تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٥٣

درس صوتي · ٩١:٤٤

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

وأيش اللغة هذه؟ الركِيَّة هي البئر إذا طاح منها واحد من حصاها اختلت ويطيح الجميع. فالمهم أن الله عز وجل يسلي المؤمنين بمثل هذا، ويخبر أنه أصاب من قبلنا، أصابهم بأساء قلة مال وإعواز عظيم، فقر، مضرة في أبدانهم، يُضرَبون، ويجرحون، وربما يقتلون كما كان بنو إسرائيل يقتلون الأنبياء بغير حق، وتأتيهم المخاوف العظيمة وزلزلوا. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يسأل النصر إلا من القادر عليه وهو الله؛ لقوله: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: ٢١٤]. ويستفاد من ذلك: فضيلة اتباع الرسل؛ لقوله: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُيتفقون على هذه الكلمة التي فيها استدعاء النصر مَتَى نَصْرُ اللَّهِ. ويستفاد من هذه الآية: تمام قدرة الله عز وجل؛ لقوله: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. ويستفاد منها: حكمة الله حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن مع أنه قريب أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.

ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الصبر على البلاء في ذات الله عز وجل من أسباب دخول الجنة؛ لأن معنى الآية: اصبروا حتى تدخلوا الجنة. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» أو لا؟ لأن هذه مكاره، ولكنها هي الطريق إلى الجنة. ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع كأس الصبر، وهو من قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْإلى آخره. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: إثبات الجنة؛ لقوله: أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وقد سبق أن مآل الخلق إلى دارين لا ثالث لهما: إما الجنة وإما النار، فالجنة للمتقين والنار للكافرين.

تفسير الآيات (٢١٥-٢١٨)

٠٠:٠٣:٣٦

ثم قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَنشوف يَسْأَلُونَكَالجملة فعل وفاعل ومفعول به، أو لا؟ و(يسألون) فعل، و(الواو) فاعل، و(الكاف) مفعول به، والضمير في قوله: يَسْأَلُونَكَعلى من؟ على الصحابة رضي الله عنهم. وقوله: مَاذَا يُنْفِقُونَ(ما) اسم استفهام، و(ذا) اسم موصول، وجملة يُنْفِقُونَصلة الموصول، وعلى هذا فنقول: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبره، و(ينفقون) صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير: ماذا ينفقونه. هذا إذا لم تلغَ (ذا)، فإن ألغيت صار هناك إعراب آخر، وهو أن نقول: (ماذا) اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعولًا مقدمًا لقوله: يُنْفِقُونَ، ويُنْفِقُونَفعل مضارع، والفاعل الواو، والمفعول هو ما سبق، عرفتم؟ المعنى لا يختلف على الإعرابين. والسؤال سألوا: ما الذي ينفقون وأيش ينفقون؟ هل ينفقون طعامًا، هل ينفقون ثيابًا، هل ينفقون دراهم ماذا ينفقون؟ السؤال هنا عن المنفق لا عن المنفق عليه، أو لا؟ عن المنفق، عن جنسه، أو عن قدره، أو عن الأمرين جميعًا؟ الطلبة: عن الأمرين. الشيخ: الظاهر عن الأمرين جميعًا عن الجنس والقدر. قال الله تعالى: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِهذا الجواب، مَا أَنْفَقْتُمْ(ما) هذه موصولة، وإن شئت فاجعلها شرطية، وفَلِلْوَالِدَيْنِإن جعلت (ما) موصولة فهي الخبر، وإن جعلتها شرطية فهي جواب الشرط. مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِقد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله سبحانه وتعالى أجابهم عن ماذا ينفقون فيه، لا عن ماذا ينفقون، عن ماذا ينفقون فيه، يعني قال: مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ؛ لأن حقيقة الأمر أن الشأن كل الشأن أن يكون إنفاقك في محله، فأنت لا تهتم ماذا تنفق، اهتم أين تنفق، ولَّا لا؟ بعض الناس ينفق في الشر، وبعض الناس ينفق في شيء لا خير فيه ولا شر، وبعض الناس ينفق في الخير. فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِأقول: قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن الجواب وقع على غير وفق السؤال؛ لأن السؤال عن أيش؟ مَاذَا يُنْفِقُونَ، فجاء الجواب: فَلِلْوَالِدَيْنِ، فهل هذا يكون من باب أسلوب الحكيم المعروف في البلاغة؛ حيث كان هذا الجواب بهذه الصيغة إشارة إلى أنه كان ينبغي أن تسأل على من تنفق؟ هكذا يبدو، ولكنك عند التأمل يتبين لك أن الله عز وجل أجاب عن السؤال جوابًا مطابقًا وزاد عنه أو زاد عليه؛ لأن الجواب عن السؤال يفهم من قوله: مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍمن خير، إذن فما الذي ينفق؟ الخير، الخير هو اللي ينفق، وما دام الذي ينفق الخير، فقد يكون الخير في الطعام، وقد يكون الخير في الثياب، وقد يكون الخير في الفرش، وقد يكون الخير في الدراهم، يختلف ولَّا لا؟ لو جئت إلى إنسان مضطر جائع مرة، جائع سيموت إن لم تطعمه وعارٍ ما عليه ثياب أبدًا، فما الخير هنا؟ الثياب ولَّا الطعام؟ الطعام، معلوم ابدأ بالطعام أولًا خير من الثياب، ولو جئت لإنسان لم يصل إلى حد الضرورة إلى الأكل لكنه في ضرورة إلى الثياب؛ لأن الجو بارد وليس عليه إلا ثوب رقيق، فما هو الخير حينئذٍ؟ في الثياب، واضح؟ إذن يكون الله عز وجل قد أجاب عن مَاذَا يُنْفِقُونَبقوله: مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ، وزاد على الجواب بذكر المنفق عليه في قوله: فَلِلْوَالِدَيْنِ. قد تقول: إن الزيادة على السؤال إسهاب وتطويل؟ فنقول: إنه إذا كانت الزيادة مما تدعو الحاجة إليه ويقتضيه حال السائل فليست إسهابًا ولا تطويلًا بل هي من تمام الجواب؛ ولهذا لما سئل الرسول عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر نتوضأ به وأيش قال؟ قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» مع أنه ما سئل عن الميتة، ما سئل عن الحوت والسمك، قال: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»؛ لأن راكب البحر يحتاج إلى ذلك. (الوالدين) يعني: الأم والأب، والجدة والجد؛ لأن الجدة والجد وإن لم يكونا والدين مباشرة، فهما والدين لوالديك هما السبب في حصول والديك، ووالداك هما السبب في حصولك أنت، فيشمل الوالدين: الأقربين والأبعدين. وقوله: وَالْأَقْرَبِينَالأقربين جمع أقرب، وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفق، فأخ وابن أخ من الأقرب؟ الأخ، وعم وابن عم؟ الأقرب العم، وابن أخ وعم الأقرب؟ ابن الأخ، الأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه لو اجتمع ابن أخ وعم في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، فاتفق العلماء على أن ابن الأخ أولى من العم. والقربى دون الأقربين هل لهم حق؟ الجواب: نعم؛ لأنهم من الأرحام، لكن الأقرب أولى من الأبعد، وإلا فالكل له حق، والكل يؤجر الإنسان بالإنفاق عليه. وقوله: فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَيشمل الأبناء؟ نعم، يشمل الأبناء، ولكن الإنفاق على الأبناء جاءت السنة بتقييده بالعدل حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» ، فلا يجوز أن يعطي الذكر ويمنع الأنثى، أو أن يعطي الأنثى ويمنع الذكر، أو أن يعطي واحدًا ويمنع الآخر. وَالْيَتَامَىاليتامى جمع يتيم، ومن اليتيم؟ قال أهل العلم: إنه مشتق من اليتم وهو الانفراد، والمراد به: من مات أبوه ولم يبلغ، يعني: الصغير الذي مات أبوه، هذا هو اليتيم، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ ولهذا إذا بلغ استقل بنفسه فلم يكن يتيمًا. وقوله: وَالْمَسَاكِينِجمع مسكين، وهو: المعدم الذي ليس عنده مال، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر قد أسكنه وأذله؛ فلهذا يسمى مسكينًا. والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين فيفترقان، وتجده في القرآن أن الفقير قد يأتي وحده والمسكين قد يأتي وحده، والفقير والمسكين قد يجتمعان، ففي قوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: ٨] يشمل المساكين، وفي قوله: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: ٣٢] يشمل المساكين، وفي قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: ١٥] يشمل؟ طالب: كل الناس، كل الناس حتى الغني. الشيخ: كل الناس، حتى الغني فهو فقير إلى الله عز وجل؛ ولهذا قيدت: أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى الله. وفي قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة: ٨٩] يدخل فيه الفقير، وكذلك هنا. وَابْنِ السَّبِيلِمن ابن السبيل؟ قال العلماء: هو المسافر الذي انقطع به السفر، وسمي ابنًا للسبيل، السبيل هو الطريق، سمي ابنًا له؛ لأنه ملازم له، وكل ما لازم شيئًا فهو ابن له؛ ولهذا يقال: ابن الماء لطير الماء الملازم فيه، طير يسمى ابن الماء؛ لأنه ملازم له، وإنما خص الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه قد يحتاج وهو لا يعلم عن حاجته؛ ولهذا فابن السبيل إذا أراد أحد أن يتقرب إلى الله بالإنفاق فإنه يعطيه. ولكن هل تعطيه إذا سأل أو تعطيه وإن لم يسأل؟ نقول: هذا على وجهين: أحدهما: أن تعلم أنه لا يحتاج كما لو كان غنيًّا تعرف أنه غني، ومر بهذه البلد عابرًا، فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه حتى لو أعطيته لرأى أن في ذلك نقيصة له، وآخر تعرف أنه معوز وعليه أثر الإعواز هذا تعطيه ولا شك، وثالث: تشك في أمره، فهذا إن أعطيته بعد سؤاله تقول: هل أنت محتاج؟ فإنه خير، وإلا فلا حرج عليك، وإن أعطيته ظنًّا منك أنه محتاج فأنت على خير. قال: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌهذه الجملة الأخيرة شاملة لكل خير، هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير فعمم الله مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، و(ما) هذه شرطية، وتَفْعَلُوافعل الشرط؛ ولهذا حذفت منه النون، وجملة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌجواب الشرط. وقوله: مِنْ خَيْرٍ(من) بيانية بيان لماذا؟ طالب: للمنفق. الشيخ: لا لا.

