تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٥٤

درس صوتي · ٩٣:٢٨

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

ما قال الله: أولئك لهم رحمة الله كما في آية أخرى، إنما قال: يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِلأنهم لا يغترّون بأعمالهم، ولا يدلون بها على الله، وإنما يفعلونها وهم راجون، لا أنهم معتمدون عليها متيقنون لثوابها. وقوله: أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِهل المراد هنا بالرحمة الرحمة التي هي صفته؟ أو المراد بالرحمة ما كان من آثار رحمة الله وهو الثواب؟ طلبة: يحتمل المعنيين. الشيخ: يحتمل المعنيين، يحتمل: أولئك يرجون أن يرحمهم الله، وعلى هذا فيكون يَرْجُونَأيش؟ الصفة ولَّا الثواب؟ الصفة، يرجون أن يرحمهم، أما احتمال أن تكون رحمة الله؛ أي: ما كان من آثار رحمته، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال في الجنة، بل قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» ، فجعل المفعول المخلوق جعله رحمة له؛ لأنه من آثار رحمة الله؛ ولهذا قال: «أَرْحَمُ بِكِ» جعلها كالآلة، أما الرحمة التي هي وصفه فهي شيء آخر؛ فالآية محتملة للمعنيين، وكلاهما متلازمان؛ لأن الله إذا رحم عبدًا يدخله في أي مكان؟ في جنته التي رحمته. قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌشوف مع ذلك، الله غفور، تقول: قد يقول قائل: ما محل ذكر اسم الله (الغفور) هنا مع أن هؤلاء قاموا بأعمال صالحة؟ الجواب: أن القائم بالأعمال الصالحة قد يحصل منه شيء من التفريط، ولهذا نحن إذا سلّمنا من الصلاة ونحن نناجي الله في صلاتنا ماذا نقول أول ما نسلم؟ أستغفر الله، الإنسان ما يخلو، وقال تعالى: لما ذكر الدفع من عرفة قال: اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ.

الشاهد أنه هنا ذكر اسم الغفور؛ لأن هذه الأعمال الجليلة وإن قام بها الإنسان قد يحصل منه تقصير؛ فلهذا قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ، أما رَحِيمٌفواضح مناسبتها؛ لأن كل هذه الأعمال اللي عملوا من آثار رحمته، فلله سبحانه وتعالى على العامل عملًا صالحًا لله عليه ثلاث نِعم عظيمة: النعمة الأولى: أنه بيّن له العمل الصالح من العمل غير الصالح ولَّا لا؟ بأي وسيلة بينها؟ بما أنزله من الوحي على رسله، ما ظنك لو أن الناس بقوا عميًا ما يعرفون؟ فهذه نعمة من الله عز وجل أن الله تعالى أرسل إليك الرسل، بل هي أعظم النعم يبيّنون لك. ثانيًا: نعمة ثانية عظيمة أن هداك لها؛ لأن الله تعالى أضل أممًا عن الإسلام، أضل أناسًا أقوى منك زكاء، وأمضى منك عزيمة، أضلّهم عن الإسلام، وأنت هداك الله عز وجل، هذه نعمة عظيمة. ثالثًا: أن الله رتّب على ما أنعم به عليك من الهداية، رتّب لك الثواب الجزيل، ولهذا كل هذا من مقتضى رحمته سبحانه وتعالى، ومع هذا فالله عز وجل الذي أنعم علينا بهذه النعم يقول: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] سبحان الله! أنت المحسن علينا أولًا وآخرًا، ثم تقول: ما جزاء إحسانكم إلا أن أحسن إليكم؟! هل جزاء الإحسان (العمل) إلا الإحسان (الثواب)؟ وهذا مما يدل على كمال رحمة الله عز وجل بالخلق أنه ينعم، ثم يشكر المنعَم عليه. إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢] سبحان الله، ما أعظم الله عز وجل! يُنعم ويثيب، ينعم بالهداية، بل ينعم بالبيان، ثم بالهداية، ثم بالثواب. ثم يقول: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢]، الله أكبر! كل هذه من مقتضيات رحمته جل وعلا؛ الإيمان والهجرة والجهاد، كلها من مقتضى رحمته، لولا رحمة الله ما حصل هذا لمن آمن وهاجر وجاهد.

(...) أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِجملة مستقلة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَجملة مستقلة مبتدأ وخبر.

طالب: يعني ما بينهما ارتباط؟ الشيخ: لا، يعني الارتباط أن هذه مبنية على هذه فقط. طالب: يعني ما فيه علاقة؟ الشيخ: لا، عربيةً لا. قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ. من فوائد الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو مرجع الصحابة في العلم لقوله: يَسْأَلُونَكَ. ومن فوائدها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم كل الأحكام، بل لا يعلم إلا ما علمه الله، ولهذا أجاب الله عن هذا السؤال: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ. ومن فوائد الآية الكريمة: اهتمام الصحابة رضي الله عنهم لما يقع منهم من المخالفة، وأنهم يندمون، ويسألون عن حالهم في هذه المخالفة لقوله: يَسْأَلُونَكَلأنهم سألوا الرسول لما قاتلوا وصار الكفار يعيبونهم، صاروا يسألون. ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال في الشهر الحرام من كبائر الذنوب لقوله: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌوهذه الآية الكريمة اختلف فيها أهل العلم هل هي منسوخة أو محكمة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها منسوخة، وأن القتال في الأشهر الحرم كان محرمًا ثم نسخ، ولكن القول الثاني أن الآية محكمة، وأن القتال في الأشهر الحرم ليس جائزًا، بل إنه محرم، دليل القائلين بأنه منسوخ قوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣] وما أشبه ذلك من العمومات الدالة على وجوب قتال الكفار، ومن أدلتهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاتل ثقيفًا متى؟ في ذي القعدة في شهر المحرم. ومنها: أن غزوة تبوك متى كانت؟ في محرم ولَّا في رجب؟ في رجب وهو شهر حرام، ولكن الذي يظهر لي أن القتال في الأشهر الحرم باقٍ، وأن الآية محكمة، ويجاب عن أدلة القائلين بالنسخ بأن الآيات العامة كغيرها من النصوص العامة التي تخصص ولَّا لا؟ اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] جَاهِدِ الْكُفَّارَ [التوبة: ٧٣] عام يخصص بقوله تعالى: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٧]، وأما قتال الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه أجيب عنه بأن هذا ليس قتال ابتداء، وإنما هو قتال مدافعة، وقتال المدافعة لا بأس به حتى في هذه الأشهر الحرم، إذا قاتلونا نقاتلهم، فإن ثقيفًا كانوا تجمّعوا للرسول عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام ليغزوهم، وكذلك الروم في غزوة تبوك تجمّعوا له فخرج إليهم ليدافعهم، فالصواب في هذه المسألة أن الآية محكمة، وأنه لا يجوز ابتداء الكفار بالقتال، لكن إن اعتدوا علينا نقاتلهم حتى في الشهر الحرام. ويستفاد من الآية الكريمة : عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِأن الأشهر قسمان: أشهر حرم، وأشهر غير حرم. يتفرع على هذه الفائدة: أن الله عز وجل يختص من خلقه ما شاء، فهناك أماكن محترمة وأماكن غير محترمة، وأزمنة محترمة وأزمنة غير محترمة، ولَّا لا؟ وهنالك رسل وهناك مرسَل إليه، وهناك صِديقون، وهناك من دونهم، والله عز وجل كما يفاضل بين البشر يفاضل بين الأزمنة والأمكنة. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: صغائر، وكبائر، وهل الكبائر على مستوى واحد والصغائر على مستوى واحد؟ لا، درجات، ولهذا سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أكبر الكبائر؛ أكبر الكبائر، دل هذا على أن الكبائر فيها أكبر وفيها أصغر من الأكبر وإلا كلها كبائر؛ فالإشراك بالله أكبر الكبائر، وهو شرك مخرج عن الملة، عقوق الوالدين من أكبر الكبائر لكن ما يخرج من الملة، شهادة الزور من أكبر الكبائر لكن لا تخرج عن الملة، قتل النفس كذلك، إذن الكبائر درجات، والصغائر كذلك، لكن ما هو حد الكبائر؟ حد الكبائر: اختلف فيه أقوال الناس؛ فمنهم من قال: إن الكبائر معدودة، وذهب يتتبع كل نص قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام إن هذا من الكبائر، وعدَّها سردًا، ومنهم من قال: إن الكبائر محدودة، وأيش معنى محدودة؟ يعني أن لها حدًّا، ما هي معيّنة هذه وهذه وهذه، لا، محدودة، حِدة، ويدخل في هذا الحد شيء كثير، ثم اختلفوا في الحد بماذا نحد الكبائر؟

