تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٤١

درس صوتي · ٥٢:٣٧

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

أولى من حق اليتامى والمساكين؛ لأن الله بدأ به فقال: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى [البقرة: ١٧٧] فلو أن بيدك دراهم، وقلت: أيهما أفضل أصل بها قرابتي أو أتصدق بها على فقير؟ قلنا: صِل قرابتك بها أفضل حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعلها أفضل من العتق .

من فوائد الآية: أن لليتامى حقًّا؛ لأن الله امتدح من آتاهم المال لقوله: وَالْيَتَامَىسواء كانوا فقراء أو غير فقراء، لو كانوا أغنياء؟ طالب: لا. الشيخ: نعم. ومن فوائدها: إثبات رحمة الله عز وجل؛ حيث ندب إلى إتيان المال للمساكين؛ لأن هذا لا شك أنه من الرحمة بهم، وذكرنا في التفسير أن المساكين إذا جاءت مفردة دخل فيها الفقراء، والفقراء إذا جاءت مفردة دخل فيها المساكين، وإذا جمعت المساكين والفقراء افترقا فصار الفقراء أشد حاجة. ومن فوائد الآية: أن لابن السبيل حقًّا، وهو المسافر الذي انقطع به السفر ولو كان غنيًّا في بلده؛ لأنه الآن في حاجة. ومن فوائد الآية أيضًا: أن للسائل حقًّا، ولهذا كان إتيانه من البر لقوله: وَالسَّائِلِينَوذكرنا في التفسير أن السائلين ينظر إليها من وجهين: من وجه: بذل المال للسائل، ومن وجه السؤال؛ يعني للسائل والمعطي، فقلنا: إن المعطي مأمور بأن يدفع، من سأله أعطاه، لكن السائل هو الذي يكون آثمًا إذا لم تدع الضرورة إلى سؤاله، وعلى هذا فإذا سألني شخص أعرف أنه لا حاجة فيه إلى السؤال أعطيه ولَّا لا؟ أعطيه ولكن أنصحه، وإذا رأيت من المصلحة منعه فلا حرج؛ لأن الإتيان إحسان، فإذا انقلب الإحسان إلى إساءة يترك ولَّا لا؟ يترك، لو كنت إذا أعطيته أغريته بسؤال الناس حتى ولو نصحته؛ لأنه قاسي القلب فأنا لا أعطيه، لكن إذا علمت أن الرجل لين القلب، لكن قد تخفى عليه بعض الأمور فحينئذٍ أعطيه وأنصحه. من فوائد الآية: الحث على إعتاق الرقاب لقوله: وَفِي الرِّقَابِ. وهنا قال: في الرقاب، ولم يقل: والرقاب؛ وذلك لأن الرقيق لا يملك فأنا إذا أردت أن أعتق رقيقًا أعطيه الدراهم؟ لا، من أعطي؟ الطلبة: صاحبه. الشيخ: أعطي سيده، ولهذا قال: وَفِي الرِّقَابِ؛ لأنه لا يملك قال: وَفِي الرِّقَابِ. ومن فوائد الآية الكريمة أن إقامة الصلاة من البر لقوله: وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وأن إيتاء الزكاة للمستحقين لها من البر، وأن الوفاء بالعهد من البر، ولكن كل هذا داخل في الإيمان بالله، وأن الصبر في هذه المواقف الثلاثة من البر: البأساء، والضراء، وحين البأس. ما هي البأساء؟ طالب: الشدة. الشيخ: لا. طالب: المرض. الشيخ: لا. طالب: الفقر. الشيخ: الفقر، الضراء: المرض، وحين البأس: الشدة في القتال، فهم يصبرون على البلاء في أموالهم وفي أبدانهم وفي دينهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا هو حقيقة الصدق مع الله ومع الخلق لقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوافصدقهم مع الله حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وأنهم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات، هذا صدق مع الله عز وجل، الصدق مع الخلق؛ لأنهم إذا عاهدوا