا شيخ؟ الشيخ: أقول: ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه قادر على فعل المأمور وترك المحظور، فإذا ابتُلي به نكص وعجز، فهؤلاء ظنوا أنهم قادرون على القتال، لكن لما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم. ويتفرع على هذا: أن فيه إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ» فالإنسان قد يتمنى الشيء من أمور تنزل به ويعجز عنها. وهذه الفائدة يشير إليها قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِيهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ فِيمَا يَبْعَثُ فِيهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» هذا الحديث أو معناه. ومنها أيضًا؛ يتفرع مهنا: أن كثيرًا من الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به ثم لا يوفون به، كما في قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [التوبة: ٧٥، ٧٦]. وهل يستفاد من الآية أن البلاء موكل بالمنطق؟ لأنه قال لهم: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوافكان ما توقعه نبيهم كان ما توقعه واقعًا، فإنه لما كتب عليهم القتال تولوا. ومن فوائد الآية: وجوب القتال دفاعًا عن النفس، من أين يؤخذ؟ لأنه لما قال: وَقَدْ أُخْرِجْنَاقال: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُكُتِبَأي فرض ليدافعوا عن أنفسهم، ويحرروا بلادهم من عدوهم، وكذلك أبناءهم من السبي. ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير الظالم من الظلم لقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَأي ظلم كان. ومنها؛ أي من فوائدها: سعة علم الله سبحانه وتعالى، حيث كان عالِمًا حتى بظلم الظالم وإن كان واحدًا لقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. ومن ذلك أيضًا؛ من فوائد الآية: تحريم الظلم لوقوع التهديد به. ومن فوائدها: أن ترك الواجب من الظلم لقوله: تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَأي: المتولين الذين فُرض عليهم القتال ولم يقوموا به؛ فدل ذلك على أن الظلم ينقسم إلى قسمين: إما فِعل محرم، وأما ترك واجب. ثم قال الله عز وجل: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ. طالب: شيخ فيه فائدة. الشيخ: وهي؟ طالب: حكم سؤال الناس قائدًا يقودهم إلى الجهاد؛ يعني إذا كانت أحوال المسلمين مثلًا مضطربة بعض العلم عنها يعني مثلًا يقول: والله إن قائدًا يعني يقودنا إلى الجهاد (...)، هل هذا من هذه الآية ولَّا لا؟ الشيخ: إي نعم، ويش تقولون؟ إنه ينبغي مثلًا إذا كان أمر المسلمين منفرطًا أن يُدعى الله عز وجل بأن يهيئ لهم قائدًا يجمع كلمتهم؟ يؤخذ من هذا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: كيف؟ الطلبة: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا. الشيخ: لأنهم طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكًا يقاتل في سبيل الله. طالب: شيخ، لماذا لم يطلبوا من نبيهم أن يقودهم في الحرب؟ الشيخ: إي نعم، لعلهم يريدون من نبيهم أن يتفرغ للدعوة إلى الله عز وجل، ويكون هذا هو القائد. طالب: هنا يا شيخ فيه فائدة. طالب آخر: شيخ، أما كان النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد للمسلمين؟ الشيخ: محمد، بلى. الطالب: طيب ويش الفرق بين هنا وهناك؟ الشيخ: ما نقدر نقول، نقول: هذا اللي وقع، فالذي يظهر لنا أنهم أرادوا من نبيهم أن يبقى في الدعوة إلى الله عز وجل وعند من كان فيمن لم يقاتل ممن لا يجب عليه القتال. طالب: قلنا في التفسير أنه سيأتي لنا أن بعض السؤال قد يكون نقمة على بعض الآخرين؟ الشيخ: كيف؟ طالب: قلنا: في التفسير أن بعض السؤال قد يكون نقمة على الباقين؟ الشيخ: هذه تعرضنا لها في قوله: أن الإنسان قد يطلب الشيء وهو يظن أنه يقوم به ولكن ما يقوم به يخطئ.
