تفسير سورة البقرة - ٥٦
درس صوتي · ٩١:٤٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
فقوله: (كيف يجتمعان) يدل على أن النكاح في الأصل الجمع والضم، وأما في الشرع: فهو عقد على محللة للاستمتاع بها وصيانة الفرج إلى آخره وغيره من المصالح التي تتعلق بالنكاح، فهو عقد على محللة لقصد المصالح المترتبة على النكاح من تحصين الفرج والولادة والاستمتاع وغير ذلك. يقول الله عز وجل هنا: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. طالب: ما معنى (...)؟ الشيخ: لا، يجمع بينهم. الْمُشْرِكَاتِجمع مشركة، والمشركة أو المشرك هو من جعل لله تعالى شريكًا فيما يختص به، سواء كان ذلك في الربوبية، أو في الألوهية، أو في الأسماء والصفات، فمن اتخذ مع الله إلهًا يعبده فهو مشرك ولو آمن بأن الله خالق السماوات والأرض، ومن اعتقد أن مع الله خالقًا للكون، أو منفردًا بشيء من الكون، أو معينًا لله تعالى في الخلق، في خلق شيء من الكون فهو مشرك، ثلاثة أشياء ما هي؟ طالب: من يتخذ مع الله إلهًا. (...) الشيخ: خلق الكون فإنه مشرك. طالب: لكن نهى عن قول متصرفًا؟ (...) الشيخ: حتى الكتابيات، وإن أخذنا بمعهودها المعروف فإنه لا يشمل اليهود والنصارى؛ لأنه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة: ٦] فعطف المشركين على أهل الكتاب فدل على أنهم؟ طالب: غيرهم. الشيخ: غيرهم، وهذا الخلاف ينبني عليه هل هذه الآية باقية على عمومها أو مخصصة بآية المائدة يأتي إن شاء الله تعالى. (...) في هذه الآية الكريمة ينهى الله عز وجل. (...) على المشركات حَتَّى يُؤْمِنَّحتى يدخلن في الدين الإسلامي ويؤمِنَّ بالله ورسوله، المشركات لا يحل للمؤمن أن يتزوج بهن كما قال الله تعالى في سورة الممتحنة: فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِيشمل من أشركن بالله في عبادته، أو أشركن به في ربوبيته، فمن اعتقدت أن مع الله خالقًا فإنه لا يجوز نكاحها من المؤمن، وإن عبدت مع الله غيره فإنه لا يجوز للمؤمن نكاحها. وقوله: لَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّهل يدخل في ذلك نساء النصارى، فهم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة ويجعلون المسيح عيسى بن مريم إلهًا مع الله؟ اختلف في ذلك أهل العلم، والصحيح أنه لا يدخل في ذلك نساء أهل الكتاب وإن كن يزعمن أن عيسى إله مع الله؛ لأن الله تعالى في سورة المائدة قال: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [المائدة: ٥] وسورة المائدة من آخر ما نزل، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيها نسخ، كل ما فيها فهو محكم، وفي نفس السورة التي أباح الله فيها نساء أهل الكتاب قال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣] فوصفهم بالكفر وأحل نساءهم، ولكن مع ذلك مع كونها مباحة فإن الأَوْلى ألا يتزوجها؛ لأنه يؤثر على أولادها منه، وربما يؤثر عليه هو أيضًا إذا أعجب بها مثلًا وبجمالها وسلبت عقله فربما تفضي به إلى أن يكفر كما حدثني بذلك بعض الناس أن أحدًا لما سافر إلى بلد كافرة أعجب بفتاة فخطبها إلى نفسه فقالت له: لا يمكن حتى تحضر الكنيسة معي وتقول: إن الله ثالث ثلاثة، فحاول أن يمتنع ولكنه -والعياذ بالله- قد ملك عقلَه جمالُها وشغف بها وأخيرًا ذهب معها إلى الكنيسة وشهد أن الله ثالث ثلاثة -نسأل الله العافية- ولكن هذا الرجل الذي فعل هكذا أبشِّركم أنه تاب، تاب إلى الله وندم مما صنع، وجاء يستفهم: ماذا يكون عليه في هذه الحال التي أغرته فيها هذه المرأة، وكان ردنا على ذلك أن نقول: إذا تاب تاب الله عليه، قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣].
وقوله: حَتَّى يُؤْمِنَّقد يقول قائل: لماذا لم يقل: حتى يُوَحِّدْن؛ لأن ضد الشرك التوحيد، ولِمَ قال: حَتَّى يُؤْمِنَّ؟ نقول: لأن الإيمان أعم إذ إنه يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به من توحيد الله والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلو أنها انتهت عن الشرك لكنها لم تؤمن بكل ما يجب الإيمان به فإنها لا تحل، هذا هو السر في العدول عن التعبير بالمقابل إلى التعبير بالإيمان. وقوله عز وجل: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّبيَّن الله سبحانه وتعالى العلة في ذلك والحكمة فقال: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْصدق الله، الأمة المؤمنة خير من المشركة حتى لو أعجبت الإنسان في جمالها، أو أعجبت الإنسان في مالها، أو أعجبت الإنسان في علمها، أو أعجبت الإنسان في خِفتها وما إلى ذلك فإن الأمة المؤمنة خير من المشركة، ثم قال: وَلَأَمَةٌلا تظنوا أنه يعني بذلك الأمة المملوكة، وسنبين إن شاء الله تعالى في سورة النساء أنه لا يجوز نكاح الإماء إلا بشروط، لكن المراد بالأمة هنا أمة الله، أي العابدة لله عز وجل، والإنسان الذكر يقال: عبد الله، والأنثى يقال: أمة الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» ، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: «ابْنُ أَمَتِكَ» ذكر الأم والأب، الأب قال: «عَبْدُكَ» والأم قال: «أَمَتِكَ»، وبهذا نعرف أن ما ورد به الحديث في سيد الاستغفار وهو: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ» وأما من كان أنثى فإنها تقول: أمتك. كما قال به شيخ الإٍسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال بعض العلماء: إنها تقول في حديث سيد الاستغفار تقول: وأنا عبدك، على تأويل أنها شخص، شخص مذكر ولّا مؤنث؟ الطلبة: مذكر. الشيخ: مذكر، ولكن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أبلغ في التذلل والعبودية، فإن المرأة إذا قالت: وأنا عبدك، كأنما تشعر أنها رجل، لكن إذا قالت: وأنا أمتك، صار ذلك أبلغ في ذُلّها، فقوله سبحانه: وَلَأَمَةٌهنا وأيش معنى الأمة؟ امرأة خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍلا يراد به التفضيل بين المفضل والمفضل عليه، أي: عدم التفضيل، يراد به البيان أنها من الخير فقط، كالصلاة خير، والصدقة خير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير، من الخير الذي هو ضد الشر، أما إذا ذكر المفضل عليه لفظًا أو تقديرًا فإن (خيرًا) تكون للتفضيل، وهنا سؤال على هذه الآية (...) وأن القاعدة في اسم التفضيل أن المفضل والمفضل عليه يتفقان في أصل الوصف، ويختلفان في مقداره، كحديث: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ» فهنا الصلاتان متفقان في الخيرية لكن تتميز صلاة الجماعة بالأفضلية، وهو المعروف عند أهل العلم بـ(أفعل التفضيل) أنه إذا ذكر مفضل ومفضل عليه فإنهما متفقان في أصل الصفة، ويتميز المفضل على المفضل عليه في مقدارها. وهنا يقول الله عز وجل: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍومعلوم أن المشركة لا خير فيها المشرك لا خير فيه فكيف قال: خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ؟ الجواب على ذلك من أحد وجهين، الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين (...) الطرفين ليس فيه شيء منه، ويراد به التفضيل المطلق كقوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤] والله ما في أهل النار خير، لكن هذا من باب كون اسم التفضيل دل على التفضيل وليس للطرف الآخر منه شيء، والثاني أن نقول: إن ناكح المشركة قد يظن فيها خيرًا لكونها جميلة مثلًا؛ ولذلك قال: وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْفقد يظن الإنسان أن اتصاله بهذه المشركة خير، فبين الله سبحانه وتعالى أن ما يعتقده الإنسان خيرًا في نكاح مشركة فإننا نقول له: نكاح الأمة المؤمنة خير بناء على ما كان يعتقده من خيرية في نكاح المشركة. ثم قال: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ(تُنكحوا) مبني للمعلوم أم للمجهول؟ طالب: للمجهول. الشيخ: لا. لماذا؟ الطالب: مبني للمعلوم. الشيخ: إذا قلنا: إنه ما هو مبني للمجهول ما بيقول لك: إنه مبني للمعلوم، (...) مبنيًّا على أساس؟ الطالب: .(...) الشيخ: المضارع المبني للمجهول يُضم أوله ويُفتح ما قبل آخره، قال في ذلك ابن مالك:
وَاجْعَلْهُ مِنْ مُضَارِعٍ مُنْفَتِحًا
كَيَنْتَحِي الْمَقُولُ فِيهِ يُنْتَحَى
فـ (تُنكحوا) ليس مبنيًّا للمجهول بل هو مبني للمعلوم لكنه من فعل رباعي، الأول: من نكح يَنكِح والثاني: من أنكح يُنكِح، ولذلك قال في الأول: وَلَا تَنْكِحُواوفي الثاني: وَلَا تُنْكِحُواالأول للزوج الذي يتولى العقد بنفسه لنفسه ما له ولي، والزوجة ما تزوج نفسها وإنما يزوجها وليها، فهو إذن من أنكح الرباعي. قال تعالى: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواالنهي عن تزويج المشرك أو إنكاح المشرك لا استثناء فيه حتى ولو كان من أهل الكتاب فإنه لا يجوز أن يُنكَح بمسلمة، نصراني خطب منا امرأة مسلمة نزوجه؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا يجوز، وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَهذا عام ما فيه استثناء بخلاف وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِفإنه يستثنى من ذلك من كان كتابيًّا. تناظر رجلان في مصر قبطي ومسلم فاحتج القبطي على المسلم وقال: لماذا تستحلون نساءنا ولا تحلون لنا نساءكم؟ هذا خلاف العدل. قال: لأننا نعترف بدين النصارى قبلنا، فالمسلم إذا تزوج امرأة دينها دين النصارى ازدادت خيرًا اعترف بدينها وبدين الإسلام، لكن لو كان رجلًا كافرًا نصرانيًّا يريد أن يتزوج بمسلمة فإنه لا يقر بدينها، فالنصراني لا يعترف بمحمد صلى الله عليه وسلم. طالب: إذا قال: أعترف؟ الشيخ: ما يكفي، ما دخل في دين محمد صلى الله عليه وسلم، فالمسيح بشرهم بالرسول الخاتم، وأمرهم أن يدعوا دينهم ويتبعوه. وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواوسبق القول باختلاف المقابلة حيث قال: الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواولم يقل: حتى يُوَحِّدوا؛ لأنه لا بد من الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، فكان العدول عن ذكر المقابل إلى ذكر ما لا يقابله، هذا موجود كثيرًا في القرآن، وهو لا يوجد غالبًا إلا لفائدة، قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِلا يقضون بالحق ولَّا لا يقضون بشيء؟ الطلبة: لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ. الشيخ: لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [غافر: ٢٠] لماذا لم يقل: لا يقضون بالحق؟ لأن لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍأبلغ، أبلغ في نقص هذه الأصنام، لا تقضي بشيء لا حق ولا باطل، انتبه لهذه النكتة من كتاب الله عز وجل. وهو أنه إذا عدل عن ذكر المقابل إلى شيء آخر فإنه لا بد أن يكون لذلك فائدة فتأملها. قال: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْالعبد المؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم، صدق الله العبد المؤمن الذي يؤمن بالله ورسله وبما يجب الإيمان به خير من المشرك، فلو كان مشرك عالمًا بصناعة الطائرات، والصواريخ، والمراكب الفضائية، شيء عبقري، ورجل مسلم لا يعرف من هذا شيئًا أيهما خير؟ طالب: المسلم. الشيخ: العبد المؤمن، فلو أن امرأة قالت: إنها تريد أن تتزوج هذا الكافر؛ لأن عنده من علوم الطبيعة ما ليس عند المسلم، نقول لها: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْوما قال: ولو أعجبكن. ولم يقل: ولو أعجبتها؛ لأن عقد نكاح المرأة بيد وليٍّ، فالخطاب للأولياء، فالمشرك لو أعجبكم ونال إعجابكم بماله وغيره فلا يجوز لكم لكن إنكاحه مُوَلِّيتكم. ثم بيَّن عز وجل وجه هذه الخيرية فقال: أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِأُولَئِكَالضمير يعود على المشركين والمشركات، أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِبأقوالهم وأفعالهم وربما تكون في ظاهرها خيرًا لنا -أذلهم الله ولعنهم (...) يبثون الدعوة إلى دينهم وشركهم بكل ما يستطيعون بالمال والقول والعمل حتى إننا نسمع أنهم يبنون المدارس ويبنون المستشفيات ويعالجون المريض حتى يشفى؛ لاستمالتنا إلى دينهم، ولا يزالون يدعون إلى يومنا هذا إلى دين النصارى لكن والحمد لله ليس لها قبول. (...) كلام الذي يقولونه في إذاعاتهم (...) ثم يرسلونها على عنوان بعض المؤسسات (...) خبرة وبحثًا عن أحوال المسلمين (...) ما يدري إلا وقد جاءه شريط (...) والحمد لله أنهم يبوؤون بالفشل في كل ما يدعون إليه مهما دعوا إنما يدعون إلى النار ولّا من أسباب دخول الجنة؟ ولم لا يقال في أعمالهم الخيرية: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥] لأن هذه الأعمال الخيرية لا تنفعهم، لا تنفعهم شيئًا، ويقبلها الله هي نفسها أن تكون من مسلم، قال الله تعالى في الكفار: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣] إذن هل في ذلك خير ولَّا لا؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، لماذا؟ لأن أعمالهم دعوة إلى النار، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦] فعلى شباب المسلمين أن ينتبهوا لهذه النقطة وهي نشاط المبشرين في دعوتهم لدينهم بوجوه الإنفاق، فيخبر الله عنهم أنهم إنما ينفقونها ليصدوا عن سبيل الله، فهدف نفقاتهم حرب الرحمن وعداؤه، فعلينا أن ننتبه لهذا وألا نغتر بهم وبأعمالهم، ولهذا قال: أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِدعوة إلى النار، ودعوة إلى الجنة والمغفرة، ومع ذلك نجد أن المسألة ليس فيها تقابل، وإلا لو كان فيها تقابل لقال: أولئك يدعون إلى النار والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة، لكنه عدل عن دعوة المؤمن إلى دعوة الله؛ لأن المؤمن يكون منه تقصير في الدعوة إلى جنة الله ومغفرته، لكن الله عز وجل دعا إلى الجنة والمغفرة، وكلما ازداد الإنسان إيمانًا بالله ازداد دعوةً إلى جنة الله ومغفرته، وهنا يقول: يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِالجنة جزاء الأعمال الصالحة، والمغفرة جزاء الأعمال السيئة إذا استغفر الإنسان منها، وذلك لأن الإنسان في عمله دائر بين أمرين: إما عمل صالح محض هذا يكون سببًا لدخول الجنة، وإما عمل غير صالح لكنه يتاب منه، فهذه دعوة إلى المغفرة. وقوله عز وجل: بِإِذْنِهِيَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِينقسم إذن الله عز وجل إلى إذن شرعي وإذن كوني، فإذنه سبحانه إذا ما تعلق بالمخلوقات والتقديرات فهو إذن كوني، وما تعلق بالتشريعات فهو إذن شرعي، وإذنه في قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥] ما تقولون في الإذن؟ هل هو شرعي ولا كوني؟ إذن كوني، يعني يأذن الله فيشفع، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] هذا شرعي. وقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: ٥٩] الإذن هنا كوني ولّا شرعي؟ طيب نشوف الاستفهام هنا للإنكار ولا للتقرير؟ للإنكار والتوبيخ، فيكون إذنُ الله عز وجل لهؤلاء كونًا؟ طالب: لا. الشيخ: ثابت ولّا غير ثابت؟ الطالب: ثابت. الشيخ: ثابت، لكن إذنه لهم شرعًا غير (...) هنا الآية اللي معنا يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِأترونها إذنًا شرعيًّا أم إذنًا كونيًّا؟ طالب: شرعيًّا. الشيخ: أو كلاهما؟ الطلبة: كلاهما. الشيخ: أو شرعي؟ أو كوني؟ الطلبة: كلاهما. الشيخ: الصبي إذا سألته عن شيء فهو على الأخير، تقول له مثلًا: اليوم السبت ولّا الأحد؟ يقول: الأحد. اليوم الأحد ولّا السبت؟ يقول: السبت. في هذه الآية التي معنا الظاهر والله أعلم أنها تشمل الكوني والشرعي؛ وذلك أن دخول الإنسان فيما يكون سببًا للجنة والمغفرة كوني، وشرْعُ ما يكون سببًا للجنة والمغفرة هذا إذن شرعي. وقوله: وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَيُبَيِّنُيعني يُظهر، آيَاتِهِجمع آية وهي العلامة القاطعة، ومنه قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس: ٣٧] وقوله: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس: ٤١] فالعلامة القاطعة التي تستلزم الاستدلال بها على وجود الله، يُبَيِّنُ آيَاتِهِالآيات تنقسم إلى قسمين: شرعية وكونية، وكلاهما قد بينها الله عز وجل، فبيَّن لعباده الآيات الشرعية وبيَّن أيضًا الآيات الكونية، فلم يبق شيء يحتاج الناس إليه في أمور دينهم ولا في أمور دنياهم إلا بينه، قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] وقال أبو ذر: لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يُقَلِّبُ جَناحَيْهِ في السماءِ إلَّا وهُو يُذَكِّرُنا منه عِلمًا . وقد يشكل على بعض الناس قد يخفى عليه بعض الآيات الشرعية، لا يتبين له فيها وجه الشرع، ثم يتبين له بعد ذلك، فمما نأخذه من الآية أنه إذا ما تبين الحكم الشرعي لشخص من الأشخاص لا يعني أن الحكم الشرعي في حد ذاته كان مخفيًّا، إنه قد يخفى على الإنسان إما لقلة علمه أو قصور فهمه أو تقصيره في طلب الحق، هذه أسباب ثلاثة توجب الخفاء: إما لقلة علمه، وإما لـأنه ناقص الفهم في أشياء كثيرة، وإما تجده ما يهتم ترد عليه المسألة مشكلة يقول: هذه أتوقف فيها ولا أبحث، لكن الحق في حد ذاته قد بينه الله تعالى بيانًا كاملًا، وطرق البيان في الآيات الشرعية كثيرة، منها عمومية اللفظ وشموله، وإما بدخولها في عمومه إذا اتفقا في العلة فقد شملهما المعنى فيشملهما الحكم. إذن لا نقص فيه، وانظر إلى قول الله عز وجل في آيات المواريث قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]. والآيات الكونية هي ما يتعلق بالمخلوقات، وهي آية من آيات الله عز وجل، آية على أي شيء؟ على العلم ولَّا على القدرة؟ على كل هذا، مثلًا اختلاف الليل والنهار من آيات الله الدالة على أيش؟ الطلبة: على القدرة. الشيخ: على القدرة والعلم والرحمة والسلطان؛ لأن كونها دالة على القدرة واضح، فإن أحدًا من الناس لا يستطيع أن يقدم طلوع الشمس ولا أن يؤخرها له، ولكن خالقها الذي أمرها أن تسير بإذنه دليل على علمه بها وقدرته عليها، فما من مفعول إلا وهو مسبوق بالعلم والقدرة، هب لو أنك صنعت ثوبًا فأنت لا تخيطه إلا وأنت عالم كيف تخيطه وكذلك قادر على خياطته وإلا ما يمكن أن تخيطه، فكذا لا يمكن أن يكون اختلاف الليل والنهار إلا عن علم الله وقدرته التي يختلف بها الليل والنهار، وهو كدليل على سلطانه آية على سلطانه؛ لأن اختلاف الليل والنهار يشمل الاختلاف الحسي والمعنوي (...) والحسي هو الذي قال الله فيه: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] يغني فقيرًا ويفقر غنيًّا ويهدي ضالًّا ويضل مهتديًا. الحاصل أن الآيات الكونية آية على خالقها عز وجل (...) كأن تقول: على القدرة أو الرحمة أو ما أشبه ذلك لا، تقول: هي آية على كل معنى يناسب تلك الآية فيختلف بحسب الآيات. هل بيَّن الله لنا الآيات الكونية؟ بيَّن الله عز وجل وأيش سبب طول النهار (...) بيَّن لنا أن ذلك بقدرته: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩] ثم إذا كان هناك سبب حسي أو إذا كان هناك (...) أن الإنسان يدرس علم الفلك ليستفيد، ليستفيد مما (...) الآيات الشرعية مبينة والآيات الكونية مبينة، ولكن سؤالي الآن: هل بيان الآيات الشرعية أبلغ وأدق أو بيان الآيات الكونية؟ الأول الآيات الشرعية أبلغ وأدق وأشمل؛ لأن الإنسان في أمس الحاجة إليها حاجة ضرورية عليها مدار سعادته في الدنيا والآخرة، ولهذا بيَّن الله عز وجل لعباده من الآيات الشرعية حتى آداب الجلوس والاستئذان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [النور: ٢٧] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ [المجادلة: ١١] بيَّن الله حتى هذا الأمر، وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي: إنَّ نبيَّكم علمكم كلَّ شيءٍ حتى علَّمَكم كيفَ تأتونَ الخلاءَ. قال: نعم، وألا نستنجي برجيع أو عظم (...) بيان الرسول صلى لله عليه وسلم من بيان الله؛ لأنه مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] بيان الوحي للآيات الشرعية هو أشمل من البيان للآيات الكونية، الآيات الكونية تأتي على سبيل العموم، بخلاف الشرعية؛ لأن الشرع لا بد أن يتلقى من الوحي (...) يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ [البقرة: ٢٤٢] إذا آمنت بهذه الجملة فإنه قد يعرض لك مسألة لا تجدها في كلام الفقهاء ولا في كلام المحدثين، وعندما تتأمل القرآن تجدها واضحة صريحة، أو عندما تتأمل السنة تجدها واضحة مبينة فيها، وهذا شيء معلوم، ولهذا أحثكم أنتم طلبة العلم على أن يكون دأبكم في الوصول إلى غائص المسائل الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولا حرج أن نستعين بكلام أهل العلم؛ لأن اعتماد الإنسان على نفسه في فهم الكتاب والسنة قد يحصل فيه خلل كثير، فلا بد أن يعرف القواعد التي قعَّدها السلف من الصحابة والتابعين مستنبطين لها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. طالب: (...). الشيخ: نحن عندما نتكلم نتكلم عن بيانها في حد ذاته، أما كونها تعمى أو تُعَمَّى على بعض الناس هذا وارد، فإن الكفار قد يطَّلعون من الآيات الكونية على ما لا يطلعه المسلمون لكنها لا تنفعهم؛ لأنهم لا يستدلون بها على رحمة الله أو على وجوده، إنما نحن إذا تكلمنا فإنما نتكلم على أيش؟ الآيات الشرعية من حيث هي آيات بقطع النظر عن الممتثل بها، ولهذا الآن نحن جميعًا نعرف أن بعضنا يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ما لا يفهمه الآخر، ويقال: إن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ليلة من الليالي، فلما قدَّم إليه العشاء أكله كله (...). طالب: (...) الشيخ: عمر أراد أن يمنع منه سياسة ولكنه لم يمنع منه حكمًا شرعيًّا، هو اجتهاد منه لكنه هو غير موفق فيه، فهو نفسه رضي الله عنه ما استدل بدليل، وإنما خشي على من تزوج بكتابيات خشي عليه هو فقط. الطالب: الخشية موجودة الآن؟ الشيخ: هذه لولي الأمر إذا رأى أن السياسة تمنع من التزوج فله المنع مثل ما يوجد عندنا الآن في الحكومة السعودية وفقها الله تمنع من التزوج بالأجانب إلا بشروط ترضاها وتوافق عليها، فإذا رأى ولي الأمر أن يمنع الناس من التزوج بالأجانب حتى ولو كن مسلمات لأمر يتعلق بمصالح البلد فله أن يفعل ذلك؛ لأن ولي الأمر إذا قلنا: إنك ما تفعل إلا شيئًا ما تأمر إلا بمأمور به ولا تنهى إلا عن منهي عنه بقيت سلطته عديمة التأثير، فلا بد أن يكون لولي الأمر شيء من النظر يمنع فيما يرى أن الحق في منعه أو يبيح ما يرى أن الحق في إباحته إذا لم يتعارض مع النص. طالب: شيخ، فإذا تقدمت المصلحة في نظام الحكم الشرعي؟ (...) الشيخ: لا، الحكم الشرعي الإباحة، فلولي الأمر أن يمنع إذا رأى أن المصلحة في المنع مثل ما أبيحت الرجعة في الطلقات الثلاث في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ورأى عمر أن المصلحة تقتضي المنع فمنع، فالمصلحة التي رآها رأى الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة وأن الواحد منهم بدأ كلما غضب أدنى غضبة على زوجته بتَّ طلاقها، فرأى رضي الله عنه أن يمنع من مراجعتها في هذه الحالة، فهذه ترجع إلى اجتهاد الحاكم وهو فيما بينه وبين الله إذا كان يريد الحق فهو مأجور سواء أصاب أم لم يصب، وإذا كان يريد شيئًا آخر فربه يحاسبه. طالب: إن الله سبحانه وتعالى علل في آخر الآية: أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِومع أن هذه العلة موجودة في أهل الكتاب؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: ما وجهه؟
الشيخ: وجهه أن أهل الكتاب فيه مصلحة أخرى تقابل هذه العلة، وهي أن ما عند المرأة من العلم الذي قد يدعوها إلى الإسلام أكثر وأكبر من الجهل الذي قد تستمر فيه على الشرك. طالب: نقول: إن أهل الكتاب عندهم شرك، كيف نخرجهم من تحت المشركين؟ الشيخ: لأن الله أخرجهم قال: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [المائدة: ٥]. الطالب: يعني نقول: إن الآية هذه الآية آية المائدة ناسخة لآية البقرة؟ الشيخ: مخصصة، هذا إذا قلنا: إن الآية التي معنا عامة مع أن بعض العلماء يقول: المراد بها المشركون ويدخل فيها أهل الكتاب من الأصل، أو ما دخلوا فيها فتكون عامًّا أريد به الخصوص. في هذه الآية الكريمة: تحريم نكاح المشركات على المؤمنين، من أين نأخذها؟ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. وفيها: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، منين؟ لقوله: حَتَّى يُؤْمِنُوافدل ذلك على أنه متى زال الشرك حل النكاح ومتى انتفى انتفى النكاح. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوج ولي نفسه، من أين تؤخذ؟ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِفوجه الخطاب للزوج.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن خير من المشرك ولو كان في المشرك من الأوصاف ما يعجبه، لقوله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ، ومثله قوله تعالى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة: ١٠٠] فلا تغتر بالكثرة، ولا تغتر بالمهارة، ولا بالجودة، ولا بالفصاحة، ولا بغير ذلك، ارجع إلى الأوصاف الشرعية التي عُلِّقت بها الصفات المحمودة. ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الناس في أحوالهم وأنهم ليسوا على حد سواء، لقوله: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍوفيه رد واضح على الذين قالوا أو على الذين أطلقوا أن دين الإسلام دين مساواة، كيف ذلك؟ لأن التفضيل ينافي المساواة، والعجيب أنه لم يأت في الإسلام لا في الكتاب ولا في السنة لفظ المساواة بها أبدًا، ولا أن الله أمر بها ولا رغَّب فيها؛ لأنه ما هي صحيحة، إذا قلت بالمساواة دخل الفاسق والعدل والكافر والمؤمن والذكر والأنثى، وهذا هو الذي يريده أعداء الإسلام من المسلمين؛ أن يجعلوا دين الإسلام دين مساواة ما فيه فرق، لكن جاء الإسلام بكلمة هي خير من تلك الكلمة وليس فيها احتمال أبدًا، وهي: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل: ٩٠] كلمة (العدل) تقتضي أن نسوي بين الاثنين حيث اتفقا في الصفات المقتضية للتسوية، وأن نفرق بينهما حيث اختلفا في الصفات المقتضية للتفريق أليس كذلك؟ أكثر ما يوجد في القرآن نفي المساواة في هذا الباب: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [الرعد: ١٦] لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ٩٥]،لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد: ١٠] وآيات كثيرة في هذا النوع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود: ٢٤] وما أشبهها، والحاصل أن هذه الكلمة أدخلها أعداء الإسلام على المسلمين، وأكثر المسلمين ولا سيما ذوي الثقافة العامة ليس عندهم تحقيق وتدقيق في الأمور وتمييز بين العبارات، ولهذا تجدهم يرون هذه الكلمة كلمة نور تُحمل على الرؤوس: الإسلام دين المساواة، نقول: كذبتم، الإسلام دين العدل، وأْتُوا لنا بحرف من كتاب الله أو من سنة رسوله يأمر بالتسوية أبدًا، لكن القرآن كله عدل يأمر بالعدل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: ٩٠] وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩] وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء: ١٨٢] وما أشبه ذلك، فهذه الكلمة وغيرها الكثير يجب أن نتنبه لها.
