تفسير سورة الأنعام - ٦
درس صوتي · ٨٩:٥٤
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
هذه سنة الله عز وجل. ولا يرد على هذا: أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد، فأشار إلى القمر فانشق نصفين ، قال أهل العلم: إنما لم يُهلكوا؛ لأنهم لم يقترحوا آية معينة، ولو اقترحوا آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا لهلكوا، هكذا قرر أهل العلم رحمهم الله. وقوله: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الأنعام: ٣٧] آيَةٌأي: علامة تدل على صدقه وصحة رسالته، وهنا نقف لنبين أن بعض العلماء -وما أكثرهم- يعبِّرون عن آيات الرسل بالمعجزات، وهذا نقص عظيم؛ لأننا لو سمينا المعجزات لورد علينا ما يفعله السحرة؛ فإن السحرة يفعلون ما يعجز البشر، لكن (آية) تحدد المعنى وهو: العلامة على صدقه وصحة رسالته؛ ولذلك لا تجد في القرآن أن الله عبَّر عن آيات الرسل بالمعجزات أبدًا، إنما يعبر عنها بأيش؟ بالآيات. وقوله: مِنْ رَبِّهِيعنون بذلك الله عز وجل، وفي هذا التعبير تكبُّر وتعالٍ؛ حيث قالوا: مِنْ رَبِّهِولم يقولوا: من الله، كأنهم في شق والرسولُ صلى الله عليه وسلم مع الله في شق آخر، مِنْ رَبِّهِما قالوا: من ربنا، ولا: من الله. قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةًليس بعاجز على أن ينزل آية، بل هو قادر، لما طلب الحواريون من عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء هل قدر الله عليها؟ نعم، قدر الله عليها، على قول من يقول: إنها نزلت، وكذلك آيات الرسل الحسية والمعنوية كلها من عند الله، فهو قادر على أن ينزل آية، ولكنه لا يريد أن يأتي بما يطلبه هؤلاء؛ لأنه لو جاءت الآيات حسب الاقتراح لكان كل واحد يقترح ما يرى أنه آية، وقد يقترح ما يري أنه آية وليس بآية؛ لذلك نقول: الآيات عند الله عز وجل؛ ولهذا قال: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً، ولكنه يريد أو لا يريد؟ لا يريد، وإذا لم يرد لم يكن. وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَأي: لا يعلمون أن الله عز وجل هو الذي ينزل الآيات، وهو قادر على أن يأتي بآية وقادر على ألَّا يأتي بآية، فهم جهلة، ولو كان عندهم علم لعلموا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يأتي بالآية، بل الذي يأتي بها هو الله. من فوائد هذه الآية الكريمة: تعنت هؤلاء المكذبين؛ حيث احتجوا بهذا أن الله لم ينزل عليهم آية، ولكن هل هذه الدعوى حق أو باطل؟ واللهِ إنها باطل، آيات النبي صلى الله عليه وسلم مشاهدة معلومة، من آياته العظيمة هذا القرآن الذي جعل كبار قريش يتسللون لواذًا في الليل ليستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها سحرت ألبابهم وأعجبتهم إعجابًا كثيرًا لكنهم معاندون. كذلك آيات كثيرة حسية مثل ما حصل لعمه أبي طالب من البركات في أهله وماله بسبب حضانته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كذلك أيضًا صد أعدائه عنه عليه الصلاة والسلام، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس: ٩]، والآيات كثيرة يعرفونها لكنهم أيش؟ مستكبرون. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استكبار هؤلاء وترفعهم؛ حيث قالوا: مِنْ رَبِّهِلم يقولوا: من ربنا، ولم يقولوا: من الله، كأنهم في جانب والرسولُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم واللهُ في جانب آخر. من فوائد الآية الكريمة: انتصار الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث يدافع عنه لما قالوا: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، لا شك أن هذا يوجب ضغطًا على الرسول عليه الصلاة والسلام، فالله تعالى يجيب عنه انتصارًا له قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً، هذه القدرة قدرة كاملة لا يلحقها شيء من العجز؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]، فلكمال علمه وقدرته لا يعجزه شيء؛ لأن العجز عن الشيء سببه؛ إما الجهل وإما الضعف، فالله عليم قدير. هذه القدرة تتعلق بكل شيء، على كل شيء قدير، ولا تبحث كما بحث المتكلمون المتعمقون المتنطعون هل تتعلق بالممكن والواجب والمستحيل، أو بالممكن والواجب فقط دون المستحيل؟ هذا كلام فاضٍ، فالله عز وجل أطلق قدرته، والله على كل شيء قدير. فيه عبارة لبعضهم يقولون: خص العقل ذاته فليس عليه بقادر، كلام فاضٍ؛ لأن العقل دلَّ على أن الله لا يقدر على نفسه، أفهمتم؟ وهذا يعني تعطيل الله عز وجل عن كل فعل؛ لأنه ما يقدر يفعل أي شيء فيما يتعلق بنفسه، ونحن نقول: إن الله على كل شيء قدير. فإذا قال قائل: هل تقول: إن الله يقدر على أن يهلك نفسه؟ نسأل الله العافية، فالجواب نقول: إن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه الكمال من كل وجه، والهلاك نقص، فلا يمكن، وهذا السؤال غير وارد، لكن المتكلمين يوردونه حتى يصلوا إلى أن القدرة لا تتعلق بالمستحيل. يُذْكَر أن الشيطان يضع كرسيه على البحر ويرسل جنوده يضلون الناس، فإذا مات العابد لم يكترث بذلك، وإذا مات العالم فإنه يفرح فرحًا عظيمًا، فقال له جنوده: كيف تفرح هذا الفرح بموت العالم، والعابد لا تكترث به؟ قال: لأن العالم أضر عليَّ من العابد، العابد إذا مات لم يفقده إلا نفسه، والعالم تفقده الأمة، فالعالم إذا اهتدى هدى الله به أمة، والعابد في مسجده. وإن شئتم ضربت لكم مثلًا يقال: إنه أرسل إلى العابد وقال له: فلان، هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض كلها في بيضة، هل يستطيع؟ هل يقدر؟ العابد قال: لا، السماوات كلها في بيضة -يقول بعقله العابد، أنا أقول عنه، يعني أنا ما أعرف- يقول: أنا لو بقيت ببيضة ما حملته، كيف السماوات والأرض؟ ما يصير، قال: خير، راح للعالم قال له: هل يقدر أن الله يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون، فجاء المندوب قال: يلَّا، شوفوا هذا العابد كفر وهو لا يعلم، أنكر قدرة الله عز وجل، وهذاك آمن، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون. على كل حال أنا قصدي أن هذه المسائل التعمق فيها غلط، أثبت ما أثبته الله لنفسه، وهو أن الله على كل شيء قدير، وأعرض عما سوى ذلك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أفعال الله عز وجل مقرونة بمشيئته؛ بمعنى أن ما لم يشأه لم يكن وإن كان قادرًا عليه؛ لقوله: قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةًيعني: ولكنه لم يشأ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أكثر هؤلاء المنكرين المكذبين لا يعلمون حقيقة الأمر؛ لأنهم لم يتفكروا، ولو تفكروا لعلموا لكنهم معرضون.