تفسير الآية (٢٤٧)
٠١:٠٩:٠٣
قال: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْترى فيها {نَبِيئُهُمْ} قراءة كما أن قوله: نَبِيٍّ لَهُمُفيها قراءة: {لِنَبِيئٍ لَهُمْ}. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًاشوف حسن الأدب مع الله هم قالوا لنبيهم: ابْعَثْ لَنَاولم يقل: إني بعثت، بل قال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْوكأن الله عز وجل أوحى إلى هذا النبي أن اجعل فلانًا ملكًا عليهم، أو ملكًا لهم، فقال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًاوفي عدوله عن قوله: ابْعَثْمع كونه أدبًا مع الله إشارة إلى قوة إلزامهم بقبوله، لماذا؟ لأن الذي عينه مَنْ؟ الله عز وجل. إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًاطالوت علم على شخص وليس كما قيل: إنه مشتق من (الطُّول). بعضهم قال: إنه مشتق من الطول؛ لأن الله قد زاده بسطة في العلم والجسم، فقال: طالوت من (الطُّول)، وليس كذلك، وإنما هو عَلَم كغيره من الأعلام، لكن تعلمون أن هذا علم في لغة من؟ في لغة بني إسرائيل، ويمكن أنه دخله شيء من التعريب. وقوله: قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًامَلِكًاهذه حال من طَالُوتَوالملك هو الذي له التدبير الذي لا يُنازَع فيه، ولكنه بالنسبة للمخلوق بحسب ما تقتضيه الولاية الشرعية أو العرفية، هذا الملك، الذي له التصرف بخلاف المالِك، المالك هو من له التصرف في ملك معين محدود. قالوا معترضين على هذا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِيعني قالوا: كيف يكون له الملك؟ أَنَّىبمعنى كيف فهي للاستفهام.
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَاأي شوف التعبير إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَولم يقل: عليكم؛ لأن البعث من الله عز وجل لا يراد به مجرد السلطة، وإنما يراد به التصرف بما فيه الخير والمصلحة، ولهذا يقال: إن الملكية تكليف وليست بتشريف، ففي الأول قال: بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَوهنا ذهبوا يتكلمون عن السلطة قالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَاولم يقولوا: أنى يكون له الملك لنا، علينا، فجعلوا المسألة من باب السلطة فقط لا من باب رعاية المصلحة. ثم قالوا معززين لاستبعادهم هذا الشيء: وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ، لماذا؟ كأنهم يرون أن الملك لا يكون إلا كابرًا عن كابر، وأن هذا لم يسبق لأحد من آبائه أن تولى الملك بخلافنا نحن، فإن الملوك كانوا منَّا، فكيف جاءه الملك؟ أيضًا لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِفهو أيش؟ فقير ما عنده مال واسع، وقد يقال: إنه ليس بفقير لكنه ليس عنده مال واسع، وفرق بين الفقير المعدم وبين من يجد ولكن ليس ذا سعة؛ يعني ليس غنيًّا ننتفع بماله ويدبرنا بماله ويحصِّل الجيوش والجنود بماله، فذكروا علتين: أحدها من حيث التوسط في مجتمعه، والثاني من حيث المال؛ يعني إذن القوة الحسَبية والقوة المالية، قالوا: هذا الرجل مفقود، لا عنده حسب فليس من أبناء الملوك، ولا عنده مال فليس من الأغنياء الأثرياء الذين يُخضعون الناس بأموالهم. جواب نبيهم قال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْاصْطَفَاهُبمعنى: اختاره، وأصلها من الصفوة، فيكون أصل اصْطَفَاهُ(اصتفاه) بتاء الافتعال، ولكنها قُلبت طاء لما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصرف. قوله: اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْولم يقل: اصطفاه لكم هنا، وفي الأول قال: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْوهنا قال: اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْإشارة إلى أنه فضَّله عليهم، فاختاره لأنه أفضل منهم، فهو مفضَّل عليهم بما أعطاه الله سبحانه وتعالى مما سيُذكر. وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِبسطة معناه: السعة؛ كقوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ [البقرة: ٢٤٥]. يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: ٢٦]. أي: زاده سعة في العلم، أيّ علم هو؟ نحن نتكلم الآن في الملكية، فالمراد بالعلم علم تدبير الملك، فعنده من الحنكة والرأي ما جعله مختارًا عليهم من الله عز وجل. أيضًا والجسم، زاده بسطة في الجسم مع العلم، فاجتمع في حقه قوتان: المعنوية والحسية؛ بسطة الجسم ليست بالطول فقط بل بالطول والقوة أيضًا، فهو قوي شديد وطويل أيضًا، فإذا اجتمع في حقه القوتان المعنوية وهي العلم والثانية: الجسمية أو الحسية؛ وهي أن الله تعالى زاده بسطة في الجسم. السبب الثالث: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُيؤتي بمعنى يعطي ملكه مَنْ يَشَاءُ. كما قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦]. وقوله: مَنْ يَشَاءُمر علينا كثيرًا أن كل فعل أضافه الله إلى المشيئة فإنه مقيد بالحكمة، فيؤتي ملكه من يشاء ممن تقتضي الحكمة الإلهية أن يعطوا الملك، إذن ما دام الإيتاء -إيتاء الملك- مقرونًا بالحكمة فإن الله لا يعطي الملك إلا من هو أهل له، وليس المراد بذلك دفع اعتراضهم بذكر مطلق المشيئة. صحيح أن الأمر لله يفعل ما