تفسير سورة البقرة - ٣١
درس صوتي · ٧٩:٥٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
(...) لأن العدم المحض ليس بشيء فضلا عن أن يكون مدحًا، فإن العدم ليس بالشيء، لكنه يكون شيئا إذا تضمن إثباتًا، كل ما نفى الله عن نفسه فإنه صفة نقص وعيب، ويتضمن كم؟ شيئين: نفيَ هذه الصفة المعيّنة المنفية، والثاني: إثبات كمال ضدها، وبهذا نعلم أن صفات الله سبحانه وتعالى كاملة ليس فيها عيب بوجه من الوجوه.
ومنها: إضافة العمل إلى الإنسان، فيكون فيه رد على مَن؟ الجبرية؛ لقوله: عَمَّا تَعْمَلُونَأو عَمَّا يَعْمَلُونَ؟ ولا شك أن الإنسان يضاف إليه عملُه، وعمله كسب له إن كان في الخير، واكتساب إن كان في الشر؛ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْوعلى كل حال، الناسُ في هذه المسألة، كما مرَّ علينا في العقيدة، ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم يرون أن الإنسان مجبر على العمل، ما يفعل شيئا باختيارٍ أبدًا، وما فعلُه الاختياري إلا كفعله الاضطراري؛ كمَن نزل من السطح مع الدرج درجةً درجةً، هو في الحقيقة كمن سقط بدون عِلمه من أعلى السطح، عرفتم؟ هذا مقبول لدي المعقول ولّا لا؟ غير مقبول. ومنهم من قال: إن الإنسان مستقلٌّ بعلمه، وأن الله سبحانه وتعالى لا يصرف العبد إطلاقًا، فالعبد له الحرية الكاملة في عمله، ولا تعلُّقَ لمشيئة الله به، ولا تعلق لتقدير الله وخلقه بعمل الإنسان، الإنسان حرٌّ تام الحرية، وهذا في الحقيقة قولٌ باطلٌ أيضًا؛ لأنه يستلزم أن يكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: لأنه ما دام الإنسان حُرَّا في تصرفه، معناه: يقدر يعاكس ما يريد الله، فيكون في خلق الله ما لا يقدر عليه الله، بل ما لا يشاؤه الله. وهذا أيضًا قول باطل، إذا تبين لنا بطلان هذا وهذا، فإنه لا بد أن يكون الحق في سواهما، فما هو الحق إذن؟ الحق أن نقول: إن الإنسان يفعل الفعل باختياره، ونعني بذلك: الفعل الاختياري، يقع منه باختياره، دون رعشة المرتعش وحركة النائم لما يدري، لكنَّا نريد ما يفعل الإنسان باختياره، يقع ذلك باختياره ولكنه تحت مشيئة الله وهو بخلق الله أيضًا، ووجه كونه بخلق الله أن الإنسان مخلوق لله وفعله كائن بأمرين: بعزيمة صادقة وقدرة، توافقون على هذا؟ الطلبة: نعم الشيخ: مَن خلق العزيمة الصادقة والقدرة؟ الله عز وجل هو الذي خلق العزيمة الصادقة والقدرة، فالإنسان بصفاته وأجزائه وجميع ما فيه كلِّه مخلوق لله عز وجل، ولا يمكن أن يقع في ملك الله ما لا يريده ولا يشاؤه، بل هو بمشيئته، هذا القول الوسط أخذت بيديه بالأدلة جميعا؛ لأن الذين قالوا: إن الإنسان مجبر أخذوا بدليل واحد وأطلقوا من أيديهم الدليل الآخر، والذين قالوا: إنه مستقل، أخذوا بدليل واحد وأطلقوا الدليل الثاني، لكن أهل السنة والجماعة -والحمد الله- أخذوا بأيديهم بالدليلين وقالوا: الإنسان يفعل باختياره، ولكنَّ تصرفه تحت مشيئة الله عز وجل؛ ولهذا إذا جاء الأمر بغير اختياره رفع عنه حكمه؛ فالنائم لا حكمَ لفعله ولا لقوله، والمكرَه على الشيء لا حكم لفعله، بل أبلغ من ذلك الجاهلُ بالشيء لا حكم لفعله، مع أنه قد قصد الفعل لكنه لجهله يُعفى عنه، كل هذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
تفسير الآيات (١٥٠-١٥٣)
٠٠:٠٥:٤٥
ثم قال سبحانه وتعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٥٠]. هذه الجملة تقدم الكلامُ عليها، وكُررت للتوكيد وتوطئةً لما بعدها؛ لأن الفائدة هنا التوكيد والتوطئة لما بعدها، وهو قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ، وقلنا قبل قليل: إن التكرار في مثل هذه الأمور الهامة يراد منه ثلاثة أمور: الإثبات، والتثبيت، والمدافعة؛ ولهذا قال هنا: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ. طالب: من قال يا شيخ: تنزل على الأحوال؟ الشيخ: لا ما هو بظاهر؛ لأنها عامة، كل واحدة منها عامة، ولذلك لو جاءت واحدة منها بدون الأُخريين لكان الحكم واحدا. وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ؛ اللام هنا للتعليل، اقترنت بها (أنْ) المصدرية، و(لا) النافية ويَكُونَ: فعل مضارع منصوب بـ(أن) المصدرية، ولا يضر الحيلولةُ بين الناصب والمنصوب بـ(لا) النافية. وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ؛ حُجَّةٌوأيش إعرابه؟ اسم (يكون) إن كانت ناقصة، أو فاعلٌ إن كانت تامة. وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ؛ لِلنَّاسِمَن المراد بالناس؟ الآية مجملة فتشمل كلَّ من احتج على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى الكعبة، وقد احتج على المسلمين في هذه المسألة اليهود والمشركون، أما اليهود فقالوا: إن الرجل ترك الملة إلى ملة آبائه فهو رجل يتعبد بهواه وليس على هدى. هذه حجة اليهود، والعياذ بالله! بالأمس الأدنى كان يتَّجه إلى بيت المقدس، والآن أخذته العصبية فاتجه إلى الكعبة، وهذا لا شك أنه ظلم، ظلم من اليهود ولّا هم يعرفون في كتبهم كما ذكر بعض أهل العلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم سيتجه إلى الكعبة فيكون من صفاته؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الحجة أيضًا لليهود، الحجة لليهود يعني لِئَلَّا يَكُونَ، إن هذا التعليل تعليلٌ للبقاء لا للانتقال؛ يعني لئلا يكون للناس عليكم حجة لو بقيتم على بيت المقدس، فما الحجة إذن؟ الحجة أن يقول اليهود: إن محمدا يتجه إلى الكعبة، وعلى هذا فتكون حجة اليهود من وجهين، من الوجهين السلبي والإيجابي، يعني أنكم إن بقيتم احتج عليكم اليهود بأن هذا ليس محمدا الذي أخبرَتْ به التوراة؛ لأن محمدا الذي أخبرت به التوراة يتجه إلى الكعبة. حجة أخرى أنهم يقولون: لو كان محمد رسولا ما صار بالأمس يتجه إلى بيت المقدس والآن يتجه إلى الكعبة، ولكنه رجلٌ يتبع هواه ويداهن، ففي الأول داهننا ثم بعد ذلك أخذته العصبية فاتجه إلى قبلة آبائه وأجداده، فصار حجةُ اليهود من وجهين، سواءٌ إن بقي فحجتُهم أنه لما لم يتجهوا إلى القبلة ما صار الرسولَ المنتظرَ، وإن تحول حجتهم أنه يتعبد بهواه، ما هو على هدى من الله -والعياذ بالله- إذن يكون التعليل هنا تعليلًا للتحول وللبقاء، ذكر بعض العلماء أن الناس يدخل فيها المشركون أيضًا، يدخل فيها المشركون، يحتجون على الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: هذا الرجل خالفنا في عقيدتنا، وخالفنا في قبلتنا حين هاجر إلى المدينة، ثم رجع إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا فيحتجون بهذا، أنتم تعرفون أهل الباطل يموّهون، يعني يقلبون -والعياذ بالله- زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام: ١١٢] يقلبون الحق باطلا؛ لأنهم يريدون غرضا والله سبحانه وتعالى يبتلي العباد بمثل هؤلاء الذين يقلبون الحقائق ويجعلون من الحق باطلا، وإلا فكيف يمكن أن يكون حجة لهؤلاء وهؤلاء؟ ما في حجة، بل إن تحوله مع تخوفه العظيم عليه الصلاة والسلام مما وقع من الاعتراضات والمضايقات، وتعرفون المسألة احنا ما ندرك حقيقتها، حقيقة اللي حصل، كونه يتحول مع توقعه لهذه المعارضات؛ لأن الله قال له سبحانه وتعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْإذن المسألة سيكون فيها أخذٌ وردٌّ ومضايقات، تحوله مع هذه التوقعات وأيش يدل عليه؟ يدل على صدقه، وفي الحقيقة ليس دليلا على ما يزعم هؤلاء، بل هو أكبر دليل على صدقه وأنه يتعبد بوحي من الله عز وجل، قيل له: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، وقيل: اتجِه إلى هذا فاتجَهَ، ما يريد هو أن يتبع هواه، بل يتبع ما جاءه من الوحي. وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ؛ عَلَيْكُمْالضمير يعود على من؟ على المؤمنين عموما، للرسول عليه الصلاة والسلام ولأتباعه؛ لأن كل حجة يحتج بها على الرسول للتلبيس وإبطال الدعوة فهي في الحقيقة حجة على جميع أتباعه؛ لأن أتباعه إنما تَبِعوه لأنه على الحق، فإذا جاء من يلبِّس صار ذلك تلبيسا لطريقهم ومنهاجهم، فهو حجة على الجميع، وقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ؛ حُجَّةٌهل هذه حجة حقيقية أو حجة باطلة؟ حجة باطلة، ولا يلزم من الاحتجاج قبوله، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الشورى: ١٦] باطلة، فالاحتجاجات ليست كلُّها مقبولة، إن كانت بحق فهي مقبولة وحجة، وإلا فهي باطلة ولو أقيمت أو ولو صيغت صيغة الدليل والبرهان، حتى لو صاغها من يحتج بها صيغة الدليل والبرهان فإنها تعتبر باطلة، أرأيتم احتجاج الفلاسفة؟ على طريقتهم، احتجاج المعتزلة على طريقتهم، احتجاج الجهمية على طريقتهم، احتجاج القدرية على طريقتهم وهكذا، هذه الحجج هم يأتون بحجج عظيمة لكنها كما قيل:
حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا
حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
نعم، ما تقوم لهم حجة، حججهم كلها تعتبر شُبَهًا باطلة، هؤلاء الذين يريدون أن يحتجوا على المسلمين بتحولهم من بيت المقدس إلى مكة أو إلى المسجد الحرام، هل هذه الحجة صحيحة؟ كلا، بل هي من أبطل الحجج، ولكن مع ذلك لا مانع أن الإنسان يتسلح، ولو للحجج الباطلة؛ ولهذا قال الله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواوالمراد بالذين ظلموا المعاندون المكابرون الذين لا يَرْعَوُونَ للحق مهما تبيّن، وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوااختُلف في إلا هنا، هل هي متصلة أو منقطعة؟ بمعنى: هل الاستثناء متصل أو منقطع؟ فمنهم من قال: إنه متصل، ومنهم من قال: إنه منقطع، فالذين قالوا: إنه منقطع قالوا: إلا بمعنى لكن؛ يعني: لئلا يكون للناس عليكم حجة لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم، خذوا بالكم. ومن قال: إنه متصل قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا فيكون مستثنى من الناس؛ لأن الناس منهم ظالم ومنهم من ليس بظالم، والأقرب عندي -والله أعلم- أن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌهذا عام شامل، لكن من ظلم منهم من اليهود أو المشركين فإنه لن يرعَوِيَ لهذه الحكمة التي أبانها الله عز وجل؛ لئلا تنتفي حجة هؤلاء الظالمين. طالب: شيخ، ما يرد بأنه من قال: الاستثناء متصل سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ، هم احتجوا، لو قلنا: اتصال الاستثناء ما لهم حجة ما ذكر لهم حجة؟ الشيخ: اللي يقرب لي من هذا السياق أنه منقطع. الطالب: شيخ ما معناه على أن يكون متصل؟ الشيخ: يقول: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواإن الله تعالى بيَّن للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنه ما أحد يحتج عليهم إلا الظالمين، ولكن في الحقيقة هذا ضعيف المعنى، ضعيف جدا، فالذي يظهر لي أن الاستثناء منقطع. قال: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِيالله أكبر، يعني مهما قالوا من الكلام ومهما قالوا من زخارف القول ومهما ضايقوا من المضايقات فلا تخشوهم، لا تخشوهم، فالخشية والخوف متقاربان إلا أن أهل العلم يقولون: إن الفرق أن الخشية لا تكون إلا مع العلم؛ لقوله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨] بخلاف الخوف، فقد يخاف الإنسان من الْمَخُوف وهو لا يعلم عن حاله، أما الخشية فلا يكون إلا مع العلم. والفرق الثاني: يقولون: إن الخشية تكون لعِظَم المخشيِّ، والخوف لضعف الخائف وإن كان الْمَخُوفُ ليس بعظيم، فتقول مثلا: الصبي يخاف من المراهق، نعم، لأيش؟ لضعفه، هكذا فُرِّق، وعلى كل حال إن صح هذا الفرق فهو ظاهر، لكن الفرق الأول واضح وهو أن الخشية إنما تكون مع العلم. طالب: (...) فرق إن الخشية أشد من الخوف من حيث وضعُها؟ الشيخ: لا، ما هو بظاهر ولّا بعضهم قال: إنها أشد؛ لأن هذه المادة، الخاء والشين، تدل على القوة ومنه الشيخ الكبير، لكن فيها نظر. وقال: فَلَا تَخْشَوْهُمْتخشوا مَن؟ الذين ظلموا، مهما كان ظلمهم لا تخشاهم ما دمتَ على حق لا تخاف من أحد، وَاخْشَوْنِيأتى بعد النهي بالأمر؛ لأنه كما يقال: التخلية قبل التحلية، أَزِلِ الموانعَ أولًا ثم أثبت، فأولًا فرِّغ قلبك من كل خشية لغير الله، ثم مكن لخشية الله من قلبك، فأنت أزل الشوائب حتى يكون المحل قابلا، فإذا كان المحل قابلا، حينئذ يكون الوارد عليه واردا على شيء لا ممانعة فيه فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِيوالأمر هنا، كما سيأتينا إن شاء الله في الفوائد، الأمر وَاخْشَوْنِيلأي شيء؟ للوجوب، الوجوب بلا شك، الواجب على المرء أن يخشى الله وحده، وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ؛ إتمامُ الشيء بلوغ غايته، وقوله: وَلِأُتِمَّمعطوف على قوله: لِئَلَّا يَكُونَ، لئلا يكون للناس ولأُتم، أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْوالإتمام بلوغ الشيء غايته، والغالب أنه يكون في الكمال، وقوله: نِعْمَتِيالنعمة ما هي؟ هي ما يَنْعَمُ به الإنسان، ويقال: نِعمة، ويقال: نَعمة، لكن الغالب في النعمة أن تكون في الخير، والنَّعمة التنعُّم من غير شكر كما قال تعالى: وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٧]، وقوله: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْهذه نزلت متى؟ متى نزلت وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ؟ طالب: بعد سورة البقرة، في أول الهجرة. الشيخ: في أول الهجرة عند تحويل القبلة؛ يعني في السنة الثانية، ولا يعارضها قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] وقد نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، نعم لا تعارضها؛ لأن المراد في آية المائدة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] الإتمامُ العام في كل الشريعة، وأما هنا وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْفي هذه الشريعة الخاصة وهي استقبال الكعبة بدلا عن بيت المقدس؛ لأنه سبق أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُقلِّب وجهَه في السماء ينتظرُ متى يُؤمر بالتوجّه إلى الكعبة ، فهذه لا شك أنها من نعمة الله عز وجل أن أنعم على المسلمين بأن يتجهوا إلى هذا البيت الذي هو أول بيت وضع للناس، والذي كما قال بعض أهل العلم: هو قبلة جميع الأنبياء كما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، أن الكعبة قبلة جميع الأنبياء، وأن اتجاه اليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى المشرق هذا مما غيروه في دينهم. وقوله: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْأضاف الله تعالى النعمة إليه؛ لأنه صاحبها هو الذي يُسديها ويوليها على عباده، ولولا هذه النعمة العظيمة ما بقي الناس طرفة عين، وانظر إلى قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٦، ٧] في النعمة قال: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وفي الغضب ما قال: صراط الذين غضبتَ عليهم بل قال: الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْنعم، وهي نظير قوله: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، ثم إن المغضوب عليهم.. الغضب على هؤلاء ليس من الله فقط، بل من الله سبحانه وتعالى ومن أوليائه من الرسل وأتباعهم. وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛ (لعل) هنا أيش معناها؟ طالب: للتعليل.. الشيخ: للتعليل؛ يعني ولأجل أن تهتدوا، والهداية كما مر علينا نوعان: هداية علمية، وهداية عملية، ويقال: هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، فالهداية العلمية معناها: أن الله يفتح على الإنسان من العلم ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه، والعملية: أن يوفق للعمل بهذا العلم. الأولى وسيلة والثانية غاية؛ ولهذا لا خير في علم بدون عمل، بل إن العلم بدون عمل يكون وبالا على من رُزقه. وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛ هذه هي العلة الثالثة من هذه العلل، العلة الأولى ما هي؟ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، والعلة الثانية: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ، والثالثة: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ؛ وهنا الهداية شاملة للهداية العلمية والعملية يعني: علما وعملا، ووجه كونها شاملة: أنهم ما علموا أن مرضاتَ الله سبحانه وتعالى بالتوجه إلى الكعبة إلا بما علَّمهم الله، ثم إن الله وفَّقهم للاهتداء إليها، هل مانعوا؟ أبدًا، بل إن أهل قباء أتاهم الخبر وهم يصلُّون صلاة الفجر، وكان الإمام إلى الشمال والمأمومون إلى الجنوب فأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، فماذا صنعوا؟ توجَّهوا في صلاتهم إلى الكعبة ، فصار الإمام نحو الجنوب والمأمومون نحو الشمال وكلهم وجوههم إلى الكعبة، هذه هداية عملية عظيمة؛ لأن انتقال الإنسان إلى ما أمر الله به بهذه السهولة مع توقع المعارضات والمضايقات، وأيش يدل عليه؟ على قوة إيمانه، وثقته بربه سبحانه وتعالى، وهكذا يجب على كل مؤمن إذا جاء أمرُ الله أن يمتثل الأمرَ، والله سبحانه وتعالى سيجعل له من أمره يسرا؛ لأن تقوى الله فيها تيسير الأمور، لا يقول: والله هذا أخشى من المضايقات، أخشى أن الناس يعيرونني، أخشى أن الناس يستهزئون بي، هذا لا يضر، فـإِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٣٨]. وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا [البقرة: ١٥٠، ١٥١] هذه أيضًا مِنَّةٌ رابعة وُجهت إلى المؤمنين كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ؛ يعني: هذا داخل في قوله: لِئَلَّا يَكُونَ، وَلِأُتِمَّ، وَلَعَلَّكُمْ، كما أنكم أيضًا، كما أنكم قد أُرسل فيكم هذا الرسول النبي عليه الصلاة والسلام.. إلى آخره؛ يعني: معناه أن نعمة الله علينا التوجُّه إلى الكعبة بدلا عن بيت المقدس أنها عظيمة، كما أن نعمته علينا بالرسول صلى الله عليه وسلم عظيمة، كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْرَسُولًا مِنْكُمْوالإرسال بمعنى البعث، والبعث بمعنى الإرسال أيضًا، يعني أنه مرسل من الله؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق للعبادة وكيف يُعبد؟ طالب: يعبد بما شرع. الشيخ: نعم بما شرع، وكيف نعرف أن هذا مما يرضاه الله أن نتعبده به وهذا مما لا يرضاه؟ لا يمكن ذلك إلا بواسطة الرسل، لو أن الإنسان وُكِلَ إلى عقله بالعبادة ما عرَف يعبد الله، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: ولو وكل إلي عقله في العبادة ما اجتمع الناس على عبادة الله، لكان كل واحد يقول: هذا هو الصواب ويمشي، ولو أن الإنسان وكل إلى عقله بالعبادة ما كانت أمتنا أمةً واحدة، فعلى كل حال لا يمكن لنا بمجرد عقولنا أن ندرك كيف نعبد الله؟ ومثلٌ بسيط: لو قيل لك: تطهر للصلاة ولم يبيَّن لك هذا الطهور، كيف تتطهر؟ يجي واحد يمكن يقول لك: التطهر لازم أني أتطهر من الإبهام إلى الإبهام، نعم، ويجي واحد يقول: ما أطهر إلا الكف والجبهة والأنف والركبتين وأطراف القدمين؛ لأنها اللي بيشمل السجود، ويجي آخر ويكون عنده شكل ثان، فلولا أن الله أبان لنا كيف نعبده، ما عرفنا كيف نعبده؟ وهذه من نعمة الله بإرسال هذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا كل شيء؛ ولهذا قال أبو ذر: لقد تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يُقلّب جناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَر لنا منه علمًا، حتى الطيور في السماء علمنا عنها الرسول عليه الصلاة والسلام . وهذا عام في كل شيء، كل ما نحتاج إليه في أمور ديننا ودنيانا فقد علَّمنا إياه هذا الرسول؛ ولهذا قال: يَتْلُو عَلَيْكُمْ، وفي قوله: مِنْكُمْما سبق، هل المراد منكم نسبا أو منكم جنسا؟ وقد سبق لنا أنه إذا قال: مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] فالمراد الجنس، وإذا قيل: منكم أو منهم فالمراد النسب، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] وقد قال الله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ١٦٤] والمؤمنون فيهم العرب وغير العرب. يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَاما معنى يتلو؟ يقرأ، يقرأ عليكم آياتنا، فيأتي بها كما سمع، قال الله تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٧- ١٩] ثلاث مراحل: جمع وقرآن بواسطة جبريل، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُبيانه للناس كلهم بيانه معنًى ولّا لفظا؟ لفظا ومعنى؛ ولهذا القرآنُ -والحمد لله- مبيَّنٌ لفظُه ومعناه، ليس فيه شيء يشتبه على الناس إلا اشتباها نسبيًّا بحيث يشتبه على شخص دون آخر، أو في حال دون أخرى (...). أنه تقرير له (...)، ما تقولون؟ سؤال: هل قوله وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهل هو تقرير لما سبق أو هو زائد على ما سبق؟ طالب: زائد. الشيخ: إذا كان زائدًا على ما سبق، فأين ما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام خارجًا عن الكتاب والسنة؟
طالب: (...). الشيخ: لكن رجحنا أنها عامة، فالظاهر لي أن القول بأنه من باب تقدير ما سبق وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَأنه أولى؛ لأنه لو قال قائل: يعلِّمنا ما لم نكن نعلم من أمور الآخرة؛ قلنا: هو داخل في الكتاب والسنة ما يخرج عنها، مهما قدرت من التقديرات وجدته داخلا في الكتاب والسنة، لكنه ذكر للتقرير وبيان النعمة في أنه يعلمنا ما لم نكن نعلم، إذن الأصل في بني آدم الجهل أو العلم؟ الأصل الجهل؛ لأن العلم وارد، فكل ما عَلِمنا من العلم فإنه في الحقيقة وارد على الجهل، وهو مما يدل على نقص الإنسان حيث كان الأصل فيه الجهل، ولكنه يتعلم بتعليم الله. وقوله: يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَهذا ليس على عمومه فإنه يخص منه ما لا يمكن الاطلاع عليه من علم الغيب، فعلم الساعة مثلا، عُلِّمْنَا إياه؟ ما علمنا إياه مع أننا لا نعلمه؛ لأن هناك أشياء من أمور الغيب ما تعلم، حتى أقرب الأمور إلينا ما نعلمها، وهي الروح وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] فعلى هذا يكون مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ؛ أي: ما لم تكونوا تعلمون لكن مما تحتاجون إلي العلم به، أما ما لا يمكن العلم به؛ فإن هذا ما عَلِمناه ولا عَلَّمناه مثل أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله؛ كعلم الساعة ونزول المطر وعلم المستقبل، إلا ما أَطْلع الله عليه رسوله، وكذلك العلم بكيفية أسماء الله وصفاته، فإن هذا لا يمكن الإحاطة به، فكل ما يتعلق بصفات الله فعلمُه لا يمكن الإحاطة بكيفيته؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام: ١٠٣] مع رؤيتها له، مع رؤيتها لله لكنها لا تدركه، وهذا في الآخرة، وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣] أخبرنا الله عن أفعال كثيرة من أفعاله؛ كاستوائه على العرش، ونزوله إلى السماء الدنيا، ومجيئه للفصل بين عباده، وغير ذلك من أفعاله، وهل نحن نعلم الكيفية؟ ما نعلمها، أخبرنا الله تعالى عن نفسه أنه يعجب؛ لقوله: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: ١٢] بقراءة بضم التاء وهي قراءة سبعية {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ}، وكذلك أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الله أنه يضحك: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ» فهل يمكن لنا أن نتصور أو أن نبين هذه الكيفية؟ لا، لا يمكن أن نتصورها ولا أن نبين هذه الكيفية؛ لأن هذا مجهول، هذا مجهول لنا، ولا يمكننا الإحاطة به. ثم قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ أولًا: إعراب الآية: اذْكُرُونِي: فعل أمر؟ فيها نون الوقاية وياء المفعول به وواو الفاعل، كم من كلمة صارت؟ أربع كلمات: فعل أمر، والواو فاعل، نون وقاية، ياء مفعول، هذا فعل أمر جوابُه: أَذْكُرْكُمْ، لماذا سُكِّنَ الفعل؟ لأنه كان جوابا للأمر، وهو قوله: اذْكُرُونِي، فقوله تعالى: اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْيعني: عمل وجزاء، العمل: ذكر الله عز وجل، والجزاء: ذكر الله لعبده، أيُّهما أعظم؟ معلوم الأخير، يعني كون الله يذكرُك أعظمُ من كونك تذكره؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١] تحبوا الله الطلبة: لا. الشيخ: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، الجواب: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ؛ لأن هذا هو الغاية، الغاية والقصد أن الله يحبك، ما هو أن تحب الله؛ ولهذا لم يأتِ الجواب على الوجه المتوقع، الوجه المتوقع: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تحبوا الله، لكن الجواب: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ؛ لأن الشأن كلَّ الشأن أن يحبك الله، هنا اذْكُرُونِيهذا ذكر الإنسان لربه، لكن الشأن أَذْكُرْكُمْ، اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وقوله: اذْكُرُونِيفعل أمر، وبماذا يكون ذكرُ الله؟ يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، الأصل: ذكر القلب «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» وذكرُ الله باللسان أو بالجوارح بدون القلب هو قصور، ما هو ذكر، الحقيقة أن الذكر ذكر الله تعالى بالقلب، وكيف أذكره بالقلب؟ أذكره بالقلب أن الإنسان بقلبه ينيب إلى الله، ويتوكل عليه ويرجوه ويخافه ويستحضر حُبَّه وعظمته وغير ذلك، وهذا أمر لازم للإنسان، كذلك أيضًا الإنسان يشاهد في الكون أشياء كلها من آيات الله، يشاهد الشمس بعظمتها وانتظامها وطلوعها وغروبها، كذلك القمر، وكذلك النجوم، وكذلك الليل والنهار والأحوال وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠] إلى غير ذلك، نستدل بهذه الأشياء على من؟ على من دبَّر هذه الأشياء وخلق هذه الأشياء، وكل شيء منها له دلالة خاصة، منها ما يدل على العظمة، ومنها ما يدل على قوة السلطان، ومنها ما يدل على الحكمة، وكلُّها حكمة لكن بعضها أخص من بعض في الدلالة، هذا ذكر القلب بالمحبة والتعظيم والإنابة والخوف والرجاء والتفكر.. إلى غير ذلك. ذكرُ الله باللسان يشمل الذكر المعروف مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله والله أكبر، وما أشبه ذلك، ويشمل قراءة القرآن، ويشمل الدعاء، ويشمل كلَّ قول يقرِّب إلى الله عز وجل؛ لأن كل قول يقرب إلى الله فهو من الطاعة، والطاعة مأمور بها، وفاعل الطاعة يستشعر أنه يفعلها لأي شيء؟ طاعةً لله وتقرُّبًا إليه، إذن فيكون هذا ذكر، يكون هذا ذكر الله عز وجل، وإذا جعلنا الذكر بهذا المعنى العام أمكن للإنسان أن يجعل جميع أقواله ذكرا لله إذا وفق؛ ولهذا ممكن أن تكون عادة الذاكرين عبادة، وأن تكون عبادة الغافلين عادة، كل هذا من أجل النية، يكون الذكر بالجوارح، كيف الذكر بالجوارح؟ القيام بالصلاة والركوع والسجود، والجهاد، والزكاة، كلُّها ذكر لله؛ لأنك عندما تفعلها تكون طائعا لله، وحينئذ تكون ذاكرا لله في هذا الفعل؛ ولهذا قال الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥] قال بعض العلماء: ولما تضمنته من ذكر الله أكبر، وهذا أحد القولين في هذه الآية. طالب: (...). الشيخ: هذه المسألة يجب أن نعرف المعاني إذا قرنت مع غيرها فُسِّرت بخاصة، وعند الإطلاق تشمل، مثلا: عندنا الفقير والمسكين إذا قُرنا فُسر كلُّ واحد بما يختص به، البر والتقوى إذا قرنا جميعا فسر كل واحد بما يختص بها، وإذا أُفرد أحدهما شمل الآخر، فالذكر عند الإطلاق، أما إذا قال مثلا: هذا الرجل قرأ القرآن وذكر الله، يكون هنا قراءة القرآن خاصة والذكر خاص. وقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، أَذْكُرْكُمْهل هي من صفات الله؟ وهل هي من الذاتية؟ وهل هي من الإيجابية أو السلبية؟ الجواب عن الأول من صفات الله ولّا لا؟ من صفات الله، وعن الثاني هل هي ذاتية أو فعلية؟ فعلية، وعن الثالث إيجابية أو سلبية؟ إيجابية كذا. وقوله: اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْهنا مطلق، ولكن يتبين من صيغة الأمر والجزاء أن يكون الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ» . فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْفيها قراءة {فَاذْكُرُونِيَ أَذْكُرْكُمْ} فاذكروني، بفتح الياء؛ يعني ياء المتكلم، يجوز إسكانها وفتحها وحذفُها تخفيفًا، لكنها في القرآن تتوقف على السماع، إنما من حيث اللغة العربية يجوز فيها الفتح والإسكان وأيش بعد؟ والحذف، لكن بالنسبة للقرآن تتوقف على السماع، وهنا فيها قراءة فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. وقوله: وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ؛ اشْكُرُوافعل أمر من شَكَرَ، وقد اختلف أهل العلم بالعربية هل اشْكُرُوا لِيهي اشكروني أو غيرها؟ فقال بعضهم: إنها هي هي، وأنَّ شَكَرَ تتعدى بنفسها وتتعدى باللام، فيقال: شكرَهُ، ويقال: شكرَ له. وقال بعضهم: إنها ليست بمعناها وأن شكر تتعدى بنفسها دائما، وأن المفعول هنا في نحو اشْكُرُوا لِيمحذوف؛ يعني: اشكروا لي ما أنعمت عليكم، ما أنعمت عليكم، أو نعمتي، أو ما أشبه ذلك، والخلاف في هذا لا يترتب عليه كبيرُ فائدة؛ لأن الجميع متفقون على أن المراد بهذا الأمر القيامُ بشكر الله عز وجل، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيِه، والشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، خدوا بالكم، فسببه أخص من سبب الحمد، ومتعلَّقُه أعم من متعلَّقِ الحمد، أرجو أن تنتبهوا، الحمد يكون باللسان لكن سببه كمال المحمود وإنعام المحمود، فإذا كان سببه إنعام المحمود كان من الشكر، أعني الحمد، أما الشكر؛ فإن سببه واحد، ما هو؟ طالب: النعمة. الشيخ: النعمة، نعمة المشكور، أما متعلَّقُه فثلاثة: يكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح، خذوا بالكم من الفرق بين الحمد والشكر، أكثر الناس ما يعرفون الفرق بينهما، فيختلفان إذن من حيث السبب، ويختلفان من حيث المتعلَّق، سبب الحمد أيش قلنا؟ كمال المحمود وإحسان المحمود، فالله جل وعلا يُحمد على كماله وعلى إنعامه، وسبب الشكر؟ النعمة، نعمة المشكور، أما المتعلق؛ فالحمد يكون باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وعليه قول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
فـ(يدي): هذا الشكر للجوارح، (لساني): باللسان يعني القول، و(الضمير المحجَّبَ): القلب. ما هو الشكر بالقلب؟ الشكر بالقلب أن يُقِرَّ الإنسان بقلبه أن هذه النعمة من الله عز وجل، فيحب الله سبحانه وتعالى لهذا الإنعام؛ ولهذا ورد في الحديث: «أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ» ، فإن الإنسان إذا شعر بأن هذه النعمة من الله، أحب الله؛ لأن النفوس مجبولة على محبة مَن يحسن إليها، هذا تعلُّق الشكر بالقلب، تعلقه باللسان التحدث بنعمة الله لا افتخارا بل شكرا، قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» . أما الشكر بالجوارح؛ فأن يقوم الإنسان بطاعة الله، ويصرف هذه النعمة لما جُعلت له، ويصرف هذه النعمة لما جعلت له، فإن هذا من شكر النعمة. وقوله تعالى: اشْكُرُوا لِيعلى القول بأن شَكَرَ تتعدى بنفسها أو اللام، لا إشكال في الموضوع؛ لأن المعنى: اشكروا لي واشكروني واحد، أما على القول الثاني: أن شَكَرَ تتعدى بنفسها فاللام هنا للإخلاص؛ يعني اشكروا لي لا لغيري، فيكون هنا بيان المشكور له وهو الله عز وجل؛ لأنه هو أهل الشكر. وقوله: وَلَا تَكْفُرُونِأصله: لو قال قائل: كيف وَلَا تَكْفُرُونِ(لا) ناهية وهنا جاءت النون مع أنها من الأفعال الخمسة؟ فالجواب: أن النون هنا للوقاية وليست نون الإعراب، ومثله قوله تعالى: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْفَلَا يَسْتَعْجِلُونَ ولّا يَسْتَعْجِلُونِ؟ يستعجلونِ، فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الذاريات: ٥٩، ٦٠] فالنون هنا للوقاية، وقوله: وَلَا تَكْفُرُونِ؛ أي: لا تجحدوني أو تجحدوا نعمتي، بل قوموا بشكرها وإعلانها وإظهارها؛ ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمةً فإنه يحب منه أن يُرى أثرُ نعمته عليه، إذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه؛ أولًا: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفا بعلمه يقوم ويعمل بما علم. الثاني: من ظهور العلم بالتعليم، يعلِّم الناس ما استطاع، وليس بلازم أن يعلِّمَه في حلقات، قد يعلِّمُ شخصا يصلي إلى جنبه فيخل بأمر من الأمور في الصلاة فيُعَلِّمُهُ، هذا من طرق التعليم. الثالث: من آثار نعمة العلم: أن يدعو الإنسان إلى الله على بصيرة، أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم بالدعوة إلى الله يتكلم بقدر ما يستطيع، حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى عزيمة مثلًا ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم، وكان بعض أهل العلم في مسألة فهو فيما حضر، بعض الناس من أهل العلم يكون معه كتاب إما معه بنفسه أو مع أحد من تلاميذه، فيقرأ الكتاب على الحاضرين ويستفيد ويفيد، وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا وصاروا يترقبونه منه، أما إذا لم يعودهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده، سؤالٍ مثلا حتى ينفتح المجال للناس ويسألون وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها، وهذا لا شك أنه نقص وإن كانوا قد لا يأثمون، لكنه نقص، فالذي ينبغي لطالب العلم حتى وإن لم يُسأل أن يورد هو سؤالًا؛ لأجل أن يفتح الباب للحاضرين فيسألوه، وقد جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة وأماراتها وقال النبي عليه الصلاة والسلام:«هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» مع أنه هو عَلَّمَ جبريل، الذي يجيب مَن؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا جعله معلما؟ لماذا جعله معلما، وهو يسأل؟ طالب: لأنه صدقه.
الشيخ: لا. طالب: لأنه سأله وبسبب سؤاله.. الشيخ: صار العلم، نعم؛ لأنه تسبَّبَ لهذا العلم، المهم أننا نقول: وَلَا تَكْفُرُونِإنه من كفر النعمة أن لا يظهر أثرُها على من أنعم الله عليه، فإنه ينبغي للإنسان ألَّا يسترها؛ لأن الكفر في الأصل هذه المادة (كاف، فاء، راء)، وأيش أصلها في اللغة؟ الستر، ومنه الكُفُرَّى اللي يسميه العوام: الكافور، حق النخل؛ لأنه يستر الثمرة، فالإنسان الذي لا يُرى عليه أثر النعمة فهو في الحقيقة ما أظهرها بل جحدها. وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِتقدم لنا ولا بأس من إعادته أن الكلام إذا صُدِّرَ بالنداء فهو دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب التفات المخاطب إلى مناديه، واضح ولّا لا؟ وسبق لنا أن الله تعالى إذا صَدَّرَ الحكم أو الخبر بوصف الإيمان؛ كان ذلك دليلا على أن التصديق به إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وعلى أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، إن كان خبرا مثل الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ [المائدة: ٩٤] هذا خبر، والحكم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِفالمهم أنه إذا صُدِّرَ الكلام بوصف الإيمان دلَّ ذلك على أن التزامه إن كان حكما من مقتضيات الإيمان، وتصديقه إن كان خبرا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو تكذيبه نقص في الإيمان، كذلك أيضًا تصدير الشيء بوصف الإيمان هو في الحقيقة من باب الإغراء، من باب إغراء المخاطب بالتزام الحكم أو تصديق الخبر، كأنه يقال لهم: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم، ولكونكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا، أو لا تفعلوا كذا وكذا، أو سيكون كذا وكذا فصدِّقوه، مثلما تقول للإنسان: يا رجل، وأيش معنى (يا رجل)؟ يعني أن مقتضى رجولتك أن تتجنب هذا الشيء، أو أن تقوم بهذا الشيء، أو ما أشبه ذلك. يا مؤمن، هذا إغراء يعني: لإيمانك افعل كذا أو اترك كذا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِاستعينوا بها؛ أي: اجعلوها عونًا لكم، بِالصَّبْرِ؛ أي: اجعلوا الصبر عونا لكم، وَالصَّلَاةِالصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: قُتل فلان صبرا؛ أي: حبسًا. وفي الاصطلاح: هو حبس النفس، حبس النفس على ما ينبغي أن تكون عليه، أو عمَّا ينبغي ألَّا تكون عليه، فهو ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة؛ الصبر على طاعة الله يحتاج إلى مكابدة من وجهين: من وجه التعب النفسي والتعب البدني، الصبر على الطاعة يكابده الإنسان من وجهين أيش؟ الطلبة: التعب النفسي والبدني. الشيخ: التعب النفسي والبدني، النفسي: أنك تجده يجاهد نفسه على فعل الطاعة، والبدني: يتعب يتوضأ في أيام السَّبَرَات، ويخرج إلى المساجد في الظلمات، ويركب المشقات للوصول إلى بيت الله وهكذا. الصبر عن المعصية، وأيش يتضمن؟ التعب النفسي فقط؛ لأنه كَفٌّ، ما عليك تعب، اترك هذا الشيء فقط، ففيه التعب نفسي، البدن ما تَحَرَّكَ ولا شيء، بس طلب منه أن يكف، إذن فهو تعب نفسي، لاحظوا أنه قد يكابد الإنسان من التعب النفسي على ترك المحرم أكثر مما يكابده على تعب النفس في الشيء المأمور به؛ أي في الطاعة، خدوا بالكم يا جماعة يعني: قد يكون هناك داعٍ قوي لفعل هذه المعصية يكون مكابدة الإنسان التعب النفسي في تركه أمرًا شديدًا وشاقًّا، ويكون فعله للطاعة ولو كانت أفضل أهون عليه من الناحية النفسية. ثم القسم الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، فيه معاناة، نفسية ولّا بدنية؟ طالب: نفسية وبدنية. الشيخ: الأقدار المؤلمة؟ الأقدار المؤلمة فيها؟ الطالب: نفسي وبدني، ممكن صار له مرض، كسر. الشيخ: أي ما أخالف لكن هذا ما هو من فعله، يعني كونه يتألم بالكسر أو ما أشبه ذلك ما هو من فعله، لكن غالبا فيه معاناة نفسية، تعب نفسي؛ لأن الإنسان قد يرى أن من التفريج عن نفسه أن يلطم خده ولّا يشق ثوبه ولّا ينتف شعره وما أشبه ذلك، قد يخفف عنه وإن كان هذا من الشيطان، لكنه يَصْبِرُ نفسه عن هذا الأمر فهذا تعب نفسي. أي الأنواع الثلاثة أفضل؟ الصبر على الطاعة، أو عن المعصية، أو على أقدار الله المؤلمة؟ الصبر على الطاعة أفضل وأقرب إلى الله؛ ولهذا تجدون من الطاعات ما هو من فرائض الإسلام، أركان الإسلام كلها أفعال طاعات، لكن منهيات غير الشرك ما تصل إلى هذا الشيء؛ فلهذا نقول: الصبر على الطاعة أفضلها، ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه اختياري وفعلي، أنت تقدر تفعل ولا تفعل، الصبر على الأقدار المؤلمة هو أدناها؛ وذلك لأن الإنسان كما قال بعض السلف: إما أن يصبر صبر الكرام أو أن يسلوا سُلُوَّ البهائم؛ يعني هو لو مثلا تضجَّر وعجز عن الصبر الآن حين المصيبة، آخر ما له؟ غصبا عليه بيصبر، يسلو ولا كأنها صارت، يوسف عليه الصلاة والسلام كان له عدة أنواع من الصبر؛ عنده الصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة. صبره على الأقدار المؤلمة ظاهر أو لا؟ على ما فعل به إخوته وما كادوا له، وصبره عن المعصية؟ ظاهر أيضًا حين دَعَته امرأة العزيز إلى نفسها ولكن الله سبحانه وتعالى أنقذه حين فزع إليه: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف: ٣٣] لمَّا لجأ إلى الله عز وجل بصدق ماذا كانت النتيجة والجواب؟ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: ٣٤] سبحان الله العظيم! خلك يا الإنسان دائما تلجأ إلى الله عز وجل، وأحيانا يكون مع الإنسان غفلة عن الله، ثم يصاب بالمصيبة ليلجأ إلى الله حتى يذكر؛ لأن الإنسان مع كثرة النعم وعدم المصائب ينسى ويستمر في هذه الأشياء في هذه النعم يمشي معها ويغفل، لكن إذا أصيب بنكبات حينئذ يرجع إلى الله عز وجل ويصبر، يوسف عليه الصلاة والسلام لجأ إلى الله فأجاب الله دعوته فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ. هل له صبر على الطاعة؟ طالب: نعم. الشيخ: وأيش؟ طالب: صبره على الدعوة إلى الله في السجن، جلس يدعو إلى الله عز وجل. وطلبه تزكية عرضه عليه الصلاة والسلام. أيضًا مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
الشيخ: يعني عدة مسائل، وكذلك أيضًا قيامه بالملك وتنظيمه، نعم، كل هذه من الصبر على الطاعة، طيب وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِوأيضًا استعينوا بالصبر على مشاقِّ الأمور ومكابداتها، وما أحسن أن يكون الإنسان صابرا منتظرا للفرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» ؛ لأنه إذا كان منتظرًا للفرج هان عليه الصبر؛ لأنه يؤمل أن الأمور ستزول وأن دوام الحال من المحال، فإذا كان يؤمل الأجر في الآخرة، ويؤمل الفرج في الدنيا؛ هان عليه الصبر كثيرا، وهذا لا شك أنها من الخصال الحميدة التي جاء بها الإسلام، وهو أيضًا دليل على أن الأمور تسهل بشو؟ بالصبر، مهما بلغت بك الأمور اصبر فتهون؛ ولهذا جعل الله تعالى الصبر عونا فقال: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِكذلك بالصلاة، الصلاة أي الصلاة؟ وأيش الصلاة؟ الدعاء؟ لا، الصلاة الشرعية؛ ولهذا كان نبينا صلوات الله وسلامه عليه إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِع إلى الصلاة ؛ الصلاة من أكبر العون على الأمور، لماذا؟ لأن المصلي يقف بين يدي حبيبه سبحانه وتعالى، بين يدي الله، فينسى كل ما سواه، ولكن ترى هذه صلاة الأوابين، ما هي صلاة اللَّعَّابين، نعم، صلاة الأوابين لا صلاة اللعابين، نسأل الله أن يتوب علينا! إذا وقف بين يدي ربه نسي كل شيء، فأقبل عليه واطمئن به وصار له في قلبه نور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الصَّلَاةُ نُورٌ» هذا الفرح والسرور والانشراح يهوّن عليك الأمور ولّا لا؟ طبعا يهون، قطعا يهون عليك، قطعا ما هو طبعا، قطعا يهون عليك الأمور؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» يهوِّن عليك الأمور فتسهل عليك الصعاب، ثم إن في نفس الصلاة أيضًا أمكنة للدعاء تدعو الله تعالى أن يعينك على هذه الأمور، فتكون الصلاة نفسها عونا وما تتضمنه من الدعاء أيضًا عونا، فيستعين الإنسان بها على كل مهماته وملماته، فالصلاة أمرها عظيم لمن أتى بها على الوجه المشروع، لكن مع الأسف إننا أضعنا الصلاة، نسأل الله أن يتوب علينا! ندخل فيها ونخرج منها، ونحن على ما دخلنا بل إنها بعضُ الناس لا تزيده من الله إلا بُعدًا، نسأل الله السلامة! إذن الاستعانة بالصلاة أمرٌ أمرَ الله به، افرض مثلا أنك كنت في ضائقة من أهلك ضاقت عليك الدنيا، المرأة تبغي، والولد يبغي، وما أشبه ذلك، فتوضأت واتجهت إلى الله وكنتَ تخاطبه بكلامه وتدعوه بحاجاتك، تنسى، فتخرج وكأن الدنيا كلها أمامك واسعة، ونور يتلألأ فتسهل عليك الأمور وتهون عليك، والذي أمرنا بذلك اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِهو عالم بذلك سبحانه وتعالى، عالم به وهو رحيم بنا، لولا أن هذا الدواء ناجح وناجع ما أمر الله به، اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. طالب: الحديث هو قد ضعف؟ الشيخ: أيهم؟ طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أمرٌ فَزِعَ إلى الصلاة لكن تشهد له الآية (...). الشيخ: إي نعم، الآية تشهد به وأشوف ما يستدلون به شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير كلهم يستدلون به. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَهذه بشرى عظيمة لمن صبر، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَولم يقل مع المصلين، لماذا؟ طالب: لأن الصلاة من الصبر. الشيخ: لأن الصلاة طاعة، وقلنا: إن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله، هذا وجه، الوجه الثاني: أن الصبر أشق بالاستعانة به من الصلاة؛ لأن الصبر مر يا جماعة، الصبر مر.
الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ
لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
نعم، فهو مُرٌّ يكابده الإنسان ويعاني، ويحصل له انفعالات ويتغير دمه ووجهه ويصابر ويكابد، حتى إنه يكاد مَن يراه يقول: هذا مريض؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَنعم، وجواب ثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى، بدليل أنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان المصلي يناجي ربَّه، وأن اللهَ قِبَلَ وجهِهِ وهو على عرشه سبحانه وتعالى، فعلى هذا يكون الجواب من ثلاثة أوجه؛ إذا قال قائل: لماذا لم يقُل في الآية: إن الله مع الصابرين والمصلين؟ فالجواب، عد لنا الوجه الأول؟ طالب: أن الصلاة من الصبر. الشيخ: نعم، من الصبر فتكون داخلة فيه، والوجه الثاني؟ طالب: الصبر أعم. الشيخ: هذا الذي قاله، سبحان الله! طالب: إن الصبر أشد من الصلاة.
الشيخ: إي نعم، إن مكابدة الصبر أشق؛ فلهذا جاءت المعية للصابرين لينشطوا على هذا الأمر، الوجه الثالث؟ طالب: إن الله إذا كان مع الصابرين فهو من باب أولى مع المصلين. الشيخ: فهو مع المصلين من باب أولى كما جاءت به السنة، خذوا بالكم يا جماعة، أنا في ظني أن هذه الأوجه الثلاثة يمكن أنا أدورها بعد أيام ما ألقيها، يمكن أنا أدورها ما ألقيها؛ لأن أحيانا الإنسان مع الشرح يمكن يجيب الله له أشياء ما كان تخطر على باله، ويتطلبها في يوم من الأيام ويلاقيها رايحة، فأنتم احرصوا على هذه المسائل، طيب عندنا: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَهذه المعيّة خاصة ولّا عامة؟ طالب: خاصة. الشيخ: هذه خاصة؛ لأن كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، كل معية تضاف إلى سبب يقتضيها فهي معية خاصة، إن اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٩٤] أضيفت إلى التقوى وهو سبب، مَعَ الصَّابِرِينَ، لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩]، مَعَ الْمُتَّقِينَوما أشبه ذلك، أما المعية المطلقة التي يقصد بها إحاطة الله عز وجل بخلقه علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، فهذه تسمى معية عامة؛ لأنها ما قُيدت بأحد، بل هي عامة، ولها أمثلة كثيرة في القرآن، منها ما هو عام لجميع الخلق، ومنها ما خُصص بقوم تهديدا لهم، مثال العامة لجميع الخلق: قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: ٧] فقوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍعام ولّا خاص؟ طالب: خاص. طالب آخر: لا، عام. الشيخ: لا، عام عام، أيّ ثلاثة يتناجون؛ مؤمنين، كافرين، فُجّار، أبرار الّلي يكون، وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا، وكذلك قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤] هذه عامة، وقد تكون خاصة لكنها لا تقتضي النصر والتأييد، وإنما تقتضي التهديد، فهي من قسم العام المقيد كما في قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨] هنا لا شك أنها ليس المراد معهم بالنصر والتأييد، لماذا؟ لأنهم لا يستحقونه، لكن المراد تهديدهم بهذه الإحاطة، عندنا عامة مطلقة، وعامة مقيدة بقوم للتهديد، الخاصة أيضًا تنقسم إلى قسمين: مقيدة بوصف، ومقيدة بشخص، المقيدة بوصف مثل؟ مَعَ الصَّابِرِينَمَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٩٤] إلى آخره، والمقيدة بشخص؛ كقوله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، وقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام حاكيا عنه أنه قال لأبي بكر: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا؛ ثم هذه المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى حالا في الأرض، فهي ليست معية حلول واختلاط؛ لأن ذلك أمر مستحيل على الله عز وجل، ولم يفهم أحد هذا الفهم إلا مَن اجتالَتْهُ الشياطين فأخرجته عن فطرته، وإلَّا مَن كان جاهلا باللغة العربية أيضًا، فلا أحد يتصور هذا التصور أو يقول هذا القول؛ أنها معية حلول وأن الله سبحانه وتعالى معنا في المكان إلا من جهل الله عز وجل ولم يقدره حقَّ قدره، وكذلك أيضًا جهل المعنى في اللغة العربية، أرجو تنتبهوا لهذا الأمر؛ لأنه أمر مهم، فالذين فهموا هذا الفهم هم الجهمية والمراد قدماؤهم؛ لأن متأخري الجهمية تركوا هذا المسلك وسلكوا مسلك التعطيل المحض؛ حيث قالوا: إن الله تعالى ليس داخلَ العالم ولا خارج العالم، ولا متصل ولا منفصل.. إلى آخر ما تقدَّم لنا في العقيدة، لكنّ متقدِّميهم كانوا يقولون بالحلول. ومن الغرائب أو من العجائبِ والعجائب جمَّةٌ أن هؤلاء القوم يقولون: إن الله معنا في الأرض -والعياذ بالله- وينكرون أن يكون في السماء، ينكرون أن يكون في السماء، فانقلبوا بعقولهم رأسا على عقب، ثم جاء قوم تكيّسوا فتكايسوا، فقالوا: إننا نقول: إن الله معنا في الأرض، وهو على عرشه في السماء؛ يريدون بزعمهم الجمع بين النصوص، ولكنهم في الحقيقة تكايسوا ونُكسوا على رؤوسهم؛ لأن هذا ليس جمعا بين النصوص، بل هذا في الحقيقة إبطال للنصوص، فكيف يكون الله عز وجل فوق عرشه بذاته وفي الأرض بذاته؟! هذا ممكن؟ غير ممكن أبدًا، إلا أن يكون -العياذ بالله- بتعدد الخالق.