تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الأنعام - ٥

درس صوتي · ٨٧:٠٩

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت رؤية الله عز وجل، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص والإجماع؛ النص القرآني والنبوي. والإجماع: من الصحابة رضي الله عنهم، وأئمة الهدى من بعدهم. من أدلة النظر إلى الله في القرآن، ويش وجه الدلالة؟ طالب: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣] الشيخ: إي نعم، على تقدير: إلى ثواب ربها ناظرة. الطالب: يا شيخ، النظر إذا قُرن بـ(إلى) يفيد.. الشيخ: (...) ما يخالف ويقول: نظر، ما هو نظر فكري كقوله: انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس: ١٠١] يقول: نظر بالبصر، لكن إِلَى رَبِّهَاأي: إلى ثواب ربها، ما يطيعك، خصمك ما يطيعك، يقول: إلى ثواب ربها، نعم تنظر إلى ثواب الله مما في الجنة من النعيم والحور العين وكل شيء، كيف ترد عليه؟ طالب: شيخ، الهاء -يا شيخ- مضاف إلى (رب) يا شيخ، فلا يمكن أن نحمله إلى الثواب. الشيخ: الهاء مضافة إلى رب، غلط هذا. طالب: نقول: الصحابة رضي الله عنهم ما يزالون يقرؤون القرآن.. الشيخ: لا هذا تقرير الإجماع.

طالب: أن الله عز وجل لو أراد أنهم ينظرون إلى ثواب الله لعبّر بهذا صريحًا، ولم يأت بلفظ يحتمل غيره. الشيخ: تمام، هذا الجواب هو السليم، لو أراد الله عز وجل أن يبين أنها تنظر إلى ثواب الله لقاله، فكونه عز وجل يريد ثواب الله، ثم يأتي بقوله: إِلَى رَبِّهَا [القيامة: ٢٣] هذا تعمية على الخلق. هل هو بيان ولّا تعمية؟ تعمية، والله عز وجل يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، ويقول: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] ثم ما دليلك على أن تقحم هذه الكلمة في القرآن؟ أنت إذا أجزت هذا، أجزت لمن أراد أن يعبر عن القرآن بالمعنى أن يقول: وجوه يومئذ ناضرة إلى ثواب ربها ناظرة، وهذا تحريف ظاهر، واضح؟ طيب، من السنة؟ طالب: في قول الله تعالى.. الشيخ: لا (...). الطالب: في تفسير قوله تعالى.. الشيخ: لا. طالب: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» .

الشيخ: نعم «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» وهذا التشبيه للتحقيق، يعني كما أنكم في أماكنكم المتباعدة ترون القمر ليلة البدر بدون انضمام بعضكم إلى بعض، فإنكم سترون الله عز وجل. ولما سأل أبو رَزِين العُقيليّ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسولَ اللهِ، كيف يُحاسِبُنا الله تعالى في يومٍ واحدٍ ونحن جميعٌ وهو واحدٌ؟ كيف هذا؟ قال: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللهِ؟ ما هو؟ قال: الْقَمَرُ، كُلُّكُمْ يَرَاهُ فِي مَكَانِهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَأَنْتُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ إذن هذا الحديث كما قال الأخ دليل على ثبوت رؤية الله بالعين. طيب، بقينا في الإجماع؟ طالب: أجمع الصحابة والتابعون على رؤية الله سبحانه وتعالى. الشيخ: من قال هذا الكلام؟ الطالب: نقل الثقات يا شيخ. الشيخ: كيف السبيل إلى إثبات هذا الإجماع؟ الطالب: نقل العلماء الثقات. الشيخ: لا، العلماء بماذا استدلوا على إجماعهم؟ الطالب: بالقرآن والسنة. طالب: لما قرأ الصحابة القرآن، وقرؤوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفسروه على ظاهره، ولم يصرفوا اللفظ عن ظاهره، فهذا دليل على أنهم مجمعون، ولم يثبت أي أحد من الصحابة خالف في تفسير ذلك. الشيخ: ذكرت لكم هذا، قلت: لو قال لك القائل: لا تصديق لما تقول من الإجماع، أين طريقه؟ أقول: إن الصحابة قرؤوا القرآن، وسمعوا الأحاديث من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلاف ظاهره، فيكون هذا إجماعًا منهم أيش؟ ما هو سكوتي، إقراري، إجماعًا منهم على أنها على ظاهرها، وهذا حجة لا إشكال فيها، هات واحدًا من الخلفاء الراشدين، أو غيره من الصحابة، يقول: إن الرؤية لما أعد الله لهم من الجنة والثواب، وليس لرؤية الله، ما تجد. أئمة الهدى من بعدهم تبعوهم. على كل حال الآية الموجودة هنا من لقاء الله استدل بها بعض العلماء على ثبوت رؤية الله سبحانه وتعالى، محتجًّا بأن الملاقاة لا بد أن تكون مواجهة. فإن صح هذا الاستدلال، وإلا فنحن في غنى عنه، واضح؟ طيب إذا لم يصح هذا الاستدلال فالمراد بلقاء الله: البعث بعد الموت؛ لأن الكافر لن يرى الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الساعة تأتي بغتة، سواء كانت الساعة الكبرى، أو الساعة الصغرى. ألم تكن الساعة الصغرى تأتي بغتة؟ بلى، تأتي الزلازل بغتة، تأتي العواصف والقواصف بغتة، وقد حذر الله عز وجل من هذا فقال: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ [الأعراف: ٩٧] نائمون ساترون، لا يفكرون في عذاب، فيأتيهم وهم نائمون، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف: ٩٨] هم يلعبون، لاهون، ما فكروا أن يأتيهم العذاب فيأتيهم العذاب، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ [الأعراف: ٩٩] بما أنعم عليهم من الأمن والرغد والرخاء فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] خسارة البغتة هنا الساعة الكبرى والصغرى. من فوائد هذه الآية الكريمة: شدة تحسر هؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله، وإقرارهم على أنفسهم بأنهم فرطوا، ولكن هل هذا ينفعهم؟ لا، انتهى العمل، ما ينفعهم، شيء فات لا يمكن رده، ولهذا أقروا بأنهم مفرطون. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الأوزار يحملون أوزارهم على ظهورهم يوم القيامة حقيقةً أو مجازًا؟ حقيقة؛ لأن هذا هو الواجب؛ أن نجري النصوص القرآنية والنبوية على ظاهرها. فإذا قال قائل: كيف يحملونها؟ فالجواب: أن هذا سؤال في غير محله؛ لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعمال محل الثناء والقدح؛ لقوله: أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ، هذا قدح. محل الثناء مثل قوله تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، فالأعمال محل القدح ومحل المدح. إذا ثبت القدح في العمل أو المدح فهل يستلزم القدح في الفاعل، في العامل، أو المدح له؟ الجواب: نعم، هذا هو الأصل، لا سيما في أمور الدنيا، فإنه ليس لنا إلا الظاهر، أمور الآخرة عند الله. ولهذا لو أننا رأينا شخصًا يسجد لصنم قلنا: كافر، مع أنه يحتمل أن يكون جاهلًا، لكن نقول: كافر، فإن استقام ووحد الله ارتفع عنه هذا الوصف، وإلا فهو باق. وليعلم أن بعض الناس توسعوا في مسألة التعيين والتعميم، حتى إن بعضهم شك هل يجوز أن نقول لمن سجد للصنم: إنه كافر. الله المستعان، كيف؟ قل ولا تبالِ: هل يجوز أن نقول لمن ترك الصلاة: إنه كافر؟ نقول: قل ولا تبال، إذا لم تقل فمتى يكون كفرًا ومتى يكون شركًا؟ نعم إذا وُجد مانع من التكفير فحينئذ يكون لكل شيء حكمه. وأما الأصل فإننا نحكم على كل من فعل ما يكفر، أو قال ما يكفر، بأنه كافر بعينه؛ حتى نقيم عليه الحد. فإذا ادعى مانعًا نظرنا هل هذا صحيح أو غير صحيح؟ ونحكم لكل قضية بما تقتضيه الحال. الطالب: معلوم في بعض الآيات. الشيخ: نعم. الطالب: فيه الآيات التعبير بالخطايا. الشيخ: أيش؟ الطالب: في بعض الآيات فيه التعبير بالخطايا؛ كقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ [العنكبوت: ١٢]. الشيخ: نعم. الطالب: (...) صريح بأنه الذي يحمل هو الخطايا، والأوزار دون جزاء الأعمال؟ الشيخ: (...) الآن في القيامة ما فيه أعمال، في القيامة ما فيه إلا الجزاء فقط. طالب: أحسن الله إليكم، الذي يقول: إن الله يرى لكن لا من جهة، هل يعني يعتبر أنه أثبت رؤية الله؟ الشيخ: أبدًا، ما يمكن يرى الشيء بدون جهة، وأين تراه؟ لكن هذا غريب. والظاهر لي بناء على ما نعرف من ذكائهم: أنهم لا يريدون أنه لا يرى من جهة، لكن يقول: يرى، ولكن لا تثبت الجهة، فهمت؟ وبينهما فرق، إذا قلنا: لا يرى من جهة معناه الإنكار، وإذا قلنا: يرى لا من جهة، أي: لا تثبت الجهة، فهذا ليس كالأول، إنما يجب أن نقول: إن الله تعالى في جهة بلا شك، وهي جهة العلو، أليس الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للجارية: «أَيْنَ اللهُ؟» نعم، وقالت: في السماء ، لكن جهة تحيط به عز وجل، أو جهة لا تليق به كجهة السفل، هذا ممنوع.

