تفسير سورة الأنعام - ٤
درس صوتي · ٨٧:٥٩
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
وإلا لكان هذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وتكون فوضى، فهناك دليل، ولعلك وغيرك أيضًا وقع في مثل هذا؛ أنه جابه أناسًا على هذا الحال، فالواجب النصيحة، وأن تُضرب الأمثال لهؤلاء بما حصل من البلاء، وإراقة الدماء، وانتهاب الأموال فيمن سلك هذا المسلك من حين الخوارج على علي رضي الله عنه، ومعاوية إلى يومنا هذا. طالب: عفا الله عنك يا شيخ، الذنوب يا شيخ لها أثر، ولها صفة (...) العقوبة؛ لأن الإنسان يعاقب بالذنوب اللي تسبب له عقوبة من الله سبحانه وتعالى، وتصير خيرًا له، مثل المريض يا شيخ، لولا بعض الناس ما هو كل الناس، لكن بعض الناس، المرض (...) صار المريض ذكر الله، ورجع إلى ربه، فإذا ما عافاه الله نسي ما على حاله اللي هو مضى، ومنها يا شيخ منها ما جرى للصحابة في غزوة أحد وغزوة حنين يا شيخ، ومنهم عصوا الرسول صلى الله عليه وسلم، عاقبهم الله سبحانه وتعالى بالهزيمة، وعاقبهم لما اغتروا بكثرتهم في حنين. الشيخ: إي نعم، صحيح، هذه من حكمة الله عز وجل؛ أن هذا الجند الذي هو أشرف جند على وجه الأرض منذ خُلق آدم حصلت عليهم الهزيمة بمعصية واحدة، فكيف بالمعاصي التي ملأت الأجواء؟ ثانيًا: حصلت لهم هزيمة لافتخارهم لعددهم وكثرتهم، وهم أشرف جُند على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، فهذا موعظة لنا، إذا كنا نريد الانتصار على أعدائنا فلا يجوز أبدًا أن ننغمس في المعاصي، وبعضنا منغمس في الإلحاد والكفر والعياذ بالله ومولاة الكفار ومناصرتهم، كيف يكون النصر، فهذا في الواقع من حكمة الله عز وجل أنهما مثلان عظيمان تحصل بهما العبرة إلى آخر هذه الأمور. طالب: شيخ -حفظك الله- هناك بعض الظالمين لا نرى حتى في آخر حياتهم لا تحصل لهم عقوبة، فهل العقوبة هنا لا بد أن تصلهم في الدنيا أو؟ الشيخ: ظالمًا، إذا كان ظالمًا بمبدأ من المبادئ لا بد أن ينخذل هذا المبدأ حتى بعد موته، إذا كان خاصًّا فإنه وإن لم يحصل ذلك في الدنيا حسب ما نرى فهو في الآخرة، وربما يكون في قلب الظالم أشياء ما ندري عنها، يُبتلى بها: من ضيق الصدر، وكراهة الحق وما أشبه ذلك. طالب: أحسن الله إليك، قلنا: من التكذيب على الله التكذيب في مدلول الأدلة، وإذا أخطأ الإنسان في مدلول آية لا (...) أصلها. الشيخ: هذا -بارك الله فيك- إذا قال بتفسير الآية، ننظر هل هو على قاعدة شرعية؟ هل هذا ما تقتضيه اللغة أو ما تقتضيه الشريعة؟ فهو إذا أخطأ مغفور له بعد بذل الجهد، أما إذا عاند وقال: المراد بكذا كذا وكذا، فلا عذر له. الطالب: يريد أن يشرح للناس وهو ليس أهلًا له. الشيخ: لا، ما يجوز خاصة القرآن، القرآن أنت إذا أخبرت بمعنى آية فقد شهدت على الله أنه أراد هذا، هذه صعبة. طالب: ما هو ضابط المناصرة؛ مناصرة الكفار حتى تكون ناقضة من نواقض الإسلام؟ الشيخ: المناصرة أن يناصرهم على الكفر، هذه المناصرة. طالب: كتهنئة الكفار؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: بأنهم حلوا في بلاد المسلمين، واستقروا فيها، فيهنئ بعضهم بعضًا؟ الشيخ: لا، حرام هذا، ما يجوز. الطالب: هل يُعد ناقضًا؟ الشيخ: هذا حرام، مسألة النواقض إحنا ما نتكلم فيها؛ لأنها تحتاج إلى تحرير، لكن لا شك أن الذي يُهنئ الكفار باحتلال بلاد المسلمين أنه على خطر عظيم، نسأل الله العافية.
تفسير الآيات (٢٢-٢٤)
٠٠:٠٤:٤٠
ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا [الأنعام: ٢٢] يَوْمَظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَ التَّـــــــــــــــعَلُّقِ
بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي
واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُ عَمَــــــــــــــــــــــــلْ
كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ)
إذن أين متعلق يَوْمَ؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟ الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم. نَحْشُرُهُمْأي: نجمعهم.
جَمِيعًالا يُفلت منهم أحد. ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٢٢] نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواأي: بالله عز وجل في الدنيا. أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُالاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم. شُرَكَاؤُكُمُأي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون. فيقال: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَأي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟ الجواب: بيّنه الله عز وجل ثُمَّأي: بعد هذا السؤال لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْأي: حجتهم. إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَأقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟ لا؛ ولهذا قال: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الأنعام: ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْوالأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟ والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه. كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْبقولهم: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. ثم قال: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَضَلَّبمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.
وقوله: مَا كَانُوا يَفْتَرُونَأي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين. نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، عندي القراءات: {ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} والقراءة اللي في المصحف: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُواالخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل تَكُنْأيش؟ {يَكُنْ} لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: إِلَّا أَنْ قَالُوا؛ لأن المعنى: لم يكن فتنتهم إلا قولهم. الثاني: {وَاللَّهِ رَبَّنَا} قراءة يعني والله يا ربنا ما كنا مشركين، هذا الاختلاف في القراءات -يا إخواني- لا يضر؛ لأنه فيما سبق في العهد الأول كانوا لا يحركون الحروف ولا يُعجِمونها؛ يعني لا يجعلون نقطة ولا نقطتين، لا فوق ولا تحت، فتكون القراءتان في الرسم واحدة، إنما تختلف في النطق، وفي الإعجام والإعراب بعد أن أعجم القرآن وأعرب. من فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ذُكر له مآل المكذبين له. ومن فوائدها: التحذير من الشرك؛ لأن المشرك سوف يُوبَّخ في يوم لا يستطيع الخلاص فيه. ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة، يوم الحشر.
ومن فوائدها: أن الحشر عام شامل، لا يشذّ عنه أحد، لا مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر؛ حيث أكده الله عز وجل بقوله: جَمِيعًا. ومن فوائد الآية: الكريمة إثبات القول لله؛ لقوله: ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُقد ينازع منازع، ويقول: إن القائل هم الملائكة، وأضاف الله قولهم إلى نفسه؛ لأنهم رسله القائلون بأمره فهو كقوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٨] مع أن القارئ جبريل. نقول: هذا وارد بلا شك أنه يحتمل أن يكون الذي يقول لهؤلاء المشركين ملائكة، وأضاف الله ذلك إليه؛ لأنهم يقولون بأمره، ولكن ما هو ظاهر القرآن؟ أن القائل هو الله عز وجل، وإذا كان هذا ظاهر القرآن فليس لنا مندوحة عنه؛ لأن الله سوف يحاسبنا يوم القيامة، فيقول الكلام، ثم نقول، فكيف يصرف بأن المراد الملائكة بلا دليل؟ فالواجب الأخذ بظاهر القرآن ما لم يوجد دليل، فإذا وجد دليل ينقل الكلام عن ظاهره فعلى العين والرأس، المهم في هذا إثبات أن الله يقول.
