تفسير سورة البقرة - ٣٢
درس صوتي · ٩٣:٠٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ولا يمكن أن يحل في الأرض، وهذا قول تبطله الأدلة السمعية والعقلية والفطرية، القرآن والسنة مملوءان بما هو نص أو ظاهر بأن الله تعالى في السماء، والعقل أيضًا يدل على أن الله تعالى في السماء، يدل على ذلك كما قدمنا من وجهين: الوجه الأول: أن العلو صفة كمال ولَّا صفة نقص؟ الطلبة: صفة كمال.
الشيخ: صفة كمال، فإذا كان صفة كمال لزم أن يكون ثابتًا لله؛ لأن الله تعالى موصوف بالكمال المطلق، كما قال الله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: ٢٧]. الوجه الثاني من الأدلة العقلية على علو الله أن يقال: العلو ما الذي يقابله؟ الطلبة: السفل. الشيخ: السفل، والسفل بلا ريب صفة نقص والله تعالى منزه عن النقص، فوجب ثبوت العلو له، أما الفطرة: فلا تسأل عنها، اذهب إلى عجوز قريبة من الحرم وقل لها: أين الله؟ ماذا تقول؟ الطلبة: في السماء. الشيخ: في السماء، ائتِ للصبيان في مدارسهم قل لهم: أين الله؟ يقولون: في السماء، اسأل أي إنسان خائف أو داعي: أين يرتفع قلبه؟ الطلبة: إلى السماء. الشيخ: إلى السماء، اسأل المسلمين جميعًا وهم يقولون في سجودهم: سبحان ربي الأعلى أين يجدون قلوبهم ترتفع؟ الطلبة: إلى العلو. الشيخ: إلى العلو، ما فيها إشكال، إذن فالفطرة دالة على ثبوت علو الله عز وجل. إجماع المسلمين ما عدا أهل التعطيل على أن الله في السماء، هذا أمر واضح، على هذا يكون من زعم أن معية الله للخلق معية حلول واختلاط فإن قوله يبطل بهذه الأدلة، كل دليل يدل على العلو فإنه يدل على بطلان القول بمعية الحلول والاختلاط واضح؟ فعلى هذا تكون معية الله تعالى لخلقه معية تليق بجلاله وهو سبحانه وتعالى فوق عرشه؛ لأن الله تعالى جمع بينهما في آية واحدة هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد: ٤]. وكل شيئين جمع الله بينهما فإنهما لا يمكن أن يتناقضا. قلنا: إن الذي يقول بمعية الحلول والاختلاط مخالف للأدلة الشرعية المثبتة لعلو الله، كذلك أيضًا هو لا يعرف اللغة العربية؛ لأن اللغة العربية هل تقتضي حقيقة المعية فيها أن يكون الشيء مخالطًا للشيء، أو حالًّا معه في مكان مجتمعًا معه في مكانه؟ لا، ليس كذلك، الإنسان مثلًا يقول: زوجتي معي وهي في البيت وهو في المسجد أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: وهذا حقيقة، هذه معية حقيقية مع أنها في مكان وهو في مكان، كذلك أيضًا الضابط أو القائد يقول للجنود: اذهبوا إلى المعركة فأنا معكم، حقيقة ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: هو حقيقة، تطلق هذه الكلمة حقيقة مع تباين المكانين ولَّا لا؟ الصبيان الآن يتداركون ويتزاعلون، يجي واحد ولد الجيران يقول: تعال، أنت معي ولا معه؟ أنت معي ولا معه صح ولَّا لا؟
الطلبة: نعم. الشيخ: حقيقة مع أن كل واحد بيذهب إلى بيته، فالمعية في اللغة العربية لا تقتضي حقيقتها، قصدي لا تستلزم وهو لا تقتضي، لا تستلزم حقيقتها الحلول والاختلاط بين الشيئين. وأقول: لا تستلزم، ولا أقول لا تقتضي؛ لأنها قد تقتضي ذلك، كما لو قيل مثلًا: الماء قدم لي لبنا مع ماء؛ أي مخلوطًا به، وكما يقال: الروح مع البدن؛ أي مختلطة به، وهذا نعم قد تقتضيه، لكنها لا توجبه اللغة العربية، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية : وليس معنى قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد: ٤] أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة العربية، قال: لا توجبه، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان. فالمهم يا جماعة لا تظنوا أن القرآن يناقض بعضه بعضًا. الطلبة: حاشاه. الشيخ: وأنه إذا ثبت أن الله معنا فإنه ينافي أن يكون الله في السماء، فإن هذا غير ممكن، بل نقول: إن القرآن يصدق بعضه بعضًا، ويثبت بعضه بعضًا، ولكن من الناس- من نسأل الله لنا ولكم السلامة- من في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه لأجل فتنة الناس؛ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وتعطيله عما أراد الله.
طالب: شيخ، من قال منهم أن المعية تخصيص ما في التعميم أول شيء؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: إذا خصصنا قلنا: المعية العامة معية حقيقية على معية الله عز وجل، وقلنا: المعية خاصة، هناك معية خاصة هل يناقض التخصيص التعميم؟
الشيخ: لا ما يناقضه، يعني المعية الخاصة يجب أن تؤمن بأنها مجتمعة مع المعية العامة؛ بمعنى إذا قيل إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٣] إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨] فليس معناها أنها معية خاصة مجردة عن المعية العاملة فإنه سبحانه وتعالى مع هؤلاء أيضًا بالعلم والإحاطة والمعنى العام. طالب: يا شيخ، ومن قال منهم تأول المسألة هذه يعني قال إنه في كل مكان مع أنه على عرشه وقال: إذا كان ينزل إلى سماء الدنيا وهو على عرشه سجانه وتعالى فقد يخلو توقيفه في هذا ما يقال يخلو منه العرش ولا يخلو، لكن إذا كان ينزل إلى السماء الدنيا، فلا يمانع أن الله ليس كمثله شيء؟ الشيخ: لا، لا، هذا ما يمكن، هذا ما يمكن، لا ما يمكن، حتى النزول إلى السماء الدنيا ما يجوز أن نقول: إن السماء الثانية تكون فوقها ما يجوز نقول هكذا. طالب: نقول على قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. الشيخ: لا لا، ما يكفي؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: لا يجوز أن نعتمد في إثبات الصفات على نفي المشابهة والمماثلة؛ لأن المعاني اللي هي في نفسها مناقضة لكمال الله ما تُثبت، ولو قلنا على وجه لا يشبه صفات المخلوقين، فهذه مسألة ينبغي التنبه لها؛ يعني ليس كل شيء نثبته لله ونقول: ليس على ما يشبه صفات المخلوقين، إذا كان نقصًا فهو منفي عن الله عز وجل مطلقًا. لو قال قائل مثلًا: أنا بأثبت أن الله سبحانه وتعالى يتعب لا كتعب المخلوقين مثلًا أيش نقول؟ الطلبة: هذا خطأ. الشيخ: نقول: هذا خطأ، فكل صفات النقص ما يجوز إثباتها لله مطلقًا، ثم صفات الكمال التي أثبتها الله لنفسه هي التي نقول فيها: على وجه لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأنه ما يكفي في نفي النقائص عن الله أن نثبت له النقص ثم نقول: لا تشبه هذا ممنوع، ومسألة خلو العرش منه إذا نزل إلى سماء الدنيا أو عدم خلوه يقول شيخ الإسلام: إن الأرجح عدم الخلو العرش منه؛ لأن العلو ثابت صفة من الصفات الذاتية. وقال بعض العلماء: إن الذي ينبغي لنا أن نسكت؛ يعني المسألة فيها ثلاثة؛ أقوال: قول أنه يخلو العرش منه وينزل إلى السماء الدنيا وعلى أي كيفية ما ندري كيف ينزل، المهم أنه سبحانه وتعالى يقرب من عباده بهذا النزول. والقول الثاني: يقولون: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش، والله على كل شيء قدير، ولا ندري كيفيته. والقول الثالث: التوقف، التوقف عن هذا، نُعرض عن هذا كله بألسنتنا وقلوبنا، ونقول: إن الله ينزل وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم ما أوردوا على النبي عليه الصلاة والسلام هذا السؤال: هل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟ فما دام ما أوردوه فإنه ينبغي أن لا نورده نحن عن أنفسنا ولا عن غيرنا، وهذا قول فيه سلامة، ولكن شيخ الإسلام يقول: إن الأكثر على أنه لا يخلو منه العرش؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء. قال: اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦] اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٣]. وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ [البقرة: ١٥٤] (لا) ناهية، وتقولوا: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل.