تفسير الآية (٣٢)

٠٠:١٠:٥٩

قال الله تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ. (ما) نافية، و(الحياة) مبتدأ، وما بعد (إلا) هو الخبر، وهذا طرق من طرق الحصر، وهو أقوى طرق الحصر، أعني النفي والإثبات. مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ، الحياة الدنيا هي حياتنا هذه، ووصفت بالدنيا لوجهين: الوجه الأول: دنو زمنها. والوجه الثاني: دنو مرتبتها. أما الأول فظاهر، فإن الدنيا قبل الآخرة، وأما الثاني فظاهر أيضًا لمن كان ذا عقل، فإن هذه الدنيا دنية، ليس فيها خير، وغاية ما فيها أن ينعم البدن دون القلب، فأهل الدنيا محرومون من نعيم القلب؛ لقول الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] فالحياة الطيبة لمن جمع بين هذين الوصفين؛ العمل الصالح والثاني: الإيمان. إذن سميت دنيا لهذين الوجهين: الأول: دنو الزمن. والثاني: دنو القدر والمرتبة؛ فإنها دانية، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما رواه الإمام أحمد عن المستورد بن شداد، قال: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها وما فيها، وهو موضع سوط، فكيف والإنسان في الجنة -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- ينظر إلى أقصى ملكه كما ينظر إلى أدناه مسيرة ألفي عام. وقوله: إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌأي: لعب بالأبدان ولهو بالقلوب. كل عمل الدنيا لعب، كل عمل الدنيا لهو، لكنه لهو بشيء عن شيء، لهو بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة، لعب بالنسبة أنه لا يحصل فاعله على شيء، فأدنى ما يقال: إنه ليس له ولا عليه في هذا العمل، لا له ولا عليه، مع أنه قد يكون عليه إذا كان لا له ولا عليه، فهل هو جد أو لعب؟ أجيبوا، لعب لا شك، إذا كان لا له ولا عليه، وهكذا نقول في معنى قوله: لَعِبٌ. إذا قال قائل: كيف يكون لعبًا وأهل الدنيا عندهم جد وعزيمة ونشاط في أعمالهم؟ قلنا: لكنه بالنسبة للثواب والأجر لعبٌ لا خير فيه. وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَاللام هنا لام الابتداء، وتفيد التوكيد. و(الدار الآخرة) فيها قراءتان: هذه القراءة لَلدَّارُ الْآخِرَةُ، والثانية: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} بالإضافة. الدار الآخرة هي عديلة الدنيا، وضرة الدنيا، وهي ما يكون بعد البعث، وسماها الله تعالى آخرة لأنها آخر المراحل؛ فإن بني آدم لهم أربع مراحل: المرحلة الأولى: في بطون الأمهات.

والمرحلة الثانية: في هذه الحياة. والمرحلة الثالثة: في البرزخ بين البعث والممات. والمرحلة الرابعة: في البعث بعد الممات إذا قامت الساعة، ولذلك سميت آخرة. خَيْرٌمنين؟ من المعلوم أن سياق الكلام يقتضي: خير من الدنيا ولعبها ولهوها. وحذف المفضل عليه للعلم به. ومن قواعد البلاغة: أن المعلوم الذي لا يحتاج إلى تكلف في تقديره حذفه أولى؛ لما في ذلك من الاختصار، وقد يكون الأمر بالعكس تقتضي البلاغة أن يبسط في القول. خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَأي: يتقون الله عز وجل. وتقوى الله تعالى مرت علينا كثيرًا، يجمعها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم وبصيرة. وبعضهم يتفنن في تعريفها، كقولهم:

خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَـــــــــا

وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَـــــــــــــــــــــــــــــى

وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ

ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى

لَا تَحْــــــــــقِرَنَّ صَــــــــــــــــــغِيرَةً

إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَـــــــــــــى

وبعضهم يقول: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. لكن الأول أجمع وأوضح؛ لأنه يُعرف به اشتقاق التقوى، اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة. خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَالاستفهام هنا للتوبيخ، والمعنى: اعقلوا هذه الحقيقة، واعرفوا قدر الدنيا وقدر الآخرة.

والمراد بالعقل هنا: عقل الرشد، لا عقل التكليف؛ لأن هؤلاء يعقلون، لكنها عقول ليست عقول رشد. في هذه الآية فوائد: منها: التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، وجه ذلك بأنه وصف الدنيا بما سمعتم، ووصف الآخرة بما سمعتم. ومنها: أن الدنيا كلها لعب ولهو، لعب في الجوارح، ولهو في أيش؟ في القلوب. ومنها: أنه لا حال للدنيا سوى ذلك، وجه الدلالة الحصر وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ. ومنها: أن الدار الآخرة خير للمتقين؛ للذين يتقون، خير من أيش؟ خير من الدنيا. وعلى هذا فما يصيبهم في الدنيا من الأذى في الله عز وجل، أو في أمراض تصيبهم، أو في فقد حبيب، أو ما أشبه ذلك، فإنه في الآخرة يُنسى وكأنه لم يكن؛ لأن الدار الآخرة تمحو كل شيء سبق، كأنه لم يكن. ومنها: إثبات الدار الآخرة؛ لأن إثبات وصفها يدل على وجود أصلها. ومنها: أن الآخرة خير لهؤلاء المعتصمين بالتقوى، ولغيرهم ليست خيرًا، بل هي شر، ولهذا جاء في الحديث أنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وجَنَّةُ الْكَافِرِ . فهي بالنسبة للمؤمن سجن؛ لأنه لو نسب نعيم الدنيا كلها إلى نعيم الآخرة لم يكن شيئًا، أما الكافر فهي جنته؛ لأنه في الدنيا كان في أهله مسرورًا، لكن في الآخرة على العكس من ذلك.

وقد حدثناكم بما جرى للحافظ ابن حجر، وكان رئيس القضاه في مصر، ومر بيهودي زيات تعبان من الأذى؛ أذى الزيت والحرارة وغير ذلك، وابن حجر -رحمه الله- تجره الخيول أو البغال على العربة؛ لأنه كان قاضي القضاه في مصر، فاستوقفه هذا اليهودي وقال: كيف تكون أنت في هذه الحال، وأنا في هذه الحال، والحديث عندكم «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» ؟ فأجابه على البديهة، قال: ما المؤمن فيه من النعيم بالنسبة للآخرة إلا سجن، وما العذاب الذي أنت فيه بالنسبة للآخرة إلا جنة. فعلم اليهودي الحقيقة وأسلم. ذكر الله تعالى في تفضيل الآخرة على الدنيا ثلاث آيات: الآية الأولى: تتعلق بشخص معين، والثانية: بمعين بوصف، والثالثة: إطلاق. ما هي الآية المقيدة بشخص معين؟ طالب: وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: ١- ٤]. الشيخ: قوله تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىوهو الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمعينة بوصف وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقوله عز وجل: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: ٧٧]. وما هي المطلقة؟ طالب: في آخر سورة (سَبِّح). الشيخ: آخر سورة (سبح): بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧] بارك الله فيك.