فإن قال قائل: أيقول بالحروف المسموعة المعقولة أو بحروف أخرى؟ الجواب: الأول بلا شك. فإن قال قائل: وهل يشبه صوته صوت المخلوقين؟ فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]؛ ولأن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة وصعق الملائكة، ومثل هذا لا يقع في كلام الآدميين أبدًا، في كلام المخلوقين عمومًا، لا يمكن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ أولئك المشركين حيث يُقال لهم في هذا المجمع العظيم: أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ. ومن فوائدها: أن هذه الآية تدل على أن الأصنام لا تنفع عابديها؛ لأنها لا تنصرهم في هذا الموقف، بل قد قال الله عز وجل: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَتحصبون بها في وسطها، أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا [الأنبياء: ٩٨، ٩٩]، شوف هذه الآية فرح بها المشركون وانتهزوا الفرصة، وقالوا: هذا محمد يقول: إن المعبودات في النار، وعيسى معبود فيقتضي أن يكون عيسى في النار، فأنزل الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك العابدين لهذه الأصنام ليس عندهم حجة ولا برهان، وإنما هي مجرد دعوى تُؤخذ من قوله: تَزْعُمُونَ، والزعم -في الغالب- يكون في قول لا دليل له. ومن فوائد هذه الآية الكريمة التي بعدها: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُواإلى آخره؛ من فوائدها: أن أولئك القوم فتنوا بهذا الجواب واستحسنوه وظنوه مفيدًا، وهو: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان قد يُفتن بالشيء فيرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، فاسلم من هذه الفتنة، وحاسِب نفسك عليها، واستعذ بالله أن تكون من أهلها. ومن فوائدها: إقرار هؤلاء المشركين بألوهية الله وربوبية الله؛ بألوهيته في قولهم: وَاللَّهِ، وربوبيتهم في قولهم: رَبِّنَالكن هل ينفع هذا؟ في ذلك الوقت ما ينفع، بل لا ينفعهم لو أنهم وحَّدوا حين نزل بهم الموت، كما قال عز وجل: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما افتروه من الشريك لله عز وجل سوف يضل عنهم مع شدة طلبهم له، كما تضل الضالة عن صاحبها؛ لقوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وهم يقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَوبين قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، صرح الله في هذه الآية أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وهنا كتموا؛ قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ؟
فالجواب: أولًا: يجب أن نعلم ونؤمن ونتيقن أنه لا تناقض في القرآن أبدًا، التناقض في فهم الإنسان لقصوره، أما القرآن فلا تناقض فيه، ولا يمكن أن يتناقض، وقد ألَّف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة العظيمة مؤلفات، ومنها: تأليف الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله المفسّر والأصولي المشهور: دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب. لا يمكن أبدًا التناقض، فإن رأيت متناقضًا فالخلل من عندك؛ إما لقصور في الفهم، أو تقصير في الطلب، أو سوء نية، تريد أن تبحث عن الأشياء التي ظاهرها التعارض لتطعن القرآن أو قصور في العلم، وإلا فلا تناقض، هنا نقول: يوم القيامة خمسون ألف سنة، وللناس فيه أحوال، ففي حال ينكرون أنهم مشركون، وفي حال يقرون، إذا رأوا أن أهل التوحيد نجوا قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فإذا خُتم على أفواههم وشهدت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون حينئذٍ أقروا؛ لأنه لا يمكن أن ينكروا مع وجود الشهود من أنفسهم.
تفسير الآية (٢٥)
٠٠:١٨:٠٢
ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَإلى آخره [الأنعام: ٢٥] مَنْهذه تبعيضية، وعلامتها أن يحل محلها بعض؛ أي: بعضهم الذي يستمع إليك. ويَسْتَمِعُهنا جاءت بصيغة الإفراد مراعاة للفظ (مَن)؛ لأن (مَن) الموصولة يجوز أن يُراعى معناها، وأن يراعى لفظها، فإذا رُوعي معناها جُعل العائد عليها حسب ما يراد بالمعنى، وإذا رُوعي اللفظ صار مفردًا. مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَأي: من يحضر ويستمع إلى قراءتك، ولكن لا ينتفعون، ولهذا قال: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ. جَعَلْنَاأي: صيرنا. عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةًو(الأكنة) جمع (كنان) كـ(زِمام) و(أزِمَّة)، وهو ما يغطي الشيء ويستره. وقوله: أَنْ يَفْقَهُوهُأي: إرادة أن يفقهوه، فهو على تقدير مضاف؛ يعني: لا نريد أن يفقهوه، وإن شئت فقل: كراهة أن يفقهوه، وبعضهم قال: إنه على تقدير (لا)، والمعنى ألا يفقهوه، والمعنى واحد، لكن كوننا نفسرها بكراهة أولى من كوننا أن نفسرها بـ(لا)؛ لأننا إذا فسرناها بـ(لا) فسّرنا المثبت بالمنفي، وهذا بعيد، وإذا فسَّرناها بكراهة فهذا مضطرد، مثل قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]؛ أي: كراهة أن تضلوا. وقوله: يَفْقَهُوهُالفقه في اللغة الفهم، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] أي: لا تفهمونه؛ والمعنى أن الله جعل على قلوبهم سترًا واقيًا من فقههم له، فلا يصل معناه إلى قلوبهم. وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًاأي: وجعلنا في آذانهم. وَقْرًاأي: حملًا وصممًا بحيث لا ينتفعون بما سمعوا، ومن لا ينتفع بلا سمع فهو كمن لم يسمع، فنفى الله عز وجل عنه الفقه ومحله القلب، والسمع ومحله الأذن. وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًاوهذا كقوله تبارك وتعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [القلم: ١٥] يعني لم يفهمها، ولم يفقهها، وإنما يظنها أساطير أي سواليف ليست ذات معنى مصلح للخلق. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَاإن يروا بأبصارهم، أو يروا بقلوبهم كل آية فإنهم: لَا يُؤْمِنُوا بِهَا، والآية: هي العلامة الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عز وجل في سورة القمر: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٢]. نسأل الله الهداية، الإنسان إذا طُبع على قلبه -نعوذ بالله- لا يؤمن بأي آية، تأتيه الآيات مثل الشمس، ولكن لا يؤمن؛ لأن القلب مُغَلَّف عليه لا يصل إليه الهدى. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَاهنا نفى الله عنهم الفقه ومحله القلب، والسمع محله الأذن، والإيمان بالآيات ومحله القلب مع مشاهدة العين. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَحَتَّىهنا للغاية، ويحتمل أن تكون للابتداء، والفرق بينهما أننا إذا جعلناها للغاية صار ما قبلها مُغيًّا بها، أي أنهم لا ينتفعون بالآيات حتى إنهم إذا جاؤوك جادلوك، ويحتمل أن تكون ابتدائية، والابتدائية: هي مثل الواو الاستئنافية. حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواإلى آخره. يُجَادِلُونَكَالمجادلة: هي المخاصمة، وسميت مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يجدل الحجة لتقوم على صاحبه، مأخوذة من جَدْل الحبل؛ وهو فتله حتى يشتد ويقوى، فهم يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم بما يُوردون عليه من الشبهات، ولكن الله تعالى يجيب عنه. وقوله: يُجَادِلُونَكَالجملة في محل نصب على الحال من الواو في قوله: جَاءُوكَأي: حال كونهم مجادلين لك. يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواهذا جواب إِذَايَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواولم تُجزم؛ لأن إذا الشرطية ليست جازمة، تقول: إذا قدم زيد يقدم عمرو، ولا تجزم، وأما قول الشاعر:
...........................
وَإِذَا تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ فَتَحَمَّلِ
فهذا يعتبر شاذًّا لا يحتج به. يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَهذه النهاية. إِنْ هَذَاأي: ما هذا، ويدل على إِنْهنا نافية، أنه أتى بعدها إِلَّا، وإذا أتى بعدها (إلا) فهي نافية. وقد تأتي نافية بدون (إلا)، وهي أعني (إن) لها معانٍ، تأتي شرطية، وتأتي نافية، وتأتي زائدة، وتأتي مخففة من الثقيلة، أربعة معانٍ. تأتي شرطية، وهذا كثير، ومثاله، مثال (إن) الشرطية؟ مثل قوله تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة: ٥٠]، وتأتي نافية، مثاله؟ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: ٢٥] أي: ما هذا إلا قول البشر، وتأتي مخفّفة من الثقيلة؟ طالب: (...). الشيخ: لا، (إن)، نريد (إن). الطالب: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا. الشيخ: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ [القلم: ٥١]. الرابعة الزائدة؟ طالب: ما إن رأيت الحق حتى تبعته. الشيخ: ما إن رأيت الحق حتى تبعته، يعني ما رأيت الحق حتى تبعته، يعني ما رأيته حتى اجتنبته؟ يستقيم الكلام؟ طالب: قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ
وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
الشيخ: قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ
وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
في هذه الآية الكريمة: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَإِنْنافية. إِلَّا أَسَاطِيرُأَسَاطِيرُجمع (أسطورة)، والأسطورة: هي ما يتحدث الناس به في المجالس من أجل قتل الوقت، ليس لها معانٍ، وتسمى عند العامة أيش؟ السواليف ما لها معنى، لكن يريد الإنسان يزيل عنه الملل والكسل وقطع الوقت. الْأَوَّلِينَأي: السابقين. في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أنه ليس كل مستمع بمنتفع؛ لقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، الآية. وانظر إلى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا [محمد: ١٦] لا يدرون ماذا قال؟ ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الاستماع بلا انتفاع، وأن هذا دأب الكفار، ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا استمع أن يتأمل ويتفكر فيما استمع، لا سيما إذا كان الكتاب والسنة حتى يعرف معناه. ومن فوائد هذه الآية: أن الفقه محله القلب؛ لقوله: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ. فإن قال قائل: ما سبب هذه الأكنة التي تحجب الحق عن القلب؟ فالجواب: أن سببها المعاصي، كما قال الله تبارك وتعالى: إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٣، ١٤]، فالمعاصي تحول بين الإنسان وبين الفقه في دين الله، ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لمن استفتي أن يستغفر الله قبل الإجابة، حتى يمحوا الاستغفار ما كان على القلب من الرين، واستدل بقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٥، ١٠٦ ]، وهذا استنباط جيد لا سيما إذا اشتبهت عليك المسألة، وحِيل بينك وبين معرفة الصواب فيها فعليك بالاستغفار والدعاء ولا تتسرع؛ لأنك تعبر عن شرع الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عدم الانتفاع بالسماع كالصمم تمامًا؛ لقوله: فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ [فصلت: ٤٤]، بل صاحب الصمم معذور، والذي لا ينتفع بما سمع غير معذور؛ لأن صاحب الصمم إذا لم يسمع؛ هذا من آفة حلّت به. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار لا ينتفعون بما سمعوا ولا ينتفعون بما شاهدوا؛ لقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا؛ والآيات نوعان: آيات قدرية، وآيات شرعية، فمن الآيات القدرية ما يحدثه الله عز وجل في الكون كانشقاق القمر، وهبوب الرياح التي أرسلها الله عز وجل على الأحزاب، وكذلك نزول المطر، وامتناع المطر، أشياء كثيرة لا تُحصى، ثم الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، كلها من آيات الله الكونية أو الشرعية؟
طلبة: الكونية. الشيخ: الكونية، وأما آيات الله الشرعية فهي الوحي، إذا تأملت الوحي -وأشرفه القرآن- عرفت ما فيه من الآيات العظيمة في الأخبار والأحكام؛ فالمؤمن ينتفع وغير المؤمن لا ينتفع حتى قال الله عز وجل: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤] لا يصدّقون بأنه عذاب، ومن ذلك ما يحدث في زمننا الآن، العواصف والقواصم والفيضانات والزلازل هي عند قوم من الأمور الطبيعية التي لا تدل على التهديد والتخويف، وذلك من رين القلوب- نسأل الله العافية- ومن مشابهة الكفار في أنهم: إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل يُرسل الآيات تأييدًا للرسل وتخويفًا لمخالفيهم كما قال عز وجل: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: ٥٠، ٥١]، وقال عز وجل: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء: ٥٩]، فالآيات التي يرسلها الله عز وجل هي تأييد للرسل وتخويف لمخالفيهم، ولكن كما قلنا: إن هؤلاء المخالفين -نسأل الله العافية- لا ينتفعون بالآيات، فلا يؤمنون بها. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار يجادلون المسلمين، يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام، ويجادلون من اتبع النبي، لكن بأيش؟ بالباطل ليدحضوا به الحق، ولكن ليبشر صاحب الحق الذي هو أهله أن النصر له؛ لقول الله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨]، لكن هذا يحتاج إلى أمرين: إلى نية صادقة، وإلى علم يدفع به شبهة المحتج، ولا يجوز للإنسان أن يدخل مع صاحب باطل يجادله وليس عنده علم؛ لأنه لو فعل لكانت الهزيمة على مَنْ؟ على الحق، فلا تدخل مع شخص في مجادلة إلا وأنت تعرف كيف تصيبه مع إحسان النية، أما أن تدخل في مجادلة مع شخص ذي بيان فصيح وشُبه قوية فلا تفعل؛ لأنك إن فعلت هُزمت، وصارت هزيمتك هزيمة للحق الذي تجادل عنه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق الجدل؛ لقوله: حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَفتعلّم يا أخي طرق الجدل من أجل أن تجادل بها لنُصرة الحق، وربما يُقال: يتفرع على هذا أن ما بثه بعض الناس من قولهم: إنه لا حاجة إلى أن نراجع جدل المتكلمين من الأشعرية، والمعتزلة، وأشباههم؛ لأن زمنهم انقضى؛ فإن هذا توهُّم واضح. أولًا: أن هؤلاء لم ينتهِ زمنهم، ما زالوا موجودين، معتزلة، جهمية، أشعرية، خوارج، شيعة، موجودون. وثانيًا: أن طرق الجدل مع هؤلاء تفيد الإنسان في مجادلة آخرين؛ لأنها تفتح للإنسان أبواب الجدل، ويعرف كيف يقضي على صاحبه بما يجادل به، ثم إننا بالنسبة لبلادنا هنا في السعودية كنا لا نعرف من هذه الطوائف شيئًا كثيرًا، لكن بما أننا اندمجنا مع الناس فذهبنا إليهم وأتوا إلينا وُجِد هذا الشيء، وجد شيء من البدع، وإلا كان الناس لا يعرفون شيئًا من هذا إلا من طالع الكتب؛ لذلك نقول: إن مطالعة الجدل مع المتكلمين فيه فائدة بلا شك، ولكن اصح أن تطالع وأنت ضعيف في العلم؛ لأنك لو فعلت أيش؟ لضللت، لا بد أن يكون عندك حماية تحمي بها نفسك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المجادل بالباطل يلجأ إلى المكابرة أو إلى التهديد إذا كان له سوء، المكابرة في هذه الآية: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَاأيش؟ إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَهذه مكابرة؛ لأن دعواهم أنها أساطير الأولين مكابرة بلا شك، وكل أحد يعرف أن القرآن الكريم ليس قول البشر فضلًا عن أن يكون أساطير الأولين، أما اللجوء إلى القوة فانظر إلى مجادلة فرعون وموسى حيث قال له فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩] فلجأ إلى القوة والإرهاب، وتأمل قوله: لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩] ولم يقل: لأسجننك، إشارة إلى أنه يريد أن يظهر بمظهر القوة الذي يسجن الناس، وعنده مساجين، فيهدد موسى بأنه سيكون منهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر؛ لقوله: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوافأظهر في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: حتى إذا جاؤوك يجادلونك، يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين، لكن قال: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواوالإظهار في موضع الإضمار من فوائده: أن هذا الْمُظهر إذا كان معنى من المعاني فإنه يكون شاملًا محيطًا بكل ما ينطبق عليه، فمن جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر، ثم إما أن يكون كافرًا كفرًا أصغر أو كفرًا أكبر.
