تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٤٢

درس صوتي · ٩٢:١٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

والنداء عليهم بهذا الأمر أو بهذه الجناية التي جَنْوَها، وهي أيضًا إشارة إلى العلة، وهي أيضًا تفيد التعميم يعني كل من بدل بما هو مؤتمن عليه فإنه عليه الإثم. قوله: عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [البقرة: ١٨١] أي: يبدلون أيش؟ الإيصاء، يبدلون الإيصاء، ثم قال: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌالجملة هذه جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، وفائدتها التهديد، وكيف نقول في سميع عليم؟ بعضهم وزع هذين الاسمين فقال: سميع لوصية الموصي، عليم بتبديل المبدّل، فما رأيكم في هذا؟ وزَّع الاسمين على الموصِي وعلى المبدِّل فقال: سميع لوصيته، عليم بتبديل المبدل، وعندي أن الأوْلى أن تُجعَل على العموم؛ لأن الوصية قد لا تكون مسموعة، قد تكون مكتوبة، يكتبها الموصي، قد يكتبها بيده فلا تُسمَع فيكون مُتعلَّقها العلم، وكذلك التغيير تغيير الوصي، هل هو يعني لا يكون إلَّا بغير الصوت؟ قد يكون بالصوت قد يقول الوصي مثلًا: خذ يا فلان عشرين ألفًا وهو ما وصي له إلا بعشرة آلاف ريال، فيكون مصوتًا بصوت يُسمَع، فالصواب أن هذين الاسمين عائدان إلى الوصيِّ والموصي، فإذا قال قائل: ما وجه تعلُّق العلم بالموصي؟ نقول: وجهه ظاهر لأن الموصي قد يحيف في وصيته فيكون مهدَّدًا بماذا؟ بعلم الله، فيكون مهددًا بعلم الله. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ طالب: (...) ولولا تعميمها في كل آية (...). الشيخ: إي نعم، ها الأصل هو التعميم، ما دام أن التعليل تعقَّب جملًا أو أحكامًا فهو لها كلها هذا هو الأصل. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌوقوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌهذان اسمان من أسماء الله عز وجل، أما السميع فيتعلق بجميع الأصوات كل الأصوات رفيعها وخافضها، المفهوم وغير المفهوم، ما من صوت وإن خَفِي إلا والله جل وعلا يسمعه، وقد تقدم لنا أن عائشة رضي الله عنها لما نزل قوله سبحانه وتعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١] قالت: تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَفِي الْحُجْرَةِ، وَإِنَّهُ لَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ حَدِيثِهَا ، والله جل وعلا من فوق سبع سماوات يسمع كلام هذه المرأة التي تجادل الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي هذا دليل على إحاطة سمع الله بكل شيء. وسبق لنا أن السمع ينقسم إلى قسمين: سمع إدراك، وسمع إجابة، وأن الإدراك كم؟ ثلاثة أقسام: تهديد، وتأييد، ومجرد الإدراك والإحاطة لا تهديد ولا تأييد، وأما سمع الإجابة فإنه في قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩] أي: مجيبه، وقوله: عَلِيمٌالعلم من أوسع ما يكون تعلقًا من صفات الله، من أوسع ما يكون، قال السفاريني رحمه الله:

وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا

بِكُلِّ شَيْءٍ.........