وفوا، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [البقرة: ١٧٧] وهذا من علامات الصدق؛ ولهذا قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوافصدقوا في اعتقاداتهم وفي معاملاتهم مع الله ومع الخلق. ومن فوائد الآية: أن التقوى تُطلق على القيام بالأعمال الصالحة لقوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. وقد قلنا في التفسير: إنها إذا جمعت مع البر صارت ترك المحرمات، وصار البر فعل المأمورات، وإذا افترقا دخل أحدهما في الآخر، وهنا قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَمع أنهم قائمون بالبر فدل هذا على أن القيام بالبر من التقوى، وهو كذلك؛ لأن حقيقة الأمر أن القائم بالبر لماذا قام؟ يرجو ثواب الله ويخشى عقاب الله، فلهذا كان القيام بالبر بلا شك من التقوى. ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء فقط هم المتقون، من أين نأخذه فقط؟ من الحصر، وطريقه هنا أمران: تعريف طرفي الجملة، والثاني: ضمير الفصل أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. الواقع أن الآية الكريمة فيها أيضًا فوائد تؤخذ من تضاعيف الآية وسياقها، وهي: أن الإيمان بالله ذكرنا أنه يشمل كم؟ طالب: أربعة. الشيخ: أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، وأن الإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بذواتهم وصفاتهم وأعمالهم ووظائفهم؛ بذواتهم كجبريل مثلًا، وميكائيل، وإسرافيل، وبصفاتهم مثل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى جبريل وله ست مئة جناح قد سد الأفق، ووظائفهم مثل: أن جبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت بقبض الأرواح، ومالك بالنار، وخازن الجنة بالجنة. طالب: اسمه رضوان؟ الشيخ: لا، ما ثبت أنه رضوان. ونؤمن بأعمالهم؛ أعمالهم وأيش؟ أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأنه ما من موضع أربعة أصابع في السماء إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد، وأن لهم بيتًا معمورًا في السماء يطوفون فيه كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون به ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وهذا يدل على كثرتهم، وأنهم عدد لا يحصيهم إلا الله عز وجل، وذكرنا أيضًا أن الكتب المعروفة كم؟ الطالب: خمسة. الشيخ: التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى. الْحُرُّ بِالْحُرِّ [البقرة: ١٧٨] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أهمية القصاص؛ لأن الله وجه الخطاب به إلى المؤمنين، وصدَّره بالنداء المستلزم لأي شيء؟ التنبيه، إحنا ذكرنا أن تصدير الخطاب بالنداء فائدته التنبيه، وأهمية الأمر. ويستفاد من الآية الكريمة: أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان، وجه ذلك؟ تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان؟ طالب: لأن الخطاب صدر بلفظ صفة الإيمان. الشيخ: لأن الخطاب وجه للمؤمنين، فدل هذا على أنه من مقتضى الإيمان تنفيذ القصاص. ويستفاد منها: أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان، وجه ذلك؟ طالب: لأن بالطاعة لامتثال الأمر يزداد الإيمان، والمعصية وعدم الامتثال هذا يدل على نقص الإيمان. الشيخ: يعني ما كان من مقتضى الإيمان تنفيذه فإنه يقتضي؟

طالب: زيادة الإيمان. الشيخ: نقص الإيمان بفقده. ومن فوائد الآية: وجوب التمكين من القصاص، من أين تؤخذ؟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُوالفرض هنا موجه لمن؟ طالب: لولاة الأمور و.. الشيخ: والقاتل. ومن فوائد الآية: مراعاة التماثل بين القاتل والمقتول لقوله: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحر يقتل بالحر، ولو اختلفت صفاتهما كرجل عالم عاقل غني جواد شجاع قتل رجلًا فقيرًا أعمى أصم أبكم زمِنًا فقيرًا جبانًا جاهلًا ولَّا لا؟ نعم، من أين يؤخذ؟ من عموم الْحُرُّ بِالْحُرِّ. ومن فوائد الآية: أن العبد يقتل بالحر، كيف ذلك؟ طالب: الْحُرُّ بِالْحُرِّ. الشيخ: سؤال خاص. طالب: من مفهوم المخالفة؟ الشيخ: أن العبد يقتل بالحر؟ طالب: من باب أولى أن يقتل الحر بالحر، فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر. الشيخ: إذا قتل الحر بالحر فمن باب أولى أن يقتل العبد بالحر. ومن فوائد الآية: أن العبد يقتل بالعبد؟

طالب: منطوق الآية وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ. الشيخ: طيب، ولو اختلفت قيمتهما كعبد يساوي مئة ألف قتل عبدًا لا يساوي إلا عشرة دراهم يقتل به ولَّا لا؟ طالب: يقتل. الشيخ: يقتل به؛ لعموم قوله: الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ. من فوائد الآية الكريمة: أن العبد إذا قتل وكان القاتل حرًّا فإنه لا يقتل به؟ طالب: لأن قوله: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِصار لازمًا للمماثلة. الشيخ: فلو قتل عبد حرًّا، يقتل به ولَّا لا؟ طالب: لا يقتل. الشيخ: لا يقتل به كذا؟ ما تقولون في هذا؟ طالب: يقتل. الشيخ: يقتل به؟ الطالب: نعم؛ لأنه من باب أولى. الشيخ: لا، قتل حر عبدًا؟ الطالب: الحر (...). الشيخ: ماذا نقول عن الآية: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ؟ طالب: (...). الشيخ: يعني دلالة الآية على أن الحر لا يقتل بالعبد دلالة مفهوم، كذا؟ ودلالة النصوص الأخرى الدالة على العموم دلالة منطوق، وإذا تعارض منطوق ومفهوم قُدم المنطوق. الذين قالوا: إن الحر يقتل بالعبد استدلوا بعموم الآيات الدالة على القصاص وكذلك الأحاديث، وسبق لنا ما حاجة لإعادة الشرح؛ لأنه سبق لنا فيه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنثى تقتل بالأنثى. طالب: (...). الشيخ: لا، من ضمن الآية، ما هو للتعليل، ما بتعلل. طالب: (...) الحرية أو العبودية. الشيخ: من فوائد الآية: أن الأنثى تُقتل بالأنثى، نشوف الأخ؟ طالب: لقوله: وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى. الشيخ: لقوله: وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَىولو اختلفت صفاتهما. طالب: (...). الشيخ: لعموم الآية. من فوائد الآية: أن الأنثى تقتل بالرجل، وين؟ طالب: الآية ما دلت على هذا (...) النفس بالنفس.

الشيخ: بالفهم؟ طالب: إي نعم. الشيخ: أن الأنثى تُقتل بالرجل، يعني إذا قتلت الأنثى رجلًا فإنها تقتل به. طالب: من باب أولى إذا قتلت بالأنثى أن تقتل بالرجل. الشيخ: تقتل بالرجل من باب أولى؟ صح. الطالب: نعم. الشيخ: إذن دلالة الآية عليه من باب مفهوم؟ الطالب: الموافقة. الشيخ: الموافقة، من باب مفهوم الموافقة كذا؟ ومن فوائد الآية الكريمة: جواز العفو عن القصاص. طالب: صريح قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ. الشيخ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ١٧٨] إلى آخره، زين. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع. طالب: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌشيء يدل على كل شيء. الشيخ: أحسنت، شيء يدل على كل شيء، لماذا يدل على كل شيء؟

الطالب: (...). الشيخ: على كل حال، أنت قلت شيئًا يدل على كل شيء، هذا في الحقيقة المعنى اللي إحنا نريده.

طالب: قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌشيء نكرة في سياق الشرط. الشيخ: نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم. رجل له عشرة من الورثة قتل عمدًا، فقال تسعة منهم: نريد القصاص، وقال واحد: أنا أريد الدية هل يسقط القصاص؟ طالب: نعم. الشيخ: من أين تأخذ من الآية؟ طالب: قوله: (...) الشيخ: شَيْءٌ، ولو قليل. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الاتباع بالمعروف؛ يعني: يجب على أولياء المقتول إذا عفوا إلى الدية أن لا يتسلطوا على القاتل بل يتبعونه بالمعروف بدون أذية وبدون منة، من أين تؤخذ؟ طالب: قوله: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ. الشيخ: والمخاطب؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، أولياء المقتول. ومن فوائد الآية: أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان، من أين نأخذها؟ من قوله؟ طالب: من قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ. الشيخ: مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌفجعل الله المقتول أخًا للقاتل، ولو خرج من الإسلام ما كان أخًا له. في الآية رد على طائفتين مبتدعتين، من هما؟ طالب: الخوارج، والمعتزلة.

الشيخ: الخوارج والمعتزلة صح، توافقون؟ الطلبة: نعم. الشيخ: ماذا يقول المعتزلة في فاعل الكبيرة؟ طالب: خارج من الإسلام، وأنه في منزلة بين المنزلتين ليس في الإسلام وليس في الكفر. الشيخ: خارج من الإيمان وليس؟ الطالب: ولم يكفر. الشيخ: وليس بكافر، لكنه مخلد؟ الطالب: في النار. الشيخ: نعم، والخوارج؟ الطالب: خارج من الإسلام ومخلد في النار. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الأداء على القاتل بإحسان؟ طالب: من سياق الآيات. الشيخ: وين؟ الطالب: لفظ الآية. الشيخ: ما يؤخذ من لفظ الآية؟ الطالب: مَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِأو أداء إليه بإحسان.

الشيخ: أو أداء؟ الطالب: أو أداء. الشيخ: أو أداء ولَّا وأداء؟ طالب: وأداء، وأداء. الشيخ: ما في القرآن، ما في المصحف أو: وأداء إليه بإحسان. طالب: وأداء إليه بإحسان. الشيخ: طيب صح، ما الحكمة في كونه يقول: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ؟ فرق في الأول عن الثاني. طالب: لأن أولياء المقتول إذا عفوا قد يتندموا على هذا الشيء، فتأخذهم الأنفة والعزة فيحاولون الانتقام، يحاولون الانتقام من القاتل، ثم القاتل أيضًا قد يماطل بالدية فيتأخر عن الأداء. الشيخ: فكما أحسنوا إليه بالعفو.

طالب: فكما أحسنوا في العفو يحسن إليهم في الأداء وعدم المماطلة. الشيخ: زين، تمام، صح. من فوئد الآية الكريمة: أن الله خفف عن هذه الأمة بجواز العفو ورحمهم أيضًا بجواز أخذ العوض، من أين تؤخذ؟ طالب: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ. الشيخ: من قوله: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ، كمل؟ الطالب: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ. الشيخ: تخفيف على القاتل ورحمة بأولياء المقتول؛ حيث أذن لهم أن يأخذوا عوضًا وإلا لقيل لهم إما أن تعفوا مطلقًا وإما أيش؟ أن تأخذوا بالقصاص فخفف عن الجميع ورحم أيضًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعتدي بعد انتهاء القصاص أو بعد انتهاء أخذ الدية أنه متوعد بالعذاب الأليم؟ طالب: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

الشيخ: صح؛ لأنه ربما يعتدي أولياء المقتول فيما بعد، يتندمون ويقولون: إحنا الدية أخذناها ونبغي نقتله أيضًا، فتوعدوا بالعذاب الأليم والعياذ بالله، وقد يندم القاتل الذي أخذ منه الدية أيضًا، يقول: كيف أخذوا مالي سلبوني؟ لأن دية القتل عمدًا على مَن؟ على القاتل، ويقتل أحدًا منهم. من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن دية العمد على القاتل، بخلاف الخطأ وشبه العمد فإنه على العاقلة، من أين تؤخذ؟ طالب: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء: ٩٢]. الشيخ: لا، لا، على أن الدية دية العمد، إذا عفي عن القاتل في القصاص فهي عليه؟ طالب: لأنها لا (...) ولا بد من قتله (...). الشيخ: ثم عفونا عن قتله، وقلنا: نبغي الدية، فالدية من يتحملها؟ في الآية دليل على أن اللي يتحملها القاتل. الطالب: الدية؟ الشيخ: إي نعم.

الطالب: وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. الشيخ: كيف ذلك؟ من أين؟

الطالب: فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. الشيخ: لا، لا. طالب: فله من أخيه شيء. الشيخ: فله، ما في الآية فله. طالب: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ. الشيخ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، وهنا لا شك أن مَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِأن المعفو عنه القاتل فهو الذي أمر بالأداء، فقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌيدل على أن الأداء مطالب به القاتل؛ لأنه هو المعفو عنه، واضح؟ وهو كذلك، فدية العمد تكون على القاتل، ما هي على الأولياء، ما هي على العاقلة. وفي الآية الكريمة: إثبات صفة من صفات الله؟ طالب: الرحمة، من قوله: وَرَحْمَةٌ. الشيخ: وَرَحْمَةٌ. ما المراد بالرحمة عند أهل السنة وعند أهل التأويل؟ طالب: الرحمة عند أهل السنة على ظاهرها.

الشيخ: على ظاهرها، صفة حقيقية. طالب: صفة حقيقية تليق بالله عز وجل. الشيخ: وعند أهل التأويل؟ طالب: عند أهل التأويل إرادة (...) عند الأشاعرة. الشيخ: إرادة أيش؟ طالب: الإنعام. الشيخ: أو إرادة الإنعام. الطالب: إي نعم. الشيخ: يفسرونه بالإنعام اللي هو مفعول الرب، أو بإرادته إرادة الإنعام كذا؟ لماذا يفسرونه بهذا؟ لماذا يفسر أهل التأويل بالإنعام أو بإرادته؟ طالب: لأنها تقتضي الرحمة، الرقة. الشيخ: لأنهم لا يثبتون الرحمة، ويثبتون الإرادة ولَّا لا؟ يثبتون الإرادة؛ لأن الأشاعرة يثبتون سبع صفات كما هو معروف منها الإرادة، فهم لما أثبتوا الإرادة ونفوا الرحمة قالوا: إن المراد بالرحمة إرادة الإحسان، وقال بعضهم: المراد به الإحسان فجعلوه المخلوق المفعول؛ لأن المخلوق المفعول بائن من الخالق فليس من صفاته، فهذا هو السبب أنهم لجؤوا إلى تفسيره إما بالإحسان وإما بإرادة الإحسان. ما حجتهم في منع اتصاف الله بالرحمة الحقيقية؟

طالب: إنهم يقولون: لو وصف بالرحمة الحقيقية، فالرحمة معناها ميل القلب، وأن تصف المخلوق بالمرحوم، فهذا يقتضي تشبيه الله بالمخلوقات. وهذا بالإنسان أو بالمخلوق، ومن شبه الله بخلقه فقد كفر. الشيخ: هم أيضًا يقرون الإرادة. الطالب: نحن نلزمهم بالإرادة. الشيخ: هم يقولون هذا، يقولون: إنها تقتضي الرقة واللين؛ والرقة في جانب الخالق، واللين ما تنبغي ولا تليق، هكذا زعموا، فنحن نقول: اقتضاء الرحمة للرقة واللين هذه رحمة من؟ المخلوق، أما الخالق فرحمته تليق به، وأنتم تثبتون الإرادة، والإرادة ميل النفس إلى ما فيه جلب منفعة أو دفع مضرة، فهل الله عز وجل بإرادته يريد جلب منفعة لنفسه أو دفع مضرة؟ الجواب؟ طالب: لا. الشيخ: لا، فيقولون: نعم، هذه إرادة المخلوق، إنه يميل إلى جلب منفعة ودفع مضرة، لكن إرادة الخالق تليق به، نقول: لا فرق، هذه الرحمة اللي أنتم زعمتم هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فهي تليق به. ثم قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٧٩]. من فوائد الآية الكريمة: بيان الحكمة العظمى في القصاص.

طالب: ما التعليل في قوله في كل الآيات، ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَما التعليل في لعلكم تتقون. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِثم قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ؟ الشيخ: إيه، واحد من الطلبة ألقي عليه سؤال في الامتحان، وأظن قصصتها عليكم في دار التوحيد لما فتحت في الأول في الطائف، فقال من جملة السؤال: ما حكم الالتفات في الصلاة؟ فيه طالب ما يعرف كتب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: يكره في الصلاة التفاته ورفع بصره إلى السماء وتخصره، وإقعاؤه، إلى آخره، ثم كتب لما كتب الفصل كله في نصف صفحة، قال للمدرس: خذ ما شئت ودع ما شئت. الأخ الآن جاب الآيات كلها يقول: خذوا ما شئتم ودعوا ما شئتم، حدد لنا موضع الفائدة من هذه الآية.

الطالب: قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ. الشيخ: طيب صح. الطالب: (...). الشيخ: لا وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌكل ينشد الحياة في الحقيقة ولَّا لا؟ ففي القصاص حياة. من فوائد الآية الكريمة -وهي في الحقيقة مما يتعلق بما سبق-: أن يفعل بالجاني كما فعل؟ طالب: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ.

الشيخ: وجه ذلك؟ الطالب: أنه إذا قتل القاتل في ذلك (...). الشيخ: (...) قصدي أنه يفعل بالجاني كما فعل، يعني إذا ذبح بسكين يذبح بسكين، إذا رمى برصاصة يرمى برصاصة، إذا رمى بحجر يرمى بحجر، وهكذا. طالب: مفهوم القصاص من الآية كما وردت به الآيات. الشيخ: طيب صح؛ لأن القصاص لا يتم إلا بهذا تمام المقاصة أنه يفعل بالجاني كما فعل، وهل ورد في السنة ما يؤيد ذلك؟ طالب: في حديث: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» حديث عبادة بن الصامت الذي رواه البخاري النفس بالنفس. الشيخ: خطأ، خطأ. طالب: قصة اليهودي الذي (...). الشيخ: فَرَضَّ النبي عليه الصلاة والسلام رأسَه بين حَجَرين، لو قال قائل: ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ»؟ طالب: نقول: هذا الحديث ضعيف (...). الشيخ: فلا تقوم به الحجة ولا تدفع به الأدلة. من فوائد الآية الكريمة: أن كون القصاص حياة يحتاج إلى تأمل وتدبر وتعقُّل؛ لأنه في بادئ الأمر قد يقول القائل: إن القصاص فيه زيادة القتل بدل ما كان المقتول واحدًا يقتل اثنين، ففي الآية ما يدل على أنه يجب التأمل؟ طالب: يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الشيخ: بس على (يا أولي الألباب)، حيث يخاطب من؟ أصحاب العقول، فكأنه ينبه بأن المسألة تحتاج إلى تدبر وتعقل. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن لا يقابل أحكام الشرع بالرد في أول الأمر بل عليه أن يتعقل ويتدبر؟ طالب: أن نفسه متفرعة على (...). الشيخ: زين، متفرعة على أنك إذا ظننت أن هذا حكم غير موافق للمصلحة فتأمل وتعقل فتجده، ولهذا خاطبهم بـ(يا) النداء أيضًا، ما قال: ولكم في القصاص حياة لأولي الألباب، بل قال: يَا أُولِي الْأَلْبَابِلأجل أن نتنبه ونتعقل هذا الأمر. ومن فوائد الآية: أن منه؛ أي من القصاص من فوائده: تقوى القتل، من أين؟ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَمع أنا ذكرنا في التفسير أنها قد تشمل تقوى القتل وتقوى الله عز وجل حتى يتقي الإنسان ربه ويخاف مما فرضه من القصاص.

