تفسير سورة البقرة - ٤٠
درس صوتي · ٩٣:٣٨
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
استيفاء القصاص ثلاثة: أولًا: أن يكون مستحقه مكلفًا. والثاني: أن يتفق جميع المستحقين على الاستيفاء. والثالث: أن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى الجانيَ، مثال ذلك، الشرط الثالث: أن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى الجانيَ.
الأول: يشترط أن يكون مستحقه مكلفًا؛ يعني الذي له القصاص لا بد يكون مكلفًا، ومن الذي له القصاص؟ الذي له القصاص -على المذهب- كل من يرث المقتول، كل من يرث المقتول بنسب أو سبب، كل من يرثه بنسب أو سبب، وعلى هذا فالزوجة لها صوت ولَّا ما لها صوت؟ الطلبة: لها صوت. الشيخ: لها صوت لأنها وارثة، فكل من يرث المقتول بنسب أو سبب كالنكاح والولاء فإنه يدخل في مستحق القصاص. طالب: ولو كان محجوبًا؟ الشيخ: لا، من يرث، كل من يرث؛ فالزوجة والأولاد والأم والأب كلهم مستحقون للقصاص، فلا بد أن يكون المستحق مكلفًا، فإن كان المستحق غير مكلف فإنه لا يقتص من الجاني، ما يقتص من الجاني، وإن تمت الشروط الخمسة السابقة، ولكن ماذا نصنع؟ يقول الفقهاء رحمهم الله: إنه يُحبس الجاني حتى يكلف من لم يكن مكلفًا؛ يعني حتى يبلغ الصغير وحتى يعقل المجنون، بلوغ الصغير معروف إلى أمد أو لا؟ أو يموت وينتقل الحق إلى وارثه، لكن عقل المجنون إلى متى؟ طالب: حتى يفيق. الشيخ: الله أعلم، ربما يبلغ خمسين سنة ما عقل، وحينئذٍ يُحبس الجاني خمسين سنة ولا يقتص منه؛ لأنه لا بد أن يكون المستحق مكلفًا، فإن كان غير مكلف حُبس الجاني حتى يكلف من لم يكلف.
وقال بعض أهل العلم: إن هذا ليس بشرط، وأن للمكلف أن يقتص وإن كان البعض غير مكلف. عرفتم؟ وعلى هذا القول يحبس الجاني ولَّا لا؟ لا يحبس، يقال للمكلف: ماذا تختار؟ تختار القصاص اقتصصنا منه، ولغير المكلف نصيبه من الدية، تختار الدية تكون الدية، مثال ذلك: رجل قُتل وله زوجة وأم وأب وابن بالغ وابن لم يبلغ يُقتص من الجاني ولَّا لا؟ الطلبة: لا. الشيخ: أم وأب وزوجة وابن بالغ وابن لم يبلغ، لا، على المذهب؟ طالب: لا يقتص. الشيخ: لا يقتص منه، يُحبس حتى يبلغ هذا الصغير وننظر أيش رأيه، رأيه القصاص أو عدمه يعمل به. الشرط الثاني: اتفاق الأولياء على ذلك، أن يتفقوا كلهم على طلب القصاص؛ فإن طلب أحدهم القصاص والآخرون طلبوا الدية استوفى ولَّا لا؟ لا يُستوفى؛ ودليله من القرآن في هذه الآية: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ١٧٨]. الشرط الثالث: أن يُؤمن في الاستيفاء أن يتعدى الجاني، معناه أننا نأمن من أن يتعدى ضرر الاستيفاء إلى غير الجاني، مثل: لو وجب القصاص على امرأة حامل؛ امرأة قتلت زوجها -والعياذ بالله- وهي حامل، الآن نقتص منها ولَّا لا؟ طالب: لا. الشيخ: ما نقتص؛ لأننا لو اقتصصنا لجنينا على غيرها، على مَنْ؟ على الجنين، ولهذا أخر النبي عليه الصلاة والسلام رجْم الزانية الحامل حتى وضَعت وأَسْقت الولد اللبن وفُطِمَ ، إذن ننتظر حتى لو اتفق أولياء الدم على أن يقتصوا من هذه المرأة الجانية، فإننا لا نقتص منها نظرًا لكون القصاص يتعدى إلى غيره، نصبر إلى متى؟ حتى تضع، وتسقي الولد اللبن، ثم إن وُجد من يرضعه وإلا تُركت حتى تفطمه، هذه ثلاثة شروط لاستيفاء القصاص. فإذا قال قائل: فرقوا لنا بين شروط القصاص وبين شروط استيفاء القصاص؟ فالجواب: أن شروط القصاص شروط لثبوته هل يثبت أو لا يثبت، وشروط الاستيفاء شروط لتنفيذه هل يُنفذ أو لا يُنفذ، هذا الفرق بينهما. فشروط القصاص إذا عُدم واحد منها ما يثبت القصاص حتى لو كان أولياء المقتول مكلفين وطالبوا بالقصاص، والآن فيه تعدٍّ فإنه لا قصاص، أما شروط استيفائه فهي شروط لتنفيذه، إذن أيهما ننظر أولًا شروط القصاص ولَّا شروط استيفائه؟ طلبة: شروط القصاص. الشيخ: ننظر أولًا في شروط القصاص، إذا تمت نظرنا إلى شروط استيفاء القصاص، فإن لم تتم شروط القصاص فإنه من الأول لا قصاص. طالب: يا شيخ، إذا قُتل إنسان وليس له أحد، فماذا نعمل معه؟ الشيخ: يكون لبيت المال، اللي يرثه بيت المال. ذكرنا من الشروط أن يتفق أولياء المقتول على استيفاء القصاص إلا أنه مر علينا -أظن ما أدري متى- أن شيخ الإسلام ابن تيمية اختار ما ذهب إليه الإمام مالك؛ وهو أن قتل الغيلة لا يشترط فيه اتفاق الأولياء ولا تكليفهم ولا شيء؛ قتل الغيلة يُقتل القاتل بكل حال؛ لأنها فساد، فساد في الأرض، فإذا قَتل إنسان شخصًا غيلة يعني جاءه على غرة وقتله فإنه يُقتل بكل حال ولا يحتاج إلى مطالبة؛ لأن هذا من باب الفساد في الأرض؛ إذ لا يمكن التحرز من قتل الغيلة، ما يمكن، إنسان آمِن مثلًا في المسجد، آمن في بيته، آمن في سوقه يجيء شخص يغتاله! هذا فساد عظيم. طالب: أو نائم يا شيخ؟ الشيخ: أو نائم، المهم على كل حال أن هذا القول قول قوي، وعلى هذا القول يكون القصاص فيما لو قتله جهارًا؛ يعني تماسك ويَّاه أو تقاتلوا تضاربوا، أو مثلًا تسابوا وتشاتموا أو ما أشبه ذلك، هذا هو الذي يخير فيه الإنسان بين النظرين؛ إما القتل وإما الدية، لكن جمهور أهل العلم على أنه لا فرق، ويستدلون بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» ولم يستفصل. طالب: شيخ، القول الراجح في أن يكون المستحق مكلفًا؟ الشيخ: القول الراجح: أنه إن كانت المدة قريبة فلا بأس، وإن كانت بعيدة فلا ينبغي أن يُسجن الجاني، بل يختار الإمام أو وليّ الصغير أو المجنون، يختاران ما يريان؛ إما القصاص وإما الدية. طالب: ينوب عن المجنون والصغير؟ الشيخ: ينوب عن الصغير والمجنون، نعم. طالب: طيب، إذا كانت الزوجة أخوها قتل زوجها، هل يقبل صوتها؟ الشيخ: صوتها؟ الطالب: إي نعم، صوت المرأة يعني أنها تقول يعني مثلًا لأجل أنه أخوها. الشيخ: إي، نعم، ما يخالف، تقول: أنا والله ما أطلب القصاص. الطالب: لكن أهله يطلبون القصاص؟ الشيخ: إي، ولو طلبوا، إلا على الرأي الثاني، فيه رأي ثانٍ يقول: إن أولياء الدم ما هم الورثة، أولياء الدم هم عصبة القاتل، العصبة خاصة؛ يعني من يرثه بالتعصيب؛ لأنهم هم الذي يذلون بذله، ويعتزون بعزه، والإنسان إذا بغى يعتز وينتخي من ينتخي به؟ بعصبته، ولَّا يقول: أنا زوج فلانة؟! طالب: ما وردت يا شيخ. طالب آخر: إلا ما وُجد من بعض العرب. الشيخ: قليل هذه. طالب: يعني هذا يا شيخ شبه ضرر، أما (...) قرابة ها دولا. الشيخ: إي، وأنت ودك يقتل؟! الطالب: أنا ودي والله الرأي الأخير، لكن الله أعلم. الشيخ: هذا الرأي الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، شيخ الإسلام يرى هذا أن أولياء المقتول ليسوا الورثة، بل هم الذين يرثون بالنسب ويخصها أيضًا بالعصبة. طالب: شيخ، إذا اختلف أولياء المقتول في القصاص والدية يقدم القصاص؟ الشيخ: إذا طلبوا؟ الطالب: إذا اختلفوا. الشيخ: إي، يُقدم من طلب الدية. الطالب: ما يقدم القصاص؟ الشيخ: لا، لا. الطالب: لأنه الأصل؟ الشيخ: لأنهم ما اشتركوا، ما اتفقوا على استيفائه. طالب: شيخ، والذي لم يرضَ، كيف يعمل فيه؟ الشيخ: يرضى أيش؟ الطالب: يبغي القصاص وباقي الأولياء رفضوا، كيف يعمل فيه؟ الشيخ: له الدية، له نصيبه من الدية. الطالب: يرغم عليها؟
الشيخ: يعني بغير والله أذى بشيء، أنت تزعل. طالب: يمكن يقتل، يمكن (...) يقتل. الشيخ: لا، بيجينا فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٨]. بقينا في كلمة (القصاص)، القصاص هل معناه يحصل بإزهاق النفس أو لا يحصل إلا بإزهاقها بمثل ما جنى به القاتل؟
المشهور من المذهب أن القصاص يحصل بإزهاق النفس، وقالوا: إن القاتل يُقتل بالسيف ولو جنى بغير السيف، يُقتل بالسيف ولو جنى بغيره، ويستدلون لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِسَيْفٍ» وبقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» . ولا ريب أن القتل بالسيف أحسن من غيره. وقال بعض أهل العلم: بل إن القصاص من تمامه، ومن العدل أن يفعل بالجاني كما فعل؛ لأنه قصاص مثل: قَصّ الأثر يعني تتبع الأثر والمشي عليه، فيقولون: من القصاص أن يُفعل بالجاني كما فعل إلا إذا كان القتل بسبب محرم، مُحرم لذاته لا لكونه عدوانًا كما لو قتله بإسقائه الخمر، أو قتله بفعل اللواط به، أو بالزنا بها وهي لا تتحمل يريد القتل، وما أشبه ذلك، وهو ما يفعل بمثل ما فعل.