لِمَنْ يُقْتَلُأي فيمن يقتل؛ لأن المقتول ما يقال له شيء، قد قتل، لكن المعنى فيمن يقتل في سبيل الله. كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٥١].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بإرسال الرسول. أنا أعتبر اللي يأتي بس يحضر أعتبره مستمعًا وليس طالبًا، ولهذا ما يشعر بأنه جاء يتلقى تلقيًا كاملًا، فأن أحب أن الإنسان يحرص لما كنا في الطلب، الإنسان منا ما يأتي إلا بكتاب؛ إما نشتريه ولَّا نستعيره، المهم ما يأتي الواحد مثلًا بيديه فقط ونحن لسنا على مستوى اللي عليه الأولون؛ يحضر واحد ويُلقي قصيدة مئة بيت وينصرف والناس كلهم حفظوها، ما نحن على مستوى هذا حتى نقول: نكتفي بأن الواحد يأتي بيديه فقط، فأنا أرجو من الإنسان اللي بينتظم إن شاء الله إنه يحرص يدور الكتب التي نحن نقرؤها، يدورها ويحضرها. قال الله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ. أقول: يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله علينا بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم. كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْلأن هذه الآية متعلقة بقوله: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٥٠]. فإن هذا من تمام النعمة. ومنها: أن كون الرسول منا فيه زيادة فائدة؛ لأنه أقرب إلى التصديق مما لو كان أجنبيًّا، ولهذا ما بعث الله نبيًّا إلا في قومه إلا رجلًا واحدًا فقط بعثه الله في قومه وفي غير قومه، وهو؟ الطلبة: محمد عليه الصلاة والسلام. الشيخ: لا، محمد على عموم الناس، كل الناس قومه. طالب: شعيب. الشيخ: شعيب، شعيب أرسل إلى قومه وإلى أصحاب الأيكة. طالب: ما هم واحد يا شيخ؟ أصحاب الأيكة ما هم واحد؟ الشيخ: لا، قبيلتين.
من فوائد الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصر في البلاغة، وأنه بلغ جميع ما أوحي إليه لقوله يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا [البقرة: ١٥١] فإن هذا يدل على أن جميع الآيات التي أوحاها الله إليه قد تلاها. ومنها: أن من فوائد رسالة النبي عليه الصلاة والسلام حصول العلم؛ لأن هذه الآيات كلها علم لقوله: يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا [البقرة: ١٥١]. ومن فوائدها أيضًا: أن الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام كلها تزكية للأمة وتنمية لأخلاقها ودعوة للأخلاق الفاضلة، ولهذا كان من القواعد المقررة في الشريعة أنها تأتي بالمصالح الخالصة أو الراجحة، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ أو الراجحة. الشريعة تأتي بالمصالح الخالصة اللي ما فيها مفاسد إطلاقًا، أو الراجحة فيما إذا اشتمل الفعل على مصلحة ومفسدة لكن مصلحته أرجح، وتنهى عن المفاسد الخالصة وأيش بعد؟ الطلبة: أو الراجحة. الشيخ: أو الراجحة، الخمر فيه مصالح ومفاسد، لكن مفاسده راجحة فلذلك حُرِّم، فلهذا حرم، الحجر على السفيه فيه مصالح وفيه مفاسد لكن مصالحه راجحة، فلذلك قُدم، قدمت المصالح، أو مصالح خالصة ما فيها مفاسد كعبادة الله مثلًا، هذه قاعدة الشريعة، ولهذا قال: وَيُزَكِّيكُمْ. ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به لقوله: وَيُزَكِّيكُمْ. ومن فوائدها: أن من وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ومهمته التي جاء بها أنه يعلمنا الكتاب والحكمة، الكتاب هو القرآن، والحكمة قيل: إنها السنة، وقيل: ما تتضمنه الشريعة من الأسرار والحكم. ومن فوائد الآية: الرد على أهل التأويل وأهل التجهيل. وأيش معنى التجهيل؟
الطالب: أهل التأويل اللي يؤولون. الشيخ: إي نعم، اللي يؤولون آيات الصفات؛ لأننا نقول لهم: لو كان هذا التأويل من العلم لأيش؟ الطلبة: لعلمنا إياه النبي. الشيخ: لعلمنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلى أهل التجهيل، الرد على أهل التجهيل، مَن هم أهل التجهيل؟ أهل التجهيل: طائفة يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات وأحاديثه، ما يدرون أيش معناها، حتى النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري أيش معناها، يسمون هؤلاء أهل التجهيل، يقولون مثلًا: النبي عليه الصلاة والسلام ما يدري وأيش معنى قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]، لو تسأل النبي صلى الله عليه وسلم وأيش معناه؟ قال: ما أدري، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ» ولو سألته ما معنى ينزل لقال: لا أدري، هؤلاء يسمون أهل التجهيل. الطالب: هم يزعمون هذا هو العلم؟ الشيخ: إيه، يقولون: هذا هو العلم، أن تقول عما لا تعلم: لا أعلم. هذه الآية ترد على طائفتين جميعًا؛ لأنه قال: يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ. ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام علم الأمة لفظ القرآن ومعناه، وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل: ٤٤] في القرآن؟ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَوأيش بعد الآية؟
الطلبة: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ. الشيخ: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَالرسول صلى الله عليه وسلم كما بين لكم القرآن ولم يكتم منه حرفًا واحدًا فقد بيَّن معناه، ولهذا إذا استشكل الصحابة شيئًا من المعنى سألوه فعلمهم، ولكن الغالب أنهم ما يستشكلون؛ لأنه نزل بلغتهم وفي عصرهم، يعرفون معناه ومغزاه وأسبابه فلا يُشكل عليهم. إذن النبي عليه الصلاة والسلام يستفاد من هذه الآية: أنه علمهم لفظ القرآن ومعنى القرآن.
ومن فوائد الآية: اشتمال الشريعة على الحكمة، من أين تؤخذ؟ الطالب: وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. الشيخ: أي الكلمتين؟ الطالب: الحكمة. الشيخ: الحكمة، فالشريعة متضمنة للحكمة تضمنًا كاملًا، فما من شيء في مأموراتها ومنهياتها إلا وهو مشتمل على الحكمة، لكن يرد علينا سؤال: هل الحكمة معلومة لنا؟ طالب: قد تكون معلومة. الشيخ: قد تكون معلومة وهو الأكثر، وقد تكون مجهولة، لكن هنا حكمة لازمة لكل حكم، وهو طاعة الله ورسوله، فإن هذه حكمة، هذه أعظم الحكم وهي ثابتة فيما نعقل حكمته وفيما لا نعقلها، ولهذا لما قالت عمرة لعائشة رضي الله عنها: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ فبينت الحكمة من ذلك وهو طاعة الله ورسوله، وهذه حكمة لازمة في كل حكم سواء عُقل معناه أم لم يعقل، واضح؟ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. ومن فوائد الآية: أن الأصل في الإنسان الجهل لقوله: وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَفالأصل في الإنسان الجهل، قال الله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢] وقال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨] لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًاثم قال: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ [النحل: ٧٨] فبين طرق العلم السمع وَالْأَبْصَارَوبهما الإدراك، وَالْأَفْئِدَةَوبها الوعي والحفظ. وقوله: يُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَإذا قال قائل: اضربوا لنا مثلًا وأيش نقول؟ الطالب: الصلاة.