قال بعضهم: كل ذنب لُعن فاعله هو كبيرة. وقال بعضهم: كل ذنب فيه حد في الدنيا فهو كبيرة. وقال بعضهم: كل ما فيه وعيد في الآخرة فهو كبيرة، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال في بعض كلام له: إن الكبيرة كل ما رُتّب عليه عقوبة خاصة. الذنوب إذا قيل: لا تفعل كذا، أو حُرّم عليك كذا، أو ما أشبه ذلك بدون أن يجعل عقوبة خاصة لهذا الذنب فهو صغيرة، أما إذا رُتّب عليه عقوبة، أي عقوبة كانت فإنه يكون من الكبائر، فالغش مثلًا كبيرة ولَّا لا؟ طلبة: كبيرة. الشيخ: لأنه رُتب عليه عقوبة خاصة وهي البراءة منه: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» كذا؟ كون الإنسان لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» .

كون الإنسان لا يكرم جاره كبيرة «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» ، وكونه يعتدي على جاره أيضًا أكبر، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» . هذا الحد في الحقيقة حد معقول؛ لأنك لا تستطيع أن تفرق بين ما رُتّب عليه حد في الدنيا كالزنا والسرقة، وما رُتّب عليه وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان أو غضب، أو لعنة أو ما أشبه ذلك، ولكن مع هذا لا نقول: إن هذه الكبائر سواء، بل من الكبائر ما يقرب أن يكون من الصغائر على حسب ما رُتّب عليه من العقوبة، فالذين يحاربون الله ورسوله ليسوا كالذين يسرقون فقط، ولهذا جزاء الذين يحاربون الله ورسوله أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ [المائدة: ٣٣] وهذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله في حد الكبيرة هو أقرب ما يكون، وأطرد ما يكون؛ يعني مطرد.

ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِإلى أن قال: أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. طالب: عند الله. الشيخ: إي نعم، أخيرًا: الفتنة أكبر من القتل. يتفرع على هذه الفائدة: أن من أعظم الذنوب أن يصد الإنسان عن الحق، تجي لشخص تجده مثلًا متعبدًا طالب علم، تقول له: وأيش تبغي بهذا، وأيش تبغي مثلًا بالمطالعة، وأيش تبغي بطلب العلم؟! راحوا الناس الآن تقدموا، يقول: وصلنا القمر، وصلنا الفضاء، وما أشبه ذلك، هذا الذي يفعل مثل هذا يكون صادًّا عن سبيل الله؟ نعم، يكون صادًّا عن سبيل الله، فكل من ثبط عن الخير فإنه صادّ عن سبيل الله، ولكن هذا الصد يختلف اختلاف ما صد عنه، من صد عن الإيمان فهو أعظم شيء مثل ما فعل مشركو قريش، ومن صد عن شيء أقل كمن صد عن تطوع مثلًا فإنه أخف، لكن لا شك أن هذا جرم، النهي عن المعروف جرم بلا شك، وصد عن سبيل الله. ومن فوائد الآية: أن الكفر بالله أعظم من القتل في الشهر الحرام أو لا؟ لقوله: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِإلى آخره. ويستفاد من الآية: عِظم الصد عن المسجد الحرام، فهل يستفاد منه أنه لا يجوز أن يمنع الناس من الحج ولَّا لا؟ يستفاد منه: أنه لا يجوز منع الناس من الحج، لكن لو قال ولي الأمر: أنا لا أمنعهم، لكنني أنظمهم؛ لأن الناس يقتل بعضهم بعضًا لو اجتمعوا جميعًا، فهل نقول: إن هذا من باب السياسة الجائزة، كمنع الرسول عليه الصلاة والسلام من لا يصلح للجهاد من الجهاد، أو نقول: إن في هذا نظرًا؟ طلبة: الأول. طالب: مثل قولنا يا شيخ (...) قولنا تنظيمًا يجوز. الشيخ: على كل حال المسألة هذه؛ يعني تحتاج إلى نظر بعيد، وهل إن مراعاة المصالح بالنسبة للعموم تقضي على مراعاة المصالح بالنسبة للخصوص أو لا؟ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَنستفيد فوائد: فمن فوائدها: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ حيث سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكم من سؤال وقع على الصحابة رضي الله عنهم بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام أكثر من اثنتي عشرة مرة. ويستفاد منها: أنه من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه، منين يؤخذ؟ من قوله: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِفإنهم ما سألوا عن الذي ينفق عليه إنما سألوا: ماذا ينفقون فأجيبوا بما ينفق عليه. وهل أجيبوا عن السؤال؟ طالب: إي نعم. الشيخ: أين؟

طالب: مِنْ خَيْرٍ. الشيخ: مِنْ خَيْرٍنعم. ويستفاد من الآية الكريمة: فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين، وأنه مقدم على الفقراء والمساكين، وجه ذلك؟ أن الله بدأ به فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِولا يُبدأ إلا بالأهم فالأهم.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن لليتامى حقًّا في الإنفاق وإن كانوا أغنياء، وجهه: أنه خصهم، ثم أتى بعدهم بقوله: وَالْمَسَاكِينِ، فإن كانوا يتامى ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة، وإذا كانوا أقارب؛ أقارب ويتامى ومساكين؟ ثلاث استحقاقات، وإذا كانوا أبناء سبيل أيضًا؟ أربعة؟ يمكن اليتيم يصير ابن سبيل؟

