تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٥٥

درس صوتي · ٢٥:٥٤

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخف، والحافر، قال الله تعالى في الجواب: قُلْيعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟

طالب: كل الخلق.

الشيخ: نعم، قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌيعني: قل لجميع الأمة، كما قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة وهي: أنه قد يكون الجواب مُوجَّها إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بماذا؟ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم.

قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِوفي قراءة: {إِثْمٌ كَثِيرٌ} {فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ}، فِيهِمَاأي: في الخمر والميسر.

إِثْمٌما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، ويقال: فلان آثِمٌ، يعني: مستحق للعقوبة.

وقوله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌوالقراءة الأخرى {كَثِيرٌ} الفرق بينهما: أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية، فالمعنى: أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير، الإثم فيهما كبير، يعني: عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك.

وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبَّر الله عن ذلك بقوله تعالى: إِثْمٌ كَبِيرٌأو إِثْمٌ كَثِيرٌ.

هل هاتان القراءتان تتنافيان؟

طالب: لا.

الشيخ: لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما، فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عَشْرٌ من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع.

وقوله تعالى: وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِمَنَافِعُجمع منفعة، وهي من صيغة منتهى الجموع؛ ولهذا قال: مَنَافِعُولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة.

فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: مَنَافِعُ لِلنَّاسِبهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يقبل الناس عليهما؛ لأن الإثم ذكره مفردًا وإن كان قد وصف بالكبر أو بالكثرة لكن المنافع ذكرت بالجمع؟

قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأنه لو كان منفعة واحدة قلنا: ممكن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت، فإن الإثم أكبر وأعظم؛ ولهذا قال: َإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا، وإن كان هناك منافع كثيرة، ما هذه المنافع؟

من المنافع في الخمر: الطَّرب والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره

ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام.

ومنها: أنه يتَّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا.

وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون؟ يفرح؟

طالب: نعم.

الشيخ: يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار، فكسب مليون ريال، يروح يشتري فيلا، يأخذ له السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، ففيهما منافع.

وتأمل قوله: َمَنَافِعُ لِلنَّاسِولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع ماديَّة بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس.

وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِأين خبر المبتدأ في قوله: مَنَافِعُ لِلنَّاسِ؟

طالب: فِيهِمَا.

الشيخ: محذوف تقول؟

الطالب: لا، فِيهِمَا.

الشيخ: وين؟

الطالب: المقدم.

الشيخ: فِيهِمَاالمقدم؟ ما هي فِيهِمَاخبر لقوله: إِثْمٌ؟

طالب: معطوف.

الشيخ: معطوف صح، فأنت إذا قلت: زيدٌ وعمرٌو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيدٌ وعمرٌو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيدٌ وعمرٌو، فإن (في البيت) خبر لهما. فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُالخبر؟ فِيهِمَامُقدَّم.

قال الله تعالى: وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاإِثْمُهُمَايعني: ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر -في الغالب- أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم؟ فلهذا قال: الإثم أكبر؛ لسببين:

السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا.

والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال، تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني؟

وقوله: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاحتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد وأبلغ.

وتأمل قوله: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَالما قال: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِالآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بين الله عز وجل الراجح فقال: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا، حينئذٍ تبين أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع؛ ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟

ولكن هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل، ماذا يرجح؟

طالب: المنافع.

الشيخ: لا، ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم.

قال: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَسؤالان في آية واحدة وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ، السؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال، فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل اللهَ شيئًا أعطاه، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال.

أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، ويش تقول؟ تقول: سألته عن كذا.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِيَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف: ١٨٧]، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى للثاني بـ(عن). وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ.

والفرق بين تعديه إلى جملة استفهامية وتعديه إلى المفعول الثاني بحرف الجر: أنه إذا عدي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بعن فقد تكون هي لفظ السائل بعينه وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام، فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَيعني يقولون: ماذا ينفقون؟ عرفتم؟

وقوله: مَاذَا يُنْفِقُونَتقدم لنا نظيرٌ لهذا التركيب، وبينا أنه يجوز فيه وجهان:

أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدما لأيش؟ لكلمة: يُنْفِقُونَ.

والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ(ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟

إذن في إعرابها وجهان:

الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لـلينفقون، وحينئذٍ هل يحتاج يُنْفِقُونَإلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم، ما يحتاج إلى ضمير.

والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة يُنْفِقُونَصلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟

وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَوقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ [البقرة: ٢١٥].

قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَقُلِ الْعَفْوَالْعَفْوَفيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذين ينفقونه؟ الجواب: العفوُ، يعني: هو العفوُ. وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون: الْعَفْوَيعني: قل: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ.

وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فسرت بكلمة (العفو) ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول: ما الذي يُنفق؟ أجب؟ العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها، فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت مَاذَافانصب الْعَفْوَ، وإن رفعت مَاذَافارفع الْعَفْوُ.

وقوله: الْعَفْوُلا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو: الزائد الفاضل، يعني: أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم؛ وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا، كما في قوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا [البقرة: ١٠٩]، وقوله: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، ويراد به الزيادة والفضل، كما في قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف: ١٩٩]، يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى» ، المراد بالعفو ما هو أو بالإعفاء؟ الزيادة.

فقوله: قُلِ الْعَفْوَأي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول.

فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع، هذا خلاف الحكمة وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك: أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على أنفسهم وأهليهم لا أجر فيه، وليس صدقة، ولكن هذا جهل منهم، فإن إنفاقك على نفسك وعلى أهلك صدقة، وإذا كان صدقة، فإن بذل مالك في الأقارب أولى من بذله في الأباعد.

قال الله تعالى: قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَكَذَلِكَإعرابها؟

طالب: (...).

الشيخ: (...)؛ أي: يبين الله لكم تبيينًا مثل ذلك البيان، قوله: ذلكالمشار إليه ما هو؟ المشار إليه ما سبق من بيان حكم الخمر والميسر، وبيان ما ينفق، فقد بين الله تعالى غاية البيان.

فإن قلت: كيف بينه الله عز وجل وهو ليس فيه تفصيل؟ يعني ما فصل الله المنافع، ولا فصل الإثم؟ فيقال في الجواب عن ذلك: إن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن الإثم كثير أو كبير، وهذا بيان، فكلما ازداد الإنسان من شربه، ازداد إثمًا، وهذا بيان، والمنافع أيضًا أجملها الله عز وجل؛ لأن تعدادها لا فائدةَ فيه، وربما يكون في تعدادها إغراء لذوي النظر القصير، وكذلك قوله: قُلِ الْعَفْوَبيِّن واضح ما فيه إشكال، أي: ما زاد على حاجتكم وضرورتكم وليس فيه إشكال.

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِيُبَيِّنُ: يظهر، بَيَّنْتُهُ فَتَبَيَّنَ، يعني: ظهر، ومنه قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة: ١٨٧]، يَتَبَيَّنَبمعنى: يظهر، فمعنى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِأي: يظهرها حتى تكون واضحة جلية.

والْآيَاتِجمع آية، وقد مر علينا كثيرًا أن الآيات تنقسم إلى قسمين؟

طالب: شرعية وقدرية.

الشيخ: نعم، شرعية وقدرية ما فيه تعبير ثانٍ غير القدرية؟

الطالب: كونية.

الشيخ: كونية، الآيات الشرعية ما هي؟

طالب: هي المخلوقات.

الشيخ: الآيات الشرعية هي المخلوقات؟!

الطالب: الآيات الشرعية التي في الكتب.

الشيخ: (...) بيَّنها، لا الآيات الكونية ولا الآيات الشرعية، بيَّنها بيانًا تامًّا، لكن الآيات الشرعية بينها الله تعالى بيانًا مفصلًا لحاجتنا إلى العبادة، فإننا محتاجون إلى العبادة إجمالًا وتفصيلًا؛ ولهذا جاءت الآيات الشرعية مفصلة، كما

قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه عِلْمًا ، وقال رجل لسلمان الفارسي: علَّمكم نبيكم حتى الخِراءة؟ قال: أجل، ثم قال: لقد نهانا أن نستقبل القبلة في غائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي برجيع أو عظم

.