الشيخ: نعم، كل الشريعة مثال، هل نحن نعرف كيف نصلي؟ الطالب: لا. الشيخ: إلا بتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم، ما يعرف الإنسان كيف يتوضأ، ما يعرف ما الواجب في أموالهم من الزكاة، ولا يعرف من تُصرف إليهم الزكاة، هذه أحكام شرعية ما نعرفها، وفيه أحكام قدرية ما نعرفها أيضًا، علّمنا إياها الرسول صلى الله عليه وسلم، هل نحن نعلم أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ طالب: ما علمنا إلا بعلم. الشيخ: إلا بعلم الرسول عليه الصلاة والسلام، هل نعلم أنا خلقنا من آدم وآدم من تراب؟ ما نعلم إلا بما علمنا الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن الواحد منا يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك إلى آخره؟ إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام. إذن فعلومنا الكونية والشرعية من أين هي متلقاة؟ من الرسول عليه الصلاة والسلام. هل نعلم أن أسباب نزول المطر أن الله يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفًا، ويأمره فينزل المطر إلا بتعليم الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ومن هنا نعرف أن العلم الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من علوم الكون النافعة سابق على علم أولئك الذين يفتخرون بعلومهم، فالعلوم النافعة الكونية والشرعية أصولها جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام، صحيح أن بعض تفصيلاتها ما جاء بها؛ لأنكم تعلمون أنه قد تصدى له قوم في عهده يردون دعوته، فإذا جاء بما لا تدركه عقولهم من أمور الكون فقد يجعلون من ذلك ذريعة إلى التشهير به وتكذيبه كما فعلوا في قصة الإسراء والمعراج. والحاصل يا إخواننا أن قوله: وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَعام، علمنا ما لم نكن نعلم من أمور الكون وأمور الشرع. ومن نعمة الله عز وجل أن أمور الكون جعلها الله سبحانه وتعالى، ذكر أصولها، لكن جعل تفاصيلها موكولة إلى التجارب، وأيش لأجله؟ لأجل يدركها الإنسان بعقله، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم فصَّل جميع ما في العقاقير من مضادات حيوية وغير حيوية وما أشبه ذلك كم يصير القرآن من مجلد؟ الطلبة: يصير مجلدات. الشيخ: مجلدات عظيمة لا يستطاع حفظه، وتمل تلاوته، ويشق على الناس التزامه، لكن جعل هذه الأمور لها أصولًا ثم جعل فروعها، الأمور الكونية خاصة، الأمور الشرعية إلى الله ورسوله وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠] لكن الأمور الكونية وُكلت للإنسان، ذُكرت الأصول والتوجيهات العامة، ثم قيل للإنسان: اعمل، هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك: ١٥]. وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]. فتحت لنا الأبواب وعلينا أن نعمل. والحاصل أن قوله: وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَعام، وأنا لو أورد عليَّ إنسان وقال: طيب وأيش يدرينا الآن على علم الكيمياء هو موجود بالقرآن؟ نعم، نقول: الأصول موجودة، لكن التفاصيل موكولة إلى تجارب الناس؛ لأن هذا الحكمة تقتضيه. ثم قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: ١٥٢]. يستفاد من هذه الآية: وجوب ذكر الله، من أين نأخذها؟
طالب: من الأمر. الشيخ: من الأمر، نعم ووجوب ذكر الله، مطلق الذِّكر واجب، يجب على كل إنسان أن يذكر ربه، بل كل مجلس يجلسه الإنسان ولا يذكر الله يكون عليه تِرة خسارة وحسرة يوم القيامة، فأنت مأمور بذكر الله، لكن ذكر الله ينقسم إلى فريضة من فرائض الإسلام، وإلى واجب ومن واجباته، وإلى سنة من سننه بحسب ما تقتضيه الشريعة التفصيلية، إنما مطلق الذكر وأيش حكمه؟ طالب: واجب. الشيخ: واجب فَاذْكُرُونِي.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن من ذكر الله ذكره الله، من أين تؤخذ؟ الطلبة: أَذْكُرْكُمْ. الشيخ: أَذْكُرْكُمْلأن أَذْكُرْكُمْجواب الأمر، جواب الأمر، ولهذا جُزمت، أَذْكُرْكُمْ، فهمتم؟ ويستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله للعبد كذكر العبد لله، أي أنه إذا ذكر الإنسان ربه في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منهم، من أين نأخذها؟ الطلبة: من الحديث. الشيخ: لا، ما هو من الحديث من الآية. طالب: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. الشيخ: وأيش وجهه أنه إن ذكره في ملأ ذكره في ملأ خير منه، وإن ذكره في نفسه ذكره في نفسه؟ الطالب: الحديث؟ الشيخ: لا ما نبغي الحديث، نبغي من الآية؟ الطالب: لأن ذكر الله للعبد أعظم من ذكر العبد لله. الشيخ: لا. طالب: لأنه قال: أَذْكُرْكُمْولم يفصل. طالب: شيخ؛ لأنه قال: أَذْكُرْكُمْوأذكركم جزاء، والجزاء موافق للعمل. الشيخ: صح؛ لأن أَذْكُرْكُمْجواب لقوله: اذْكُرُونِيوجزاء، والجزاء مرتب على العمل يكون من جنسه، فإذا كان الله عز وجل جعل العقوبة بقدر الذنب فالمثوبة أيضًا بقدر العمل، فوجه الدلالة؛ أنه جعل قوله: أَذْكُرْكُمْجوابًا على قوله: اذْكُرُونِي، والجواب والجزاء يقتضي أن يكونا متساويين، بمعنى أن هذا على وصف هذا. ومن فوائد الآية: فضيلة الذكر، هذه الفائدة الثالثة أظن؟ فضيلة الذكر؛ لأن به يحصل ذكر الله للعبد، وذكر الله للعبد هذا أمر يعني له شأن كبير، شأن عظيم ولَّا لا؟ الطلبة: إي نعم. الشيخ: نضرب مثل: هذا إنسان قدم عليه رجل من السفر ولما سلم عليه قال: والله الملك يسأل عنك، وأيش يصير هذا الذي قيل له: الملك يسأل عنك؟ وأيش يصير؟ يفرح؟ الطلبة: أكيد. الشيخ: ما شاء الله (...) يفرح، أنا أنا يذكرني الملك؟! عاد ملك الملوك إذا ذكرك وأيش يكون المنزلة؟ أعظم وأعظم ما يخطر بالبال، ولهذا تكلمنا قبل يعني مرارًا أنه ليس الشأن بأن تذكر الله أو بأن تحب الله، ولكن الشأن أن يذكرك الله، اللهم اذكرنا فيمن عندك.
الشأن أن يذكرك الله عز وجل، وأن يحبك الله، ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] فجعل الجواب ما قال اتبعوني تصدقوا في دعواكم قال: يُحْبِبْكُمُ اللَّهُيعني تناله أن الله يحبكم.