طلبة: نعم. الشيخ: يمكن يسافر به. ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. ويستفاد منها أيضًا: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقًا ماليًّا، أو عملًا بدنيًّا، أو تعليم علم، أو جهادًا في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله تعالى يعلمه، وسيجازي عليه لقوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍفإن مِنْ خَيْرٍنكرة في سياق الشرط ما تفعلوا فتكون للعموم، متى تكون النكرة للعموم؟ إذا كانت في سياق النفي، وأيش بعد؟ أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [مريم: ٩٨] في هذه الأربعة تكون للعموم، أما في مقام الإثبات، كما لو قلت: اضرب رجلًا، فهي للإطلاق وليست للعموم. ما الفرق بين الإطلاق وبين العموم؟ الفرق: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي، كلام باللغة غير العربية، واضح؟ طالب: بالعربية. الشيخ: بالعربية لكن غير مفهوم؛ أقول: الفرق بين الإطلاق والعموم: أن الإطلاق عمومه بدلي، والعموم عمومه شمولي واضح؟ التفصيل؛ عمومه بدلي بمعنى: أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل؛ يعني: واحد منها يكفي عن الجميع، هذا المعنى، عمومه بدلي أنه يشمل جميع الأفراد على سبيل البدل أي: أن واحدًا منها يكفي عن الجميع، وأما العام فعمومه شمولي بمعنى أنه يتناول جميع الأفراد على سبيل التعيين ما هو على سبيل البدل، فإذا قلت مثلًا: أكرم الطلبة. طالب: الكل. الشيخ: يشمل الجميع، لازم كلهم تكرمهم، إذا قلت: أكرم طالبًا، يكفي واحد، لكن ما هو على سبيل التعيين، على سبيل البدل ولَّا لا؟ إذا أكرمت أول واحد أو آخر واحد أو من بينهما كفى. فهمتم؟ النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، فإذا قلت: أعتق رقبة، أيّ رقبة تعتقها كفى، وإذا قلت: لا تعتق رقبة، فإنك لا تعتق أي رقبة من الرقاب. تمام؟ ويستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يحقر من المعروف شيئًا لقوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌلا تحقرن شيئًا من المعروف، لا تقل: والله هذا شوي، هذا قليل، هذا بسيط «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» .

ثم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْإلى آخره. يستفاد من الآية الكريمة: فرضية الجهاد لقوله: كُتِبَبمعنى (فُرض). ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان إذا كره الشيء المكتوب عليه، لا كراهة من حيث أمر الشارع به، ولكن من حيث طبيعته لقوله: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْلكن من حيث أمر الشارع به وأيش الواجب؟ الواجب الرضا وانشراح الصدر به. ويستفاد من الآية الكريمة: أن البشر لا يعلمون الغيب وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ. ويستفاد من الآية: أن الله عز وجل قد يحكم حكمًا شرعيًّا أو كونيًّا على العبد بما يكره وهو خير له، قد يصاب الإنسان بمصيبة وتكون خيرًا له، افرض مثلًا أنك مسافر وحصل على السيارة عطل، تكره هذا ولَّا تحبه؟ تكرهه، لكن تبين لك أن أمامك بنحو أميال قُطّاع الطريق لصار هذا التعطل صار خيرًا لك ما تدري، فقد يقدّر الله الشيء على الإنسان وهو يكرهه ويكون خيرًا له، ولهذا لا ينبغي أن تكرهه. ويستفاد من الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل لقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُلكن من أين نأخذ العموم؟ طالب: من (لا) النافية يا شيخ. الشيخ: لا، كيف نأخذ العموم؟ طالب: من الفعل المضارع. الشيخ: الفعل المضارع ما يدل على العموم، حذف المعمول يفيد العموم، هذه القاعدة مرت علينا من قبل، حذف المعمول يفيد العموم أو لا؟ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: ٦ - ٨] كلها محذوفة المفاعيل، (آواك)، وآوى بك أيضًا. وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىهداك أنت ولَّا هدى بك أيضًا؟ هداك وهدى بك. وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىلو قال: فأعناك ما استفدنا أن غيره أغناه الله به أيضًا، بل أغناه وأغنى به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» . إذن نأخذ العموم من قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ، وأيش طريق العلم به؟ حذف المفعول إي نعم، فإن حذف المفعول يدل على العموم. ويستفاد من الآية الكريمة: ضعف الإنسان لقوله: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَفالأصل في الإنسان عدم العلم، ولهذا قال الله تعالى لرسوله ممتنًّا عليه: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: ١١٣] فالأصل في الإنسان أنه لا يعلم وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨]. ثم قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌإلى آخره، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِنأخذ منها ما سبق من حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال والعلم، ولهذا يقال: إن مفتاح العلم السؤال. ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم القتال في الأشهر الحرم، من أين تؤخذ؟ من قوله: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌيعني من كبائر الذنوب، والأشهر الحرم أربعة، وأظنها معروفة لكم. ويستفاد من الآية الكريمة: تقديم ما يفيد العِلّية لقوله: عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِوالمسؤول عنه هو القتال في الشهر الحرام، لكنه قدم الشهر؛ لأنه العلة في تحريم القتال، يعني: ما شأن القتال فيه؟ ويستفاد من الآية الكريمة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم من أحكام الله إلا ما علمه الله. طالب: يسألون. الشيخ: لا، الجواب، من جواب الله له: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌكذا؟ ينبني على هذه المسألة: هل للرسول عليه الصلاة والسلام أن يجتهد أم لا؟ الجواب: نعم، له أن يجتهد، ثم إذا اجتهد فأقره الله، صار اجتهاده بمنزلة الوحي، كما أن الرسول لو أقر أحدًا من الصحابة على شيء صار فعل هذا الصحابي بمنزلة السنة، عرفتم؟ فإن لم يقره الله عليه تبين أن الاجتهاد ليس بصواب، كقوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣]. طالب: فضيلة الشيخ، ما يجمع بينها وبين قول الله: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم: ٣]؟

الشيخ: إيه وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىأكثر المفسرين على أن المراد بالقرآن إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىيعني: أن القرآن وحي من الله. طالب: شيخ، فعل النصراني (...) النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك (...) القاعدة؟ الشيخ: لا، إحنا ذكرنا أنه لا يلزم من إقرار الرسول عليه الصلاة والسلام على الشيء أن يكون سنة مشروعة، لكن أن يكون جائزًا، الرسول أقره بمعنى أنه ليس بمحرم، لكنه ليس بسنة، ولهذا لم يكن الرسول يفعله عليه الصلاة والسلام، وذكرنا لذلك بعض النظائر أيضًا، تحفظون منها شيئًا؟