واستدل هؤلاء أولًا: بأن هذا هو تمام القصاص أوْ لا؟ يعني مثلًا إنسان غال واحد (غول) بحبل نيجي نقتله بالسيف اللي من أريح ما يكون؟! لا، نفعل به مثل ما فعل؛ لأن هذا هو تمام القصاص، ومثل ما تأذى ذاك بالاغتيال أو بالخنق قصدي، هذا يتأذى بالخنق لازم، أو مثلًا صار يضربه مثلًا بحديدة يضربه فيها مثلًا مع الصدر مع البطن، شقه تشقيق، فهذا أيضًا يُفعل به مثل ما فعل، هذا تمام القصاص، هذا هو تمام القصاص.
ويستدلون أيضًا بقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]. وهذا واضح جدًّا، هذا عام وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦]. ويستدلون أيضًا بنص خاص في هذه المسألة بالذات وهي: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَضَّ رَأْسَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ الْجَارِيَةِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ؛ جارية كان عليها أوضاح من ذهب للأنصارية، فجاء اليهودي فأخذ الذهب اللي عليها، الحلي اللي عليها ورض رأسها بين حجرين والعياذ بالله، فأُخذت المرأة قبل أن تموت وقيل: من فعل بكِ؟ من فعل بكِ؟ حتى ذكروا هذا اليهودي، فأشارت برأسها: أنْ نَعم. فأُخذ الرجل فاعترف فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرضَّ رأسه بين حجرين، ففُعِل به ذلك، وهذا نص صريح في المسألة. وأجابوا عن استدلال الآخرين بقولهم: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» فقالوا: إن هذا الحديث ضعيف رواه ابن ماجه، وغالب أفراد ابن ماجه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- غالب ما ينفرد به يكون ضعيفًا. وثانيًا: التعليل اللي هم قالوه أنه من باب الإحسان والراحة، أجابوا عن ذلك بأن إحسان القِتلة أن يُتمشى فيها على الشرع، فإن الله يقول: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. وهذا الزاني نرجمه بالحجرات حجرات حتى يموت ما نضربه بالسيف، ونقول: إننا أحسنا القتلة ولَّا لا؟ نعم، أحسنَّا القِتلة. والحاصل أن إحسان القتلة ليس معناه راحتها، معناه أن يتمشى فيها على نص الشرع، وهذا متمشى فيه على نص الشرع.
فإذا قال قائل: لعل رضَّ الرسول صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي بين الحجرين من باب التشفي؛ لأن اليهود أعداء، فأراد أن يفعل من أجل التشفي به؟ فالجواب على ذلك من وجهين: أحدهما: أن أصل القصاص من أجل التشفي ولَّا لا؟ كما قال الله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤]. فأصل القصاص ما شُرع إلا لأجل أولياء المقتول الذين صارت أكبادهم تغلي من الحر، تتشفى من هذا القاتل. والجواب الثاني: أن يقال: هذا خلاف الظاهر أن يكون فعل الرسول من باب التشفي؛ لأنه موافق لعمومات الأدلة: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]. فيكون هذا الحديث تطبيقًا لهذه الآية، واضح؟ وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الحق أنه يُفعل بالجاني مثل ما فعل حتى لو قطَّع لو مثّل الجاني -والعياذ بالله- قطع إيده ورجله، ويده الثانية، ورجله، وأنفه، ولسانه، وأذنه، وطلع عينه نسوي مثله؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، نسوي به مثله، وقد ثبت في صحيح مسلم: أن العُرنِيِّين الذين اجْتَوَوا المدينة، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرسل في إِثْرهم، فجيء بهم وقد تعالى النهار، فأمر بأعينهم فسُمِلَتْ وأيش معنى سمل العين؟ تُكوى بمسمار مُحمى على النار والعياذ بالله، يحمى المسمار على النار ويحط بالعين تكحل به حتى تنفضخ، قالوا: إنهم فعلوا بالراعي مثل هذا الفعل، أنهم فعلوا بالراعي مثل هذا الفعل مثَّلوا به، ثم قتلوه، فنقول أيضًا: من قتل إنسانًا بالتمثيل يُمثل به؛ لأن هذا من تمام القصاص، ويكون مخصصًا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الْمُثْلة. طالب: شيخ، ما يرد عليهم (...) تعليلهم بأن الله يقول: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا [المائدة: ٨] يعني حتى لو كانوا نصارى أو يهود فيجب علينا العدل معهم، أو ما يصلح هذا؟ الشيخ: لا، هو الحقيقة فيه عدل وتشفٍّ، لكن معناه هنا: لا يجرمنكم على أن تفعلوا شيئًا محرمًا، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون. فهمنا الآن بحثنا القصاص من وجوه ثلاثة: أولًا: شروط ثبوته، وثانيًا: شروط استيفائه، وثالثًا: كيفيته؛ كيفية القصاص، هل يكون أن يفعل بالجاني مثل ما فعل أو يكون بالسيف. ثم قال الله تعالى: الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىبدأ بالتفصيل؛ قال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ(الحر) مبتدأ، و(بالحر)؛ خبر الجار والمجرور، والباء هنا إما للبدلية وإما للعوض؛ يعني الحر بدل الحر، أو الحر عوض الحر. والْحُرّ هو الذي ليس بمملوك، وليس معناه أن الحر القبيلي كما يفهمه العامة فيُقتل الحر بالحر، لكن مع مراعاة أيش؟ بقية شروط القصاص؛ لأن الحر المسلم لا يُقتل بالحر الكافر؛ فالسنة خصَّصت القرآن هنا مع أنه قد يقول قائل: إنها لم تُخصص لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُفهو يخاطب المؤمنين؛ الحر منكم بالحر منكم. ثانيًا: وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِيعني يُقتل العبد بالعبد، كذا؟ من العبد؟ المملوك، فإذا جنى العبد المملوك على عبد آخر فقتله فإنه يقتل به مع أن الضرر هنا على مَنْ؟ على السيد؛ لأنه سوف يفقده وتضيع عليه ماليته، لكن يقال: حق المقتول في القصاص مقدم على حق السيد؛ لأن هذا جنى، فيقتل العبد بالعبد، لكن مع ملاحظة بقية شروط القصاص. وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَىتقتل الأنثى بالأنثى. طيب ولو كانت الأنثى المقتولة شابة والقاتلة عجوز؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم؟ طيب، والحر بالحر لو كان القاتل متعلمًا وغنيًّا وصاحب عائلة وعاقلًا وذاك مجنون وهو فرد ما له أحد المقتول، يُقتل؟ الطلبة: نعم. الشيخ: طيب العبد بالعبد، العبد القاتل يُساوي مئة ألف ريال، والعبد المقتول يساوي عشرة آلاف؟ طالب: يقتل. طالب آخر: ما ينظر إلى هذا. الشيخ: لا ينظر إلى هذا. واضح؟ نشوف الآن منطوق الآية: الْحُرُّ بِالْحُرِّوهذا تمام المساواة وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، كذلك الْأُنْثَى بِالْأُنْثَىكذلك. نشوف الضد يُقتل الحر بالعبد؟ فيه الخلاف. إذا قلنا: بأن الحر يقتل بالعبد فمفهوم الآية الكريمة أن الحر لا يقتل بالعبد؛ لأن الله قال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ، فإذا كنا إذا التزمنا بدلالة المنطوق والمفهوم فإننا نقول: منطوق الآية أن الحر يُقتل بالحر، ومفهومها أن الحر لا يقتل بالعبد. نقول أيضًا: ومفهومها أن العبد لا يقتل بالحر، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. طالب: والأنثى. الشيخ: لا، ما بعد وصلنا لها؛ أن الحر لا يُقتل بالعبد وهو يُقتل به ولَّا لا؟ طلبة: يقتل. الشيخ: العبد يُقتل بالحر، فتبين بهذا أن المفهوم ليس على عمومه، وأنه خارج في قتل العبد بالحر خارج خروجًا لا شك فيه؛ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فلأن يقتل العبد بالحر من باب أوْلى، ثم إن هذا المفهوم معارض بمنطوق أقوى منه، دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم؛ وهي قوله تعالى في سورة المائدة: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥]. وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» .