تفسير الآية (٢٦)
٠٠:٣٦:٤١
ثم قال الله عز وجل: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ [الأنعام: ٢٦]. هُمْالضمير يعود على مَنْ؟ على الكفار المجادلين. يَنْهَوْنَ عَنْهُأي: عما جئت به من الوحي. وَيَنْأَوْنَ عَنْهُأي: يبعدوه، وقدم (النهي) على (النأي) مع أنه كان المتوقع أن يُبدأ بـ(النأي) الذي هو فعلهم بأنفسهم دون فعلهم بغيرهم؛ إشارة إلى شدة كراهتهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى إنهم يبدؤون بنهي الناس قبل أن يبتعدوا عنه. وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْإِنْهنا بمعنى: (ما)؛ أي: ما يُهلِكون إلا أنفسهم، وكما في آية أخرى: وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ [النساء: ١١٣]، فمجادلتهم ونهيهم الناس لا يضر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا، وإنما هو هلاك أنفسهم، وهل المراد هنا الهلاك الحسي أو المعنوي؟ الجواب: المعنوي؛ لأن هذا الكافر المجادل لا يموت بجداله، بل يبقى، لكنه حقيقة من الناحية المعنوية قد هلك. إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَأي: ما يشعر هؤلاء أنهم بهذا النهي عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والبعد عنه، لا يشعرون أنهم بذلك أهلكوا أنفسهم، ولذلك تجدهم يفتخرون بما هم عليه من الكفر، حتى إن أبا سفيان قال يوم أحد قال: اعْلُ هُبَل. يفتخر بأيش؟ بالصنم الذي يعبده، ويقول: إنه علا على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أَجِيبُوهُ». قالوا: بماذا نجيبه؟ قال: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ» . فالشاهد أن هؤلاء الكفار المجادلين لا يشعرون أنهم على ضلال -نسأل الله العافية- وهذا غاية ما يكون من الابتلاء؛ أن يرى الإنسان أنه على الحق مع أنه على باطل، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ» .
طالب: الكتب التي يُنصح بها في مطالعة كلام المتكلمين، والذي فيه الردود التي تُقنع الإنسان، أحيانًا بعض الكتب والمؤلفات.. الشيخ: نعم، والله أنا ما رأيت أحسن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، هو وابن القيم، لكن كلام ابن القيم -رحمه الله- أسهل وأقرب إلى الفهم، وأما بقية المتكلمين فأكثر ما يكون الجدل؛ الأشاعرة مع المعتزلة، وهذا ما يكفي، إذا أردت العقيدة السليمة فعليك بكتب شيخ الإسلام وابن القيم، هذا أحسن ما رأيت. طالب: عفا الله عنك يا شيخ، شيخ الإسلام ابن تيمية يا شيخ أعمق بالدليل، وابن القيم -رحمهما الله- أسهل في تنسيق الكلام، وانتظام الكلام مع بعضه. الشيخ: صحيح، هذا هو الواقع؛ ولذلك تعتبر كتب ابن القيم سلّمًا لكتب شيخ الإسلام رحمه الله. طالب: كيف يجمع بين العذر بالجهل -يعني عذر هؤلاء الأتباع الذين يكونون أتباعًا للضلال- وبين أن الله عز وجل يزيد الناس ضلالًا؛ حيث إن الإنسان يعني ما تكون إقامة الحجة بالكلمة الواحدة فتعيد عليه دائمًا؟ الشيخ: هؤلاء ما جهلوا؛ لأن الرسول أتاهم بآيات بينات، لكنهم يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢]. الطالب: هل يُطبق هذا على أتباع الضلال يعني أي واحد.. الشيخ: أتباع أيش؟ الطالب: أتباع الضلال، الأتباع الذين يقولون.. الشيخ: هذا يختلف الحكم، إن كان هؤلاء الأتباع ما ذُكر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أبدًا، ولا أنه جاء رسول للخلق، وقادتهم قد كتموا عنهم هذا فهم معذورون، لكن إذا علموا لا بد أن يُعلم، وليُعلم أن هناك فرقًا بين اليهود والنصارى وغيرهم، غيرهم لا بد أن تبلغه الحجة ويفهمها، وأما اليهود والنصارى فبمجرد السماع -سماع الرسول عليه الصلاة والسلام- تقوم عليهم الحجة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» . ووجه ذلك أن اليهود والنصارى كتبهم مصرحة بوصف الرسول صلى الله عليه وسلم، فبما بقي عليهم إلا أيش؟ إلا أن يسمعوا بخروجه، فإذا سمعوا بخروجه قامت عليهم الحجة.
طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» هل هو على إطلاقه حتى على أهل البدع؟ الشيخ: لا، المراء في غير الحق، أما المراء الذي يُراد به إحقاق الحق وإبطال الباطل فهو واجب، لكن مثلًا تمارينا في شيء من أمور الدنيا، وأنا أعرف أن الصواب معي، لكن لما رأيت صاحبي يريد أن يجادل تركته.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قول الله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الإسلام ينهون عن الإسلام، ونهيهم عنه يستلزم أن يسلكوا كل طريق يُبعِد الناس عنه؛ لأن نهيهم عنه نهي حقيقي عن قلب، وهذا يستلزم أن يسلكوا كل طريق يُبعِد الناس عن شريعة الله، والأساليب في هذا مختلفة قد تكون بإيراد الشكوك، أو بالأفكار الفاسدة، أو بالأخلاق الفاسدة، أو بالتحريش بين الناس، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الأساليب كثيرة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء جمعوا بين الضلال والإضلال، الإضلال في قوله؟ طالب: يَنْهَوْنَ. الشيخ: والضلال؟ الطالب: (...). الشيخ: أحسنت، وهذا أشد ما يكون من العدوان؛ وهو الظلم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من حاول إبطال الحق وإبعاد الناس عنه فإنما جنى على نفسه. قوله: وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْحتى لو برقت له الدنيا، وظهر له النصر الظاهري فإنه -في الحقيقة- هالك، أفهمتم هذا؟ من ذلك مثلًا أبو سفيان قال في غزوة أحد: اعلُ هُبَلُ. وقال: لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ فافتخر وشمخ بأنفه، ولكن هل هذا الأمر سيبقى أو ستكون العاقبة عليهم؟ الثاني هو المتعين سواء في الدنيا أو في الآخرة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من سلوك الإنسان سبل الهلاك وهو لا يشعر، وقد بيَّن الله تعالى ذلك في قوله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر: ٨].
احذر، ولكن إذا قال قائل: ما الذي يدل الإنسان على كونه على صواب أم لا؟ الجواب: أن يرجع إلى الكتاب والسنة وإلى هدي السلف الصالح، ومنهجهم فيعرف أنه على صواب، أو على خطأ.
تفسير الآية (٢٧)
٠٠:٤٤:٣٦
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧]. أولًا: لَوْشرطية، وهي حرف وجود لوجود، أو امتناع لامتناع؟ ننظر لَوْ تَرَىلرأيت الجواب محذوفًا، تقديره: لو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت أمرًا فظيعًا عظيمًا جسيمًا، فالجواب محذوف، إذا قلت: لو جاء زيد لجاء عمرو، هنا حرف امتناع لامتناع، لو قلت: لما جاء زيد جاء عمرو، فهذا حرف وجود لوجود، ولو قلت: لولا زيد لجاء عمرو؛ امتناع لوجود، إذن تقاسمت هذه الثلاث: الوجود والعدم. وقوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يتأتّى خطابه؛ أي: لو ترى أيها الرائي إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ، وُقفوا عليها؛ أي: أوقفتهم الملائكة؛ لأنهم هم نفسهم لا يريدون النار، لكن يوقفون عليها اضطرارًا توقفهم الملائكة كما قال عز وجل: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣]، وقال تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا [الملك: ٨] إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ، والنار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين كما قال تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]. فقالوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [الأنعام: ٢٧] قالوا بألسنتهم أو بقلوبهم؟ الأصل أن القول باللسان، بصوت وحرف. وقولهم: يَا لَيْتَنَايَاهذه للتنبيه، وليست حرف نداء، وإنما قلنا ذلك؛ لأن (ليت) حرف لا يصح أن يُنادَى، هذا هو الأسهل والأقرب.