ومن فوائد الآية: وجوب الشكر لقوله: وَاشْكُرُوا لِيوبالمقابل تحريم الكفر، كفر النعمة بأن تُصرف في غير وجهها، فيستعان بها على معصية الله، أو تُمتهن وتذل، ولا تستعمل فيما خلقت له، ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كان يسوق بقرة، نسيت هل هو راكبها أو غير راكبها، المهم أنها التفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنا لم نخلق لهذا ، فالنعمة إذا صرفت في غير ما خُلقت له فهو نوع من الكفر، خلق الله لنا الطعام لنأكله، فإذا ألقيناه في المزابل كأننا قلنا: ما نبغي فضل الله، في غنى عنه، نسأل الله العافية، فالنعمة إذن شكرها أن تصرف في طاعة المنعِم وفيما أنعم به، وفي الجهة التي أنعم الله بها علينا من أجلها. وقوله: وَلَا تَكْفُرُونِيستفاد منه تحريم كفر النعمة لقوله: وَلَا تَكْفُرُونِ. وعندي إشكال من الناحية الإعرابية لأننا ما تكلمنا وقت التفسير، وهي أنه كيف كسرت نون الأفعال الخمسة مع أن نون الأفعال الخمسة مفتوحة، كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١١، ١٢] وهنا قال: وَلَا تَكْفُرُونِ؟
طالب: الياء محذوفة (...). الشيخ: لا ما هي موجودة يا أخي. طالب: الياء الياء. طالب آخر: (...) أصلها (...) الوقاية. الشيخ: أصلها أيش؟ الطالب: لا تكفروني. الشيخ: طيب هذه تكفرونِ. طالب: حذفت الياء في تكفرون. طالب: نون وقاية وليست نون الرفع.
الشيخ: إيه، بس ما ترون؟ طالب: هذه نون الوقاية (...). الشيخ: إي، هذه نون الوقاية، النون هذه للوقاية وليست نون الفعل؛ يعني نون الرفع، وأصلها لو لم تكن مجزومة، هي جُزمت وحذفت النون للجزم، لو لم تُجزم لكانت تكفرونني، نعم ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: تكفرونني لما جُزمت حذفت النون فصارت تكفروني، وأين الياء؟ الطالب: حُذفت لتوالي. طالب: حذفت للترخيم. الشيخ: حذفت لا للترخيم بل للتخفيف، حذفت للتخفيف، الترخيم في الندا فقط. إذن الفعل هنا مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون، والنون الموجودة للوقاية، والياء ياء المتكلم محذوفة للتخفيف. من فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص، من أين تؤخذ؟ من قوله: لِيوَاشْكُرُوا لِييعني مخلصين لله عز وجل؛ لأن الشكر طاعة، والطاعة لا بد فيها من الإخلاص فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]. طالب: في الآية تقرر أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه؟ الشيخ: إي نعم، فيها أن القرآن كلام الله؛ لأنه أضافه إلى نفسه إي نعم. وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٣]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِفي هذا دليل على فضيلة الإيمان، وأنه من أشرف أوصاف الإنسان، من أين يؤخذ؟ من قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواولا شك أن الإيمان من أفضل أوصاف الإنسان، وكذلك عبودية الله عز وجل- ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين- من أشرف أوصاف الإنسان، ولهذا يقول الشاعر في معشوقته يقول:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا
فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي
يقول: لا تقولي: يا محمد، يا علي، يا خالد، تقولي: يا عبد فلانة؛ فإنه أشرف أسمائي. ولهذا وصف الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف المقامات عند الرسالة، وعند التحدي، وعند النصرة؛ المهم المقامات الشريفة. ومن فوائد الآية: الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة لقوله اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة: ١٥٣]. ومن فوائد الآية: بيان آثار الصلاة الحميدة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين على الأمور. ومن فوائد الآية: جواز الاستعانة بغير الله فيما يكون عونًا فيه لقوله: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِفاستعانة العبادة لله عز وجل والاستعانة بما يكون سببًا للعون، سببًا صحيحًا للعون هي جائزة أيضًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ» .
ومنها أيضًا من فوائد الآية: أن الاستعانة بالصلاة من مقتضيات الإيمان لقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوافإن توجيه الخطاب للمؤمنين يدل على أن هذا من مقتضى الإيمان، مثل أن تقول: يا رجل انتبه؛ المعنى أن من صفات الرجولة، أو من مقتضيات الرجولة الانتباه، وتقول: يا كريم، أعطِ المسكين، ومن مقتضى الكرم إعطاء المساكين، فمن مقتضى الإيمان أن الإنسان إذا حصل عليه ضيق أن يستعين بالصلاة. ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر أوْ لا؟ لأنه يعين على الأمور، والصبر ثقيل على النفس ثقيل جدًّا؛ لأنه مثلًا تجد الإنسان إذا أصابه شيء أو ضيق وده بس يتحرك، لكن عندما يطمئن نفسه يصبرها يصبر والعاقبة للمتقين، ولهذا قال تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩] ما قال فاشكر مع إن هذا علم، تلاه الله عليه لكن قال: فَاصْبِرْلأيش قال فاصبر وهو علم يستحق الشكر؟ هذا إشارة إلى إن هذا الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى صبر وتحمل؛ لأنه سيجد من ينازعه ويضاده، ونظيرها قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [الإنسان: ٢٣] بعدها فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [الإنسان: ٢٣] فستجد معارضة وممانعة عظيمة، ولكن لا تطع آثمًا ولا كفورًا، واضح يا جماعة؟
إذن الصبر شاق على النفوس لكن يجب على الإنسان يصبر لو قالت له نفسه الأمارة بالسوء والعجلة: افعل تخلص، لا اصبر، ولهذا من لم يفق للصبر فاته خير كثير، والذي يصبر أيضًا غالبًا ينتظر الفرج، الغالب أن اللي يصبر ولا سيما بإخلاص وحسن نية فإنه ينتظر الفرج، وانتظار الفرج عبادة وباب للفرج لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ» ، مثلًا رجل أُصيب بحادث في ماله، تعب تعبًا عظيمًا نفسيًّا، لكنه صبر ينتظر الفرج، وما أسرع الفرج! إنسان مثلًا آذاه شخص آذاه؛ إما بماله، أو بعرضه، أو بأهله، المهم أنه آذاه فتجده يصبر ويتحمل وينتظر الفرج فيحصل له، واضح؟ فإذن الصبر من أكبر الأسباب على العون على الأمور الشاقة ولهذا يقولون: إن الصبر مفتاح الفرج، والنبي عليه الصلاة والسلام ما جعله مفتاح الفرج، جعل الكرب مفتاح الفرج، ولكن جعل الصبر مفتاح النصر، وهو أعظم من الفرج؛ لأن الفرج زوال مكروه فقط، لكن النصر حصول مطلوب؛ وهو أعلى لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ» أعظم من قول بعضهم: الصبر مفتاح الفرج. إذن الصبر واجب ولَّا لا؟ نقول: الاستعانة به على الأمور أرشد الله إليها. وهو واجب في دفع المصائب، يجب أن تصبر على المصائب، وقد سبق لنا أن مقام الإنسان عند المصائب له مقامات كم؟ كم مقامات الإنسان عند المصائب؟ الطلبة: ثلاثة. الشيخ: أو أربع؟ أربع ابدؤوا باللي تعرفونه الأول؟ طالب: الصبر على طاعة الله. الشيخ: لا لا، هذه مواضع الصبر، لكن مقامات الإنسان عند المصائب عند المصيبة خاصة له مقامات أربعة: جزَع، وصبر، ورضا، وشكر، هذه مقامات الإنسان عند المصائب، كل إنسان يُصاب بمصيبة لا بد أن يحصله أحد المقامات الأربعة؛ إما جزع وتسخط، وإما صبر، وهو واجب، وإما رضا؛ وهو على القول الراجح مستحب وليس بواجب، وإما شكر وهو أعلى من الرضا وهو مستحب وليس بواجب بالاتفاق، فالجزع حرام، والصبر واجب بالاتفاق، والرضا واجب على قول ومستحب على القول الراجح، والشكر مستحب بالاتفاق فيما أعلم (...).