يشاء، لكن المراد بذلك أن يُبيِّن أن الله هو الذي يؤتي الملك من يشاء، ومع هذا لا يؤتيه إلا من هو أهل له. وقد تبين مما ذكر في أن الله أعطاه بسطة في العلم والجسم أن هذا الرجل أهل لأن يؤتى الملك. وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌوَاسِعٌأطلق، ما قال: واسع في العلم، في الحكمة، في الفضل، فيشمل كل صفاته، واسع في علمه وفضله وكرمه وقدرته وقوته وجميع صفاته وأفعاله أيضًا. وقوله: عَلِيمٌأي: عليم بمن يستحق أن يكون ملكًا أو غيره ممن هو من الفضل الذي يؤتيه الله سبحانه وتعالى من يشاء، فهنا نبيهم عليه الصلاة والسلام ذكر عدة أمور، تخول هذا الرجل لأن يكون ملكًا عليهم: أولًا: أن الله اصطفاه عليهم وفضله، فيه فضائل عِلمها عند الله؛ لأنه ما ذكر فيها شيء، ما ذُكر شيء. ثانيًا: أن الله زاده بسطة في العلم، وتدبير الأمة، والحروب، وغير ذلك. ثالثًا: أن الله زاده بسطة في الجسم، ويشمل القوة والطول. ورابعًا: أن الله عز وجل هو الذي يؤتي ملكه من يشاء مقرونًا بالحكمة، فلولا أن الحكمة تقتضي أن يكون طالوت هو الملك ما أعطاه الله تعالى الملك. والخامس: أن الله واسع عليم؛ فهو ذو الفضل الذي يمده إلى من شاء من عباده، فله أن يتفضل على من شاء اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] وهو أعلم أيضًا حيث يجعل ولايته. من فوائد الآية الكريمة: أن نبيهم استجاب لهم، حيث طلبوا منه أن يبعث ملكًا لهم فاستجاب، ولكن بماذا كانت استجابته؟ بسؤال الله سبحانه وتعالى ذلك وإجابة الله له. ومنها: أن الْمُلك لا ينال بالوراثة، وإنما ينال بالأحقية والأفضلية. ومنها أيضًا: أن الْمُلك تتوطد أركانه إذا كان للإنسان مزية في حسبه أو نسبه أو علمه أو قوته، من أين يؤخذ هذا؟ طالب: من الصفات التي ذكرت. الشيخ: نعم، يؤخذ أولًا من قولهم: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ. والثاني من قوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. ومنها؛ من فوائد الآية الكريمة: أن استفهام هؤلاء القوم أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَايحتمل أن يكون المراد به الاعتراض، ويحتمل أن يراد به الاستكشاف، كيف كان ملكًا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤتَ سعة من المال؟ فإن كان الأول فإن حالهم تقتضي أيش؟ الذم؛ لأنهم كيف يعترضون وهم الذين طلبوا أن يبعث لهم ملكًا؟! وإن كان الثاني فهل حالهم تقتضي الذم أم لا؟ يعني قصدهم الاستكشاف والبحث عن السبب بدون اعتراض، ففي هذه الحال لا اعتراض عليهم ولا لوم عليهم. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أفعال الله عز وجل فوق كل تصور لقوله: قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْمع أنهم قدحوا به من وجهين: أنهم أحق بالملك منه، وأنه فقير، فبين نبيهم أن الله تعالى اصطفاه عليكم بما تقتضيه الحكمة. ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما كان الولي ذا بسطة في العلم وتدبير الأمور والجسم وقوته كان أقوم لملكه وأتم لإمرته لقوله: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. ومنها: أن الملك لبني آدم ملك لله لقوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُفهذا الملِك في مملكته هو في الحقيقة ما ملك إلا بإذن الله عز وجل، فالملك لله سبحانه وتعالى وحدَه يؤتيه من يشاء. ومن فوائد الآية الكريمة: أن ملكيتنا لما نملكه ليست على سبيل الحقيقة وليست ملكًا مطلقًا، بل هي تحت ملكية الله سبحانه وتعالى، ولهذا لا نتصرف فيما نملك إلا على حسب ما شرعه الله، لو أراد الإنسان أن يتصرف في ملكه كما يشاء يتلفه ويحرقه ويعذبه ويؤذيه إذا كان حيوانًا قلنا: لا؛ لأن ملكك تابع لأي شيء؟ لملك الله سبحانه وتعالى. ومنها: إثبات المشيئة لله لقوله: مَنْ يَشَاءُ، وإثبات أفعال الاختيارية لقوله: يُؤْتِي مُلْكَهُ، فإن إتيان الإنسان الملك نراه يتجدد كما قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦] فالله سبحانه وتعالى له أفعال اختيارية بمعنى أنه يفعلها حيث أراد. وقد أنكر كثير من الأشاعرة والمتكلمة قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل محتجين بأن الأفعال الاختيارية حوادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادِث كما زعموا، فإذا أثبتنا أن الأفعال الاختيارية تقوم بالله عز وجل، وأنه يفعل ما يشاء، ويجدد أفعاله سبحانه وتعالى كان من لازم ذلك أن يكون حادِثًا، ومعلوم أن الله تعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء. فنقول لهم: هذا اللازم الذي ذكرتموه لازم باطل، إذ لا يلزم من تجدد الأفعال تجدد الفاعل، ولا يلزم من حدوث الأفعال حدوث الفاعل، فنحن الآن محدَثون بلا شك، وأفعالنا تتجدد، هل نقول: يلزم أن يكون وجودنا مقارنًا لأفعالنا، أو وجودنا سابق لأفعالنا؟ لا شك أن وجودنا سابق لأفعالنا، وهذا في المخلوق، فوجود الله عز وجل سابق لأفعاله ولا يلزم من تجدد أفعاله أن يكون هو ذاته حادِثًا سبحانه وتعالى، بل هو الأول الذي ليس قبله شيء، ومن ثم -أي من إنكارهم- قيام الحوادث به قالوا: إن الله تعالى لا يتكلم بكلام يحدثه فيتكلم شيئًا فشيئًا، وقالوا: إن كلام الله هو المعنى الأزلي القائم بنفسه.