طالب: مثل الصدقة على الميت (...). الشيخ: فهذا جائز وليس بمشروع، لا يشرع لكل إنسان مات له ميت أن يتصدق عنه. ويستفاد من الآية الكريمة: تفاوت الذنوب؛ أن الذنوب تتفاوت، منين؟ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌهذه أولًا تفيد أن الذنوب تتفاوت، وبتفاوت الذنوب يلزم من ذلك تفاوت الإيمان؛ لأنه كلما كان الذنب أعظم كان نقص الإيمان به أكبر، فيكون في ذلك ردّ على من أنكروا زيادة الإيمان ونقصان الإيمان، وللعلماء في ذلك ثلاثة آراء: منهم من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد وينقص، ومنهم من قال: إن الإيمان يزيد ولا ينقص، الذين قالوا: لا يزيد ولا ينقص هم طائفتان: المرجئة، والمعتزلة والخوارج؛ المرجئة لماذا قالوا: لا يزيد ولا ينقص؟ قالوا: لأن الإيمان هو التصديق بالقلب، والتصديق بالقلب لا يزيد ولا ينقص؛ لأن الأعمال عندهم لا تدخل في مسمى الإيمان، والمعتزلة والخوارج قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، وأنه إذا فُقد في واحدة من هذه الثلاثة فُقد منها الجميع، فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص، إما أن يبقى كله، وإما أن يعدم كله، واضح؟ وقال بعض أهل العلم: إن الإيمان يزيد ولا ينقص؛ لأن الله تعالى صرح في القرآن بأنه يزيد وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١] ولكن لم يأتِ في القرآن أن الإيمان ينقص، عرفتم؟ والصحيح أنه يزيد وينقص، وأنه يزيد وينقص باعتبار اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح، حتى باعتبار اعتقاد القلب يزيد وينقص، أليس إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] يزيد ولَّا لا؟ يزيد، وأنت الآن عندما يخبرك رجل ثقة بأن فلانًا قدم إلى البلد تُصَدِّق، فإذا جاءك آخر ازداد تصديقك ولَّا لا؟ ازداد، فإذا جاء ثالث ازداد، فإذا جاء رابع ازداد، إذا وصل إلى حد التواتر أثبت العلم. فإذن التصديق بالقلب يزيد، حتى نفس الشخص يجد في بعض الأحيان في بعض الساعات يجد في قلبه إيمانًا راسخًا كأنما يشاهد العرش، وكأنما يرى الله عز وجل، كما قال الرسول: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» وأحيانًا يغفل ويهبط هبوطًا كاملًا، أو كثيرًا إيمانه، أما زيادة الإيمان باعتبار أقوال اللسان فحدّث ولا حرج، فالذي يسبح الله مئة مرة ليس كالذي يسبحه عشر مرات، أيهما أزيد؟ مئة مرة، وكما أنه يختلف بالكمية يختلف أيضًا بالكيفية، فالعبادة المبنية على الإخلاص، وتمام الاتباع ليست كالعبادة الناقصة في الإخلاص وتمام الاتباع، وكذلك في الجوارح، عمل الجوارح يختلف، فالذي يصلي أربع ركعات ليس كالذي يصلي ثماني ركعات، واضح؟ إذن يزيد ولَّا لا؟ يزيد بالاعتقاد، والقول، والعمل الفعل، والذين قالوا: يزيد ولا ينقص نقول لهم: سبحان الله! نرد عليهم من وجهين: أولًا: أن الرسول أثبت النقص فقال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» .

ثانيًا نقول: إذا ثبتت الزيادة ثبت النقص بالضرورة، وأيش معنى هذا زائد على هذا إلا أن الثاني ناقص عنه؟ فهما متلازمان متى ثبتت الزيادة ثبت النقص، ومتى ثبت النقص انتفت الزيادة. واضح؟ فالصواب إذن أنه يزيد وينقص باعتبار إقرار القلب ونطق اللسان وعمل الجوارح، وهذا أمر مسلّم، وهو معلوم بالضرورة من تفاوت الكبائر أو تفاوت الذنوب، ومن تفاوت الأعمال الصالحة أيضًا فإن تفاوت العمل يستلزم تفاوت العامل. طالب: شيخ، يصح أن نقول: إن العلماء من الخوارج والمعتزلة نقول: علماء؟ الشيخ: إيه علماء إيه. الطالب: ضلّال هم يا شيخ. الشيخ: علماء، لكنهم ما نقول عنهم: ضلال ولَّا ما هم ضلال، هذا شيء ثانٍ، لكن نقول: علماء، هم علماء الملة، شيخ الإسلام رحمه الله يقول في الفتوى الحموية : انقسم أهل القبلة في مسائل الصفات إلى ست فرق. وعد منهم الجهمية والمعطلة؛ لأنهم منتسبون للإسلام ويعدون من الفرق الإسلامية لكنها مخالفة.

طالب: يكفرون؟ الشيخ: لا شك أن بعض البدع كفر، لكن الشخص بعينه لا، يحتاج إلى أن تقوم عليه حجة. طالب: شيخ، في من يقول في (...): إيمان الملائكة لا يزيد ولا ينقص، إيمان الأنبياء يزيد ولا ينقص، وإيمان عوام الناس يزيد وينقص؟ الشيخ: هذا غلط، نحن نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص بقطع النظر عن المتصف به، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يفعلون بعض الأشياء التي يظلمون فيها أنفسهم: هذا آدم كما قال الله عز وجل عنه: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ [طه: ١٢١، ١٢٢] وهذا موسى قتل نفسًا بغير حق وأشياء كثيرة، ولكنهم يرجعون إلى الله عز وجل ويتوبون ويكونون بعد التوبة خيرًا منهم قبلها. طالب: إذن قوله يعني خطأ؟ الشيخ: إي نعم، خطأ. طالب: فالملائكة يا شيخنا، يفعلون الخير المحض؟ الشيخ: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]، إي نعم، ما نستطيع نقول شيئًا، ما نقول شيئًا. الطالب: نتوقف عنه؟ الشيخ: نتوقف عنه، ما نقول، نقول: الإيمان من حيث هو إيمان يزيد وينقص، أما باعتبار المؤمن نفسه فقد يكون بعض الناس يمن الله عليه ويزداد دائمًا في إيمانه وعمله الصالح، وقد يكون بعض الناس بالعكس دائمًا في نقص. طالب: إذن الأقوال ثلاثة؟ يزيد وينقص؟ الشيخ: على أقوال ثلاثة: يزيد وينقص، لا يزيد ولا ينقص، يزيد ولا ينقص. طالب: (...). الشيخ: هو أبو حنيفة رحمه الله من المرجئة، لكنه يدخل القول في مسمى الإيمان، يدخله. من فوائد الآية الكريمة: عظمة الصدّ عن سبيل الله لقوله: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِإلى آخره. والصد عن سبيل الله له طرق متعددة كثيرة غير محصورة، قد يكون بمنع الناس من فعل العبادات، وقد يكون بإشغالهم وإلهائهم عن فعل العبادات، وقد يكون في تحقير العبادات في أنفسهم، وقد يكون بإلقاء الشبهات في قلوب الناس حتى يشكوا في دينهم ويدَعوه، المهم أن طرق الصدّ سبيل الله عن دينه لا حصر له كثيرة جدًّا. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الكفر بالله أعظم من القتال في الشهر الحرام أو لا؟ ويستفاد من هذا: أن الصد عن المسجد الحرام أعظم من القتال في الشهر الحرام لقوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن إخراج أهل مكة منها أعظم من القتال في الشهر الحرام. ويستفاد من الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمؤمنين بما جرى من الكافرين مقابل فعل المؤمنين؛ حيث قاتلوا في الشهر الحرام، تسلية، من أين تؤخذ؟ (...) من يتصف بها؟ المشركون الذين انتقدوا على المسلمين قتلهم لهذا الرجل في الشهر الحرام؛ يعني أنتم إذا فعلتم هذا فقد فعلوا أكبر من ذلك، أربعة أمور؛ كل واحد منها أكبر من هذا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من كان أقوم بطاعة الله فهو أحق الناس بالمسجد الحرام في قوله: إِخْرَاجُ أَهْلِهِمع أن المشركين ساكنون في مكة لكن ليسوا أهلًا للمسجد الحرام كما قال الله تعالى في سورة الأنفال: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: ٣٤]. ويستفاد من ذلك: أن الفتنة أكبر من القتل؛ الفتنة أكبر من القتل، وأيش الفتنة؟ الشرك، الشرك أعظم، وقلنا: لكم فيما سبق أنها تشمل الشرك، وتشمل أيضًا فتْن الناس عن دينهم بأنواع الشبهات، أو بأنواع الشهوات. ويستفاد منها: التحذير من الفتنة لقوله: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِفإذا كانت أكبر فالواجب الحذر منها، وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا، ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في الفتنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الدجال: «مَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتْبَعَهُ» هذا هو الحديث أو معناه، المهم أن الإنسان لا يُعرّض نفسه للفتن، كم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» .