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨] أيش المراد بالمعية هنا؟ الطلبة: الطمأنة. الشيخ: التهديد؛ يعنى معناه أنها مقتضية للتهديد؛ فهو شيء فوق الإحاطة؛ التهديد شيء فوق الإحاطة كما أن التأييد والنصر فوق الإحاطة؛ لأن الإحاطة ثابتة في الجميع. وقوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤] هذه معية الإحاطة والعلم والقدرة والسلطان وغير ذلك من معاني ربوبيته. وقوله إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٣]، مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٩٤]، مَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] وما أشبهها؛ هذه معية خاصة، والمعية الخاصة أيضًا قسمان: معية مضافة إلى شخص، ومعية مضافة إلى وصف؛ المعية المضافة إلى شخص كقوله تعالى: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]، وقوله لموسى وهارون: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]. وبإجماع السلف أن المعية بأقسامها لا تقتضي أن يكون الله تعالى في الأرض، بل هي معية تقتضي العلم والإحاطة أو النصر والتأييد أو التهديد كما سبق، لكن مع كون الله عز وجل في السماء على عرشه. وما زعم أحد أنها تقتضي أن يكون في الأرض إلا رجل جاهل بالله وجاهل باللغة العربية. أما جهله بالله فلأنه فهم من هذه الآية الكريمة ما يقتضي الكفر، ومحال أن يكون كلام الله عز وجل دالًّا على الكفر، وأيضًا إذا قال: إن الله في الأرض؛ لأن الذين قالوا: إن الله في الأرض، وفهموا منه هذا الفهم انقسموا إلى قسمين: الجهمية قالوا: إنه في الأرض وليس في السماء، أنكروا علوه، وهذا من الدليل على ارتكاسهم والعياذ بالله؛ حيث أقروا بما ينكره العقل، وأنكروا ما يقتضيه العقل، اقتضاء العقل لكون الله تعالى في الأرض أو كونه في السماء؟ أيهما أقوى؟ الطلبة: في السماء. الشيخ: كونه في السماء، وهم إذا قالوا: نأخذ بظاهر الآيتين، نقول: ظاهر الآية وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد: ٤] ليس كما زعمتم أنه في الأرض، فإنها أضيفت المعية إلى من؟ إلى الله فتقتضي أن تكون معية خاصة به تليق به. ثانيًا: جهلهم باللغة العربية: هل اللغة العربية تقتضي أن المعية معناها المجامعة والمشاركة في المكان؟ طالب: (...). الشيخ: لا، قصدي هي ما تستلزم ذلك، هي قد تقتضي، لكن لا تستلزم ذلك، ولهذا نقول: مثلًا هذا الرجل معه زوجته وهو في مكتبه وهي في بيتها، ويصح، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه في غزة تبوك: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ». قَالُوا: وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» . فهذا دليل على أن المعية في اللغة العربية لا تقتضي المجامعة والمشاركة في المكان، قصدي لا تستلزم ذلك فلما لم تستلزمه، وعُلم أن هذا المعنى باطل بالنسبة إلى الله تعين أن يكون معنى قوله: وَهُوَ مَعَكُمْأنه محيط بنا وهو في السماء على العرش، ولا عاقل يفهم حتى العجوز في خدر بيتها ما تفهم هذا الفهم الذي فهمه هؤلاء الجهمية. وتحذلقت طائفة من الحلولية وقالوا: نحن نأخذ بظاهر القرآن في الموضوعين ونقول: إن الله معنا في الأرض وهو على عرشه في السماء، وهل هذا ممكن؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، غير ممكن؛ لأننا لو قلنا: إن ظاهر الآية وَهُوَ مَعَكُمْفي الأرض أن يكون معنا في الأرض لكان إما متعددًا وإما متجزئًا، وكلاهما باطل، فتعين أن يكون إما في الأرض، وإما في السماء فالتزمت الجهمية الضالة أن يكون في الأرض دون السماء، ولكن أهل السنة والجماعة التزموا ما دل عليه السمع والعقل والفطرة بأن الله تعالى في السماء، وأن معنى المعية التي أضافها إلى نفسه معنى يختص به ولا يقتضي المجامعة في المكان بأي حال من الأحوال. وأنه درجة ينبغي للإنسان ملازمتها لقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٣] فإن الإنسان إذا علم أن الله معه لا شك أنه سوف ينشط على هذا المقام ويحرص عليه، ليس كما إذا لم يعلم بذلك، إذا علمت أن الله معك لا شك أنك سوف تبقى على هذه المرتبة وتحرص عليها، وكون الإنسان يكون الله تعالى معه مسددًا له ومؤيدًا له ومصبرًا له لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ الآن الصبيان بعضهم مع بعض إذا واحد غاضَب الثاني ثم رأوا ثالثًا يقول الواحد منهما: أنت معي ولا معه؟ إذا قال: أنا معك؛ يفرح. ولهذا لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى قوم يتناضلون قال: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ» وأيش سوَّى مع الجماعة الآخرين قالوا: يا رسول الله، إذا كنت معهم خلاص ما نناضلهم. فقال: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» عليه الصلاة والسلام، فإذا علم الإنسان الصابر أن الله معه يسدده ويؤيده ويصبِّره علم أنه سيفتح له باب النصر وأنه سوف يزيل عنه هذا الأمر الذي اقتضى أن يتحمل الصبر وقد قيل: الصبر مثل اسمه. الطالب: مُرّ مذاقته. الشيخ: مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل. فاصبر وستجد.
الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِه ِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ
لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
مثل اسمه وأيش هو اسمه؟ الطلبة: صبر. الشيخ: لا، اسم الصبر، الصبر الطبيعي فيه شيء يُسمى صبر (...).
تفسير الآيات (١٥٤-١٥٧)
٠٠:٥٥:٢٦
(لا) هذه نافية وَلَا تَقُولُواناهية، ولهذا جزمت الفعل والدليل على جزمه؟
طالب: حذف النون. الشيخ: حذف النون. وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٤] لِمَنْأي فيمن، والنهي هنا عن القول يشمل القول باللسان والقول بالقلب؛ أما القول باللسان بأن يقول: إنهم ماتوا، والقول بالقلب أن يعتقد أنهم ماتوا، فهمتم؟ وقوله: لِمَنْ يُقْتَلُلمن يقتل في سبيل الله، والمقتول في سبيل الله هو الذي قُتل من أجل أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والناس يختلفون في القتال؛ أي في الباعث لهم عليه، منهم من يكون الباعث له عليه الحميَّة على قومه كقتال العرب؛ لأن العرب يقاتلون حمية؛ يصرحون بذلك يقولون: إننا نقاتل للعروبة، وبهذا يبطلون ما يحصل لهم من الشهادة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ولو أنهم قالوا بدلًا من أن نقاتل من أجل العروبة نقاتل من أجل الإسلام وحماية بلاد الإسلام لكانوا يقاتلون في سبيل الله. يقاتل الإنسان شجاعة، أيش معنى شجاعة؟ يعني هو إنسان شجاع يحب القتال، فيقاتل من أجل ذلك، فهل هو في سبيل الله؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، يقاتل ليُرى مكانه ويُعرف أنه بارز شجاع، هذا أيضًا ليس في سبيل الله، ليس في سبيل الله إلا من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فالذي يقتل في سبيل الله؛ أي في طريقه وهو دينه؛ أي من أجل هذا الدين وإعلائه، هذا لا تقولوا أموات. وقوله: أَمْوَاتٌخبر مبتدأ محذوف تقديره؟ طالب: هم. الشيخ: هم أموات.