يعني: من الواجب والجائز والمستحيل، كل شيء، فالله تعالى يعلم الواجب ويعلم الجائز ويعلم المستحيل، يعلم الواجب مثل أيش؟ طالب: يعلم ذاته. الشيخ: نعم، يعلم ما يتعلق بذاته وصفاته، وما يجب له من صفات الكمال، ويعلم الجائز ما يتعلق بالمخلوقات الممكنات؛ لأن كل المخلوقات من قسم الممكن الجائز، ويعلم المستحيل مثل قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]. هذا مستحيل، مستحيل أن يكون في السموات والأرض آلهة سوى الله، ومع ذلك أخبر الله بأنه لو كان لفسدتا، إلى غير ذلك مما أخبر الله به عن الأمور التي لا يمكن أن تقع، مستحيلة. وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌعِلْم الله عز وجل كما يتعلق في الظاهر يتعلق بالباطن وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦]، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]. فإذا آمنت بأن الله تعالى محيط علمُه بكل شيء أوجب لك ذلك تمام الخشية منه والخوف، وأن لا يفقِدَك حيث أمرك ولا يجِدَك حيث نهاك. طالب: حين يجمع بين العليم والخبير، ما الفرق بينهما؟ الشيخ: الفرق أنه يكون الخبير ببواطن الأمور والعليم بالظواهر. طالب: إذا قال الإنسان: أو لا، قال المجاوب: نعم؛ يعني: نعم لا؟ الشيخ: لا، نعم ظاهر قصده ما هو بنعم لا، إذا قلت: هل هذا كذا أو لا؟ طالب: على تقدير حرف نعم أو لا.. الشيخ: نعم، الأول. طالب: شيخ، (...) إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌسميع لكل مسموع، سليم هذا التعبير ولَّا؟ الشيخ: لا، الأحسن تقول لكل صوت؛ لأنه هنا أشياء لا نسمعه يسمعه الله. الطالب: سميعًا لكل سمع بالنسبة لله. الشيخ: لكل مسموع بالنسبة لله؟ لا، يصير هذا تحصيل حاصل؛ لأننا لو قلنا: سميع لكل مسموع، معناه سميع لما يسمع (...) لكل مسموع منه. طالب: لكل مسموع شأنه أن يسمع. الشيخ: بلى، إحنا نقول نقول لكل صوت أحسن. طالب: ما في صوت إلا ويسمعه الله. الشيخ: ما من صوت إلا ويسمعه الله، نعم. يقول: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌنقول: (...) هذه أحسن، إحنا نقول مثلًا: إن كلام (...) فيه شيء، لكن نقول: هذا أحسن وأطيب. قال: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ١٨٢] قوله: فَمَنْ خَافَنقول في (مَنْ) كما قلنا في الأول أنها شرطية، وخَافَفعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. وقوله: فَأَصْلَحَجواب الشرط؟ طالب: صحيح. الشيخ: صحيح؟ لا، خطأ. طالب: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. الشيخ: الجواب فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِفَأَصْلَحَمعطوفة على خاف. وقوله: جَنَفًاالجنف الميل عن غير قصد، أَوْ إِثْمًاالميل عن قصد، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْأي: فعل صالحًا، وليس المعنى أصلح الشقاق؛ لأنه قد لا يكون هناك شقاق؛ لكن أصلح بمعنى حول الأمر إلى شيء أيش؟ صالح كما تقول: أصلحت الكسر وأصلحت العيب، يعني فأصلح الوصية، ولكن هكذا قال بعض المفسرين، لكن هذا القول وإن كان وجيهًا من بعض الوجوه لكن كلمة فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْتدل على أن المراد بذلك إصلاح الشقاق بينهم إذ إن البينية لا تكون إلا بين شيئين. وقوله: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِأي فلا عقوبة وهذا كالمستثنى من قوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ [البقرة: ١٨١]. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌجملة تعليلية للحكم. يقول الله عز وجل: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْفَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍتشمل الخوف منه في حياته، إنك تخاف أن يقع في إثم، وحينئذ يكون أصلح لا شك أن المراد بها ضد الفساد لا إصلاح الشقاق؛ لأنه إلى الآن ما وقع الشقاق؛ إذا كانت المسألة من الإنسان إلى الموصي مثلًا طلبك رجل مريض وقال: أريد أن تكتب وصيتي، قلت: تفضل أوصى. قال: أوصيتُ لبنتي فلانة بخمس مالي، هنا حكم (مِن) أيش؟ الجنف أو الإثم، إن كان الرجل جاهلًا فهو جنف، وإن كان عالمًا فهو إثم، إذا كان جاهلًا أعلمه، وأقول: هذا لا يحل لك، نعدل الوصية نلغيها فهمتم؟ إذا كان عالمًا أنصحه وأعظه وأخوِّفه بالله لأن بعض الناس -والعياذ بالله- إذا كان (...) عصبة أبناء عم ولا سيما إن كان بينه وبينهم شيء من العداوة، تجده يحرص على أنه يحصر ماله في بناته مثلًا، أو ما أشبه ذلك، هذا ما يجوز، هذا حرام، فيوصي للبنات بالوقف يقول: وقَّفْتُ بيتي على بناتي. نقول: يا رجال، هذا ما يجوز تُوَقَّف بيتك على بناتك بعد موتك، هذه وصية لوارث، قال: هذا بيصيرين أرامل وضعيفات ما عندهن أحد، وعيال عمي (...) ماذا نقول له؟ طالب: (...). طالب آخر: إن كان جاهلًا (...). الشيخ: نُصْلِح نصلح، نصلحه نُصْلِح بينهم، نقول: هذا شيء لا يجوز، ويجب أن تغير، واضح؟ أما إذا كانت الوصية خاف من موص جنفًا بحيث يكون ذلك من بعد موته، بعد موت الموصي أطلع على وصيته فإذا هي مخالفة للشرع، فحينئذ تكون أَصْلَحَمعناها أزال الشقاق؛ لأنه إذا أراد أن يغيرها والموصَى له قد علم، أيش يقول الموصى له؟ يقول: لا ما يمكن، والورثة يقولون: لا ما يمكن يوصى له، فيحصل الشقاق فإذا أصلح بينهم ورد الأمر إلى نصابه، وإلى ما تقتضيه الشريعة الإسلامية فلا إثم عليه. تبين لنا الآن أن الآية الثانية كالاستثناء من الآية الأولى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [البقرة: ١٨١]. وقوله: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِلماذا لم يقل: فلا إثمٌ عليه؟ الطلبة: نافية للجنس. الشيخ: لأنها نافية للجنس، والنافية للجنس هنا أعم يعم القليل والكثير، ثم قال: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قال: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠] إلى آخره. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الوصية للوالدين والأقربين فرض على من ترك مالًا كثيرًا، تؤخذ؟ الطلبة: من كُتِبَ. الشيخ: ويش بعد؟ الطلبة: حقًّا. الشيخ: وحَقًّاوعَلَى الْمُتَّقِينَ. لكن هذه الآية خُصِّصَت بآيات المواريث، تبع الفائدة، نعم خصصت بآيات المواريث فمن ورث من هؤلاء فلا وصية له، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . ومن فوائد الآية: اعتبار قول من حضره الموت؛ لقوله: إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة: ١٨٠]. إن قوله معتبر ولكنه مقيد بما إذا كان يعي ما يقول أما إذا كان لا يعي ما يقول فليس بمعتبَر، والموتى يختلفون منهم من يعي ما يقول إلى أن تخرج روحه، ومنهم من يذهل ولا يحس بشيء. ومن فوائد الآية الكريمة: أن للقرابة حقًّا في مال الإنسان؛ لقوله: الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. ومنها: اعتبار الأقرب فالأقرب؛ لقوله: وَالْأَقْرَبِينَ. ومنها: أن الوصية هنا ليست مقيدة بجزء معين بل هي بالمعروف. ومنها: تأكيد حكم هذه الوصية بقوله: حَقًّا. ومن فوائد الآية أيضًا: أن المتقي لله عز وجل هو المنفِّذ لأحكامه؛ لقوله: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ. طالب: شيخ، (...) ألا يتعارض مع الحديث: لا يحل لمؤمن (...). الشيخ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ». طالب: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» . الشيخ: ما تفيد هذا لكنه تفيد جواز الوصية عند حضور الأجل، ولَّا في الحزن لا شك أنه يدل عليه حديث ابن عمر لأنه يسمى ما يدري (...). طالب: (...). الشيخ: (...) معناه أنه لا بد أن يفعل هذا الظاهر والله أعلم، ما هو بلازم في هذا الوقت. طالب: شيخنا، بعض العلماء (...) هذه الآية مثال على نسخ السنة بالقرآن. الشيخ: أو القرآن بالسنة. طالب: لا، السنة بالقرآن. الشيخ: القرآن بالسنة. طالب: (...)؟ الشيخ: (...). طالب: حديث أبي أمامة اللي يقول: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . الشيخ: نسخ القرآن بالسنة. طالب: إي، يعني السنة هس اللي ناسخة. الشيخ: إي (...). طالب: ما يصح هذا؟ الشيخ: ما يصح، لأن الحديث هذا مُبَيِّن للناسخ مبين، وليس هو الناسخ، الناسخ الآية التي نسخت. طالب: لكن يرد هذا (...) الآية وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء: ١٢] الآيات، يقول: معناه أن الآية هذه كُتِبَ عَلَيْكُمُما فيه نسخ. الشيخ: ما في أيش؟ طالب: (...) آية المواريث والآية كُتِبَ عَلَيْكُمُ: فالواحد يقول: ما فيه نسخ، يعني هذا وصية للوالدين، للأقربين، وهذا نقول: مثلًا (...). الشيخ: لكن لما قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [النساء: ١١] المواريث قال: من بعد وصية، وقال فيها: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ [الطلاق: ١] فلما قال من بعد وصية، وقال: إن هذه محددة عُلِم أن الوصية لغير هؤلاء، وإلا لكانت هذه الأنصبة غير محددة. طالب: من بعد وصية لهم، أو لغيرهم؟ الشيخ: طيب، لهم ولغيرهم، لكن لو أوصى لهم لزاد على هذه الحدود، لو أوصت المرأة لزوجها لزادت على النصف، لزاد على النصف والله يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ طالب: إذن ما الحاجة (...). الشيخ: لا، يبين، لا شك أنه يبين للناس، يعني بَيَّن لنا عليه الصلاة والسلام أن هذه الفرائض خصصت آية الوصية ما نسختها، والصحيح أنه مبين مثَّلوا بهذا، يعني بعض الأصوليين مثل بهذا بأن هذا الحديث ناسخ للقرآن، والصواب أنه ليس بناسخ حتى لو فُرِضَ أنه هو المستقل فليس بناسخ؛ لأنه مخصص فقط. طالب: شيخ، (...) قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ [النساء: ١١]. الوصية الآن قبل الموت (...) فالوصية خارجة عن (...) هذا موضوع خارج؟ الشيخ: الوصية متى تثبت؟ طالب: تثبت بعد الموت. الشيخ: والميراث؟ بعد الموت فإذن يكون الوصية، عارف لأنك تريده بعد الموت، المهم على كل حال الحديث هذا بعض العلماء يقول: إنه دليل على نسخ القرآن بالسنة، ولكنه ليس بصحيح، أولًا إنه ليس هذا بنسخ، بل هو من باب التخصيص، ثم على فرض أنه نسخ فهو مُبَيِّن للناسخ وليس بناسخ. طالب: شيخ، الوصية (...)