ويستفاد من الآية الكريمة: حرص المشركين على ارتداد المؤمنين وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْإلى هذا الحد، إلى القتال، لأجل أن يردونا عن ديننا، وإذا حصل لهم الرّدّة بدون قتال؟ طالب: أحب لهم. الشيخ: أحب لهم؟ أحب إليهم معلوم، إذا حصل أن المسلمين يرتدون بدون قتال فهو أحب إليهم، ولهذا كان الغزو الفكري والغزو الأخلاقي أعظم من الغزو السلاحي، ولَّا لا؟ لأن هذا يدخل على الأمة من حيث لا تشعر، وأما ذاك فهو صدام مسلّح، ينفر الناس منه بالطبيعة ما يمكنون أحدًا يقاتلهم، أما هذا فإنه -والعياذ بالله- سلاح فتّاك، ولهذا كم أفسد على الأمة؟! أصل الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية أصلها من مثل هذا، نعم بدعة الروافض، بدعة الخوارج وما أشبه ذلك وأيش أسبابها؟ هو هذا، يفسدون الفكر حتى يوقعوا الناس في القتال. ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الكافرين لقوله: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْوكلمة: لا يزال، أظن نفهم كلنا أنها تفيد الاستمرار، وأنه ليس في وقت دون وقت، لا يزالون يفعلون هذا حتى يردوكم عن دينكم. ويستفاد من الآية الكريمة: تيئيس الكافرين من أن يردوا المؤمنين كلهم عن الدين في قوله: إِنِ اسْتَطَاعُواولكن لن يستطيعوا حتى يأتي أمر الله فيكون في آخر الزمان تهب ريح تقبض نفس كل مؤمن حتى لا يبقى إلا شرار الخلق. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للأعمال لقوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ. ويستفاد منها: أنها لا تبطل العمل إلا إذا مات على الكفر لقوله: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ، وعلى هذا فنقول: لو أن أحدًا ارتد والعياذ بالله؛ ارتد عن الإسلام، بدأ ما يصلي، ترك الصلاة نهائيًّا، ثم هداه الله ورجع إلى الإسلام وصار يصلي، فهل أعماله السابقة ترجع ولَّا تذهب؟ ترجع؛ لأن الله عز وجل اشترط أن يموت وهو على كفره، طيب لو كان صحابيًّا هل ترجع صحبته؟ نعم، على الأصح، كما قال ابن حجر على الأصح ترجع، طيب لو كان قد حج، ثم عاد إلى الكفر، ثم عاد إلى الإسلام؟ يُلزم بأداء الحج؟ لا، يكفي الحج الأول. ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد مخلّد في النار لقوله: حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. ويستفاد من الآية الكريمة: أن المرتد لا يعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين لقوله: حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فلا يغسّل، ولا يكفّن، ولا يُصلّى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وهل يرث ويورث؟ فيه خلاف؟ أما كونه لا يرث فهذا الظاهر أنه بالإجماع، ولا أدري، لكن الظاهر، أما كونه يورث فقد اختار شيخ الإسلام أنه يرثه أقاربه المسلمون، ولكن الصحيح أنه لا توارث لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» . رجل عنده ملايين الدراهم ومئات العقارات، وآلاف السيارات، ولكنه ما يصلي ومات، وله أبناء وزوجات قلنا: ها المال هذا ما هو لكم، المال لبيت المال، هذه صعبة جدًّا، لكن مع ذلك فيها فائدة عظيمة؛ لأن بعض الناس قد يحمله كونه يتصور أن أولاده سيشرّدون بعده، ولا يكون لهم استحقاق في أمواله إلا بقدر ما يستحقون من بيت المال، ربما أن هذا الأمر يحمله على أن يرجع إلى الإسلام ويتوب، وإذا رجع إلى الإسلام وتاب تاب الله عليه وصار موروثًا. طالب: كذلك يحمل أهله على (...). الشيخ: ويحمل أهله أيضًا على أن يشددوا عليه في النصيحة. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الردة مبطلة للعمل أيًّا كان ذلك المرتد، سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو ممن بعدهم لقوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْوالخطاب أول ما يدخل فيه الصحابة فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْوقد ارتد أحد منهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن خطل، أسلم ثم ارتد والعياذ بالله، ولحق بمكة، واتخذ جواري يغنين بهجاء الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا لما كان في فتح مكة قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» فجاؤوا إليه فقالوا: يا رسول الله، عبد الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة في المسجد ولَّا خارج؟ في المسجد متعلق بأستار الكعبة، فقال: «اقْتُلُوهُ، اقْتُلُوهُ» . فقتل مع أنه في آمَن بقعة على وجه الأرض، ومع أن الرسول قال: «مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ»، فقال: «اقْتُلُوهُ». قال العلماء: لأن الكفر -والعياذ بالله- عظيم؛ فإنه قد سَبّ الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الجواري اللاتي كن يغنين بالقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم. طالب: يعني (مَنْ) هذه، مَن دخل بيته فهو آمن؟ الشيخ: هذا عام. الطالب: ما يدخل فيها؟ الشيخ: إلا، لكن يجوز تخصيص العموم، هذا فيه تخصيص العموم؛ يعني إلا عبد الله بن خطل خصه الحديث. طالب: وإخراج أهله منه أكبر، فما دعاهم إلى تغريب الزاني؟ الشيخ: لا، هذا شرعي، تغريب الزاني هذا شرعي. طالب: يا شيخ، أقول: قصة ابن خطل هذه ما تؤيد كلام شيخ الإسلام يعني يقول: من سب الرسول لازم يقتل؟ الشيخ: إيه، يستدل بها عليه. طالب: أما ابن خطل؟ الشيخ: إيه، لكن ما قتل، تاب وبقي. طالب: الشرك ما يحبط العمل؟ الشيخ: الشرك إذا مات، إذا مات على الكفر حبط عمله. طالب: الساحر، وهو حاج يقولون: يبطل الحج، تصدّق هذا الساحر؟