طالب: للإنفاق. الطلبة: فعل إغراء. الشيخ: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍبيان لـ(ما)؛ لأنه سبق لنا عدة مرات أن الموصول مبهم، وكذلك أسماء الشرط مبهمة، فـمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ(من خير) بيان لـ(ما)؛ ولهذا لو أنك حذفت (ما) وقلت: أي خير تفعلوا فإن الله به عليم، استقام الكلام ولَّا لا؟ استقام الكلام، إذن فقوله: مِنْ خَيْرٍبيان لـ(ما). وقوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍما قال: وما تنفقوا من خير؛ ليعم الإنفاق والعمل البدني والقول وكل شيء، كل شيء تفعله من الخير فإن الله به عليم. وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌأي: بهذا الخير الذي تفعله قليلًا أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، سرًّا كان أم علنًا.

وما فائدة الجواب هنا مع الشرط؟ إذا قال قائل مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌما الفائدة من كون الله يخبرنا بأنه عالم به؟ الفائدة هو أن نعلم أنه لا بد أن يجازينا عليه؛ لأن الله عدل لا يظلم، فإذا فعلنا خيرًا فإن الله يعلمه، وسوف أيش؟ يجازينا عليه. لا تقل: إن الجواب لم يطابق الشرط؛ إذ لا فائدة لنا من كون الله يعلمه، نقول: بل لنا فائدة وهو أنه إذا علمنا أن الله يعلمه، فإن الله تعالى عدل لا يضيعه، بل لا بد أن يجازينا عليه. وفيه أيضًا فائدة -كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد- وهي: الإغراء والحث. ثم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ.. طالب: شيخ (...) هل هنا جاءت بصيغة (...)؟ الشيخ: قال: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌالجار والمجرور في: بِهِمتعلق بماذا؟ طالب: بـعَلِيمٌ. الشيخ: بـعَلِيمٌ، نعم. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْكُتِبَأي: فرض، والكَتْب في الأصل بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: ١٨٣]، وقوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء: ١٠٣]، والكَتْب -كتب الله عز وجل- ينقسم إلى قسمين: كتاب شرعي، وكتاب كوني، الكتاب الكوني لا بد أن يقع ولا يمكن أن يتخلف، والكتاب الشرعي قد يفعله المكتوب عليه وقد لا يفعله، فـكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: ١٨٣] قد يصوم الناس وقد لا يصومون، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُقد يقاتلون وقد لا يقاتلون، لكن وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء: ١٠٥] هذا الكتابة الكونية القدرية هذه لا بد أن تكون، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] كتابة أيش؟ كونية لا بد أن تكون. فالكتابة إذن نوعان: كتابة كونية، وكتابة شرعية، والفرق بينهما: أن الكتابة الكونية لا بد من وقوع المكتوب فيها بخلاف الكتابة الشرعية. الفرق الثاني: أن الكتابة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، وأما الكتابة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله، لا يمكن أن يفرض الله على عباده ما لا يحبه، بل كل ما فرضه فهو محبوب إليه. وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُأي قتال هو؟ قتال أعداء الله الكفار، والْقِتَالُمصدر قاتل، وهذه الصيغة الغالب أنها لا تأتي إلا بين اثنين، قاتل وشارك وما أشبهه. وقوله: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْالضمير في قوله: وَهُوَيعود على القتال وليس يعود على الكتابة؛ فإن المسلمين لا يكرهون ما فرض الله عليهم، لكنهم يكرهون القتال بحسب الطبيعة البشرية، وفرق بين أن نقول: إننا نكره ما فرض الله من القتال وبين أن نقول: إننا نكره القتال، فكراهة القتال أمر طبيعي، فإن الإنسان يكره أن يقاتل أحدًا من الناس فيقتله فيصبح مقتولًا، لكن إذا كان هذا القتال مفروضًا علينا صار محبوبًا إلينا من وجه، ومكروهًا لنا من وجه آخر، فباعتبار أن الله فرضه علينا يكون محبوبًا إلينا، وباعتبار أن النفس تنفر منه وتكرهه يكون مكروهًا إلينا، ومن أجل أن النفس تنفر منه وتكرهه وهو ثقيل عليها صار فيه هذا الأجر العظيم، صار الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]. انتبه، إذن هل كراهة القتال تنافي صدق العبادة؟ لا؛ لأن الإنسان يحب هذا القتال من حيث إن الله فرضه عليه؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يصرون أن يقاتلوا، فيردهم أحيانًا لصغرهم فيأسفون، حتى إنه رد في أُحدٍ بعض الصحابة الصغار قال: يا رسول الله، كيف ترده وأنت أذنت لفلان وأنا الآن أستطيع أني أصارعه، قال: أبغي المصارعة خله يصارعني، فصارعه فصرعه فأذن له ، كل هذا من محبتهم للقتال، كذلك أيضًا عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان أعرج فجاء -يعني لزم بالقتال- وكان أولاده يقولون له: لا تخرج، إن الله قد عذرك، فجاء هو وإياهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَكَ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ -أَوْ إِنِّي أُحِبُّ- أَنْ أَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنَّةِ -الله أكبر- لما رآه النبي عليه الصلاة والسلام متعلقًا بالقتال أذن له وقال لأولاده قولًا -يعني أنه إذا كان يحب أن يخرج فلا تمنعوه- فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم ما كرهوا القتال بعد أن فرضه الله، بل أحبوه لأن الله فرضه، وكم من أشياء يكرهها الإنسان لولا أن الله تعالى أمر بها فيحبها؛ لأن الله أمر بها، الآن الحج فيه مشقة ولَّا لا؟ من حيث كونه مشقة قد يكرهه الإنسان، لكن إذا علم أن فيه رضا الله أحبه، بذل المال بالزكاة -مثلًا- الإنسان مجبول على حب المال وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠]، لكن إذا علم أن في ذلك رضا الله هان عليه، وهذا هو وجه الامتحان في العبادات التي يكلف بها العبد. وقوله: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْكُرْهٌمصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مكروه لكم، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا مثل قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق: ٦] يعني: حمل بمعنى المحمول الذي في البطن، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود. هنا كُرْهٌبمعنى مكروه، والجملة هذه وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْالجملة محلها من الإعراب؟ في محل النصب على الحال، والحال: أن القتال كره لكم، ولكن شوف التسلية من الله عز وجل: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْعَسَىهذه هنا بمعنى الرجاء، أو بمعنى الإشفاق، أو بمعنى التوقع، أو بمعنى التعليل؛ لأنها أربعة معانٍ.. طالب: تعليل. الشيخ: تعليل؟ لا، ما أعرف، تصلح للتعليل؟ لو قلت مثلًا: كل هذا الدواء عسى أن تبرأ؟ هذه للتعليل واضح أو للترجي. لكن هنا وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواالظاهر -والله أعلم- أقرب شيء أنها للتوقع أو أنها للترجية، ما هو للترجي، الله عز وجل ما يترجى، كل شيء عنده هين، لكن للترجية بمعنى أنه يريد من المخاطب أيش؟ أن يرجو ذلك، أن يرجو هذا، يعني: معناه افعلوا ما هو كره لكم عسى أن يكون خيرًا. وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْوهذا الذي ذكر الله عز وجل هنا واقع ولَّا لا؟ واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحيانًا يفعل الإنسان شيئًا من الأمور العادية ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل، فإذا العاقبة تكون حميدة وحينئذٍ يكون كره شيئًا وهو خير له. القتال كره لنا لكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل كما قال الله عز وجل آمرًا نبيه أن يقول: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة: ٥٢] أنه لا بد من حسنى إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِما هما؟ إما النصر والظفر، وإما الشهادة، أليس كذلك؟ إذن فالمقاتل في سبيل الله على خير. وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْوهذا أيضًا كثيرًا ما يقع يحب الإنسان شيئًا ويلح فيه ثم تكون العاقبة سيئة، والإنسان بمثل هذه الآية الكريمة يسلي نفسه في كل ما يفوته مما يحبه، ويصبر نفسه في كل ما يناله مما يكرهه، كل شيء ينالك وأنت تكرهه، فإنك تصبر نفسك: عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وكل شيء يفوتك ونفسك يطلبه تسليها فتقول: عَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، وهذا هو الواقع. ولو أن الإنسان تأمل مجريات حياته اليومية لوجد في ذلك شيئًا كثيرًا. ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَسبحانه وتعالى فهو سبحانه وتعالى لا يقدر للمؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يوجب على المؤمن شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا يحرم عليه شيئًا إلا كان خيرًا له، ولا تقل: ليت هذا لم يحرم، ليت هذا لم يوجب، ليت هذا لم يقع، لا تقل هكذا؛ لأن علمك قاصر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَوأيش يعلم؟ كل شيء حتى المستقبل الذي تظنون أنه شر يعلم الله تعالى ما فيه من الخير. وقوله: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَهذا نفي مطلق لعلم الإنسان، فهل نقول: إن هذا النفي المطلق يراد به شيء معين أو نقول: إنه نفي مطلق على الأصل، وإن الأصل في الإنسان عدم العلم على الإطلاق؟ الجواب: هو هذا، كما أن الأصل في صفة الله عز وجل العلم المطلق، فلله العلم المطلق؛ ولهذا قال: يَعْلَمُولم يقيد هذا العلم بمعلوم يَعْلَمُ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَلم يقيد هذا النفي بمعلوم، ما قال: لا تعلمون المستقبل، ولَا: لا تعلمون الحاضر، ولا، لَا تَعْلَمُونَفالأصل فينا إذن؟ عدم العلم؛ ولهذا قال الله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]، وقال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨]. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِإعراب الجملة هذه عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِهذا مجرور بـ(عن)، قِتَالٍ فِيهِوأيش اللي جرها؟ بدل، من أي أنواع البدل؟

مُطَابِقًا أَوْ بَعْضًا اوْ مَا يَشْتَمِلْ

عَلَيْهِ يُلْفَى أَوْ كَمَعْطُوفٍ بِبَلْ

أي الخمسة؟ اشتمال؛ لأن القتال ليس بعضًا من الشهر، لكن الشهر مشتمل عليه، فهو بدل اشتمال من الشَّهْرِ.

وقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِالمراد الجنس، ويحتمل أن تكون (أل) للعهد الذهني، ويكون المراد به شهرًا معينًا، فـ(أل) هنا يحتمل أن تكون للجنس فتشمل كل الأشهر الأربعة الحرم، ويحتمل أن تكون للعهد الذهني فيراد بها أيش؟ شهر معين. هل (أل) إذا دخلت على المفرد تكون للجنس فيشمل كل أفراد الجنس؟ نعم، وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [العصر: ١ - ٣] هذه (أل) داخلة على مفرد والمراد؟ المراد الجنس، يعني: كل إنسان. فإذن: يسألونك عن كل شهر حرام يمكن هذا، أو: يسألونك عن الشهر الحرام المعين الذي وقعت فيه القضية قِتَالٍ فِيهِ. والقضية هي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل سرية في السنة الأولى، سرية في جمادي الآخرة، وأمّر عليهم عبد الله بن جحش وأعطاه كتابًا وقال: «لَا تَفْتَحْ الْكِتَابَ إِلَّا بَعْدَ مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ» ، فقال: سمعًا وطاعة، فذهب بسريته وهم نحو سبعة أشخاص، فلما مشى مسيرة يومين فتح الكتاب وإذا فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يسيروا إلى نخلة بين مكة والطائف، وأن يترقبوا أخبار قريش، يترقبوا أخبار قريش وما يحصل منهم، فصادفوا عيرًا لقريش نازلة من الطائف إلى مكة، والعير تكون فيها أطعمة وخضر وما أشبه ذلك، فحصل بينهم قتال بينهم وبين هذه السرية، فقتلوا منهم رجلًا واحدًا، وأسروا رجلين وفر الرابع، لما قتلوا هذا الرجل هم قتلوا هذا الرجل على أنهم في جمادى الآخرة، ولكنه تبين أنه كان في أول يوم من رجب، ورجب أحد الأشهر الحرم الأربعة؛ لأن الأشهر الأربعة الحرم. طالب: محرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.

الشيخ: نعم، المشركون استغلوا هذه المسألة وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يطيع الله وأنه يعظم حرمات الله، وهذا أصحابه يقتلون الرجل في الأشهر الحرم، هذه كبيرة ولَّا لا؟ شاع الخبر فضاقت صدور هذه السرية عبد الله بن جحش وأصحابه ضاقت صدورهم لحقهم حرج، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِوأيش الحكم؟ وليسوا يسألونه هل القتال فيه حرام ولَّا لا؟ لأن هذا معلوم، لكن يسألونه عن هذا القتال فيه ما حكمه، قِتَالٍ فِيهِ. هكذا ذكر المفسرون، قالوا: لأن القتال في الأشهر الحرم أمر معلوم ما أحد يسأل عنه، ولكن في نفسي شيء لأن لفظ الآية لا يساعده؛ فإن الشهر الحرام إن قلنا: إنه للجنس فظاهر جدًّا أن اللفظ لا يساعد على هذا المعنى. وجه ذلك: إذا قلنا عن الشهر الحرام -يعني عن الأشهر الحرم- قتال فيها، صار السؤال عن هذا القتال المعين؟ لا، وإن قلنا: الشهر الحرام هو الشهر المعين الذي حصل فيه القضية وهو شهر رجب. بقي عندنا كلمة قِتَالٍنكرة، ما هي لو قال: عن الشهر الحرام القتال فيه لكان يساعد على ما ذكر المفسرون، لكننا قد نقول: لما كانت قِتَالٍبدل من الشهر والشهر يراد به شهر معين، فإنه من ضرورة ذلك أن يكون المراد بالقتال؟ القتال في ذلك الشهر المعين؛ ولهذا قال: قِتَالٍ فِيهِأي: في الشهر المعين، ولم يسبق قتال في شهر رجب إلا ذلك القتال الذي حصل من هذه السرية. على كل حال الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام إذ سئل أحيانًا يجيب وأحيانًا يتوقف حتى ينزل الوحي، في هذه الآية ماذا كان الجواب من الرسول أو من الله؟ من الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا أجاب الله عز وجل: قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌقتال في شهر الحرام كبير لا شك، يعني: من كبائر الذنوب وعظائم الذنوب؛ لأنه انتهاك لحرماتها وهذا محرم، انتهاك حرمات الله من المحرمات، فهذا من كبائر الذنوب قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ. ولكن انظر رحمة الله عز وجل بعباده، شوف التسلية للصحابة وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِهذا تسلية للصحابة، يعني: لو وقع منكم هذه المسألة الكبيرة، فعند الذين يعيرونكم بها ما هو أعظم وأكبر، القتال كبير ما في شك لكن عند هؤلاء الذين يعيرونكم بذلك ما هو أكبر وأعظم، صد عن سبيل الله أعظم، صحيح؟ ولا شك أن المشركين الذين عيروا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بذلك يصدون عن سبيل الله ويقتلون الذين يلتزمون بسبيل الله صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله شيء واحد وهو شرعه الذي شرعه لعباده، كما قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣]، وإنما سمي الشرع سبيل الله؛ لأنه يوصل إلى الله؛ ولأن الله تعالى هو الذي وضعه، فإضافته إلى الله من ناحيتين: الابتدائية، والنهائية، الابتدائية هو الذي وضعه، والنهائية؟ الطلبة: يوصل إليه. الشيخ: يوصل إليه. هل سمى الله السبيل مضافًا إلى غيره؟ نعم، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥]، فأضاف الله السبيل إلى المؤمنين وليس في ذلك تناقض، فهو مضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم سالكوه أو لا؟ مضاف إلى الله باعتبار أنه هو الذي وضعه لعباده، وهذا السبيل ينتهي إلى من؟ إلى الله عز وجل. قال تعالى: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِبمن؟ بالله، الكفر بالله أعظم كبيرة يفعلها المرء ولَّا لا؟ نعم. وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِالمسجد الحرام هنا معترك في إعرابه هل هي معطوفة على الضمير في بِهِولّا معطوفة على سَبِيلِ اللَّهِ؟ طالب: سبيل الله. الشيخ: أجبت بسرعة ما شاء الله، أرني كيف ذلك؟ الطالب: معطوف على سبيل الله. الشيخ: كيف؟ الطالب: سبيل الله والمسجد الحرام. الشيخ: ما يصلح: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام؟ ما يصلح؟ الطالب: يصلح. الشيخ: يصلح، إذن؟ الطالب: كلاهما.

الشيخ: كلاهما، وجاءت قولان بن (...). طالب: (...). الشيخ: فيه رأيان: الرأي الأول يقولون: إنه معطوف على قوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِيعني: وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به وصدٌ عن المسجد الحرام، وهؤلاء يستدلون بقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواهذا كفر بالله، وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح: ٢٥] هذا صد عن أيش؟ عن المسجد الحرام فيكون: وصدٌ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، لكن هذا الرأي لا شك من حيث المعنى قوي، إلا أنهم يعني يلزم عليه أو يرد عليه أن قوله: وَكُفْرٌ بِهِأجنبي من قوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِأجنبي؛ لأن كُفْرٌما هو معطوف على سَبِيلِ اللَّهِوأيش معطوف عليه؟ على صَدٌّ. وَكُفْرٌ بِهِ(...) الْحَرَامِمعطوف على سبيل، فقد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي وهو قوله: وَكُفْرٌ بِهِ؛ لأنه معطوف على اللي ما سبق، وحينئذٍ يمتنع العطف، هذا مقتضى اللغة العربية: أن المعطوف والمعطوف عليه لا يفصل بينهما بأجنبي وهنا كُفْرٌ بِهِأجنبي، وأيش معنى أجنبي؟ يعني: ليس معطوفًا على ما عطف عليه ما بعده، إنما معطوف على شيء سابق عليه، واضح؟ طيب، لكنه كما قلته قبل قليل: المعنى يؤيده، لكن السياق من حيث السياق العربي يمنعه؛ لأنه أجنبي. إذن يترجح القول الثاني وهو أن قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِمعطوف على الضمير في بِهِ: وكفرٌ به وبالمسجد الحرام، وَكُفْرٌ بِهِأي: بالله وبالمسجد الحرام، وعلى هذا فيكون هنا معطوفًا على الضمير في بِهِ. ولكن يرد على هذا القول إشكالان ما هو إشكال واحد، الإشكال الأول: أننا عطفنا على الضمير المتصل بدون إعادة الجار، والمعروف عند أكثر النحويين أنه لا يجوز أن تعطف على الضمير المتصل المجرور إلا بإعادة الجار، وابن مالك أشار إلى هذا في أي بيت؟

وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى

ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا

ثم قال:

وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى

فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا

وعلى هذا فنقول: ابن مالك رحمه الله لا يرى وجوب إعادة حرف الجر إذا عطف على الضمير المجرور المتصل، زال الإشكال هذا، زال الإشكال الأول بماذا؟ بأن وجوب إعادة الجار إذا عطف على ضمير خفض متصل، هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم في النحو وابن مالك ممن يرى أنه لا يجب إعادة الجار، إذن زال الإشكال الأول. الإشكال الثاني: قوله: وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِقد لا تتصور وأيش معنى الكفر بالمسجد الحرام؟ الصد عن المسجد الحرام واضح، لكن الكفر بالمسجد الحرام وأيش معناه؟ نقول: الكفر به ظاهر، الذي يجعل الأصنام في جوف الكعبة، كافر بالمسجد الحرام ولَّا معظم له؟ كافر بالمسجد الحرام؛ لأنه ما آمن بحرمته وعظمته، بل هذا من أعظم الإهانة لبيت الله عز وجل أن تجعل الأصنام في جوف الكعبة، فهم كافرون بالمسجد الحرام، وعلى هذا يزول الإشكال الثاني.

فإن قلت: الإشكال في المعنى الأول وهو أن يكون قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِمعطوفًا على سَبِيلِ اللَّهِالإشكال اللي أوردنا هو أن العطف على قوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِفيه إشكال من حيث إنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبي، لكن أجاب الذين يختارون هذا القول، أجابوا عن ذلك وقالوا: إن قوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِمتعلق بـصَدٌّ، فيكون ليس أجنبيًّا، يكون غير أجنبي، يكون ليس بأجنبي من صَدٌّ، وعلى هذا فتكون كأن الآية: وصد وكفر، فيكون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِمتعلق بـصَدٌّ، فكأنه منه فليس بأجنبي، وحينئذٍ يزول الإشكال. إذن ما خلاصة هذا البحث؟ خلاصة هذا البحث أنه يجوز في قوله: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِوجهان: الوجه الأول: أن يكون معطوفًا على قوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِيعني: وصد عن المسجد الحرام. والوجه الثاني: أن يكون معطوفًا على الضمير في قوله: وَكُفْرٌ بِهِأي: وبالمسجد الحرام، والله أعلم. (...) أن فيه تعظيمًا لشأن الشهر، كأن المسؤول عنه هو الشهر نفسه يعني: عن شأن الشهر الحرام، وهل هو ذو شأن عظيم. ثم قال: قِتَالٍ فِيهِالذي هو المقصود هذا هو الفائدة من كون يأتي الشَّهْرِ الْحَرَامِأولًا ثم يبدل منه قِتَالٍ، وإلا لكان السؤال: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام. قوله تعالى: وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ.. قوله: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِالمسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة هذا هو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء: ١] وقد أسري به من الحجر؛ ولقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة: ٢٨]، وقوله: فَلَا يَقْرَبُوايدل على أن المراد بالمسجد الحرام هو أيش؟ نفس المسجد الذي فيه الكعبة؛ لأنه بالاتفاق أنه يجوز للمشرك أن يصل إلى حدود الحرم حتى لا يبقى بينه وبين الحرم إلا أنملة، ولو كان المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم لكان المشرك لا يجوز أن يقرب أيش؟ حدود الحرم والأمر ليس كذلك. طالب: يقال: إنه أسري من بيت أم هانئ؟ الشيخ: لا، الصحيح من الحجر، لكن بعضهم الذين صححوا الروايتين قالوا: كان نائمًا في بيت أم هانئ ثم استيقظ وذهب إلى هناك وأسري به من هناك. وقوله: الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ(الحرام) فَعَال من الحُرمة أو من التحريم، يعني: المسجد ذي الحرمة والتعظيم، ولا يخفى على أحد حرمة المسجد الحرام، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام خطب في عام الفتح وقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَةَ» ، وأخبر أنها محرمة منذ خلق الله السماوات والأرض لا يعضض شوكها ولا ينفر صيدها ولا يحل القتال فيها، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ تَرَخَّصَ أَحَدٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» ، وهذا من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أذن بالقتال في مكة لأحد إلا للرسول صلى الله عليه وسلم، وليس إذنًا عامًّا بل إذنًا مقيدًا قال: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» ، وهذه القصة فيها تمثيل للحكم الذي نسخ مرتين: كانت بالأول حرامًا ثم أحلت، هذا النسخ الأول، ثم حرمت، هذا النسخ الثاني، والله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت، فهذه من عظمة مكة. ومن عظمة مكة: أنه لا يصح إسلام أحد حتى يحج البيت إذا كان قادرًا، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧]. ومن حرمتها: أنه لا يدخلها أحد إلا محرمًا؛ إما وجوبًا وإما استحبابًا، وجوبَا عند كثير من أهل العلم أنك ما تدخل مكة إلا محرمًا ولو كنت قد أديت الواجب، أو استحبابًا على القول الراجح أن الإنسان إذا أدى الواجب لم تجب عليه العمرة، ولو كان قطيع العهد بمكة المكرمة أو بمكة على الأصح؛ لأن (المكرمة) وصف حديث. ومن حرمة مكة: أن الناس كلهم يتجهون إليها في صلاتهم ولَّا لا؟ كل الناس يتجهون إلى الكعبة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤]. ومن حرمتها: أن من وجد فيها لقطة لا يحل له أخذها إلا إذا كان يريد إنشادها أبد الآبدين، لو تجد فيها لقطة ما تأخذها، اللي غيرها لك أن تأخذها لتنشدها لمدة سنة ثم تكون ملكًا لك، أما مكة فلا تأخذها إلا إن كنت تبغي تنشد عليها أبد الآبدين فخذها، ولكن من بيأخذها وهو لازم ينشد عليها أبد الآبدين، حتى لو مات يوصي من بعده أن ينشدوا عنها، وإذا ماتوا ينشدون؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» إلا لمنشد دائمًا، والحكمة في هذا أنك إذا علمت أنك إذا أخذت هذه اللقطة يلزمك أن تنشد عنها أبد الآبدين هل تأخذها؟ ما تأخذها، أنت في عافية إذا لم تأخذها، أنت ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع، فصاحبها إذا فقدها رجع إليها فوجدها. ولها خصائص كثيرة ذكرها الذين صنفوا في هذا الباب في تاريخ مكة كالأزرقي وغيره، ولكن كل هذا مأخوذ من وصف الله تعالى لهذا المسجد بالحرام. طالب: نقول: لو أخذ اللقطة وأعطاها للشرطة خوفًا من أن يأخذها سارق فهل يجوز؟ الشيخ: هذه إذا كان هناك من جهة ولاة الأمور، من جهة ولاة الأمور من يتلقى هذه الأشياء فإنها تبرأ ذمته، إي نعم. قال: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُشوف الكلام إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُمن أهل المسجد الحرام؟ الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنون هم أهله، كما قال الله تعالى في سورة الأنفال عن المشركين: وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: ٣٤]، أهل المسجد الحرام هم النبي عليه الصلاة والسلام ومن اتبعه؛ ولهذا قال: إِخْرَاجُ أَهْلِهِوهي حجة ظاهرة على أن هؤلاء الذين أخرجوا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليسوا أهلًا للمسجد الحرام. إذن هذا يشبه مانعًا من موانع الإرث مر عليكم وهو أن الكافر لا يرث المسلم، وقال الله لنوح عن ابنه إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦]، كذلك الذين في مكة وليسوا مسلمين ليسوا من أهل مكة، ليسوا أهلًا للمسجد الحرام، أهله المؤمنون.

وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِأكبر عند الله، وإن كانت في نفوس بعض الناس أهون من القتل في الشهر الحرام، لكنها عند الله أكبر، شوف الآن: صد عن سبيل الله، وكفر بالله، وصد عن المسجد الحرام، أو كفر بالمسجد الحرام، وإخراج أهله منه، أربع مسائل عظيمة جدًّا، هذه أكبر عند الله منين؟ من القتل في الشهر الحرام. شيء آخر: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِالفتنة يعني: الشرك، ممكن أن نقول: إنها الفتنة صد الناس، إن الفتنة صد الناس عن الدين، لكنها قد سبقت في قوله: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِإذن فالفتنة هي الشرك، يعني الفتنة -وهي الشرك- أعظم من القتل، شرك بالله أعظم من قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أعظم الظلم وأعظمه: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» ، هذا أعظم الذنب وأظلم الظلم. الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِهل جاءت الفتنة في القرآن بمعنى الشرك؟ الجواب: نعم، مثل؟

طالب: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا [البروج: ١٠]. الشيخ: لا، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٣] أو لا تكون فتنة هذه صد عن سبيل الله أيضًا، تحتمل، لكن قال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور: ٦٣]، قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقع في قلبه من الشرك من الزيغ فيهلك. نعم، الفتنة أكبر من القتل، فالشرك أعظم من قتل النفس، وأعظم من قتل النفس في الأشهر الحرم، كل شيء محترم من زمان أو مكان أو شخص، فإنما هو من تعظيم الله، الأشياء المخلوقة ليس لها حرمة في حد ذاتها، لكنها حرمة من جهة اتصالها بالله عز وجل، فالأشهر الحرم من الذي جعلها محترمة؟ الله، إذن تحريمها من تعظيم الله، فيكون الشرك بالله أعظم من القتل في الأشهر الحرم. وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا-الله أكبر- الكفار حريصون على أن يخرجونا من ديننا حتى وإن عرضوا رقابهم لسيوفنا، شوف وَلَا يَزَالُونَولا يزال هذه تفيد أيش؟ الاستمرار، يُقَاتِلُونَكُمْوالقتال هو: أن يلاقي كل واحد الآخر بالسيف ليقتله، يعرضون رقابهم لقصف رؤوسهم حرصًا على أن يردونا عن ديننا. ولكن شوف كلمة إِنِ اسْتَطَاعُواتفيد أنهم لن يستطيعوا (إن)، ولكن ما هو حاصل، هذا لا يحصل إن شاء الله تعالى، لكن هم حريصون غاية الحرص على ردنا عن ديننا، حتى كانوا يعذبون الذين يسلمون في عهد من..، صغارهم يعذبونهم في حر الرمضاء في الشمس يلقون عليهم الصخرات الحارة لعلهم يرجعون عن دينهم، ولكن لا يرجعون هم ثابتون صامدون، هؤلاء المشركون لا يزالون يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا، وهل هذا أيضًا صفة لليهود والنصارى بالنسبة لنا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: نعم، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا [البقرة: ١٠٩] هذا في أهل الكتاب، في المنافقين؟ نعم كما قال الله تعالى في سورة النساء: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً [النساء: ٨٩]، يعني إذن جميع أصناف الكفرة من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين كلهم يودون أن المسلمين يرتدون على أدبارهم ويكفرون بالله عز وجل، كل إنسان يود شيئًا، فإنه بمقتضى الطبيعة البشرية يحاول أيش؟ أن يتحقق ذلك الشيء بكل وسيلة؛ إما بالسلاح كما في قوله: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، وإما بالإغراء والخداع كما في حال المنافقين وغيرهم، وهم قد لا يبوحون بما في نفوسهم، لكنهم شياطين الإنس يأتون إلى المسلمين بأمور يتفتت بها دينهم حتى يكون كنافقاء اليربوع لو سقط عليه بيضة لخرقته ولم تنكسر البيضة، هم قد لا يقول لك: تعال اكفر، لكن يدخلون عليك أشياء أشياء من المعاصي، المعاصي تفتت الإيمان، تفتته، تنقضه شيئًا فشيئًا حتى يزول بالكلية؛ ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، وأيش معنى بريده؟ التي ترسل إليه، ينزل الإنسان إليها دركًا دركًا حتى يهوي في النار -والعياذ بالله- فالمعاصي لا تظنوا المسألة هينة بنسبة المعاصي، المعاصي تؤثر على القلب، وانظر إلى قول الله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٣، ١٤] ران على القلب ما كان يعمل أعماله السيئة حتى صار عن أعظم الكلام وأفضل الذكر يقول عنه: إنه أساطير الأولين، يقول ذلك إما للحيلولة بينه وبين الوصول إلى عظمة هذا القرآن، وإما لجحود عظمة هذا القرآن. وعلى كل حال فأهل الكفر من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين كلهم يودون منا أن نرتد عن ديننا، يودون ذلك؛ لأنهم يعلمون ما في قيام الدين الإسلامي من القضاء عليهم، الدين الإسلامي لو قام حقًّا ما بقي على وجه الأرض أحد من الكفار؛ ولهذا هرقل لما أخبره أبو سفيان بما كان للرسول عليه الصلاة والسلام من الصفات والأخلاق والدين الذي يدعو إليه وأيش قال؟ قال: لئن كان ما تقول حقًّا، فسيملك ما تحت قدمي هاتين ، في ذلك الوقت هو ملك، ملك من؟ الروم، الروم والفرس في ذلك الوقت مثل روسيا وأمريكا في وقتنا هذا، أعظم دولتين، هذا الملك يقول ذلك وهو على مملكته وفي عاصمته، ويقول ذلك وهو يؤمن بأن ملكه سيزول بدين محمد صلى الله عليه وسلم، فرؤساء الكفر اليوم كرؤساء الكفر بالأمس يعرفون أن الدين الإسلامي لو قام ما أبقى لهم باقية؛ ولذلك يحاولون بكل طريق وبكل وسيلة أن يقضوا على الدين الإسلامي، وذلك لصد أهله عنه بشتى الوسائل، والحقيقة أننا انخدعنا بهم، انخدع المسلمون ولا حاجة إلى ذكر الأشياء التي انخدع بها المسلمون من أجلهم حتى ضاعوا، ولكن الأمل بالله عز وجل أن الله سيعيد لهذا الدين مجده على أيدي الشباب الصالحين مع العلم وغزارة العلم؛ لأن الداعية مهما كان قويًّا في الدعوية إذا لم يكن له علم فإنه يفشل، إذا لم يكن هناك علم يعتمد عليه الإنسان فشل، وكيف يدعو إلى الله عز وجل بدون علم، إذا دعا إلى الله بدون علم أدنى واحد من الناس يقف أمامه يوقفه يورد عليه الشبهة فيقف، وإذا وقف الداعية فالنكبة عظيمة، انهزام، انهزام شديد؛ ولهذا لا أرى أن الإنسان يدعو إلا بما كان يعلم، بما كان يعلم خاصة، وإلا فإن العاقبة تكون وخيمة. قال الله تعالى: إِنِ اسْتَطَاعُواشوف الجملة الشرطية هذه تقيد ما سبق، يعني أنهم لن يستطيعوا ذلك، لكن هم لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم. ثم قال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِمَنْ يَرْتَدِدْهذه البنية لهذه الكلمة تشكل إذا قارنتها بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [المائدة: ٥٤] كيف قال: مَنْ يَرْتَدَّوهنا قال: مَنْ يَرْتَدِدْ؟