تفسير الآية (٣٣)

٠٠:٢٠:١٤

ثم قال الله عز وجل: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ. البحث أولًا: قَدْ نَعْلَمُ(قد) للتحقيق، لكن قال النحويون: إنها مع الماضي للتحقيق، ومع المضارع للتقليل، هذا هو الغالب مع الماضي للتحقيق؛ كقوله تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ [ق: ٤]. وفي المضارع يقولون: إنها للتقليل، ومنه قولهم: قد يجود البخيل، فـ(قد) هنا للتقليل، لكنها وردت في القرآن مقرونة بالمضارع، وهي للتحقيق، مثل قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور: ٦٤]، ومثل هذه الآية قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ، ولها أمثلة. فهل نقول: إنها للتقليل، أو نقول: إنها للتحقيق؟ الجواب: للتحقيق لا شك، لكن عبر عن الماضي بالمضارع؛ إشارة إلى أن الله عز وجل علم ويعلم ما يكون، فتكون دالة على الاستمرار، بخلاف علم الماضي، فهي دالة على شيء مضى وانتهى، لكن إذا كان الشيء مستمرًّا جاءت بلفظ المضارع. وثانيًا: إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَمع أنها واقعة بعد العلم، وإذا وقعت بعد العلم وجب أن تكون مفتوحة الهمزة، كما في قوله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧] عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ [البقرة: ٢٣٥] فلماذا كسرت الهمزة هنا؟ كسرت لوجود اللام، لام التوكيد. فإذا وجدت لام التوكيد وجب كسر (إن) على كل حال، عرفتم؟ إذا اقترن خبرها أو اسمها باللام وجب أن تكسر على كل حال، لولا اللام لكان سياق الآية: قد نعلم أنه يحزنك، لكن اللام تكسر الهمزة. قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَفيها قراءتان: {لَيُحْزِنُكَ}، و لَيَحْزُنُكَ. {لَيُحْزِنُكَ} من الرباعي، من أحزنه يُحْزِنه. لَيَحْزُنُكَمن الثلاثي: حزنه يَحْزُنه. والحزن ضد السرور، وهو معنى قائم بالنفس، يستلزم الانكسار والندم. لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَما الذي يقولون؟ يقولون قولًا منكرًا عظيمًا، يقولون: لله البنات، يقولون: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله عز وجل، يقولون للرسول عليه الصلاة السلام: إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كاهن. فكل ما يقولونه مما ينافي التوحيد والرسالة لا شك أنه يحزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هل هذا انتصار لنفسه، أو حزنًا لله عز وجل؟ الثاني بلا شك. فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَيقولها عالم السر وأخفى عز وجل، الذي يعلم ما في القلوب إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَيعني: في قلوبهم، وأما في ألسنتهم يقولون: إنه ساحر كذاب، لكن في قلوبهم لا، يعلمون أنه صادق وأنه أمين، وكانوا يسمونه قبل الرسالة الأمين ويرضونه ويحكِّمونه، لكن لما جاء بالحق -والعياذ بالله- شرقوا به وأنكروه. فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَأي: بقلوبهم، بخلاف الألسن، فإنهم يكذبون فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، الظَّالِمِينَهنا المراد بهم: المكذبون للرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو ظلم الكفر. بِآيَاتِ اللَّهِمتعلق بـ يَجْحَدُونَوقُدّم عليه لإفادة الحصر، والثاني: لتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة بلا شك، ولهذا تأمل قول الله عز وجل في سورة طه: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠] فقدم هارون، مع أن موسى مقدم في جميع المواضع، لكن من أجل تناسب رؤوس الآيات. ففيها إذن فائدتان: معنوية، والثاني: لفظية. المعنوية: هي إفادة الحصر، كأن المعنى: ولكنَّ الظالمين لا يجحدون إلا بآيات الله، وإلا يعترفون بأشياء كثيرة، إلا آيات الله عز وجل فإنهم لا يعترفون بها. في هذه الآيات الكريمة: إثبات علم الله عز وجل في كل ما يقوله هؤلاء المكذبون؛ لقوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. ومنها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقوية روحه المعنوية؛ فإن في هذه الآية من تسليته وتقوية روحه المعنوية ما هو ظاهر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يسلي أخاه فيما يقع لمثله حتى يهون عليه الأمر؛ لأن الإنسان بطبيعته إذا وجد مشاركًا أيش؟ هان عليه الأمر، ألم تر إلى قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]، في الدنيا إذا اشتركوا في العذاب هان عليهم، لكن في الآخرة لن ينفعهم، وانظر إلى قول المرأة الخنساء:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــاكِينَ حــــــــــَوْلِي

عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ

أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّـــــي

فإذا ذكر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ما يسليه، ويقوي معنويته، ويذهب عنه حزنه، فإن هذا من فضل الله عليه تبارك وتعالى. ومن فوائد الآيات الكريمة: حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هداية الخلق، وأنه يحزنه إعراض الناس عن دين الله عز وجل. ومنها: علم الله تعالى بما في القلوب؛ بقوله: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. نظير هذه الآية قوله تعالى عن آل فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًاهذه مفعول لأجله عامله (جحدوا)، أي: جحدوا بذلك ظلمًا وُعُلُوًّا [النمل: ١٤]، وانظر إلى قول موسى، وهو يجادل فرعون، يقول له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء: ١٠٢] قال: لَقَدْ عَلِمْتَ، ولم يكذبه فرعون، في هذه المحاورة، ما قال: لم أعلم، بينما لما كان يشرح لقومه يقول لهم: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ [القصص: ٣٨] والظاهر لي -والله أعلم- أن فرعون لم يقل لموسى: إنني لا أعلم خوفًا من نزول العقوبة العاجلة، أو خوفًا من أن ينزل كتاب يكذبه. على كل حال الرجل أقر، وطريق إقراره السكوت. من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للدعاة أن يتسلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما إذا سمعوا ما يكرهون من هؤلاء المكذبين المعاندين، فليتسلوا به ويقولوا في أنفسهم وفي ألسنتهم: إن الله تعالى عالم ما تقولون وسيجازيهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجحد بآيات الله كفر، ولو استيقنها الإنسان، ما دام جحدها، وإن كان مؤمنًا بها في قلبه، فإنه يكفر؛ لأن أحكام الدنيا تُجرَى على أيش؟ تجرى على الظاهر. فنحن نكفر من أظهر الكفر وإن كان مؤمنًا بقلبه، ونسكت عمن أظهر الإسلام ولو كان كافرًا بقلبه؛ لأن هذا أحكام الدنيا التي أوجب الله عز وجل؛ إذ إننا نحن لا نعلم ما في قلوب الناس، ومن ثم أنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أسامة بن زيد حيث قتل المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، واحتج أسامة بأنه قالها تعوذًا، أي: خوفًا من القتل، لا عن يقين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟» . فأمور الدنيا على الظاهر لا على الباطن، لكن في الآخرة -نسأل الله أن يسترها علينا وعليكم- على الباطن، كما قال عز وجل: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٨، ٩]، وقال عز وجل: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات: ٩، ١٠]. إذا قيل: هل هناك وصف آخر يكفر به الإنسان؟ فالجواب: نعم، بالاستكبار، فالردة لها أصلان فقط: الجحود، والثاني: الاستكبار. الجحود ولو عمل ولم يستكبر ظاهرًا، فإنه يكفر، كما لو قال: الصلوات الخمس غير مفروضة لكني أفعلها تورعًا واحتياطًا، ماذا نقول له؟ نقول: إنه كافر؛ لأنه جحد. والاستكبار: أن يستكبر عن فعل ما تركه كفر، ما عن كل شيء، على أن الإنسان إذا ترك الطاعة استكبارًا حتى ولو كانت نافلة فإننا في شك من إيمانه؛ لأن جنس الاستكبار علو على الله عز وجل، وعلى أوامره ونواهيه، فيخشى إذا ترك المسنون استكبارًا واستنكافًا أن يكون كافرًا، لا إذا تركه عمدًا متهاونًا به. هناك فرق كما تعرفونه من أنفسكم، فرق بين شخص يقول: أنا لا أصلي الراتبة استكبارًا، وآخر يقول: لا أصلي الراتبة لأنها لا تجب علي. الثاني: لا يكفر ولا يفسق. وأما الأول: فإن الإنسان يكون في شك من إيمانه؛ لأن الاستكبار -والعياذ بالله- علو على الخالق، وعلى أوامره تبارك وتعالى فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.

تفسير الآية (٣٤)

٠٠:٣١:٤٢

ثم سلَّاه الله عز وجل بطريقة أخرى فقال: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ، وما أكثرهم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن الرجل لا يتبعه إلا رجلان، أو رجل واحد، والنبي ليس معه أحد . نوح عليه الصلاة والسلام بقي في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، يذكرهم بآيات الله، ويجهر لهم بالدعوة، ويسر بالدعوة، ولكن لم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وهو صابر ألف سنة، صابر على الأذى والسخرية، هو يصنع السفينة فإذا مروا به كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [هود: ٣٨] وتأمل (ملأ) الملأ الأشراف، وسخرية الأشراف غير سخرية آحاد الناس، يعني: أشد في قمع الإنسان واستهانته، كُذبوا وأُوذوا فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا، صبروا: أي تحملوا الرسالة وأدوها على ما فيها من مصادمات وأذى. صَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوايَحتمل أن تكون معطوفة على كُذِّبُوايعني: صبروا على ما كذبوا وعلى ما أوذوا، ويحتمل أن تكون معطوفة على كُذِّبَتْيعني: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا. والمعنيان لا يختلفان كثيرًا. أُوذُوابالقول أو بالقول والفعل؟ بهما جميعًا، حتى إن بعضهم قتل. أوذوا بالقول: يسخرون بهم خِلقة وخُلقا، وغير ذلك، حتى إن اليهود قالوا لموسى: إنه رجل آدَرُ؛ أي: كبير الخُصيتين، وهذا عيب عند الناس، وكان موسى عليه الصلاة والسلام لا يبدي عورته لهم، فلما كان ذات يوم خلع ثوبه ليغتسل، ووضعه على الحجر، هرب الحجر بثوبه، فجعل يسعى وراءه ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، لكن الحجر لم يقف إلا في الملأ من بني إسرائيل حتى شاهدوا أن موسى بريء مما قيل فيه ، وأظهر الله تعالى كذبهم علنًا. فالمهم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أوذوا إيذاء لا يصبر عليه إلا أمثالهم، وقد قال الله لنبيه: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]، بل لما ذكر أنه أنزل عليه الكتاب قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الإنسان: ٢٣، ٢٤] لم يقل: فاشكر نعمة الله، قال: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَإشارة إلى أنه سيناله ما يناله من الأذى من أجل هذا الكتاب الذي نزل عليه. طالب: قلنا: لهو بالقلب ولعب بالجوارح، فهل يقال يعني هذا اللفظان من الألفاظ التي إذا اجتمعا تفترقا، وإذا..؟ الشيخ: ربما يقال: إذا افرد أحدهما لزم منه الآخر. طالب: عفا الله عنك يا شيخ، العقل يا شيخ، لو نظرنا في اللي صنعوا آلات اللهو (...) قلنا: هذا ذكاء، ولكن بالحقيقة إنه عقوبة؛ لأن على كل حال إن الله محاسبهم مثلما حاسب المصورين. الشيخ: يعني ابتلاء من الله عز وجل، هو يجب أن نعرف الفرق بين الذكاء والعقل؛ الذكاء: سرعة الإدراك، سرعة إدراك الشيء معناه الذكاء، لكن العقل: حسن التصرف، وليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكي. أليس كذلك؟ يوجد من العقلاء القائمين بأمر الله عز وجل على ما يرضي الله من هو بليد، حتى روي حديث ضعيف: «أَكْثَرُ أَهْل الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» . البله يعني: الأبله، لكنه موضوع، إنما بعض العلماء جعل له وجهًا قال: إنهم بله في أمور الدنيا، ولكنهم أذكياء في أمور الآخرة. لكن الحمد لله، الحديث موضوع، ونستريح منه. الطالب: (...) يصنعون آلات اللهو والمصنوعات الأخيرة هذه شيخ يعاقبون على مثلها مثلما يعاقب المصورين عليها. الشيخ: لا، ما نقدر أن تقول عليهم، لكن كل من أساء بواسطة هذه الآلات فله نصيب من الإثم. الطالب: مثل التلفزيون، مثل الدش.. الشيخ: إي نعم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُواسبق أن قلنا: إن هذه الجملة مؤكدة بكم؟ طالب: دخول اللام عليها. الشيخ: أنت الآن بدأت بالأخير، الأول القسم المقدم. الطالب: الثاني: (اللام) والثالث: (قد).

الشيخ: أحسنت كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُواهل ذكرنا مثالًا لهذا؟ هل ذكرنا مثالًا أن رسولًا كُذب وأوذي، موسى عليه السلام، هل هناك دليل على هذا المثال؟ طالب: لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩]. الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك. قوله: وَأُوذُوامعطوف على أيش؟ طالب: إما معطوفة على كُذِّبَتْ، وإما معطوفة على صَبَرُوا. الشيخ: على صَبَرُوا؟ الطالب: نعم.

الشيخ: نعم، غلط. طالب: على كُذِّبُوا(...). الشيخ: على (ما كذبوا) وعلى (ما أوذوا) نعم، وهذا الأخير أبلغ؛ لأنه يدل على أنهم صبروا على الأمرين؛ على التكذيب والإيذاء. قال: حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا(حتى) هذه للغاية، يعني: فكان الغاية أن الله تبارك وتعالى نصرهم؛ لأن الله أخذ على نفسه أن ينصر رسله، فقال عز وجل: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١]، وقال عز وجل: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١] ولا ينافي هذا ما يحصل لبعض الأنبياء من عدم النصر؛ وذلك لأننا نقول: هؤلاء الذين لم ينصروا إما ألا يكونوا أمروا بالقتال أصلًا حتى يكون نصر، وإما أن نقول: إن النصر نوعان: نصر عاجل للنبي يجده في حياته، ونصر آجل لدعوته يكون لها انتصار من بعده، وآجل أيضًا يكون في الآخرة. حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [الأنعام: ٣٤] أي: لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله عز وجل، لا يبدل كلمات الله إلا الله وحده، كما أنه لا مبدل لحكمه فلا مبدل لكلماته.

وكلماته: هي وحيه الذي أنزله على الرسل، وكذلك هي كلماته القدرية، التي يكون بها النصر لأنبيائه والخذلان لأعدائه. ولا يرد على هذا ما جاء به النسخ؛ لأن مبدل الحكم المنسوخ من هو؟ الله، والآية تدل على أنه لا أحد يبدل كلمات الله، أما الله تبارك وتعالى فله أن يبدل، كما قال تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦]. وقال عز وجل: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١]. وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، و(قد). والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي: لقد جاءك أيها الرسول من نبأ المرسلين. مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَأي: من النبأ الذي يأتيهم، وهو الوحي، هذا المعنى هو المتبادر. المعنى الثاني: لَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَأي: من قصصهم، وأخبارهم، كما قال الله عز وجل: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود: ١٢٠]. وعلى هذا يكون للآية معنيان: المعنى: أنه قد جاءك من أنباء الوحي الذي أتى الرسل من قبلك. والثاني: أنه قد جاءتك أخبارهم، وتبين لك ما حصل للرسل من أتباعهم، وما حصل لأتباعهم. وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ. في هذه الآية فوائد: منها: بيان أن تكذيب الأنبياء ليس وليد عهده، بل هو سابق؛ لقوله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا. فإن قال قائل: ما الحكمة في إرسال الرسل مع تكذيبهم؟ فالجواب: أن ذلك لإقامة الحجة عليهم؛ أي: على المكذبين؛ لأن هؤلاء المكذبين لولم يأتهم رسول لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسول، لولم يأتيهم رسول لكان لهم حجة، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] إلى قوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عتو بعض بني آدم، حيث تأتيهم الآيات فيكذبون؛ لأنه ما من رسول بعثه الله إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا أمر لا بد منه؛ أن يؤتي الله عز وجل الرسل الآيات التي تقوم بها الحجة، فإذا كذب الرسل مع هذه الآيات صار ذلك دليلًا على عظم عتو هؤلاء المكذبين. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره قد أصابه ما أصابه هان عليه الأمر، وقد ذكرنا في التفسير أمثلة لذلك من القرآن ومن كلام العرب، من القرآن أن الإنسان يتسلى بغيره. طالب: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]. الشيخ: قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ، ومن أقوال العرب؟ الطالب: قول الخنساء:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَـــــــــــــوْلِي

عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ

أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّـــــــي

الشيخ: تمام، والواقع شاهد بهذا، لو أن الإنسان أصيب بحادث وانكسرت قدمه، ثم حدث أن آخر أصيب بحادث وانقطعت الرجل مع الفخذ، ماذا يكون؟ نعم يتسلى، وتهون عليه المصيبة. من فوائد الآية الكريمة: الثناء على الرسل عليهم الصلاة والسلام بالصبر على ما كذبوا، وعلى ما أوذوا. ومن فوائدها أيضًا: أنه يجب علينا أن نتأسى، وأن نتسلى أيضًا بما جرى للرسل عليهم الصلاة والسلام، فنصبر على أذى من يقوم أمام دعوتنا، نصبر، والعاقبة للمتقين؛ لقوله: فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الرسل لا يقتصرون على مجرد التكذيب، بل يؤذون الرسل وأتباعهم، والأذية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية، وقد تكون فكرية، وقد تكون عسكرية، أنواع متعددة، والكافر يرى أقرب وسيلة تحصل بها الأذية للمسلم لا شك في هذا، ولو حصل له أن يبيد الأمم الإسلامية في ليلة بين عشية وضحاها لفعل ذلك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فرج الله عز وجل يأتي مع شدة الكرب، كلما اشتد الكرب فاعلم أنه دنا الفرج، ويؤيد هذا قوله عز وجل: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦] فجعل الله مقابل العسر الواحد يسرين، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» . وهذا كلام الله وكلام رسوله حق وصدق، لكن النفوس قد تبوء بالفشل فلا تصبر. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ألا يرجى النصر إلا من عند الله؛ لقوله: حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَالم يقل: حتى نصرهم فلان أو فلان، قال: حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا، وإذا علمنا أن النصر لا يكون إلا من عند الله فممن نطلب النصر؟ من الله عز وجل، ولهذا اختصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عريش له يوم بدر يناشد ربه تبارك وتعالى النصر حتى نصره الله ، والحمد لله لا تطلب النصر إلا من الله، حتى في المجادلة العلمية لا تطلب النصر من فلان يوافقك أو لا يوافقك، اطلب النصر من الله، إذا كنت وصلت إلى الحق فاطلب الله أن ينصرك، أو اطلب الله أن يهديك الصراط المستقيم. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا مبدل لكلمات الله، أي لا أحد يبدلها، إذا قدر الله النصر لا أحد يمنعه، وإذا قدر الخذلان لا أحد يمنعه. أما الكلمات الكونية فعدم المبدل لها ظاهر، الكلمات الكونية لا بد أن تقع، كن فيكون، قال الله تعالى: كن لنزول المطر فنزل، لا أحد يمنعه، قال: كن لامتناع المطر، يمتنع، لا أحد ينزله. فالكلمات الكونية مفروغ منها أنه لا أحد يستطيع أن يبدلها، أما الكلمات الشرعية فمن الناس من يبدلها لكن تبديله هذا باطل، والباطل لا وجود له شرعًا في من بدل الكلمات الشرعية ولّا لا؟ في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة لكن هل هذا التبديل غير من خصائص هذه الكلمات؟ أبدًا، لا يستطيعون، مهما حاولوا لا يمكن، هم لو بدلوها ظاهرًا فما بدلوه فإنه باطل، والباطل لا حكم لوجوده. ومن فوائد الآية الكريمة: قوة عظمة الله وسلطانه عز وجل، حيث إنه لا مبدل لكلماته غير الله عز وجل، مهما بلغ من السلطان والقدرة والقوة والجنود، فإن كلماته تبدل. فإن قال قائل: ما تقولون في النسخ، أليس فيه تبديل؟ بلى فيه تبديل. لكن من بدله؟ الله عز وجل، وكلماته الناسخة لا مبدل لها، يعني: لا يمكن أن نلغي الناسخ؛ لأنها كلمات الله عز وجل، قال الله عز وجل: وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام: ٣٤]. من فوائد الآية أيضًا: إثبات أن الله يتكلم، وهذا قد مُلِئ منه القرآن، وقد جاءت الآية الكريمة في قوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] مؤكدة ذلك؛ لأن تَكْلِيمًامصدر مؤكد، والمصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز.

كلمات الله عز وجل بحروف ولّا بغير حروف؟ بحروف، وإلا لم تكن كلامًا. بأصوات ولّا بغير أصوات؟ نعم بصوت، يتكلم الله بصوت مسموع، ولا يمكن أن يكون الكلام معنى قائمًا في النفس؛ لأن هذا المعنى القائم في النفس يا إخواننا هل يسمى كلامًا؟ يسمى حديث نفس، ولا يسمى كلامًا، الكلام ما نطق به اللسان وليس ما حل بالجنان، ولهذا إذا أراد الله عز وجل حديث النفس عبّر عنه كما في قوله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨]. خالف في الكلام طوائف مرت علينا في كتاب النونية، يعني من أبينها وأبرزها، الأول مذهب المعتزلة، يقولون: إن كلام الله أصوات مخلوقة، خلق الله أصواتًا، كما خلق أصوات الرعد والصواعق، فهي مخلوقة تمامًا بائنة عن الله، وإنما نسبت إلى الله تشريفًا لها، كما في قوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، وما أشبه ذلك. الطائفة الثانية: الأشاعرة الذين يدعون أنهم هم الذين جادلوا المعتزلة، قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، معنى قائم بنفس، لا يسمع وليس له صوت ولا حروف، ولكنه خلق أصواتًا وحروفًا لتعبر عما في نفسه. بالله عليكم أهناك فرق بين مذهبهم ومذهب المعتزلة؟ لا فرق، كما قاله بعض علمائنا، قال: إنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة؛ لأننا متفقون على أن ما في هذا المصحف مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو مخلوق حقيقة، وهو كلام الله حقيقة، وأولئك الأشعرية قالوا: ليس كلام الله حقيقة، كلام الله هو الذي القائم في نفسه، وهذا عبارة عن كلام الله، فأيهم أقرب إلى الصواب من حيث القواعد؟ المعتزلة أقرب، المعتزلة أقرب إلى الصواب. أما أهل الحق السلف وأتباعهم من الأئمة فقالوا: إن الله عز وجل يتكلم نفسه، يتكلم بكلام مسموع، بحرف مرتب، ولا يُعقل الكلام إلا على هذا الوجه. فإذا قال قائل: هل كل ما خلقه الله قليلًا أو كثيرًا يكون بكلمة (كن)؟ فالجواب: ظاهر النصوص هكذا، كل ما خلقه الله يقول له: كن، ولهذا كان كلمات الله لا نفاد لها قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩] ويحتمل أنه عز وجل قال: كن في أول الأمر، وصار المخاطب يقوم بما أمر به، كما قال للقلم: اكتب ما هو كائن، فكتب ما هو كائن.

ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبتت رسالات من قبله؛ لقوله: وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بالقسم، واللام و(قد). من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم يُراعَى فيه فواصل الآيات؛ لقوله: وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ، وقال في آية أخرى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود: ١٢٠]. ومراعاة الفواصل ظاهر في القرآن الكريم، انظر إلى سورة (طه)، انظر إلى سورة (اقتربت الساعة) حتى قال: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر: ١٣] دسر: جمع دسار، وهو المسمار. كل ذلك لأجل أن تتناسب السورة في فواصل الآيات؛ وذلك لأن هذا من البلاغة، ولأن هذا مما تُصغي له الأسماع، ولأن ذلك مما تطرب له القلوب. فهذه ثلاث فوائد لتناسب الآيات الكريمة. ومن فوائد الآية: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن محمدًا خاتم الرسل؛ لقوله: وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَيعني: الذين أرسلوا، فإن صح أخذ هذه الفائدة من الآية وإلا فكونه خاتم النبيين أمر مجمع عليه، نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٤٠] يعني: ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين، اللهم صلِّ وسلم عليه.