ولا شك أن تفسير الكلام بهذا معناه يؤول إلى أن الكلام هو أيش؟ هو العلم، إذا قالوا: إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس -وهذا مذهب الأشاعرة- فمعنى هذا أنه هو العلم؛ لأنهم يرون أن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، وأن هذه الحروف والأصوات التي تُسمع أيش؟ مخلوقة خلقها الله سبحانه وتعالى لتعبر عما في نفسه. ولهذا قال بعض العلماء قالوا: إنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة في الواقع؛ لأن الكل متفق على أنه على أن ما نقرؤه الآن في المصاحف مخلوق، لكن أولئك قالوا: هو كلام الله، وهذا قالوا: هو عبارة عن كلام الله. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: واسع وعليم، فالواسع المحيط بكل شيء، الواسع الذي صفاته لا نهاية لها في الكمال، الواسع الذي غناه لا حد له، وهكذا كل ما تشتمل هذه الكلمة من معنى فإنه يدخل في كلمة واسع، ولهذا يعتبر هذا الاسم وهذه الصفة تعتبر شاملة لجميع الأسماء والصفات، فإن الله تعالى واسع في كل ما يتصف به، وعليم أي: محيط بكل شيء علمًا، ولهذا تقترن كلمة واسع دائمًا بكلمة عليم؛ لأن كلًّا منهما فيه الشمول والإحاطة. سبق لنا أن الاسم من أسماء الله يتضمن إذا كان متعديًا يتضمن كم؟ ثلاثة أشياء: الاسم، والصفة، والحكم؛ يعني الأثر الذي يترتب على ذلك، فعليم يتضمن اسم العليم، ويتضمن الصفة وهي العِلم، ويتضمن الحكم وهو أنه يعلم، يعلم كل شيء، وإذا كان الاسم غير متعدٍّ فإنه يتضمن شيئين: وهما: الاسم، والصفة، مثل الحي والعظيم وما أشبهها. إذن الصفات أكثر من الأسماء وأوسع؛ لأنه ما من اسم إلا هو متضمن لصفة، وهناك صفات لا يشتق منها أسماء، فالصفات أوسع وأعم من الأسماء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
تفسير الآية (٢٤٨)
٠١:٢٩:٢٧
ثم قال الله تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [البقرة: ٢٤٨]. (آية) بمعنى علامة، كما قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: ١٩٧] يعني علامة تدل على أنه حق، أن بني إسرائيل يعلمون هذا القرآن وأنه سينزل. وقال: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ(أنْ) وما دخلت عليه في محل رفع مرفوعة على أنها خبر (إنَّ). أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْوالتَّابُوتُشيء من الخشب أو من العاج يُشبه الصندوق ينزل ويصطحبونه معهم وفيه السكينة؛ يعني أنه كالشيء الذي يُسكِّنهم ويطمئنون إليه، وهذا من آيات الله سبحانه وتعالى. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ، ما الذي ترك آل موسى وآل هارون؟ هم أنبياء تركوا العلم والحكمة؛ لأن «الْأَنْبِيَاء لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِيَنارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ» فهذا التابوت -بإذن الله- كان مفقودًا وجاء هذا الملك الذي بعثه الله لهم فجاء به، وصار معهم يصطحبونه في غزواتهم فيه السكينة من الله سبحانه وتعالى؛ وهي أنهم إذا رأوا هذا التابوت سكنت قلوبهم، وانشرحت صدورهم. وفيه أيضًا..