والنهي هنا قد يقول الإنسان إنه مُشكل، كيف لا نقول أموات وهم ماتوا؟ فنقول: إن المراد هنا لا تقولوا أموات موتًا مطلقًا دون الموت اللي هو مفارقة الروح الجسم فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكانوا باقين يأكلون ويشربون، لكن الموت المطلق لا، بدليل الإضراب الإبطالي في قوله: بَلْ أَحْيَاءٌيعني بل هم أحياء، فأحياء خبر مبتدأ محذوف بَلْ أَحْيَاءٌجمع حي. عِنْدَ رَبِّهِمْبَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران: ١٦٩] عند الله؛ لأنه لو فضلت أرواحهم في أجواف طير خضر.. طالب: وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [البقرة: ١٥٤]. الشيخ: إي بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَولكن أنتم أيها الأحياء في الدنيا لا تشعرون هذه الحياة في الآخرة، نعم نحن لا نشعر، ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها؛ لأنها من عالم الغيب، وعالم الغيب لا يحيط به شعور الحي، ولهذا يجب التوقف في عالم الغيب على ما جاء به الوحي، ما نتقدم ولا نتأخر، لا في هذا الباب ولا في غيره، حتى في أسماء الله وصفاته، وحتى فيما أخبر الله به عن الجنة وعن النار وما أشبه ذلك يجب علينا أن نتوقف لا نتجاوز ولا نقصر. فلو قال قائل: كيف يعذبون في النار أبد الآبدين ويبقون ونحن نرى أن النار تحرق؟ وأيش الجواب؟ نقول: نعم يحرقون، ولكن تبدل أجسادهم. كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء: ٥٦] وتتقطع أمعاؤهم، تتقطع أمعاؤهم وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥] لكن عالم الآخرة ليس كعالم الدنيا. وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَبَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْلكن هنا هل هي عاملة أو لا؟ طالب: غير عاملة. الشيخ: غير عاملة؟ الطالب: لأنها مخففة. الشيخ: لأنها مخففة، وإذا خُففت (لكن) لم تعمل، هل على ذلك شاهد من كلام ابن مالك؟ الطالب: نعم
وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ
....................
الشيخ: إي، إن. الطالب: هذه من أخواتها. الطالب: إي، لكن هذه (لكن). الطالب: وخففت (لكن) فنوي
وَخُفِّفَتْ (كَأَنَّ) أَيْضًا...
....................
طالب: شيخ، هل فيه فرق بين (...)؟ الشيخ: لا فرق بين المهاجم والمدافع. طالب: لكن يعني اللي في سبيل الله بيروح يزور العدو؟ الشيخ: كيف يزور العدو؟ وأيشنو يزور العدو؟ (...). وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ [البقرة: ١٥٥]. هذه عدة أشياء، مصائب أربعة: أولًا: قال: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ، والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، والنون؛ نون التوكيد، والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح ولَّا لا؟ طالب: نعم، مبني على الفتح.
الشيخ: وين آخر الفعل؟ الطالب: الواو. الشيخ: الواو أصلها (نبلوا)، فلما اتصلت بها نون التوكيد فتحت، فتحت على الفتح. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْوهذا قسم من الله عز وجل مؤكد، و(نبلوا) بمعنى نختبر. وقوله: نَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِالخوف هو الذعر وهو شامل للخوف العام والخوف الخاص، الخوف العام كأن تكون البلاد مهددة بعدو، والخوف الخاص كأن يكون الإنسان يُبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه، وهذا حاصل وهذا حاصل أيضًا. وقوله: مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِالجوع ضد الشبع، والجوع له سببان: السبب الأول: قلة الطعام، والسبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام، فهمتم؟ هناك سبب ثالث أيضًا: وهو المرض الذي يتعذر معه الشبع، يكون المال كثيرًا والطعام كثيرًا، لكن يأكل ولا يشبع، هذا أيضًا من البلاء، هذا من البلاء. والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه، بل كل المصائب ما تدرك إلا لمن جربها، أما من لم يجرب فإنه لا يدري، وهو له شأن عظيم وكبير، وإذا أردت أن تعرفه فأنت في الصيام في الأيام الطويلة تجد نفسك إذا جعت متألِّمًا متكلفًا خاويًا مع أنك ترجو أنك تفطر يعني ترجو أو تعلم علم اليقين أن هذا الجوع سيزول كيف هذا الجوع الذي يكون ابتلاءً؟ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِالأموال التي للتجارة كالمكاسب. وَالْأَنْفُسِهل يشمل المواشي وشبهها، أو نقول: إن المواشي أنفس لكنها داخلة في الأموال؟ طالب: داخلة في المال.
الشيخ: داخلة في المال، فيكون الأنفس هنا أنفس الآدميين البشر. وَالثَّمَرَاتِالثمرات هي ثمرات النخيل والأعناب وغيرها، وهذا يقع أيضًا، تأتي الكوارث نسأل الله السلامة والعافية تجترف الأناسي والمواشي والثمار والأموال وتأتي عواصف كذلك، لكنها عند الكثير من الناس ظواهر طبيعية لا تحرك لهم ضميرًا ولا تفزع لهم شعورًا والعياذ بالله، ما يرونها شيئًا يقولون: هذه كوارث طبيعية، وهذه مسألة يعني جارٍ بها العادة، وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ يجب أن نجعل هذه الأشياء من الابتلاء الذي يبتلي الله به العباد، هذا الابتلاء بالنسبة لمن وقع عليه ظاهر جدًّا، وبالنسبة لمن لم يقع عليه وسمع به ظاهر أيضًا؛ لأنه يختبر من لم يصبه هل يتعظ ويعتبر أوْ لا، أليس كذلك؟ لأن المصاب بهذا الشيء ما فيه شك أنه مبتلى، لكن السالم منه مبتلى أيضًا؛ لأنه يجعله عظة وعبرة لقد قال الله تعالى في القرية التي كانت قردة خاسئين، قال: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا [البقرة: ٦٦]. وقال سبحانه وتعالى لما ذكر قصص المكذبين للرسل في قصة يوسف أظن: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]. ثم قال سبحانه وتعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٥]. علِم جل ذكره أن الناس ينقسمون في هذه المصائب التي ابتلوا بها إلى قسمين: صابر، وساخط؛ الساخط هل سخطه يرد القضاء؟ الطلبة: لا. الشيخ: ما يرده، لكن يكون ذلك عليه حسرة، كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨]. قبلها لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران: ١٥٦]. لا ليرفع الأمر الواقع، لكن يكون هذا حسرة في القلب، إذا لم يصبر وسخط صار حسرة في قلبه لا يجدي له شيئًا، ولهذا قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، أو تسلو سلو البهائم؛ لأن الإنسان مهما كان الدنيا تتعاقب وينسي بعضها بعضًا فيسلو، وقدِّر الآن في نفسك، هل نحن ما أصبنا بمصائب؟ أصبنا بمصائب؛ بمصائب في أبداننا، بمصائب في أهلينا، وبمصائب بأموالنا، لكن مع مرور الزمن تُنسى، إذن لا نكتسب أجرًا إذا لم نصبر، لكن إذا صبرنا اكتسبنا أجرًا وما قدره الله سوف يقع. وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٥] من هم الصابرون؟ هم الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، هؤلاء المصابرون في هذا الباب الذين حبسوا أنفسهم عن التسخط من قضاء الله، وقد مر علينا أن مقامات الإنسان عند المصيبة أربعة؛ أربعة مقامات.