طالب: أحسن الله إليك، يقول الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة: ٢١٤]. ولا شك أن رسول الله صادق، لكن ما وجه هذا القول مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ الشيخ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِلا يقولون هذا استبعادًا، ولكنهم يقولونه استعجالًا، يستعجلون نصر الله، لا استبعادًا ولا شكًّا. الطالب: بارك الله فيكم يا شيخ، قررنا في درس التفسير السابق أن أصول الردة تكمن في الجحود والاستكبار، وأنه قد يخشى على الإنسان إذا ترك المسنون استكبارًا يخشى أن يكفر. ثم مر معنا بالأمس حديث الذي أبى أن يأكل إلا بشماله، فسره النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما منعه إلا الكبر ، هل في تحفظنا في قولنا: يخشى عليه الكفر، يدل على أن هناك كبرًا دون كبر، كبر غير مخرج من الملة؟ الشيخ: (يخشى) ليس معناه أنه مؤكد، لكن إذا صدر هذا الاستكبار عن كراهة لشرع الله عز وجل فهو كفر؛ كما قال الله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩]، ولهذا لا بد من الذل في القلب، والتذلل في الجوارح.


تفسير الآية (٣٥)

٠٠:٥٤:١٥

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْلا شك أن (كان) تحتاج إلى اسم وخبر، و(كبر) تحتاج إلى فاعل، فهل نقول: إن (كان) اسمها ضمير الشأن مستتر، و(كبر عليك إعراضهم) خبرها، أو نقول: إن (إعراضهم) تنازع فيه؛ (كان) تطلبه اسمًا، و(كبر) تطلبه فاعلًا، يحتمل هذا وهذا، ولكن الأول أوجه، يعني: فإن كان الشأن في هذا الأمر أنه كبر عليك إعراضهم، أي عظم عليك إعراضهم، وذلك بما كان في نفسك من الحزن والأسى، فحاول أن يهتدوا على يدك، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍيعني فافعل، ولكن ليس عليك إلا الصبر. وهذه الجملة: إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْأتى بعدها جملة شرطية أخرى فَإِنِ اسْتَطَعْتَ، وهذا من تداخل الجملتين الشرطيتين، فتكون الجملة الثانية في محل جزم جواب الجملة الأولى، وهذا يوجد حتى في القرآن وفي كلام العرب: أما في القرآن؛ كهذه الآية، وكما في قوله تعالى: فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة: ٨٦، ٨٧] هذا شرط داخل شرط. ومنه في قول العرب:

إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا

..................................

فعل الشرط الأول، ثم الثاني قيد فيه، و(تجدوا) هي جواب الشرط. المهم إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْهذه جملة شرطية، الجملة الأولى، يعني الجملة شرطية في ضمن جملة شرطية أخرى، الأولى: إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ، الثانية: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ. جواب الجملة الثانية محذوف، التقدير: فافعل ولن يمكنك ذلك، فإذا كان لا يمكنك فإنه لا يمكنك أن تأتي بالآيات التي اقترحوها، وإذا كان لا يمكنك فلا تحزن عليهم؛ لأن الإنسان لا يحزن إلا على شيء يمكنه أن يفعله ولم يفعل. كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْأي: عظم عليك وشق عليك. فَإِنِ اسْتَطَعْتَأي: قدرت على أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِأي: تطلب نفقًا في الأرض، والنفق هو السرداب يُحفَر في الأرض ويدخل الإنسان فيه ليصل إلى أعماق الأرض، فالآية هنا فتأتيهم بآية، أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِتبتغي سُلَّمًا في السماء أي مصعدًا تصعد إلي الجو فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ. فبيّن الله عز وجل له النزول والارتفاع، لا يستطيع أن ينزل إلى نفق في الأرض فيستخرج الآيات، ولا أن يصعد إلى السماء فيأتي بالآيات. واضح المعنى؟ واضح. إذا كان لا يمكنك هذا وهو معلوم للجميع، فإنه لا يمكنك أن تأتي بما اقترحوه من الآيات، كما قال عز وجل في آية أخرى: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت: ٥٠] وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى(لو) شرطية، فعل الشرط (جاء) جوابه (لجمع)، لكن أين المفعول في (شاء)؟ هل نقدره مطابقًا للفظ الجواب، أو نقدره بمعنى آخر؟ قدره بعضهم بقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُهدايتهم لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى، وقدره آخرون بقولهم: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُأن يجمعهم على الهدى لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى. أيهما أنسب؟ الثاني أو الأول؟ الثاني، أن نقدر المحذوف مطابقًا للموجود، أي: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى. وجمعهم على الهدى أعظم من مجرد الهداية؛ لأنهم قد يهتدون ولا يجتمعون.

وهذا أيضًا ينبغي لنا أن نطرده في كل ما كان مشابهًا. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا [البقرة: ٢٥٣] ماذا نقدر؟ ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا. فتقدير الشيء مطابقًا للموجود أولى من تقدير شيء غير مطابق، ولا نعلم هل الله أراده أم لا، فما بين أيدينا هو المتعين.

إذن ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم؛ لأن القلوب بيد الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود: ١١٨]؛ أي: على دين الإسلام. لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] لأن الأمر كله بيده عز وجل. فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَنهي مؤكد بأيش؟ النهي هنا مؤكد بأيش؟ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَبنون التوكيد، يعني: ينهاه الله عز وجل نهيًا مؤكدًا ألا يكونن من الجاهلين. والجهل نوعان: جهل سفاهة وجهل انتفاء علم، أيهما المراد؟ الثاني بلا شك. مثال الجهل الذي هو السفاهة: قول الله عز وجل: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: ١٧] بسفاهة، وليس المراد بالجهالة انتفاء العلم؛ لأن انتفاء العلم يَرتفِع به الحرج والإثم. إذن فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَبأيش؟ أي: من الذين لا يعلمون سنن الله عز وجل في خلقه. فإن قال قائل: هل يلزم من نهيه تبارك وتعالى نبيه عن أن يكون من الجاهلين أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فَعَلَ فِعْلَ الجاهليين؟ الجواب: لا، كما في قوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٧]، وقال عز وجل: إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [يونس: ٩٤] فلا يلزم من هذا الشرط أن يقع المشروط، أعني لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وأشباهها. فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَأي: من ذوي الجهل الذين لا يعرفون سنن الله في خلقه، انتبه فأنت يا محمد لست جاهلًا حتى يكبر عليك إعراضهم، وحتى تحزن لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك من حكمة الله عز وجل.

نعود إلى استخراج الفوائد: في هذا من الفوائد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عظم عليه إعراض المدعوين إلى الإسلام. هل هذا انتصار لنفسه أو رغبة في هداية عباد الله؟ الثاني بلا شك، وهذا من تمام نصحه للأمة عليه الصلاة والسلام. ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان ينبغي له ألا يهون عليه إعراض الناس، بل يكون كبيرًا في نفسه، لكن لا تعصب لما هو عليه، ولكن أيش؟ من أجل مصلحة الآخرين، إذا رأينا مثلًا رجلًا عالمًا عابدًا كريمًا لكنه في الأسماء والصفات على غير ما يرام، فهل يشق علينا هذا أو لا يشق؟ نعم يشق، لا شك أنه يشق علينا. وإذا نظرنا إليه بعين القدر رحمناه وقلنا: سبحان الله، كيف يكون هذا الرجل الفاضل على عقيدة غير سليمة؟! نرحمه، فهو حقيقة؛ لأنه محروم، لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع فإننا نجادله، فإن رجع إلى الحق فهذا المطلوب، وإن لم يرجع فإننا نفعل به كما قال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب، والسنة وأقبل على علم الكلام. رجل زانٍ، زنا، وهو من علية القوم، ومن أهل الخير، إذا نظرنا إليه بعين القدر نعم رحمناه ورققنا له؛ كيف يصدر الزنا من هذا؟! لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع أقمنا عليه الحد ولا نرأف به، كما قال عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢] ما قال: في قدر الله، قال: فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النور: ٢]، أفهمتم؟ ولهذا جاء في الحديث، وإن كان فيه نظر: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ» . من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يبين الشيء المستحيل بضرب مثل له دون أن يذكره بعينه، وجهه أن الله قال: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ. يعني: فافعل بدلًا من أن يقول: وإن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا؛ لأن هذا هو المتوقع؛ أن يقول: إن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا، لكن الله تعالى ضرب مثلًا، حتى يكون مقنعًا للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا. ومن فوائد في هذه الآية: أن نقول -وانتبهوا-: الملاجئ قسمان: إما نفق في الأرض، وإما صعود في السماء، هل يستقيم هذا؟ أو نقول: طلب الشواهد قد يكون من الأرض وقد يكون من السماء؟ طلب الشواهد للصحة؛ صحة ما يقول الإنسان؟ الظاهر أن الثاني أولى؛ لأن الله إنما قال له ذلك لا لأجل أن يلجأ، ولكن من أجل أن يأتي بما يشهد له، ولهذا قال: فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لكل نبي من آية، وهذا من حكمة الله عز وجل، أرأيتم لو جاء رجل في غير هذه الأمة وادعى أنه رسول، وقال: أنا رسول، ومنهجي كذا، وعقيدتي كذا، وعبادتي كذا، فأطيعوني. بدون أي آية، هل يكون هذا من الحكمة، أو لا؟ ليس من الحكمة. ومن كذبه فهو معذور، وإلا لكان كل كاذب دجال يدعي أنه نبي أو ربما يدعي أنه رب. إذن الآيات فيها نصر للرسل، ورحمة بالمرسَل إليهم حتى يؤمنوا عن يقين. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الهداية والضلالة بيد الله عز وجل؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر، وهي المشيئة؛ أن الله تعالى قد شاء جميع أفعال العباد. ومراتب القدر مرت علينا أظن كثيرًا، وهي أربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. مجموعة في قول الشاعر:

عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ

وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ

هذه المراتب الأربع. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جعل الناس صنفين: مؤمنين وكافرين. وهذا أمر لا بد منه؛ لأنه لولا الكفر لم يُعرف قدر الإيمان، ولولا الإيمان لم يُعرَف قُبح الكفر، أليس كذلك؟ كما أنه لولا الحلو ما عُرف المر، وهذا واضح. إذا لم يكن هناك أشياء متضادة ما عرف فضل الأشياء المحمودة، ثم إنه لولا اختلاف الناس في الإيمان والكفر ما قامت راية الجهاد؛ لأنهم كلهم إما مؤمنون وإما كافرون، فمن يجاهد؟ لولا هذا الاختلاف ما قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الناس سيكونون كلهم إما على منكر وإما على معروف. لولا هذا الاختلاف ما قامت الدعوة إلى الله عز وجل؛ لأنهم إن كانوا مؤمنين كلهم لم يحتاجوا إلى دعوة، وإن كانوا كافرين ما دعوا، واضح؟ إذن من الحكمة: أن الله جعل الخلق صنفين، لكن قد يقول قائل: إذا كان أحد الناس من الصنف الآخر الكافر، أفلا يكون في هذه ظلم له؟ وهذا قد يرد على النفس ما دمنا نقول: إن الكفر بمشيئة الله، وإن الله عز وجل بحكمته قسم الناس إلى قسمين، أفلا يقول الكافر: إن هذا ظلم لي؟ فالجواب: لا، كما قال بعض أهل السنة وهو يجادل معتزليًّا لما قال: أرايت إن منعني الهدى وقضى علي بالشقاء، فهل أساء إليّ أم لم يسئ إلي؟ فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أعيد السؤال الأول: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالشقاء أحسن إليّ أم أساء؟ فقال له: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [الأنعام: ٢١]. هذا الاستفهام بمعنى؟ الطالب: هذا الاستفهام بمعنى النفي، والمعنى لا أحد أظلم. الشيخ: لا أحد أظلم، ما هي فائدة الإتيان بالاستفهام عن النفي؟ الطالب: تأكيد النفي. الشيخ: تأكيد النفي، وغير؟ الطالب: أي: لا أحد أظلم من هذا. الشيخ: وغير؟ الطالب: حصره في هذا. الشيخ: لا، كيف كان أبلغ في النفي؟ طالب: يكون مشربًا بالتحدي يعني. الشيخ: يكون مشربًا للتحدي، يعني متضمنًا للتحدي، كأنه يقال: إن كنت صادقًا فبيِّن لي من هو أظلم. طيب يرد مثل هذه العبارة في ذنب آخر غير هذا، مثل قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة: ١١٤] فكيف نجيب؟ الطالب: نجيب -أحسن الله إليك يا شيخ- بأن هذا خاص بهذا الذنب، أي في منع المساجد لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، وهذا افتراء على الله الكذب، وكل واحد خاص به. الشيخ: يعني: معناها أن منع محل العبادة، أو المعاملة، أو الدراسة، أعظمها من منع مساجد الله أن يُذكَر فيها اسمه، فيكون هذا أمرًا نسبيًّا. طيب والافتراء أعظمه؟ طالب: أعظمه من افترى الله الكذب أو كذب بآياته. الشيخ: الافتراء على الله كذبًا. هل هناك وجه آخر؟ طالب: أن كل هذه اشتركت في الأظلمية، وكل مقام بحسبه. الشيخ: طيب، تقول: كلها اشتركت في أنها أظلم شيء نعم، وكل شيء وعقوبته. قوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٢١] قد وجدنا من أفلح وهو ظالم؟ طالب: يظهر أنهم قد أفلحوا في الدنيا، لكن لا نعرف في الحقيقة أمرهم، قد يصبهم من الأمور النفسية والباطنية ما لا نعرف، فأما في الآخرة لا شك أنهم سوف يحاسبون على ما فعلوا في الدنيا، لم يفلحوا. الشيخ: نعم، يعني كأنك تقول: الفلاح أنواع، هؤلاء وإن أفلحوا ظاهرًا وحسيًّا فإنهم لم يفلحوا في الباطن، تجد نفوسهم في حسرة، في حزن، في ألم، نعم. أو يقال شيء آخر: لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَيعني فلاحًا مطلقًا لا ينتكسون بعده، أو يقال: لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَفي الآخرة؛ لأنه لو قُدر أن هؤلاء لم يصابوا بأمراض، ولم ينتكسوا عن الفلاح، فوراءهم اليوم الآخر، لا يفلحون فيه. إذن النفي يكون محمولًا على أحد الوجوه الثلاثة.


قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ [الأنعام: ٢٥] الضمير يعود على من؟ طالب: على هؤلاء المكذبين. الشيخ: على هؤلاء المكذبين. طيب هل ينتفعون بهذا الاستماع أو لا؟ الطالب: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الأنعام: ٢٥]. الشيخ: الجواب نعم ولّا لا؟ الطالب: لا ينتفعون. الشيخ: لا ينتفعون. الدليل؟ الطالب: قوله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا [الأنعام: ٢٥]. الشيخ: تمام ثلاثة أشياء. طيب ما هي نهاية مجادلتهم؟ الطالب: مذكورة في الآية. الشيخ: ما هي؟ الطالب: أنهم يقولون في النهاية قولًا جحدوا به واستيقنته أنفسهم: إن هذا إلا أساطير الأولين. الشيخ: المكابرة، نهاية المجادلة المكابرة. قالوا: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: ٢٥] واضح؟ مثل ما يوجد الآن بين أهل البدع وأهل السنة، تجد الواحد منهم يقول: نحن ما ثبت عندنا هذا، حتى لو كان في البخاري ومسلم، ما ثبت عندنا هذا، أو يقول فيما يحتج به لبدعته: هذا عندنا ثابت بنقل الرواة العدول، وهذا أكثر ما يكون في الرافضة. ولهذا يقال: إن بعضهم زاد في القرآن الكريم نحو الثلث وحذف من القرآن الكريم، وهذه مكابرة مشكلة، المكابر لا تستطيع أن تقنعه أبدًا لكن قد يهديه الله عز وجل. إذن هؤلاء المجادلون المكابرون نهاية أمرهم أن يقولوا: هذا أساطير الأولين، وليس وحيًا، ولا نعترف به. ما الفرق بين يَنْهَوْنَ عَنْهُويَنْأَوْنَ عَنْهُ؟ طالب: يَنْهَوْنَ عَنْهُينهون الناس أن يأتوا إليه، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُينأون بأنفسهم أن يسمعوه. الشيخ: نعم، أي يبعدون بأنفسهم وينهون الناس عن الاستماع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. طيب الضرر في هذه الحال عليهم أو على الرسول؟ الطالب: وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. الشيخ: وَمَا يَشْعُرُونَبارك الله فيك، قوله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧] الخطاب لمن؟ طالب: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الأصل، وأمته تبع له. الشيخ: أو لكل من يتأتى خطابه هنا، يعني لو ترى أيها الرائي، أو أيها الإنسان، بقطع النظر بكون هذا للرسول صلى الله عليه وسلم. وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام: ٢٧] من يوقفهم عليها؟

طالب: الله عز وجل. الشيخ: الله عز وجل بواسطة الملائكة. طيب قولهم: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ [الأنعام: ٢٧] ما معناها؟ طالب: أي يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا، فلا يكذبون بما جاء (...) جاءت به الرسل. الشيخ: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَعلى النصب، يعني يتمنون الرجوع إلى الدنيا مع كونهم لا يكذبون. طيب فيها قراءة ثانية، يَا لَيْتَنَا نُرَدُّوالحال أننا لا نكذب، والفرق بين المعنيين أن الأول تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات الله، فهو داخل في التمني، أما الثانية: {وَلَا نُكَذِّبُ} فهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ثم وعدوا ألا يكذبوا بآيات ربهم. طيب هل صدقهم الله بما قالوا؟ طالب: لا. الشيخ: الدليل؟ الطالب: كذبهم الله عز وجل وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٨].

