تفسير سورة البقرة - ٤٣
درس صوتي · ٩٢:٥٤
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تَطَوَّعَفعل الشرط وجوابه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُوقوله: خَيْرًاوأيش محلها من الإعراب وأيش اللي ناصبها؟ طالب: صفة لمصدر محذوف، أو مفعول به مؤخر، أو حال. طالب آخر: مفعول به يا شيخ. طالب آخر: الثالث مفعول لأجله. الشيخ: نعم طيب، الآن: فمن تطوع تطوعًا خيرًا، أو مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًاعلى أن نجعل تَطَوَّعَبمعنى فَعَلَ، فتكون خَيْرًامفعولًا به، أو نجعل فَمَنْ تَطَوَّعَطلبًا للخير، فتكون مفعولًا من أجله، والمعنى على كل التقديرات المعنى واحد، يعني: فمن فعل الطاعة يقصد بها الخير فهو خير له. ومعلوم أن الفعل ما يكون طاعة إلا إذا كان موافقًا لمرضاة الله عز وجل بأن يكون خالصًا لوجهه موافقًا لشريعته، فإن لم يكن خالصًا لم يقبل وإن كان خالصًا على غير الشريعة لم يقبل؛ لأن الأول شرك، والثاني بدعة. وقوله: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُفهو خير له منين؟ يعني بمعنى: هل نجعل (خير) اسم تفضيل، يعني: خيرٌ له من سواه، أو نقول: إن هذه (خير) اسم دال على الفضل مجردًا عن التفضيل؛ لأن ما عندنا الآن مفضل ومفضل عليه، يحتمل أن يقال: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُممن؟ من عدمه، لكن كان هذا المعنى ضعيف؛ لأن كون اللي تطوع خيرًا خيرٌ له من عدمه أمر معلوم، فهو كقول القائل: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وقول الآخر:
كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا
قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ
لكن الظاهر -والله أعلم- أنها بيان لأن هذا خير فقط مطلق، وأنه مجرد عن الأفضلية. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُويدخل في هذه الخيرية: أنه يجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ثم قال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْهذا واضح أن المراد بالخير هنا التفضيل، يعني: أن تصوموا خير لكم من الفدية، وهذا يمثل به النحويون للمبتدأ المؤول، فإن قوله: وَأَنْ تَصُومُوا(أن) مصدرية، و(تصوموا) فعل مضارع، والمبتدأ ما يكون إلا اسمًا، لكن هنا مؤول ولَّا لا؟ الطلبة: مؤول. الشيخ: والتقدير؟ الطلبة: صيامكم. الشيخ: وصيامكم خير لكم. وأيش سؤالك؟ طالب: مفعول مطلق فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا. الشيخ: وأيش قلت؟ طالب: مفعول لأجله. الشيخ: إي، مفعول به ومفعول مطلق. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْيعني: من الفدية، وقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَهذه جملة مستأنفة، والمعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافهموا، و(إن) هنا ليست شرطية فيما قبلها، يعني: ليست وصلية كما يقولون، يعني: معناه أنه ليس خيرًا لنا إن علمنا، فإن لم نعلم فلا خير، بل إنها مستأنفة؛ ولهذا ينبغي أن تقف فتقول: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ. (...) استدل بها على حكم الكبير الشيخ والشيخة لا يطيقان الصيام قال: يطعمان عن كل يوم مسكينًا، ابن عباس استدل بهذه الآية على أن الكبير الذي لا يطيق الصوم يطعم عن كل يوم مسكينًا، فوجه استدلاله رضي الله عنه هو أنه لما جعل الله سبحانه وتعالى الإطعام عديلًا للصيام فخير بينهما، كان العجز عن الصيام وأيش يعين؟ يعين من الإطعام؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام عديلًا للصيام عند القدرة عليه، فعلم من هذا أن من لا يقدر على الصيام وعجز عنه عجزًا مستمرًا، فإنه يأتي بما جعل عديلًا له وهو الإطعام، وهذا من فقهه رضي الله عنه. قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْمن حيث الإعراب كيف نعربها؟ وأيش نعرب أَنْ تَصُومُواأعربها بتفصيلها؟ طالب: (أن).. الشيخ: (أن) حرف مصدر ينصب؟ الطالب: ينصب المضارع. الشيخ: ينصب المضارع، تَصُومُوا؟
الطالب: تَصُومُوافعل مضارع منصوب بحذف النون. الشيخ: منصوب بأن، وعلامة نصبه؟ طالب: وعلامة نصبه حذف النون. الشيخ: نعم، والواو؟ الطالب: الواو فاعل. الشيخ: و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، خَيْرٌ؟ الطالب: خَيْرٌخبر. الشيخ: قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَهل هو قيد في الخيرية ولَّا ماذا؟ طالب: يعلمون أن الصيام خير لهم.
الشيخ: يعني: فإن لم تعلموا فليس خيرًا لكم؟ الطالب: لا. الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا لم يقدروا على الصيام.. الشيخ: لا، الله قال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَيعني: إذا قلنا: إن هذا الشرط عائد على الجملة التي قبله صار المعنى: أنه خير لنا إن علمنا، فإن لم نعلم فليس خيرًا لنا. الطالب: نعم، شرط الخيرية. الشيخ: شرط الخيرية، يعني: فإن لم نعلم فليس خيرًا؟ طالب: في الحقيقة سواء علموا ولَّا ما علموا خير. الشيخ: إذن كيف نقول في هذه الجملة: شرطية؟ طالب: إذا تحقق الصيام صاموا فهو خير لهم إذا ما صاموا..
الشيخ: لا. طالب: جملة مستأنفة. الشيخ: جملة مستأنفة مستقلة، صح، ما هي قيد في التي قبلها، ليست قيدًا بل هي مستقلة، يعني: إن كنتم من ذوي العلم، فاعلموا أن الصوم خير، وليس المعنى: إن كنتم من ذوي العلم فالصوم خير، لا. تَعْلَمُونَوهذا نشوف الآية الآن وأيش فيها من فوائد، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُإلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء، وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى من؟ طالب: إلى المؤمنين.
الشيخ: إلى المؤمنين، وأن تركه مخل به؛ لأنه إذا كان من مقتضياته فتركه يخل به، نقص فيه. ويستفاد من الآية الكريمة: فرضية الصيام، منين؟ طالب: كُتِبَ.
الشيخ: من قوله: كُتِبَ.
ويستفاد منه: أن الأمم السابقة تصوم، من قوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. ويستفاد به: استعمال تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به، تؤخذ؟ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ويستفاد من الآية أيضًا: فضل هذه الأمة حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجات الكمال، كما ترقى إليها من سبقها. ويستفاد من هذه الآية: الحكمة في إيجاب الصيام، قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ويستفاد من الآية الكريمة: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية، إذن فهذه الغاية غاية عظيمة ينبغي للإنسان أن يسلك السبل الموصلة إلى التقوى.
وهذا يتفرع عليه فائدة أخرى وهي: اعتبار الذرائع، يعني: ما كان ذريعة إلى الشيء، فإن له حكم ذلك الشيء، فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواضع الفتن، لا ينظر إلى المرأة الأجنبية ولا يكلمها كلامًا يتمتع به معها، لماذا؟ لأنه يؤدي ويكون ذريعة إلى الفاحشة، فيجب اتقاء ذلك، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه ؛ لئلا يقع في فتنته. ويستفاد من هذه الآية الكريمة: حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة، منها ما هو مالي محض، ومنها ما هو بدني محض، ومنها ما هو مركب منهما: بدني ومالي، ومنه ما هو فعل، ومنه ما هو كف، فالصوم ما هو؟ طالب: كف. الشيخ: كف عن المحبوبات، والكف عن المحبوب قد يكون أشق من طلب الفعل، أليس كذلك؟ يمكن بعض الناس لو تطلب منه يفعل أشياء فعل، لكن ما يستطيع أن يكف عن محبوباته، فهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى في التكليف وتعبده عباده سبحانه وبحمده أنه نوّع لهم العبادات لأجل أن يمتحنهم، ربما يكون الإنسان كريمًا فيكون بذل الزكاة عليه من أهون ما يكون، أو لا؟ حينئذٍ ما يحصل الامتحان الكامل بإيجاب الزكاة، ربما يكون عند الإنسان رياضة نفسية، فيهون عليه أن يصلي وأن يتوضأ وأن يغتسل في الليالي الباردة وما أشبه ذلك، قد يكون عند الإنسان صبر عن المحبوب، يهون عليه الصوم يقول: أصوم شهرًا ولا أدفع ثلاثين ريالًا؛ لأن مالي أحبه حبًّا شديدًا والصوم (...) ما هو إلا أن يقدم الغداء شوي ويؤخر العشاء، بسيط، ولكن إياك أن تأخذ مني ثلاثين ريالًا، واضح؟ فالناس يختلفون؛ ولهذا غلط من أفتى بعض أهل العلم حيث وجب عليه كفارة فيها صوم وعتق، فقال له: صم شهرين متتابعين ولا تعتق، لماذا والعتق مقدم على الصيام؟ قال: لأن هذا الملِك لو قلنا له: أعتق رقبة، يعتق عشر رقاب ولا يصوم يومًا، أحب إليه من صيام يوم، احنا ألزمناه بهذا لأنه أغلظ في حقه، لكن هذا النظر غير صحيح؛ لأنه في مقابلة النص فلا يقبل. أنا أتيت بهذا لأجل أن أبين أن الله سبحانه وتعالى حكيم في تنويع التكليف في العبادة، فهذا الرجل -مثلًا- ملِكٌ يمكن يهون عليه أن يبذل أموالًا كثيرة في الزكاة، لكن يشق عليه أن يصوم؛ ولهذا أفتي بأنه يصوم بدل العتق، لكن الله عز وجل جعل العبادة في الحقيقة امتحانًا للعبد، والعجائب في زماننا هذا أننا نصبر على الصيام، يعني ومنا من لا يصبر على الصلاة، تجده يصوم رمضان لكن الصلاة ما يصلي إلا من رمضان إلى رمضان إن صلى في رمضان، وهذا لا شك أنه خطأ في التفكير، لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صارت هينة على الإنسان، والصوم يكون عنده صعبًا؛ ولهذا إذا بغوا يلومون شخصًا يقولون: هذا ما هو بيصوم ولا يصلي فيبدؤون بترك الصوم، وهذا من (...). طالب: شيخ، تَتَّقُونَما يفهم منها أن الصيام لا يقبل إلا من المتقين؟ الشيخ: لا، يؤخذ من يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواما يصوم إلا المؤمن؛ لأنه من مقتضيات الإيمان. طالب: التقوى؟ الشيخ: لا، هذه حكمة التشريع، نعم يستفاد منها أيضًا حكمة التشريع مما ذكرنا، ذكرناها قبل. طالب: شيخ، قصة الملك هذا قالوا: من باب المصالح المرسلة، صحيح؟ الشيخ: لا، ما هو بصحيح، والمصالح المرسلة لا نرى إثباتها؛ لأن المصالح المرسلة إن كانت مصلحة حقًّا، فالإسلام قد اعتبرها، وإن لم تكن مصلحة، فالإسلام لم يعتبرها، هذا الرجل لاحظ أنه إن كلف الرجل هذا بالصيام لاحظ هذا، لكن ما لاحظ أننا نفكّ رقبة من الرقّ، فكّ الرقاب من الرقّ من أفضل الأعمال، فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١١، ١٢] ما هي؟ فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣]. طالب: بس يعني نظر أنه أزجر لنفسه. الشيخ: لا أبدًا، لكن هذا أنفع. الطالب: كثير عنده هذا، يعني أزجر لنفسه.. الشيخ: صحيح، لكن هذا أنفع، هو زجر نفسه إذا لم يكن عنده خوف من الله إلا بالعقوبة أو الكفارة وأيش الفائدة؟ لكن هذا أنفع، والله حكيم جل وعلا، فهذه أنفع للعبد. والمهم أن المصالح المرسلة التي ذكرها بعض الناس من الأدلة ما لها معنى، هي في الواقع إن كانت مصلحة معتبرة فالشرع قد أتى بها، وإن لم تكن المصلحة فالشرع قد ألغاها، وليس في مخالفة الشرع مصلحة أبدًا. قوله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. يستفاد من هذه الآية: أن الصوم أيام قليلة، أيام معدودات. ويستفاد منها أيضًا: سلوك الأساليب التي تهون على المرء ما يتوقع مشقته عليه، كيف ذلك؟ سلوك الأساليب التي تهون على الإنسان ما يتوقع أن يشق عليه، لكن أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍيعني: أنها بسيطة، ما هي صعبة ولا فيها كلفة ولا مشقة. ويستفاد من الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، أولًا: لقلة الأيام ما فرض علينا شهر ولا شهرين ولا ثلاثة، إنما فرض أيامًا معدودات هي شهر، شهر رمضان كما سيأتي إن شاء الله.
ومنها أيضًا: إثبات الرحمة قوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: جواز الفطر للمرض. ألا يستفاد منها: الإيماء إلى أن الفطر أفضل؟ طالب: بلى.
الشيخ: منين نأخذ؟ طالب: فَعِدَّةٌ. الشيخ: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، ففتح الله الباب ما قال: فلا يصوم، بل قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فهذا كأنه فتح بابًا للمريض أن يفطر. واعلم أن المريض بالنسبة للفطر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أولًا: أن لا يتأثر بالصوم إطلاقًا، ولا يشق عليه الصوم مع مرضه، فهنا يصوم ولَّا يفطر؟ يصوم، يجب أن يصوم. الثانية: أن يشق عليه الصوم لكنه ما يضره، فالصوم هنا مكروه يكره أن يصوم مع المشقة؛ لأنه لا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه بما رخص الله له فيه؛ لأن هذا الإشقاق على النفس مع ترخيص الله عز وجل، كأنه ينبئ عن كون الإنسان غير قابل لهذه الرخصة غير قابل، وقد قيل: إن اللئيم من يرد الكريم، والكريم يحب أن يأخذ الناس برخصه كما جاء في الحديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» .
الحال الثالثة: أن يتضرر بالصوم، المريض يتضرر بالصوم، كما لو كان مريضًا بالكلى التي تحتاج دائمًا إلى الماء، فهنا يحرم عليه الصوم، لا يجوز له أن يصوم؛ لقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩]. طالب: شيخ، قولك: إن الكريم من يرد..؟ الشيخ: إن اللئيم من يرد الكريم. الطالب: طيب كيف نجمع بين هذا وبين صيام الرسول وبعض الصحابة في السفر؟ الشيخ: لا ما جينا للسفر إلى الآن. طالب: هذا في المريض؟ الشيخ: هذا في المريض. يستفاد من الآية الكريمة: جواز الفطر في السفر، واضح الدلالة من الآية؟ طالب: إن شاء الله.
الشيخ: طيب. ويستفاد منها أيضًا: الإيماء إلى أن الفطر أفضل؛ لقوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٤]، لكن هذا ليس بصريح في الآية؛ ولذلك ورد في السنة بالصوم في السفر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر، وكان الصحابة منهم من يصوم ومنهم من يفطر، ولا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر .
وحينئذٍ نقول: إن الصوم في السفر ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن لا يكون فيه مشقة إطلاقًا، يعني: ما فيه مشقة تزيد على صوم الحضر، هذا المقصود، وإلا فيه مشقة إذا في أيام الحر يكون فيه مشقة، لكن مشقة تزيد على صوم الحضر، ففي هذه الحالة نقول: الصوم أفضل، وإن أفطر فلا حرج، ودليله؟ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر .
وهذا هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، ولكن المشهور من مذهب الإمام أحمد كراهة الصوم في السفر حتى في هذه الحال وقالوا: لا ينبغي أن يصوم؛ لأن الله تعالى قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. ومذهب الظاهرية: تحريم الصوم، وأنه لو صام لم يجزئه؛ لأن الله قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، فجعل الواجب عليه عدة من أيام أخر، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، وكذلك المشهور مذهب الإمام أحمد ضعيف.
الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم لكن مشقة محتملة، فهنا الأفضل الفطر، والدليل عليه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَاَلُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مَنِ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، أفهمتم؟ الطلبة: نعم. الشيخ: طيب، فنفى عنه النبي عليه الصلاة والسلام البر. وهنا نقف عند هذا الدليل وهذه الحال، من المعلوم في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والنبي عليه الصلاة والسلام قال هنا، وأيش قال؟ «لَيْسَ مَنِ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، عام والسبب خاص، والمعروف أن العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما هو الجواب عن هذه القاعدة مع هذا الحديث ونحن نقول: إن الصوم في السفر أفضل إذا لم يشق؟ نقول: إن معنى: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، المراد الخصوص العيني لا الخصوص الوصفي، فأما الخصوص الوصفي فإنه معتبر بلا شك، فمثلًا هذا الرجل الذي ظلل عليه ما نقول: ليس من البر الصوم في السفر لك أيها الرجل فقط، لو قلنا بذلك لخصصنا العام بسببه، لكننا نقول: إن الخصوص الوصفي لا بد أن يقيد به العموم، فيكون المعني: ليس من البر الصيام في السفر لمن كانت حاله كهذا، فإذا جاءنا زيد وعمرو وخالد وبكر إلى آخره كلهم يشق عليهم الصوم كهذا الرجل، قلنا: ليس من البر أن تصوموا، فإذا قال قائل: الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله إلا لهذا الرجل؟ قلنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد نبه إلى هذه القاعدة ابن دقيق العيد في شرح هذا الحديث في العمدة. وهي قاعدة حقيقة لمن تأملها: أن العموم عموم وصفي وعموم شخصي، فهنا العبرة بعموم اللفظ باعتبار الشخص، أما باعتبار الوصف فإن الحكم يتعلق بسببه الذي من أجله شُرع الحكم. طالب: يعني مع هذه القاعدة ولو لم يدل الدليل على حقيقة (...) أو نقول: إن دل الدليل على أنها لا يكون.. الشيخ: على كل حال أصل ما يمكن إلا بالدليل إذا قيل: ليس من البر الصيام في السفر؟ طالب: لا يكون عامًّا إلا بدليل.
الشيخ: فهنا نعرف السبب اللي من أجله صدر هذا العموم وهو المشقة، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ليس من البر الصيام في السفر في حال المشقة. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، حتى وإن لم نجد، ما دام عرفنا أن علة الحكم هو هذا المعنى فإننا نقيده به. ومَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ. يستفاد من هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الحكم معلق بما يسمى سفرًا بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ طالب: ذكرتم رأيين: ألا يكون فيه مشقة وأن يشق عليه مشقة محتملة؟ الشيخ: الحال الثالثة ما هو بالرأي الثالث، الحال الثالثة: أن يشق الصوم على المسافر مشقة شديدة لا تحتمل، فهنا يتعين الفطر، ودليله ما ثبت في الصحيح: أَنَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ مَكَّةَ أَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، وَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ مَا تَفْعَلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ جِيءَ إِلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» .
والمعصية ما تكون إلا في فعل المحرم، فإذا كان هذا الرجل شق عليه الصوم في السفر مشقة شديدة، فإنه يجب عليه أن يفطر، لماذا لا يفطر لماذا يتعب نفسه ويشق على نفسه والأمر فيه سعة؟ يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن السفر الذي يباح فيه الفطر غير مقيد بزمن ولا مساحة، من أين نأخذها؟ الطلبة: من الإطلاق. الشيخ: من إطلاقها أَوْ عَلَى سَفَرٍ. لكن قال بعض العلماء: لا بد أن يستغرق سفره يومًا؛ لأن أقل فطر يمكن ما هو؟ اليوم، أقل فطر يمكن هو اليوم، فلا بد أن يكون هذا السفر مستغرقًا لليوم، فمن أراد أن يسافر مثلًا إلى الرياض في أول النهار ويرجع في آخر النهار، فإننا نقول له: لا تفطر؛ لأن هذا أقل مما أبيح لك، أبيح لك أن تفطر رمضان، وهنا هذا بعض اليوم لا يسمى صومًا. وهذا الحكم واضح جدًّا على قول الفقهاء الحنابلة الذين يقولون: من علم أنه يقدم غدًا لزمه الصوم، هم يقولون -رحمهم الله-: إن الإنسان إذا علم أنه يقدم غدًا، مثلًا نفرض أنه كان في مكة تعرف أنك بكرة بتسافر إلى بلادك مش هتوصل البلد قبل غروب الشمس، يكون يجب عليك أن تصوم وأنت في مكة؛ لأنك ستقدم إلى بلدك، وهذا في الحقيقة عكس من يقولون: إنك تفطر حتى ولو قدمت البلد؛ لأن فيه رأي لبعض العلماء أن المسافر إذا قدم مفطرًا جاز له أن يستمر على فطره، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ومذهب مالك والشافعي: على أنه يفطر إذا قدم الإنسان إلى بلده وهو مفطر، فإنه يبقى على فطره، وذكروا في ذلك أثرًا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ ، ومعناه: من جاز له الأكل في أول النهار جاز له الأكل في آخره. ومثله أيضًا المرأة إذا طهرت من الحيض في أثناء النهار، فإنه لا يلزمها الإمساك، وعلى هذا: لو قدم المسافر إلى البلد مفطرًا ووجد زوجته قد طهرت من الحيض في ذلك اليوم يجوز له أن يجامعها؛ لأنه لا يجب عليه الإمساك ولا عليها. قال الله تعالى: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
تفسير الآية (١٨٥)
٠٠:٣٥:٥٩
قال الله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥] شَهْرُالشهر هو: مدة ما بين الهلالين، مدة بين الهلالين تسمى شهرًا، وسمي بذلك لاشتهاره؛ ولهذا اختلف العلماء هل الهلال ما هلّ في الأفق وإن لم ير، أو أن الهلال ما رئي واشتهر؟ والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي حتى يرى ويتبين ويشهد. وقوله: شَهْرُ رَمَضَانَهذا من العلم المضاف، شهر: مضاف، ورمضان: مضاف إليه، ورمضان: ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، مأخوذ من: الرمْض، واختلف لماذا سمي برمضان فقيل: لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها، وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء، فسمي شهر رمضان، وهذا أقرب؛ لأن الظاهر أن هذه التسمية كانت قبل الإسلام. وقوله: شَهْرُ رَمَضَانَيجوز أن تقول: شهر رمضان، ويجوز أن تقول: رمضان، كما ستذكر في الفوائد إن شاء الله. طالب: وهل الشهور إلهامية أو اصطلاحية اصطلحها العلماء؟ الشيخ: يعني أسماءها؟ أما تعيينها فمن الله، وأما الأسماء فهي اصطلاحية. وقوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُخبر مبتدأ محذوف تقديره: هي، أي: الأيام المعدودات شهر رمضان، يعني: هي شهر رمضان.
وقوله: رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُالَّذِيصفة لـشَهْرُفمحلها الرفع، وقوله: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُأي أنزله الله تعالى فيه. وقوله: فِيهِ الْقُرْآنُالقرآن، هل المراد به الجنس فيشمل بعضه، أو المراد به العموم فيشمل كله؟ قال بعض أهل العلم: إن (أل) للعموم فيشمل كل القرآن، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين، وعلى هذا القول يشكل الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن نزل في رمضان وفي شوال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة، في جميع الشهور. ولكن أجابوا عن ذلك بأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في رمضان، وصار جبريل يأخذه من هذا البيت فينزل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن هذا الأثر ضعيف؛ ولهذا الصحيح أن (أل) هنا للجنس وليست للعموم، وأن معنى: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُأي: ابتدئ إنزاله كقوله: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان: ٣] وإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١]. وقوله: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ(أنزل) معروف أن النزول يكون من؟ طالب: فوق. الشيخ: من فوق، من أعلى؛ وذلك لأن القرآن كلام الله عز وجل، والله سبحانه تعالى فوق السماوات على عرشه. وقوله: الْقُرْآنُالقرآن مصدر مثل الغُفران والسُّكران، الغفران بالضم، والسكران بالضم، والقرآن بالضم، كلها مصادر، لكنه بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول، قيل: إنه بمعنى اسم المفعول، أي: المقروء، وقيل: بمعنى اسم الفاعل، أي: القارئ، يعني الجامع؛ لأنه من قرأ بمعنى جمع، ومنه: قرية؛ لأنها مجمع الناس، ولا يتنافى أن نقول: إنه من هذا ومن هذا، يعني بمعنى اسم فاعل واسم المفعول.
وقوله: أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِهُدًىمن الهداية وهي الدلالة، فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وقوله: هُدًى لِلنَّاسِعامة، كل الناس يهتدون به المؤمن والكافر يهتدون به الهداية العلمية، أما الهداية العملية فإنه هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] كما في أول السورة: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، فهو للمتقين هداية علمية وعملية، وهو للناس عمومًا هداية علمية. وقوله: هُدًىكلمة هُدًىهذه هل هي مفعول من أجله أو حال من القرآن؟ طالب: حال. الشيخ: إن كانت مفعولًا من أجله فالمعنى: أنزل لهداية الناس، وإذا كانت حالًا فالمعنى: أنزل هاديًا للناس، وهذا أقرب لقوله: وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِوَبَيِّنَاتٍ، فهو هدى وبينات.
وقوله: لِلنَّاسالناس تقدم لنا كثيرًا أن أصلها الأناس، ومنه قول الشاعر:
وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ
دُوَيْهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الْأَنَــــــــــــــــامِلُ
لكن لكثرة استعمالها حذفت الهمزة، الآن تصير: الناس، والمراد بهم البشر؛ لأن بعضهم يأنس ببعض ويستعين به.
وقوله: وَبَيِّنَاتٍمعطوفة على: هُدًى، بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِيعني: أنه ليس هداية دلال فقط، بل هداية مع البراهين؛ لأن البينات هي البراهين والأدلة؛ وذلك لأن طريق الهدى قد يكون يبين الطريق فقط، لكن ما يأتي بالحجج والبراهين الدالة على صدقه، فالقرآن جامع بين الهداية وبين البراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام. وقوله: مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِهذه صفة لـبَيِّنَاتٍيعني: أنها بينات منها النوع، من الهدى (...).
وَالْفُرْقَانِالفرقان مصدر أو اسم مصدر: فَرَّقَ، يُفَرِّقُ، تَفْرِيقًا، وفُرْقَانًا، فهو -أي القرآن- فرقان يفرق بين الحق والباطل، وبين الشر والخير، وبين حزب الله وحرب الله، وبين النافع والضار، فرقان في كل شيء؛ ولهذا الموفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم تأثير ما دل عليه القرآن، والإنسان الذي في قلبه زيغ -والعياذ بالله- تشتبه عليه الأمور ولا يستطيع أن يفرق بين الأمور المختلفة، قد تشتبه عليه الأمور وتلتبس، فلا يفرق بين مختلفها ولا يجمع بين ما توافق فيه موافقة. وقوله: وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِمن جملة الفرقان: أنه يفرق أيضًا بين الثواب والعقاب؛ ولهذا في الغالب أن الثواب يأتي مفصلًا، والعقاب يأتي مجملًا، ما نقول: دائمًا لكن في الغالب، إذا رأيت مثلًا: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الإنسان: ١] قال فيها الله عز وجل: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا [الإنسان: ٤]. (...) وقد أنشد بعض الناس في هذا بيتًا، من يحفظه؟ (...) سهل جدًّا. طالب: هو قوله:
اسْمِيَّــــــــــــــةٌ طَلـــــــــــــَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ
وَبِمَا وَقَدْ وِبَلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
الشيخ: صح؟ طالب: صحيح، إي نعم. الشيخ:
.....................
وَبِمَا وَقَدْ وِبَلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
اسمية طلبية، هذه اللي معنا طلبية: فَلْيَصُمْهُ، واللام لام الأمر فَلْيَصُمْهُ، وسكنت لوقوعها بعد الفاء، وهي تسكن إذا وقعت؟ لام الأمر تسكن إذا وقعت بعد؟ طالب: الفاء، و(ثم)، و(أو). الشيخ: و(أو)؟ الطالب: نعم. طالب: الواو.
الشيخ: الواو، صح، نبغي شواهد على هذا؟ طالب: (...) الواو و(ثم)، فليصل معك، فليستعفف، إنسان غني فليستعفف. الشيخ: وفَلْيَصُمْهُ. طالب: فَلْيَصُمْهُ. الشيخ: فلام الأمر إذا وقعت بعد هذه الحروف الثلاثة تسكن، بخلاف لام التعليل فإنها مكسورة ولو وقعت بعدها؛ ولذلك يغلط كثير من القراء في قوله تعالى: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦] بعضهم يقول: (ولْيتمتعوا)، وهذا على جعل اللام التعليل ما يصلح، بل تقول: وَلِيَتَمَتَّعُوا، إي نعم. قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُشهد بمعنى شاهَد، هذا قول، وشهد بمعنى حضَر، هذا قول آخر، فعلى القول الأول يرد إشكال في قوله: الشَّهْرَ؛ لأن الشهر قلنا في تعريفه: مدة ما بين الهلالين، والمدة تشاهد ولَّا ما تشاهد؟ طالب: ما تشاهد. الشيخ: ما تشاهد، المدة زمن ما تشاهد. وعلى الثاني: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ: فمن حضر الشهر فليصمه، يرد فيها إشكال ولا ما يرد؟ طالب: ما يرد. الشيخ: ما يرد فيها إشكال، على القول الأول الذين قالوا: المراد بـ(شهد) من الشهادة، لا من الشهود الذي هو الحضور، قالوا: إن الشهر هنا على تقدير مضاف، أي: فمن شهد منكم هلال الشهر فليصمه، أو على رأيهم من باب التجوز بالشهر عن هلاله. ولكن القول الثاني أصح: أن المراد بـ(شهد) حضر، المراد به: حضر، ويرجح هذا أمران: أحدهما لفظي وهو: أنه على هذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ولا إلى تجوز، أو لا؟ ثانيًا: أنه في الوقت الحاضر في بعض الأماكن ما نشاهد الهلال، مثل المناطق القطبية ما فيها هلال يمضي عليهم شهرين ثلاثة أربعة خمسة ستة ما شاهدوا هلال، فعلى هذا: لو علق برؤية الهلال معنى ذلك ما يصومون، فإذا قلنا: (شهد) بمعنى حضر، يعني ما هم شهود رؤية الهلال، صار هذا عامًا، فيقال لهؤلاء: ما دام أن الشهر هو الزمن و(شهد) بمعنى حضر، فيقدر زمنه لهؤلاء، إما باعتبار خط الاستواء، أو باعتبار عرض مكة، أو باعتبار أقرب البلاد إليهم، على ثلاثة أقوال، والمسألة كلها اجتهادية، والأقرب أنه يعتبر أقرب البلاد إليهم، يعني من الناحية الجغرافية هذا هو الواقع. قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُأيضًا تؤيد القول الثاني: إن المراد (شهد) يعني حضر؛ لأن الهلال لا يصام والذي يصام الشهر.
وقوله: فَلْيَصُمْهُهذه منزلة على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- بأنه يصوم نهاره وليس يصوم جميعه؛ إذ إن محل الصوم هو النهار فقط، لكن أول ما فرض الصوم كان الإنسان إذا نام أو صلى العشاء الآخر، فإنه ما يأكل ولا يشرب إلى أن تغرب الشمس من اليوم الثاني، ولكن الله يسر وخفف، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في تفسير الآية. طالب: شيخ، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» ما يؤيد القول الأول؟ الشيخ: ما يؤيده؛ لأن الرسول بس بين الميقات فقط، بين الوقت، فيكون ابتداء الصوم من دخول الشهر. وقوله: فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَهذه الجملة سبقت، لكنه أعادها لما ذكر سبحانه وتعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وكانت الآية هذه ناسخة لما قبلها، قد يظن الظان أنه نسِخ حتى فطر المريض وفطر المسافر، فأعادها سبحانه وتعالى تأكيدًا لبيان الرخصة، وأن الرخصة حتى بعد أن تعين الصيام، فإنها باقية، وهذا من بلاغة القرآن، وعليه فليس هذه الآية أو هذه الجملة من الآية ليست تكرارًا محضًا، بل تكرارًا لفائدة؛ لأنه لو قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُولم يقل: وَمَنْ كَانَلكان ناسخًا، لكان ناسخًا عامًا. وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَتقدم الكلام عليها إعرابًا ومعنى. قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَهذا تعليل لقوله: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. واعلم أن قوله: يُرِيدُمأخوذ من الإرادة، فعل مضارع من الإرادة، فالله تعالى يريد، وإرادة الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، فالإرادة الكونية: ما يتعلق بتقديره، والإرادة الشرعية: ما يتعلق بشرعه. ما معناهما؟ معنى الإرادة الشرعية معناها: المحبة، ومعنى الإرادة الكونية: المشيئة، معناها المشيئة، فقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣] كقوله تعالى في الآية الأخرى: وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُوَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧].
وهنا يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَهذه الإرادة الشرعية، المعنى: يحب بكم اليسر، يحب اليسر، وليست الإرادة الكونية؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد بنا اليسر كونًا ما تعسرت الأمور على أحد، ولا ما صدق قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥]؛ لأنه على تقدير أن تكون الإرادة هنا كونية ما يكون هناك عسر أبدًا، فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا أيش؟ الطلبة: الشرعية. الشيخ: الإرادة الشرعية؛ ولهذا ما تجد -والحمد لله- في شريعة الله في هذه الشريعة ما تجد فيها عسرًا أبدًا، بل ولا أظن في جميع الشرائع عسرًا إلا بسبب من الأمم؛ لأن الله قال: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء: ١٦٠] إلى آخره، وإلا فالأصل أن شرائع الله عز وجل مبنية على اليسر والسهولة، لكنه مع كونه عز وجل مريدًا لليسر والسهولة بالعباد هناك حكمة قد تقتضي في بعض الأحيان أيش؟ التشديد، نحن في شريعتنا -والحمد لله- الشريعة انتهت ما فيها زيادة ولا نقص، لكن قد يحرم الإنسان شيئًا من الطيبات بظلمه يحرم إياها تحريمًا كونيًّا، أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: كونيًّا بأن يكون فيه مرض لا ينفع معه أن يأكل هذا الطيب من الطيبات، كما لو احتمى الإنسان مثلًا عن أكل اللحم أو عن الحلوى أو ما أشبه ذلك. والحاصل: أن الإرادة تنقسم -إرادة الله تنقسم- إلى كم؟ إلى قسمين: شرعية، وكونية، فما تعلق بالشرع فهو شرعي، وما تعلق بالتقدير والخلق فهو؟ طالب: كوني. الشيخ: كوني، ما الفرق بينهما من حيث الحكم؟ قلنا: الفرق بينهما أن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة، هذه واحدة. ثانيًا: الإرادة الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، فالله تعالى يريد مثلًا منا أن نطيعه من جميع العباد، قد تقع الطاعة وقد لا تقع، هذا الفرق الثاني.
الفرق الثالث: الإرادة الشرعية لا يكون المراد فيها إلا محبوبًا لله، والإرادة الكونية قد يكون محبوبًا وقد يكون غير محبوب له؛ لأنها تتعلق بالكون كالتقدير، والله عز وجل يقدر ما يحب وما لا يحب، كل شيء بتقدير الله، والآن نبغي نختبركم في أمثلة: ما تقولون في كفر أبي جهل هل هو مراد كونًا أو شرعًا، أو كونًا وشرعًا؟
الطلبة: كونًا لا شرعًا. الشيخ: كونًا لا شرعًا صح، كونًا لأنه وقع، لا شرعًا لأنه غير محبوب إلى الله، كذا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: ما تقولون في إيمان أبي بكر؟ الطلبة: كونًا وشرعًا. الشيخ: مراد كونًا وشرعًا، مراد كونًا لأنه وقع، وشرعًا لأن الله يحبه، يحب الإيمان. ما تقولون في كفر أبي بكر؟ طالب: لم يرد كونًا ولا شرعًا.
الشيخ: لم يرد كونًا ولا شرعًا، لم يرد كونًا لأنه لم يقع، ولا شرعًا لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب الكفر. ما تقولون في إيمان أبي جهل؟ طالب: مراد شرعًا لا كونًا. الشيخ: مراد شرعًا لا كونًا، مراد شرعًا لأن الله يحبه، لا كونًا لأن الله تعالى لم يقدره. قد تقولون: إذا كان الله يحب الشيء فلماذا لا يقع؟ ألست أنت إذا كنت تحب الشيء وأنت قادر عليه تفعله؟ طالب: بلى. الشيخ: إذا كنت تحب الشيء وأنت قادر عليه تفعله، والله على كل شيء قدير، فلماذا لا يقع ما يحبه مع قدرته عليه؟ فالجواب على ذلك أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى يفعل الأفعال لحكمة، فالله عز وجل قد يحب الشيء لذاته، وقد يحب الشيء لما يترتب عليه من الحِكم، فالكفر ليس مرادًا لله شرعًا، لكن مراد له كونًا؛ لأن في وقوع الكفر من الحكم والمصالح العظيمة ما لا توجد في عدمه، لو آمن كل الناس لفسدت الدنيا، ولو كفر كل الناس لفسدت الدنيا، ولكن من حكمة الله عز وجل أن خلقنا فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقد قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨، ١١٩]، يعني: وللاختلاف الذي اقتضته حكمة الله عز وجل خلقتم، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، ولولا هذا ما تمت كلمة الله وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]. فصار هذا المكروه إلى الله شرعًا المراد له كونًا اقتضت الحكمة وجوده، فأحبه الله عز وجل لا لذاته، ولكن لما يترتب عليه من المصالح العظيمة التي يريدها سبحانه وتعالى شرعًا، فلا يغرنك قول من يقول: إنكم إذا وصفتم الله عز وجل بأنه مريد لما يكره، فقد وصفتموه بالعجز، فكيف يقع ما لا يريد؟ بأن نقول: يقع ذلك لما يترتب عليه من الحكم والمصالح. الآن -ولله المثل الأعلى- لو مثلًا واحد عنده ابن يحبه حبًّا شديدًا أصيب هذا الابن بداء لا يبرئه إلا الكي هل الأب يكويه؟ طالب: نعم. الشيخ: يكويه، نعم، يكويه بل يسرع إلى كيه لماذا؟ هو يكره الكي لكنه لما يترتب عليه من المصالح، من الصحة، فالإنسان العاقل البصير يعرف أن حكمة الله عز وجل أعلى من حكمتنا، ولا تنسب إليها حِكَم الخلق له من الحكم والأسرار في تقدير ما يكرهه جل وعلا شيء عظيم، حتى إنه في الحديث القدسي قال الله عز وجل: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» شوف الله أكبر، الله يكره جل وعلا أن يسيء عبده المؤمن فهو يكره الموت، ولكن الله يقول: «لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»، فهذا كله يدلك على أن الله عز وجل يقدر ما يكرهه لحكم عظيمة بالغة. طالب: لماذا لا نضمن الإرادة الكونية المحبة لهذا الموت؟ الشيخ: لا، لكن أصلها ليس محبوبًا إلى الله، نفس المراد غير محبوب، لكن ما يترتب عليه من مصالح هو المحبوب. الطالب: إذن يحبه لأن الإنسان يحب الشيء وما يترتب عليه؟ الشيخ: لا، بارك الله فيك، المراد نفسه شر، معصية، ولا يمكن نقول: إن الله يحب المعصية أبدًا، لكن يحب ما يترتب عليها من الآثار الحميدة، لولا المعاصي ما قام الجهاد في سبيل الله ولا قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولامتحن الإنسان أيضًا بنفسه، لو كان الناس كلهم اللي حولك يطيعون الله، ما تنفرد أنت بالمعصية، حتى لو كنت تريدها ما ذهبت تفعلها، لكن فيها من المصالح المترتبة عليها، هذا محبوب إلى الله، أما نفس المراد فليس محبوبًا، ولا يمكن أن نقول: إنه يحبه. الطالب: (...). الشيخ: إن عقولنا لا تحيط بكل الحِكم ولا بشيء من حدود الله وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥]. فهذه الحِكم ربما هذا الشاب لو أنه بقي لحصل له انحراف، ما ندري فلعله يكون له انحراف لو بقي، فيضل هو ويضل الناس، والله سبحانه وتعالى حكيم، فكل شيء يفعله الله عز وجل فاعلم أنه لحكمة، لا تظن أنه ليس لحكمة، بل لو ظننت أنه على خلاف الحكمة، فاعلم أن ظنك هو الخاطئ؛ لأنه وأيش أنت الإنسان اللي تريد أن تحجر على الله عز وجل حتى تريد منه أن يفعل ما تراه أنت حكمة، هل هذا معقول؟ الإنسان الآن ما يبصر طرف المسجد بالآلة الحسية وهي العين، كيف عادي بيبصر الأمور المعنوية الحكم والأسرار التي يتضمنها خلق الله عز وجل وشرعه؛ ولهذا لو اجتمع الخلق كلهم على أن يقولوا: والله احنا بنجلس نحلل الشرع، الشرع اللي بين أيدينا الآن محصور الكتاب والسنة، نبغي نحلل ونبغي نجعل كل مسألة حكمة، يقدرون؟ ما يستطيعون؛ لأن فيه أشياء تحار فيها العقول في الحقيقة من المشروعات، ما يقدر الإنسان يعللها وهي مشروعات محصورة كيف عد الخلق اللي ما يحصر؟ القول الحق دائمًا يكون عدلًا بين تطرفين، إذا تأملت مسائل النزاع، لا في المسائل العلمية العقيدية ولا في المسائل العملية الفقهية، إذا تدبرت هذه المسائل وجدت دائمًا أن الحق وسط بين تطرفين، والعامة يقولون: خير الأمور الوسط، إي نعم. طالب: قوله في الحديث القدسي: «مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا تَرَدُّدِي»، يعني هذا.. الشيخ: هذا ظاهره -بارك الله فيك- أشكل على كثير من الناس، ولكنه عند التأمل لا إشكال فيه، التردد يكون له سببان: السبب الأول: الإشكال على الفاعل، أو جهل الفاعل بما يترتب على هذا الأمر فتجده يتردد فيه هل يفعله ولَّا ما يفعله، فهمت؟ الأمر الثاني: التردد يكون سببه العلم، لكن هناك مقتضٍ آخر وهو الرحمة، فيتردد الإنسان ولكنه أخيرًا يصمم، مثلما قلنا الآن: الكي يحزن الصبي ولَّا لا؟ وتجد الإنسان يتردد، لكن إذا علم ما فيه من المصلحة -يعني لا بد منه- أقدم. فالتردد الذي ينزه الله عز وجل التردد الذي سببه الجهل: هل أُقدم أو ما أُقدم؟ أما التردد الذي سببه العلم لكن يكون هناك مقتضٍ آخر للتردد كالرحمة مثلًا، فهذا لا ينزه الله عنه؛ لأنه من كمال رحمته سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال: «عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» ، ما هو كل العباد، فكان بالمؤمنين رحيمًا، فالرحمة الخاصة بالمؤمنين أنه لا تقتضي أن يتردد جل وعلا لا تردد جهل، مثلما قلنا: العجب، الله يعجب ولَّا لا؟ يعجب، بالقرآن والسنة، قال الله تعالى في القرآن: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ}، وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غَيْرِهِ» إلى آخره، فالعجب أنكره بعض الناس قال: إن العجب لا يليق بالله؛ لأن العجب سببه جهل الإنسان، فيأتيه الأمر على غرة فيعجب، فيقال: العجب الذي سببه هذا ينزه الله عنه، أما العجب الذي سببه خروج الشيء عما يجب أن يكون عليه، فهذا متعلق (...) لا بالمتعجب. وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَالواو عاطفة، واللام نسألكم هل هي لام الأمر ولَّا لام التعليل؟ طالب: لام التعليل. الشيخ: وأيش الدليل؟ طالب: كسرت. الشيخ: كسرت، لو كانت لام الأمر لسكنت ولكنها مكسورة، فهي إذن لام التعليل. وعلى أي شيء يكون العطف ما دمنا قلنا: وَلِتُكْمِلُواإن الواو حرف عطف فأين المعطوف عليه؟ قالوا: إن المعطوف عليه قوله: الْيُسْرَيعني: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَويريد لتكملوا العدة. واعلم أن (أراد) إذا تعدت باللام، فإن اللام تكون زائدة من حيث المعنى؛ وذلك لأن الفعل (أراد) يتعدى بنفسه، فقوله: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦] معناه: يريد الله أن يبين لكم، وهذه: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَيعني: وأن تكملوا العدة، يعني: ويريد الله منا شرعًا ولَّا قدرًا؟ طالب: شرعًا. الشيخ: شرعًا، أن نكمل العدة، وتُكْمِلُوافيها قراءتان تُكْمِلُوابالتخفيف، و{تُكمِّلوا} بالتشديد وهما بمعنى واحد. قوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَالعدة استنبط بعض الناس من قوله: الْعِدَّةَولم يقل: ولتكملوا عدة الشهر، استنبط منه: أن من كانوا في الأماكن التي ليس عندهم شهور -مثل الذين في الدوائر القطبية- قال: هنا ما قال: تكملوا عدة الشهر؛ لأنه لا شهر عندهم بل قال: تكملوا العدة يعني عدة الأيام، فيصومون هؤلاء في وقت رمضان عند غيرهم شهرًا ولَّا عدة شهر؟ عدة شهر؛ لأن شهر عندهم غير موجود، وقال: إن هذا من آيات القرآن أنه جاء التعبير صالحًا حتى لهذه الحال التي ما كانت معلومة عند الناس حين نزول القرآن. وقوله: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَالعدة أيضًا فيها فائدة، كلمة (العدة)، ما قال: تكملوا شهرًا؛ وذلك لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا، وهذا كثير. طالب: شيخ بعض الناس يعني الناس في هذا الشهر تصوم ثلاثين يوم؟ الشيخ: إي غلط، غلط إكمال الثلاثين خطأ. قال: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَالواو حرف عطف، ولِتُكَبِّرُوامعطوفة على تُكْمِلُوابإعادة حرف الجر، وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَتكبروا الله، أي تقولوا: الله أكبر، والتكبير يتضمن الكِبَر في العظمة والكبرياء والأمور المعنوية، وكذلك يتضمن الكبر في الأمور الذاتية، فإن السماواتِ السبع والأرضين السبع في كفّ الرحمن كخَرْدَلةٍ في كفّ أحدِنا ، فالله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء. وقوله: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ(على) قيل: إنها للتعليل، إن (على) هنا للتعليل وليست للاستعلاء، أي: لتكبروه لهدايتكم. وقوله: عَلَى مَا هَدَاكُمْإنما جاءت (على) دون اللام مع أنها تفيد التعليل إشارة إلى أن هذا التكبير يكون في الآخر؛ ليكون عاليًا على ما حصل من الهداية؛ لأن الشيء إذا كان في الآخر صار هو الأعلى ولَّا لا؟ كما لو ملأت إناء من الطعام مثلًا، وجعلت عليه شيئًا، يكون هو الآخر أو الأول؟ يكون هو الآخر، فلهذا قال: عَلَى مَا هَدَاكُمْيعني: يكون التكبير على ما هدانا، وهذا يدل على أنه يكون في آخر، أو عند تمام هذه الهداية. فاستفدنا من (على) الآن أمرين: الأول أن معناها التعليل كاللام. الثاني: أنه عبر بـ(على) لماذا؟ إشارة إلى أن التكبير يكون بعد انتهاء هذه الهداية؛ ولهذا متى يشرع التكبير في آخر رمضان؟ إذا غربت الشمس ليلة عيد الفطر، يعني: بعد انتهاء رمضان ودخول شوال، إذا غربت الشمس شرع التكبير. وقوله: عَلَى مَا هَدَاكُمْ(ما) هنا مصدرية ولَّا موصولة؟ طالب: موصولة. طالب آخر: مصدرية.
الشيخ: إذا كانت موصولة فتحتاج إلى؟ طالب: صلة. الشيخ: لا، الصلة موجودة تحتاج إلى عائد، وإذا كانت مصدرية ما احتاجت إلى عائد، والعائد التي تحتاج إليه هنا محذوف، يعني: على ما هداكم به، أو عليه، أو له، يقدر شيئًا مناسبًا، ومعلوم أنه إذا أمكن عدم التقدير فهو أولى، وعلى هذا فالراجح أن تكون مصدرية، أي: على هدايتكم.
طالب: وأيش تقدير اللفظة؟ الشيخ: على ما هداكم له، على الذي هداكم له، وهو الصيام.
طالب: نقول: (على) للتعليل؟ الشيخ: إي نعم. طالب: ما ذكر أهل العلم. الشيخ: ابن مالك ذكر. وقوله: عَلَى مَا هَدَاكُمْهذه الهداية تشمل هداية العلم وهداية العمل، وهي التي يعبر عنها أحيانًا بهداية الإرشاد وهداية التوفيق، فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله لا شك أن الله من عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل، يعني: هداية الإرشاد وهداية التوفيق. وقوله: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْهنا أتى بالتكبير دون الاستغفار مع أن كثيرًا من العبادات إذا انتهت تختم بأيش؟ بالاستغفار، كأنه -والله أعلم- أنه لما كمل هذه النعمة -الهداية والصيام- صار كأن الإنسان علا وارتفع، مثل ما شرع للإنسان إذا علا نشزًا أن يكبر، وإذا هبط واديًا أن يسبح ، فكأنك بإتمامك هذا الصيام الذي هو ركن من أركان الإسلام، وربما وفقت لليلة القدر في هذا الشهر كأنك علوت؛ فلهذا قال: عَلَى مَا هَدَاكُمْ.
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَأي: تقومون بشكر الله عز وجل، و(لعل) هنا للتعليل، تشكرون على أي شيء؟ على أمور ثلاثة بل أمور أربعة: إرادة الله بنا اليسر، عدم إرادته العسر، وأيش بعد؟ إكمال العدة، التكبير على ما هدانا، هذه الأمور كلها نِعم، كلها نِعم تحتاج منا أن نشكر الله عز وجل عليها؛ ولهذا قال: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. واعلم أنه يقال: الحمد والشكر، فهل هما مترادفان أم بينهما عموم وخصوص؟ نقول: بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث المتعلق، فسبب الحمد كمال المحمود وإفضال المحمود، يعني: الحمد سببه كمال المحمود، فالله يحمد على ما له من الكمال، وإفضال المحمود يحمد الله أيضًا على ما له من الإفضال والإنعام، فهمتم؟ لكن متعلقه اللسان فقط، الحمد إنما يكون باللسان؛ فلهذا قلنا في تعريفه: وصف المحمود لما له من الكمال والإفضال، فمحله اللسان فقط، أما الشكر فسببه شيء واحد وهو؟ النعمة، سببه النعم؛ لأنك لا تشكر إنسانًا على كماله، وإنما تشكره على إنعامه عليك، فالشكر سببه أيش؟ النعمة، لكن متعلقه أعم؛ إذ إنه يكون بالقول والقلب والجوارح، يكون بالقلب واللسان والجوارح، وعلى هذا قول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
أكررها للمرة الثالثة:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
ونطلب من حسين أن يقرأه علينا؟ (...) بالقلب واللسان والجوارح، فمن اعترف بقلبه لله بالنعمة، فهذا أتى بركن من أركان الشكر، لكن بقي عليه ركنان، ومن اعترف بقلبه ولسانه لله تعالى بالنعمة، فقد أتى بركنين وبقي عليه واحد، ومن اعترف لله تعالى بالنعمة بقلبه ولسانه وجوارحه، فهذا أتى بأركان الشكر كلها. شكر النعمة بالجوارح يكون بأداء ما شرع الله لها أو ما شرع الله فيها، فالمال مثلًا شكر الله عليه أن تؤدي زكاته وتقوم بما أوجب الله عليك من نفقات، وكذلك تقوم بما شرع الله لك من تجمل بثيابك، وما أشبه ذلك، «وَإِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» .
وإذا كان بالعلم فشكر الله عليه يكون بالعمل به ويكون بتعليمه وبذله للناس بكل طريق، وعلى هذا فقسْ. فشكر النعمة أن تقوم بما شرع الله لك فيها، هذا الشكر الخاص، أما الشكر العام فأن تقوم بطاعة المنعم مطلقًا، هذا الشكر العام الذي يكون به الإنسان شاكرًا، وأظن أنه يجب أن نعرف الفرق بين الشكر الخاص والشكر العام: الخاص تقوم بشكر هذه النعمة المعينة، والعام أن تقوم بشكر النعم على سبيل العموم.
فمثلًا رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فكان يبذل المال فيما يرضي الله عز وجل، لكنه شحيح بالعلم نقول: هذا شاكر من وجه، من وجه خاص، غير شاكر من وجه، ولا نعطيه اسم الشاكر مطلقًا، ولا نسلب عنه اسم الشكر مطلقًا، نقول: هذا شاكر من وجه، وغير شاكر من وجه، كذا؟ لأن الإنسان يكون فيه خير وشر، ويكون فيه إيمان وكفر، وفسوق وطاعة، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. طالب: يا شيخ، من فاته رمضان وقضاه يشرع له القضاء؟ الشيخ: لا، ما يشرع، هذا لا يشرع، وبيجينا إن شاء الله في الفوائد. طالب: (...) إن أصابته مصيبة أو شيء من هذا القبيل هل له أن يشكر الله سبحانه وتعالى أو يحمده؟ الشيخ: يحمد ويشكر.
الطالب: فإن الشكر يكون في النعمة؟ الشيخ: حتى هذه إذا ذكر الإنسان ما يؤتيه الله على هذه المصيبة من تكفير السيئات ورفعة الدرجات بالصبر عليها يكون هذه نعمة فيشكر الله.
تفسير الآيات (١٨٦-١٨٨)
٠١:٢٦:٣٧
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: ١٨٦] الخطاب في قوله: وَإِذَا سَأَلَكَيعود إلى من؟ طالب: إلى الرسول. الشيخ: إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الواسطة بيننا وبين الله تعالى في إبلاغ الوحي، وليس عائدًا إلى كل أحد، ما هو عائد إلى كل أحد، وقد سبق لنا أن الخطاب الموجه من الله عز وجل قد يكون خاصًّا بالرسول، وقد يكون عامًّا له وللأمة حسب السياق.
إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي(عباد) مضاف، والياء مضاف إليه، والمراد بالعباد هنا: العباد المؤمنون، بدليل قوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، والكفار ما يدعون الله يدعون معه غيره. وقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيعن أي شيء؟ عن ذات الله، عن صفاته، عن قربه، عن كرمه؟ الجواب هو الذي يحدد معنى السؤال، الجواب هو الذي يحدد معناه، نشوف الجواب: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِإذن هم يسألون عن أيش؟ عن القرب والإجابة؛ لأن كلمة: عَنِّيتحتمل معاني كثيرة لكن يحددها الجواب، وكما يقال: إن الجواب على قدر السؤال. إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِيهل هذا يدل على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنه على تقدير هذا الأمر وفرضه؟ عندنا ثلاثة أشياء: هل تدل الآية على أنهم سألوه، أو أنهم سيسألونه، أو أنهم إن سألوك فقل كذا؟ طالب: الثالث. طالب آخر: الثاني والثالث. طالب آخر: تشمل الجميع. الشيخ: الثالث، الثاني والثالث، لكن أنا ذكرت لكم هذه الاحتمالات الثلاث؛ لأنه ذكر في هذا الموضع حديث: أن الصحابة قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ، وهذا الحديث تكلم فيه العلماء وضعفوه، ولكن بعضهم يذكره محتجًّا به، وممن يذكره محتجًّا به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإذا ذكره في هذا الموضع محتجًّا به دل هذا على أنه عنده حجة، وأقل أحواله أن يكون حسنًا، لكن كثير من المحدثين ضعفوا هذا الحديث، وسياق الآية لا يدل على أنه سببها؛ لأنه لو كان سبب نزول الآية هذا القول لقال كما يعبر في آيات كثيرة: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: ٢٢٠]، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢]، يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ [المائدة: ٤] وما أشبه ذلك، فيأتي بصيغة المضارع الدالة على الوقوع، لا بصيغة الماضي المعلق بالشرط فإن الماضي المعلق بالشرط يدل على عدم وقوع ذلك الشيء. لكن هل يدل على أنه سيقع، أو على فرض أن يقع؟ قال علماء البلاغة: إن (إذا) و(إن) كلاهما شرطيتان، لكن (إن) لا تدل على الوقوع، قد تعلق بأمر ممتنع غاية الامتناع، بخلاف (إذا) فإنها تدل على الوقوع. مثال ذلك: قلت لك: إذا جاء زيد فأكرمه، وأيش معنى هذا؟ أنه يبغي يجي وليكن إكرامك إياه عند مجيئه، فإذا قلت: إن جاء زيد فأكرمه، هذا يدل على أنه قد يأتي وقد لا يأتي. فهذه الآية: إِذَا سَأَلَكَظاهرها أن السؤال منهم متوقع، وعلى هذا فيكون الله عز وجل أفتاه بأمر قد يكون، وهو للكون أقرب، أما (إن) فقلت لكم: إنها لا تدل على وقوع الشيء بل إنها قد تدخل على الشيء الممتنع غاية الامتناع، كقوله تعالى عن نفسه: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] هذا الشرط ممكن؟ الطلبة: لا. الشيخ: غير ممكن، وقوله عن الرسول صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] يمكن، يمكن هذا؟ ما يمكن، إي نعم. وأما قوله: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ [النساء: ١٢] (إن) هذه دالة على شيء لا يمكن وقوعه، بل يمكن وقوعه..