؟ الشيخ: نعم، هذا صحيح الوصية هنا مطلقة، لكن قوله: بِالْمَعْرُوفِمقيد له، لأن المعروف ما عرفه الشرع وما جرى به العرف. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، فيها لكن هذا استحسان ما هو بلازم. يقول: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من فعل الخير، ثم غُيِّرَ بعده كُتِبَ له ما أراد؛ لقوله: فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بدل الوصية جهلًا فلا إثم عليه؛ لقوله: بَعْدَمَا سَمِعَهُ، ويؤخذ من هذا بل من باب أولى أنه لو تصرف في الوصية تصرُّفًا خطأ يعتقد أنه على صواب، فإنه لا ضمان عليه لأنه مولًّى، مولى على التصرف فيها، فإذا أخطأ فلا ضمان إذا لم يكن هناك تفريط أو تعدي. ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تغيير الوصية؛ لقوله: فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. فيجب أن يُعْمَل بوصية الموصي على حسب ما أوصى، إلا ما سيأتي إن شاء الله في الآيات التي بعدها. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وما تضمناه من الصفة والحكم أيضًا الذي هو الأثر، فالسميع اسم والسمع صفة، وكونه يسمع أثر، والعليم كذلك اسم، والعلم صفة، وكونه يعلم هو الأثر أو الحكم. ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله عز وجل بكل أعمال الخلق؛ لأنها ذُكِرَت عَقِب التهديد في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، وهذا يدل على أن الله تعالى يسمع ويعلم. ومن فوائدها: الرد على القدرية والرد على الجبرية، ففيها ردٌّ على القدرية وردٌّ على الجبرية، الجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، مجبر على عمله ولا قدرة له ولا اختيار، وهؤلاء أنكروا حكمة الله عز وجل؛ لأننا إذا قلنا بهذا القول الباطل انتفت حكمة الأمر والنهي، وصار من فَعَل ما أُمِر به أو ترك ما نهي عنه ليس أهلًا للمدح ولا للذم، السبب؟ طالب: أنهم آلة. الشيخ: لأن جميعهم آلة، ما عندهم قدرة ولا اختيار ولا شيء، وكذلك أبطلوا حكمة الله تعالى في الجزاء لأنه يجزي المحسن وهو غير محسن في الواقع، ويثيب العاصي وهو غير عاص. الطلبة: يجازي العاصي. الشيخ: يثيب العاصي، وهو غير عاص هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين: ٣٦]. طيب، أقول: فيها رد على الجبرية؛ لقوله: فَمَنْ بَدَّلَهُهذا وجه الرد على الجبرية، فأضاف التبديل إلى الإنسان. فَمَنْ بَدَّلَهُفيها رد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ولا تتعلق به إرادة الله ولا خلق الله، ما لله عليه إرادة ولا قدرة ولا خلق قول من؟ طالب: القدرية. الشيخ: القدرية، وغلاتهم ينكرون العلم والكتابة أيضًا، يقولون: إن أفعال العباد غير معلومة لله، ولا مكتوبة عندهم أفهمتم؟ هؤلاء الغلاة اللي خرجوا في زمن ابن عمر وقالوا: إن الأمر أُنُف مستأنف، ما كان الله ليعلم شيئًا مما نفعله إلا إذا وقع علمه بعد رؤيته أو سمعه. وجه الدلالة من هذه الآية على الرد عليهم أنه أثبت العلم لله، وقد قال الشافعي وغيره من السلف قال: ناظروا القدرية بالعلم، ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خُصِمُوا، وإن أنكروه كفروا. (...) القدرية المقتصدون منهم والذين استقر مذهبهم عليه هم الذين يقولون: إن الله يعلم أفعال العباد، لكنه سبحانه وتعالى لا يشاؤها ولا يخلقها، إنه يعلمها ومكتوبة عنده، فقالوا لهم السلف: ناظروهم بالعلم، إن قالوا: إن الله يعلم خصموا، إن قالوا: إن الله ما يعلم كفروا، أما إذا قالوا: إن الله لا يعلم فكفرهم واضح لتكذيبهم القرآن، وأما إذا قالوا: إنه يعلم لكن ما يخلقها ولا يقدرها كيف يُخْصَمون؟ نقول: هذه الأشياء هل وقعت على خلاف معلومه أو على وفق معلومه؟ ماذا يقولون؟ سيقولون: على وفق معلومه؛ لأنه إن قالوا: على خلافه فمعناه ما عَلِم، فإذا كانت على وفق معلومه لزم أن تكون مرادة له وإلا لما وقع، فالحاصل أن في الآية ردًّا على الجبرية وعلى القدرية، نعم ولاحظوا أن القدرية والجبرية كلا منهم غلا في جانب من جوانب القدر، والوسط هو الخير فأهل السنة والجماعة كما تعرفون يثبتون لله العلم والكتابة والمشيئة، ويش بعد؟ والخلق، المشيئة هي الإرادة، والمشيئة والخلق، كما يثبتون للإنسان أيضًا إرادة مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢]، ويثبتون للإنسان أيضًا مشيئة وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠]. ثم قال الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٨٢]. هذه الآية استثناء من قوله: فَإِنَّمَا إِثْمُهُفيستفاد منها: نفي أو رفع الإثم عمن أصلح في الوصية إذا حصل جنف أو إثم، والفرق بينهما سبق في التفسير، الجنف: الخطأ من غير قصد، والإثم: الخطأ بقصد. ويستفاد منه: أنه قد يُعَبَّر بنفي الإثم دفعًا لتوهمه، وإن كان الأمر في نفسه واجبًا، وهذه فائدة تنفعكم في كثير من المسائل، أنه قد يعبر بنفي الإثم أو نفي الجناح دفعًا عن توهمه وإن كان الشيء أمرًا واجبًا، وهذا أقول: إنه ينفعكم في هذا المكان وفي غيره، فالإصلاح عندما يخاف جنفًا أو إثمًا أيش حكمه؟ واجب، لكن نفى الإثم الذي أُثْبت في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُفكأنه قال: لَا إِثْمَ عَلَيْهِويرجع الأمر إلى أصله الأول وهو أن الإصلاح واجب، ونظيره قوله تعالى فيما سبق: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨] هذا لنفي الجناح المتوهم من الطواف بين الصفا والمروة، ومثله قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء: ١٠١]، مع أن قصر الصلاة للمسافر حكمه إما واجب أو سنة مؤكدة على رأي الجمهور، ومع ذلك نفى عنه الإثم دفعًا لتوهم الإثم في قصر الصلاة. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن تغيير الوصية لدفع الإثم جائز ولَّا لا؟ جائز، ولكنه واجب من دليل آخر، واجب من دليل آخر ما هو من هذه الآية، طيب تغيير الوصية لما هو أفضل لا لدرء الإثم ما حكمه؟ طالب: ما يجوز. الشيخ: ما تقولون فيه؟ فيه خلاف بين أهل العلم منهم من قال: لا يجوز، لا يجوز أن تغير الوصية لما هو أفضل لعموم قوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ [البقرة: ١٨١] ولم يستثن إلا ما وقع في الإثم فيبقى الأمر على ما هو عليه لا يغير، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز تغييره إلى ما هو أفضل، بل يجوز تغييرها إلى ما هو أفضل؛ وذلك لأن الغرض من الوصية التقرب إلى الله عز وجل؛ وكل ما كان أقرب فإنه أحب إلى الله وأنفع للموصي أيضًا والموصي بشر، قد يخفى عليه ما هو الأرجح وما هو الأفضل، ثم إنه يكون في وقت ما الأفضل غير ما هو الأفضل في وقت آخر، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: نعم ونحن أدركنا ما نسمعه من الناس أنه فيما سبق من أحب الأشياء إلى الفقراء أن يطبخ لهم الطعام واللحم ويأكلون، لكن الآن الدراهم أحب إليهم ومشاريع أخرى أنفع، وقال هؤلاء الذين أجازوا تغيير الوصية إلى ما هو أفضل قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز تغيير النذر مع وجوبه لما هو أفضل، فالرجل الذي جاء إليه وقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد عليه قال: «صَلِّ هَاهُنَا» فأعاد الثالثة، فقال: «اصْنَعْ مَا شِئْتَ»، أو كلام هذا معناه، قال «شَأْنَكَ إِذَنْ» فهذا دليل على جواز تغيير الشيء إلى ما هو أفضل، والذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كانت الوصية لمعين فإنه لا يجوز تغييرها؛ لتعلق حق المعين بها كما لو كانت الوصية على أولاده مثلًا، الوصية لأولاده وليس هناك وارث غيرهم، أو مثلا وَقَّفَ وَقْفًا على أولاده فإنه لا يجوز أن يُغَيِّر لماذا؟ لتعلق حق الغير المعين به، أما إذا كان على غير معين كما لو كان على المساجد، فرأينا أن الجهاد أن صرفه في الجهاد أولى صرفناه في الجهاد، على المساجد فأصاب المسلمين مسغبة، يضطرون إلى إنقاذهم من الجوع والعُرْي صار صرفها إلى هذا أفضل وأولى، فالمهم أن الذي نرى في هذه المسألة، لا في الوصية ولا في الوقف، أن ما كان على معين فإنه لا يصرف إلى غيره لتعلق حق المُعيَّن به، شخص معين كيف يصرفه إلى غيره، أما إذا كان على جهة كالفقراء والمساجد وطبع الكتب وما أشبه ذلك فإنه لا حرج أن يصرف إلى ما هو أفضل؛ لأن ذلك أنفع للموصِي والموقِف وأصلح. طالب: إن كان دارًا يا شيخ أو مسجدًا؟ الشيخ: كل واحد سواء دار أو غير دار. طالب: مثلا يعني (...) إذا رأى أن المسجد (...)؟ الشيخ: إي نعم، وكذلك المسجد لو تعطل. طالب: أو دار. الشيخ: وكذلك المسجد لو تعطل مثلًا، ورحل الناس عن مَحَلته فلا حرج أن يبيعه، وينقله إلى مكان آخر. طالب: والدار كذلك؟ الشيخ: وكذلك الدار على غير معين. طالب: (...) يجيب؟ الشيخ: يجيب عليه إن قوله: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْاعتبار الأصلح. طالب: لكن من يغير؟ الشيخ: يغيره الوليُّ؛ لأن الوصية لا بد فيها من وصيٍّ، فإن لم يكن وصيٌّ خاص فالولي العام؛ القاضي. طالب: (...) معرفة الأمور (...). الشيخ: إذا لم يصلْ إلى هذا، فإنه يجب على الحاكم الشرعي أن يضم إليه أمينٌ عادلٌ، ما تخل للأوقاف العامة هكذا، أما الخاصَّة فشأنه، ما تغير الخاص، لكن الأوقاف العامة لا بد إذا كان الناظر عليها في الوقف أو الوصي في الوصية، إذا كان غير أهل إما لعدم قوته أو لعدم أمانته فإنه يضم إليه من يقوم بالأمر. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وما تضمناه من وصف وحكم، وما تضمناه من وصف وحكم؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٢]. ومن فوائد الآية: فضيلة الإصلاح؛ لقوله: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْحيث إن الإصلاح الآن صار فيه خير وهو درء الإثم عن الموصي، وإزالة العداوة والشحناء بين الموصَى إليه والورثة؛ لقوله: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٨٢].

تفسير الآيتين (١٨٣-١٨٤)

٠٠:٣٨:٣٤

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣]. أولًا: الخطاب بالنداء تقدم أنه يدل على تنبيه المخاطب لأمر ذي شأن؛ ولهذا وجه إليه النداء: يَا أَيُّهَافكأنه يقول: انتبه، ثانيًا: تعليق هذا بوصف الإيمان فيه ثلاث فوائد: أولًا: الإغراء بالانتساب، وثانيًا: أن هذا من مقتضى الإيمان، وثالثًا: أن تركه نقص في الإيمان، أما وجه كونه مفيدًا للإغراء؛ فلأن مناداة الإنسان بهذا الوصف يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواتستلزم حثهم على هذا الشيء بسبب إيمانهم، ولهذا لو أقول لك: يا رجل، افعل هكذا، هذا يغريك على فعله، وكأنك إذا لم تفعله فاتك وصف الرجولة، هذا السبب في أنه يفيد الإغراء، أما كونه يفيد أنه مقتضى الإيمان؛ فلأنه وجه إلى المؤمنين فكان ذلك لمقتضى إيمانهم، وأما كونه نقصًا فيما لو تخلف فلأنه لما خُصَّ به المؤمن عُلم أنه من خصاله، وإذا فاتت خصال الإيمان أو فات شيء منها صار ذلك نقصًا في الإيمان، إذن نخلص من هذا إلى أن الصيام مما يُعْتَنى به ويهتم به. كُتِبَ عَلَيْكُمُأي فرض، والذي فرضه هو الله سبحانه وتعالى. الصِّيَامُهذه نائب الفاعل كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُفهو نائب الفاعل المرفوع. والصيام في اللغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم: ٢٦] يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قولها: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦]، وأما في الشرع فإنه: التعبد لله سبحانه وتعالى بترك المفطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣] الكاف هذه حرف جر، وتفيد التشبيه ولكنه تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس للمكتوب بالمكتوب كَمَا كُتِبَ، وهذا أعني التشبيه بالفعل دون مَن وقع عليه الفعل هذا أمر مطرد، «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» التشبيه هنا للرؤية ولَّا للمرئي بالمرئي؟ للرؤية بالرؤية؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى المصدر، فقوله: كَمَا كُتِبَنقول هنا التشبيه المكتوب بالمكتوب ولَّا الكتابة بالكتابة؟ الكتابة بالكتابة؛ أي: ككتابته، ولهذا نقول (ما) هنا مصدرية وليست اسمًا موصولًا. وقوله: عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْمن أين؟ من الأمم السابقة، يعم اليهود والنصارى ومن قبلهم، كلهم كتب عليهم الصيام، ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت والزمن. وقوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْهذا التشبيه فيه فائدتان لنا، الفائدة الأولى: التسلية والتأسي بمن سبق؛ حتى لا تقول هذه الأمة: إن الله سبحانه وتعالى حملنا آصارًا وأثقالًا بهذا الصوم، لا سيما في أيام الصيف، فيقال: اطمئنوا فالأمر كنتم مسبوقين به، ولا شك أن الإنسان إذا ذُكِرَ له من شاركه في أمر شاق، فإنه يُهَوِّن عليه، ودليل ذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]. يعني: لن ينفعكم اشتراككم في العذاب، بل هنا في الدنيا إذا اشترك الناس في العذاب هان عليهم؛ ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي

عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ

أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي

فهؤلاء في النار ما ينفعهم الاشتراك في العذاب أن يهون عليهم، كذلك هنا لما ذكر الله أنه فرض علينا الصيام بَيَّن أنه فرض على من قبلنا حتى نطمئن ولا نقول: إننا حُملنا ما لم تحمل الأمم السابقة هذه واحدة، الفائدة الثانية لنا في ذكر كتابته على من سبقنا: بيان أن هذه الأمة كُمِّلت لها الفضائل كما كُمِّلَت للأمم السابقة، ولا ريب أن الصيام لله عز وجل من أعظم الفضائل، أن الإنسان يترك شهوته وطعامه وشرابه أشهى ما (...) إليه لله عز وجل، ومن أجل هذا اختص الله ثوابهم لنفسه، اختصه لنفسه فقال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الْصَوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتُهُ مِنْ أَجْلِي» . طالب: (...). الشيخ: (...). طالب: (...). الشيخ: من؟ طالب: الأمم السابقة (...). الشيخ: طيب هذا من نعمة الله علينا؛ لأنه نقول: إنه لما فرض الله علينا بين أنه قد فرض على من سبقنا حتى لا نقول: إنه من الآصار التي علينا. طالب: (...). الشيخ: نعم، وأيضًا نتأسى بذلك، ما دام هذا مفروضًا على غيرنا، فإنه يهون علينا، الآن الناس.. طالب: (...) حتى وإن لم يكن مكتوبًا. الشيخ: (...)، الله عز وجل يهون الأمر علينا كونها تأتي في أيام معدودات (...) سمعنا وأطعنا إن شاء الله تعالى (...) ويذكِّر العباد بأشياء حتى يهون عليهم الأمر وينقادوا تمامًا. طالب: (...). الشيخ: تتقون الله عز وجل، هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم، وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية أو مصالح اجتماعية فإنها تبع وإلَّا ففيه مصالح بدنية واجتماعية، وأنا يؤسفني كثيرًا أن يركز بعض الناس على فوائد الصوم البدنية والاجتماعية، أنا لا أقول لا تُذْكَر، تذكر لكن لا يركز عليه، وكأنه ما شرع إلا لها لأن هذا يذهب روح الصيام، وهو التعبد لله به، فإذا قيل للإنسان: أنت إذا صمت صار في هذا زوال للفضلات التي في بدنك من كثرة الطعام، وصار في هذا كذا وكذا من الفوائد الطبية، وصار في هذا أيضًا تذكير لك بإخوانك الفقراء حتى تواسيَهم بمالك وما أشبه هذا من أمور، ما نقول هكذا، وننسى الأصل الذي من أجله كتب الصيام وهو تقوى الله؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فَي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» هذا هو الحكمة من الصوم، والتقوى فيه ظاهرة جدًّا، ولا حاجة إلى أن آتي لكم بشاهد وأنتم تصومون رمضان وتحسون بما يكون في نفوسكم من تقوى الله عز وجل في أيام الصوم، والإنسان بمجرد ما يقول لنفسه أو يُشْعِر نفسه أنه ترك ملاذه لله، لا شك أنه يقول: إذا تركت هذه الملاذ التي هي من مقتضى طبيعتي، وتحثُّ عليها طبيعتي حثًّا عظيمًا، فإن هذا لا شك أنه يكسب قلبه محبة الله وتعظيمًا له ونورًا وإيمانًا وطمأنينة، وهذا هو السر في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. طالب: شيخ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَهنا مطلقة (...) وجهه؟ الشيخ: لا، ما له وجه الصواب أنكم لعلكم تتقون الله؛ لأن التقوى إذا أطلقت فهي هذا تقوى الله مثل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]، وما أشبهه. طالب: قد يقول قائل: إن التقوى غالبًا تكون في الإفطار أكثر منها في الصيام، وذلك لأن الجسم عندما يكون نشيطًا يكون أخشع لله، وإذا كان غير ذلك لا بد أنه يثقل الذكر والعبادة؟ الشيخ: ما جربت يا ولدي، الشبع هو الذي يدعو إلى الأشر والبطر. طالب: وإلى النوم. الشيخ: وإلى النوم الإنسان إذا شبع (...). طالب: بالأخص إذا كان الجو حارًّا. الشيخ: صحيح أنه يتعب، لا شك أنه يتعب، فهمت؟ لكن هذا التعب وهذا الانكسار له تأثير على القلب، تأثير يعرفه أرباب السلوك، نحن ما نعرفه، إحنا يعني إلى المادة أقرب منا إلى الروح، لكن على كل حال أرباب السلوك يعرفون هذا، فله إصلاح عظيم للقلب، إذا كان في الحدود الشرعية، أنا ما أقول: موت روحك من الجوع لو أنك كنت صائم، لا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ [البقرة: ١٧٢]، لكن له تأثير لا سيما إذا اقترن به أن الإنسان يشعر بأنه يتعبد لله، وهذا له فائدة عظيمة. طالب: (...). الشيخ: طيب ثم قال: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة: ١٨٤] أيامًا هذه مفعول لقوله: الصِّيَامُ؛ لأن الصيام مصدر يعمل عمل فعل ولَّا لا؟ هنا مر علينا من كلام ابن مالك؟ ويش يقول؟ طالب:

بِفِعْلِهِ الْمَصْدَرَ أَلْحِقْ فِي الْعَمَلْ

مُضَافًا اوْ مُجَرَّدًا أَوْ مَعَ أَلْ

الشيخ: أو مع (أل). طالب:

إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ

مَحَلَّهُ وَلِاسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ

الشيخ: المهم هو الآن مع أل فهمت؟ فالصيام عمل في قوله: أَيَّامًايعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات. وقوله: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍنكرة، والنكرة تفيد القلة وتفيد الكثرة وتفيد العظمة وتفيد الهون حسب السياق، لما قرنت هنا بقوله: مَعْدُودَاتٍأفادت القلة يعني: هذا الصيام ليس أشهرًا ليس سنوات ليس أسابيع ولكنه أيش؟ أيام، أيام معدودات قليلة. ومَعْدُودَاتٍلا يخفاكم أنها من صيغ جمع القلة؛ لأن جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم من صيغ جمع القلة يعني فهي أيام قليلة، وصدق الله عز وجل؛ قليلة إذا نسبت ثلاثين يوما لثلاث مئة وستين يوما. طالب: (...). الشيخ: قليلة، ومع ذلك فيها هذا الفضل العظيم: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، ثم قال فالاستثناء من قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُلأن يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُيشمل المريض والمسافر والقادر والعاجز، لكن قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَمَنْشرطية وكَانَفعل الشرط وفَعِدَّةٌالجملة جواب الشرط، وعدة مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه عدة من أيام أخر، ويجوز أن تكون خبرًا مبتدؤه محذوف، والتقدير: فالواجب عدة. وقوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًامريضًا أخذ بعض أهل العلم بظاهرها، وقال: أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، أي مرض يصيب الإنسان فله أن يفطر، ولكن في هذا نظر ووجهه إنه إنما استثني المريض لمشقة الصوم عليه، وعلى هذا فنقول: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًامرضًا يشق عليه الصوم أو يتأخر به البُرْء، يعني: ما يشق عليه، لكن يتأخر به البرء، أو يفوت به العلاج، كما لو قال له الطبيب: خذ حبوبًا كل أربع ساعات وما أشبه ذلك، فالمهم إذا كان للصوم تأثير على هذا المرض بمشقة أو تأخر برء أو اختلاف في العلاج فإنه يجوز له أن يفطر، أما مريض في ضرسه مثلا، فصار معه كسل بسبب وجع الضرس ولكنه يتحمل الصيام بدون مشقة، نقول له: أفطر؟ ما نقول: أفطر، أو كان في أصبعه شوكة صار معها بعض الفتور من أجلها، لكنه لا يشق عليه الصوم، فهذا أيضًا لا نقول له: أفطر؛ لأنه لا داعي للفطر، فالمرض لن يؤثر عليه إطلاقًا، فإذا قال قائل: نحتاج إلى دليل على هذا التخصيص. قلنا: التخصيص مفهوم من العلة. وقوله: أَوْ عَلَى سَفَرٍعلى سفر، ما قال: أو مسافرًا مع أنه قال في الأول: مريضًا، ولم يقل: في مرض، فلا بد أن يكون هناك حكمة في اختلاف التعبير، فما هي الحكمة؟ الحكمة من قال: إن من عزم على الرحيل فله الإفطار ولو كان في وسط بلده، كما هو مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال: إنه هو السُّنة ، فإنه يظهر تمامًا معنى قوله: أَوْ عَلَى سَفَرٍلأن المتهيِّئ للسفر المرتحل لو ما خرج وصار في سفر حقيقة فإنه على سفر، ولهذا يقول الشاعر:

مَرَّ الْجَرَادُ عَلَى زَرْعِي فَقُلْتُ لَهُ

لَا تَأْكُلَنَّ وَلَا تَسْعَى بِإِفْسَادِي

فَقَامَ مِنْهُمْ خَطِيبٌ فَوْقَ سُنْبُلَةٍ

إِنَّا عَلَى سَفَرٍ لَا بُدَّ مِنْ زَادِ

الشاهد قوله: إنا على سفر. (...) فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤] قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَهذه على تقدير شَيْءٍ محذوف، والتقدير: فأفطر فعدة من أيام أخر. طالب: (...). الشيخ: فأفطر فعدة من أيام أخر. ثم: عِدَّةٌإما أنها مبتدأ خبرها محذوف التقدير: فعليه عدة، أو أنها خبر مبتدأ محذوف التقدير: فالواجب عدة، أو فالمكتوب عدة من أيام أخر. قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَهذا التشبيه لأي شيء؟ طالب: تشبيه كتاب بكتاب. الشيخ: وليس المكتوب بالمكتوب؟ طالب: لا ليس المكتوب بالمكتوب. الشيخ: ما نظيرها؟ أو هل هناك شاهد في مثل هذا التركيب يدل على ما قلت؟ طالب: مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ اللَّهَ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» . الشيخ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» فهنا قطعًا التشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، قوله: كَمَا كُتِبَ(ما) هنا؟ طالب: ما مصدرية. الشيخ: مصدرية؟ طالب: نعم. الشيخ: ولا تصلح موصولة؟ طالب: ما تصلح. الشيخ: نعم، نعم صح، قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَلعل معناها؟ طالب: معنى لعل؟ تعليل. الشيخ: تعليل، يعني: لأجل أن تتقوا، أَيَّامًاويش إعرابه؟ طالب: أيامًا مفعول. الشيخ: مفعول لأيش؟ طالب: مفعول لـ كُتِبَ. الشيخ: مفعول لـ كُتِبَ، يعني (كُتِبَ) مبني للمجهول. طالب: الصيام. الشيخ: مفعول لأيش؟ طالب: مفعول للصيام. الشيخ: مفعول الصيام؟ وهذا الصيام ينصب المفعول به؟ طالب: ما ينصب، لأنه.. الشيخ: ما ينصب لأنه اسم. طالب: مفعول لفعل محذوف. الشيخ: ويش التقدير؟ طالب: فعليه. الشيخ: فعليه؟ طالب: نعم. الشيخ: أيام تكون؟ طالب: (...). الشيخ: وهنا يحل محله الفعل.

إِنْ كَانَ فِعْلٌ مَعَ (أَنْ) أَوْ (مَا) يَحُلْ

مَحَلَّهُ.....................

