تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٣٠

درس صوتي · ٩٤:٠٠

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

أن يتوجه إلى الكعبة ولكن هل فعل؟ الطلبة: لم يفعل. الشيخ: لم يفعل إلا بعد أن أمره الله به. ومنها: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى لقوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ، فإن ضمير الجمع هنا للتعظيم. ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة لقوله:تَرْضَاهَامع قوله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ. ومن الفوائد: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام لقوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء، حيث عبر به عن سائر الجسم، وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه لقوله: وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وإذا ولَّى الإنسان وجهه فإنه ينظر تلقاء وجهه. وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمشهور عند المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه، وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة، واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ . وقال بعض العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظر إلى موضع السجود، وأما المأموم فينظر إلى إمامه، واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري وهي: أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَمَا صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارُ، فقال لهم: «وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْت وَتَأَخَّرْتُ» وهذا دليل على أنهم يرونه. ومنها: أنه لما صُنع له المنبر قام يصلي عليه فكان يقوم ويركع ويرفع، فإذا أراد السجود نزل وقال: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي» وهذا دليل على أنهم يرونه. ومنها أيضًا: أنهم لما أخبروا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقرأُ في صلاةِ السِّرِّ، قيل لهم: بمَ تعرفون ذلك؟ قالوا: باضْطِرابِ لحيتِهِ . وهذه كلها في الصحيح، فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الإتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم وقد يجلس، ساهيًا مثلًا، فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به، أما الإمام والمنفرد فإنهما ينظران إلى موضع السجود، وهذا القول لا بأس به، ولا سيما إذا كان المأموم محتاجًا إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع مثلًا فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به أو نحو ذلك. طالب: إذا كان بعيدًا يلحظ عليه؟ الشيخ: إي نعم، يلحظ عليه إن احتاج الالتفات ولا بدون التفات؟ ولقد استثنى بعض العلماء الذين يقولون إنه ينظر إلى موضع السجود استثنوا من ذلك إذا كان في التشهد فإنه ينظر إلى إشارته لقول ابن الزبير أو الزبير نسيت كانَ لا يُجاوِزُ بصرُهُ إشارَتَهُ فعند التشهد عند الإشارة تنظر إلى الأصبع. ومنها مما يستثنى من ذلك عند بعضهم إذا كنت في المسجد الحرام، إن كنت مشاهدًا الكعبة فإنك تنظر إلى الكعبة. ومنها: إذا كنت في خوف حولك العدو فإنك تنظر إلى جهة العدو، فهذه المسائل الثلاث التي تستثنى نقول: أما موضوع استثناء التشهد أو رفع الأصبع عند التشهد فهذا قد ورد به الحديث فهو مستثنى، وأما إذا كانت الكعبة أمامك فلا وجه له، لا وجه لكونك تشاهد الكعبة، لا سيما أن الإنسان إذا شاهد الكعبة والناس يطوفون حولها قد يحصل انشغال، وأما إذا كان في الخوف فإن هذا داخل في قوله تعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء: ١٠٢] وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعث طليعة فكان ينظر نحو الشعب هل جاءت طليعة أم لا ، فهذا دليل على أنه ينظر في حال الخوف إلى ما يتقي به هذا الخوف، ولا حرج عليه.

طالب: صلاة الخوف فيه ناس (...)؟ الشيخ: (...) هذه واضحة. وقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. من فوائد الآية: عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام؛ أي ذي الحرمة، ولهذا كان من يدخله آمنًا، وكان من يدخله يُشرع له أن يأتي بنسك إما وجوبًا وإما استحبابًا. بخلاف غيره، ولهذا كل شيء فيه آمن، كل ما فيه حياة فهو آمن حتى الجماد، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لا، حتى الجماد، الشجر، الشجر آمن ما يجوز قطعه في المسجد الحرام. الطالب: هو نبات؟ الشيخ: إي، حي، هو حي ولهذا لو يبس الشجر جاز كسره ولا حرمة له.

ومنها: وجوب الاتجاه إلى القبلة في أي مكان كان الإنسان من بر أو بحر أو جو لقوله: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، ويسقط الاستقبال في مواضع منها كما مر علينا، يسقط استقبال القبلة في مواضع؟ طالب: في صلاة التنفل في السفر إلا حيث.. الشيخ: حيث كان وجهه، هذه واحدة، والثاني؟

طالب: عند الخوف الشديد. الشيخ: عند الخوف الشديد إذا كان لا يمكن استقبال القبلة، والثالث؟ طالب: إذا صار ما يدري القبلة أين. الشيخ: لا. طالب: إذا كان على راحلة في نافلة. الشيخ: ذكرها الأخ. طالب: إذا كان مريضًا. الشيخ: يعني عند العجز، عند العجز عن استقبال القبلة لمرض أو صلب، لو صلب عن القبلة أو نحو ذلك، والموضع الرابع، هل يمكن نجعله من هذه المواضع إذا اشتبهت عليه القبلة ولّا ما يمكن؟ الطلبة: ما يمكن. الشيخ: ما يمكن؛ لأنه مأمور أن يجتهد، مأمور أن يجتهد، لكن لو أخطأ فهو معذور، وإلا فإنه لا بد أن يكون حين الصلاة يرى أن ما اتجه إليه هو الصواب، إذن فالاشتباه ما يستثنى؛ لأن حقيقة الأمر أنه ما يجوز يصلي إلا وهو يعتقد أنه إلى القبلة بخلاف الذي ذكرناه قبل قليل، العاجز يعرف أن القبلة خلفه يُصلي إلى غير القبلة وهو يعرف، وكذلك في شدة الخوف، وكذلك المتنفِّل في السفر. طالب: القتال يا شيخ؟ الشيخ: في شدة الخوف. طالب: شدة الخوف ما يدخل في العجز؟ الشيخ: لا، ما يدخل في العجز؛ لأنه قادر، يستطيع لكن خائف، يستطيع أنه يتجه ويقف لكن يخاف على نفسه، العاجز ما يقدر يتحرك ما يقدر يتجه، إذن ثلاثة أشياء تستثنى. ومن فوائد الآيات: أن الشرع يلاحظ اتحاد المسلمين في اتجاههم البدني كما يلاحظ اتحادهم في اتجاههم القلبي الفكري؛ لأنه يقول: حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُالآن المسلمون في أقطاب الدنيا كلها كلهم متجهون إلى قبلة واحدة، هذا توحيد ولّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: توحيد، ولا سيما أنهم يتجهون هذا الاتجاه، ويتحدون هذا الاتحاد في أعظم مشعر عملي، أو في أعظم فريضة عملية وهي الصلاة، فيدل هذا على أن الشرع يراعي مراعاة تامة توحيد المسلمين في دينهم، توحيدهم في الاتجاه البدني، وكذلك في الاتجاه القلبي الفكري، وأنا عدلت عن كلمة الروحي؛ لأني ما أعتبرها؛ لأنه لا ينبغي أن نقول: روحي وجسمي، الروح والجسم شيء واحد، وتطهير الروح هو تطهير الجسم، وهذه كلمة الروح جاءت فيما يظهر من النصارى، ولهذا ما تجدها إلا في عبارات المتأخرين الذين تأثروا بالثقافة الغربية، تجدها غالبًا في كلام العلماء السابقين دائمًا يقولون: الجسم والقلب كما قال الله تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: ١٠] فجعل الشيء معلقًا بالقلب. طالب: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: ٨٥]؟ الشيخ: إي، ما هذا الذي يعنون، هم يعنون بالروح ما يتعلق بالعبادات، ما يتعلق بالعبادات هو الروح، يقولون لك: الروح، والحقيقة أن العبادات مصلحتها للبدن وللروح جميعًا، والروح من البدن والبدن منها.