الطالب: السخط من كل شيء، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر. الشيخ: نعم أربع مقامات: التسخط، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الشكر، التسخُّط محرم، ولهذا تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن تسخط، قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» الصبر واجب؛ لأن الله تعالى أمر به في آيات كثيرة، والأصل في الأمر ما هو؟ الطلبة: الوجوب. الشيخ: الوجوب، ولأنه لا معنى لعدم التسخط إلا الصبر، أما الرضا فإن في وجوبه لأهل العلم قولين، والصواب أنه سُنة وليس بواجب، وأما الشكر فإنه مستحب بالاتفاق، وهو أعلى من الرضا.
نحتاج الآن إلى الفرق بين الرضا والصبر، الفرق بينهما؟ الطالب: الرضا لما يحب ويكره لما (...). الشيخ: أصلًا لما يحب مو مصيبة اللي يحب كله مصيبة، خلينا نقول: والله يعطينا اللي (...). طالب: الرضا أعم من السخط. الشيخ: يا سلام! ذكرناه ذاك اليوم. طالب: الصبر أن يحبس نفسه ويجاهدها مع الألم. الشيخ: إي، مع الألم والكراهة لما وقع، والرضا؟ الطالب: والرضا أن يرضى بما قدر الله له. الشيخ: ضد الكراهة؛ يعني معناه أنه يكون لا فرق عنده بين ما وقع وما لم يقع كله واحد، فيكون كالميت بين يدي الغاسل، يعني أنه ما يهمه، ماشي مع قضاء الله وقدره، إن أصابه خير شكر، وإن أصابه ضراء صبر ورضي، ولا يكون في نفسه أقل كراهة، وهذه حالة عظيمة متى تحصل للإنسان، ولهذا الذين قالوا بعدم الوجوب وقالوا بالاستحباب قالوا: إنها شاقة على النفوس، والله تعالى يقول: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]. أما الشكر، فكيف يشكر من أُصيب؟ الآن لو أمسك واحد منكم وأضربه إن كان يقدر يضرب نضربه مجازاة، وإن ما يقدر؟ الطالب: يصيح. الشيخ: يصيح!! وهو يكره، وربما يقول: هذا مطوعنا لا بد أن نصبر عليه، لكن كيف بيشكر؟ نقول: يمكن إن الإنسان يصاب بالمصائب من الله عز وجل ويشكر الله عليها من وجهين: يشكر الله أولًا: إنه يعلم أن الله ما فعل ذلك إلا لحكمة، لحكمة قد يكون من صلاح الإنسان لو يستمر في النعم يمكن يطغى ويزداد ويستعلي؛ لأنه بشر كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧]. إذا رأى نفسه أنه مستغنٍ، وأنه ما يحتاج إلى أحد ولا شيء ففي الحال ربما يطغى ويزيد والعياذ بالله. فهو يشكر الله أنه على هذه النعمة؛ لأنها قد تكون تربية له، عرفتم؟ مثل ما يضرب الأب ابنه ليؤدبه. ثانيًا: يشكر الله على أن هذه المصائب مفيدة على كل حال غير إفادة تربية الإنسان ومعرفة نفسه، والرجوع إلى الله، مفيدة لأنك إن صبرت أثبت ثواب الصابرين، وإلا إذا لم ترضَ أو لم تشكر فإنك يُكفَّر بها عنك كما أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام إنه يُكفر بها عن الإنسان، إذن يُشكر الله على هذا الأمر؟ الطلبة: إي نعم. الشيخ: نعم، يشكر الله على هذا الأمر، هذا وجه كون الإنسان يشكر من المصائب. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ١٥٦]. إذا أصابتهم المصيبة وتحقق وقوعها فيهم قَالُوا إِنَّا لِلَّهِاللام تشير؟
طالب: إلى الملك. الشيخ: للملك يعني إنا ملك لله، والمملوك يفعل فيه المالك ما شاء، فإذا كنا ملكًا لله فهو سبحانه وتعالى ربنا يفعل بنا ما شاء، أوجدنا وأمدنا وأعدنا، وإذا شاء منعنا، فله الأمر كله نحن إلى الله، نحن لله، ثم مع ذلك بإقرارهم بالملك بأنهم مملوكون لله يرجون ثوابه، ولهذا يقولون: وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَفنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها، فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: إِنَّا لِلَّهِوبين الإقرار والإيمان بالجزاء، بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَفنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه وبيده، وهذا جمعوا بين عمل القلب والنطق باللسان؛ عمل القلب الصبر، والنطق باللسان يقولون: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وجاءت السنة بزيادة على هذا أيضًا بأن يقول الإنسان: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي» واخْلُف ولَّا وأَخْلف؟
طالب: وأخلف. الشيخ: أخلف «أَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» من الرباعي؛ لأنه من الثلاثي معناه أن الشيء خلف غيره، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» أي كن خليفة له، لكن أخْلِف أي اجعل له خلفًا منه، وهنا نقول: أخلِف لي، يعني اجعل لي خلفًا منها كما قال الله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ [سبأ: ٣٩]؟ الطلبة: يُخلفه، يَخلفه. الشيخ: لا تلحنون، وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، نعم وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَالله يهديكم ما عندكم شجاعة، ما عندكم شجاعة إطلاقًا كيف تنهزمون أمامي وأنتم على صواب؟ طالب: فهو يُخْلِفُهُ.
الشيخ: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُأي يجعل له خلفًا، ما هو بهو نفسه يخلفه ويصير بداله (...) يكون يُخلفه يجعل له خلفًا، فإذا كانت من الرباعي فمعنى (أَخْلف عليه) أي جعل له خلفًا عنه، أما إذا كان من الثلاثي (خَلَفَه) هو نفسه صار خلف، عرفتم؟
طيب هنا «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا» ؟ يعني اجعل لي خلفا خيرًا منها، فإذن نقول: ما أرشد الله إليه، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها؛ إذا قالها الإنسان مؤمنًا محتسبًا آجره الله عز وجل في مصيبته وأخلف له خيرًا منها. والشاهد في هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها كانت تحب ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة، ولما مات وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد حدثها بهذا الحديث، قالت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها ، فكانت تفكر بنفسها تقول: من هو اللي بيصير خلفًا عن أبي سلمة؟ هي مؤمنة بأنه سيوجد خلف خير منه لكن من هو اللي بيصير؟ ما كان يجول في فكرها أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيكون، وسبحان الله من كان خلفًا؟ طالب: رسول الله صلى الله عليه وسلم. الشيخ: النبي عليه الصلاة والسلام، أخلف الله لها خيرًا منه، ودعاء النبي عليه الصلاة والسلام له عند موته رضي الله عنه قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ»، وَأَخْلِفْهُ فِي عَقِبِه، لا غلط، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» . طالب: شيخ، وأَخْلفه؟ الشيخ: لا، «وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» إي، يعني يكون خلفًا. ما الذي حصل؟ خلفه في عقبه أفضل خليفة، مَنْ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وبقية الأدعية نرجو أنها أُجيبت؛ لأن الله عز وجل كريم جواد. طالب: شيخ، الآية هذه الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌهل نقول: إنه من الصبر الواجب أو من الرضا؟
الشيخ: لا، هذا من الصبر الواجب. طيب قوله: إِنَّا لِلَّهِوأين خبر إنَّ؟ طالب: محذوف. الشيخ: وأيش التقدير؟
الطالب: صائرون. الشيخ: إنا صائرون لله؟ الطالب: لا أظن أنها راجعون.