وقيل: إن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، ويُقدّر بحسب ما يقتضيه السياق، فهنا يُقدر بقول: يا ربنا ليتنا نُردّ، لكن ما قلناه أولًا أصح؛ لأنه أيسر ولا يحتاج إلى تقدير، وإذا دار الكلام بين أن يكون فيه شيء مُقدّر أو لا فإنا نأخذ بالثاني؛ لأنه الأصل. لَيْتَنَا نُرَدُّ(ليت) للتمني، والتمني يكون في المحال وفي الصعب، في المحال كقول الشاعر:
أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا
فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ الْمَشِيـــــــــــــــــــــــــــبُ
هذا محال، في العسير قوله:
أَلَا لَيْتَ مَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا
إِلَى حَمَـــــــــــــــامَتِنَا وَنِصْفَهُ فَقَدِ
هذا عسير. وكقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدق منه، هذا ليس بمحال لكنه عسير. هنا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّتمني محال أو تمني عسير؟ تمني محال؛ لأنه لا يمكن أن يردوا إلى الدنيا، مع أنهم لو ردوا لكان الأمر خلاف ما قالوه. يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَاهذه داخلة في ضمن التمني. وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَكذلك، تمنوا ثلاثة أشياء: الأول: الرد إلى الدنيا. الثاني: ألا يكذبوا بآيات الله.
الثالث: أن يكونوا من المؤمنين. ولهذا جاءت لَا نُكَذِّبَبالنصب؛ لأن (الواو) هنا (واو المعية)، فالثاني مع الأول، وكذلك نَكُونَجاءت بالنصب؛ لأن (الواو) أيش؟ (واو المعية)، فالثاني مع الأول، تمنوا هذا كله ثلاثة أشياء، ولكنهم كاذبون فيما قالوا؛ لذلك قال الله عز وجل: بلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٨]. طالب: نزلت في أبي طالب معنى يَنْهَوْنَ عَنْهُبمعنى أنه يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم وَيَنْأَوْنَ عَنْهُأي: أنه لا يؤمن. الشيخ: لا، هذا غلط عظيم؛ لأن الآية في سياق الذم للنهي عنه والنأي عنه، ومعلوم أن الدفاع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس ذمًّا، بل هو محمود، لا، هذا غلط لكن شاف الصورة تشبه حال أبي طالب فظنها كذلك، وهذا من تحريف القرآن، والذم منصبّ على الأمرين.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٧، ٢٨]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِوما قبلها أخذنا فوائدها. وَلَوْ تَرَىالخطاب إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يبلغه هذا الخطاب فقالوا: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا. قلنا: في قوله: وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَاقراءتان: قراءة بالرفع وقراءة بالنصب، فعلى قراءة النصب تكون (الواو) واو المعية؛ يعني: أنهم تمنوا أنهم يردون، ولا يكذبون بآيات الله، وعلى قراءة الرفع تكون داخلة في قوله: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّأي: مقول القول؛ والمعنى: يقولون: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا، فتكون (الواو) عاطفة على الجملة السابقة، فقالوا: لا نكذب بآيات ربنا، والأول أبلغ وهو قراءة النصب وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَعطف عليها.
في هذه الآية فوائد؛ منها: شدة ندم الكافرين إذا وُقِفوا على نار جهنم؛ لكونهم يتمنون أمرًا لا يمكن أن يكون. ومنها: إثبات النار؛ وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين، وقد جاء في الكتاب والسنة من أصناف العذاب فيها ما هو معلوم لكثير من الناس. ومنها: إثبات القول للناس بعد البعث، وأن الإنسان بعد البعث يقول ويفعل كما يقول في الدنيا ويفعل. ومنها: إقرار هؤلاء بآيات الله عز وجل؛ لقولهم: وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا. ومنها أيضًا: إقرارهم بأنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم تمنوا أن يكونوا مؤمنين، ولكن هذا لا ينفع؛ إذ قد انتهى كل شيء. ومنها: جواز حذف المعلوم، والمعنى: جوازه لغة، وفي هذا يقول ابن مالك رحمه الله:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا
تَقُولُ زَيْدٌ عِنْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
(وحذف ما يعلم جائز) ليس في المبتدأ والخبر فقط، بل في المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، وفي كل كلام، فما هو المقدَّر؟ أيش؟ طالب: (...). الشيخ: لا، لرأيت أمرًا عظيمًا، هذا الجواب.
تفسير الآية (٢٨)
٠٠:٥٣:٠١
ثم قال عز وجل: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام: ٢٨] بَلْإضراب لإبطال ما سبق من قولهم: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَأي: بل لن يؤمنوا ولو ردوا. بَدَا لَهُمْأي: ظهر لهم. مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُفما الذي يخفونه من قبل؟ هل هو تصديق الرسل بما جاؤوا به، ولكن يجحدون، أو ما كانوا يخفون من قبل من الكفر الذي كانوا يكتمونه؟ فعلى الأول يكون السياق في الكافرين، وعلى الثاني يكون السياق في المنافقين. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُما الذي أخفوه؟ تصديق الرسل، ولكن جحدوا، والجحد: هو إنكار ما كان معلومًا، أو بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُمن الكفر؛ حيث إنهم يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فعلى الأول تكون الآية في مَن؟ في الكافرين، وعلى الثاني في المنافقين، فهل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟ الجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة، لكن يشكل على كونها في المنافقين أن السورة مكية؛ لأن سورة الأنعام مكية نزلت في مكة جملةً واحدة، فكيف يكون فيها إشارة للمنافقين؟ والجواب عن هذا الإشكال: أن لا إشكال؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عما يكون يوم القيامة، ويوم القيامة قد حصل النفاق، أليس كذلك؟ وأيضًا يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: ١١]، وهي مكية، وعليه فلا إشكال، وتكون الآية شاملة للمعنيين، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معاني متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني ما لم يكن بعضها منافيًا لبعض، فإن كان بعضها منافيًا لبعض طُلب الترجيح. قال الله عز وجل: بَلْ بَدَا لَهُمْأي: ظهر لهم: مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ. وَلَوْ رُدُّوايعني إلى الدنيا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُإذن قولهم حقيقة أو كذب؟ ولهذا قال: وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَوَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُأي: من تكذيب الرسل ومن النفاق، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَفي قولهم: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا. ففي الآية الكريمة: أنه تظهر الحقائق يوم القيامة وتبين، واقرأ قول الله عز وجل في سورة (يس) حيث قال آخر السورة، قال الله عز وجل في آخر السورة عند ذكر نفخ الصور: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَافيقولون: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَأو يقال لهم: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢] فيتبين الأمر جليًّا في ذلك الوقت، ولكنه لا ينفع من لم يؤمن به في حياته. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعلُّق علم الله بالمستحيل؛ لقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. فإذا قال قائل: هذا ليس بمستحيل؛ لأن الله قادر أن يعيدهم إلى الدنيا. فيقال: إنه مستحيل حسب وعد الله عز وجل، فإن الله قد قضى أن الناس لا يرجعون إلى الدنيا، ولهذا إذا تمنى الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ تمنوا أن يرجعوا إلى الدنيا فيقتلوا مرة ثانية كما فعل عبد الله بن حرام حين قال له الله عز وجل: تمنّ، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيتُ أنهم إليها لا يُرجعون . هذا قضاء كوني قدري، فيكون مستحيلًا حسب قدرة الله أو حسب وعد الله؟ طلبة: حسب وعد الله. الشيخ: حسب وعد الله، كالظلم بالنسبة لله عز وجل مستحيل حسب وعد الله عز وجل، لكنه قادر على أن يظلم، هناك شيء مستحيل لذاته وشيء مستحيل لغيره، إذن قوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُفيها دليل على تعلُّق علم الله تعالى بالمستحيل. فإذا قال إنسان: وهل يمكن أن يستحيل الشيء لذاته ويعلمه الله عز وجل؟ فالجواب: نعم، اسمع إلى قول الله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، وهذا مستحيل عقلًا لا يمكن، ومع ذلك علم الله عز وجل أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة سوى الله لفسدتا، إذن عِلم الله متعلّق بالمستحيل، ومتعلق بالممكن مثل: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧]، ومتعلِّق بالواجب، مثل علم الله تبارك وتعالى بما له من الصفات الكاملة، ولهذا نقول: أوسع الصفات في صفات الله عز وجل هو العلم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين لا يستنزهون من الكذب حتى في الآخرة، وكذلك المنافقون؛ لأن الله تعالى كذبهم وقال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد الشيء إذا دعت الحاجة إليه؛ إما لأهميته وإما لكون المخاطب مترددًا فيه، أو لغير ذلك من الأسباب، المهم أن من الفصاحة والبلاغة أن يُؤكّد الخبر إذا دعت الحاجة إلى تأكيده، التأكيد في الآية في أي جملة؟ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَفهنا مؤكد بـ(إن) و(اللام).
تفسير الآية (٢٩)
٠٠:٥٩:١٦
{وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [الأنعام: ٢٩] قَالُواأي: المنكرون للبعث. إِنْ هِيَأي: ما هي. إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَايعني ما فيه حياة أخرى ما فيه إلا الحياة الدنيا، ثم أكدوا هذه الجملة بقولهم: وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ، وهذا إنكار صريح للبعث، مع أن البعث قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والإجماع، وسيأتي في الفوائد. وقوله: حَيَاتُنَا الدُّنْيَاالدُّنْيَاهل هي من الدنو رتبة ومنزلة، أو من الدنو وقتًا وزمنًا أو منهما؟ منهما جميعًا، فهي بالنسبة للآخرة قبل الآخرة فتكون دنيا، وهي بالنسبة للمرتبة أيضًا دنيا دون الآخرة، كما قال عز وجل: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٧]، ولهذا لا تجد في الدنيا سرورًا دائمًا أبدًا؛ يعني سرورًا للبدن وسرورًا للقلب، هذا لا تجده؛ أي: نعيمًا للبدن والقلب، لا يمكن دائمًا، فإما نعيم في البدن وهو الرفاهية التي يدعو إليها الناس الآن، كثير من الناس يدعون للرفاهية أهم شيء عندهم الترفيه والرفاهية، هذا نعيم أيش؟ نعيم بدن، لكنه يُولّد في القلب حسرة عظيمة وضيق صدر، وإما نعيم في القلب، وهذا للمؤمنين كما قال عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]، ولكن مع ذلك لا بد للإنسان من وجود ما يسر به وما يساء به، فلا يمكن أن تجد في الدنيا شيئًا كاملًا من كل وجه، ولهذا انطبق الوصف تمامًا عليها، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الزهادة فيها والرغبة في الآخرة.
وقوله: وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَأي: بمخرجين من القبور، وليس عندهم دليل على هذا الإنكار إلا مجرد الأهواء والمكابرة، وإلا ما المانع؟ وقد أقام الله الدلائل العقلية والحسية والشرعية على وجوب البعث أو على إمكان البعث، وأنه ليس بممتنع، لكن هم -والعياذ بالله- أنكروا هذا، ومن أجل إنكارهم له لم يعملوا للآخرة، عملهم كله للدنيا، نسأل الله السلامة. في هذه الآيات الكريمة: أن الكافرين ينكرون البعث؛ لأن قوله: وَقَالُوامعطوف على ما سبق، وقد صرح الله عز وجل بهذا في قوله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧]. ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى دنوّ حياة الدنيا، وأنها ليست بتلك الحياة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها وينسى الآخرة؛ لقوله: الدُّنْيَا. وقد جاء في الحديث: «لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمْ يَسْقِ اللَّهُ مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ» . وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله:
لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ
لَمْ يَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذَا الْكُفْرَانِ
لَكِنَّهَا وَاللَّهِ أَحْقَرُ عِنْــــــــــــــــــــــــــــــدَهُ
مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَاصِرِ الطَّيــــَرَانِ
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنكار هؤلاء للبعث إنكار مكابرة، نأخذها من أنه لو صدق ما قالوا لأصبح خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، أمم تحيا وتموت وتتقاتل وتتناحر، ثم لا يكون بعث، يُجازَى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا غير ممكن.
تفسير الآية (٣٠)
٠١:٠٣:٢٢
ثم قال الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٣٠]، هذا موقف آخر، والخطاب في قوله: تَرَىإما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يتوجه إليه الخطاب. إِذْ وُقِفُواأي: حين وُقفوا على ربهم، وفي الآية التي سبقت قد يقول قائل: كيف عُبِّر عن المستقبل بالماضي؛ إِذْ وُقِفُواولم يقل: إذ يقفون؟ فيقال: الشيء المحقَّق يُعبّر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ومنه قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]، فيكون هذا تصويرًا للحال المستقبلة كأنها شيء حاضر ماضٍ. إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْوهو الله عز وجل، وإنما أضاف ربوبيته إليهم مع أنهم من أراذل عباد الله إشارة إلى أنه عز وجل هو الخالق المالك المدبر لهم فكان عليهم أن يقوموا بعبادته، فيكون إضافة الربوبية إليهم للإشارة إلى أن السلطان له عليهم عز وجل، ومع ذلك لم يؤمنوا به ولا برسله، ولا عملوا لهذا اليوم. قال الله عز وجل: إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّقَالَجملة استئنافية لبيان ما حصل عند الوقوف. أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّالمشار إليه البعث الذي كانوا ينكرونه، وفي هذه الجملة حرف جر زائد؛ (الباء) في قوله: بِالْحَقِّ، زيادة الحروف يقول أهل العلم في البلاغة: إنها تدل على التوكيد، فعلى هذا تكون هذه الجملة مؤكدة بـ(الباء) الزائدة إعرابًا أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّأي: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه. قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَافأجابوا بالجواب مع الإقسام، وكانوا بالأول يقولون: لا نُبعث، وهنا أقسموا على أن هذا البعث حق، ولكن لو سألني سائل هل ينفعهم هذا الإقسام؟ لا ينفع؛ لأن الدار الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل. قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا(قال) طيب. بَلَى وَرَبِّنَا(الواو) هذه حرف قسم، والقسم -كما مر علينا كثيرًا- هو تأكيد الشيء بذكر مُعظّم بأداة مخصوصة؛ وهي (الواو) و(الباء) و(التاء). قال: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَيعني قال الله عز وجل لما أقروا بأن هذا هو الحق تبيّن أن إنكارهم الأول كان كفرًا بإقرارهم. وقوله: ذُوقُوا الْعَذَابَالأمر هنا للإهانة، وليس للتكريم؛ لأنه لا أحد يكرم بالعذاب لكنه للإهانة، وأطلق الذوق على العذاب لتحقق وقوعه، فإن ذوق الإنسان للشيء يعني أنه تيقنه تمامًا، فلو قلت لك مثلًا: في جيبي لك تفاحة، تُصدِّق، فإذا رأيتها ازداد يقينك، فإذا أكلتها ازداد أكثر؛ ويسمى الأول: علم اليقين، والثاني: عين اليقين، والثالث: حق اليقين.
وقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ(الباء) للسببية، و(ما) مصدرية، وعليه فيُقدر ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: بكونكم تكفرون؛ أي: تكفرون باليوم الآخر، وبمن أخبركم باليوم الآخر وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبمن أرسلهم. أين جواب (لو)؟ محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا، وحذفه جائز، ولكن هل حذفه جائز أي مستوي الطرفين أو حذفه أبلغ؟ الجواب: الثاني، من أجل أن يذهب الذهن كل مذهب؛ لأنه لو ذُكر الجواب تحدّد بما ذُكر، لكن إذا حُذف صار الإنسان يتصوّر هذا الشيء المحذوف شيئًا عظيمًا أكثر مما يُوصف، فيكون حذف مثل هذا الشيء من باب البلاغة إلا أنه مطابق لمقتضى الحال. من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات ربوبية لله عز وجل لهؤلاء الكفار؛ لقوله: عَلَى رَبِّهِمْ. ومن فوائدها: أن لله ملائكة يأتون بالناس إليه عز وجل بدليل قوله: إِذْ وُقِفُواولم يقل: إذ وَقَفُوا فهم يؤتى بهم ويقفون.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل: قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ. ومنها: أن قول الله بالحرف وبالصوت، الحرف؛ لأن أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّحروف، وبالصوت؛ لأنهم سمعوا وأجابوا، فقالوا: بَلَى وَرَبِّنَا. ومنها: أن هذا القسم منه يُشعر بشدة الندم على إنكارهم الأول؛ فكأنهم كذبوا أنفسهم تكذيبًا مقرونًا بالقسم، ولا يخفى أن مثل هذا لا يخرج إلا من قلب متحسِّر، ولكن فات الأوان. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وإثبات الأسباب هو المطابِق للواقع، واعلم أن الناس في إثبات الأسباب انقسموا إلى ثلاثة أقسام؛ الناس من الأمة هذه، من أمة محمد عليه الصلاة والسلام انقسموا ثلاثة أقسام: الأول: من أنكر الأسباب نهائيًّا، وقال: إن الأشياء تأتي بمجرد الصدفة، وبمجرد أن الله خلقها. ومنهم: من أثبت الأسباب على أنها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء هم الماديون الذين يعتقدون أن الكون يتفاعل بنفسه، وإن انتسبوا للأمة مثل بعض الفلاسفة أو المتفلسفة. الثالث: من أثبتوا الأسباب، لكن بما أودع الله فيها من القوة لا بنفسها، وهذا القول هو الوسط المتعيِّن، ولذلك نجد أن الأشياء تتغير مسبباتها بتقدير الله عز وجل؛ فالنار التي أُوقدت لإبراهيم ماذا كانت؟ كانت بردًا وسلامًا، مع أننا لو رجعنا إلى السبب نفسه لكانت محرقة، لكن هي لا تكون محرقة إلا بإرادة الله عز وجل، ونجد أن الله تبارك وتعالى يُحدِث أشياء لا نعلم أسبابها مما يدل على أن السبب ليس هو الفاعل، ولكن الفاعل هو الله، ولكنه لحكمته جعل لكل شيء سببًا. ومن ذلك أيضًا؛ من فوائد الآية: حذف ما كان معلومًا كالآية التي قبلها. طالب: الحلف بغير الله عز وجل من الشرك الأصغر إذا لم يكن فيه تعظيم، فإذا كان الإنسان لا يحلف إلا وهو معظِّم للمقسِم به، لكن تعظيمه دون تعظيم الله، فهل يكون كفرًا أكبر؟ الشيخ: يسأل، يقول: إن إذا كان الإنسان يحلف بغير الله عز وجل معتقدًا تعظيمه، فهل يكفر؟ الجواب: لا يكفر، إلا إذا اعتقد أن له من التعظيم مثل تعظيم الله أو أشد، وكثير من الجهّال قد يعتقدون أن رؤساءهم لهم من التعظيم أكثر من تعظيم الله، هذا شرك أكبر، أما ما دون ذلك فليس أكبر. طالب: (...) لماذا لا يقال: بدا لهم عاقبة تكذيبهم وكفرهم؛ لأنه يوم القيامة، لماذا لا يقال هذا؟ الشيخ: هو هذا اللي، ما الذي يخفونه؟ يخفون إما الكفر إذا كانوا من المنافقين، أو يخفون تصديق الأنبياء إذا كانوا من الكافرين. الطالب: وبدا لهم يوم القيامة عاقبتهم. الشيخ: يبدو لهم هذا، والله عز وجل يعبّر عن العقوبة بالفعل الذي يكون سببًا لها. طالب: الأرض يا شيخ، نبات الأرض يموت كله عن آخره وينبت كله سوى (...) هذا يدل -يا شيخ- على البعث يوم القيامة؟ الشيخ: إي نعم، وقد ضرب الله هذا فقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس إذا حلفوا أقسموا بالله سبحانه وتعالى لفظًا ما صدقوا، في حين إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، شيخ -أحسن الله إليك- ماذا يقال في هؤلاء؟ الشيخ: ما سمعنا بهذا إلا هذه الليلة! الطالب: هذا عندنا كثير؛ إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، أما إذا قلت لهم: قل: والله، قالوا وما صدقوا. الشيخ: هذا من جهلهم؛ لأن تعظيم الحلف بالمصحف من تعظيم الله عز وجل؛ إذ إن المصحف كلام الله تعالى، لكن هذا من الجهل، كما أن بعضهم يحلف بالله ولا يبالي، لكن لو تقول: احلف بالنبي ما يحلف إلا وهو صادق. طالب: بعض المسلمين إذا خُوِّف من عذاب القبر ومن العذاب عمومًا يقولون: هل رأيت القبر؟ وهل رأيت عذابه؟ فهل هؤلاء يدخلون في الآية يا شيخ؟ الشيخ: إي، يدخلون في الآية مكذبون؛ لأن الذي لا يؤمن إلا بما يحسه لم يؤمن بالغيب فهو كافر، لكن إنكار عذاب القبر على نوعين: قد يُنكر عذاب القبر على البدن، هذا لا يكفر؛ لأن بعض العلماء قال به من علماء الملة على البدن يعني، وقد ينكره أصلًا، يقول: لا على البدن ولا على الروح فهذا كافر، لماذا؟ لأنه مُكذِّب لما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقته الأمة كلها بالقبول، كل مُصلٍّ يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ، والقرآن الكريم قد أشار إلى هذا في عدة آيات. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بعض الناس العصاة عندما تنصحهم وتخوّفهم بالله يقول بأن الله قدّر عليه أن يكون هكذا، فبماذا يُردّ على مثل هذا. الشيخ: هذا احتجاج بالقدر، والعاصي ليس له حُجّة في القدر؛ لأننا نقول لهذا الرجل بكل سهولة: هل تعلم أن الله قدَّر عليك هذا الشيء إلا إذا فعلت؟ سيقول؟ الطالب: سيقول: لا. الشيخ: سيقول: لا. طيب إذن لماذا تعمل؟ لماذا لم تقدّر أن الله قدر لك الخير وتعمل بالخير؟ هذا الجواب سهل جدًّا، بقطع النظر عن أن نقول الآن لو سمعت عن بلد فيه تجارة، وآمن، ومطمئن، وبلد آخر بالعكس إلى أيهما تذهب؟ لقال: أذهب إلى الأول، فنقول: هذا مثل عمل الدنيا مثل عمل الآخرة. طالب: حفظكم الله يا شيخ، لولا البعث بطلت أهمية الحياة، صحيح؟ الشيخ: نعم. الطالب: هل ممكن يعني تعلق على هذا القول؟ الشيخ: لولا؟ الطالب: لولا يعني البعث –بأننا سوف نبعث- بطلت أهمية الحياة؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: بطلت؟ الشيخ: بترت؟ الطالب: بطَلت. الشيخ: بطلت، إي نعم، صحيح، لولا البعث لبطلت أهمية الحياة؛ لأن الحياة في الواقع ما هي حياة كاملة، ما لها أهمية أن الإنسان يعمر ما يعمر، ثم يفنى إلى غير شيء، ويش الفائدة؟ حقيقة، الإنسان ينكر البعث معناه أنه أنكر أن يكون في الدنيا فائدة، افرض أن الرجل فعل كل شيء، وصار عنده إنتاجات وعنده اختراعات، وماذا ينتفع؟ ما ينتفع إلا إذا لم يكن له آخرة يجازَى عليها، إذا قال: لا يمكن تدرّ عليه الأموال، نقول له: طيب والأموال ما مآلها؟ مآلها بيت الخلاء. الآن أشد عموم الانتفاع هو الأكل والشرب وين يروح؟ في البطن يخرج إلى وين؟ إلى الأماكن القذرة، هذه نهاية المال، إذن ويش الفائدة من الدنيا؟! ولهذا يعتبر إنكار البعث بقطع النظر عن كونه كفرًا وضلالًا يعتبر سفهًا.