ومن فوائد الآية: عناد اليهود والنصارى، بيان عناد اليهود والنصارى لقوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْولكن مع ذلك -والعياذ بالله- شنعوا على النبي عليه الصلاة والسلام تشنيعًا عظيمًا. ومن فوائد الآية: أن ما كان من عند الله فهو حق لقوله: أَنَّهُ الْحَقُّمضافًا إلى من؟ الطلبة: إلى الله تعالى. الشيخ: إلى الله: مِنْ رَبِّهِمْ. ومنها: أن هؤلاء المعاندين من أهل الكتاب يعاندون مع علمهم التام ومع إقرارهم بربوبية الله، وكان عليهم حين يكونون قد أقروا بربوبية الله لهم وعلموا الحق كان عليهم أن ينقادوا له، وأن يكونوا أولى الناس باتباعه؛ لأن عندهم علمًا بذلك. ومنها: انتفاء غفلة الله عز وجل عن أعمالهم المتضمن لكمال علمه وإحاطته بهم، ما يكفي أن نقول: انتفاء الغفلة فقط بل نقول: المتضمن لكمال العلم والإحاطة لقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية وسلبية؛ لأن اللي معنا هنا سلبية، فالصفات المنفية بأي أداة من أداة النفي سواء (ما) أو (ليس) أو (لا) أو (غير) أو ما أشبه ذلك فإنها من الصفات السلبية، وقد مر علينا أن الله لا ينفي عن نفسه إلا ما هو نقص، وأن كل نفي فهو متضمن لكمال ضده؛ لأنه لكمال ضده انتفى عنه هذا الشيء، فلتمام علمه وإحاطته انتفى عنه الغفلة. ومنها: تهديد هؤلاء المعاندين الذين أوتوا الكتاب وعلموا الحق؛ لأن قوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَهذا فيه تهديد واضح. ثم قال تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ [البقرة: ١٤٥] طالب: (...) في الآية السابقة أن توجهه لبيت المقدس كان (...) من الله؟ الشيخ: إي نعم، هذه الآية مرت علينا. الطالب: (...)؟ الشيخ: لا.

الطالب: (...). الشيخ: إي نعم من قوله: أُوتُوا الْكِتَابَ. الطالب: مِنْ رَبِّهِمْما يستفاد أن القرآن (...)؟ الشيخ: لا ما يستفاد، لكن يستفاد إثبات الكتب السابقة التي كانت من الرسالة. قال: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حريصًا على هداية الخلق؛ لأن قوله: ولئن أتيتهم بِكُلِّ آيَةٍدليل على أنه كان عليه الصلاة والسلام يعرض الآيات، ويبين الحقائق ولكن لا ينتفعون. ومنها: قوة عناد هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، وأنه مهما أوتوا من الآيات فإنهم لم ينصاعوا لها ولن يتبعوها. ومن فوائد الآية: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم، فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبين الآيات. ومنها: ذم بعض المتعصبين في تقليدهم، كيف ذلك؟ لأن من المتعصبين بمذاهبهم من إذا أُتوا بكل آية ما تبعوها، وإذا أتيتهم بكلام من كلام مشايخهم قالوا: على السمع والطاعة، ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية أكثر النقول عن العلماء من الأشاعرة وغيرهم وقال: إنه ليس كل من نقلنا قوله فإننا نقول به، ولكن لما كان بعض الطوائف منتحلًا إلى إمام أو مذهب صار لو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم، وهذا من الدعاء بالحكمة أن الإنسان يقنع المعارض بما لا يمكنه نفيه، ومعارضته، إذا أتى إليه بشيء من كلام مقلَّده، هو ما يمكن أن يحيد عنه، هؤلاء المتعصبون للمذاهب إذا قلنا لهم: هذا الإمام الشافعي، الإمام مالك، الإمام أحمد، الإمام أبو حنيفة، كلهم ينكرون تقليدهم مع مخالفة الكتاب والسنة، ويقولون: اضربوا بأقوالنا عرض الحائط. ولهم عبارات في هذا المعنى كثيرة، إذا كانوا هم يقولون هكذا، فهل الذين يتعصبون لهم مع مخالفة الدليل هل هم مقلدون لهم حقيقة؟ الطلبة: كلا. الشيخ: كلا، ما قلدوهم حقيقة، لو قلدوهم حقيقة لكانوا إذا تبين لهم الدليل أخذوا به، لكنهم ما قلدوهم حقيقة بل تعصبوا تعصبًا لا يحمدون عليه ما دام قام الدليل، أما إذا لم يقُم الدليل عند الإنسان سواء كان ممن يطلب الدليل ويستطيع أن يعرف الحكم بالأدلة فهذا على كل حال يُعذر إذا قلد من يرى أنه أقرب إلى الحق، أما مع وضوح الدليل وبيانه فإن التقليد حرام، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التقليد بمنزلة أكل الميتة، متى يحل؟ الطلبة: للضرورة. الشيخ: للضرورة، يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تأكل الميتة، مع وجود الدليل من الكتاب والسنة وتبينه للإنسان فإنه لا يحل له أن يقلد، ولهذا ما أمر الله بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم، فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل: ٤٣، ٤٤] أما إذا كنا نعلم بالبينات والزبر فلا نسألهم. نقول بالبينات والزبر. ومنها؛ من فوائد الآية: استحالة أن يتبع المسلم أحدًا من اليهود والنصارى، وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْووجه الاستحالة أن الجملة هنا جاءت بالاسمية، وما أنت بتابع قبلتهم، فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعداء الله، وأن يأخذ بآرائهم وأفكارهم واتجاهاتهم، وقد حمى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك غاية الحماية حيث قال: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعداء الله والتقليد لهم سواء في أمور العبادة أو في أمور العادة، فإن التشبه بهم حرام وقد يؤدي إلى الكفر والشرك -والعياذ بالله- فالمهم أن قوله: وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْيستفاد منه أن المؤمن لا يمكن أن يتابع هؤلاء في دينهم. ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضًا، بل يضلل بعضهم بعضًا، فاليهود يرون النصارى غير مسلمين، والنصارى يرون اليهود غير مسلمين أيضًا، كل منهم يضلل الآخر، لكنهم على الإسلام يد واحدة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة: ٥١]، هم على الإسلام يد واحدة؛ لأنهم كلهم أعداء الإسلام، وهم فيما بينهم أيضًا يُضلل بعضهم بعضًا، كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة. ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ. ومنها أيضًا: أنهم ليسوا على هدى؛ اليهود والنصارى، حيث جعل الله تعالى ما هم عليه هوى وليس بهدى. ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يؤاخذ بالأمر بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة عليه لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِالإنسان قد يتابع غيره جهلًا فلا يؤاخذ به، وإن كان يسمى ضالًّا لكنه ليس بظالم، ما يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه، أما من جهل الحق ولم يُوفق له فيقال: إنه ضال، لكن لا يقال: إنه ظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة.