تفسير الآية (٣٨)
٠٠:١٠:٠٦
ثم قال عز وجل: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام: ٣٨] السماء، سبحان الله، مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِالمراد بالدابة كل ما يدب على الأرض بأرجل متعددة، أو أربع، أو اثنتين، أو يزحف على بطنه، أي دابة في الأرض. وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِفذكر المخلوقات الأرضية والمخلوقات الهوائية التي تسبح في الجو، وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْالطيور على اختلاف أنواعها، وكذلك الدواب اللي على الأرض على اختلاف أنواعها كلها أمم مثلنا؛ تختلف في أجناسها، تختلف في ألوانها، تختلف في قدراتها، تختلف في أرزاقها، تختلف في لغاتها، كما أننا نحن كذلك أمم. وقوله: طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِهذا من باب التوكيد؛ لأنه من المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، كما إذا قلت: يمشي برجليه، أو: ينظر بعينيه، أو: يسمع بأذنيه، وما أشبه ذلك، فهو من باب التوكيد. وأما دعوى بعضهم أن هذا قيد تخرج به الطائرات؛ لأن الطائرات تطير لكن ليس بجناحين، فهذا غلط؛ لأن شيئًا لم يكن معروفًا في ذلك الوقت لا يصح الاحتراز منه؛ لأنه غير وارد أصلًا، فالصواب أن قوله: يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِمن باب التوكيد. على أني أقول لكم: إن الطائرة مركَّبة على الطير؛ فيها جناح يمين ويسار يمنعها من التأرجح، وفيها أيضًا هواء، والطير يطير بالهواء، وفيها أيضًا انخفاض الأجنحة عند النزول وارتفاع عند الطلوع، المهم أن الذي سمعنا وقرأنا ورأيناه في الصورة: أن هذه الطائرات مركبة على حسب الطيور. إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْهذه الأمم -سبحان الله- متنوعة متفرقة مختلفة في الأحجام، في الألوان، في القوى، في كل شيء، أيضًا مختلفة في اللغات والألسن، هل تعرف البقرة ما تقوم به الهرة من الصوت؟ ما تعرف، ولا العكس، لكن بقرة مع بقرة تعرف، وهرة مع هرة تعرف، وتأمل -سبحان الله- تجد الهرة لها أصوات مختلفة، إذا كانت تريد الفحل فلها صوت خاص، إذا كانت تريد أن تدعو أولادها الصغار لها صوت خاص، تجدها تدخل على المكان ثم تنعق لأطفالها، فإذا هم مجتمعون عليها، سبحان الله! صوت غير العادة، كذلك اللي غيرها مثلها، كل واحد من هذه الأمم لا يعرف لغة الأمم الآخرين. ثم إن الله عز وجل أعطى كل نوع من هذه الأنواع من هذه الأمم أعطاه هداية يهتدي بها كيف يعيش، ويقال: إن أذكى ما يكون النمل، النمل -سبحان الله- أعطاه الله تعالى ذكاء عجيبًا، هو من الحيوان الذي ينظر للمستقبل، فإذا جاء وقت الحب جمع الحب في جحوره، وماذا يصنع؟ يأكل رأس الحبة، يأكله من أجل ألَّا تنبت؛ لأنها لو نبتت فسدت عليه، فيأكلها لئلا تنبت، ثم إذا جاءت الأمطار ووصل المطر إلى الحب خرج به مهما كان، خرج به ينشره؛ لئلا يفسد ولاتقاء رائحته، وهذا مشاهد، يعني شاهدناه وشاهده غيرنا. وسأل سائل يقول: هل يجوز إذا رأيت هذا الحب المزبر الذي يكال بالصيعان هل يجوز أني آخذه، ما رأيك هل يجوز؟ طالب: لا يجوز. الشيخ: النمل لا يملك، لكن هو قوته. هل نقول: يجوز أخذه عند الضرورة فقط؛ لأن حرمة الآدمي أبلغ من حرمة هذا، ثم نقول أيضًا: يجوز إذا كانت النمل يمكن أن تتغذى بغيره؛ لأن النمل في أيام الشتاء ما تخرج، تبقى في جحرها فهي محتاجة، فأنا أقول: الذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كان الآدمي مضطرًا لذلك فهو مقدم، إذا لم يكن مضطرًا نظرنا؛ إذا كان يمكن أن تجلب طعامًا غيره فلا بأس أن يأخذه، وإلا فيبقيه لها؛ لأني أخشى أن يكون هذا من جنس حبس الهرة التي دخلت النار امرأة بها، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض . نظير ذلك أيضًا وجدت مع هرة لحمًا جاءت بها من الجيران، لحم تساوي، هل لك أن تأخذها من هذه الهرة؟ نعم، هذا صحيح؛ لأن الهرة الآن سرقت، فيؤخذ منها ويرد إلى صاحبها، لا سيما إذا كانت دجاجة وهي حية، معلوم أنقذها وأعطها الجيران. المهم أن هذه الدواب أمم أمثالنا ولها عجائب، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة ذكر العجب العجاب من هذه الأمم. طالب: (...)؟ الشيخ: هذا سؤال مشكل أيضًا، يقول: نرى بعض الهرر في مكة تأخذ الحمام هل لنا أن نمنعها؟ أنت قادر على إنقاذ هذا الطير فيجب عليك أن تنقذه، لكن لو رأيتها ميتة معها فدعها. طالب: الأشياء التي ليست فيها حياة من السيارات والطائرات هل تسمى دواب أو يختص هذا بالأحياء؟ الشيخ: لا، المراد ما فيه الروح. طالب: الحديث الذي فيه أنه كان إذا ركب دابته سمى، وإذا استوى عليها حمد ، ثم قال به، هل نقول: هذا حتى إذا ركبنا السيارة مع أنها ليست دابة؟ الشيخ: إي، لكنها راحلة. طالب: ذكرنا الحبوب اللي في قرية النملة، هل يجوز لي أنا أخذ النصف وأترك النصف، هذا عندنا كثير الناس يأخذونه؟ الشيخ: مصالحة يعني، يعني تأخذ النصف، طيب إذا أخذت النصف ألا نقول: يجب عليك أن ترده إلى صاحبه، ما هي النملة، المزرعة اللي حولها؛ لأن هي في الغالب أنها تأخذ من اللي حولها، هل نقول: خذ هذا الحب وأعطه صاحب المزرعة؟ طالب: ورد عن بعض الإخوة أنهم يكلمون النمل، قيل: يعني بيت النمل إذا كانت في بيت أو حديقة أو كذا، ثم يقول: اخرجي ويذكر الآيات اللي في سورة النمل، وواحد منهم جربها قريب لي، فخرجت من بيته ودخلت في بيت جاره؟ الشيخ: يعني خاطبها؟ الطالب: نعم. الشيخ: ويش قال؟ الطالب: يقول: أسألك بالله أن تخرجي من هذا المكان ويعطيها زادًا، يقول: فخرجت من مزرعتي ودخلت مزرعة جاري (...). الشيخ: سبحان الله! طالب: عندنا في مسجد الحي كان عند باب مسجد نمل كثير جدًّا، وجاء أحد الإخوة؛ رجل مستقيم من الإخوان عندنا وقال: أسألك بالله أن تخرجي من هذا المكان، ومؤذن المسجد من دولة يعني بها صوفية وكذا، فلما جاء بكرة ما وجد النمل فقال: ده أنت ولي، والله يا شيخ. الشيخ: نحن نسمع من بعض الإخوان يجلس على كرسي صغير، ثم يقرأ آيات من القرآن، ثم ترحل النمل عن بيته، الله أكبر، وهذا يدل على أنها تفهم، وفي قصة سليمان واضح أنها تفهم. طالب: بالنسبة للنمل يعيش مثلًا في السكن في البيت، ويكون أطفال صغار، وفي الغالب يقرصهم، يعني: قد يؤذي هذا النمل، فهل لنا أن نقتله؟ الشيخ: إي، معلوم إذا لم يندفع أذاه إلا بالقتل، ولكن إحنا جربنا الجاز هذا الوقود إذا صبيته على جحره وحوله خلاص تروح ترحل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْما المراد بقوله: بِجَنَاحَيْهِ؟ طالب: التوكيد. الشيخ: لا، بجناحيه يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِالمراد بها؟ الطالب: جميع الطيور. الشيخ: إي، لكن المراد أيش؟ يعني لو قال قائل: يستغنى بقوله: طَائِرٍعن (جناحيه)؟ الطالب: للتأكيد يا شيخ. الشيخ: هذه للتأكيد، كما يقال؟ الطالب: يسمع بأذنيه. الشيخ: يسمع بأذنيه، ويبصر بعينيه، وما أشبه ذلك. ما معنى قوله: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ؟ الطالب: إلا خلق أمثالكم. الشيخ: خلق، لا معنى (أمم). الطالب: أمة: فئة، أَمْثَالُكُمْأي: يهتمون فيما بينهم في تدبير الأمور. الشيخ: يعني: أصناف. الطالب: إي نعم. الشيخ: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْأصناف، كل صنف له حاله الخاص، تمام. هل يشمل ذلك صغار النمل؟ طالب: نعم، يشمل. الشيخ: يشمل، كيف ذلك، كيف يشمل، وضح لي؟ الطالب: أنهم (...). الشيخ: ويدبون على الأرض ولَّا لا؟ هذا وجه الدلالة يدبون على الأرض. لو قال قائل: هناك من يمشي على بطنه يدخل في هذا؟ طالب: يدخل. الشيخ: يدخل في هذا؛ لأنه؟ الطالب: يدب على الأرض. الشيخ: يدب على الأرض، تمام. قوله عز وجل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍما المراد بالكتاب؟ طالب: ما شرحناها. الشيخ: كيف، وقفنا على هذه؟ الطالب: نعم. الشيخ: قال الله عز وجل تبارك تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍفَرَّطْنَايعني: أهملنا، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وليس الكتاب العزيز، الكتاب العزيز قال الله فيه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فالمراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ؛ يعني: ما أهمل الله شيئًا إلا كتبه في اللوح المحفوظ. ولا يشكل عليك أن تقول: كيف يكتب كل شيء حتى أصناف الدواب؟ لأننا نقول: الواجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر الله به سواء أدركه عقله أيش؟ أم لم يدركه، ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما أدركه عقله لم يكن مؤمنًا حقًّا، فكل ما أخبر الله به من هذا وغيره فالواجب علينا أن نؤمن به ولا نعترض ولا نورد، سواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه، على أنه وجد الآن من صنع البشر أشياء صغيرة تحتمل كلمات كثيرة جدًّا وهي من صنع البشر، هذه الأقراص يسمونها الليزر تحمل كثيرًا جدًّا من الكلمات. وقوله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(من) هذه زائدة للتوكيد، وليعلم أنه ليس في كتاب الله تعالى شيء زائد لغير معنًى أبدًا؛ لأن القرآن لفظ ومعنًى، لكن قولنا: زائد، بمعنى الزيادة الإعرابية؛ يعني: زائد إعرابًا، أما معنًى فلا، ما في كتاب الله شيء زائد، واضح؟ يعني: كل شيء فإن الله تعالى كتبه في هذا اللوح المحفوظ. ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَسبحان الله! يعني: ثم بعد أن تنتهي الدنيا إلى ربهم الذي خلقهم عز وجل وكتبهم في اللوح المحفوظ، يُحْشَرُونَأي: يجمعون، كل شيء يحشر يوم القيامة. ولا تستغرب أيضًا تقول: كيف تحشر هذه الدواب والسباع والبهائم والطيور وغيرها؟ لا تستغرب، الواجب عليك أيش؟ أن تصدق، والمسألة فوق ما يدركه العقل، كلهم يحشرون إلى الله، كلهم يقتص للمجني عليه من الجاني عليه، حتى الشاة التي ليس لها قرون تقتص من الشاة التي لها قرون إذا نطحتها في الدنيا ، سبحان الله! كمال العدل؛ ولهذا يظهر يوم القيامة من تمام عدل الله عز وجل ورحمته وغضبه أيضًا ما لم يكن سابقًا، حتى يظهر تمام العدل للخلائق جميعًا، ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَأي: يجمعون بعد الحياة. في هذه الآية الكريمة: أنه ما من حيوان يدب على الأرض أو يطير في السماء إلا وهو مكتوب عند الله عز وجل. ومن فوائدها: أن القرآن الكريم جاء بالأسلوب العربي، بمعنى أنه جرى على ما ينطق به العرب في لغتهم، فإذا كان من عادة العرب مثلًا أن يؤكدوا الشيء بما يزيده قوة جاء به القرآن؛ ولذلك تجدون في القرآن الكريم كثيرًا من الإقسامات على الشيء، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١]، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١]، وما أشبه ذلك، هل هذا لشك فيما أخبر الله به؟ لا؛ لأن الله تعالى صادق سواء أقسم أم لا، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين فجرى في التعبير على ما كان العرب يعبرون به. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يعرف قدر نفسه، فهو بالنسبة لعظمة الله عز وجل كالنملة، أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ، إذن لا تترفع ولا تتعالَ، ما أنت إلا مثل هذه الدواب بالنسبة لعظمة الله عز وجل، وإن كان الله عز وجل قال: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]، لم يفضل بنو آدم على كل ما خلق الله، بل على كثير مما خلق الله، وما يفهمه بعض الناس من أن بني آدم هم أفضل المخلوقات فخطأ، لماذا؟ طالب: (...). الشيخ: غلط. طالب: (...). الشيخ: لقوله: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا [الإسراء: ٧٠]، ما قال: على من خلقنا، عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا، أفهمت؟ وإياك أن تأتي بالتعليل مع وجود الدليل، فهمت؟ ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل لم يهمل شيئًا في اللوح المحفوظ، كل شيء كتبه؛ لقوله: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ، ولأن الله تعالى أمره -أي أمر القلم- أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مآل هذه المخلوقات الطائرة والزاحفة إلى الله عز وجل، ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.
تفسير الآية (٣٩)
٠٠:٢٩:٣٠
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ [الأنعام: ٣٩] الجملة هذه معطوفة عطف جمل، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَاأي: قالوا: إنها كذب ولم يصدقوا بها، جاؤوا للآيات الكونية وقالوا: هذه سحر، كما قال فرعون حين رأى آيات موسى قال: هذه سحر، وكما قال الله عز وجل عن قريش: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ١، ٢]، فكذبوا بالآيات الكونية، كذبوا كذلك بالآيات الشرعية، ووصفوا الرسل بالكذبة، بالشعراء، بالكهنة، بالمجانين، بالمسحورين، وما أشبه ذلك، وهذا تكذيب بأيش؟ بالآيات الشرعية. هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِثلاثة أحوال لهم: صم بآذانهم لا يسمعون الكتاب سماع انتفاع، فانسد طريق الحق عنهم من جهة السماع، (بكم) جمع (أبكم) وهو الذي لا ينطق، فلا ينطقون بالحق ولكنهم ينطقون بالباطل، فِي الظُّلُمَاتِلا يبصرون، الظلمات محيطة بهم من كل جانب؛ لأن (في) تدل على الظرفية والظرف محيط بمظروفه، فانسدت عليهم أبواب العلم والمعرفة؛ السمع، والبصر، والنطق، والعياذ بالله، وفي هذا قال الله عز وجل في سورة البقرة: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]. مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُالجملة شرطية، فعل الشرط يَشَإِ، وجوابه يُضْلِلْهُأي: من يشأ الله إضلاله يضلله؛ لأن الأمر أمره عز وجل، لا معقب لحكمة، ولا اعتراض عليه، ولا يسأل عما يفعل، فنسأل الله أن يهدينا فيمن هدى، مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُفيعمى عن الحق ولا يصل إليه. وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍونقدِّر هنا: ومن يشأ هدايته، يَجْعَلْهُأي: يصيره، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍأي: على طريق مستقيم لا عوج فيه وهو الإسلام. وفي هذه الآية من الفوائد: بيان حال الذين كذبوا بآيات الله، وأنه لا سبيل إلى هدايتهم، لماذا؟ لأنهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع، وكذلك في الظلمات، وأنهم لا ينطقون بالحق. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن من شاء الله هدايته اهتدى، ومن شاء إضلاله ضل. ويتفرع على هذه الفائدة: أن يلجأ الإنسان إلى ربه تبارك وتعالى بطلب الهداية والاستعاذة من الغواية؛ لأن الأمر بيد الله. فإن قال قائل: هل هذه المشيئة مشيئة مجردة؛ بمعنى أنه من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله بدون أي حكمة، أو أنها مشيئة مقرونة بالحكمة؟ فالجواب: الثاني؛ أنها مشيئة مقرونة بحكمة، وهذا هو المتعين؛ لأن جميع أفعال الله تبارك وتعالى وأحكام الله كلها مقرونة بالحكمة، انظر في أحكام الله قال الله تعالى في آية المواريث: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١١]، وقال تعالى في الأمور القدرية: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، فلا مشيئة مجردة في أفعال الله ولا أحكامه، بل هي مقرونة بالحكمة، ولكن هل هذه الحكمة معلومة للخلق؟ الجواب: قد تكون معلومة، وهذا -والحمد لله- هو الأكثر، وقد تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وقد تكون مجهولة لجميع الناس لا يحيطون بالله علمًا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصراط -وهو دين الإسلام- مستقيم لا اعوجاج فيه، ولا انحراف فيه، ولا شقاء فيه، مستقيم، ويضاف إلى ذلك: ولا تناقض فيه؛ لأنه لو كان فيه تناقض لم يكن مستقيمًا. إذا قال قائل: هل للإنسان حجة على الله إذا أضله وهدى آخرين؟ فالجواب: لا؛ لأن الهداية فضل من الله عز وجل، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وأيضًا الإضلال لا بد أن يكون مبنيًّا على حال العبد؛ لقول الله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، ولقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٩]، فالحاصل أن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء لحكمة، ولا بد من أن يكون الإضلال من جراء فعل العبد.
تفسير الآيتين (٤٠-٤١)
٠٠:٣٥:٥٥
ثم قال الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأنعام: ٤٠] قُلْأي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عام لأيش؟ لكل من يصح خطابه. أَرَأَيْتَكُمْقال العلماء: (أرأيت) بمعنى (أخبرني)، والتاء للخطاب فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، و(أرأيت) تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، قالوا: المفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ، هذا المحذوف يقدر بما يناسب الحال، فيكون التقدير هنا: أرأيتكم حالكم عند الشدة أغير الله تدعون، بَيَّن الله من يدعون عند الشدة قال: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ [الأنعام: ٤١]. نعود للإعراب، أقول: الهمزة للاستفهام، والرؤية هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا، والميم علامة الجمع، و(رأى) العلمية تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا أيش؟ حالكم عند الشدة، وجملة أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَهي محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في الشدة أتدعون غير الله؟ الجواب: لا، إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِدعوا من؟ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان: ٣٢]، فإذا وقعوا في الشدة عرفوا الله. والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض طوائف هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله، إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني، دعوا علي بن أبي طالب، دعوا الحسين، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيرًا من حال هؤلاء. وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَأي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم. ثم قال: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ(بل) للإضراب الإبطالي؛ إبطال أنهم يدعون غير الله، وإِيَّاهُمفعول مقدم لـتَدْعُونَ، وتقديم المعمول يفيد الحصر، المعنى: بل لا تدعون إلا الله. فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ(يكشف) بمعنى (يزيل)، كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يبدو ويظهر، فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِأي: ما دعوتم به إلى الله عز وجل أن يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله عز وجل يَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ. وإنما قال: إِنْ شَاءَ؛ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة، فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: إِنْ شَاءَصارت المسألة تحت مشيئة الله؛ قد يشاء الله عز وجل كشف هذه الكربة وقد لا يشاؤه حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى. وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ(تنسون) بمعنى تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم، تنسى كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك؛ أي: أنهم يدعون الله عز وجل بحضور قلب وذِكْر وهما متلازمان؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضًا عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه، فهي صالحة للأمرين، وفسرها كثير من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك، كما قال عز وجل: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَاأيش؟ إِنَّا نَسِينَاكُمْ [السجدة: ١٤]، وقال: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا. وأما في قوله: لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكرًا له من قبل، لكننا نريد النسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن معلوم، أما المنفي عن الله فنعم هو اللي يكون بمعنى الذهول عن معلوم. طالب: تفسير (أرأيتكم) بمعنى (أخبروني) ومعنى (أرأيت) هنا الرؤية هنا علمية؟ الشيخ: إي نعم، المعنى: أعلمت فأخبرني. الطالب: يعني أخبروني ملازم..؟ الشيخ: لا، إي ما هو، تفسير بالمعنى، ما هو باللفظ تفسير (...) بمعنى أخبروني أو أخبرني، هذا تفسير بالمعنى، أما المطابق للفظ فالمعنى: أعلمت هذا فأخبرني. طالب: قوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍإذا قيل: الآية تحتمل اللوح المحفوظ والكتاب، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى حملت عليه؟ الشيخ: ما يستقيم؛ لأن السياق يعين أحد المعنيين، فهنا السياق يعين أنه اللوح المحفوظ. طالب: تعليل القول (...) إذا قال قائل: إن كشف العذاب حصل عن طريق الإلزام الشركاء على الله؟ الشيخ: مفهوم أيش يعني؟ طالب: المخالفة. الشيخ: (...). الطالب: (...) حصل كشف عن طريق الاستنكار يعني؟ الشيخ: ما حصل؛ لأن الله قيده بالمشيئة. طالب: أحسن الله إليك، الذين يحرفون الآيات هل يدخلون في قوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الأنعام: ١٥٠]؟ الشيخ: هو التحريف -بارك الله فيك- يعني: بمعنى التأويل، إذا كان تأويل إنكار فهذا ربما يدخلون في هذا، أما إذا كان تأويل عن اجتهاد فهم لا يدخلون في هذا، والتأويل الذي يقبل إذا كان اللفظ يحتمله، ثم إذا كان هناك ما يرجح المعنى الآخر ولكن يحتمل المعنى فهنا ليسوا معاندين، لكن إذا كان لا يحتمل فهم معاندون فيشبهون الذين جحدوا. طالب: شيخ -بارك الله فيك- الذين كفروا بآياتنا في بعض الناس (...) بآيات الله (...)، ولكن ما يعملون بعمل أهل الكتاب هل هؤلاء كذبوا؟ الشيخ: لا، ما كذبوا، هؤلاء يدخلون في المستكبرين. طالب: رضي الله عنك، سمعت أن الرسول صلى الله عليه وسلم (...) للكعبة «مَا أَعْظَمَكِ، وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَعِظَمُ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْكِ» ، وقد مر علينا كثيرًا يا شيخ هل أفضل من المؤمن (...)؟ الشيخ: هذا الحديث لا أعرفه، لكن لا شك أن المؤمن أفضل من الكعبة وأعظم حرمة. الطالب: (...)؟ الشيخ: ليس المطلقة، ما يجوز؛ لأن الله قال: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]. طالب: قوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍيؤخذ منه أنه لا يصح الدعاء: اللهم إنا لا نسألك رد القضاء؟ الشيخ: لا، معروف أنه منكر، هذا الدعاء المنكر ما يجوز، لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، هذا غلط، هذا يدل على أن هذا الإنسان كأنه يقول: لا أبالي، لا اسأل الله عز وجل أن يعافيك، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، لكن هذه تجدها كلمة من صوفي أو شبهه وصارت على الألسن. مثل ما صار هل الإنسان مسير أو مخير؟ سبحان الله! أحد يسأل هذا السؤال؟! نفس الذي سأل هو مخير ولّا مسير؟ الجواب مخير هو الذي يختار؛ الإنسان. طالب: بارك الله فيكم، يرد كثيرًا على ألسنة الخطباء وكذلك في مقدمة الكتب: والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: لا، غلط وإن كان (...) قال:
وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ
نَبِيُّنَا فَمِلْ عَنِ الشِّـــــــــــــــــــــقَاقِ
لكن يجب أن يقيد الخلق ببني آدم؛ فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَنَا سَيْدُ وَلَدِ آدَمَ» ، جاء في الحديث: «وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ» ، والمراد خلقه الآدميين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ. في هذه الآية وما بعدها فوائد؛ منها: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه، تقرير الإنسان أن يُقَرر بشيء يقر به لا يمكنه دفعه، وذلك في قوله: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟! وقوله: عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُالمراد أن الله قد لا يعذب هؤلاء المكذبين ويؤخر ذلك إلى قيام الساعة؛ يعني: لا بد إما أن يصيبهم العذاب في الدنيا، وإما أن يصيبهم في يوم القيامة. ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجؤون إلا إلى الله؛ لقوله: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ. ومن فوائده: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا، بل ويعلم عز وجل أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم من الكرب وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله عز وجل أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم؛ فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافرًا، فهذان صنفان تجاب دعوتهما: المضطر، والثاني المظلوم يجيب الله تعالى دعوته، أما المضطر فلأن رحمة الله سبقت غضبه، فيرحم المضطر ويجيب دعوته، وأما المظلوم فلكمال عدل الله عز وجل أن يجيب المظلوم انتصارًا له على الظالم. ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يصرف السوء إلا الله عز وجل. ويتفرع عليها: أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله عز وجل. وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟ الظاهر الثاني؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجؤون إلى الله، فالرافضة مثلًا إذا أصابهم الضر يلجؤون إلى من؟ إلى أئمتهم؛ علي بن أبي طالب، والحسين، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله عز وجل على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله عز وجل ثم يعود؛ ولهذا قال: وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَمعنى (تنسون) هنا بمعنى (تتركون)؛ يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد ذكرنا في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك أو أيش؟ أو الذهول؛ لشدة ما نزل بهم.