إذن الآيات الشرعية مبينة مفصلة على وجه التفصيل لحاجتنا إليها، أما الآيات الكونية فإن التفصيل فيها يكون بالأجناس أو بالأنواع لا بالأفراد، تجد مثلًا مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ [فصلت: ٣٧] في أيش؟ ويش يدلنا عليه؟ لكن ابحث أنت تجد الشيء الكثير، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: ٢٢] على أي شيء هي آية؟ ابحث وتجد، وعلى هذا فقِس، فالآيات الكونية جعلها الله تعالى مجملة عامة ما بينها تفصيلًا؛ لأن الناس ليسوا بحاجة إليها على وجه التفصيل، وأيضًا فإنها آيات مشهودة محسوسة يمكنهم أن يعرفوا ما فيها على وجه التفصيل بقدر استطاعتهم.

وقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(لعل) هذه للتعليل، واسمها الكاف، وخبرها جملة: تَتَفَكَّرُونَ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَعندي هذه موقف، لكن نتفكر بماذا؟ أو في ماذا؟

قال: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَاواضح أن التفكر في الدنيا، لكن قوله: وَالْآخِرَةِهل الناس في يوم القيامة يتفكرون؟

الطلبة: (...).

الشيخ: إذن تتفكرون في الدنيا والآخرة في شؤونهما، وليس المعنى أن التفكر واقع في الآخرة، لا، إنما نتفكر في هذه الدنيا، في حياتنا، فيما يتعلق بشؤون الدنيا وشؤون الآخرة، وهذا مما يؤيد أن الآيات في قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِشامل للآيات الشرعية والآيات الكونية؛ لأن ما يتعلق بشأن الآخرة غالبه من الآيات الشرعية، وما يتعلق بأمر الدنيا غالبه من الآيات الكونية، يعني: يتفكر في شؤونهم.

وإذا تفكر الإنسان في الدنيا وجد أنها كما قال الله تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ، لماذا اختلط؟ لكثرته، وامتداده، امتد وتشابك، وكثر فتشابك، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَايعني: كمال زينتها، وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَاوأنه ما بقي إلا أن يجنوها ويستثمروها، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد: ٢٠].


(...) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىيَسْأَلُونَكَشوف كلها معطوفة بالواو، كأنها أسئلة متتابعة، سألوا أولًا عن الخمر والميسر، ثم سألوا ماذا ينفقون، وجه الارتباط بين السؤالين واضح جدًّا؛ لأن في الخمر والميسر إتلاف المال بدون فائدة، وفي الإنفاق إتلاف المال بفائدة. ثم قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى؛ لأنك إذا عرفت السبب عرفت وجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىاليتامى جمع يتيم، وهو: الذي مات أبوه ولم يبلغ، مشتق من: اليُتْم، وهو الانفراد، واليتيم بما أن أباه قد توفي يحتاج إلى عناية ورعاية أكثر؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم جاءت الوصاية بهم كثيرًا، فقوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىسبب ذلك: أن الله عز وجل لما أنزل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء: ١٠]، وأنزل وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢] آيتين، أشكل على الصحابة رضي الله عنهم فصاروا يجعلون طعام الأيتام على حدة، وطعامهم هم على حدة، بمعنى أنه إذا طبخ لليتيم طبخًا جعله له وحده، هذا الطبخ إما أن يفسد ولا يصلح للأكل، وإما أن يصلح للأكل لكن ليس على وجه أكمل، فتحرجوا من ذلك، وشق عليهم أن يجعلوا لليتامى طعامًا على حدة ولهم طعام على حدة، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم مع طعام اليتامى، والله عز وجل يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك فأجابهم الله عز وجل بجواب في غاية ما يكون من البلاغة والاختصار والوضوح، فقال: قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وكلمة إِصْلَاحٌتعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون، سواء كان ذلك في التربية أو في المال، وسواء كان ذلك بالإيجاب أو بالسلب، أي شيء يكون إصلاحًا لهم فهو خير.