طالب: كيف تقوى القتل؟ الشيخ: إي نعم، يعني معناه أنك تتقي القتل ما تقتل، إذا علم الإنسان أنه إذا قَتل قُتل اتقى القتل، قد تقول: هل يتقى شيء غير الله؟ نقول: نعم، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا الشُّحَّ»، «اتَّقُوا النَّارَ»، «اتَّقُوا الظُّلْمَ» وما أشبه ذلك.

طالب: (...) تقوى القتل (...)؟ الشيخ: لا. الطالب: (...)؟

الشيخ: لا، يتقي الله ويتقي (...) كله؛ لأن قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌهذا بيان لما قد يتوهم من أن القصاص زيادة في القتل، فبين الله تعالى أنه حياة. هل نستفيد من تنكير حياة معنى زائدًا على مطلق الحياة؟ طالب: حياة معنوية.

الشيخ: كيف؟ الطالب: إقامة العدل بين (...). الشيخ: نعم، صح، نستفيد منها الحياة المعنوية وهي إقامة العدل بين الناس، فإن إقامة العدل لا شك أنها حياة، حياة للشعوب ولا ضر الناس وأهلكهم إلا عدم العدل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الْوَضِيعُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ».

تفسير الآيات (١٨٠-١٨٢)

٠٠:٣٧:٢٤

ثم قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة: ١٨٠]. أولًا: في الإعراب كُتِبَ عَلَيْكُمْهذه فعل مبني للمجهول، فأين نائب الفاعل؟ الوصية. وفيه أيضًا إشكال نحوي وهي أن كُتِبَفعل ماضٍ غير مؤنث والْوَصِيَّةُمؤنثة فما هو السبب في أنه ترك التأنيث؟ طالب: الفصل. الشيخ: نعم، الفصل، هل هناك علة أخرى؟ طالب: هذا زائد يعني ليس التأنيث ليس واجبًا. الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه يعني الضمير، يعني ليس في الفعل يتصل بالفعل ضمير يعود على هذا. الشيخ: الحكم صحيح والتعليل غير صحيح. طالب: لأن تأنيثه غير حقيقي. الشيخ: غير حقيقي، هل عندك شاهد من كلام ابن مالك؟ الطالب: (...). الشيخ: ما يصلح؛ لأن القصد منه جوابًا (...) فرض على الإنسان الوصية للوالدين والأقربين، فما رأيك في هذه الآية أمحكمة أم منسوخة؟ قال الله عز وجل: في مناقشة قبل هذه، لو قال قائل: إن الله فرض الفرائض قال: للأم السدس، للأب السدس، للزوجة الثمن أو الربع أو ما أشبه ذلك، ولو أوجبنا الوصية ما كان لهم السدس كاملًا؛ لأن المال سينقص بمقداره؟ فما هو الجواب؟

طالب: الجواب أن الله سبحانه وتعالى قد أوصى، قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١١]. الشيخ: أوصى؟ الطالب: يعني: أن نخرج الوصية إذا كان هذا الميت قد أوصى بشيء.

الشيخ: أنه ذكر هذه السهام من بعد؟ الطالب: من بعد الوصية. الشيخ: من بعد الوصية، زين. طالب: شيخ، بالنسبة للوالدين (...).

الشيخ: قلنا: إنه ما يوصى لهم بما يرغبوا؛ لأن المال يكون لغيرهم، والله يقول: الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، واللام للتمليك وهما؟ الطالب: بس (...). الشيخ: لا ما له علاقة؛ لأن هذه وصية للتمليك ما هي نفقة وصية للتمليك، فما دام أن الله قال: للوالدين واللام للتمليك، فإنه مثل قوله: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء: ١١]، وإذا كانا رقيقين لم يرثاه. طالب: (...). الشيخ: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ».

الطالب: لا، بالنسبة للآية، ما دلت على أنه..؟ اللام، وأيش قوله: الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ. وأيش اللام؟

الطالب: للتمليك. الشيخ: طيب. طالب: بس ما يفيد عن كونهما والدين. الشيخ: لا، الآن مثلا قال الله تعالى وَلِأَبَوَيْهِفي الميراث: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [النساء: ١١]. لكل واحد منهما السدس إذا مات الابن، طيب لو كانا رقيقين؟ طالب: الأبناء؟ الشيخ: الآباء. وَلِأَبَوَيْهِ، لو كانا رقيقين؟ طالب: مَن؟ الشيخ: هما الوالدان، مات ميت عن أبوين رقيقين يرثان ولَّا لا؟ طالب: والله هذه اللي مرت علينا (...). الشيخ: (...) مرت علينا.

وَيَمْنَعُ الْإِرْثَ عَلَى الْيَقِينِ

رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلَافُ دِينِ

والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل مال المملوك لمالكه: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ الْمُبْتَاعُ».

قال الله عز وجل: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١٨١]. الفاء هذه عاطفة، ومَنْشرطية، وبَدَّلَفعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط. وقوله: فَإِنَّمَا إِثْمُهُالجملة؟ جواب الشرط واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية. وقوله: عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُهذا إظهار في موضع الإضمار وإلا كان مقتضى السياق أن يقال: فإنما إثمه عليه؛ أي: على المبدل. وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌللتهديد. نرجع إلى فَمَنْ بَدَّلَهُبَدَّلَهُأي: بدل الإيصاء أي: المفهوم من الوصية وإلا فقد يقول قائل: الوصية مؤنثة، والهاء في مَنْ بَدَّلَهُ؟ مذكر فكيف عاد المذكر على المؤنث؟ نقول: إنه يعود على المصدر المفهوم من قوله: وَصِيَّةٍوهو الإيصاء أي: فمن بدل الإيصاء، فقوله: بَدَّلَهُأي: غيره بنقص أو زيادة أو منع، هذا التبديل إما أن ينقص أو يزيد أو يمنع، إن نقص فالضرر على من؟ الموصى له، وإن زاد فعلى الورثة، وإن منع فعلى الموصى له كل هذه الصور الثلاث تدخل في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ. وقوله: بَعْدَمَا سَمِعَهُبعد ما سمعه، قال أهل العلم: عبر بالسمع عن العلم؛ لأن السمع من الحواس الظاهرة والعلم من التصورات الباطنة أي: فمن بدله بعد أن يعلمه علم اليقين كما لو سمعه بنفسه، كما لو سمعه بنفسه، ومعلوم أن العلم بالوصية لا يتوقف على السماع قولك؟ قد يكون بالكتابة، وقد يكون بشهادة شهود، وهو ما سمع الموصي، وما إلى ذلك، لكنه كأنه -والله أعلم- عبر بالسمع ليفيد أنه تيقنه كالمسموع لديه فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ، أما من بدل جاهلًا ولم يعلم فلا إثم عليه، لكن عليه الضمان فيما لو تبين أن الوصية على خلاف ما تصرف فيه؛ لأن الواجب عليه أن يتثبت في التصرف لمال غيره. وقوله: فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُفإنما إثمه، إثمه الضمير يعود على التبديل، يعني فهذا الإثم يعود ما هو على الموصي ولا على الورثة، يعود على المبدل عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُأي: يغيرونه، وفائدة الإظهار في موضع الإضمار هنا فائدته الإشارة إلى بيان علة، الإشارة إلى بيان العلة، وإذا كان الأقربون وارثين فإنه لا وصية لهم، إذا كانوا غير وارثين فإنها تجب الوصية لهم، وعلى هذا فتكون الآية من باب المخصوصات لا من باب المنسوخات. وقد تقدم لنا مرارًا أنه كلما أمكن الجمع حرم العدول إلى النسخ؛ لأن النسخ معناه عدم العمل بأحد الدليلين وهو المنسوخ؛ يعني يلغى ويرفع من الشريعة، والتخصيص عمل بهما جميعًا، ولكن يرفع حكم العموم عن بعض أفراده بمقتضى الدليل المخصص، واضح ولَّا لا؟ وهذا لا شك أنه أولى كوننا نعمل بالنصوص الشرعية كلها لا شك أنه هو الواجب بدلًا من أن نلغي هذا النص ودلالته وحكمه، وإلى هذا ذهب ابن عباس وطائفة من أهل العلم على أن الآية محكمة غير منسوخة لكنها مخصوصة، وهذا وهو الذي نراه وندين الله به، يعني الله أكد هذه الوصية بما رأيتم، فكيف نقول: إنها منسوخة، وهذا تأكيد كُتِبَهذا خبر ما هو أمر بعد كُتِبَوإن كان خبرًا بمعنى الأمر؛ لأن معناها فرض، لكن مثل هذه التأكيدات في هذا الحكم ثم ينسخ هذا شيء فيه بعد، فإذا قال قائل: كيف يكون الوالدان غير وارثين؟ نقول: ممكن، لو كان أبوك رقيقًا يرث ولَّا ما يرث؟ طالب: ما يرث. الشيخ: ما يرث، لكن مع ذلك ما نقول بالوصية له؛ لأنك لو وصيت له أخذها سيده فلا يستفيد. لكن لو كان الأب مخالفًا لك في الدين؟ يرث ولَّا لا؟ طالب: لا يرث. الشيخ: لا يرث، فتوصي له، لو كان الوالد قاتلًا قتلًا خطأ على القول بأن قتل الخطأ يمنع من الميراث يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟

طالب: يمكن. الشيخ: يمكن، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: افرض مثلًا أن هذا الرجل مع أبيه، والأب هو السائق وحصل حادث على السيارة بسبب تفريط الأب، ثم إن الولد أُصيب بالحادث لكنه ما مات في الحال، دخل المستشفى وبقي يومين ثلاثة أربعة ثم مات من الحادث، على المشهور من المذهب الوالد يرث ولَّا ما يرث؟ لا يرث، هذا الابن أوصى لأبيه في هذه الحال يصح ولَّا لا؟ يصح؛ لأنهم غير وارثين والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فقط، كذلك بالنسبة للأقربين واضح أوضح وأوضح فإن أخاك مع أبيك لا يرثك، أليس كذلك؟

طالب: بلى. الشيخ: وهو من أقرب الناس إليك فتوصي له، فإن قال قائل: إن الله فرض للأب السدس مثلًا، وللأم السدس، وللزوجة الربع، وللزوج النصف وما أشبه ذلك، وهذا يقتضي أن يكون لهم السدس كاملًا، ومع تنفيذ الوصية لا يكون لهم إلا سدس ناقص بقدر الوصية؟ قلنا: إن الله صرح بأن لهم هذا السهم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ. وعلى هذا فلا إشكال في الآية، لا إشكال في تقدير أنصباء الورثة، وهذا القول هو الذي به تجتمع الأدلة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا مرض أن يوصي ولو بشيء قليل من ماله لأقاربه، واعلم أن صلة الرحم والأقارب من أفضل الأعمال اللي تقرب إلى الله، فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أنها أعتقت جارية لها فقال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» شوف، جعل الرسول أفضل منين؟ من العتق، فلا تظن أنك مثلًا إذا أوصيت بثلثك يجعل (...) وما أشبه ذلك من الأشياء التي قد يكون ما يترتب عليه من المفاسد في المستقبل أكثر من مصالحها، لا تظن أن هذا أفضل من كونك توصي لأخيك الذي لا يرث، ولأختك التي لا ترث، ولجدتك التي لا ترث، وما أشبه ذلك، هذا الأخير أفضل لا شك؛ لأنه من صلة الرحم، ثم إن الآية هذه صريحة ولا أعلم لمن قال بالنسخ وجهة في أدلتهم أبدًا. طالب: لو قيل دائمًا إن الحالات التي ذكرتها الآن ليست على الوجوب؛ لأن كتب بمعنى (فرض)، بل هي على سبيل الجواز، فعلى أي وجه يكون الجواب؟

الشيخ: لا، نقول: على سبيل الوجوب، كيف على سبيل؟

طالب: على سبيل الوجوب الذي والده كافر؟ الشيخ: نعم، لأن الله قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: ١٥]. فالكافر إذا صار قريبًا له حق القرابة. طالب: شيخ، تعبير البعض يعني: بعض العلماء أجدهم يعني في هذه الآية يقول: نسخ بعضها، هذا التعبير يعني..؟ الشيخ: هذا التعبير صحيح، وقد يطلقه الأقدمون، هذا معروف في أساليب الأولين في القدامى من السلف يعبرون بالنسخ عن التخصيص وهو صحيح؛ لأن التخصيص فيه نوع نسخ فبدلًا من أن يكون الحكم شامل لكل الأفراد رفع الحكم عن بعض هؤلاء الأفراد فهو نسخ في حقهم، ثم قال الله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ [البقرة: ١٨٠، ١٨١].