الشيخ: من يقول؟ الطالب: يقولون: يبطل حجه. الشيخ: لا، إن اعتقد أنه يعلم الغيب صار كافرًا؛ لأنه ما يعلم الغيب إلا الله عز وجل، وإذا كفر فمات على كفره، وإن تاب تاب الله عليه. طالب: الحاج لو أنه مشرك، حجه ما يعيده؟

الشيخ: كيف لو أنه مشرك، وأيش لون؟ الطالب: ارتد يعني .. الشيخ: لو ارتد بعد الحج، ثم عاد إلى الإسلام ما يعيد الحج. الطالب: إذا كان حج وأسلم؟ الشيخ: ثم أسلم. الطالب: ثم أسلم، معناه وحج، يعني الحج؟ الشيخ: ما يبطل الحج، لا، ما يبطل، يعني ارتد بعد الحج نقول: إذا لم يمت على الكفر فهو صحيح؛ يعني فلا يبطل عمله. طالب: شيخ، قوله: «مَنْ أتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ» هل يقول: لا تقبل الصلاة أربعين يومًا؟ الشيخ: هذاك فسأله، مجرد سؤاله ما تقبل له صلاته أربعين يومًا. الطالب: إذا حج في الأربعين اليوم هذه تقبل ولَّا ما تقبل؟ الشيخ: تقبل، تقبل. الطالب: والصلاة ما تقبل؟ الشيخ: لا، هو الصلاة تقبل، لكن معنى: لا تقبل مو معناه لا تبرأ بها الذمة، الذمة تبرأ بها، لكن معناه أن سوء عمله هذا يقابل أجر الصلاة فكأنه لم يُصلِّ، بالاتفاق أن صلاته تصح. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ. يستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والهجرة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [البقرة: ٢١٨]. ويستفاد منها: أن الجهاد دون مرتبة الهجرة، من أين يؤخذ؟ الطلبة: من الترتيب. الشيخ: لأنه قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوافجعل الجهاد معطوفًا على الهجرة، ولم يجعل له اسمًا موصولًا مستقلًّا. ويستفاد من ذلك: مراعاة الإخلاص للهجرة والجهاد لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِوأما بدون إخلاص فإنه هجرته إلى ما هاجر إليه. ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يكون جازمًا بقبول عمله بل يكون راجيًا، ولكنه يرجو رجاء يصل به إلى حسن الظن بالله عز وجل. (...).

تفسير الآيات (٢١٩-٢٢١)

٠١:٠١:٤٠

الفاعل في قوله: يَسْأَلُونَكَيعود إلى الصحابة رضي الله عنهم، والضمير المفعول به يَسْأَلُونَكَيعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل الله تعالى في الخمر أربع آيات: آية تبيحه، وآية تعرّض بتحريمه، وآية تمنعه في وقت من الأوقات، وآية تمنعه دائمًا، أما الآية التي تبيحه فهي قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل: ٦٧]، وأما الآية التي تُعرّض به؛ أي بالتحريم فهذه الآية التي معنا، وأما الآية التي تمنعه في وقت دون آخر فآية النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى، وأما الآية التي تمنعه مطلقًا فآية المائدة التي نزلت في السنة الثامنة من الهجرة، فيكون تحريم الخمر تحريمًا باتًّا متأخرًا إلى السنة الثامنة من الهجرة. وقوله: يَسْأَلُونَكَسبب سؤالهم هو أن الإنسان العاقل إذا رأى ما يترتب على الخمر والميسر من المضار التي تخالف الفطرة فلا بد أن يكون عنده إشكال في ذلك، ولهذا سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عنهم عن حكمهما لا عن معناهما؛ لأن المعنى معلوم، لكن عن الحكم، وقد سبق لنا أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام أسئلة كثيرة، لكن في القرآن كم سؤالًا سألوا الرسول؟ طالب: ثلاثة عشر. طالب آخر: اثنا عشر. الشيخ: اثنا عشر أو ثلاثة عشر؟ المعروف أنها اثنا عشر سؤالًا. وقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِالخمر من أين هو مشتق؟ قيل: إنه مشتق من (خَمَرْتُه أخْمِرُه) إذا غطيته، فهو من التغطية، وقيل: إنه مشتق من (خَامَره يُخامِره) إذا خالطه، والصحيح أنه مشتق من الأمرين جميعًا؛ وذلك لأن الخمر يخالط العقل ويغطي العقل أيضًا، فهو يخالطه، ثم بعد ذلك يغطيه حتى يُلحق صاحبه بالمجانين الذين لا عقول لهم. ثم ما هو الخمر؟ هل الخمر ما أسكر من نبيذ العنب فقط؟ أو الخمر ما أسكر من أي شيء كان؟ الصواب: أن الخمر ما أسكر من أي شيء كان، ولا نقول: إن هذا من باب الاصطلاح الفقهي، بل هو من باب المعنى اللغوي، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» فبين التعريف والحكم -عليه الصلاة والسلام- في هذا، «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» هذا التعريف، وكل مسكر حرام، هذا الحكم، وعلى هذا فلا يتقيد بشيء من الأشياء؛ لا بعنب، ولا بتمر، ولا بشعير، ولا بعسل، ولا ببُرّ، ولا بغير ذلك، كل ما أسكر فإنه خمر، فالخمر كل مسكر، ولكن ما معنى الإسكار؟ قال العلماء: معنى الإسكار هو تغطية العقل على سبيل اللذة والطرب، ما هو مجرد ما يفقد الإنسان وعيه يكون سكرانًا، فإن (البنج) مثلًا يغطي العقل، لكن لا على سبيل اللذة والطرب، فلا يكون مسكرًا، إنما الخمر يغطي العقل على سبيل اللذة والطرب، ولهذا السكران يرى نفسه في بحبوحة من العيش، وكأنه ملك من الملوك وكأنه مالك لكل شيء، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وَنَشْرَبُهَـــا فَتَتْرُكُنَــــا مُلُوكًـــــا

.......................

يعني: تتركنا كالملوك في تخيل الإنسان نفسه، وكما يشهد لذلك الواقع أيضًا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى حمزة بن عبد المطلب حين شرب فسكر فغنَّته جاريته:

أَلَا يَا حَمزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ

........................