الشيخ: وإنا إليه راجعون الذي بعده؟ الطالب: راجعون الخبر. الشيخ: الخبر راجعون؟ طالب: نعم. طالب: ممكن نقول: الجار (لله) جملة (...) هذا هو الخبر. الشيخ: الخبر وين؟ طالب: فإنا نحن. طالب: الجملة هذه جملة، هذه الجملة جملة.. الشيخ: الجار والمجرور هو الخبر، إِنَّا لِلَّهِهو الخبر، لكن هل إنه هو الخبر نفسه ولا متعلق بمحذوف تقديره كائنًا؟ الطلبة: متعلق. الشيخ: فيها الخلاف على قولين؛ وأما وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَفخبر إن قوله: رَاجِعُونَوإليه متعلقة بـ (راجعون)، وقدمت على راجعون لإفادة الحصر هذا من ناحية المعنوية، ولمناسبة الآي من الناحية اللفظية. طالب: ما يحتاج إلى التقدير؟ الشيخ: أيهم؟ في الأخيرة؟ الطالب: في إنا إليه راجعون. الشيخ: لا ما حاجة. وقوله: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ١٥٧] أُولَئِكَالإشارة هنا إشارة للبعيد لعلو مرتبتهم رضي الله عنهم وجعلنا منهم. أُولَئِكَأي المتصفون بهذه الصفات أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْعليهم خبر مقدم وصَلَوَاتٌمبتدأ مؤخر صح؟ طالب: أولئك مبتدأ. الشيخ: وعليهم صلوات، عليهم: عليهم خبر مقدم، وصلوات مبتدأ مؤخر. الطالب: لا، صلوات مبتدأ ثانٍ. الشيخ: طيب وعليهم؟ الطالب: عليهم خبر مقدم. الشيخ: مقدم إي، إذن عليهم خبر مقدم وصلوات مبتدأ مؤخر لكنه مبتدأ ثانٍ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ للأول. عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌالصلوات اختلف العلماء في معناها، ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى، فالمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعًا لذكرهم وإعلاء لشأنهم. وقوله: وَرَحْمَةٌرحمة عطفها على الصلوات يدل على أنها مغايرة، ويدل على ضعف من قال إن الصلاة من الله بمعنى الرحمة. وقوله: وَرَحْمَةٌيعني يزول يحصل لهم بها المطلوب؛ لأن الرحمة إما حصول مطلوب وإما زوال مكروه، فهنا الرحمة تشمل الأمرين: زوال المكروه وحصول المحبوب. وقوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَهذه جملة اسمية مسوقة على سبيل الحصر، ما طريق الحصر هنا؟ طالب: الإشارة. الشيخ: لا، الإشارة ما هي من طريق الحصر. طالب: ضمير الفصل (هم).
الشيخ: ضمير الفصل هُمُ الْمُهْتَدُونَ، وأولئك أي الصابرون الذين يقولون ما ذكر هم المهتدون الذين اهتدوا إلى طريق الحق ووضعوه في نصابه، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية، عكس هؤلاء الذين لا يصبرون على المصائب لا بقلوبهم ولا بألسنتهم ولا بجوارحهم، مهتدون ولَّا ضالون؟ الطلبة: ضالون. الشيخ: ضالون، ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من أعمال الكفر، فقال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» ، والنياحة عنوان على عدم الصبر، فدل ذلك على أن الهداية في الصبر، وتسليم الأمر إلى الله عز وجل، وانتظار ثوابه واحتسابه، وقوله: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ. ثم قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨]. من فوائد الآية الكريمة قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [البقرة: ١٥٤]. أولًا: تحريم إطلاق الموت على الشهداء لقوله: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌوعلم من قولنا: إطلاق أنه إذا أريد بذلك الموت الذي هو مفارقة الروح الجسد فهو صحيح، ولهذا يقولون دائمًا: مات شهيدًا، فيقيدون هذا الموت، ما يطلقونه. طالب: شيخ، هل يصح القول: إن هذا شهيد، يعني هم لا يدرون نية الذي هذا مات، هل يصح إن هم يقولون: مات شهيدًا؟ يعني الآن كل ما واحد يموت.. الشيخ: أما بالنسبة للصحابة فنقول: مات شهيدًا. الطالب: في غير الصحابة؟ الشيخ: لا، في هذا الصحابة ما نجزم به المعين، المعين ما نجزم به له، ولكن نقول: من قُتل ظلمًا، من قتل في دفاعه عن الحق فهو شهيد، فيكون الشهادة لهم من باب الشهادة العامة. طالب: هل يجوز أن نقول: الشهيد كذا وكذا، على اعتبار أنه شهيد؟ الشيخ: إيه، أولًا: بالنسبة لأحكام الدنيا نعامله معاملة الشهداء، ما نغسله ولا نكفنه ونصلي عليه وندفنه في ثيابه. طالب: لو قُتل داخل الأرض يعني ليس في جهاد؟ الشيخ: في الجهاد، في الجهاد بارك الله فيكم، اللي قتل في سبيل الله. الطالب: يعني أعداؤه قتلوه بالرصاص مثلًا؟ الشيخ:لا لا ما هو، هذا فيه خلاف بين العلماء، إنما الذي قُتل في سبيل الله، لكن بالنسبة للشهادة له بالشهادة في الآخرة، هذا ما نجزم به، ولكن نقول: من مات على هذا النوع من الموت فهو شهيد، فهذه شهادة عامة مثل ما نقول: كل مؤمن في الجنة، لكن هل تشهد لفلان المعين بأنه في الجنة؟ طالب: لا. الشيخ: لا، ما تشهد، ولهذا ما ينبغي أن نقول: فلان شهيد إلا من ثبتت شهادته بالنص مثل شهداء أحد ونحوهم. طالب: إذا أجمع على ذلك كثير من الناس؟ الشيخ: على أيش؟ الطالب: على أنه شهيد وأن الله اصطفاه؟ الشيخ: إذا أجمعوا على الثناء عليه فقد اختلف في هذا أهل العلم، شيخ الإسلام يرى أنه يجوز الشهادة له بالجنة، والشهادة له بالشهادة أيضًا، وبعض العلماء يقول: لا، نقف على ما جاء به النص. والحمد لله إذا كان عند الله تعالى من أهل الجنة ومن الشهداء فإن امتناعنا عن الشهادة له لا يمنع ذلك عند الله، واضح؟
وإن كان من غير الشهداء أو غير المؤمنين فإننا نحن عرَّضنا أنفسنا للخطر.
طالب: هل يجوز يعني نطلق على أي واحد مات من الصحابة أنه مات شهيد؛ يعني يجوز يعني إن الإنسان يطلق. الشيخ: اللي قتلوا في سبيل الله. الطالب: من الصحابة. الشيخ: إي؛ لأن شهداء أحد ثبت هذا اللفظ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله. طالب: أظن كان فيه واحد من الصحابة يقول: فلان شهيد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كلا (...)». الشيخ: لا، قالوا: في الجنة. طالب: قالوا: فلان شهيد (...). الشيخ: إي، شهيد ولَّا في الجنة؟ الطالب: إي، هذا قالوا: هنيئا له بالشهادة. الشيخ: إي، لكن هذا قال شهيد ولَّا في الجنة؟ طلبة: (...). الشيخ: على كل حال، هذا يكون خرج به النص، فما نص عليه الرسول ما نتكلم فيه سواء إثباتًا أو سلبًا.
قوله: بَلْ أَحْيَاءٌفيه إثبات حياة الشهداء لقوله: بَلْ أَحْيَاءٌويرد على هذا القول أو على هذه الفائدة سؤال: هل هذه الحياة كحياة الدنيا؟