نقول: لا إشكال فيها، ليس فيه إشكال؛ لأن الإدغام في قوله: مَنْ يَرْتَدَّإدغام جائز لا واجب، الإدغام جائز ليس بواجب، وعلى هذا فيجوز إذا جزمت (يرتد) يجوز أن تقول: يرتد، وأن تقول يرتدد، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في الألفية في باب الإدغام حكم ذلك. وقوله: مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِشوف عَنْ دِينِهِما هو الدين؟ الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل الذي أراد صاحبه عليه المكافئة، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. الدين يطلق على معنيين: أحدهما: العمل، والثاني: المكافئة على ذلك العمل. فمن الأول الذي يراد به العمل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] المراد بالدين ما هو؟ العمل، كذا؟ ومن الثاني قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤]، وقوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٧ - ١٩] فالمراد بالدين: الجزاء على العمل.

وهنا مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِمن أي المعنيين؟ العمل، وتأمل قوله: عَنْ دِينِهِحيث أضافه إلى الدائن؛ لأن إضافته إليه توجب إغراءه به، يعني: هذا دينك، هل الإنسان يفرط في دينه؟ لا، كما لو قلت: هذا مالُك، هذا ولدك، هذه سيارتك، إضافتها إلى نفسك توجب الإغراء بها، وشدة المحافظة عليها لأنه؟ دينُك، منسوب لك، فهو أبلغ مما لو قال: ومن يرتدد منكم عن الدين، لكنه قال: دِينِهِوَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، كما في قوله أيضًا في الأول: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْيعني: فاحتفظوا به؛ لأنه لكم ومنسوب إليكم.

ولهذا من تبرأ من هذا الدين وشتمه -والعياذ بالله- ولعنه فليس من أهله، فسب الدين كفر، سب دين الإسلام كفر بدين الإسلام؛ لأن الإنسان الذي يعتنق دين الإسلام ويعتقده دينًا ما يمكن يسبه أبدًا، هو دينه رأس ماله. وقوله: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌوَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌهنا الفاء عاطفة و(يمت) معطوفة على يَرْتَدِدْنعم يَرْتَدِدْ، وفي غير القرآن كم يجوز فيها من وجه؟ طالب: ثلاثة. الشيخ: أو ثلاثة، ثلاثة أوجه. أما في القرآن فيقتصر على القراءة فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌجملة فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌحال، فالرجوع عن الإسلام كفر؛ لأنه ليس هناك واسطة بين الإسلام والكفر، خلافًا للمعتزلة كما سيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى. وقوله: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌهذا القيد يقيد به كل نص دل على أن المرتد كافر، دل على أن الردة تحبط الأعمال، كل نص يدل على أن الردة تحبط الأعمال يقيد بهذه الآية، ما هو القيد؟ أنه إذا مات على الردة، فلو فرض أن أحدًا ارتد عن الإسلام مثلًا صار لا يصلي وعزم على أن لا يصلي، وكان بالأول يصلي، إن مات على عدم الصلاة حبط عمله السابق، وإن هداه الله وصلى فإن عمله السابق لا يحبط، يبقى كما هو، حتى لو كان قد أدى الحج قبل ردته، فإنه إذا عاد إلى الإسلام لا يلزمه إعادة الحج، حتى قال العلماء: إن الرجل لو كان صحابيًّا ثم ارتد عن الإسلام ثم عاد إلى الإسلام هل تبطل صحبته؟ لا، ما تبطل، لا تبطل على الصحيح كما مر علينا في النخبة. والحاصل أن هذا القيد يعتبر قيدًا في جميع النصوص المطلقة الدالة على أن الردة تحبط الأعمال. وقوله: فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ-والعياذ بالله- تحبط في الدنيا، فلا ينتفعون بها ولا يجزون عليها؛ لأن الأعمال لها جزاء في الدنيا ولها جزاء في الآخرة، كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] هذا جزاء الدنيا، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧] هذا جزاء الآخرة، هؤلاء الذين ارتدوا تحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة ومع ذلك في الآخرة لا يسلمون من العقاب. وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِأَصْحَابُ النَّارِيعني: الملازمون لها؛ لأن صاحب الشيء هو الملازم له، فهم أصحابها الملازمون لها الخالدون فيها، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَأبد الآبدين؟ نعم، أبد الآبدين، لا تفنى ولا يفنون، بل يعذبون فيها دائمًا وأبدًا؛ لأنهم كما أفنوا حياتهم الدنيا بالكفر والشرك، حياتهم الآخرة تكون كلها عقابًا وعذابًا والعياذ بالله، بل يقال لهم: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ: ٣٠]، وما العذاب يخفف عنهم حتى إنهم يقولون لخزنة جهنم: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]، ولكن لا يمكن هذا، نسأل الله السلامة، اللهم نجنا من النار. قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِانتبه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواالإيمان في اللغة: التصديق، قال الله تعالى: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا [يوسف: ١٧] أي: بمصدق، يقولونه إخوة يوسف لأبيهم. وأما في الشرع: فإن الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والانقياد، هذا الإيمان، ليس مجرد التصديق؛ ولهذا أبو طالب كان مصدقًا بالرسول صلى الله عليه وسلم وليس بمؤمن لماذا؟ لأنه لم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يذعن له وينقاد له، وعلى هذا فليس بمؤمن. وفـالَّذِينَ آمَنُواأي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والانقياد. وقوله: هَاجَرُواالهجر في الأصل: الترك في اللغة، الهجر في اللغة الترك، ومنه: هجرت فلانًا، إذا لم تكلمه، وله معنيان: عام، وخاص، أما العام فهو: هجر ما حرم الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» هذا بمعنى العام، والمعنى الخاص: أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله بأن يكون هذا البلد أو هذا الوطن لا يقيم الإنسان فيه دينه، فيهاجر من أجل إقامة دين الله، حماية لدينه هو بنفسه ونصرة لدين الله عز وجل، كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» .