وكان قد مر به ناضحانِ لعلي بن أبي طالب، قام رضي الله عنه -أي: حمزة- فجبّ أسنمتهما، وأظنه بقر بطونهما أيضًا، فجاء علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو، فلما أقبل النبي عليه الصلاة والسلام إلى حمزة وجده قد ثمل، ولم يصحو بعد فكلّمه، فقال له حمزة بن عبد المطلب: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ . هذا يدل على أن عنده في تلك الساعة نشوة وطرب وعلو وارتفاع ولهذا قال: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ هذا هو الخمر وهذا هو اشتقاقه، أما حكمه فإنه سيبيّن في هذه الآية. وقوله: وَالْمَيْسِرِالْمَيْسِرِقيل: إنه مأخوذ من (اليُسْر)، وقيل: مأخوذ من الإيسار، والمادة كما تشاهدون تشتمل على الياء والسين والراء، والحق أنه مأخوذ من الأمرين جميعًا، ففيه يسر وفيه إيسار، كما أن فيه إعسارًا أيضًا، الميسر هو المغالبات والمقامرات بالعوض، المغالبات في العوض هذا هو الميسر، مشتق من (اليُسْر)؛ لأن الإنسان يكتسب فيه المال الكثير بيسر وسهولة، مشتق من (الإيسار)؛ لأن هذا الكاسب يكون بعد الفقر موسرًا، فهو مشتق من المعنيين جميعًا. وكانوا -أي العرب في الجاهلية- يستعملون هذه المغالبة والمقامرة؛ يستعملونها بالأقداح وبالأزلام، وأحيانًا يستعملونها بغير ذلك، والمهم المعنى دون الصورة، فلو تقامرنا على شيء من المال بأي صفة من الصفات فإن ذلك يعتبر ميسرًا، ومن ذلك ما يسمى بالحظ والنصيب؛ فإنه ميسر، ومن ذلك التأمينات على الأموال، على السيارات، أو على البضائع، أو على البيوت، أو على النفوس، أو ما أشبه ذلك، فإنها من الميسر؛ يعني فيها مغالبة في الحقيقة، فإن هذا الدافع للتأمين قد يربح وقد يخسر؛ لأنه إن سلم صار خاسرًا، إن سلم كان خاسرًا؟! الطلبة: نعم. الشيخ: كيف السالم هو الخاسر؟! لأنه أخذ منه العوض بدون مقابل، إن سلم فهو خاسر وإن خسر فهو غانم، إذا حصل حادث أكثر مما بذل مثل أن يكون دفع قيمة التأمين خمس مئة ريال، ثم حصل عليه حادث بخمسة آلاف ريال صار غانمًا؛ يعني صار أخذ أكثر مما دفع، وهذا هو مبنى الميسر؛ أن يكون مبنيًّا على الحظ والنصيب، يكسب الإنسان الشيء بدون حق، فهذا حرام سيأتي حكمه إن شاء الله تعالى. طالب: ومنها المراهنة، يا شيخ؟ الشيخ: إيه، والمراهنة منها؛ من الميسر، لو قال: أنا أقول: كذا وكذا، فقال الثاني: أنا أقول: كذا وكذا، قال: يلّا اللي يُغلب منا عليه كذا وكذا، هذا منه، وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد أن الشرع استثنى من ذلك ثلاثة أمور وهي: النصل، والخُف، والحافر. قال الله تعالى في الجواب: قُلْيعني: قل للسائلين، أو قل لجميع الناس؟ طلبة: لجميع الناس. طالب: ليس الكل. الشيخ: نعم، قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌيعني: قل لجميع الأمة، كما قال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠] مثلًا، وهنا يمكن أن نأخذ قاعدة، وهي: أنه قد يكون الجواب موجهًا إلى أكثر من السائل كما قالوا في الحكم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهنا قد نقول: إن السائل قوم معينون، ولكن الجواب لهم ولغيرهم. قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِوفي قراءة: {إِثْمٌ كَثِيرٌ} {فِيهِمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ} فِيهِمَاأي: في الخمر والميسر، إِثْمٌما هو الإثم؟ الإثم هو العقوبة، أو ما كان سببًا للعقوبة، قال الله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]. ويقال: فلان آثم؛ يعني: مستحق للعقوبة.

وقوله: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌوالقراءة أخرى: {كَثِيرٌ} الفرق بينهما أن الكِبَر يعود إلى الكيفية، والكثرة تعود إلى الكمية؛ فالمعنى أن فيهما إثمًا كثيرًا بحسب ما يتعامل بهما الإنسان، والإنسان المبتلى بذلك -والعياذ بالله- ما يكاد يفلت منه، وهذا يستلزم تعدد الفعل منه، وتعدد الفعل يستلزم كثرة الإثم، كذلك أيضًا الإثم فيها كبير؛ يعني عظيم؛ لأنهما يتضمنان مفاسد كثيرة في العقل، والدين، والبدن، والاجتماع، والسلوك، وقد ذكر محمد رشيد رضا -رحمه الله- في هذا المكان، ذكر لهما أضرارًا كثيرة جدًّا، من قرأ هذه الأضرار عرف كيف عبّر الله عن ذلك بقوله: إِثْمٌ كَبِيرٌأو {إِثْمٌ كَثِيرٌ}. هل هاتان القراءتان تتنافيان؟ لا، كيف ما يتنافيان؟ لماذا لا يتنافيان؟ نقول: لأنه يمكن اجتماعهما فيكون الإثم كثيرًا باعتبار آحاده، كبيرًا باعتبار كيفيته، وأنت قد يكون عندك عشر من الحمام، وعشرون من الإبل، عشرون من الإبل فضلت عشرًا من الحمام بماذا؟ بالكمية والكيفية، وهذا ليس بممتنع. وقوله تعالى: وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِمنافع جمع (منفعة)، وهي من صيغة منتهى الجموع، ولهذا قال: مَنَافِعُولم يقل: منافعٌ؛ لأنها اسم لا ينصرف، وصيغة منتهى الجموع تدل على الكثرة؛ لأنها صيغة منتهى الجموع، ففيهما منافع كثيرة عظيمة، فإن قلت: كيف قال الله عز وجل: مَنَافِعُ لِلنَّاسِبهذا الجمع الكثير؟ أليس هذا مما يستلزم أن يُقبل الناس عليهما؟ لأن الإثم ذكره مفردًا، وإن كان قد وُصف بالكبر أو بالكثرة، لكن المنافع ذُكرت بالجمع؟ قلنا: هذا قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس، ولكن فيها بلاغة عظيمة: أنه مع كثرة منافعهما فإن إثمهما أكبر وأعظم؛ لأن لو كانت منفعة واحدة قلنا: ممكن أن يكون الإثم أكبر، لكن حتى وإن تعددت المنافع وكثرت فإن الإثم أكبر وأعظم، ولهذا قال: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاوإن كان هناك منافع كثيرة. ما هذه المنافع؟ من المنافع في الخمر: الطرب، والفرح، وإن كان فرحًا يعقبه غم، لكن في تلك اللحظة يفرح الإنسان ويطرب، وربما ينشرح صدره، ومنها: أنهم ذكروا أنه قد يكون سببًا لهضم الطعام، ومنها: أنه يُتّجر به فيكون مصدرًا اقتصاديًّا، وكذلك بالنسبة للميسر إذا كسب الإنسان مليونًا وقد دخل بعشرة ريالات ويش يكون، يفرح؟ يفرح، وإن كان فرحه بما يضره، المهم أنه ينتفع بذلك، كان بالأول ما عنده إلا مئتين ريال ودخل حلبة القمار فكسب مليون ريال، يروح يشتري له فيلا ويأخذ السيارة، ويأخذ له زوجة مثلًا، ويأخذ له أشياء من زهرة الدنيا، هذه منفعة في نظره، فيهما منافع، وتأمل قوله: مَنَافِعُ لِلنَّاسِولم يقل: منافع للمؤمنين؛ لأن هذه المنافع منافع مادية بحتة تصلح للناس من حيث هم أناس، وليست منافع ذات خير ينتفع بها المؤمنون، وإنما هي منافع للناس من حيث هم أناس. وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِأين خبر المبتدأ في قوله: مَنَافِعُ لِلنَّاسِ؟ طالب: فيهما. الشيخ: محذوف تقول؟