طالب: يا شيخ، بعضهم قيدها قال: المساواة في الحقوق والواجبات، فهل هذا صحيح؟ الشيخ: حتى هذا غلط ما هو صحيح، من لا مال عنده هل يساوي من عنده مال في الزكاة؟ ومَن ماله مليون هل هو مثل مَن ماله ألف؟ لأ واللي يقدر يصلي قائم مثل اللي ما يقدر؟ (...)
تفسير الآيات (٢٢٢-٢٢٤)
٠٠:٤٥:٤٨
قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِهذه الجملة معطوفة على الجمل السابقة التي وقعت فيها الأسئلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف أسئلة اليهود لنبيهم موسى عليه السلام حينما أمرهم أن يذبحوا بقرة، فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ [البقرة: ٦٨] إلى أن قال الله تعالى: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١]. أما الصحابة رضي الله عنهم فإنما يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحكام من أجل أن يقوموا بما يكون الجواب موجبًا له.
قوله: عَنِ الْمَحِيضِكلمة المحيض تصلح أن تكون مصدرًا ميميًّا فتكون بمعنى الحيض، وتصلح أن تكون اسم مكان فيكون المراد به مكان الحيض، أو اسم زمان فيكون المراد به زمان الحيض، ولننظر أي هذه الاحتمالات أولى بسياق الآية، قال الله تعالى: قُلْ هُوَ أَذًىهذا الجواب، هُوَأي المحيض أَذًىوهذا يرجح الاحتمال الأول أن المحيض مصدر ميمي، يعني يسألونك عن الحيض قُلْ هُوَ أَذًىأذى لمن؟ للزوج أو للزوجة أو لهما معًا؟ أثبت الطب أنه أذى لهما معًا، وأنه يحصل فيه ضرر على الزوج كما أن فيه ضررًا على المرأة، ولهذا قال: هُوَ أَذًىوالأذى يطلق على الشيء المكروه والشيء المستقذر وهو كذلك. فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَالفاء هنا للتفريع، أو للسببية، أي فيتفرع على كونه أذى توجيهُ الأمر إليكم باعتزال النساء، أو فبسبب كونه أذى اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: اعْتَزِلُوا النِّسَاءَأي الحائضات؛ لقوله: فِي الْمَحِيضِوالمراد بالمحيض هنا مكانُ الحيض وزمانُه، أي اعتزلوا النساء فلا تجامعوهن في فروجهن لأنه مكان الحيض، ولا زمن الحيض لأنه وقت الحيض، فيكون المحيض هنا ظرف زمان وظرف مكان، اعتزلوا النساء في المحيض، وقوله: اعْتَزِلُوا النِّسَاءَبأي شيء؟ لا شك أن المراد به الجماع وليس المراد به أن نعتزلهن في المؤاكلة والمشاربة والمساكنة لا؛ لأن الذي تعلق به التحريم وهو مكان الحيض أو زمانه إنما يُنتفع به بماذا؟ بالوطء بالجماع، فالمعنى: اعتزلوهن في الجماع. وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَلَا تَقْرَبُوهُنَّأي النساء في المحيض حتى يطهرن، وفي قوله: لَا تَقْرَبُوهُنَّدليل على أنه يجب اجتناب الجماع وما حوله، وعلى هذا فلا يحل للرجل من زوجته إذا كانت حائضًا إلا ما فوق الإزار، وأما ما دونه فلا يحل؛ لأن الله يقول: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّوإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم كما سنبين إن شاء الله في الفوائد. وقوله: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَفي قراءة: {حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} وهذه القراءة تناسب الجملة التالية {حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ}، وأما على قراءة حَتَّى يَطْهُرْنَفالمراد بها: حتى يَطْهُرن من الحيض، فالقراءتان إذن: {حَتَّى يَطَّهَّرْنَ} أي يغتسلن كما قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: ٦] فالِاطِّهار بمعنى الاغتسال، وأما حَتَّى يَطْهُرْنَفالمعنى: يَطْهُرن من الحيض، يقال: طَهُرت المرأة من حيضها أي انقطع، فعلامة الطهر للمرأة هو القَصة البيضاء بأن لا تتغير القطنة إذا احتشت بها، يعني إذا دخلت القطنة في الفرج وخرجت بيضاء فهذا هو علامة الطهر، وهذا هو الغالب في النساء أن الطهر هو البياض، لكن بعض النساء لا يرى ذلك، تعرف الطهر بانقطاع الحيض فقط ولا ترى القصة البيضاء، وعلى هذا فيكون الآية الكريمة دالة على منع إتيان المرأة حتى تطهر من الحيض ويكون الطهر بحسب ما يكون من حال المرأة، والغالب أن الطهر هو القصة البيضاء. وقوله: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُتَطَهَّرْنَهل المراد بالتطهر الاغتسال أو المراد بالتطهر تطهير المحل من الدم وإن لم تغتسل؟ طالب: الأول. الشيخ: ذهب بعض العلماء إلى أن المراد حتى يغسلن دم الحيض، ولكن جمهور أهل العلم على أن المراد فَإِذَا تَطَهَّرْنَأي اغتسلن، وقالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فقد قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: ٦] وليس المراد بقوله: اطَّهَّرُوااغسلوا أثر الجنابة، بل المراد اغتسلوا، وعليه فيكون قوله: إِذَا تَطَهَّرْنَيعني اغتسلن. على قراءة: {حَتَّى يَطَّهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} لا فرق بين الجملتين، لكن على قراءة: حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَفإن ظاهر الآية الكريمة حَتَّى يَطْهُرْنَأنه إذا طهرت المرأة فليس جماعها كجماعها قبل الطهر وإن كان ممنوعًا، لكن ليس كجماعها؟ الطلبة: قبل الطهر. الشيخ: وهو كذلك، فإن جماعها بعد الطهر وقبل الاغتسال لا يوجب الكفارة على القول بوجوبها، وأيضًا فإنه يبيح لها الصيام إذا طَهُرت ولم تَطَهَّر أبيح لها الصيام، وأيضًا فإنه يباح لها يباح الطلاق؛ لأنها الآن طاهرة فتكون مطلقة للعدة، فتبيَّن أن هناك فرقًا في الأحكام بين الطهر والتطهر. وقوله: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُالفاء رابطة للجواب جواب الشرط وهو قوله: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، وقوله: فَأْتُوهُنَّأي جامعوهن، كُنِّي بالإتيان عن المجامعة.
وقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُقيل: إن (من) بمعنى (في)، أي فَأْتوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانه وهو الفرج، وقيل: (من) للابتداء فهي على بابها، أي فَأْتوهن من هذه الطريق، من هذه الطريق من حيث أمركم الله، وما الذي أمرنا الله به؟ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُأمرنا الله أن نطأهن في الفروج لقوله في الآية التي بعدها: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْوالحرث هو موضع الزرع، وموضع الزرع هو القُبُل، فيكون معنى قوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُأي من قُبُلهن وليس من الدبر، وقوله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُولم يبين الجهة التي نأتي بها المرأة من حيث أمرنا الله، ولهذا يجوز للإنسان أن يجامع زوجته مقبلة ومدبرة، يعني من قدام ومن خلف لكن في صمام واحد أي في الفرج، فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ. وقد ذهب ابن حزم رحمه الله إلى أنه يجب على المرء كلما طهرت زوجته أن يجامعها؛ لقوله: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّوالأصل في الأمر الوجوب.
طالب: الوجوب والفورية. الشيخ: إي نعم، ولكن الجمهور خالفوه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في بيان ذلك في الفوائد. ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَهذا تعليل لما سبق من الأوامر وهي: اعتزال النساء في المحيض، وإتيانهن من حيث أمر الله، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَيحب التوابين أي يُثيبهم على توبتهم. طالب: .(...) الشيخ: لا، كيف؟ اللي يقولها الآن معلمكم، معلمكم يقول: يحب أي يُثيب التوابين على توبتهم. طالب: أوَّل المعلم، فما نستطيع؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: المعلم أوَّل. طلبة: تأويل. الشيخ: إي يعني معناه يجب أن نرد على معلمنا إذا أخطأ إذن يُحِبُّ التَّوَّابِينَالمحبة صفة غير الثواب، الثواب من آثار المحبة ولوازمها، والمحبة صفة في ذات الله عز وجل، وهي محبة حقيقية لائقة بجلال الله وعظمته، غير مشبهة لمحبة المخلوق للمخلوق، هذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد مر البحث في هذا كثيرًا، وبينا أن من أهل العلم بل من المسلمين من حرَّف هذا المعنى وقال: إن معنى (يحب) أي يثيب، ولكن هذا ليس بصحيح. وقوله: التَّوَّابِينَالتواب على وزن فَعَّال، ووزن (فعَّال) تأتي للمبالغة أي للكثرة، وتأتي للنسبة ولو لم يكن إلا مرة، فما المراد به هنا؟ التَّوَّابِينَالكثير التوبة، أو التَّوَّابِينَالمنتسبين للتوبة ولو مرة واحدة؟ طالب: يشمل هذا وذاك. الشيخ: الظاهر أنه يشمل، يشمل هذا وهذا، ولا ينبغي أن نحملها على النسبة فقط؛ لأننا لو حملناها على النسبة فقط لكان من عصى ثم تاب وعصى ثم تاب وعصى ثم تاب غير محبوب عند الله، والله عز وجل يقول: يُحِبُّ التَّوَّابِينَحتى الذي يُكثر من الذنب ويُعقبه بتوبة فإن الله سبحانه وتعالى يحبه، ولهذا ليس من شرط التوبة ألا يعود إلى الذنب، هذا ليس من شرطه، شرط التوبة أن يعزم على ألا يعود، فإن عاد وسولت له نفسه بالعودة فإنه يتوب الله عليه إذا تاب، إذن الرب عز وجل يحب التوابين. ومن هم التوابون؟ التوابون كثيرو التوبة، والتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وقد سبق لنا أن شروطها خمسة؟ طالب: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فعل، وألا يعود إلى الذنب. الشيخ: وألا يعود أو وأن يعزم ألا يعود؟ الطالب: وأن يعزم ألا يعود إلى الذنب، أعرف منها ثلاثة. طالب آخر: وإن كانت حقوق يرد الحقوق والمظالم إلى أهلها.
الشيخ: لا، هذه داخلة في الإقلاع. طالب: أن تكون قبل الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها. الشيخ: أن تكون في زمن القبول. الطالب: في زمن القبول وقبل طلوع الشمس. الشيخ: في زمن القبول يدخل هذا وهذا، في واحد بعد بقي عليه؟
طالب: الإخلاص. الشيخ: الإخلاص لله، فشروط التوبة إذن خمسة: الإخلاص لله، والندم على الذنب، والإقلاع عنه، والعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة في وقت القبول أو في زمن القبول، أما الأول فشرط التوبة الإخلاص لأن التوبة من أجَلِّ العبادات، والعبادات من شرطها الإخلاص، فلو تاب الإنسان من ذنبه مراعاةً لشعور أحد من الناس أو مُراءاة للناس فإن توبته لا تقبل، وإذا لم يندم على ما مضى من الذنب وصار فِعْل الذنب وعدمه سواء فإنها لا تقبل توبته لأنه ما صدق في رجوعه، الراجع الصادق هو الذي يندم يقول: ليتني ما فعلت، وإذا لم يقلع فليس بصادق، بل هو إلى الاستهزاء أقرب منه إلى التوبة، رجل يقول: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك من الغيبة، يا فلان ما شفت فلان هذا السيئ الخلق. تاب ولَّا لا؟
طالب: ما تاب. الشيخ: ما تاب، واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من أكل الربا، تعال يا ولد خذ مئة بمئة وعشرين، تائب؟ الطلبة: لا. الشيخ: هذا ما تاب. واحد يقول: اللهم إني أتوب إليك من حقوق الناس، وهو عند القاضي يدَّعي ما ليس له وينكر ما عليه، تائب؟ الطلبة: لا. الشيخ: ما هو تائب، ليس بتائب، التوبة الرجوع، هذا ما رجع. الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن لم يعزم فليس بصادق في توبته، فكأنه بيقول: ما أنا بعائد، لكن في نفسه أنه لو سنحت الفرصة لفعل الذنب، فهذا ليس بتائب. الخامس: أن تكون في زمن القبول وهو: أن تكون قبل حضور الأجل، فإن كان بعد حضور الأجل وانقطاع الأمل فإنها لا تقبل، كقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨] ما ينفع بعد ما شاهد العذاب ما تنفع، فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٤، ٨٥] حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠] ماذا قيل له؟ آلْآنَ [يونس: ٩١] ما ينفع آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١] هذه ليست توبة، كذلك أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لا تنفع التوبة، قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨] فسر النبي عليه الصلاة والسلام بعض آيات الله بأنها طلوع الشمس من مغربها، وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» هذه شروط التوبة. وهل يشترط للتوبة أن يقلع عن جميع الذنوب؟ أو تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ نشوف الآن الشروط اللي معنا، هل من الشروط ألا يصر على ذنب؟