الشيخ: نعم وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، إذن قولهم: لا نكذب هذا وعد كاذب. هل في هذا ما يدل على أن الناس يتكلمون يوم القيامة؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، وجهه؟

الطالب: أنهم يقولون. الشيخ: أنهم يقولون، وأنهم يتمنون، والناس في الآخرة كحالهم في الدنيا، يعني أنهم عندهم عقول يجادلون ويدافعون عن أنفسهم. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [الأنعام: ٣١] ما معنى تكذيبهم بلقاء الله؟ طالب: إنكارهم البعث. الشيخ: إنكارهم البعث، يعني أنهم يكذبون بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦] طيب وما خسرانها؟ هل هو في الدنيا ولّا في الآخرة؟ الطالب: خسرانهم في الآخرة.

الشيخ: وفي الدنيا؟ الطالب: في الدنيا أيضًا خسرانين.. الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأنهم لم يستفيدوا في وجودهم في الدنيا شيئًا، واضح؟ وهذا حق، هم الخاسرون في الدنيا وفي الآخرة. قولهم: يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام: ٣١] فما معناها؟ الطالب: يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَاللندم يقولون هذا، للندم على ما فاتهم من قبول الإيمان، قالوا ذلك ندمًا وتحسرًا على تفريطهم في الإيمان. الشيخ: على تفريطهم في الدنيا حيث لم يستغلوا الأوقات فيما يرضي الله. لو قال لك قائل: يَا حَسْرَتَنَا، هل الحسرة تنادى؟ الطالب: (يا) هنا للتنبيه. الشيخ: للتنبيه، ماذا تقولون؟ طلبة: صحيح. الشيخ: صحيح؛ لأن (يا) إذا دخلت على ما لا يمكن أن يصلح للنداء فهي للتنبيه، ومثلها قوله تعالى: قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [يس: ٢٦]، ومثل الآية السابقة يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام: ٢٧]. طيب، أحسنت. قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ [الأنعام: ٣١] هل هذا على حقيقته؟ طالب: نعم في الآخرة على حقيقته. الشيخ: في الآخرة على حقيقته، يعني تجعل هذه الأوزار بمنزلة الأشياء المحسوسة التي تحمل على الظهور زيادة في فضحهم وتعذيبهم.


تفسير الآية (٣٦)

٠١:١٩:٢١

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام: ٣٦] يستجيب ويجيب معناهما واحد. والجملة فيها حصر، طريقه (إنما)، يعني: ما يستجيب لدعوتك يا محمد إلا الذين يسمعون. والمراد بالسماع هنا: سماع الانقياد والقبول، وليس سماع الإدراك؛ لأن سماع الإدراك يدخل فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر. ويدل على ذلك -أي: على التفريق بين سماع القبول والإذعان وسماع الإدراك- قوله تبارك تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١] أي: لا يستجيبون وينقادون، يقول عز وجل: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ(الذين) إعرابها فاعل (يستجيب). الَّذِينَ يَسْمَعُونَثم قال: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [الأنعام: ٣٦] هذه جملة مستأنفة لا يصح أن تعطف على ما سبق وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. الموتى: جمع ميت، وهل المراد موتى القلوب أو موتى الأجسام؟

في ذلك قولان للعلماء: بعضهم قال: الموتى يبعثهم الله أي موتي القلوب، وهم الكفار يبعثهم الله فيجازيهم. وبعضهم قال: الموتى موتى الأجساد يبعثهم الله؛ ردًّا على الذين ينكرون البعث. وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ليس أحدهما أظهر من الآخر، ولا منافاة بينهما فما القاعدة؟ أن تحمل عليهما جميعًا، فالموتى من هؤلاء الكفار سيبعثهم الله ويجازيهم. والموتى موتى الأجساد الذين فارقت أرواحهم أجسادهم سوف يبعثهم الله، فيكون في الآية تهديد ووعيد، ورد على من ينكرون البعث، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُأي: يخرجهم من قبورهم يوم القيامة. ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَيعني: ثم بعد البعث يرجعون إلى الله عز وجل، ويكون أمرهم إلى الله تعالى، وفي ذلك الوقت ليس هناك مخاصم ولا مجادل. في هذه الآية الكريمة حصر الاستجابة لدعوة الرسل بالذين أيش؟ يسمعون سماع إدراك ولّا سماع قبول وإذعان؟ سماع قبول وإذعان. ومن فوائد هذه الآية: أنهم كلما صار الإنسان أسمع لكلام الله ورسوله صارت استجابته أقوى، مأخوذ من القاعدة المعروفة: أن ما علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب هذا الوصف الذي علق عليه الحكم؛ مثال ذلك قوله عز وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]، فكلما كان أقوى كان أخير وأنفع، وكذلك الأمان؛ كلما كان آمن فهو أخير، المهم من هذه القاعدة المفيدة: كل شيء علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب قوة ذلك الوصف. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث، وهو -أعني الإيمان بالبعث- أحد أركان الإيمان الستة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حينما قال: أخبرني عن الإيمان. قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . ومنها أيضًا: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الموتى؛ وذلك لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون، كما أن الميت لا ينتفع بما يسمع، جثة، فكذلك هؤلاء الكفار.

ومنها: تهديد أولئك الكفار الذين لا يسمعون بأن الله سيبعثهم ثم يجازيهم. ومنها: قدرة الله عز وجل الكاملة، وذلك بالبعث، والبعث الذي يكون ليس يأتي كالإحياء شيئًا فشيئًا، فتجد البشر وغير البشر يخرج صغيرًا ثم ينمو حتى يأتي كاملًا، البعث يبعثون كلهم في لحظة واحدة، اقرأ قول الله عز وجل: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، وقال عز وجل: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣]، وقال عز وجل: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرجع في النهاية إلى الله عز وجل؛ لقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [الأنعام: ٣٦]، وهذا الرجوع فيه حصر، طريقه تقديم المعمول في قوله: إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، وفائدة هذا التقديم -أعني تقديم المعمول في هذه الآية- لفظية ومعنوية: أما المعنوية فهي إفادة الحصر، وأنه لا مرجع إلا إلى الله. وأما اللفظية فلتتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة، انظر إلى سورة طه كلها آخرها الألف إلا قليلًا، لما جاء ذكر موسى وهارون قدّم هارون على موسى لتتناسب الآيات، وإلا من المعلوم أن موسى أفضل من هارون.

تفسير الآية (٣٧)

٠١:٢٥:٣١

ثم قال الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [الأنعام: ٣٧]، قَالُواأي: المعاندون المكذبون للرسول المتعنتون، لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِوهم يريدون بذلك الآيات التي اقترفوها، مثل قولهم: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]، ومع ذلك يقولون: لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ [الإسراء: ٩٣] نعم، وغير ذلك من الآيات التي اقترحوها، ولكن من حكمة الله عز وجل أنه قطع هذا الباب وسد هذا الباب، أعني باب الاقتراح على الله عز وجل، فإنما الآيات عند من؟ عند الله سبحانه وتعالى، هو الذي يأتي بها وليست اقتراح الخلق، والخلق إذا اقترحوا آية معينة ثم أتوا بها فلم يؤمنوا هلكوا، هذه سنة الله عز وجل. ولا يرد على هذا أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد. فأشار إلى القمر فانشق نصفين .

قال أهل العلم: إنما لم يهلكوا لأنهم لم يقترحوا آية.