الطالب: لا. الشيخ: وين؟

الطالب: مقدم. الشيخ: فِيهِمَامقدم؟ ما هي فِيهِمَاخبر لقوله إثْمٌ؟

الطالب: معطوف. الشيخ: معطوفة صح، فأنت إذا قلت: زيد وعمرو قائمان، فإن (قائمان) خبر لهما، وإذا قلت: زيد وعمرو في البيت، فإن (في البيت) خبر لهما، وإذا قلت: في البيت زيد وعمرو، فإن (في البيت) خبرًا لهما. فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ، الخبر فِيهِمَامقدم. قال الله تعالى: وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاإثمهما؛ يعني ما يترتب عليهما من العقوبة أكبر من نفعهما، لماذا؟ لأن العقوبة في الأخرى، وأما النفع ففي الدنيا، والضرر في الغالب أعظم من النفع أثرًا؛ لأن النفع كمال، والضرر نقص، الكمال قد يستغنى عنه، لكن النقص متى تبني ما نقص وما انهدم، فلهذا قال: الإثم أكبر، لسببين: السبب الأول: أنه نقص أخروي، وربما يكون دنيويًّا أيضًا، والثاني: أن النقص ثَلْم، والمنفعة كمال تكميل وتتميم، فهذا والنقص إذا نقص الشيء متى عاد ينبني. وقوله: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاحتى الإثم لو فرضنا أن النفع كثير فيهما يغطّي على الضرر الدنيوي، فإننا نقول: الضرر الأخروي أشد. وتأمل قوله: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاعندما قال: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِالآن نحتاج إلى المقارنة؛ لأنه صار لدينا شيئان: إثم، ومنافع، فأيهما نرجح؟ بيّن الله عز وجل الراجح فقال: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاحينئذٍ تبيّن أن تقابل هذين يقتضي أن نبتعد عن ما فيه أو عما فيهما من المنافع ما دام الإثم أكبر من النفع، ولهذا انتهى كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن الخمر والميسر حين نزلت هذه الآية، فقالوا: ما دام الإثم أكبر من النفع فلماذا نفعله؟ ولكن، هذا لا يقتضي التحريم، وإنما يقتضي عرض المسألة للعاقل، والعاقل ماذا يرجّح؟ طالب: يرجح المنافع. الشيخ: كيف؟! لا ما يرجح المنافع، يرجح ترك الإثم. وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَشوف سؤالان في آية واحدة وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَالسؤال هنا يتعدى إلى مفعول واحد ولَّا إلى مفعولين؟ تقدم لنا أنه إذا كان السؤال بمعنى طلب المال فإنه يتعدى إلى مفعولين، أو لا؟ من سأل الله شيئًا أعطاهُ، شوف (الله) هذا هو الأول، و(شيئًا) هو الثاني، هذا إذا كان السؤال طلب مال، أما إذا كان السؤال استفهامًا فإنه يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى الثاني بحرف (عن)، وأيش تقول؟ تقول: سألته عن كذا. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِيَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ [الأعراف: ١٨٧] يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢] وما أشبه ذلك، يكون ينصب أيش؟ مفعولًا واحدًا، ويتعدى الثاني بـ (عن)، وربما يستغنى عن الثاني بجملة استفهامية كما في الآية التي معنا يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ. والفرق بين تعدّيه إلى جملة استفهامية، وتعدّيه إلى المفعول الثاني بحرف الجر، أنه إذا عُدّي إلى الثاني بصيغة الاستفهام صارت هذه الصيغة نفس لفظ السائل، تكون هي لفظ السائل بعينه، وإذا تعدى بـ (عن) فقد تكون هي لفظ السائل بعينه، وقد تكون غير ذلك، لكن إذا جاءت بصيغة الاستفهام فهي تكون هي لفظ السائل بعينه، كأنهم قالوا: ماذا ننفق يا رسول الله؟ ماذا ننفق؟ فقال الله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَيعني: يقولون: ماذا ينفقون، عرفتم؟ وقوله: مَاذَا يُنْفِقُونَتقدم لنا نظير لهذا التركيب، وبيّنا أنه يجوز فيه وجهان: أن تكون (ما) أو (ماذا) مفعولًا مقدمًا لأيش؟ لكلمة: يُنْفِقُونَمفعولًا مقدمًا لـ (ينفقون)، والثاني: أن تكون (ما) اسم استفهام و(ذا) اسمًا موصولًا، فـ (ما) على هذا التقدير مبتدأ، و(ذا) خبر المبتدأ، وعلى هذا التقدير يحتاج أن يكون هناك ضمير عائد على الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؛ أي: ما الذي ينفقونه؟ عرفتم؟

إذن في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أن نجعل (ماذا) مفعولًا مقدمًا، أو (ما) وحدها و(ذا) زائدة، مفعولًا مقدمًا لينفقوا وحينئذٍ هل يحتاج يُنْفِقُونَإلى مفعول؟ لا؛ لأن مفعوله هو هذا المتقدم ما يحتاج إلى ضمير. والثاني: أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، وجملة يُنْفِقُونَصلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه؟ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ، وقد مر علينا نظيرها بهذا اللفظ في قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ [البقرة: ٢١٥]. قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَقُلِ الْعَفْوَالْعَفْوَفيها قراءتان: النصب، والرفع، فالرفع على تقدير (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسمًا موصولًا خبره، ما الذي ينفقونه؟ الجواب: العفوُ؛ يعني هو العفو، وأما النصب فعلى تقدير (ماذا) مفعولًا مقدمًا، فتكون الْعَفْوَيعني: يقول: أنفقوا العفوَ، أو قل: تنفقون العفوَ، وإنما قلنا: إن الرفع أو النصب مبني على إعراب الجملة التي قبلها؛ لأن الجواب مبني على السؤال، فهنا كلمة: (ما) هذه الموصولية أو الاستفهامية هي التي فُسرت بكلمة العفو ولَّا لا؟ لأن الآن المسؤول ما الذي يُنفق؟ أجب. العفو، فإذا كانت تفسيرًا لها فلها حكمها في الإعراب، إن نصبت مَاذَافانصب الْعَفْوَ، وإن رفعت مَاذَافارفع الْعَفْوُ. وقوله: الْعَفْوَلا تظنوا أنه العفو عن عدوان عليك، بل المراد بالعفو الزائد الفاضل؛ يعني أنفقوا العفو، أي: ما زاد عن حاجتكم وضرورتكم، وذلك لأن العفو يراد به التجاوز أحيانًا كما في قوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا [البقرة: ١٠٩]. وقوله: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. ويراد به الزيادة والفضل كما في قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف: ١٩٩]. يعني: خذ ما فضل من الناس وما جاؤوا به، ولا تطلبوا كمال الحق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى» المراد بالعفو ما هو؟ أو بالإعفاء؟ الزيادة. فقوله: قُلِ الْعَفْوَأي: ما زاد عن حاجتكم، وأما ما كان داخلًا في الحاجة فلا تنفقوه؛ لأن الإنسان يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، فكونه يذهب يتصدق على أجنبي وأهله جياع هذا خلاف الحكمة، وخلاف الشرع أيضًا، وسبب ذلك أن بعض الناس يظنون أن إنفاقهم على..