تفسير الآية (٣١)
٠١:١٦:٥٨
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام: ٣١ - ٣٥]. الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِالجملة هذه مؤكدة بـقَدْ، والحروف المؤكِّدة كثيرة منها ما يسبق ومنها ما يتأخر؛ فاللام في قولك: إن زيدًا لقائم. هذه مؤكِّدة، لكنها متأخرة، وقد ذكرها علماء أهل البلاغة حينما تكلموا على الخبر وأقسامه، وأنه ابتدائي وطلبي وإنكاري، تكلموا على حروف التوكيد، فمن أراد استيعابها فليرجع إليها. هذه الآية مؤكدة بمؤكِّد واحد؛ وهي قَدْ. خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِخسروا أيش؟ أطلق الله عز وجل الخسارة، ما قال: خسروا أنفسهم ولا أهليهم ولا شيئًا، فيكون ذلك خسرانًا مطلقًا، وصدق الله عز وجل، فما أخسر الذين كذبوا بلقاء الله! لأن هؤلاء لن يعملوا للقاء الله، ويكون وجودهم في الدنيا خسرانًا لا فائدة منه، بل فيه مضرة؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مع كفره بالله عز وجل شر من كونه لم يُوجد أصلًا، وشر من وجود البهائم؛ لأن البهائم تُوجد في الدنيا، ثم تفنى، ثم تُبعث يوم القيامة ولا حساب عليها، وهذا عليه حساب، ولهذا تمنّى بعض الصحابة رضي الله عنهم ومنهم عمر بن الخطاب أنه شجرة تُعضَد؛ أي: تُقطع، وقال: وددت أن أخرج منها -أي من الدنيا- كفافًا لا عليَّ ولا لي . هذا وهو عمر رضي الله عنه، فما بالك بمن دونه، فكل من لم يعمر أوقاته بطاعة الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فإنه خسران، فاته الربح. وقوله: كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِأي: باللقاء معه، والله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًاأيش؟ فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦]، لا بد أن هذا الذي أمرك ونهاك، وأرسل إليك الرسل، وأعطاك العقل لا بد أن تلاقيه فيحاسبك، والمراد أنهم كذبوا بالبعث الذي يكون فيه لقاء الله. حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةًحَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُحَتَّىهذه ابتدائية تفيد فصل ما بعدها عما قبلها. إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُوهي ساعة القيامة بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا، وقد يراد بالساعة ساعة فراقهم للدنيا؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء. وقوله: بَغْتَةًأي: من غير احتساب لها، والساعة الكبرى تكون بغتة تأتي الناس والإنسان قد جهّز حوض إبله ليسقيها فلا يتمكن، وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يتمكن، والرجلان قد نشرا الثوب بينهما ليبيعه أحدهما على الآخر فلا يتمكن من إتمام العقد ، تأتي بغتة. قَالُواجواب إِذَاقَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَايَاهنا لا يمكن أن نجعلها للنداء، لماذا؟ لأن الحسرة لا تُنادى، والحسرة هو الندم، والتحسّر على الشيء الذي فات، وعليه تكون يَاللتنبيه؛ كأنهم قالوا: ما أعظم حسرتنا، وقيل: إن يَاللنداء، وأن (الحسرة) تُخيّل كأنها شيء عاقل يتوجّه إليه النداء، وعلى هذا القول يكون المعنى: يا حسرتنا احضُري، فهذا أوانك، والمعنى لا يختلف بين هذا وهذا غاية ما هنالك التقدير وعدم التقدير، والحسرة: هي الندم والتحسُّر على شيء فائت. عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَاالتفريط: هو التقصير. وفِيهَاالضمير يعود على الساعة؛ أي: فرطنا في الاستعداد لها؛ لأنهم أضاعوا أعمارهم بما لا فائدة فيه، بل بما فيه مضرة أحيانًا. قال: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْيعني يوم القيامة يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْأي: جزاء أعمالهم عَلَى ظُهُورِهِمْ، والله تعالى يعبر دائمًا عن الجزاء بالعمل، أتدرون لماذا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: أن يُصلح الإنسان عمله. والفائدة الثانية: أن يُعْلَم أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الجزاء على العمل دائر بين أمرين لا ثالث لهما: الأول: الفضل، والثاني: العدل. ولا ظلم؛ فإن كان العمل حسنات فبالفضل، وإن كان سيئات فبالعدل، وربما يكون بالفضل حيث يعفو الله عنه عز وجل. يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْأي: جزاء الأعمال عَلَى ظُهُورِهِمْحملًا حقيقيًّا، هذا هو الواجب أن نحمل الآيات على ظاهرها. ولا يقول قائل: كيف يحمل الجزاء على الظهر؟ قلنا: يوم القيامة لا يُقاس بأيام الدنيا؛ لأن الحال تختلف اختلافًا عظيمًا، فمن الجائز الممكن أن الله تعالى يخلق هذه الجزاءات حتى تكون أجسامًا تُحمل على الظهور وما المانع، وقد قال الله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: ١٣]؟ ولا يجوز أبدًا أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا؛ لأنك إذا قرأت القرآن، وعلمت ما جاء في السنة من أحوال يوم القيامة تجزم أنه ليس هناك اتفاق، ولا يمكن أن يقاس بعضها على بعض. قال الله عز وجل: أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَسَاءَبمعنى: بئس. وأَلَاأداة استفتاح وتنبيه، وربما نقول في هذا الموضع زيادة أخرى، وهي: التحذير من الأعمال السيئة. وقوله: أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَمَاإن جعلتها اسمًا موصولًا احتجت إلى العائد، وإن جعلتها مصدرية لم تحتج إلى عائد، فما هو التقدير إذا جعلناها اسمًا موصولًا؟ التقدير: ألا ساء ما يزرونه، أما إذا جعلناها مصدرية فلا تحتاج إلى ضمير، ولكن تحتاج إلى سبك؛ بمعنى إلى تحويل الفعل مصدرًا، وعليه يكون التقدير: ألا ساء وزرُهم، ولكن المعنى لا يختلف؛ وهو أن الله تعالى ذم هذا الذي يحملونه على ظهورهم من الأوزار. في هذه الآية فوائد: أولًا: بيان خسران الكافرين المكذبين بالبعث، وأنهم مهما ظنوا أنهم ربحوا فهم خاسرون، ولكن متى يعلمون أنهم خاسرون؟ إذا جاء الأجل، أما الآن فهم في سكرة لا يدرون، ولهذا لو انتصروا اقتصاديًّا أو عسكريًّا أو فكريًّا لظنوا أنهم رابحون، ولكنهم خاسرون. ومن فوائد الآية: وجوب الإيمان بلقاء الله؛ بدليل ثبوت الخسران لمن كذب به، ومعلوم أنه لا يحل للإنسان أن يُوقع نفسه في الخسران. وهل من لقاء الله عز وجل النظر إليه؟ استدل بعض العلماء -رحمهم الله- على النظر إلى الله عز وجل بهذه الآية وبقوله: فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦]، وقالوا: إن اللقاء لا يكون إلا مواجهة، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت أيش؟ رؤية الله عز وجل، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص والإجماع.