الَّذِينَ آمَنُواوهَاجَرُواالمراد بالمهاجرة هنا ما يعم المعنيين: العام والخاص. وقوله: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُواشوف تأمل أعيد الموصول بعد قوله: الَّذِينَ آمَنُواقال: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا، ولكنه في الجهاد ما أعيد ما قال: والذين جاهدوا؛ وذلك لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان، وأما الإيمان فإنه هو أصل الأصول؛، ولهذا جعله منفردًا وحده إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، وأما الهجرة والجهاد فهما عملان متفرعان عنه.

وقوله: جَاهَدُواالجهاد هو: بذل الجهد لأمر مطلوب، والجُهد معناه الطاقة، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة: ٧٩] أي: إلا طاقتهم، وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء، هذا الغالب، وإلا كل أمر شاق تبذل فيه الطاقة فإنه جهاد؛ ولهذا جهاد النفس يسمى جهادًا، جهاد النفس جهاد بلا شك، ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رجع من تبوك قال: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» يعني: جهاد النفس، هذا ما له أصل، ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة. أما الجهاد بالمعنى الخاص فهو بذل الجهد في قتال من؟ في قتال الكفار وهو بحسب ما يحمل عليه؛ إن كان الحامل على ذلك العصبية والحمية والشجاعة والرياء، فإنه ليس في سبيل الله، وإن كان الحامل عليه أن تكون الكلمة العليا، فهو في سبيل الله، قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الرجل: يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .

إذن بهذا يتحدد معنى قوله تعالى: وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِجَاهَدُوامفعولها محذوف للعلم به، أي: جاهدوا من؟ الكفار أو أعداء الله، فِي سَبِيلِ اللَّهِأي: لتكون كلمة الله هي العليا. واعلم أنه يقال: في كذا، ولكذا، وبكذا، يقول مثلًا: جاهدت لله، وجاهدت بالله، وجاهدت في الله، فجاهدت لله، اللام: لبيان القصد فتدل على أيش؟ على الإخلاص، والباء: الباء للاستعانة فتدل على أنك فعلت ذلك مستعينًا بالله، وفي: للظرفية فتدل على أن ذلك الجهاد في ضمن شرع الله لما يتعدى فيه الحدود، كما تقول: صليت لله، وأيش بعد؟ وبالله، وفي الله، أي: في دينه ما خرجت.

وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِتقدم لنا قبل زمن غير بعيد أن السبيل بمعنى الطريق، وأنه يضاف إلى الله تارة، ويضاف إلى الخلق تارة، فمثال الإضافة إلى الله كثير كما في هذه الآية: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ومثال إضافته إلى الخلق قوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥]، سَبِيلِمضاف لـالْمُؤْمِنِينَ. أما إذا قلتم: ابن السبيل، فالسبيل مضاف إليه وليس مضافًا. وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَشوف سبيل المؤمنين ومرة يضيف إليه، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، وأما إضافته إلى الله فلأن الله تعالى هو الذي شرعه ولأنه يوصل إلى الله، فهو مضاف إلى الله من وجهين. قال الله تعالى: أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِكلمة إِنَّ الَّذِينَتحتاج إلى خبر؛ لأن (الذين) اسمها فأين الخبر؟ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِهذا الخبر الجملة؛ لأن (أولاء) مبتدأ، ويَرْجُونَجملة خبر المبتدأ الثاني، والجملة؟ خبر (إن)، فعندنا جملتان: كبرى، وصغرى، والصغرى فيها جملتان: كبرى، وصغرى، ولَّا لا؟ الجملة الكبرى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواوخبرها -هذه الجملة الكبرى- الجملة الصغرى: أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِهذه صغرى باعتبار الأولى، يَرْجُونَصغرى باعتبار المبتدأ الثاني.

أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِإذا قال قائل: كيف هذا التركيب؟ لماذا لم يقل: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله؟ قلنا: لأن الإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم لا سيما وأنه أتى باسم الإشارة الدالة على البعد أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، ثم إن تكرار المبتدأ يجعل الجملة كأنها جملتان، كأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله أولئك يرجون رحمة الله، فيكون في ذلك تنويها بذكرهم من وجهين: أولًا: الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو. والثاني: أن تكرار المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين، يجعلها كالجملتين، فيكون بذلك توكيد على توكيد.

وقوله: أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِالمراد بالرجاء هنا: الطمع، يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِالرجاء بمعنى الطلب في حصول ما هو قريب، هذا الرجاء، والتمني؟ الطمع فيما هو بعيد أو متعذر، ومعلوم أن الرجاء: الطمع فيما هو قريب، لا يكون قريبًا إلا بفعل ما يكون قريبًا به، وهؤلاء فعلوا ما تكون الرحمة قريبة منهم، ما هو الذي فعلوه؟ الإيمان، والهجرة، والجهاد، فإذا لم يرجوا هؤلاء رحمة الله من الذي يرجوها؟ إيمان، وهجرة، وجهاد؛ ولهذا قال: أُولَئِكَ يَرْجُونَهؤلاء هم أهل الرجاء، لكن رجل مقصر لا هجرة ولا جهاد ولا عمل إلا القليل رجاؤه أيش؟ رجاؤه يقولون: التمني رأس مال المفاليس، المفاليس يعني: ما عندهم شيء، يتمنى ولكن ما عنده شيء، فهؤلاء هم أهل الرجاء، أما الذي يرجو يفعل المعاصي، وتنهاه، وترشده ويقول: رحمة الله واسعة، هذا محل الرجاء؟ لا، الرجاء لا بد من أسبابه، حسن الظن بالله لا بد أيضًا من أسبابه. إذن: يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِبما عملوا، لكن مع ذلك..