ومن فوائد الآية: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ. أتى بـ (أل) المفيدة للكمال مِنَ الْعِلْمِ، ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بأي شيء؟ الطلبة: بالشريعة. الشيخ: بالشريعة، ولذلك نحن نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم، وليس عصرنا الآن هو عصر العلم، عصرنا حقيقة هو عصر الجهل، عصر الجهل بالله وبشريعته، أما أنه هو علم بالدنيا ما هو علم؛ لأن هذا علم هل يبقى العلم هذا؟ الطلبة: لا، يزول.

الشيخ: يزول بزوال الدنيا، ما يبقى، لكن العلم بالشريعة يبقى؛ لأنه هو الطريق والوسيلة إلى الوصول إلى الله عز وجل وإلى دار كرامته، فهو العلم الحقيقي الباقي، ولهذا قال: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِكثيرًا ما نسمع من يلهث يقول: هذا عصر العلم، عصر التقدم، وبعضهم يقول: عصر النور أيضًا يبالغ. هذا خطأ، نعم، نقول: عصر العلم، يجب أن يقيد، يجب أن يقيد لا بأس، الناس الآن عندهم من العلوم المادة ما ليس عند من قبلهم، لكن أن نقول: العلم اللي هو محل الثناء، العلم عند الإطلاق هو العلم الشرعي مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ. ومنها أيضًا؛ من فوائد الآية: أن الظلم والعدل وغير ذلك مقرون بالأعمال لا بالأشخاص بمعنى ليس بين الله تعالى وبين أحد من الخلق شيء يحابيه ويراعيه به، كل من خالفه فهو ظالم، ما نقول مثلًا: هذا قريب من الرسول صلى الله عليه وسلم فتُكفّر سيئاته لقربه من الرسول عليه الصلاة والسلام، أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف من سلالة بني هاشم تكفر عنه سيئاته، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله له: لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْإِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَفما بالك بمن دون الرسول صلى الله عليه وسلم، أليس كذلك؟

الطلبة: بلى. الشيخ: يعني ما هنا أحد يحابَى من قبل الله عز وجل من أجل نسبه أو حسبه أو جاهه بين الناس، لا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]. ومن فوائد الآية: جواز التعليق على شرط لا يتحقق وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِهذا أمر معلق لكنه متعلق ما يمكن يقع، لا يمكن أن يقع لقوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم: ٣] النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله فيه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىفالذي لا ينطق عن الهوى لا يمكن أن يسأل عن الهوى، إذا كان النطق لا ينطق به عن الهوى فالعمل كذلك، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبع أهواءهم. ومن فوائد الآية: تحذير الأمة من اتّباع أهواء غير المؤمنين، وجه ذلك إذا كان هذا الوصف يكون للرسول عليه الصلاة والسلام لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى، فهذا فيه التحذير أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله، وليت أننا نوقظ الأمة مما وقعت فيه الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ونبين لهم أن هذا هو الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم مرتع مبتغيه وخيم، حتى يكون الناس اتباعهم لأي شيء؟ الطلبة: للهدى. الشيخ: للهدى الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم: ٢٣]. طالب: أقول: بناء على القاعدة أن الإنسان ما يؤاخذ إلا بعد قيام الحجة هل لنا أن نقول لعباد القبور: إنهم ضلال وليسوا بمشركين، أن نقول: فعلهم شرك ولا يؤاخذون إلا إذا أقيمت عليهم الحجة؟ الشيخ: إلا إذا أقمت الحجة نعم؛ لكننا نعاملهم معاملة المشرك بالنسبة لعدم الصلاة عليهم مثلًا أو عدم دفنهم في قبور المسلمين وما أشبه ذلك؛ لأن ظاهرهم الآن ظاهر فعل الشرك، لكن عند الله ما نجزم بأنهم في النار، قد تكون ما قامت عليه الحجة، ثم إن هذا حقيقة بالنسبة للبلاد الإسلامية القريبة هذا شيء في ظني أنه فرض مستحيل، إنها مسألة فرضية؛ يعني عندهم من يقول: إن هذا شرك، يسمعون من يقول: هذا شرك، ما تخلو الأرض من عالم يبين الحق، مثلًا لنفرض في هذه البلاد العربية اللي فيها الآن القبور تُعبد من دون الله، يعني أتظنون أنه ليس فيهم عالم يهديهم إلى الحق؟ الطلبة: بلى. الشيخ: فيه، فيهم علماء يبينون لهم أن هذا غلط، وأن هذا حرام، وأن هذا شرك وكفر، لكن هم يصرون؛ لأن لهم أناس يقلدونهم يرون أنهم اللي على الحق. طالب: يحصل عملية (...) موجّه (...)؟ الشيخ: لا ما يمكن، الخطاب صريح وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر: ٦٥] أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَصريح، وقلنا في أثناء التفسير: إن التعليق ما يجري على الوقوع، قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] هذا ما ممكن. الطالب: (...)؟ الشيخ: إي، بس بالنسبة لله عند الله ما ينفعهم هذا. الطالب: أيش مقتضاه؟ ما هو مقتضاه؟ الشيخ: مقتضاه أنهم أشرف الناس جنسًا؛ يعني جنس بني آدم الناس معادن، فالجنس جنس بني هاشم ثم جنس قريش، ثم جنس العرب أفضل من غيرهم باعتبار الجنس. الطالب: ما بيصير الثواب أكثر على العمل؟ الشيخ: لا قد يكون الثواب أكثر، وقد يكون أقل حسب ما في قلب الإنسان من الإيمان، ولهذا لو يجي ناس من بني هاشم من بعض الصحابة نقول: ما بلغ مد أحدهم «لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ولو كان من بني هاشم. طالب: إذن ما يستفيدون من هذا القرب؟

الشيخ: يستفيدون قال الرسول: «خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» يستفيدون بأنهم إذا كانوا في التقوى مع غيرهم سواء فهم مقدمون في الأحكام، أما عند الله درجاتهم عند الله فالظاهر -والله أعلم- أنه يكون لهم في ذلك شرف، لكن غير مؤمن ما يستفيد من قُربه من الرسول صلى الله عليه وسلم. طالب: ذكرت في كتاب (...)، أنت ذكرته في كتاب ملخص أنه يقول بتقليد (...) له من العلم بالشيء (...). الشيخ: آه صحيح، اللي ما يستطيع يستفيد إلى العلم بالشيء يقلد.

الطالب: السؤال: أن عليه أن يسأل (...)؟ الشيخ: إي، هو هذا يسأل اللي يقلد، حتى الآن الإنسان الذي يمكنه معرفة الحق بدليله من طلبة العلم أحيانًا تأتيهم مسائل ما يستطيعون أن يصلوا إلى الدليل، ما يستطيعون فما هو فرضه، تجي مسائل تتطلب العجلة وعدم التأني يعني تتطلب الحكم الفوري وأنت الإنسان ما عندك أدلة الآن والبحث عن هذه الأدلة قد يكون صعبًا بحيث تفوت المسألة قبل البت في الحكم فيها، فماذا نصنع حينئذٍ؟ طالب: نقلد. الشيخ: ما لنا إلا التقليد، نشوف أقرب الناس إلى الصواب في ظننا ونقلده. طالب: شيخ، الرسول عليه الصلاة والسلام كيف (...) كيف أكد (...)، الجواب إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ؟ الشيخ: إي نعم، هذا أُكد لأجل التحذير للمبالغة في التحذير، ولهذا أُكّد في الحقيقة ما هو بس بـ(إن) و(اللام)، أُكّد بالقسم وَلَئِنِ اتَّبَعْتَفأصل الجملة كلها مؤكدة بالقسم، ثم جواب القسم مؤكد بـ (إن) و(اللام). طالب: الروح أليس نفسها هي القلب؟ الشيخ: القلب، لا، الروح يراد بها النفس التي بها حياة الجسم، فكل ما به الحياة فهو روح، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢] فسمى الله القرآن روحًا؛ لأن به الحياة. الطالب: فضيلة الشيخ، كيف يكون به الحياة القلب؟ الشيخ: إي نعم، القلب يكون به حياة، والرقبة تكون فيها حياة أيضًا لو قُطعت رقبة الإنسان ما بقي له حياة. الطالب: لو بحيث يعني أن الكل بيتكون من القلب يعني؟ الشيخ: لا ما يسمى، ما أعرف أنه سمي روحًا، إنما كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .

طالب: شيخ، واللي في الحديث: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ» (...)؟

الشيخ: إي، هذا صحيح؛ لأن نفسك اللي في جسمك تعرف نفس الرجل الآخر من الناس بمجرد ما تقابله تألفه، وبمجرد ما تشاهده تُنكره، أهل الفسق إذا رأوا الفاسق ألفته نفوسهم، وإذا رأوا أهل الخير نكرت نكرتهم، وكذلك أهل الخير مع أهل الفسق هذا معنى قوله: «جُنْدٌ مُجَنَّدَةٌ».

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] هذا عود على حال أو على بيان حال اليهود والنصارى، هل عنادهم عن جهل بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ لا، ليستفاد به قوة الإنكار عليهم؛ لأنهم كانوا يعاندون عن عِلم. ومن فوائد الآية: أن نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة في الرسالات السابقة لقوله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ.

ومن فوائد الآية: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت لقوله: كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْفهو يعرف من ابنه أكثر مما يعرف من بنته. تلطف الله في الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم حين قال، بينا في التفسير إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَولم يقل: إنك ظالم؛ لأن هذه العبارة إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَأرق من قوله: إنك ظالم، وذكرنا شاهدًا بينًا لذلك في تلطف الخطاب من الله جل وعلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو؟ طالب: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ [التوبة: ٤٣]. الشيخ: غيرها؟ طالب: عَبَسَ وَتَوَلَّى. الشيخ: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ [عبس: ١ - ٣] ولم يقل: عبست وتوليت. قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْما معنى قوله: آتَيْنَاهُمُ؟ ما معنى آتَيْنَاهُمُ؟ الطالب: معناه أعطيناهم. الشيخ: كم تنصب من مفعول؟ أين المفعول الأول؟ الطالب: الأول الضمير، والثاني الكتاب. الشيخ: أين خبر المبتدأ؟ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُلأن الذين مبتدأ فأين خبره؟

الطالب: يَعْرِفُونَهُ.

الشيخ: يَعْرِفُونَهُ، أحسنت. الضمير في قوله: يَعْرِفُونَهُيعود إلى من؟

الطالب: يعود على الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. الشيخ: الضمير في يَعْرِفُونَهُالهاء، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُالهاء تعود على من؟ الطالب: على محمد صلى الله عليه وسلم. الشيخ: على النبي صلى الله عليه وسلم نعم. فيه إشكال لم يسبق له ذكر؟ طالب: كيف هذا الإشكال؟ الشيخ: وأيش الإشكال إنه ما سبق له ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الطالب: لكنه معروف في العهد الذهني. الشيخ: ما في هذا الضمير. الطالب: مذكور في كتب (...). الشيخ: إي، نحن تكلمنا عن الصياغة اللي معنا الآن، سياق القرآن ما سبق ذكر للرسول صلى الله عليه وسلم حتى نقول الضمير يرجع إليه. الطالب: لأن القرآن بلسان النبي صلى الله عليه وسلم.. طالب آخر: (...) للعلم به. الشيخ: إي نعم، هذا معلوم من السياق وقد نقول: إنه سبق وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣] وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [البقرة: ١٤٣] وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ. طالب: إذا قلنا: الضمير يعود على أقرب مذكور أقرب مذكور الكتاب؟

الشيخ: يعرفون الكتاب ويش الفائدة من معرفة كتابهم؟

الطالب: يعرفون أنه الحق. الشيخ: يعرفون أن كتابهم حق؟ الطالب: الكتاب القرآن. الشيخ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَيعني اليهود والنصارى بني إسرائيل يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم. لماذا خص الأبناء؟ لماذا خص الأبناء دون البنات كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ؟ الطالب: ما أعرف. الشيخ: ذكرناها في التفسير. طالب: يعني (...). الشيخ: يعني كونه يعرفه معرفة أبنائه أشد من معرفة بناته لشدة عنايته بهم، هذا قول وأيش القول الثاني؟ وأيش تقول؟ الطالب: من باب التغليب. الشيخ: لا، ما فيها إلا هذا، لكن لعله يريد أن يكون كابن جني لكل مسألة قولان، ما فيها إلا هذه، خص الأبناء بالذكر لتعلق النفس بهم أكثر من تعلقها بالبنات، فيكون معرفة الإنسان لهم أكثر من معرفة البنات. قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَما موضع الجملة من الإعراب؟ طالب: منصوب على الحال. الشيخ: على الحال، من أين؟ الطالب: يعلمون (...) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ. الشيخ: حال من الكتاب، الكتاب ما هو بعلاقة؟ الطالب: ما هو الكتاب.

الشيخ: وينه؟ أعطني صاحب الحال ونصّ عليه؟ طالب: الذين، أو الواو. طالب آخر: حال من فاعل يَكْتُمُونَ. الشيخ: من فاعل يَكْتُمُونَ. لماذا قيد كتمانهم بالعلم؟ لأيش قيدها بالعلم قال: يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؟ (...) ومن النصارى؟ طالب: النجاشي. الشيخ: النجاشي، نعم. طالب: ورقة. الشيخ: ورقة، لا، من العرب، لكنه تنصَّر.

تفسير الآيات (١٤٧-١٤٩)

٠٠:٤٧:٢٤

قوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٧]، قال الله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَالْحَقُّمبتدأ ومِنْ رَبِّكَخبره. وهنا الجملة لتقرير ما سبق؛ يعني أن الحق ثابت وحاصل من ربك، وقيل: إن الْحَقُّخبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هذا الحق من ربك، فيكون في هذا تقوية للرسول صلى الله عليه وسلم، وأنهم لما كتموا الحق لا تكن في مرية منه؛ لأن الإنسان بشر فقد يكون الرسول عليه الصلاة والسلام لما أنكر هؤلاء الذين أوتوا الكتاب أنكروا الحق، قد يعتري الإنسان شيء من الشبهة وإن كان بعيدًا، فبيَّن أن ما جاء به هو الحق، قال: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَوهنا الربوبية خاصة ولَّا عامة؟ الطلبة: خاصة. الشيخ: خاصة؛ لأن الله سبحانه وتعالى رب العالمين، لكن أضافها إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن المقام يقتضيه حيث هو مقام التثبيت والنصرة، فلولا أن الله ثبت الرسول عليه الصلاة والسلام لكان كما قال الله تعالى: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: ٧٤] إذن فالربوبية هنا خاصة، وجاءت على وجه الخصوص؛ لأن المقام يقتضي ذلك، ومن هو الرب؟

هو الخالق المالِك المدبر، وهو الذي خلق الخلق كله، وهو مالك الخلق كله، وهو المدبر للخلق كله سبحانه وتعالى. وقوله: فَلَا تَكُونَنَّهنا (لا) ناهية، والفعل بعدها مبني على الفتح في محل جزم فَلَا تَكُونَنَّوإنما بُني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد؛ لأن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد صار مبنيًّا على الفتح دائمًا. وقوله: فَلَا تَكُونَنَّالخطاب لمن؟ الطلبة: للرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا النهي لا يقتضي أن يقع منه امتراء، كما أن الشر لا يقتضي أن يقع منه، فقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤]. ما نقول: إن هذا التعليق يدل على وقوع الشك من الرسول عليه الصلاة والسلام بل ولا على جوازه، فإن الشرط قد يُعلق بما لا يمكن وقوعه، أرأيتم قول الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] هل يمكن هذا؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا يمكن، مستحيل، هنا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الامتراء، وليس يعنى ذلك أنه يمكن أن يقع منه بل نهاه ليستمر على انتفاء الامتراء عنه، كما أن الأمر بالإيمان للمؤمن ليس معناه تجديد الإيمان بل معناه الاستمرار عليه، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء: ١٣٦]. ومن المعلوم أن الإيمان ما يتم إلا بهذا وقد تم من قبل، لكن المراد أيش؟ الثبوت عليه والاستمرار عليه، هنا النهي فلا تكونن من الممترين؛ المراد الاستمرار على عدم امترائه، لا أن هذا الأمر وقع منه. وقوله: مِنَ الْمُمْتَرِينَما معنى من الامتراء؟ الشك، معناه الشك بالأمر الواقع، فما دام أن الحق من الله فإنه يجب أن يؤمن الإنسان به وأن لا يلحقه بذلك شك ولا مرية. وقوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِالجملة لِكُلٍّ وِجْهَةٌمبتدأ وخبر، لكن الخبر مقدم على المبتدأ، أين الخبر؟ طالب: وِجْهَةٌ. الشيخ: لا، وَلِكُلٍّهذا الخبر، والمبتدأ وِجْهَةٌ. وقوله: هُوَ مُوَلِّيهَافيها قراءتان: هُوَ مُوَلِّيهَاوالقراءة الثانية: {هُوَ مُوَلَّاهَا} فتح، {مُوَلَّاهَا} بالفتح، أما على القراءة الأولى هُوَ مُوَلِّيهَافالمعنى هو مستقبلها كما في قوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِوأما على قراءة الفتح {هُوَ مُوَلَّاهَا} أي هو مأمور بأن يستقبلها، مُوَلَّاهَا شرعًا؛ أي قد أمر بأن يتولاها ويستقبله. وقوله: لِكُلٍّ وِجْهَةٌالوِجهة والوَجه والجهة معناها واحد؛ أي لكل من الناس جهة يتولاها، وهل المراد الجهة الحسية أو الجهة المعنوية، أو يشمل الأمرين؟ الطلبة: يشمل الأمرين. الشيخ: يشمل الأمرين، ما يمكن يتفق الناس على وجهة واحدة، كل له وجهة؛ اليهود لهم وجهة، والنصارى لهم وجهة، والبوذيون لهم وجهة، والمشركون لهم وجهة، والشيوعيون لهم وجهة، والمسلمون لهم وجهة، كل واحد له وجهة مُولَّاها من قِبل الله شرعًا، أو قدرًا وشرعًا، أو قدرًا فقط، فالوجهة التي يتبعها المشركون واليهود والنصارى وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية، أما شرعية ما جعلها الله لهم؛ لأن الله ما شرع الكفر أبدًا ولا شرع شيئًا من خصال الكفر مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ [المائدة: ١٠٣]. وقوله: {هُوَ مُوَلَّاهَا} أو هُوَ مُوَلِّيهَاالجملة في محل رفع صفة لأيش؟

الطلبة: لـوِجْهَةٌ.

الشيخ: لـوِجْهَةٌ، وليس هذا المعنى أو ليس المراد بهذه الجملة تقرير ما عليه أهل الكفر من الكفر، ولكن بيان أنه لا ينبغي لكم أيها المسلمون أن تقولوا: لماذا انفردنا عن غيرنا بهذه القبلة؛ لأن لكل أحد وجهة ولاه الله إياها. وقوله: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِاسْتَبِقُوامن السبْق، أمر من السبْق، لكن الاستباق يدل على الافتعال؛ يعني على صدور السباق من اثنين؛ أي ليسبق بعضكم بعضًا، وقوله: الْخَيْرَاتِكان مقتضى العامل استبقوا أن تجر بـ(إلى) كما في قوله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ [آل عمران: ١٣٣]، وكما في قوله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ [الحديد: ٢١] لكن هنا عُدِّيت بنفسها اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِلأجل أن يتضمن الفعل استبقوا فعلًا متعديًا بنفسه، المعنى: فافعلوا الخيرات متسابقين إليها، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج: ٧٧] اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: ١٤٨] كان مقتضى الاستباق أن يتعدى بـ (إلى)، فاستبقوا إلى، الدليل أن هذا مقتضاه قوله: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد: ٢١] لكن هنا تعدى الفعل بنفسه إلى الخيرات؟ الجواب: لأنه ضمن معنى فعل يتعدى بنفسه، والمعنى: افعلوا الخيرات متسابقين إليها، وهذا هو فائدة التضمين، فائدة تضمين الفعل فعلًا آخر لأجل أن يدل التضمين على معنى فعل المضمن، ومعنى الفعل المضمن فيه عرفتم؟ استبقوا الآن تضمنت معنيين، ما هما؟ الفعل، والسبق إليه. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦] قلنا: إن يَشْرَبُمضمنة معنى يَروى، فعلى هذا تدل يَشْرَبُعلى معنيين: الشرب مع الرِّي، بخلاف ما لو قال: يشرب منه؛ فإنها قد لا تدل على الري. وقوله: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُأَيْنَ مَاهذه (أين) الشرطية، و(ما) زائدة للتوكيد، وتَكُونُوافعل الشرط مجزومًا بأيش مجزوم؟ طالب: بحذف النون. الشيخ: بحذف النون، والواو فاعل؛ لأن كان هنا تامة أو لا؟ وليست ناقصة، يعني أين ما توجدوا يأتِ بكم الله، يأتِ، لماذا لم يقل (يأتي) بالياء؟ الطالب: لأنه جواب الشرط. الشيخ: لأنه جواب الشرط؛ لأن جواب الشرط يكون مجزومًا، فهي مجزومة بحذف الياء والكسرة قبلها دليل عليه. أَيْنَ مَا تَكُونُوافي بر أو بحر أو جو فإن الله يأت بكم جميعا، متى يأتي بهم؟ يوم القيامة، يحشر الله تعالى الأولين والآخرين في مقام واحد، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠].

الأولين منذ خلق الله الكون إلى أن ينتهي، يجمعهم الله تبارك وتعالى في هذا اليوم إلى ميقات يوم معلوم ويحاسبهم سبحانه تعالى، وقوله: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُحتى لو كانوا في الجو؟ يتصور هذا؟ طالب: نعم. طالب آخر: (...). الشيخ: هذا الجو؟ هذا كائن في الأرض في البر، ما في (...). طالب: يقولون يا شيخ بأن الإنسان إذا ارتفع عن مستوى الجاذبية كان معلقًا في الجو لا ينزل الأرض ولا يصعد؟ الشيخ: إي، لكن هل يموت في هذا المكان؟

الطالب: ما فيه هواء. الشيخ: إي، نقول: هل يموت؟ الطالب: يموت، يموت آه. لو فرضنا.. الشيخ: ولو بقي حيًّا أيضًا، لكن قوله تعالى: فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [الأعراف: ٢٥] تقديم المعمول هنا المعروف أنه يدل على الحصر، فظاهره يدل أنه لا يموت الإنسان إلا في الأرض، وأنه ما يمكن يموت أحد معلقًا في الهواء، ولا بد أن يرجع. طالب: حديث الرجل يا شيخ الذي قال لأولاده؟ الشيخ: هذا قال: «اذْرُونِي فِي الْيَمِّ» .

الطالب: ذروه في البحر، البحر من الأرض. طالب آخر: هل الجو ما هو تبع الأرض؟ الشيخ: إي، لكن لا بد أن يكون في الأرض نفسها ينزل، بس مشكلتنا الآن لو ماتوا فوق؟ الطلبة: يرجع للأرض. الشيخ: يرجع للأرض إي، هذا هو الظاهر. أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ. طالب: إذا مات في القمر؟ الشيخ: لا أظن ما يصير، هذا ما يصير. الطالب: ولكن القمر تبع الأرض؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: القمر من الكواكب التي تبع الأرض. الشيخ: لا، لا، القمر قمر والأرض أرض. طالب: شيخ، (أينما) جمعت بشرط، شرطية؟

الشيخ: لا، أو نقول: (أين) شرطية، و(ما) زائدة للتوكيد. الطالب: ويصح أن نعربها جميعها؟ الشيخ: ويصح أن نعربها جميعًا. وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌجملة مؤكدة بـ(إن) إِنَّ اللَّهَ. وقوله: عَلَى كُلِّ شَيْءٍقدم على عامله وهو قَدِيرٌلإفادة العموم هنا؛ يعني أن القدرة على كل شيء، ما يعجزه شيء سبحانه وتعالى. وقوله: قَدِيرٌالقدير ما معناه؟ هو الفاعل بدون عجز لقوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤] شوف علَّل وما كان الله ليعجزه لماذا؟ لأنه عليم قدير، والعجز إما من جهل الفاعل أو من عدم قدرته. إذن إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌما معنى القدير؟ هو الفاعل بدون عجز، فالقدرة إذن صفة يتمكن بها الفاعل من الفعل بدون عجز، هذا القدرة، الفرق بينها وبين القوة؟ الفرق بينها وبين القوة أو هي بمعنى القوة؟ طالب: تختلف. الشيخ: القدرة هي أن يتمكن من الفعل بدون عجز، والقوة أن يتمكن من الفعل بدون ضعف، مثال ذلك ليتضح المقام: رجل قلنا له: احمل هذا الحجر، فأراد أن يحمله عجز، ما الذي انتفى عنه الآن؟ الطلبة: القدرة.

الشيخ: القدرة زين، الرجل الثاني قلنا: احمله فحمل لكن بضعف، يا الله حمله، انتفى عنه القوة. الثالث: حمله كأنه ريشة، هذا قوة مع القدرة، فإذن كل قوي فهو قادر فالقوة أخص؛ لأن كل قوي فهو قادر، لكنها تفترق عنها بأن القدرة تختص بذي الشعور، والقوة لا تختص به، فإنه يقال للحديد: قوي، ولا يقال له: قادر، أليس كذلك؟ إذن فالقوة أكمل من القدرة فيمن يتصف بالقدرة، لكن القدرة تختص بذي الشعور والإرادة والقوة لا تختص بدليل أنك تقول: الحديد قوي ولا تقول: الحديد قادر، واضح؟ هل الله يوصف بالقدرة فقط أو بالقدرة والقوة؟ الطلبة: بالقدرة والقوة. الشيخ: بالقدرة والقوة، وفي عدة آيات من القرآن الكريم وصف الله نفسه بالقوة، فهو سبحانه وتعالى قوي قدير، أما الآدمي فإنه عاجز ضعيف اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم: ٥٤]، فأصل الإنسان الضعف ومنتهاه الضعف، وكذلك العجز كما قال الله تعالى لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة: ٢٦٤]. قال: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌتقدم أننا نبهنا على كلمة يقولها بعض الناس، فيقول: إن الله على ما يشاء قدير، وقلنا: إن هذا لا ينبغي:

أولًا: لأنه خلاف إطلاق النص، النص مطلق. وثانيًا: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة فيما يشاء الله دون ما لم يشأه، والله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، قادر على هذا وهذا. وثالثا: أنه يفهم مذهب المعتزلة القدرية الذين قالوا: إن الله عز وجل لا يشاء أفعال العبد فهو غير قادر عليها، ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌأما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، لا بأس أن تقيد بالمشيئة كما في قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]. فإن إِذَا يَشَاءُعائدة على الجمع ما هي على القدرة، فهو قدير شاء أم لم يشأ، قدير على الشيء شاءه أم لم يشأه، لكن جمعهم ما يقع إلا بالمشيئة، ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى فقال: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» لأنه يتكلم عن فعل معين، ولهذا قال: قادر، ولم يقل: قدير، أتى باسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة الدالة على الاتصاف بها بالقدرة. ثم قال الله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٤٩] الله أكبر ما أعظم هذا الحدث! ولهذا أكده الله عدة مرات وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَمن حيث قريب، (من) حرف جر، و(حيث) مضموم ويش لون هذا؟ في العادة أن (من) حرف الجر تجر، قال الله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] مِنَ اللَّيْلِكيفها هنا قال: مِنْ حَيْثُ؟ الطلبة: لأنها مضمومة، مبنية على الضم. الشيخ: لأنها مبنية على الضم، والمبني بناء محكم ما يتغير أوْ لا؟ قال ابن مالك في الألفية: طالب: حيث وإذ وإن ينون. الشيخ: لا، لا النص على بناء حيث

..........................

كَأَيْنَ أَمْسِ حَيْثُ وَالسَّاكِنُ كَمْ

فحيثُ مبنية على الضم، إذن (من) حرف جر، و(حيث) اسم مجرور بـ (مِن) أو اسم مبني على الضم في محل جر؟ طالب: مبني على الضم. الشيخ: اسم مبني على الضم، ما نقول: مجرور؛ لأنه ما جر، اسم مبني على الضم في محل جر. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَالخطاب هنا إما أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون لكل من يتأتّى خطابه، من حيث خرجت أيها الإنسان فَوَلِّ وَجْهَكَيعني قبّله، اجعله مستقبلًا، وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِمتى؟ عند الصلاة طبعًا عند الصلاة، ما هو المعنى: كلما خرجت لازم يصير وجهك لمة القبلة، لا مو هذا معقول. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِأي عند الصلاة. وقوله: شَطْرَ الْمَسْجِدِما معنى شطر المسجد؟ الطلبة: الجهة. الشيخ: أي جهته، جهة المسجد، والمسجد الحرام هو المسجد الذي فيه الكعبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» بل لقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح: ٢٥]. وقوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِالمراد؟ طالب: جهة. الشيخ: كيف جهة؟! شطر بمعنى جهة نعم، جهة المسجد الحرام، ووصف بالحرام لاحترامه وتعظيمه، ولذلك كان هذا المسجد محترمًا معظمًا حتى ما حوله صار محترمًا معظمًا، البلد آمن حتى الأشجار التي لا إحساس لها آمنة في هذا المكان، ولهذا حرم النبي عليه الصلاة والسلام أَنْ يُخْتَلَى خَلَاهَا أَوْ يُعْضَدَ شَوْكُهُ أَوْ يُقْطَعُ شَجَرُهُ كل ذلك لاحترام هذا المكان. طالب: قوله: مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَورد (...)؟ الشيخ: إي، مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَيعني أي مكان تخرج حتى في البر في البحر إذا خرجت في أي مكان. طالب: لماذا يا شيخ يعني ما قال: تجاه البيت؟ الشيخ: إي؛ لأن المسجد الحرام فيه الكعبة، والإنسان البعيد ما يمكن أن يصيب عين الكعبة، وهو في الحقيقة إذا قال قائل هذا الإيراد نقول: لأن الكعبة في المسجد، فمن تولى المسجد تمامًا، فطبعًا المسجد مركزه هي الكعبة، أين ما كنت فإنك تنصب إلى الكعبة. طالب: ما معنى الإيراد؟

الشيخ: الإيراد يقول: لماذا لم يقل: فول وجهك الكعبة بل شطر المسجد الحرام؟ نقول: لأن الكعبة فيه. طالب: إن شطر المسجد تقال للتوسيع وأن تتسع دائرته يبعد عنه. الشيخ: إي نعم، إي، لكن إذا قلنا: إن اتسعت دائرته، وقلنا: إنك إذا اتجهت إلى قلب المسجد فقلب المسجد هي الكعبة ما هو معناها لو فرضنا، الآن ما هو لو فرضنا، الواقع الآن المسجد أوسع من الكعبة، فهل إذا كان الإنسان من الشمال أو من الجنوب إذا اتجه إلى الشمال خلى الكعبة عن يساره، صحيح أنه متجه إلى جزء من المسجد، إلى جزء منه، لكنه لم يتجه إلى قلب المسجد؛ لأن قلب المسجد هي الكعبة. طالب: يفهم من قوله شَطْرَإذن هي قلبه؟ الشيخ: إي نعم شطره؛ لأن المراد جهته جهة المسجد، وبعضهم يقول: نحو المسجد، نحو المسجد الحرام، تعبير الجلالين يقول: نحو المسجد الحرام. وقوله: وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. الطالب: ما هو الوجه؟ الشيخ: أردت من المراد بالوجه جميع البدن، لكنه نص على الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء. فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَإنه أي توليك شطر المسجد الحرام للحق، وَإِنَّهُ لَلْحَقُّاللام هنا للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بمؤكدين: إحداهما (إن)، والثانية: اللام. وقول: لَلْحَقُّالحق تقدم لنا أنه بمعنى الشيء الثابت؛ لأنه محقوق؛ أي مثبت. ومنه إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٦] حقت بمعنى ثبتت ووجبت. فقوله: الْحَقُّإن كان في مقام الأحكام فالمراد به العدل، وإن كان في مقام الأخبار فالمراد به الصدق، كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام: ١١٥]. وقوله: مِنْ رَبِّكَتقدم الكلام عليه، وأن هذه ربوبية خاصة، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَوفي قراءة: {عَمَّا يَعْمَلُونَ} (ما) هل هي حجازية ولا تميمية؟ طالب: حجازية.

الشيخ: ما فيه دليل أنها حجازية؛ لأنها دخلت على الباء في الخبر، والباء في الخبر تمنع أن تكون معلومة هل هي حجازية أو تميمية، ولكننا نقول: القرآن الكريم نزل بلغة العرب بلغة قريش، والدليل على ذلك أنها إذا جاءت في مكان آخر نصبت الخبر كما في قوله تعالى: مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١] لو كانت تميمية لقال: ما هذا بشر، فعُلم من ذلك أن (ما) بالقرآن إذا تمت شروطها فإنها تعمل عمل (ليس) حجازية، كيف نعرب بِغَافِلٍ؟ نعربه فنقول: (الباء) حرف جر زائد للتوكيد، وقلت لكم فيما سبق: إن الأولى أن نقول: الباء للتوكيد فقط، ما نقول: زائد لئلا يفهم السامع أن في القرآن ما ليس له معنى، فنقول: الباء للتوكيد، وغافل: خبر ما منصوب بفتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر، ولا أحد يقول: إنه زائد. وقوله: بِغَافِلٍما معنى الغفلة؟ الغفلة الذهول عن الشيء وعدم الفراغ له، والله سبحانه وتعالى نفى الغفلة عن نفسه ليثبت بذلك كمال علمه ومراقبته، فالصفة إذن من الصفات السلبية التي يُراد بها نفيُها مع إثبات كمال ضدِّها؛ أي لكمال علمه وكمال مراقبته لا يغفل عن ما يعمل الناس، وقوله: عَمَّا تَعْمَلُونَبالتاء خطاب للمسلمين، و{عَمَّا يَعْمَلُونَ} بالياء خطاب لمن؟ لهؤلاء الذين اعترضوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى ليس بغافل عنهم، بل سوف يجازيهم بما يستحقون. طالب: دائمًا يا شيخ (عَمَّا تَعْمَلُونَ) و(عَمَّا يَعْمَلُونَ) فيها قراءتين؟ الشيخ: لا لا، ليس بدائم، أحيانا (عَمَّا يَعْمَلُونَ) بالياء وأحيانًا بالتاء وأحيانًا بها قراءتان. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أن ما جاء من عند الله فهو حق لقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ. ومنها: أن ما خالف عما جاء من الله فهو باطل لقوله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]. ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم بذكره بالربوبية الخاصة لقوله: مِنْ رَبِّكَ، وقد سبق لنا غير مرة أن ربوبية الله سبحانه وتعالى عامة وخاصة، وأنهما اجتمعا في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]. ومن فوائد الآية: أن الشك ينافي الإيمان لقوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. ومن فوائدها: أنه قد يُنهى عن الشيء مع استحالة وقوعه لقوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فإن النبي عليه الصلاة والسلام لن يكون من ذلك، من هؤلاء الصنف. ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالرسول صلى الله عليه وسلم بالتثبيت؛ لأن قوله له: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَيقتضي ثباته عليه، وقوله: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَيقتضي استمراره على هذا الثبات، ولا شك أن في هذا من تأييد الرسول عليه الصلاة والسلام وتثبيته ما هو ظاهر. ثم قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير. من فوائد هذه الآية: أن الأمم قد تختلف مناهجها، وإن اتفقت على أصل واحد وهو الإسلام، لكن تختلف المناهج لقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]. ومن فوائدها: أن الإنسان يجب عليه اتباع الحق ولا ينظر إلى غيره، لا يقل: والله الناس على كذا فكيف أشذ عنهم؟ بل يجب عليه أن يتبع الحق أين ما كان؛ لأن قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌيشتمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية؛ يعني ما وجّه الله العباد إليه شرعًا، وما وجههم إليه قدرًا؛ فالوجهة القدرية معروف من الناس من يهديه الله سبحانه وتعالى فيكون اتجاهه إلى الحق، ومن الناس من يُخذل فيضل فيكون اتجاهه إلى الباطل، فلا يغرنك اتجاه غيرك إلى الباطل إذا كنت على الحق لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا، ويشمل ما قلت قبل قليل يشمل الوجهة الشرعية، وهي اختلاف الشرائع بينها فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقًّا، فإنها حق من الله. ومن فوائد الآية: وجوب المسابقة إلى الخير لقوله: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ. ومنها: أن الأمر يقتضي الفورية؛ لأن الاستباق إلى الخير لا يكون إلا بالمبادرة إلى فعله، فهذه الآية مما يستدل به على أن الأمر للفورية.

ومنها: البلاغة التامة في قوله: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، دون استبقوا إلى الخيرات، وإن كان بعض الناس يقولون: إنها نُزع منها حرف الجر، فليس بصحيح، الآية ما فيها نزع؛ لأن استبقوا الخيرات يشمل الاستباق إليها والاستباق فيها، ما هو المعنى إذا وصلت إلى الخير فتقف، لا حتى بنفس فعلك للخير، كن مسابقًا، وهذا يشبهه قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦] لم يقل: اهدنا إلى الصراط؛ لأن المطلوب أن يصل الإنسان إلى الصراط ويستمر فيه، ولهذا قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَهذه مثلها، وإن كان بعض المفسرين نحا إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: استبقوا إلى الخيرات، لكنها الصواب أنها ليست كذلك. من فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بالخلق أينما كانوا لقوله: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا. ومنها: الإشارة إلى البعث؛ لأن الإتيان بالجمع متى يكون؟

الطلبة: يوم القيامة. الشيخ: يوم القيامة لقوله تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣].

ومن فوائد الآية: إثبات قدرة الله عز وجل، إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوأنها شاملة لكل شيء، وقد قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]. طالب: شيخ، ألا يستفاد من الآية الرد على الجبرية (...)؟ الشيخ: إي نعم، قد يستفاد على قراءة: مُوَلِّيهَاأو {مُوَلَّاهَا} ففيها قراءة هو {مُوَلَّاهَا} قد يحتجون به لكن لا مانع أن نبحث هذا، على قراءة هُوَ مُوَلِّيهَاواضح أن الفاعل هو الإنسان المتجه. وعلى قراءة: {هُوَ مُوَلَّاهَا} معناه أن الله هو الذي ولَّاه إياها، وليس فيه دليل على مذهب الجبرية، يعني ليس فيه دليل لهم بأنه حق؛ لأن المراد بـمُوَلَّاهَاالوجهة الشرعية، المراد بها الوجهة الشرعية، أما على مُوَلِّيهَافتشمل الوجهة الشرعية والوجهة القدرية، أما {مُوَلَّاهَا} فإنها إنما يراد بها الوجهة الشرعية، يعني مُولًّى إياها موجه إليها، وقد تكون أيضًا للوجهة القدرية ولا مانع، فيكون الله سبحانه وتعالى يوليه إياها حينما زاغ، إذا زاغ عن الحق أزاغ الله قلوبهم. طالب: شيخ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ(...)؟ الشيخ: إي نعم، حتى ما فيها دليل ما فيها دليل أصلًا. قال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. يستفاد من هذه الآية: وجوب التوجه إلى المسجد الحرام أين ما كان الإنسان لقوله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ. ومن وفوائدها أيضًا: أن الأمر الهام يُكرر لتثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة فيه، فالأمور الهامة وهذا أمر هام كون المسلمين يُنقلون من وجهة إلى وجهة للقبلة أمر هام له شأنه العظيم، ولهذا ارتد من ارتد من الناس، نسأل الله العافية، فيكرر لأمور ثلاثة؛ وهي: تثبيته، والتثبيت عليه، ودفع المعارضة، حتى لا أحد يعارض؛ لأنه إذا كلما كرر معناه أنه أمر ثابت محكم يجب الثبوت عليه، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. ومن فوائد الآية: إثبات حرمة المسجد الحرام لقوله: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. ومن فوائدها: أن التوجه إلى القبلة هو الحق، وأنه ليس صادرًا عن هوى لقوله: وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَفأثبت فيه الحقية مؤكدًا بـ (إن) و(اللام).

ومن فوائد الآية: عناية الله سبحانه وتعالى بالنبي عليه الصلاة والسلام بالربوبية الخاصة مِنْ رَبِّكَ.

ومن فوائدها: كمال عِلم الله سبحانه وتعالى ومراقبته لخلقه، نأخذها من قوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَأو {عَمَّا يَعْمَلُونَ} قراءتان.