وكلمة: (خير) هل هي تفضيل مطلق أو تفضيل مقيد؟ بمعنى: هل التقدير: إصلاحٌ لهم خيرٌ من الإفساد أو أنه خيرية مطلقة؟ الجواب: خيرية مطلقة، الإصلاح خير من كل شيء، وهذا نظير قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]، هذه الجملة في شمولها وعمومها ووضوحها كالجملة الثانية.

وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْهذه الجملة الثانية مما تضمنه الجواب، لأني قلت قبل: إن الجواب تضمن جملتين؟ إحداهما: قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، والثانية: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْيعني: إن خالطتموهم في الأكل والشرب وجعلتم طعامهم مع طعامكم، فإنهم ليسوا أجانب منكم، بل هم إخوانكم في الدين أو في النسب؟

الطلبة: في الدين.

الشيخ: في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، قد يكون الأخ الصغير قد مات أبوه وهو أخوك، فيكون أخًا لك في الدين وفي النسب، وقد يكون اليتيم من أبناء عمك وهو مؤمن فيكون أخًا لك؟

طالب: في الدين والنسب.

الشيخ: في الدين، وقد يكون أخًا لك، لكنه ليس بمؤمن، فيكون أخًا لك في النسب.

المهم أنهم إخوان لنا، سواء في الدين، أو في النسب، أو فيهما جميعًا، ومعلوم أن مخالطة الأخ لأخيه أمر لا يستنكف منه ولا يخشى منه، فإذا شعرتم وأنتم تخالطونهم بأنهم إخوانكم، فإنكم سوف تحرصون على أن لا تخالطوهم إلا على وجه فيه مصلحة لهم؛ ولهذا قال: فَإِخْوَانُكُمْ، ومعروف أن الأخ يحنو على أخيه.

بهذا ارتفع الحرج، وتأمل أن الله عز وجل بدأ بالإصلاح قبل المخالطة، كأنه يفيد أنه إذا لم يكن في المخالطة إصلاح فالأفضل؟

طالب: عدم المخالطة.

الشيخ: عدم المخالطة، وإن كان فهي إصلاح فهي خير وهم إخوان لكم، لا يمكن أن تضروهم بشيء. إذن يجوز الآن المخالطة ولَّا لا؟

يجوز، تفهم من قوله: فَإِخْوَانُكُمْ، كأنكم صنوا أصل واحد، ولكن لا بد من أن يكون في ذلك إصلاح.

طالب: شيخ، كيف يكون في أنفسهم حرج (...)؟

الشيخ: (...) وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِقوله: يَعْلَمُالعلم هنا علمُ معرفةٍ؛ لأنه لم ينصب إلا مفعولًا واحدًا، فقد قال ابن مالك:

لِعِلْمِ عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَـهْ

تَــعْــدِيَــــةٌ لِــوَاحِــــدٍ مُــلْــتَــزَمَــهْ

يعني: يعرف سبحانه وتعالى، يعلم علم معرفة المفسدَ من المصلح في هذا وفي غيره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وقوله: يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِلم يقل: يعلم المفسد والمصلح، بل قال: الْمُفْسِدَ مِنَ، كأنه ضمن العلم معنى التمييز، يعني: يعلمه فيميز بين هذا وهذا، ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضًا في الثواب والجزاء.

وقوله: يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِيشمل الإفساد الديني والدنيوي، والإصلاح الديني والدنيوي، عرفتم؟ ولَّا بس في أمور الدنيا فقط؟ في أمور الدين والدنيا، فهو يعلم عز وجل المفسد من الإنسان المصلح، وكلمة (مُفسد) و(مُصلح) هل تعني الذي فعلًا أفسد أو تشمل حتى من نوى الإفساد والإصلاح؟ حتى من نوى، فمن كانت نيته الإفساد، فإن الله عالم به، وقد لا يحصل له مقصوده، قد يكون إنسانًا مفسدًا يحب إفساد الخلق ولا يتسنى له ذلك، وقد يكون كذلك مصلحًا، ولكن يحال بينه وبين إصلاحه، ولكن من علم الله من نيته هذا أو هذا، فإنه يجازيه بما يستحق.