فعلى هذا نقول: إن مفهوم الآية هذه غير مقصود لوجود الأدلة الدالة على وجوب القصاص، وَ«الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» . ثانيًا: الْعَبْدُ بِالْعَبْدِواضح قتل العبد بالعبد واضح، وهو من تمام المساواة، والعبد بالحر؟ يُقتل من باب أوْلى، والحر بالعبد هي المسألة الأولى. الْأُنْثَى بِالْأُنْثَىمنطوق الآية الكريمة أن الأنثى تُقتل بالأنثى، لو قتل الأنثى رجلٌ؛ الرجل هو الفاعل لو قتل الأنثى رجل هل يُقتل بها ولَّا لا؟ الطلبة: إي نعم، يقتل؟ الشيخ: يقتل، نعم، وهذا دليله عموم الأدلة الدالة على أن النفس بالنفس وأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم، وكذلك قصة اليهودي الذي قتل بامرأة ولَّا لا؟ هو رجل قتل بامرأة. وهل تُقتل المرأة بالرجل؟ من باب أوْلى؛ لأنها دونه. وقال بعض العلماء في المسألة الأولى: إن الرجل لا يُقتل بالمرأة إلا أن يدفع أولياؤها نصف الدية؛ الرجل ما يُقتل بالمرأة إلا إذا دفع أولياؤها نصف الدية لأيش؟ قالوا: لأن الرجل ديته مثل المرأة مرتين، فإذا قتلناه بها فإن ديته تزيد عليها، وهذا القول قول ضعيف جدًّا؛ لأنه إذا كان العبد مرتفع القيمة يُقتل بالعبد الناقص القيمة مع أن كُلًّا منهما مال يباع ويُشترى فلأن يقتل الحر بالمرأة بدون دفع الفرق من باب أوْلى. وقال بعض العلماء: يقتل الرجل بالمرأة إلا الزوج مع زوجته إذا قتلها فلا يقتل؛ لأنه سيد لها؛ قال الله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]، والسيد ما يمكن يُقتل بعبده، وهذا أيضًا ضعيف، والصواب: أن الرجل يُقتل بالمرأة سواء كان زوجها أم غير زوجها. طالب: على المذهب يا شيخ يقتل بها؟
الشيخ: إي يقتل. الطالب: كيف يفرقون؟ المرأة بعد العبد، الأنثى بالأنثى بعد العبد؟ الشيخ: وأيش لون؟ الطالب: يقولون: يعني ما يقتل الحر بالعبد، يُقتل الحر بالأنثى؟ الشيخ: إيه معلوم؛ لأنهم كلهم أحرار. الطالب: يعني ما يستدلون بالآيات هذه؟ الشيخ: هم يستدلون بالآية، هم يستدلون، يقولون: الله يقول: الْحُرُّ بِالْحُرِّ. الطالب: الأنثى جاء بعده؟ الشيخ: إي، ولهذا لو كانت الأنثى حرة، قَتلت الأنثى عبدًا ما تُقتل على المذهب. طالب: الشهود اثنان، ولا تجوز شهادة المرأة في المذهب؟ الشيخ: لا، ما تجوز، في المذهب ما تجوز. يقول: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ [البقرة: ١٧٨]. فَمَنْ عُفِيَ(مَنْ) هذه شرطية، والفاء عاطفة ومُفرِّعة أيضًا، تفيد أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها. وقوله: عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ، مَن المعفو له؟ طالب: القاتل. الشيخ: القاتل؛ يعني فأي قاتل عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف. وقوله: مِنْ أَخِيهِمن المراد بالأخ؟ المقتول؛ أي من دم أخيه؛ أي إنسان عُفي له من دم أخيه شيء فاتباع. وقوله: فَاتِّبَاعٌخبر مبتدأ محذوف، التقدير: فالواجب اتباع بالمعروف، والاتباع بالمعروف هذا يكون على ورثة المقتول، الواجب هذا على ورثة المقتول؛ يعني إذا عفوا فعليهم أن يتبعوا القاتل بالمعروف؛ يعني بدون أذية له، أو منٍّ عليه، أو توبيخ له، أو ما أشبه ذلك، يكون بالمعروف. وَأَدَاءٌ إِلَيْهِأي: إلى العافي أداء إليه منين الأداء؟ من القاتل. وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍيعني على وجه الكمال، وإنما نص على الإحسان هنا، والمعروف هناك؛ لأن القاتل المعتدي لا بد أن يُقابل هذا العدوان بالإحسان بأداء الدية، أما أولئك العافون فإنهم ما جنوا، بل أحسنوا حين عدلوا عن القتل إلى الدية. وقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ(شيء) هذه نكرة في سياق الشرط (مَنْ) فتعم أي شيء، لو فرض عندنا مسألة من المسائل الفرائض صحت من عشرة ملايين مثلًا، وفيهم واحد له واحد من العشرة ملايين وعفا، فلا قصاص، ولا فرق بين أن يكون قريبًا للقاتل أو زوجًا له أو ما أشبه ذلك (...). فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّوقلنا: إن القصاص (...) المنطوق في الحكم أن يوافقه في الحكم، أن يوافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم، هذا يسمى مفهوم موافقة، ومفهوم المخالفة أن يخالفه في الحكم، فقتل العبد بالحر ثابت لكنه (مفهوم موافقة)؛ لأنه يوافق قتل الحر بالحر فهو أولى منه ولَّا لا؟ أما قتل الحر بالعبد فهو عند جمهور أهل العلم مفهوم مخالفة؛ يعني أن الحر لا يُقتل بالعبد، وعند أبي حنيفة مفهوم موافقة، لكنه ما أخذ مفهوم موافقة من هذه الآية؛ لأنه لا شك أن الحر أعلى من العبد، ولا يمكن أن يكون مفهوم موافقة، لكنه أخذه من نصوص أخرى عامة على قتل النفس بالنفس. إذن عندنا مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة؛ مفهوم الموافقة أن يُقتل العبد بالحر، كيف ذلك؟ لأنه إذا قُتل الحر بالحر فقتلُ العبد به من باب أوْلى، إذن فقد وافق المنطوق في الحكم، يُقتل العبد بالحر؛ مفهوم المخالفة لا يقتل الحر بالعبد أو لا؟ لأن الحر أعلى، أخذ الجمهور بهذا المفهوم وقالوا: إن الآية تدل على أن الحر لا يقتل بالعبد؛ لأن الله قال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ، أبو حنيفة خالفهم في هذا وقال: يقتل الحر بالعبد، لكن ما هو من الآية دي، الآية هذه تدل على ما قال الجمهور إنه لا يقتل الحر بالعبد، لكن أبو حنيفة استدل بقتل الحر بالعبد بنصوص أخرى عامة، أفهمتم الآن؟ قوله: الْعَبْدُ بِالْعَبْدِفيها دلالة منطوق وأيش هي؟ طالب: قلنا: العبد يقتل بالعبد. الشيخ: أن العبد يقتل بالعبد، وفيها دلالة مفهوم؟ الطالب: أن العبد لا يقتل بالحر. الشيخ: والحر لا يقتل؟ الطالب: بالعبد. الشيخ: بالعبد، كذا أوْ لا؟ لأنه قال: الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ؛ إذن العبد بالحر، لا، ما دخل في المنطوق، والحر بالعبد، ما دخل في المنطوق، لكن هل المفهوم في الآية مفهوم موافقة ولا مفهوم مخالفة؟ بناءً على ما قررنا قبل قليل. طالب: موافقة. الشيخ: لا، فيه تخصيص، أما قتل العبد بالحر فهو مفهوم موافقة، وأما قتل الحر بالعبد فهو مفهوم مخالفة. طالب: عند أبي حنيفة؟ الشيخ: لا، حتى عند أبي حنيفة، لكن أبو حنيفة يثبته بدليل آخر، يثبت قتل الحر بالعبد بدليل آخر. طالب: هو الجمهور كيف قالوا أن الدليل الآخر اللي قال به أبو حنيفة، أيش يقولون يعني؟ الشيخ: إي، يقولون: إن السبب في ذلك العلة؛ أن العبد يُضمن بالقيمة فهو بمنزلة الأموال، ولا يمكن أن يكون الذي بمنزلة الأموال كالبعير والشاة يقتل به الحر. طالب: النفس بالنفس..؟ الشيخ: هو على كل حال المسألة فيها يعني تقدمنا لنا أن الراجح أن الحر يقتل بالعبد، وأنه ورد في حديث سمرة: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» . وإذا كان يُقتل السيد بعبده فلأن يُقتل الأجنبي من باب أولى، تقدم القول الراجح.
الْأُنْثَى بِالْأُنْثَىفيها دلالة منطوق ودلالة مفهوم؟ ما هو المنطوق؟ الطالب: أن الأنثى تُقتل بالأنثى. الشيخ: طيب. الطالب: دلالة المفهوم أن الأنثى تُقتل بالرجل، والرجل لا.
الشيخ: أن الأنثى تُقتل بالرجل ولَّا ما تقتل؟
الطالب: المنطوق أن الأنثى تُقتل بالأنثى. الشيخ: المنطوق أن الأنثى تُقتل بالأنثى. الطالب: والمفهوم بأدلة أخرى. الشيخ: المفهوم بس أعطني المفهوم من الآية. الطالب: المفهوم؟ الشيخ: أيه، ما نريد الحكم، المفهوم من الآية؟ الطالب: أنه لا تقتل الأنثى بالرجل. الشيخ: نعم، ولا الرجل؟ الطالب: ولا الرجل بالأنثى. الشيخ: ولا الرجل بالأنثى، كذا؟ طالب: نعم. الشيخ: طيب، هذا مفهوم يا زيد؟ الطالب: نعم. الشيخ: المفهوم هذا مخالفة أن الأنثى لا تُقتل بالرجل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: مفهوم مخالفة ولا موافقة؟ الأنثى لا تقتل بالرجل؛ يعني امرأة قتلت رجلًا ما تقتل به؟ الطالب: تقتل. الشيخ: تقتل؛ لأنها إذا كانت تقتل بالأنثى فمن باب أوْلى أن تُقتل بالرجل أوْ لا؟ مثل الغيلة. قتل الرجل بالأنثى من هذه الآية مفهوم مخالفة ولا مفهوم موافقة؟ طالب: مخالفة.
الشيخ: مفهوم مخالفة؛ لأن الرجل أعلى من الأنثى أوْ لا؟ هذا المفهوم اللي هو مفهوم مخالفة لو نظرنا إلى الآية نفسها لقلنا: لا يُقتل الرجل بالمرأة، لكن عندنا أدلة، وقد قال به بعض أهل العلم: إن الرجل لا يُقتل بالمرأة، وقال آخرون: إنه يُقتل بالمرأة لكن يعطي أولياءه نصف الدية؛ لأنه قدر الدية مرتين. إذن مفهوم الآية مفهوم مخالفة أن الرجل لا يُقتل بالمرأة، وهذا لو لم يكن نصوص أخرى لقلنا به، لكن عندنا نصوص أخرى تدل على أن الرجل يُقتل بالمرأة مثل: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] أو لا؟ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥]، وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ -إلى أن قال- النَّفْسُ بِالنَّفْسِ» ، وقال: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» هذه نصوص عامة، وعندنا نص خاص في قتل الرجل بالمرأة؛ وهو قتل اليهودي بالجارية الأنصارية هذا ما فيه احتمال. طالب: شيخ، بالنسبة للحرة بالأمة يصير منطوقًا ولا مفهومًا؟ الشيخ: أيهم؟ قتل الحر بالأمة؟ من باب مفهوم الموافقة. الطالب: مفهوم موافقة؟ الشيخ: مفهوم موافقة. طالب: ما ذكر أنه أعطاهم بعض الدية؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: بالنسبة لليهودي لما تحاكموا إليه؟ الشيخ: لا لا، ما أعطاهم شيئًا أبدًا. الطالب: بالنسبة لقول يعني من قال: إنه يقتل الرجل بالمرأة لكن يُعطى؟ الشيخ: هذا بس قياسًا منهم لما كانت دية الرجل قدرها مرتين قالوا: يكون هذا أرشًا. الطالب: هل هو قوي؟ الشيخ: لا، ما هو قوي، ضعيف. طالب: شيخ، كيف نرد على من قال: إن قتل اليهودي من باب الإفساد في الأرض، أن يفسد؟ الشيخ: نرد عليه بعكس ذلك؛ لأن الأصل القصاص ما دام عنده حق؛ ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ما قتله حتى اعترف بناءً على قوله؛ فالأصل القصاص. وكذلك أيضًا العموم أن النفس بالنفس. الآن هذه الحقيقة دلالة المنطوق والمفهوم هي جديدة عليكم؛ لأن ما تكلمنا بها أثناء التفسير، لكن ينبغي أن نعرفها من دلالة اللفظ على معناها دلالة نطق ودلالة مفهوم. طالب: شيخ، التقسيم هنا ماذا يفيد يُقابل الأكفاء ببعضهم؟
الشيخ: إي؛ لأن هذا هو الذي به المقاصة الكاملة من كل وجه في الأجناس والصفات، في الأجناس الأنثى بالأنثى، وفي الصفات الحر بالحر والعبد بالعبد. طالب: إذن في كل مفهوم مخالفة يحتاج إلى دليل حتى نُثبته؟ الشيخ: إي نعم، وإلا نثبت، كل مفهوم مخالفة لا بد من دليل وإلا أثبتنا له خلاف الحكم المذكور. طالب: إذا كان هناك مفهوم مخالفة فهناك نص عام ما هذا بقوة هذا يا شيخ؟ الشيخ: لا، يقولون العلماء: إذا تعارض منطوق ومفهوم فالمنطوق مقدم. الطالب: ولو كان عامًّا. الشيخ: ولو كان عامًّا، إي نعم. طالب: شيخ، بالنسبة لمفهوم الموافقة اللي ذكرنا منه الأنثى بالأنثى، أخذناه يعني من ذكر العبد بالنسبة عندما ذكر الحر؟ الشيخ: الأنثى بالأنثى؟ طالب: فإنه ما قال: والأمة بالأمة؟ الشيخ: منطوقها أن الأنثى تُقتل بالأنثى حرة كانت أو عبدة عامة، ما فيه يعني ما فيه ذكر بأنها حرة أو غير حرة؛ فالأنثى تقتل بالأنثى حرة كانت أو أمة. بقينا الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، عرفتم الخلاف فيها؟ طالب: فيه تعليل يا شيخ يقول يعني أنه ما ذكر الأمة؟ الشيخ: قلنا: هذا باعتبار الجنس ما هو باعتبار الوصف، الآية فيها الحر بالحر ما قالت: الرجل بالرجل، الحر بالحر يعني زيادة على الرجل بالرجل، الأنثى بالأنثى، ما قال: أمة ولا حرة، ما قال: بأمة ولا حرة، العبد بالعبد؛ يعني الذكر بالذكر، ذكر مملوك وذكر مملوك، وسكت عن الأمة لأنها؛ داخلة في عموم قوله: الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى.
طالب: شيخ، لا ننظر إلى الدين في القصاص؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: الدين ما ينظر إليه في القصاص؟ الشيخ: الدين الظاهر أن الإخوان فاهمين، وأنت ما حضرت البحث، القصاص له شروط أربعة. طالب: لا، بالنسبة يا شيخ قتل اليهودي بالجارية المسلمة؟ الشيخ: لا، ما ينظر، ما ينظر؛ يعني مثلًا تقول: إن هذا لأنه كافر وليس مسلمًا هذا لا يجبر هذا، هذا لا ينجبر بهذا. طالب: القول يعني الراجح أن الحر يُقتل بالعبد، فما الفائدة من تصنيف الحر بالحر والعبد بالعبد كما قال الله تعالى؟ الشيخ: هو كما قلنا للأخ، قلنا: الفائدة من هذا أن تمام القصاص ما يكون إلا بهذا التصنيف: حُر مقتول بحر، وعبد مقتول بالعبد، وأنثى مقتولة بالأنثى؛ فهذا لتمام المقاصة في الجنس وفي الوصف. طالب: مسألة (...). الشيخ: أما مسألة إذا اختلف الأوصاف فهذا شيء ثانٍ. طالب: (...) على أسباب نزوله. الشيخ: لا، ما هو بصحيح، العبرة بعموم اللفظ. طالب: شيخ، الأمثلة الحر بالحر، هذا ما تكون أمثلة على أول الآية كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىفنأخذها على مفهوم المخالفة؟ الشيخ: هي أصلها بيان لقوله: الْقَتْلَى، بيان. الطالب: أمثلة. الشيخ: إي، احنا قلنا: إنما ذكر هذا من أجل تمام المقاصة؛ لأن القصاص إذا كان حر بحر تم القصاص جنسًا ووصفًا؛ حر وذكر بحر وذكر، وكذلك الأنثى بالأنثى، وكذلك العبد بالعبد ما فيه إشكال يعني. يستفاد من قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: سقوط القصاص بعفو أحد الورثة، من أين نأخذها؟ طالب: قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ؛ لأنه إذا عفا واحد من مئة مثلًا من الورثة سقط. الشيخ: وأيش وجه الدلالة من الآية؟ الطالب: قوله: شَيْءٌ. الشيخ: شَيْءٌ؟ الطالب: نعم. الشيخ: وأيش وجه الدلالة من كلمة (شيء)؟ طالب: (...). الشيخ: كيف تقول (...)؟ هذه واضحة. الطالب: (...) مرتين. الشيخ: إي، لكن وأيش وجه الدلالة أنه إذا عفا أدنى واحد من الورثة سقط القصاص؟ الطالب: يعني من حقه. الشيخ: لا، كيف هذا؟ الطالب: لأنها نكرة تفيد العموم. الشيخ: تفيد أيش؟ الطالب: العموم. الشيخ: في سياق الشرط فتفيد العموم، النكرة في سياق الشرط تفيد العموم و(من عفي) شرطية. إذن ما الفائدة من قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ؟ وأيش الفائدة إذا كانوا أنهم إذا عفوا إن العفو جائز وأيش الفائدة في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ؟ طالب: يعني: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُإذا أردتموه، أما إذا يعني إذا ما أردتم (...). الشيخ: لا، إذا قيل: كتب عليكم شيء (...) يُلزم به، وكذلك أيضًا إذا أخذنا الخطاب العام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُأيضًا يكون الخطاب لولاة الأمور؛ يعني مفروض عليكم أن تقتصوا إذا طُلب، وهذا الفرض ليس بالنسبة لمن له الحق؛ من له الحق إن شاء عفا، لكن من عليه الحق، ومن عليه تنفيذ الحق وهم ولاة الأمور. طالب: وأيش الدليل حمله على هذا الوجه؟ الشيخ: إي؛ لأن اللي له الحق إذا شاء عفا، ومن كان مخيرًا به بين شيئين فليس مفروضًا عليه. الطالب: بس (الذين آمنوا) عام؟ الشيخ: إي نعم، هو عام، يدخل بها ولاة الأمور والجاني ومن له الحق. الطالب: فهو مكتوب عليهم كلهم؟ الشيخ: لا لا، من له الحق لا يمكن أن يكون مكتوبًا عليه، وقد قيل له: مَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِإذا عفا ما كان، لو كان فرضًا عليه لكان غير مخير.
قوله: فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌأيش هو المشار إليه في قوله: بَعْدَ ذَلِكَ؟ طالب: ما جنى. الشيخ: ما جنى؟ طالب: نعم، إلى قوله. الشيخ: إلى قوله أيش؟ الطالب: بِإِحْسَانٍ. الشيخ: قال الله عز وجل: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ. أي: فالواجب اتباعٌ؛ فهي خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فالواجب اتباع بالمعروف ممن له الحق؛ يعني أن يتبع المعفو عنه بأيش؟ بالمعروف.
وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍأداء يعني، والواجب أيضًا أداء إليه؛ أي: إلى العافي بإحسان، منين؟ من القاتل الذي عُفي عنه يؤدي بإحسان. والأداء فرضه الله بإحسان، والاتباع بالمعروف؛ وذلك لأن المتبع الذي أسقط الدم ليس كالذي أُحسن إليه بإسقاط القصاص؛ فإن الأحق بالإحسان من؟ الذي عُفي عنه بإسقاط القصاص أحق أن يكون محسنًا بأدائه بخلاف العافي الذي انجرح قلبه ممن قُتل له من أوليائه، فلهذا خُوطب بأن يؤدي بالمعروف، والمعروف أقل رتبة من الإحسان.
وقوله: وَأَدَاءٌ إِلَيْهِهنا الضمير إليه مفرد فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌفأداء إليه، الضمير مفرد ومرجعه أين هو؟ طالب: إلى أخيه. الشيخ: لا، مرجعه من العافي المفهوم من قوله: عُفِيَ، ولهذا مرجع الضمير لا يكون فعلًا أبدًا، مرجع الضمير لا يكون إلا اسمًا، لكن إما سابقًا أو لاحقًا أو مفهومًا من السياق أو مفهومًا من الفعل السابق. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨] (هو) الضمير يعود على أيش؟ على العدل المفهوم من (اعدلوا). أَدَاءٌ إِلَيْهِإلى العافي المفهوم من (عُفِيَ). وقوله: بِإِحْسَانٍ(الباء) هذه للمصاحبة، وهي كذلك في قوله: بِالْمَعْرُوفِ؛ يعني فأداء مصحوب بإحسان من غير مماطلة ومن غير نقص بل يكون تامًّا. قال تعالى: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ. ذَلِكَ: المشار إليه كل ما سبق من وجوب القصاص ومن جواز العفو، تخفيف من الله، تخفيف من الله في مقابل وجوب القصاص، وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما: أن بني إسرائيل فَرضَ الله عليهم القِصَاصَ فرض الله فرضًا، فرض عليهم القصاص فرضًا، هذه الأمة خُفِّف عنها، فلم يجب عليها القصاص؛ لأن الإنسان قد يكون لديه رحمة بالقاتل، وقد يكون القاتل من أقاربه، وقد يكون هناك اعتبارات أخرى فلا يتمكن من تنفيذ القصاص بحقه، فخُفف -ولله الحمد- على هذه الأمة. وقوله: مِنْ رَبِّكُمْالرب تقدم لنا معناه كثيرًا أنه الخالق، المالك، المدبر لخلقه كما يشاء، ولكن الربوبية قسمان: عامة وخاصة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، والخاصة هي المختصة بالمؤمنين، وقد اجتمعا في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة والثانية خاصة. هنا قوله: تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْمن باب العامة أو الخاصة؟ من باب الخاصة؛ لأنه يخاطب المؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ. وقوله: وَرَحْمَةٌتَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌرحمة بمن؟ بالجميع، رحمة بالجميع، بالقاتل حيث سقط عنه قتله، وبأولياء المقتول حيث أُبيح لهم أن يأخذوا العوض؛ لأن الله سبحانه وتعالى، من الجائز أن يقول: إما القصاص أو العفو مطلقًا، ولكن من رحمة الله أنه أباح هذا، وهذا فهو رحمة بالجميع. فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٨]. قوله: فَمَنِ، فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ، (من) هذه اسم شرط، وفعل الشرط (اعتدى)، وجوابه جملة (فله عذاب أليم). وعَذَابٌ: بمعنى عقوبة، وأَلِيمٌ: بمعنى مؤلم، وقد مر علينا كثيرًا أن (أليم)في اللغة العربية تأتي بمعنى (مُؤلم)، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعي السَّمِيعُ
يُؤَرِّقنُي وأَصْحَابِي هُجُوعُ
أمن ريحانة الداعي السميع؛ أي: (المسمِع) يؤرقني وأصحابي هجوع. فأليم بمعنى (مؤلم) يعني موجع والعياذ بالله. وقوله: مَنِ اعْتَدَىقلنا: إنها اسم شرط، واسم الشرط يفيد العموم، وهل المراد من اعتدى من أولياء المقتول بعد أخذ الدية، أو المراد من اعتدى من الجناة؟ القاتل إذا عُفي عنه، إذا اعتدى مرة أخرى فإنه له عذاب أليم؟ أو يشمل الأمرين؟ الطلبة: يشمل الأمرين. الشيخ: يشمل الأمرين، نعم يشمل الأمرين. إذا شمل الأمرين، فما المراد بالعذاب الأليم فيما إذا كان المعتدي القاتل الذي عُفي عنه؟ قال بعض العلماء: إن المراد بالعذاب الأليم هو أن يُقتص منه لا محالة، إذا اعتدى القاتل مرة ثانية بعد أن عُفي عنه فالعذاب الأليم أن يُقتل بلا محالة وبلا تخيير. طالب: وإن عُفي عنه؟ الشيخ: وإن عُفي عنه، ولكن الصحيح أن المراد بالعذاب الأليم عقوبة الله عز وجل، وأما حق الآدمي من القصاص أو عدمه فإن القتل الثاني كالقتل الأول يخير فيه أولياء المقتول بين العفو والقصاص. أما بالنسبة لأولياء المقتول الذين أخذوا الدية وأسقطوا القصاص فإنهم إن اعتدوا فلهم عذاب أليم مؤلم، والاعتداء منهم مُتصوَّر، أنه يأتي أحد ويندمهم، يقول: كيف هذا يقتل مثلًا (أبوكم) وتروتحوا تأخذون الدية؟! معنى ذلك أن الدراهم أحب إليكم من (أبوكم)، يا ها الطماميع، يا ها اللي فيكم، ثم يندفعون يندمون على مضى فيندفعون ويذهبون ويقتلون القاتل، هذا ربما يقع، ولا سيما عند أهل الجهل فنقول: هذا الذي اعتدى بعد أن وقع العفو إلى المال له عذاب أليم، ويقتص منه لأولياء المقتول ولَّا لا؟ الطلبة: نعم يقتص. طالب: نعم، كالأول. الشيخ: نعم، يُقتص منه إذا طلب أولياء المقتول أن يقتص منه اقتص منه كالأول واضح؟ الطالب: يعني إذا واحد ما هو من الورثة مثل أبناء المقتول عفوا ابن عمه يعني؟ الشيخ: إيه يُقتلون هؤلاء، إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قُتلوا، يعني ما يقال: إن قتل صاحبهم شبهة يوجب سقوط القصاص، ما نقول هذا. الطالب: لكنه يقتل اللي قتله ولا أبناء..؟ الشيخ: يقتل اللي قتله. طالب: ولكن ما عم من بعض (...)؟ الشيخ: وهي؟ الطالب: لو أنهم عفوا الأولياء، ثم قتلوا القاتل بعد العفو فإنهم يُقتلون بكل حال؟ الشيخ: ما أدري والله، الأول ذكروه، أما هذا ما أدري عنه، لكن على كل حال تقدم لنا أن قتل الغيلة على رأي شيخ الإسلام ومذهب مالك أنه ما فيه خيار. طالب: شيخ، فيه حديث عن الرسول يقول: «لَا أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» ؟
الشيخ: نعم؟ الطالب: حديث صحيح يقول: «لَا أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ». الشيخ: لا أعافي، الحديث، وأيش منزلته؟ الطالب: صحيح. الشيخ: من صححه؟ الطالب: (...).
الشيخ: على كل حال ينظر في الحديث هذا، إذا صح هذا الحديث فهو يدل على ما ذكر الأخ. طالب: شيخ، إذا قتل إنسان يعني قتل، وهذا القاتل شرد، أولياؤه.. يعني مثلًا أبوه وإخوانه وهو تغيب بعد ما قتل هذا الرجل، تغيب؟ الشيخ: يُطلب حتى يوجد.
الطالب: إذا ما وجدوه، يسلموا يعني إخوانه؟ الشيخ: إي أقاربه علموا، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤]. طالب: (...)؟ الشيخ: نعم، خلينا نشوف. طالب: ولا أولياءه يعني (...)؟ طالب آخر: كل القريبين. الشيخ: قرابته هارب. الطالب: إي نعم، قرابته هارب كلهم خوفًا.
الشيخ: يمكن يخشون أنهم مغيبينه، يخبرونهم أنهم مغيبينه، أو أنهم يدرون محله. طالب: أو ضمان؟
الشيخ: وأيش ضمان؟ الطالب: هذا (...). ثم قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٧٩]. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ، لَكُمْخبر مقدم، وحَيَاةٌمبتدأ مؤخر، وفِي الْقِصَاصِفي أي قصاص؟ (أل) للعهد الذكري؛ يعني القصاص في القتل، لكم فيه حياة. قال: فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌكيف لنا في القصاص حياة ونحن نقتل القاتل؟ نقول: نعم، الله ما قال: ولكم في القصاص حياة القاتل، قال: حياةٌ لكل المجتمع، ولهذا جاءت منكرة للدلالة على عِظم هذه الحياة؛ فالتنكير هنا للتعظيم؛ يعني حياة عظيمة شاملة للمجتمع كله، أما بالنسبة للقاتل فهو يُعدم، لكن إعدام القاتل حياة للجميع خلافًا لمن كفروا بدين الله وادعوا أن قتل القاتل إتلاف نفسين وعدم قتله اقتصار على نفس واحدة، هؤلاء من جهلهم وسفههم لو عقلوا ولهذا قال: يَا أُولِي الْأَلْبَابِيا أولي العقول، لو عقلوا لعلموا أن القصاص زيادة إتلاف ولَّا حياة؟ حياة. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ، ووجه ذلك أن من علم أنه سيُقتل إذا قتل فإنه يرتدع ما يقتل صح ولَّا لا؟ فيكون الذي بصدد أن يقتل يكون سالِمًا بسبب الخوف من القصاص، هذه واحدة. ثانيًا: أننا إذا قتلنا القاتل؛ يعني تجرأ هذا وقتل وقتلناه صار غيره إذا هم بالقتل. طالب: ذكر العقوبة. الشيخ: ذكر قتل ذاك الرجل فامتنع فصار في ذلك حياة، حياة لشخصين للذي يهم الإنسان بقتله والثاني: وللقاتل؛ لأن الذي هم بقتله لو قتله أعدمه ثم هو يعدم فيذهب نفسان، ثم في حياة هاتين النفسين يحيا نفوس أخرى كثيرة، ولهذا قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌحياة؛ يعني حياة عظيمة بالغة مؤكدة. يقال: إن هناك كلمة شائعة في الجاهلية يقولون: (القتل أنفى للقتل)، وهذه عندهم بمنزلة رفيعة في البيان والفصاحة والمعنى أيضًا، لكن إذا رأيت القرآن ولا مقارنة ما نقارن شيئًا بالقرآن، لكن إذا رأيت القرآن بهذا التعبير العظيم عرفت أنه في غاية ما يكون من البلاغة. فهذه الجملة اللي هم يقولون ما فيها ذكر للحياة إطلاقًا كلها جامدة سوداء، قتل بقتل، ولا فيها أمر إيجابي أيضًا، إنما قضيتها سلبية (أنفى)، لكن (لكم في القصاص حياة) قضيتها إيجابية، وفيها أيضًا نص على العدل في القصاص، وفيها ذكر الحياة التي هي محبوبة إلى القلب وإلى الناس وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ. ثم قال تعالى: يَا أُولِي الْأَلْبَابِيعني: يا أصحاب العقول لعلكم تتقون فدل هذا على أن غير العاقل ما يفهم أن القصاص حياة. قال: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. تقدم أن هذه الآية الكريمة بين الله سبحانه وتعالى فيها الحكمة من القصاص وأنه حياة، ووجه ذلك أن القاتل إذا علم أنه يقتل فإنه لن يُقدم على القتل، وكذلك إذا نُفذ القتل في القاتل فإن غيره لا يَقتل فيكون في ذلك حياة للناس. وفيها أيضًا حياة معنوية لا حياة حسية، وهي إقامة العدل بين الناس، وإقامة العدل لا شك أنه حياة للناس جميعًا؛ فإن الناس إذا رأوا أن العدل يقام حتى إنه يُقتل الشريف بالوضيع فإنهم بذلك يطمئنون على ثبوت العدل، وأن الحكم على وجه الكمال ففيه حياة حسية وفيه حياة معنوية. ما هي المعنوية؟ ما هي الحياة المعنوية في القصاص؟ طالب: إقامة العدل. الشيخ: إقامة العدل بين الناس. وقوله سبحانه وتعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌإذا عممنا القصاص بحيث يشمل النفس فما دونها صار المدار بالحياة أصلها وكمالها، أما إذا خصصنا القصاص بالنفس فقط فالمراد بالحياة أصل الحياة. مثال ذلك إذا قلنا: ولكم في القصاص أي: في قتل الجاني بالمقتول صار الحياة هنا المراد بها بقاء الحياة أي: أصلها إذا عممنا، وقلنا: ولكم في القصاص حتى فيما دون النفس كالقصاص في الجروح والقصاص في الأسنان والقصاص في الأطراف كاليدين والرجلين صار المراد بالحياة أصلها وكمالها؛ يعني أن من علم أنه إذا قطع يد فلان قطعت يده يقدم على القطع ولَّا لا؟ الطلبة: لا يقدم. الشيخ: ما يُقدم. إذا أقدم على القطع فقطع هل تبقى الروح ولا تفوت؟ تبقى الروح. إذن إذا عممنا الآية صار المراد بالحياة هنا أصلها إذا كان القصاص، عندكم الجواب عليكم. الطلبة: إذا كان قصاصًا في النفس. الشيخ: أصلها إذا كان قصاصًا في النفس، وكمالها إذا كان قصاصًا فيما دون النفس في الجروح والأطراف؛ لأن القصاص كما يجري في الأنفس يجري في الجروح، ويجري في الأطراف؛ قال الله سبحانه وتعالى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة: ٤٥]. فأثبت الله عز وجل القصاص في الجروح. وقال: السِّنَّ بِالسِّنِّ [المائدة: ٤٥]، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ [المائدة: ٤٥] هذه في أيش؟ في الأطراف، هذه تسمى أطراف؛ يعني أعضاء وأجزاء من الإنسان، فالقصاص كما هو في النفس هو ثابت في هذا أيضًا، ولنتعرف قليلًا بشروط القصاص في الأطراف. يشترط للقصاص في الأطراف شروط: الشرط الأول: أن يكون القصاص جاريًا بين الجاني والمجني عليه في النفس، فإن لم يجرِ القصاص بينهما في النفس فإنه لا يجري فيما دونه، وعلى هذا فلا تُقطع يد المسلم بيد الكافر، ولا تقطع يد الوالد بيد الولد على الخلاف المشهور، ولا يد الحر بيد العبد، واضح؟ ولا يد المعصوم بيد غير المعصوم؛ لأنه لا يجري القصاص في النفس في هذه الأمور فلا يجري فيما دونها. طالب: ما هو المعصوم يا شيخ؟ الشيخ: المعصوم هو من لا يحل قتله. الطالب: كالمسلم يعني؟
الشيخ: لا، المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن.
الشرط الثاني: المماثلة بين الطرفين في الاسم والموضع، يعني يمين بيمين، ويسار بيسار، ورجل برجل، ويد بيد، فلا تؤخذ اليمين باليسار، لماذا؟ لاختلافها في الموضع، ولا تؤخذ يد برجل لاختلافهما في الاسم، فلا بد من المماثلة في الاسم والموضع، هل يؤخذ الإبهام بالخنصر؟ كلهم أصبع. طالب: لا. الشيخ: لماذا؟ طالب: لاختلاف الموضع. الشيخ: لاختلاف الموضع والاسم كذا؟ لأن هذا إبهام ودا خنصر، صحيح كل منهم أصبع، هذا الشرط الأول والشرط الثاني.
طالب: هذا الشرط الثاني. الشيخ: الثاني هذا. الشرط الثالث: أن لا تكون يد الجاني أكمل من المجني عليه في الصحة والكمال، أو أعلى، أن لا تكون يد الجاني أعلى من المجني عليه، ما نقول بس: إنها يد، الصحيح أن نقول: ألا يكون طرف الجاني أعلى من طرف المجنيّ عليه في الصحة والكمال، فإن كان أعلى لم يؤخذ به، طرف المجني عليه يد، قطع إنسان يد شخص شلاء ويد الجاني سليمة ما رأيكم؟ طالب: لا تقطع.
الشيخ: ما تقطع؟ لأيش؟ طالب: لأن يد الجاني أعلى منها. الشيخ: لأن يد الجاني أعلى منها، ما فيها شلل، وده شلاء ما تتحرك كذا؟ قطع رجل يده كاملة الأصابع يد إنسان ناقصة الأصابع ما له إلا ثلاثة والباقي مقطعة ما تقولون؟ تقطع ولَّا لا؟ الطلبة: لا، ما تقطع. الشيخ: لماذا؟ الطلبة: لأنها أكمل منها. الشيخ: لأنها أكمل، هذه عددها عدد الأصابع كاملة، وهذه ناقصة. الطالب: صحيح يا شيخ؟ الشيخ: هذا صحيح، أعور العين اليمنى وعينه اليسرى صحيحة قلع عين رجل يسرى غير أعور، فاهمين؟
طلبة: تقلع العين اليسري، اليسرى تقلع اليسرى. الشيخ: الجاني عينه اليسرى صحيحة، وعينه اليمنى عوراء ما تشوف، والمجني عليه كلتا عينيه صحيحة، فالجاني قطع عين السليم اليسرى المماثلة لعينه؟ طالب: تقلع اليسرى. الشيخ: تقلع عينه؟ طالب: اليسرى مقلوعة؟ الشيخ: هي اليسرى ما له عين إلا اليسرى.
طالب: مقلوعة عينه؟ الشيخ: لا، ما قلعت، يا أخي، كيف؟! هذا واحد ما له عينين، ما له عينين كذا؟ له العين هذه وقلع العين اليسرى من شخص نقلع عينه اليسرى؟ الطالب: هي مقلوعة يا شيخ العين اليسرى. الشيخ: ما قُلعت، بارك الله فيك، موجودة. الطالب: إذن ما الفائدة؟ الشيخ: أقول: العين اليسرى سليمة، واليمنى عوراء ما هو يشوف بها.
طلبة: تقلع يا شيخ. الشيخ: تعرفون الرجل الأعور؟ اللي ما يشوف إلا بعين، هذا الرجل الأعور مفهوم؟ هذا واحد عينه اليمنى ما يشوف بها، وعينه اليسرى يشوف بها، تمام الآن؟ الطلبة: نعم. الشيخ: سليمة اليسرى ولَّا ما هي بسليمة؟ الطلبة: سليمة. الشيخ: اعتدى على رجل وقلع عينه اليسرى على رجل يبصر يشوف بكل عيونه وقلع عينه اليسرى، هل تقلع عين الأعور ولا ما تقلع؟ طلبة: تقلع. طالب: على القاعدة ما تقلع. الشيخ: على القاعدة ما تقلع؟ طلبة: لا، تقلع. الشيخ: الآن إذا خلعنا عين الأعور أذهبنا بصره صار أعمى ما يشوف صحيح أنه قلع العين اليسرى من ذلك الشخص، لكن بقي يبصر، ونحن إذا قلعنا عينه بقي لا يبصر؛ فلهذا اختلف في ذلك أهل العلم منهم من قال: تقلع العين اليسرى تُقلع؛ لأن الله يقول: الْجُرُوحَ قِصَاصٌالْعَيْنَ بِالْعَيْنِفتقلع، وكون هذاك ما يُبصر إذا قلعنا عينه ما هو منا ليس منا، ومنهم من قال: لا تقلع؛ لأننا نذهب الآن منفعة كاملة من هذا الجاني، منفعة كاملة، وهي منفعة الإبصار، أما ذاك ما ذهب منه إلا نصف منفعة، ولكننا نلزمه بدية كاملة، بينما أن العين فيها نصف الدية يقول: الآن نلزمك بدية كاملة عوضًا عن المنفعة التي أبقيناها لك؛ لأنا أبقينا لك أيش؟ طالب: البصر. الشيخ: منفعة البصر كذا ولَّا لا؟ منفعة البصر فتُبقي لك عينك ولكن تدفع دية كاملة لذلك الرجل، مفهوم؟
فالمسألة فيها خلاف؛ يعني كل من القولين له دليل؛ الذين أخذوا بالعموم قالوا: ما لنا وله، هذا رجل أعور عوره ليس منا، والذين أخذوا بالمعنى قالوا: لو أننا اقتصصنا منه ما تم القصاص، لماذا؟ لأننا جنينا عليه بأعظم وأيش هو به؟ بذهاب البصر فهو مثل: اليد السليمة مع اليد الشلاء، لكن نظرًا إلى أننا أبقينا له منفعة كاملة منفعة البصر نقول: إنك تدفع لهذا دية كاملة، وبعض العلماء يقول: لا، ما نقتص؛ لأننا نذهب بصره ولا نعطيه دية كاملة، بل نعطي المجني عليه نصف الدية؛ لأننا ما أخذنا إلا عينًا منه واحدة فقط، فنحن لا نعطيه إلا نصف الدية، فهذه أقوال ثلاثة في المسألة. طالب: شيخ، الصحيح؟ الشيخ: الصحيح إن شاء الله يأتي في باب القصاص، هذه جاءت عرضًا.
طالب: يا شيخ، لو فقع العين المناظرة للعين اللي هي يعني لا يبصر بها؛ يعني هو أعور العين اليمنى وفقع العين اليمنى؟ الشيخ: إي نعم، تؤخذ عينه اليمنى. الطالب: الجاني عينه اليمنى ليس بها شيء؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: بس دا مدعاة لأي واحد أعور إن هو يعتدي على الآخرين؛ لأنه عنده عين اليمنى لا يُبصر بها قد تكون موجودة بس لا يبصر بها؟! الشيخ: طيب، لو قلع إنسان، إنسان قطع يد شخص سليمة ويده شلاء وطلب المجني عليه القصاص تُقطع اليد؟ طالب: لا تقطع. طالب آخر: تقطع. الشيخ: تقطع، تقطع عنه. طالب: الشلاء؟ الشيخ: أيه. الطالب: إحنا قلنا: الآن، ليس الآن. الشيخ: بالعكس اللي قلنا، اللي قلنا: يد الجاني سليمة والمقطوعة شلاء، هذه بالعكس. طالب: يمكن القياس في العكس لا يتساوى يا شيخ. الشيخ: طيب وأيش الفرق؟ طالب: بس ما يمكن يقطعها يا شيخ. الشيخ: لا، يمكن. الطالب: لأنها هي شلاء ما يقدر يقطع بها اليد اليمنى. الشيخ: لا، نحن نقطع، ما هو، نحن الذين نقطع. طالب: لا، يقول: الاعتداء بها يعني، الاعتداء باليد الشمال عسير يعني؟ الشيخ: لا، يقطع هو هذا الرجل. طالب: كيف تكون شلاء يعني؟! الشيخ: يقطع باليد الثانية السليمة. طالب: خلاص (...)؟ الشيخ: لا لا، لا يقطع لعدم التساوي؛ يعني مثلًا رجل يده اليمنى شلاء قطع يد إنسان يمنى سليمة، فطلب المقطوع يده، طلب أن تقطع اليد الشلاء. نقول: تُقطع ما فيه مانع؛ لأن يد الجاني الآن أقل من يد المجني عليه.
ما رأيكم فيما لو قطع إبهام الرجل اليسرى وهو ما له إبهام رجل يسرى، وقال المجني عليه: اقطعوا إبهام رجله اليمنى، يُمَكّن؟ طالب: إي نعم؛ لأنه تعدى. طالب آخر: نعم، يُمكّن؛ لأن الرِّجل ما بيخالف، الرجل واحدة، يعني ما هي بآلة.
الشيخ: إذن يا إخواننا الشروط اللي أصلنا الآن صار ما لها قيمة قلنا: يشترط. طالب: يا شيخ، كل من نقص عنده طرف يقطع النظير له في المجني عليهم يعني ويسلم بذلك. الشيخ: لا ما يسلم، الناقص ما يسلم، الكامل هو اللي يسلم، أما الناقص ما يسلم، نقطع طرفه ولو كان ناقصًا، هذا الرجل الذي قطع إبهام الرجل اليمنى وليس عنده إبهام رجل اليمنى، وقال المجني عليه: اقطعوا إبهام رجله اليسرى، نقول: لا، ما نقطع؛ لأنه يشترط المماثلة في الاسم والموضع، صحيح أن كلًّا منهما إبهام رجل، لكن اختلفا في الموضع فلا نقتص. الشرط الرابع: أن يمكن الاستيفاء بلا حيف؛ وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، فهمتم الشرط؟ أن يمكن من الاستيفاء بلا حيف وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه، من مفصل مثلًا إذا كان من الكف المفصل واضح، من المرفق المفصل واضح، من الكعب المفصل واضح، من الركبة المفصل واضح، من الفخذ الورك المفصل واضح، كذا؟ لو قطعه من نصف الذراع فيه قصاص ولَّا لا؟ طلبة: فيه قصاص. الشيخ: لا، ما فيه، ما فيه؛ لأنا قلنا: إن كان الاستيفاء بأن يكون القطع من مفصل، وهذا القطع ما هو من المفصل من نصف الذراع، فلا قصاص.
قولنا: أو له حد ينتهي إليه وأيش معنى له حد ينتهي إليه؟ قالوا: مثل مارن الأنف، ومارن الأنف: هو ما لَانَ منه، الأنف هذا عظم أعلاه، وهذا غضروف لين، فإذا قطعه من هذا يُقتص منه؛ لأنه يمكن أو لا؟ لأن اللين له حد والعظم له حد فيمكن أن يُقتص. إذن يشترط الشرط الرابع أن يمكن الاستيفاء بلا حيف، فإن كان لا يمكن فلا قصاص والإمكان نفسره بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه. ولكن في المسألة الأولى أن يكون القطع من مفصل إذا كان القطع من غير مفصل فالمذهب عند الحنابلة لا قصاص؛ لأنه ما يمكن بلا حيف، لا يمكن القصاص بلا حيف. وقال بعض العلماء: إنه يقتص من المفصل وله أرش الزائد، للمجني عليه أرش الزائد فنقول مثلًا: هذا الجاني الذي قطع من نصف الذراع يُقطع من مفصل الكف، ويدفع فلوس وأيش هي عوضًا عن نصف الذراع اللي هو الأرش؛ يدفع النصف الذي يقوم به. وقال بعض العلماء: بل يقتص من المكان إذا أمكن، وهذا في الوقت الحاضر أعتقد أنه ممكن. أو لا؟ طالب: ممكن، بس مش في كل الأحوال يعني. الشيخ: آه، ما هو بكل الأحوال، المهم يقول بعض العلماء: إذا أمكن أن يقتص من مكان القطع اقتُص، فإذا لم يمكن اقتص من المفصل ويأخذ المجني عليه أرش، وهذا القول هو المتعين، هذا القول هو المتعين؛ لأن الله يقول: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌوما دام ممكنًا فهو متعين، ولو قلنا: بالقول الأول إنه لا بد يكون من مفصل كان كل واحد الشيطان يقول: بدل ما أقطعه من مفصل الكف هم يقطعون أيدي، أذهب أعلى ويصير أشد جناية ولا تقطع إيده، لو يقطع من العضد من هذا ما عليه شيء، ما عليه قصاص، وهذا القول ليس بصحيح ضعيف جدًّا، الصواب: أن الشرط الأساسي هو أن يمكن القصاص بلا حيف سواء كان من مفصل أو من غير مفصل. هذه شروط ثبوت القصاص فيما دون النفس، أما شروط استيفائها فهو يشترط لاستيفائه أن لا يتعدى الجاني، وأيش معنى يتعدى الجاني؟ يعني مثلًا لو وجب القطع قصاصًا على امرأة حامل فلا نقطعها إلى متى؟ حتى تضع؛ لأن هذا خطر على الولد، ربما تنزعج فتسقط الولد، أو يأتيها أمراض فيسقط منها الولد، فهنا نمنعه. فإذن نقول: إن قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِيشمل القصاص في النفس فما دونها، وعلى هذا فتكون (حياة) بالنسبة للقصاص في النفس حياة باعتبار أصل الحياة والبقاء، وعلى القصاص فيما دون النفس يكون المراد بالحياة كمالها. وقوله تعالى: يَا أُولِي الْأَلْبَابِيا أولي، (أولي) هذه بمعنى: أصحاب وهي ملحقة بجمع المذكر السالم، منصوبة؟ بأيش؟ طالب: بالياء. الشيخ: منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة، ونُصبت لأنها منادى مضاف، والمنادى المضاف ينصب. وقوله: الْأَلْبَابِمضاف إليه. يَا أُولِي الْأَلْبَابِوالألباب: جمع (لُبّ)، واللُّبّ هو العقل، وأطلق عليه العقل؛ لأن الإنسان بدونه ليس بإنسان في الواقع، ولا يطلق اللب بمعنى العقل إلا ويراد به عقل الرشد والتصرف وليس عقل الإدراك. والمراد بـ يَا أُولِي الْأَلْبَابِيا أولي العقول الرشيدة التي تتصرف تصرفًا رشيدًا، وليس المراد بأولي الألباب هنا أولي العقول التي يكون بها الإدراك؛ لأن من أولي العقول التي يكون بها الإدراك من كانوا في الحساب مَنْ؟ المجانين؛ لأن تصرفهم سيء، أليس كذلك؟ فالكفار وإن كانوا من أذكى العالم وأعقلهم عقلًا إدراكيًّا لكنهم من ناحية عقل الرشد سفهاء لقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠]، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١].
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. كلمة (لعلكم تتقون) للتعليل، (لعل) للتعليل، لكن أين المعلَّل؟ المعلل: ثبوت القصاص؛ يعني أوجبنا القصاص وكتبناه عليكم من أجل أن تتقوا العدوان والقتل، فإن الإنسان إذا علم بهذا سيتقي بلا شك. انتهى الكلام على آية القصاص.
قال الله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة: ١٧٧] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن البر طاعة الله مطلقًا، أو أن البر هو الإيمان بالله إلى آخره. ومن فوائد الآية الكريمة: أن طاعة الله عز وجل من البر، وليس العبرة بالشكل، وأظن أثناء التفسير قلنا: إن السجود لغير الله شرك وأحيانًا يكون عبادة، وقتل النفس من كبائر الذنوب وأحيانًا يكون عبادة، فالسجود لآدم الذي أمر الله به الملائكة عبادة، تركه كفر، وقتل إبراهيم لابنه إسماعيل عبادة؛ لأنه أُمر به، هذا أيضًا استقبال المسلمين بيت المقدس، ثم تحولهم إلى الكعبة عبادة ولَّا لا؟ الطلبة: عبادة. الشيخ: عبادة، ما يهم أن تستقبل المشرق أو المغرب أو الشمال أو الجنوب المهم أن تكون مطيعًا لله عز وجل. من فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر لقوله: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وإثبات الملائكة لقوله: وَالْمَلَائِكَةِ، وإثبات الكتب السابقة لقوله: وَالْكِتَابِ. وقد بينا أن الله تعالى ما أرسل رسولًا إلا ومعه كتاب لقوله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥]. من فوائد الآية: الإيمان بالنبيين عمومًا، وقد سبق أن ما علمنا منهم نؤمن به بعينه والباقي إجمالًا. من فوائد الآية: فضيلة إتيان المال على حبه. وذكرنا في التفسير أن حب الإنسان للمال قد يتعلق بعين المال، وقد يتعلق بحاجة الإنسان إليه، أو لا؟ وكلها داخلة في الآية.