يعني: كتب عليكم أن تصوموا أيامًا معدودات، فهو إذن مفعول الصيام، طيب ما الحكمة من قوله سبحانه وتعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ؟ طالب: بيان أن هذه الأيام (...) الله تعالى بأن هذه الأيام لا تشمل السنة كلها، وإنما هي شيء قليل بالنسبة لهذه السنة كلها. الشيخ: أيش الحكمة منها: بس أنه يبين أنها معدودات فقط؟ طالب: تخفيف على العباد. الشيخ: صح، تخفيف الأمر على المكلف، أنا ما أسأل لماذا كانت أيامًا، أسأل لماذا عبر بأيام، نقول: هذا من أجل تخفيف الأمر على المكلف ليقبل، يعني: كما لو أقول لك: ما هي إلا أيام قليلة أو ما هي إلا ليال قليلة أو ما أشبه ذلك. قوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍهل المراد مطلق المرض؟ الشيخ: هل المراد مطلق المرض؟ طالب: نعم. الشيخ: أي مرض يكون؟ طالب: أي مرض. الشيخ: أي مرض يكون؟ طالب: إي، أي مرض. الشيخ: أي مرض يكون، طيب توافق؟ طالب: هو ظاهر القول هكذا، ولكن الصحيح خلاف ذلك. الشيخ: ولكن المراد، من هو الصحيح؟ طالب: المراد أنه المرض الذي يشق معه الصيام أو يتأخر معه الشفاء أو يعارض تعاطي العلاج. الشيخ: إي، أحسنت، زين، وهذا التقييد الذي قيدنا به الظاهر؟ طالب: يؤخذ من العلة. الشيخ: من العلة والحكمة تمام. قوله تعالى: أَوْ عَلَى سَفَرٍما هو السفر؟ طالب: السفر؟ ما أخذناه، وقفنا عنده. الشيخ: طيب، قوله: أَوْ عَلَى سَفَرٍالسفر جاء في القرآن، وفي السنة وجاء في القرآن بلفظ: أَوْ عَلَى سَفَرٍ، وبلفظ: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ [النساء: ١٠١] وبلفظ: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ [المزمل: ٢٠] وما أشبه ذلك، ولم يحدد الله سبحانه وتعالى ولا رسوله مسافة ولا زمنًا لهذا السفر، لا مسافة ولا زمنًا، ومن أراد أن يتبين ذلك فليُراجِع، ما في القرآن إن السفر محدد بمسافة يقطعها الإنسان وليس هناك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أناس مسَّاحون يمسْحُون الأرض حتى يدركوا الذراع والشبر والأنملة وحبة الشعير وشعرة البرذون، لأن عند الذين يحددون بالمسافة يحددون إلى شعرة البرذون يعني: بهذه الحبة رمل تفرق بين المسافر وغير المسافر، اللي من دون الحبة غير مسافر، واللي من ورائها مسافر، هذا يقول شيخ الإسلام ما هو وارد، ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فيه مساحين يعرفون هذا التقدير بهذه المسافة وهذا صحيح، كذلك أيضًا لم يُقيَّد السفر بزمن؛ ولهذا اضطربت أقوال أهل العلم في هذه المسألة على أقوال تبلغ نحو العشرة، ما هو السفر، أيحدد بزمان أم يحدد بمسافة أم يحدد بالعرف؟ شيخ الإسلام رحمه الله له قاعدة معروفة وهو أن كل شيء أطلقه الشارع، ولم يَحُدَّه له الحد فإن الرجوع فيه إلى العرف، فما تعارفه الناس فهو انطبق عليه الحكم، وذكر منه السفر، قال: فما عده الناس سفرًا بحيث يقال: فلان سافر بحيث يعد له الزاد والمزاد ويتهيأ له فهو سفر وما لا فلا، وقال بعض العلماء: إنه إذا خرج ثلاثة أميال مطلقًا وإن لم يسم سفرًا قصر، وقال آخرون: إذا خرج ثلاثة فراسخ لحديث أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فَرَاسِخ -الشك من شعبة- صلى ركعتين قال: فعلى هذا يقول: ما دام الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعتين إذا خرج هذه المسافة فإننا نأخذ بها، ولكن قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا حكاية لحال وقع، فلا ندري لو خرج أقل أو أكثر، أكثر على كل حال يقصر بلا شك لأنه من باب أولى، لكن إذا خرج أقلَّ، ولكنك إذا تأملت لفظ الحديث وجدت أنه أقل من ذلك الحديث يدل على أنه لا قصر فيه لأنه يقول: إذا خرج ثلاثة، إذا خرج، فمفهومه إذا خرج أقل فإنه لا قصر، فنقول: أقل الشيء هي ثلاثة أميال أو فراسخ، أيهما أحوط؟ ثلاثة فراسخ، ثلاثة فراسخ، لكن عامة أهل العلم وأكثر أهل العلم يرونه ستة عشر فرسخًا، يرون مدة مسافة القصر ستة عشر فرسخًا فما بلغها فهو قصر وما دونها فليس بقصر، وعلى هذا فنقول: ما دامت المسألة ليس فيها حد بَيِّنٌ شرعي فإنه إذا خرج هذه المسافة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصليها فيها ركعتين قصر، وما دونها محل شك والأصل؟ أيش الأصل؟ الإتمام، الأصل الإتمام فيتم، وما خرج عن الثلاثة فإنه يقصر إلا أنه لم يُعَدَّ سفرًا مثل رجل خرج بمسافة ثلاثة فراسخ ورجع من يومه، فإنه لا يعد مسافرًا، حتى في العرف لا يعد مسافرًا فلا يثبت له حكم السفر، لكن لو أن رجلًا خرج ثلاثة فراسخ، وأقام مدة بهذا المكان فإنه يعد مسافرًا، فصار السفر الآن إما أن يكون بمسافة وإما أن يكون بالزمن حسب العرف. وقوله سبحانه وتعالى: أَوْ عَلَى سَفَرٍالتعبير اختلف في قوله: مَرِيضًاولم يقل: ومن كان فيه مرض، قال: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، وفي السفر قال: أَوْ عَلَى سَفَرٍما هي الحكمة؟ قد يقال الحكمة -والله أعلم- أن المسافر قد تكون له حالة تشبه الإقامة، تكون له حال تشبه الإقامة مثل ما لو أقام في بلد مستريحًا مطمئنًّا مستظلًّا، فهو في الحقيقة ما كأنه مسافر لكنه أيش؟ لكنه على سفر، ما نيته الإقامة مثل ما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح فإنه أقام في مكة تسعة عشر يومًا وهو يقصر الصلاة، وقد أفطر حتى انسلخ الشهر كما في حديث ابن عباس الذي في البخاري ، الرسول صلى الله عليه وسلم هنا باعتباره في بلد ويش يُعْتَبر؟ كأنه مقيم، هو والمقيمين على حد سواء، لكنه في الحقيقة على سفر ما نيته الإقامة نيته أن يبقى في هذا المكان لمدة بمقدار حاجته ثم يرجع، فهنا نقول: إنه على سفر، هذه فائدة، فائدة أخرى على رأي بعض أهل العلم: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه يعني: مثلًا إنسان عزم على أنه يمشي بعد الظهر في رمضان، وهذا متهيئ يهيئ عفشه، يحمل متاعه، وما أشبه ذلك، يقولون: وإن كان في بلده فإنه يجوز أن يفطر، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يفعل ذلك ويقول: إنه من السنة ، لكن الحديث هذا فيه مقال عنه، لكن على رأي من أثبته يقول: إن الإنسان إذا عزم على السفر أصبح مفطرًا، وهذا قالوا: خير من كونه يصوم ثم إذا خرج أفطر؛ لأنه لم يدخل في العبادة أصلًا، لكن جمهور أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول: على أنه لا يحق له الفطر إلا إذا خرج على خلاف بينهم أيضًا، هل يجوز لمن سافر في أثناء اليوم وهو صائم أن يفطر أم لا والصحيح أنه يفطر لدلالة السنة على ذلك. طالب: هل يفطر إذا تهيأ؟ الشيخ: لا ما أرى هذا ما أرى هذا؛ لأن الحديث فيه مقال في نفسي منه شيء، والأصل وجوب الصوم، والحمد لله إذا خرج ما دام إذا خرج له أن يفطر يخرج صائمًا وإذا شاء أفطر. طالب: ممكن يتأخر السفر لسبب خارج عنه. الشيخ: ربما يتأخر، خصوصًا في وقتنا الآن؛ لأن الآن الإنسان مربوط بغيره (...) الأسفار، الأول واحد يحمل البعير ويمشي؛ لكن الآن خصوصًا بالطائرات مربوط بغيره. قوله تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَفَعِدَّةٌمعروف أن جمهور أهل العلم ما عدا أهل الظاهر يقولون: إن الآية على تقدير محذوف، وهو: فأفطر فعليه عدة، وقال أهل الظاهر: إنه لا تقدير؛ لأن الأصل عدمه فإذا دار الكلام بين الحذف وعدم الحذف فالأصل عدم الحذف، وعلى هذا فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍففرْضُه عدة من أيام أخر، فلو صام لم يجزئه؛ لأن الله إنما أوجب عليه العدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَأُخَرَأي: مُغايِرَة لهذه الأيام، فعليه لو صام لم يجزئه، وهذا القول لولا وجود السُّنَّة لكان قويًّا لقوة تعليله، ولكن السنة بينت أن الآية لا بد فيها من تقدير: فأفطر، وذلك لأنه ثبت أن الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم الصائم ومنهم المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، ولو كان الصوم حرامًا ما فعله الصحابة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم بل قد كان عليه الصلاة والسلام يصوم في رمضان كما في حديث أبي الدرداء: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، فَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ . طالب: في سفر؟ الشيخ: في سفر، في سفر، فهذا دليل على جواز الصوم في السفر، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا صام حتى جاء الناس إليه، فقالوا: يا رسول الله، إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ماذا تفعل، فدعا بِقَدَحٍ من ماء بعد العصر، فشربه وهو على ناقته والناس ينظرون إليه وأفطر في أثناء النهار فهذا دليل على أيش؟ على جواز الصوم في السفر، وهو الحق وليس بواجب -والحمد لله- أن يفطر. طالب: جواز هذا يا شيخ، جواز الإفطار في أثناء النهار. الشيخ: (...) جواز الإفطار في أثناء النهار. وقوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَشوف أَيَّامٍما قال: من الأيام الأُخَر، أَيَّامٍنكرة، فنستفيد أنه لو صام عن أيام الصيف أيام شتاء يجزي ولَّا لا؟ يجزي لأن أيام نكرة أُخَرَبمعنى مغايرة، مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَوفيه إن شاء الله نتعرض في الفوائد إلى أن الواجب الأيام دون الشهر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَوَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍوَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُلمَّا أوجب الصيام قال: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة: ١٨٤] كأن هذه الجملة كأنها تفصيل لقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، وأن الصيام على المطيع إما أن يَفْدِي وإما أن يصوم، والصوم خير له. وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ [البقرة: ١٨٤] الطاقة بمعنى القدرة أي: يقدرون عليه هذا هو الصواب كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقال بعض أهل العلم يُطِيقُونَهُأي: يبلغ الطاقة منهم حتى يصبح شاقًّا عليهم، فمعنى يطيقونه يُطوَّقُونه أي: يتكلفونه ويشق عليهم، وقال آخرون: إن في الآية حذفًا والتقدير: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وعلى الذين لا يطيقونه، وهذا القول أضعفها؛ لأن هذا القول يقتضي تفسير المثبت بالمنفي، الله يقول: يُطِيقُونَهُوهذا يقول: لا يطيقونه، وهذا تفسير للشيء بضده ولا يستقيم، أما من قال: يطيقونه أي يبلغ طاقتهم حتى يشق عليهم فهذا له وجه، لكن ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع يدل على ضعفه، بل وظاهر الآية أيضًا يدل على ضعفه؛ لأن قوله في آخرها وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤] يدل على أن هؤلاء يستطيعون الصيام، وأنه خوطب به من يستطيع وحديث سلمة بن أكوع في الصحيحين أنه أول ما فرض الصيام كان الإنسان مخيَّرًا بين أن يصوم ويفتديه، ثم أوجب الله الصوم في الآية التي بعدها شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥]، وهذا هو القول الراجح إن معنى يُطِيقُونَهُأي يستطيعونه، فِدْيَةٌفدية هذه خبر ولَّا مبتدأ؟ الطلبة: مبتدأ مؤخر. الشيخ: مبتدأ مؤخر خبره: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ. وقوله: فِدْيَةٌأي فداء عن الصوم، يفتديه به عن الصوم، والأصل أن الصوم متعلق بك، وأنك مكلف به فتفدي نفسك من هذا التكليف بماذا؟ بطعام مسكين فِدْيَةٌ، وقوله: طَعَامُهذه عطف بيان لقوله: فِدْيَةٌلأنها تبينه، هذه الفدية طَعَامُ مِسْكِينٍطعام مسكين، هل يوزع على الأفراد أو على الجملة؟ يوزع على الأفراد، يعني عليهم لكل يوم طعام مسكين، وليس المعنى عليهم طعام مسكين لكل الشهر بل لكل يوم، ويدل لذلك القراءة الثانية في الآية: {طَعَامُ مَسَاكِينُ} عرفتم؟ ومساكين جمع، فكما أن الأيام التي عليهم جمع، فكذلك المساكين الذين يطعمون جماعة، لا بد أن يكونوا جماعة، وقوله: فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍفيها قراءات عندي نشوف القراءة الأولى: {فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ}، (...) المصحف وتشوفوا الإضافة وجمع (مساكين)؛ {فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ}، هذه واحدة. القراءة الثانية: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ}، توافق اللي في المصحف، إلا أنها بالجمع، نعم، إلا أنها بالجمع، ففيها أيضا ثلاث قراءات: {فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ} وهذه من باب إضافة الشيء إلى نوعه كما أقول: خاتمُ حديدٍ أي: من حديد، {فِدْيَةُ طَعَامِ} أي: فدية من طعام مساكين، أما القراءة الثانية اللي خلاف المصحف: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} وهي على ما في المصحف تكون (طعام) عطف بيان، لكنها بينت أن المراد بالمسكين الجنس، وأنه موزع على الأفراد وأن المراد فدية لكل يوم مسكين. وقوله: {طَعَام مَسَاكِينَ} (طعام) بُيِّنَ نوعه؟ طالب: لا. الشيخ: ما بين، بُيِّنَ قدره؟ طالب: لا. الشيخ: بُيِّنَ جنسه؟ طالب: جنسه طعام. الشيخ: إي جنسه طعام، زين، لكن نوعه لم يُبَيَّن ولا قدره، إذن نرجع إلى مسمى الطعام، فما سُمِّيَ طعامًا كفى، فإذا كنا في بلد لا يطعمون إلا اللحم، ناس ما عندهم إلا اللحم والحيتان على شاطئ البحر، يأكلون الطيور ومن الأسماك، ويش يصير الطعام؟ الطلبة: أسماك ولحم. الشيخ: أسماك ولحم كذا ولَّا لا؟ إذا كنا في بلد لا يأكلون إلا الذرة، ويش يكون الطعام؟ طالب: ذرة. الشيخ: ذرة، إذا كنا في بلد لا يطعمون الشعير؟ طالب: لا يجزئ الإطعام. الشيخ: ما يجزي؟ طالب: ما يجزي. الشيخ: فتَبَيَّن بهذا ضعف من يُقيِّد الطعام بأنه ما يجزئ في الفطرة، ثم يقولون الذي يجزئ في الفطرة كم من صنف؟ خمسة أصناف فقط وهي: البُرُّ والتمر والشعير والزبيب والأقط، لكن الصواب عموم الآية ما سُمِّي طعامًا فهو كاف، المقدار، المقدار لم يُبَيَّن، وعلى هذا لو غدّى المساكين أو عشَّاهم أجزأهم؟ أجزأهم، ولهذا كان أنس بن مالك رضي الله عنه لما كبر صار يصنع طعامًا فيدعو إليه ثلاثين مسكينًا ويكفيه هذا عن؟ عن صوم رمضان؛ لأن الله أطلق طعام، وقال بعض أهل العلم: إنه لا بد أن يكون الطعام مُدًّا من بُر أو نصف صاع من غيره، طيب، ما دليلهم على نصف الصاع؟ قال: دليلهم على نصف الصاع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عُجْرَة حينما أَذِنَ له في حلق رأسه وهو محرم، قال له: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» لكل مسكين نصف صاع، قالوا: فهذا تقدير من الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء مطلق في القرآن، اللي في القرآن: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦]. فمن قال: إن الآيات المطلقة تُحمَل على هذه الآية، مثل ما حملنا الآية المطلقة في تحرير الرقبة على الآية المقيدة بأنها مؤمنة، قالوا: فحَمْلُ الآية المطلقة على الآية المقيدة بالوصف كحمل الآية المطلقة على الآية المقيدة في القَدْرِ؛ لأن حقيقة القدر وصف (...)، فأنا إذا قلت: عندي بُرّ قدره عشرة أصواع، وصفته ولَّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: وصفته، كما لو قلت: عندي بر طيب، قالوا: فيحمل المطلق في جميع أنواع الطعام، إذا كان يريد أن يُفَرِّقَه عليهم بدون أن يدعوهم إليه يُحمَل على هذا المقيد، وأما دليل المد من البر فدليلهم أن معاوية رضي الله عنه لما قدم المدينة وإذا البُرُّ قد كَثُر فيها قال: إِنِّي أَرَى مُدًّا مِنْ هَذِهِ يَعْدِلُ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ. فعدل الناس في وقته عن إخراج الفطرة من صاع إلى نصف صاع، لكن معاوية رضي الله عنه عارضه مَن عارضه من الصحابة مثل أبي سعيد رضي الله عنه فإنه قال: أنا لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا شك أن ما ذهب إليه أبو سعيد هو الحق في مسألة الفِطْرَة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عيَّن الفطرة من أصناف مختلفة من تمر ومن شعير كما في حديث ابن عمر: فرض النبي صلى الله عليه وسلم زكاة الفِطْر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير وأبو سعيد قال: كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان الطعام يومئذ التمر والشعير والزبيب والأَقِط ، البُرُّ ما ذُكِر لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قليل جدًّا، ما كان طعامهم العام، ولهذا ما ورد في السنة الصحيحة ذِكْر البر في مسألة الفطرة، وعلى هذا فنقول: الذين قالوا بأنه يجزئ المد أخذوه من فعل معاوية رضي الله عنه، طيب، الرز ما تقولون فيه: أيلحق بالشعير أم بالبر؟ طالب: بالطعام. الشيخ: لا، الذين يقيدون مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير؟ طالب: يُلْحَق بالبر، لأن الشعير رخيص. الشيخ: إي، أنا أرى أنه يلحق بالبر وأولى به؛ لسهولته أسهل من البر أسهل وأكثر فيما أظن. طالب: لا، كلهم متوسط يا شيخ. الشيخ: (...) نشوف، الآن إذا حطت لك مد من الرز في قِدْر وطبخته كم يصير من المد؟ طالب: يصير مدين. الشيخ: يصير مدين أو أكثر من مدين أكثر من مدين نعم لكن حط لك حب من البر ما يشب هذا الشبا، حتى لو طحنته ما يكون يبلغ هذا المبلغ، ثم هو ما يحتاج إلى مؤونة، هذا البر ما يمكن تأكل إلا أنت طاحنه وعاجنه كذا؟ ومرصعه ولَّا لا؟ لكن هذا؟ طالب: ما يحتاج. الشيخ: (...) ما فيه شيء. طالب: شيخ بعض الأماكن اللي لا يجد الإنسان ناس ينتفعوا بأنواع الأطعمة، إذا أعطته حتى أردب من البر ما ينتفع به؟ الشيخ: ويش ينتفع به؟ طالب: ينتفع بمال، يريد يأخذ مالًا. الشيخ: قروش يعني. طالب: إي نعم. الشيخ: ويش تفيد ها القروش؟ طالب: يعني ينتفع بها، والأكل عنده ما.. الشيخ: ويش يبغي؟ طالب: يعني أنت لا تجد مساكين في مكان مثلًا. الشيخ: أهم ما يكون الأكل؛ ولهذا يقدم الإنسان سد الجوع عن ستر العري. طالب: يعني إنسان مثلًا ليس في بلده، غريب مثلًا، في بلاد أجانب وكده ما يجد فقراء يعطيهم طعام كيف يفدي يعني؟ الشيخ: هل بيعطيهم قروش هتنفع؟ طالب: يستحون ما يأخذون الطعام. طالب آخر: يشق عليهم أن يجدوا فقراء. الشيخ: (...) الطعام الذي هم يأكلون (...). طالب: يشق عليهم أن يجدوا فقراء، يعني غالب أهل البلد ليسوا بمسلمين. الشيخ: طيب افرض إنه يأكل سندوتش، (...) وأعطيه، يعني شيخ الإسلام يرى أنه يجوز أن يُطْعِم من الخبز. طالب: إي، بس ما يطعم غير المسلمين يا شيخ؟ الشيخ: لا لا غير المسلمين لا. طالب: طيب هو يشق عليه أنه يجد، فيه ناس في بلاد الأجانب.. الشيخ: في مثل هذه نقول مثل الزكاة تدفعها في بلاد أخرى من بلاد المسلمين من المحتاجين، تُوَكِّل أحد ثم... طالب: طعام البر، (...) فيه فرق كبير. الشيخ: من جهة أيش؟ طالب: من جهة الطعام (...) نشويات كثيرة (...). الشيخ: المهم إنه بالنسبة للطعام العام الطعام العام، لا شك (...). طالب: شيخ، هل يؤخذ من أثر أنس أن القضاء ثلاثين يومًا؟ الشيخ: لا، يحمل على أنه الشهر اللي كان يطعم به إنه ثلاثين يومًا. طالب: (...) الشهر تسعة وعشرون يومًا. الشيخ: لا، مو على كل حال. طالب: (...) أيهما الراجح؟ الشيخ: وهو؟ طالب: (...)؟ الشيخ: أيهم أيهم؟ في مسألة الإطعام؟ طالب: في حديث كعب بن عجرة على آية..؟ الشيخ: الذي يظهر لي أنا في مسألة الإطعام أن المطلق يبقى على إطلاقه، المطلق يبقى على إطلاقه لأن آية الفدية في الحج لها أبدال رفيعة، وهي النسك مثلًا، فالنسك لا شك أنه يطعم أكثر من عشرة مساكين، والظاهر والله أعلم إن تبقى هذه على ما هي عليه على إطلاقها. وقوله تعالى: {مَسَاكِينَ} أو مِسْكِينٍ؟ قراءتان، المراد به من لا يجد شيئًا يكفيه لمدة سنة، فيدخل في هذا التعريف يدخل فيه الفقير، وهكذا إذا مر بك المسكين فإنه شامل للفقير وإذا مر بك الفقير فإنه شامل للمسكين، أما إذا جُمِعا فقد قال أهل العلم: إن بينهما فرقًا، فالفقير أسوأ حالًا من المسكين، أشد حاجة يعني، الفقير هو الذي لا يجد النصف، والمسكين هو الذي لا يجد الكل يعني: يجد النصف لكن لا يجد الكل. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة: ١٨٤]. طالب: شيخ، قبل أن تدخل في الآية، فيه كثير بيسألوا عن هل يعني يجزئ الأيام جملة واحدة؟ يعني الثلاثين يوم يجزئ بيهم أن يخرجوا دُفْعة واحدة، أو لشخص واحد؟ الشيخ: لا، لشخص واحد ما يمكن؛ لأنها جمع. طالب: لأن كثير من الناس ممكن يشق عليه يدور كل يوم على مسكين، ما يجد. الشيخ: لا لا ما هو بلازم؛ لأنه ممكن يشوف مثلًا ثلاثة بيوت أو أربعة بيوت فيها هذا العدد ويعطيهم، افرض أنه فيه بيت كبير، هذا بيت بالنسبة لنا نحن في السعودية، هذا بيت عمال فيه ثلاثين فقير، كلهم فقراء نعطيهم نطبخ لهم الطعام ونوصلهم يأكلون. طالب: لا كثير، يا شيخ تشق أنك تجد مساكين. طالب آخر: تيجي مشكلة، العمال ما يصلون (...)؟ طالب آخر: في أماكن يا شيخ عندنا ناس لا يعرفون مساكين بالمرة. طالب آخر: (...) مجموعة عمال (...). الشيخ: والله ما أدري، لكن الأصل في المسلم العدالة وأنه يصلي إلا إذا تبين.