وهل يشمل هذا المفسد من المصلح في شؤون اليتامى؟ يشمل، معلوم؛ لأن الأصوليين يقولون: إن مسألة السبب نصٌّ في المراد، يعني أنها قطعية الدخول، فإذا قلنا: يعلم المفسد من المصلح في جميع الشؤون، فإن أول ما يدخل في ذلك ما هي؟ الإصلاح والإفساد في اليتامى؛ لأنها هي السبب، وما كان سببًا فهو قطعي الدخول في العموم.

قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(لو) شرطية، شرطها قوله: شَاءَ اللَّهُ، وجوابها؟

طالب: لَأَعْنَتَكُمْ.

الشيخ: لَأَعْنَتَكُمْ، وهل اللام في جواب (لو) واجبة أو غالبة؟

طالب: غالبة.

الشيخ: غالبة، ومن حذفها قوله تعالى: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا [الواقعة: ٧٠]، والأكثر وجود اللام في جوابها.

لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْأي: لشق عليكم، بماذا؟ شق عليكم بأمرين في مسألة اليتامى:

أحدهما: أن تجعلوا طعامهم وشرابهم على حدة.

الثاني: أن تقدروا ذلك الطعام والشراب بحيث لا يبقى شيء يكون عرضة للتلف والفساد، وهذا شيء شاق على الناس، ولكن الله عز وجل برحمته نفى ذلك.

والعنت قلت: إنه بمعنى المشقة، ومنه قوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء: ٢٥] ويش معنى العنت؟ أي: المشقة.

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌهذه الجملة تعليل لما سبق، ولكن هل هو تعليل لما سبق في الآية الأخيرة وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىإلى آخره، أو حتى لما سبق من قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ؛ لأن هذه الآيات كلها معطوف بعضها على بعض؟ يحتمل هذا وهذا، لكن لو أخذنا بالعموم لم يكن فيه مانع.

و(العزيز) تقدم لنا أنه من أسماء الله عز وجل، وأن له ثلاثة معانٍ وهي:

طالب: القدر.

الشيخ: القَدَر ولا القَدْري؟ ما الفرق بينهما؟

الطالب: القَدْر.

الشيخ: القَدْر بالسكون، نعم.

الطالب: القهر.

الشيخ: عزة قدر، وعزة قهر، وعزة امتناع، عزة القَدْر: أي لا يُدانيه أحد في علو شأنه. عزة القهر: لا يغلبه أحد بل هو الغالب. عزة الامتناع: أي يمتنع عليه كل نقص وعيب، فهو عزيزٌ لا يعتريه النقص، عزيزٌ لا يعتريه الذل، بل هو الغالب القاهر سبحانه وتعالى، عزيزٌ يعني أنه ذو قدر عالٍ وشأن رفيع.

أما (الحكيم) فقد تقدم لنا أنه مشتق من الحُكْم والحِكْمة، وأن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وأن الحِكمة نوعان: غائية، وصورية، يعني: كون الشيء على هذه الصورة هذه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فإذا ضربت اثنين في اثنين تكون أربعة: حكمة في القَدَر، صورته وغايته، حكمة في الشرع، صورته وغايته.

وجه المناسبة لختم الآية الكريمة بالعزة والحكمة أنه سبحانه وتعالى له الحكم لو شاء لأعنتنا؛ لأنه عزيز وهو صاحب السلطان؛ ولأنه حكيم فهو صاحب الحكم أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧]، ولكن مع كونه جل وعلا عزيزًا حكيمًا فهو عفوٌّ رحيم؛ ولهذا لطف بعباده في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨].

ثم قال تعالى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّالنكاح في الأصل: الضم والجمع، ومنه قول الشاعر:

أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا

عَمْرَكَ اللَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ

أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا

......................

يعني: أيها المريد أن تجمع بين الثريا وسهيل..