تفسير الآيات (٤٢-٤٤)
٠٠:٥٠:١٣
ثم قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام: ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة. أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَيعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، أُمَمٍجمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ [النحل: ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك. هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ. وقوله: إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَيعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم. فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِفَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ(الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا. فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِالبأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله عز وجل: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا [الأنعام: ٤٣] أي: عذابنا، تَضَرَّعُوا(لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْأي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَالشَّيْطَانُالمراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، نَسُوابمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍيعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف. حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةًحَتَّى إِذَا فَرِحُواأي: فرح بطر ومرح، بِمَا أُوتُواأي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةًأخذناهم بأيش؟ بالعذاب، بَغْتَةًأي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَفَإِذَا هُمْ(إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل. ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ [النساء: ١٦٣] إلى قوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أن الرسل بلسان قومهم؛ أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة. فيتفرع على هذا: أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا ما الفائدة؟ إلا أنه يحب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سدًّا لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحيانًا يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين. ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق؛ حيث أرسل إليهم الرسل لإقامة الحجة ولبيان المحجة، المحجة يعني: الطريق، فلولا الرسل ما عرفنا، لولا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيَّن لنا كيف نتوضأ ما عرفنا، كيف نصلي ما عرفنا، كيف نزكي، كيف نصوم، كيف نحج، كيف نتعامل ما عرفنا، فإرسال الرسل من رحمة الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حذف السبب ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة للمخاطب، حذف السبب وذكر المسبب والنتيجة ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة في قلوب المخاطب؛ لقوله: فَأَخَذْنَاهُمْولم يذكر التكذيب حتى يكون أشد، ويبحث الذهن لماذا أخذوا؟ فيكون أشد هيبة ووقعًا في قلوب المخاطب. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالبأساء والضراء لكن لحكمة لا لمجرد إلحاق الضرر بالخلق، ما هي الحكمة؟ بيَّنها في قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، وإلا فإن الله لا يمكن أن يريد مجرد الإضرار، بل كل ما ضر الناس من تقديرات الله فالمراد به مصلحة الخلق. ومن فوائد هذه الآية: أن الأخذ قد يكون بالبأساء، وقد يكون بالضراء، قد يكون بالشدة التي يتأذى بها الإنسان بدون ضرر، وقد يكون بالضرر، فمثلًا الخوف والجوع وما أشبه ذلك هذا شدة، المرض المباشر للشخص هذا ضرر، فالأخذ إما هذا، وإما هذا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، تؤخذ من قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، وثبوت الحكمة لله عز وجل في أفعاله وفي شرعه أمر معلوم لكل ذي عقل؛ لأن كون الأفعال والأحكام تصدر عن حكمة يدل على كمال الفاعل والمشرع. ولكن هل كل فعل أو حكم جاء من عند الله يكون معلومًا لنا حكمته؟ الجواب: لا؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله عز وجل، لكن نعلم علم اليقين أن ذلك لحكمة؛ ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ما ذهبت تعلل فتقول: الصوم لا يأتي في السنة إلا مرة، وقضاؤه سهل، والصلاة تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، فقضاؤها صعب، والصوم لا نظير له في السنة يقوم مقامه، والصلاة لها نظير إذا لم تصلي اليوم صلت غدًا، ما قالت هذا، قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة ، فجعلت مجرد الحكم هو الحكمة. وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بأن جميع أفعال الله وجميع شرائع الله كلها لحكمة، لكن قد نعلم وقد لا نعلم. الفقهاء رحمهم الله يعبرون عن الشيء الذي لا تعلم حكمته بأنه تعبدي؛ بمعنى أنه ليس علينا إلا أن نتعبد به لا أن نعلم حكمته، وأحيانًا يقولون عن الشيء: إنه تعبدي، وهو معلوم الحكمة، وأحيانًا يكون القول صوابًا. من هذه الأمة من أنكر الحكمة وقال: إن الله عز وجل يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة، ويحكم بما شاء لمجرد المشيئة، وهذا غلط ونقص، قالوا: لأنه لو فعل لحكمة لكان ذلك لغرض، وكونه يفعل الشيء لغرض نقص. ولهذا من عباراتهم الفاسدة الحسنة منظرًا أو مسمعًا: إن الله منزه عن الأعراض، والأبعاض، والأغراض، هذه عندهم منزه عن الأعراض، والثاني الأبعاض، والثالث الأغراض. أما الأعراض فمرادهم بذلك ما يعرض للفاعل من فعل أو ترك أو نحو ذلك؛ ولهذا ينكرون الاستواء على العرش، ينكرون النزول إلى السماء الدنيا. والأبعاض يقصدون بها الوجه واليدين، وما أشبهه. والأغراض يريدون بها الحكمة، فيقولون: لو كان أفعاله لحكمة أو شرائعه لحكمة لكان له غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض. والجواب على هذا سهل، هل الغرض الذي تتضمنه الحكمة هل هو لمصلحة الله أو لمصلحة الخلق؟ الثانية قطعًا، وإلا فإن الله يقول: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧]، فهذه الحكمة التي تضمنها الفعل أو الشرع أو الحكم هذه لمصلحة الخلق، وحينئذٍ تكون كمالًا أو نقصًا؟ كمالًا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التضرع إلى الله عز وجل، والتضرع بمعنى اللجوء والإنابة إلى الله تعالى، والقيام بما يجب له من كل ما يجب؛ من عقيدة، أو قول، أو عمل. ثم قال: فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَاإلى آخره. من فوائدها: بيان شدة قسوة هؤلاء المعذبين، أنه لما جاءهم العذاب ليتضرعوا صار أمرهم بالعكس، بل زاد ذلك قسوة لقلوبهم، نسأل الله العافية، وكان الذي ينبغي أن يتضرعوا إلى الله عز وجل. وهذا قد يقع من الإنسان ألَّا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب وسخطًا على الله عز وجل -والعياذ بالله- وشعورًا بما لا ينبغي، فإن بعض الناس إذا ابتلي ببلاء قال: ويش هذا؟ لأيش يظلمني؟ لأيش يصيبني بما لم يصب به غيري؟ ثم يقسو قلبه، والعياذ بالله. ومن ثم وجب الصبر على من أصيب بمصيبة حتى لا يقسو قلبه، فيقال: أنت عبد لله، أليس كذلك؟ والعبد خاضع لفعل السيد، والله تعالى يفعل بعبده ما يشاء، كما أنه يفعل مثلًا في السماء ما يشاء، في الأرض ما يشاء، في الرياح ما يشاء، كذلك أنت، أنت خلق من المخلوقات يفعل بك ما يشاء، لكن عليك الصبر عند الضراء، والشكر عند السراء. ومع ذلك -والحمد لله- الضراء التي تصيب الإنسان تكون تكفيرًا لسيئاته، وما أكثر السيئات، أي شيء يصيبك حتى الشوكة إذا أصابتك فإنها تكفر السيئات، فإن احتسبت أثبت ثواب الصابرين، فلم يفرط الله تبارك وتعالى بشيء فيما ينفع الخلق. ومن فوائد هذه الآية: إثبات قسوة القلب بعد لينه؛ لقوله: وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وكما في آية البقرة ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [البقرة: ٧٤]، فقسوة القلب تحدث، ولين القلب يحدث أيضًا، فكلاهما حدثان، والواجب على الإنسان أن يلاحظ دائمًا قلبه ألين هو أم لا؟ أمخبت إلى الله أم لا؟ أمخلص لله أم لا؟ الأعمال الظاهرة كل إنسان يستطيع أن يأتي بها على أحسن وجه، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: المنافق يمكن أن يأتي بالصلاة على أحسن وجه، ويمكن أن يتصدق، لكن أعمال القلوب هي -واللهِ- الصعبة، حرر قلبك من رق المعاصي حتى يفتح الرب. فإذا قال قائل: ما دواء قسوة القلب؟ وهذا سؤال يرد كثيرًا من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب. فالجواب: أن من أسباب إزالة القسوة: كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأن تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله عز وجل لا كلام البشر، كلام الله خالق السماوات والأرض، وحينئذٍ تعظِّم هذا الكلام وتنتفع به. ثانيًا: كثرة الذكر؛ ذكر الله عز وجل، أكثر من ذكر الله، وذكر الله عز وجل ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان وليس فيه صعوبة، قال الله عز وجل: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد: ٢٨]. ومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيرًا كثيرًا، وفي الحديث أن الجليس الصالح كحامل المسك؛ إما أن يحذيك -يعطيك تبرعًا- وإما أن يبيعك، وإما أن ترى منه رائحة طيبة ، احرص على مصاحبة الأخيار، ولكن انتفع بهم وانفعهم؛ لأن ما كل أحد معصوم، أنت انفعهم وانتفع بهم. ومنها؛ أي من أسباب لين القلب: رحمة الصغار ولا سيما اليتامى؛ فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» . وهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعًا لذكره ولطاعته، إنه على كل شيء قدير. طالب: تأديب النفس بسنة ما وتجويعها وتعذيبها، فهل هذا صحيح؟ الشيخ: ما يظهر هذا، وليس من الشرع هذا أيضًا؛ لأن النفس لها حق، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يجوع نفسه هذا ليس من الشريعة. الطالب: على أساس أنه يعرف نفسه، يعني مثلًا لو قلل من كمية الطعام أو قلل..؟ الشيخ: ما يخالف، قلَّل غير أنه يجوع، فليقلل؛ يأكل الثلث للطعام، والثلث للشراب، والثلث للنفَس، لكن المشكلة الآن أن بعض الناس يقولون: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مساغًا ، وأبو هريرة فعل ذلك مرة، وهؤلاء يجعلونه كل مرة، والعامي يقول: الماء ثقيل ينفذ ولو كانت المعدة مملوءة بالطعام، والنفَس حربة يشق على النفس، وكأن هذا العامي يقول: املأ البطن، ولكن ملأ الحقيقة أن البطن دائمًا يضر، وأن الإنسان إذا خفف فإنه أصح له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيبًا شهيًّا ولا تستطيع أن تأكل قليلًا، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع، ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيرًا، لكن مرنْ نفسك. طالب: الرحمة «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ، حتى المخلوقات والحيوان، تشمل كل شيء؟ الشيخ: نعم، تشمل كل شيء، هل ترحم الحيوان؟ نعم، ارحم الحيوان، لا تكلف البعير أكثر مما تطيق. الطالب: (...) العوام يقولون: هذا حلال، هذا حيوان ما يحس ويضربوه؟ الشيخ: لا، أعوذ بالله، يحس، كيف ما يحس؟! أليست البعير إذا ضربتها ترغي؟ طالب: بالنسبة لهؤلاء الذين يغلب على الظن أنهم لم تقم عليهم الحجة باتباعهم كبار علماء وكذا، كيف تكون معاملتهم إذا كانوا يعملون أعمال شرك، هل يتعامل معهم الإنسان معاملة مسلمين أو كفار؟ الشيخ: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم يستثني يقول: اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا. من فوائد الآية: إثبات قسوة القلب، وهي صلابته وعدم لينه للحق؛ لقوله: وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ. ومن فوائدها: أن الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل، كما قال عز وجل: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وفي آية أخرى زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ [الأنفال: ٤٨]. ومن الفوائد: أن الله تبارك وتعالى قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلمًا من الله عز وجل، كلا؛ لأن الله قد بين لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسنًا، وصار الحسن سيئًا؛ لقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي. ثم قال عز وجل: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِإلى آخره. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى عجَّل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج؛ لقوله: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ. ومن الفوائد: أن يحذر الإنسان عقوبة الله عز وجل إذا مَنَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكن، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجًا، ولهذا قال بعض السلف: إذا رأيت الله عز وجل ينعم على الإنسان مع تماديه في العصيان، فاعلم أن ذلك استدراج ، وصدقوا فلا تغتر أيها الإنسان، فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله؛ لقوله: فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ. ومن فوائد الآية: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله عز وجل؛ لقوله: فَرِحُوا بِمَا أُوتُواأي: فرح بطر، أما إذا فرح الإنسان بما يسره من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله فإن هذا لا بأس به، قال الله عز وجل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبينا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمسًا في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عامًّا شاملًا أو كان خاصًّا، قد يبتلى بمرض أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل؛ ولهذا قال: أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةًأي: أخذ بغتة؛ أي: مباغت، والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع في غير توقع له. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله به عز وجل أخذ مدمر؛ لقوله: فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَأي: آيسون من كل خير.
تفسير الآية (٤٥)
٠١:١٤:٤٦
قال الله عز وجل: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٤٥] فَقُطِعَ(الفاء) عاطفة وتدل على الترتيب والتعقيب، قُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِأي: هلكوا عن آخرهم؛ لأنه إذا قطع الدابر -وهو الآخر- فما سبقه من باب أولى، ولم يفصح جل وعلا بالقاطع؛ لأنه معلوم وهو الله عز وجل، ولكن الله تبارك وتعالى في الأمور التي تسوء يأتي بها بصيغة ما لم يسم فاعله فَقُطِعَ دَابِرُ، وهو كقول الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، الجن يؤمنون بأن مريد الشر من؟ هو الله عز وجل، يعرفون أن الخير والشر بيد الله عز وجل، هو المدبر، لكن كرهوا أن يضيفوا الشر إلى الله فقالوا: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا؛ لأن هذه العقوبة مرتبة على قوم اتصفوا بالظلم، فيكون الظلم سببًا للعقوبة، وهذا من كمال الله تبارك وتعالى: أن تكون أفعاله لحكمة وأحكامه الشرعية لحكمة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظلم سبب للعقوبة والهلاك؛ لأن الحكم إذا علق على وصف صار ذلك الوصف علة له؛ يزداد الحكم قوة بقوته، وينقص بنقصه. دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله محمود على قطع دابر الظالمين، وهو كذلك، فهو سبحانه وتعالى محمود على جلب النعم وعلى دفع النقم، والظالم إذا أهلكه الله فإن ذلك من تمام عدله ورحمته؛ لأنه يكون نكالًا لما بين يديه وما خلفه. أما المعنى فالمعنى لا إشكال فيه، قلنا: دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوايعني: آخره، وإذا قطع الآخر قطع الأول، أما الَّذِينَ ظَلَمُوافالمراد الكفار؛ لأن كل إنسان كافر فهو ظالم في حق من؟ في حق نفسه، كما قال عز وجل: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧]، وهو في حق الله معتدٍ؛ حيث لم يقم بالحق الواجب عليه.