طالب: لا. الشيخ: لا، إذن تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، ولكن هذا التائب لا يستحق الوصف المطلق للتائبين؛ لأن الذي عنده مطلق توبة لا توبة مطلقة فلا يستحق الوصف المطلق للتائبين ولا المدح والثناء للتائبين، وقال بعض أهل العلم: إنها لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره من جنسه، أفهمتم؟ فمثلًا لو تاب من النظر المحرم لكنه يتكلم الكلام المحرم مع النساء تقبل توبته؟ قال بعض العلماء: لا تقبل لأن الجنس واحد، وكذلك لو تاب من الزنا زنا الفرج وهو مصر على زنا العين واليد والرجل واللسان فإنها لا تقبل لأن الجنس واحد، ولكن الجمهور على أن ذلك ليس بشرط، وأنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره ولو من جنسه. وقوله تعالى: وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَالتوبة تطهير القلب، والْمُتَطَهِّرِينَتطهير الأبدان، يحب الذين يتطهرون من الأنجاس والأرجاس، ومن ذلك المتجنبون لوطء الحائض، المتجنبون لوطء الحائض لأنهم أيش؟ متطهرون في الواقع، فالله تبارك وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين. ثم قال تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْنِسَاؤُكُمْيعني زوجاتكم حَرْثٌ لَكُمْأي موضع حرث لكم كما تكون الأرض حرثًا للزارع يبث فيها الحب فيخرج الحب وينمو ويُنتفع به، كذلك النساء بالنسبة للرجال حرث يضع فيها الإنسان هذا الماء الدافق فينزرع في الرحم حتى ينمو ويخرج بشرًا سويًّا، فالنساء حرث للرجال، ولهذا قال: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْالفاء هذه للسببية أو للتفريع فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْوالمراد بالحرث هنا أيش؟ موضع الحرث وهو الفرج، ائتوه أَنَّى شِئْتُمْ(أنَّى) بمعنى حيث فهي ظرف مكان بمعنى ائتوا هذا الحرث من أي جهة شئتم: من جهة القُبُل يعني الأمام، من جهة الخلف، من جهة الجنب، من أي جهة، المهم أن يكون الإتيان في الحرث، وقد زعمت اليهود أن الرجل إذا أتى المرأة من دُبُرها في قُبُلها صار الولد أحول، وكذبوا في ذلك، وقد أنزل الله تكذيبهم في هذه الآية: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. وسيأتي إن شاء الله الفوائد على هذه الجمل فوائد كثيرة. قال: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْوأيش نقدم؟ نقدم الطاعات وما ينفعنا عند الله عز وجل، وإنما قال: قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْبعد قوله: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْحتى لا ننشغل بهؤلاء النساء عن تقديم ما ينفعنا يوم القيامة وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْومن التقديم للنفس أن يبتغي الإنسان بالجماع تحصين فرجه وتحصين فرج امرأته، وطلب الولد الصالح، والتسمية عند الجماع وما أشبه ذلك مما يقارن الجماع من الأعمال الصالحة بالنية، مثلًا الإنسان قد يجامع زوجته لكن من الناس من يريد مجرد قضاء الوطر فقط هذا لا شك أنه مفيد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، أَيَأْتي أحدُنا شهوتَه وَيكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» ولكن أفيد من ذلك ما أشار الله إليه في هذه الآية الكريمة: فَأْتُوا حَرْثَكُمْوَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْبماذا؟ طالب: بالعمل الصالح. الشيخ: بالنية في العمل الصالح الذي يترتب على النية، فينوي الإنسان مثلًا بجِماعِه هذا قضاء الوطر والتمتع بما أباح الله له، والاستغناء به عما حرم الله، ثانيًا: ينوي بذلك تحصين فرجه وفرج امرأته؛ لأنه لا شك أن هذا فيه تحصين الفرج؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنِ امْرَأَةٍ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّمَا مَعَهَا -يَعْنِي مَعَ أَهْلِهِ- مِثْلُ الَّذِي مَعَهَا» إذن فالجماع مُحصِّن للفرج، وإلا لكان النفس تتعلق بهذا الذي رأته ثم تحصل الفتنة. ثالثًا: ينوي بجماعه أن يرزقه الله تعالى ولدًا صالحًا، وما أفضل الولد إذا وُفِّق الإنسان لولد صالح ينفعه في حياته وبعد مماته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» .
رابعًا: أن يفعل ما ينبغي أن يُفعل حال الجماع مثل التسمية عند الجماع فيقول: «بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» كل هذا داخل تحت قوله تبارك تعالى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ. ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَالله أكبر، لما أمر بالتقديم لأنفسنا أمرنا أن نجتنب ما حرم الله علينا فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَوهذا يشمل كل ما يتعلق بالمرأة في مسألة الجماع مما يخالف شريعة الله مثل أن يجامعها في الدبر مثلًا، فإن هذا ليس من تقوى الله عز وجل، بل هو من معصيته. وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُشوف اعْلَمُواوهذا تنبيه للإنسان أن يعلم فهو كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الحج: ٧٣] استمِع للمثل، هنا قال: وَاعْلَمُواتنبيه؛ لأن تعلم أنك ملاقي الله عز وجل، أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ، هذا اللقاء لقاء حقيقي ولَّا المراد مُلَاقُوهُأي ملاقو ثوابه أو عقابه؟ الأول، لقاء حقيقي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ» كل إنسان سوف يلاقي الله عز وجل فاستعِد لهذه الملاقاة، انظر ماذا أعددت لها، وهذه الملاقاة ليست والله ببعيدة ما أقربها، مهما طال بك الزمن فإنه قريب كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [الأحقاف: ٣٥] كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات: ٤٦] فما أسرع هذه الملاقاة التي ستكون بينك وبين ربك يكلمك عز وجل مكالمة منه إليك ليس بينك وبينه ترجمان، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ -عَلَى شِمَالِهِ- فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» وقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُهل يشمل ذلك النظر إلى وجه الله الكريم؟ نعم ربما يشمله، ربما يشمله كما استدل به بعض أهل العلم، أو استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله عز وجل في الآخرة. ثم قال لما حذر هذا التحذير العظيم: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُلو كانت قلوبنا حية لكان لهذه الكلمة وقْعٌ في نفوسنا؛ لأنها من كلام الله عز وجل مصدرة بـ (اعلموا) لكن والله القلوب ميتة والشكوى إلى الله عز وجل، لما جاء بهذه الجملة العظيمة المنذرة المخيفة قال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَالحمد لله، بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، هذه الملاقاة ملاقاة خير، وهنا قال: بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَولم يذكر المبشَّر به حتى يكون عامًّا لكل ما فيه بشارة في الدنيا وفي الآخرة، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: ٦٢ - ٦٤] ولهذا قال هنا: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَولم يذكر وقت البشارة ولا مكانها ولا نوعها، إذن فهي بشارة عامة شاملة، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ» فأنت بشِّر كل مؤمن بكل خير، حتى في ملاقاة الله عز وجل بشِّرْه؛ لأن الله سبحانه وتعالى إذا قرر المؤمن بذنوبه ماذا يقول له؟ يقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» حساب يسير آخره هذه البشارة العظيمة «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». طالب: لها سبب نزول يا شيخ الآية آخر؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: هي نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُم [البقرة: ٢٢٣]. الشيخ: إي ذكرناها قبل قليل، قصة اليهود الذين قالوا: إذا أتى الإنسان امرأته من دبرها في قبلها صار الولد أحول، فقال الله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. الطالب: فيه بعض المفسرين قالوا: إن المهاجرين كانوا يفعلون كذا والأنصار لأ؟ الشيخ: داخلة في هذا أقول: داخلة في هذا.
يقول: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌاختلف العلماء في قوله تعالى: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْفقال بعضهم: المعنى لا تُكثروا الحلف إذا كنتم تريدون البر والتقوى والإصلاح، لا تُكثروا الحلف بالله، فلا تجعلوا الله تعالى معروضًا في أيمانكم دائمًا، ولا شك أن هذا منهي عنه، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر الحلف بالله، بل يجب أن يكون في قلبه من تعظيم الله عز وجل ما يمنعه أن يجعله عرضة في كل شيء، يعترض أو يعرض الله عز وجل في كل شيء. وقال بعض المفسرين: لا تجعلوا الله مانعًا لأيمانكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوايعني عرضة مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح، وهذا المعنى أقرب من الأول وإن كان الأول معنى محتملًا لكن هذا أقرب ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا تَحَلَّلْتُ مِنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وقال لعبد الرحمن بن سمرة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وعلى هذا يكون معنى الآية: لا تجعلوا الأيمان مانعًا لكم من البر، ويكون قوله: أَنْ تَبَرُّوايكون مؤولًا بمصدر منصوب بنزع الخافض أي: عرضة عن بِرِّكم، وقوله: أَنْ تَبَرُّواهذا إذا حلف على ترك الواجب، نقول: لا تجعل اليمين مانعًا لك من فعل الواجب، ماذا يصنع؟ طالب: يكفِّر عن يمينه. الشيخ: يكفِّر عن يمينه ويفعل الواجب، مثل أن قال: والله لا أكلم فلانًا، وفلان مؤمن يحرم هجره، نقول الآن: حلفت وأيش هو عليه؟ طالب: كفارة. الشيخ: على أيش؟ الطالب: على الواجب. الشيخ: على ترك الواجب، فيجب عليك أن تكفر عن يمينك وأن تكلمه. قال: والله لا أصلي مع الجماعة. صلِّ مع الجماعة يا ولد، صلِّ مع الجماعة. لا والله عنادًا لكم والله ما أصلي مع الجماعة، هذا يمكن يقع من بعض السفهاء، ماذا نقول له؟ صل مع الجماعة، قال: والله أنا حلفت عاد، مضى مني يمين، ماذا نقول له؟ لا تجعل الله عرضة لأيمانك عن البر، قم بالواجب وكفر عن يمينك. وقوله: وَتَتَّقُواهذا فيما إذا حلف على فعل محرم ما هو على ترك واجب، على فعل محرم، قال: والله لأجحدن مال فلان الذي عليَّ، حلف على أيش؟
طالب: محرم. الشيخ: على فعل محرم، وهو جحد الحق الواجب عليه، ماذا نقول له؟ نقول: كفر عن يمينك وأدِّ الحق إلى صاحبه. والله حلفتُ جرى مني يمين إني لأجحده. نقول: هذا يمين لا يعيقك عن التقوى، اتق الله عز وجل وقم بما أوجب الله عليك من إعطاء صاحب الحق حقه. طيب إنسان قال: والله لأضربن فلانًا، هو ما فعل جناية لكن صار في نفسه عليه شيء قال: والله لأضربن فلانًا، صار بينهم خصومة، قال: والله لأضربه، والله ما يروح مني إلا أنا جارح رأسه وداق عنقه، وأيش نقول؟ نقول: يا أخي هذا حرام، اتق الله عز وجل وكفر عن يمينك وأْتِ الذي هو خير، كفر عن يمينك ولا تضرب هذا الرجل أو تدق عنقه أو لا. ولهذا قال أهل العلم: إن الحنث في اليمين تجري فيه الأحكام الخمسة: تارة يكون واجبًا، وتارة يكون حرامًا، وتارة يكون سنة، وتارة يكون مكروهًا، وتارة يكون مباحًا، لكن في قسم المباح حفظ اليمين فيه أولى، حفظ اليمين أولى في المباح.
قال: أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِأيضًا بعض الناس يصلح بين رجلين فيحصل منهما إساءة عليه، يقول: والله ما عمري أصلح بين الناس أبدًا، لأيش؟ قال: لأن ها دولاأصلحت بينهم ولحقني منهم الضرر، والله يكفيك شر مَن تُحسن إليه. وأيش نقول له؟ طالب: اتقِ الله وأصلح. الشيخ: نقول: كفر عن يمينك وأصلح بين عباد الله، قال: أنا جرى مني يمين؟ نقول: هذا اليمين الحمد لله كل شيء يمكن أن يحلل. إن كفر عن اليمين قبل الحنث يسمى أيش؟ يسمى تَحِلَّة، وإن كفر بعد الحنث يسمى كفارة، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ١، ٢] ولهذا جاء في الحديث الذي أشرت إليه قبل قليل: «إِلَّا تَحَلَّلْتُ يَمِينِي -أو قال: عَنْ يَمِينِي- وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» وعلى هذا فنقول للذي أقسم ألا يصلح بين الناس: أصلح بين الناس وكفر عن يمينك، أو تحلل من يمينك وأصلح بين الناس. قال الله تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌالجملة هذه لا شك أن فيها نوعًا من التهديد، فإن الإنسان إذا جعل الله عرضة لأيمانه عن البر والتقوى والإصلاح بين الناس لا شك أنه مستحق للَّوْم وللعقاب، فإن الله نهاه، ولهذا ختم الآية بقوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌسميع لما يقال، عليم بما يُفعل بل بكل شيء، كما قال الله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢] هذان الاسمان من أسماء الله من الأسماء المتعدية أو اللازمة؟ طالب: المتعدية. الشيخ: المتعدية، إذن لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة شروط، الأول: أن يؤمن بأنها اسم من أسماء الله دالة على ذات الله عز وجل. ثانيًا: يعتقد أنها دالة على صفة من صفات الله متضمنة لذلك. والثالث: أن يؤمن بما يترتب عليها من الحُكْم والآثار. فـسَمِيعٌأي ذو سمع يسمع به، عَلِيمٌذو علم يعلم به، والغرض أو الحكمة من ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: التحذير من مخالفة الإنسان ربه، فإنه إذا خالف الله فالله سميع عليم. طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، الفائدة الأولى، فوائد قوله تعالى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّالآية. الفائدة الأولى: أن لفظ الإيمان أخص من لفظ التوحيد، لقوله: حَتَّى يُؤْمِنَّ، ولقوله: حَتَّى يُؤْمِنُواولم يقل: ولا تنكحوا المشركات حتى يوحدن، ولم يقل: ولا تُنكحوا المشركين حتى يوحدوا. الفائدة الثانية..