تفسير الآية (٤٦)
٠١:١٧:٥٠
ثم قال الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [الأنعام: ٤٦] قُلْ أَرَأَيْتُمْأي: قل يا محمد: أخبروني، إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْبحيث لا تسمعون الكلام، وَأَبْصَارَكُمْبحيث لا ترون الأفعال، وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْبحيث لا يكون لديكم وعي ولا عقل، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟ سيكون جوابهم: لا أحد؛ لأنهم يقرون ويعترفون بربوبية الله عز وجل وبما يترتب عليها. قال تعالى: انْظُرْيعني: نظر اعتبار؛ أي: نظر بصيرة، كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِأي: ننوعها، و(الآيات) جمع (آية) وهي العلامة التي يحصل بها الطمأنينة؛ لاشتمالها على الدليل؛ يعني: أن الآية ليست مجرد علامة، بل هي العلامة التي تكون دليلًا على الشيء، فهي أخص من مطلق العلامة، ومعنى نُصَرِّفُينوع الآيات؛ شمس قمر، ليل نهار، رخاء شدة، حر برد، وهلم جرًّا، آيات منوعة. ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَأي: ينصرفون عن الحق وعن الآيات، وتأمل قوله: ثُمَّالدالة على التراخي؛ يعني: ثم أن يتبين لهم الأمر ويتضح هم يصدفون فلا ينتفعون. في هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء الذين أشركوا بالله بهذه المسألة اليسيرة بالنسبة لغيرهم؛ وهي: أن الله إذا أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم فإنه لن ينصرفوا إلا إلى الله عز وجل، وهذا تحدٍّ لهم. ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان إذا أصيب بسمعه أو بصره أو قلبه أو سائر جسده فليلجأ إلى من؟ إلى الله عز وجل؛ لأنه لا أحد ينفعه. فإن قال قائل: إذن لا نذهب إلى الأطباء، ولا إلى القراء، ولا نستعمل الأدوية؟ فالجواب: لا، بل اذهب إلى الأطباء، واستعمل الأدوية، واذهب إلى القراء، ولكن الذين يسترقون تنقص درجتهم بالنسبة للذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالإنسان مأمور بفعل الأسباب، بل جاء الأمر بالتداوي، إلا أنا لا نتداوى بحرام . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطورة انسداد هذه الأمور الثلاثة؛ وهي السمع بحيث لا يسمع الآيات، والبصر لا يراها، والقلب لا يعيها، فعلى الإنسان أن يراعي هذه الأمور الثلاثة. ومن فوئد هذه الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل؛ حيث صرَّف الآيات للعباد، ولو شاء لترك التصريف وجعل الناس يتخبطون خبط عشواء، لكن من نعمة الله أن الله يري عباده الآيات ويصرفها وينوعها، فهذا من رحمة الله عز وجل؛ يعني: إذا لم يؤمن بهذه الآية آمن بالآية الأخرى وحصل المقصود، وكم من إنسان تفوته آيات كثيرة لا يعتبر بها، ثم يصاب بآية واحدة فيعتبر، حتى إن بعض المستقيمين حكوا لي عن أنفسهم أنهم كانوا منزلقين في الشهوات والتلهي، فلما مات قريبهم استقاموا، كل الآيات السابقة لم ينتفعوا بها، لكن لما مات القريب استقاموا وعرفوا أن مآلهم كمآل هذا، فعادوا إلى الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التشنيع على هؤلاء الذين صرفت لهم الآيات فأعرضوا؛ لقوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَأي: ينصرفون عنها ولا يعتبرون بها، فيكون فيه الحذر من تولي الإنسان بعد ظهور الآيات؛ لأنه إذا تولى بعد ظهور الآيات صار من قسم أيش؟ عندنا ثلاثة أقسام: المغضوب عليهم، والضالون، وأهل الاستقامة، صار من قسم المغضوب عليهم؛ لأنه علم الحق، ولكنه تمرد عليه ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ.
تفسير الآية (٤٧)
٠١:٢٣:١٢
قال عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٤٧] يعني: أخبروني، وسبق القول في إعراب هذه الجملة، إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِأي: عقوبة الله، بَغْتَةًكما لو أتتكم وأنتم نيام، أَوْ جَهْرَةًكما لو أتتكم وأنتم أيقاظ، وهذا كقوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأعراف: ٩٧، ٩٨]، الأول بَغْتَةً، والثاني جَهْرَةً. بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَيعني: إن أتتكم فهل أنتم مظلومون إذا أتاكم عذاب الله؟ على الوجهين الجواب: لا، فالجملة في قوله: هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَتقرير لأخذ العذاب، وأنهم لم يؤخذوا ظلمًا بل لعملهم السيء. في هذه الآية: تحذير من نزول العذاب؛ إما بغتة، وإما جهرة، فلا يأمن الإنسان إذا كان عاصيًا أن ينزل به العذاب، ولكن أتظنون أن العذاب هو عقوبة الجسد؟ لا، عقوبة الجسد لا شك أنها عذاب، لكن أكبر من ذلك الإعراضُ عن دين الله عز وجل، كما قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن المعاصي بريد الكفر ينزلها الإنسان مرحلةً مرحلةً، كما ينزل البريد المسافة مرحلةً مرحلةً، حتى يصل إلى الكفر، والعياذ بالله، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المعاصي تقسي القلب وتسود القلب وتوبس القلب حتى يصبح ميتًا وتحل الكارثة، ولكن -الحمد لله- جعل الله لكل داء دواء، المعصية قارنها بالتوبة، وإذا تبت فالتوبة تهدم ما قبلها تكون كأنك لم تذنب، ولله الحمد. بل إن الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا ربما تكون حاله بعد التوبة أكمل من حاله قبل المعصية، انظر إلى قول الله تبارك وتعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢١، ١٢٢]، فارتفعت منزلته حين تاب من المعصية، وهذا شيء مشاهد؛ لأن الإنسان إذا بقي مستمرًا على حاله في طاعة الله بقي قلبه لا يتحرك يفعل الأشياء هذه وكأنها غريزة، إذا أذنب خجل من الله عز وجل واستحيى من الله وأخبت إلى الله تبارك وتعالى، وصار يتذكر هذا الذنب في كل لحظة؛ ولهذا قال بعض السلف: إن المعصية بالنسبة للفاسق كذباب وقع على أنفه فطرده؛ يعني: خفيفة عنده، وأما أهل القلوب الحية فالمعصية كأنها جبل يستثقلها ويخاف منها حتى يتوب إلى الله تبارك وتعالى. قوله: هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَاستفهام بمعنى النفي، فـ(هل) بمعنى (ما)، وقد ذكرنا -فيما سبق- أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي صار أشد من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي، كأن المتكلم يقول للمخاطب: أثبت لي هذا الشيء، فيكون الاستفهام بمعنى النفي أشد من النفي المجرد. هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَالظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم في حق الله، وظلم في حق العباد، أما الظلم في حق الله فدواؤه التوبة مهما عظم حتى لو كان شركًا بالله تبارك وتعالى، بل حتى لو كان سبًّا لله على القول الراجح فإنه يجوز التوبة، حق الآدمي لا يزول إلا برده إليه أو استحلاله منه، وإلا مهما كان الإنسان إذا تاب وأخلص لله وندم فإنه لا يكفيه حتى يرد، بل إن رد المظالم لأهلها من شروط التوبة؛ لأن من شروط التوبة: أن يقلع الإنسان عن الذنب، ولا إقلاع عن الذنب مع استمرار أخذ مال الغير.
تفسير الآية (٤٨)
٠١:٢٨:٣٢
ثم قال عز وجل: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [الأنعام: ٤٨] مَا نُرْسِلُ(ما) نافية، و(إلا) أداة حصر، والإرسال هو: تحميل الغير إبلاغ رسالة ممن أرسله؛ ولهذا كان القول الراجح في المسألة: أن الرسل أوحي إليهم بالشرع وأمروا بتبليغه. إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَمُبَشِّرِينَلمن اتبعهم بالخير؛ بالجنة، وَمُنْذِرِينَمن خالفهم بالنار، هذه وظيفتهم، والبشارة هي: الإخبار بما يسر، والإنذار هو: التخويف بما يسوء. فإن قال قائل: كيف تقول: إن البشارة هي الإخبار بما يسر مع أن الله تعالى جعلها إخبارًا بما يسوء، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَإلى آخره [التوبة: ٣٤، ٣٥]؟ فالجواب: أن الإنذار يؤثِّر في البشرة كما يؤثِّر التبشير، أليس كذلك؟ وأصل التبشير الإخبار بما يسر، أصل تسميته تبشيرًا؛ لأنه تتأثر به البشرة، فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره.