تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الأنعام - ٣

درس صوتي · ٨٧:٥٨

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

وفي الآية الأخرى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧] عز وجل. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله. ومنها: تقوية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدعوة إلى الله، وأنه مهما حاول هؤلاء أن يصيبوك بضرر فإنهم لا يملكون ذلك إذا لم يكن الله أراد. ومنها: الحث على الصبر؛ لأنك إذا علمت أن الذي أصابك بالضُّرِّ هو الله فلا بد أن تَصْبِر؛ لأنك عبده يفعل بك ما شاء، فتصبر على ما يصيبك من الضَّرَر. ومنها: قوة رجاء العبد بالله عز وجل إذا أصابه الضرر أن يزول عنه الضرر؛ وجه ذلك قوله: فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وكم من أضرار حدثت للإنسان حتى أوصلته إلى اليأس والقنوط كشفها الله عز وجل، كم من إنسان أصيب بمرض حتى وصل إلى حافة القبر ثم شفاه الله، وكم من إنسان أصيب بالفقر حتى وصل إلى ألَّا يجد قوت يومه وليلته أغناه الله، وكم من إنسان كان وحيدًا فرزقه الله، وهلم جرًّا؛ لأن الله على كل شيء قدير. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام سلطان الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى هو المتصرف كما يشاء بعباده؛ لقوله: إِنْ يَمْسَسْكَبكذا، وَإِنْ يَمْسَسْكَبكذا. ومنها: عموم قدرة الله؛ لقوله: فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يقابل القدرة العجز، وهنا صفتان متشابهتان أو متقاربتان؛ القوة والقدرة، والفرق بينهما يحصل بالتعريف، القدرة: التمكن من الفعل بلا عجز، والقوة: التمكن من الفعل بلا ضعف؛ والدليل قول الله تبارك وتعالى في القدرة: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]، والدليل للقوة قول الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم: ٥٤]، أيهما أكمل أو أيهما أعمُّ؟ نقول: أما القوَّة فهي أعمُّ؛ لأنها تكون في ذي الشعور وغيره؛ ذي الشعور يعني: في ذي الإرادة وغيره؛ فتقول: فلان قويٌّ، وتقول: الحديد قويُّ، وأما القدرة فإنها لا تكون إلا من ذي الإرادة؛ إذ لا يصح أن تقول: الباب قادر؛ لأنه ليس له إرادة، أيهما أكمل؟ القوة أكمل؛ لأنه يلزم من وجود القوة القدرة ولا عكس، ونضرب مثلًا لهذا برجل قيل له: احمل هذا الجحر، فحمله لكن بمشقة، بماذا نصف هذا الرجل؟ بأنه قادر غير قوي، وإنسان آخر قلنا له: احمل هذا الحجر، أراد أن يحمله فعجز، نقول: هذا عاجز غير قادر، ورجل ثالث قلنا: احمل هذا الحجر، فأخذه وكأنه ريشة، هذا قويٌّ، وهل هو قادر؟ نعم، من باب أولى. وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكُلِّ شَيْءٍفالله قادر عليه، حتى وإن بَعُدَ في ذهنك فالله قادر عليه؛ ولهذا نبَّه الله تبارك وتعالى زكريا حين قال: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: ٨] قال الله له: كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩] قال: لا، أنا خلقتك من قبل ولم تك شيئًا، قادر على أن يخلق لك ولدًا، أليس كذلك؟ وهذا قياس أولوية واضح أو على الأقل قياس مِثْلِيٌّ واضح، فالقادر على العدم قادر على الإيجاد، والقادر على الإيجاد قادر على العدم. إذن يا أخي، لا تستكثر أن تسأل الله تبارك وتعالى شيئًا لا تكون فيه معتديًا في الدعاء، ولو كان في نظرك بعيدًا؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير.

تفسير الآية (١٨)

٠٠:٠٤:٥٨

ثم قال: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٨]. هُوَالضمير يعود على الله عز وجل، ومرجعه ما سبق من الآية. الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِالقاهر هو الغلبة مع السلطان يعني السلطة؛ لأن الغالب المطلق قد لا يكون له سُلْطة، لكن قهر الله عز وجل غلبة مع سلطة تامة. وقوله: فَوْقَ عِبَادِهِهل المراد فوقية المكانة أو فوقية المكان أو هما جميعًا؟ نعم، هما جميعًا؛ فوقية المكان وفوقية المكانة؛ وعليه فيكون المعنى هو القاهر فوق عباده؛ من حيث المعنى لا يمكن أن تغلبه قُوَّةٌ، ومن حيث المكان أنه فوق كل شيء. وقوله: عِبَادِهِجمع عبد، والمراد به هنا العبودية العامة التي تشمل المؤمن والكافر؛ لأن العبودية ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وأخص؛ العامة: هي عبودية أن جميع المخلوقات كلها ذليلة أمام الله عز وجل فهي عابدة، قال الله عز وجل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، الخاصة: هي عبودية المؤمنين كما في قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]، العبودية التي أَخَصُّ: هي عبودية الرسل قال الله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]؛ فهنا ثلاثة أقسام، الأخ يبينها لنا بارك الله فيك هنا الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِهي العامة أو الخاصة؟ طالب: العامة. الشيخ: العامة، واعلم أن الخاصة تدخل في العامة؛ بمعنى أنهم عباد لله العبودية القدرية والعبودية الشرعية. إذن الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِالمراد عبودية القدَر؛ كلٌّ خاضع لله عز وجل لو كان من أقسى عباد الله فهو عبد لله، ففرعون مثلًا عَبْدٌ لله بالمعنى العام، وموسى عبد لله بالمعنى العام والخاص. فالعبودية الشرعية خاصَّة، والعبودية القدرية الكونية عامَّة. فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُالْحَكِيمُتصحُّ أن تكون بمعنى مُحكِم؛ والشاهد على مجيء (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، بل الشواهد كثيرة؛ منها قول الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ

يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُــــــــــــــوعُ

(الدَّاعِي السَّمِيعُ) ولّا المُسْمِع؟ ليس المعنى السامع؛ لأنه داعٍ، (السميع) يعني المسمع.

............................

يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُـــــــــــــــــوعُ

و(حكيم) أيضًا بمعنى حاكم؛ إذن هي مشتقة من الحِكمة ومن الحكم، والدليل على هذا -على أنها من (الحكم)- قول الله تبارك وتعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، وأما من (الحكمة) فكما في قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] والجواب: بلى. إذن الْحَكِيمُمشتقة من الإحكام والحكم؛ فإذا كان مشتقًّا من الإحكام فهي بمعنى مُحكِم، وإذا كانت من الحكم فهي بمعنى حاكم، والله تبارك وتعالى موصوف بهذا وهذا. ثم اعلم أن الحكم كونيٌّ وشرعيٌّ؛ من الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] أي: يُقَدِّر لي، هذا حكم قَدَرِيٌّ. وأما الشرعيُّ فمنه قول الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]. إذن الحكم نوعان: كوني، وشرعي؛ مثال الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠]، ومن الشرعي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠] أي: شَرْعُه، حكم شرعي. فإن قال قائل: ما الفرق بينهما؟ قلنا: الفرق بينهما من وجهين؛ الأول أن الحكم القدري لا بد أن يقع إذا حكم الله تعالى بشيء حكمًا قدريًّا فلا بد أن يقع؛ حَكَم سبحانه وتعالى بالخوف لا بد أن يقع الخوف، بالجدب لا بد أن يقع الجدب، بالرخاء لا بد أن يقع الرخاء، وهلم جرًّا. الحكم الشرعي إذا حكم بشيء قد يُنَفَّذ وقد لا ينفذ؛ فإذا قال الله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة: ١٧٣] فهل نقول: إن هذه الآية تدل على أنه لا يمكن أن يأكل الميتة أحد؟ لا، قد يأكل وقد لا يأكل. الفرق الثاني: أن الحكم الشرعي سواء كان إيجابًا أو تحريمًا لا يكون إلا فيما يرضى الله عز وجل، لا يمكن أن يأمر الله عباده بما يكرهه ولا أن ينهاهم عما يحبه. الحكم الكوني يكون فيما يحبه ويرضاه، وفيما يكرهه ويُسخطه، هذا هو الفرق، انتهينا من الكلام على الحكم. الحكمة نوعان: حكمة وهي أن يكون الشيء على هذه الصورة المعينة، حكمة أخرى: أن يكون هذا الشيء لغاية محمودة، الأولى حكمة صورية، الثانية غائية، فإذا تأملت المخلوقات كلها وجدت أنها في غاية الحكمة: شمس، وقمر، نجوم، رياح، أمطار، وهكذا كلها لحكمة، وإذا نظرت الغاية منها وجدتها غاية حميدة مطابقة للحكمة. كذلك أيضًا الشرع إذا تأملت الشرائع وجدت كون هذا الشيء على صورة معينة حكمة، وكونه لغاية حميدة حكمة؛ في الزكاة مثلًا نجد الزروع ما سقي بالمؤونة، كم فيه؟ نصف العشر، وما سُقِي بلا مؤونة العشر، ليش اختلف؟ لأن الواقع يقتضي ذلك؛ ما سقي بالمؤونة تَعِبَ عليه صاحبه وأنفق مالًا كثيرًا في استخراج الماء، وذاك لم يكن عليه هذا. كذلك إذا تأملت الحكمة في الزكاة أيضًا؛ وجدت أن المال القليل لا تجب فيه الزكاة، لأنه لا يحتمل المواساة بخلاف الكثير، ووجدت ما يشقُّ إخراج الزكاة عنه لا تجب فيه الزكاة كالثياب والمراكب والبيوت وما أشبهه. طيب، ما الحكمة من الزكاة؟ الآن عرفنا أن الزكاة على صورة معنية حكمة، لكن ما الحكمة من الزكاة؟ اسمع خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: ١٠٣] هذا أفضل شيء؛ تطهرهم من الذنوب؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة. تُزَكِّيهِمْ بِهَاأي: تزكِّي أخلاقهم ودينهم، تزكِّي دينهم؛ لأنه يبذل ما يحب فيما يحب الله عز وجل، ولا يمكن أن يبذل الإنسان محبوبًا إلا لما هو أحب، كذلك تزكي أخلاقهم بالكرم والسخاء والرخاء. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن من أسباب انشراح الصدر الصدقة والبذل، وهذا معنى خفيٌّ؛ كلما كان الإنسان أشدَّ بذلًا للمال كان أوسع صدرًا لا سيما إذا كان يؤمن بأنه يقربه إلى الله عز وجل، وأنه يُكَفِّر سيئاته، وما أشبه ذلك. المهم الآن (الحكم) و(الإحكام)؛ الحكم كوني وشرعي، الإحكام صوري وغائي، وتكون أيضًا الحكمة في المشروعات وفي المخلوقات. الْخَبِيرُيعني: ذا الخبرة، قال أهل العلم: والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، مشتقة من خبير الزرع الذي يدفنه في الأرض ويكون خفيًّا، ولهذا يمر عليكم في الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الْمُخَابَرَة يعني: المزارعة التي تشتمل على الغرر. إذن الْخَبِيرُيعني: العليم ببواطن الأمور -جل وعلا- حتى إن الله قال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦] الذي يُحدِّث به نفسَه يعلمه الله عز وجل قبل أن يحدِّث به لسانه، وقبل أن يعلم به إخوانه. الْخَبِيرُإذن ذو الخبرة وهي العلم ببواطن الأمور، هل نقول: إذا كان خبيرًا لزم أن يكون عليمًا؟ نعم، يلزم أن يكون عليمًا، وقرن الله تعالى هنا بين (الحكيم) و(الخبير) ليعلم الناس أن حكمة الله عز وجل عن خبرة وعلم ببواطن الأمور؛ وعلى هذا فقد تكون خفيَّة على كثير من الناس؛ لأنه لا يدرك الحكمة إلا من كان خبيرًا. ففي قَرْن هذين الاسمين فائدة؛ وهي أن الخبرة قد تكون خفيَّة لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ ومن ثَمَّ قلنا: إن جميع أوامر الشرع ونواهيه حكمة، ولا حاجة أن نعرف العلَّة؛ لأنا نعلم أن الله حكيم عز وجل، وأنه ما شرعه إلا لحكمة فلا حاجة، وما موقفنا من الأوامر والنواهي إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا. إن تيسَّر لنا معرفة الحكمة فهذا مِنَّة من الله عز وجل ومساعدة ومعونة من الله حتى يطمئن القلب ويقوى الإيمان، وإن لم تتبين فالمؤمن يكفيه أن هذا حكم الله عز وجل؛ ولذلك ربما تكون العبادة التي تخفى حكمتها أبلغ في التعبد؛ لأن الشيء إذا عَلِمْت علَّتَه قد يكون عقلك يأمرك به، لكن إذا كنت لا تعرف العلة فإن تَذَلُّلَك لله به وعبادتك إياه أبلغ في التذلُّل، مثلًا رمي الجمرات؛ حصى تأخذها من الأرض ترمي بها في مكان معين، فالإنسان قد يعلم العلة، وقد لا يعلم أكبر علة فيها أنها ذكر لله عز وجل، كما جاء في الحديث «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» فهذا كمال التعبد، إنسان عاقل مؤمن فاهم ذكي يأخذ حصيات ويرميها في مكان معين، هذا لولا أنه مشروع لقيل: إنه عبث، لكنه في وقته ومكانه مشروع لأنه أيش؟ فيه كمال التعبد والتذلل لله، وأن المؤمن يقول: سمعنا وأطعنا، مع أن فيه ذكرًا لله في القلب وهو كمال التذلل والتعبد، وفيه ذكر الله باللسان؛ لأن يُشْرَع في كل حصاة ترميها أن تقول: الله أكبر.

تفسير الآية (١٩)

٠٠:١٧:٤٦

ثم قال عز وجل: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً [الأنعام: ١٩] قيل: إن هذه الآية لها سبب؛ وهو أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ يشهد لك بأنك حق؟ اليهود والنصارى أنكروا، فمن يشهد لك؟! فأنزل الله هذه الآية ، وسواء كان هذا هو السبب أو لم يكن هذا هو السبب؛ لأن في قلوب المشركين لا شك أن الشيطان يُلْقِي في قلوبهم ويقول: محمد ويش عنده من الآيات؟ ويش عنده من الشهادة؟ يقول الله عز وجل: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، أي شيء؟ الجواب واضح؛ ولهذا أمر الله نبيَّه أن يجيب قبل أن يجيب هؤلاء لئلا يكابروا ويعاندوا؛ فقال: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وكان يتبادر أن قُلِ اللَّهُجوابًا لهم هم لو قالوا: مَنِ الشاهد؟ لكن الرسول يسألهم يقول: أي شيء أكبر شهادة؟ ربما يكابرون ويقولون: لا شاهد لك؛ فقال: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. نُعرب هذه الآية؛ لأن فيها أُوْجُهًا؛ قُلِ اللَّهُالإعراب الأول: أن يكون الاسم الكريم مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير (قل الله أكبر شهادة)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: شَهِيدٌخبر مبتدأ محذوف، والتقدير (هو شهيد بيني وبينكم). أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الله أكبر شهادة؛ ليكون مطابقًا لقوله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً؛ وعلى هذا التقدير يكون قوله: شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْخبر مبتدأ محذوف، والتقدير (هو شهيد بيني وبينكم). الوجه الثاني: أن يكون الاسم الكريم خبره محذوف تقديره (هو الله)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: شَهِيدٌيجوز فيها وجهان: الوجه الأول: أن تكون خبرًا ثانيًا للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير (هو الله شهيد) خبر ثان. والوجه الثاني: أن تقول: (شهيد) خبر مبتدأ محذوف يعني: هو الله هو شهيد بيني وبينكم. هذه الأوجه في الإعراب يتوقف عليها الوقوف على أي كلمة (...) قُلِ اللَّهُنقف على هذا، فيه وجه آخر منفصل عن هذه الوجوه أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره شهيد قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وإذا كان الله شهيدًا بينه وبين أعدائه فمن أكبر من الله؟ لا أحد أكبر. كل هذه الأوجه مهما تنوعت لا تعدو أن يكون المعنى الله أكبر شهادة من كل شيء، ولا شك في هذا، الله أكبر شهادة من كل شيء. وبماذا شهد الله للرسول عليه الصلاة والسلام؟ شهد الله للرسول صلى الله عليه وسلم بصدقه باللفظ وبالفعل؛ اللفظ قال الله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء: ١٦٦]، وقال عز وجل: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ [المنافقون: ١] فهذه شهادة قولية من الله على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق. أما الفعل؛ الآيات الذي يظهرها الله علي يده هذه شهادة فعلية من الله، التمكين له في الأرض، تمكينه من أن يضرب الأعناق ويسبي الأموال والذرية، تمكينه من أن يتلو القرآن على الناس، ويقول: هذا كلام الله، وقد قال الله عز وجل: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] شهادة الله الفعلية كثيرة، شهد الله لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه حق. قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، أُوحِيَأَبْهم الفاعل؛ لأنه معلوم، فالموحي هو الله عز وجل. و(الوحي) في اللغة العربية في الأصل الإعلام بسرعة وخفاء، أن تُعلِم صاحبك بسرعة تُعْطيه كلمات يفهمها بسرعة وخفاء لئلا يطَّلع عليها أحد، فأصله السر، أصل الوحي السر؛ لكنه في الاصطلاح هو عبارة عن تكليم الله عز وجل بواسطة أو بغير واسطة لأحدٍ من عباده بشريعة يُبَلِّغها الناس، هذا الوحي، وسُمِّي بذلك؛ لأن الوحي خفيٌّ؛ تارة يكون في رَوْع الرسول، وتارة يكون بتكليم الله للرسول من وراء حجاب، وتارة يكون بإرسال رسول يرسله الله عز وجل فيوحي بعلمه ما يشاء. وقوله: الْقُرْآنُمصدر كالغفران والشكران، وهل هذا المصدر بمعنى اسم المفعول ولَّا بمعنى اسم الفاعل؟ المصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول، تقول: هذا عدل رضًا أي: عادل راض، وفي الحديث «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود، فهل هنا هذا المصدر بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ الجواب: بهما، يكون لهما جميعًا، فهو بمعنى اسم الفاعل أي: قارئ؛ لأنه جامع، جامع آياته وكلماته وما يحتاج الناس إليه، بمعنى مفعول أي: مقروء، وكلا الوصفين ثابت للقرآن الكريم. لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ(اللام) هنا متعلق بأوحي أي: أوحي إلي؛ لأكون منذرًا لكم، وهذا هو الحكمة من الوحي؛ أن الله سبحانه وتعالى يوحي للرسول لينذر به، وإذا أورث الله تبارك وتعالى رجلًا هذا الوحي، فإنما أورثه الله لينذر ويقول الحق، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد. وَمَنْ بَلَغَ(مَنْ) هذه اسم موصول معطوف على أيش؟ على كاف (لِأُنْذِرَ)؛ يعني: وأُنذر من بلغ، والفاعل يعود على القرآن، والمعنى ومن بلغه القرآن بأي واسطة، مَنْ بَلَغَه القرآنُ فقد أُنذِرَ، ولكن مَنْ بلغه القرآن بغير اللغة العربية لم يفهم منه شيئًا فلا تقم عليه الحجة، ومن بلغه باللغة العربية وهو لا يفهمها فإنها لا تقوم عليه الحجة؛ لقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّاأيش؟ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣] جعلناه يعني: صيرناه باللغة العربية. قال الله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِإلى آخره. وفي هذه الآية فوائد منها: إثبات اسم (القاهر) لله عز وجل؛ لأنه قال: وَهُوَ الْقَاهِرُ، وجاءت بصيغة أخرى (القَهَّار) كما قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]، فيستفاد من إثبات الاسم إثبات الصفة وهي القهر؛ لأن كل أسماء الله دالة على معنى واحد أو أكثر؛ لأنها أسماء وأوصاف، فهي باعتبار تعيين الذات أسماء، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، ولهذا نقول: أسماء الله عز وجل ليست كأسماء بني آدم مثلًا، فإن بني آدم قد يُسَمَّى الإنسانُ باسم، وهو من أبعد الناس عن وصفه بخلاف أسماء الله. من فوائدها: إثبات الفوقية لله عز وجل؛ لقوله: فَوْقَ عِبَادِهِ، وكما سبق أنها فوقية مكان وفوقية مكانة؛ أما فوقية المكانة فما أحد من المسلمين ينازِع، وهي الفوقية المعنوية، أما فوقية المكان فقد تنازع المسلمون فيها على طرفين ووسط، الطرف الأول يقول: إنه سبحانه وتعالى في كل مكان؛ في السماء وفي الأرض وفي الأسواق وفي المساجد وفي المدارس وفي كل مكان، ولا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من اللوازم الفاسدة كمخالفة النصوص، مخالفة الفطَر، مخالفة العقول، وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله. وقسم آخر على العكس من هذا؛ قال: لا يجوز أبدًا أن نثبت أن الله في مكان؛ لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ومعلوم أن هذا القول يعني العدم، فإذا قلت: إن الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، فهذا هو العدم تمامًا؛ ولهذا قال محمود بن سُبَكتَكين رحمه الله -وهو من أقوى الأمراء والسلاطين في المشرق- قال لمحمد بن فورك لما سأله عن علوِّ الله وقال: لا نقول: فوق ولا تحت إلى آخره، قال: بَيِّن الفرق بين إلهك والعدم، أو كلمة نحوها، وصدق رحمه الله. قلنا: إنهم طرفان ووسط؛ الوسط الذي هدى الله إليه سلف الأمة وأئمة الأمة وأهل السنة أن الله تعالى في مكان فوق كل شيء، لكن ليس معنى ذلك أنه في مكان يحيط به مكان، كما نحن الآن في المسجد يحيط بنا جدار المسجد لا، في مكان فوق فضاء؛ لأن ما فوق المخلوقات عدم، ما فوقها شيء، حتى نقول: إن الله أحاط به شيء من مخلوقاته فهو فضاء عدم، والله تعالى فوق كل شيء. وهذه الفوقية فوقية المكان دل عليها الكتاب والسنة، فلنسأل؛ نريد دليلًا من القرآن على فوقية الله عز وجل فوقية المكان؟ طالب: قوله سبحانه وتعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك: ١٦]، وقوله سبحانه وتعالى في الآيات: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥]. الشيخ: من السنة. طالب: (...) «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّها مُؤْمِنَة» . الشيخ: نعم، من السنة الفعلية. طالب: النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان في حجة الوداع كان يشير إليهم.. الشيخ: كان يقول: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» يرفع أصبعه إلى السماء ثم يَنْكُتُهَا إلى الناس، يردها إليهم ، كذلك أيضًا من أدلة علو الله الدليل العقلي. طالب: أن العلو أفضل من السفل. الشيخ: صفة كمال، أليس كذلك؟ والله تعالى موصوف بصفة الكمال، فلزم أن يكون عاليًا؛ ولأن ضد العلو السفل لأنهما متقابلان، فإذا انعدم عُلُوُّه لزم ثبوت سفوله، وهذا مستحيل على الله عز وجل. الفطرة؟ طالب: أن الإنسان يجد في نفسه توقًا إلى العلوِّ إذا ضُيِّق عليه، أو ما أشبه ذلك ارتفع قلبه إلى السماء. الشيخ: نعم، أن الإنسان كلما دعا يجد من نفسه ضرورة لطلب العُلو، ما قال: يا ألله، إلَّا يجد قلبه يرتفع إلى السماء بدون أي دراسة، وبدون أي تعليم، فهو دليل فطريٌّ، حتى قيل: إن البهائم تُقِرُّ بذلك، وفيه الحديث الضعيف: أن سليمان بن داود عليهما السلام خرج مرة يستسقي أي: يطلب نزول المطر، فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا رزقك. فقال: ارجعوا فقد سُقِيتُم بدعوة غيركم هذا الأثر ضعيف لكن ما يُسْتَبْعَد أن البهائم العُجمى تعترف بعُلُوِّ الله عز وجل. فتبين الآن أن دلالة الأدلة كلها الكتاب والسنة والعقل والفطرة -وهناك إجماع على هذا- متفِقة على علو الله تبارك وتعالى علو مكانة، وليس فيه أي نقص، وأما تدجيل المنكرين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والنبي والصحابة بأنه يلزم من ذلك أن يكون (...). فنقول: إذا لزم هذا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليكن، وما يضرنا إذا لزم، ولا شك أن الله سبحانه تعالى له ذات مخالفة لذوات المخلوقات من كل وجه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] حتى في الوجود والحدوث مخالفة، فإن الله لم يزل ولا يزال موجودًا بخلاف غيره من المخلوقات فهو حادث بعد أن لم يكن، وأيُّ ضرر في هذا؟ لكن إياك أن تتصور هذه الذات العليَّة؛ لأنك لا تستطيع أن تتصورها بصورة مطابقة إطلاقًا كما قال عز وجل: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]. من فوائد الآية الكريمة: إثبات العبودية لجميع الخلق؛ لقوله: فَوْقَ عِبَادِهِ، وهذه العبودية الكونية؛ كل الخلق عباد الله عز وجل يفعل فيهم ما شاء، ولا يمكن لأي واحد بَرٍّ أو فاجر، مؤمن أو كافر يستعصي على ربه عز وجل من هذه الناحية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسم الله، بل إثبات اسمي الله (الحكيم) و(الخبير) وما تضمناه من صفة؛ فالذي تضمنه (الحكيم) صفتان الإحكام والحكم وإن شئت فقل: الحكمة والحكم، وقد سبق في التفسير أن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها. قال بعضهم: إن الشرع ما أمر بأمر فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينه عنه؛ لأنَّ أوامر الشرع ونواهيه مطابقة تمامًا للحكمة، كذلك الأمور الكونية كلها مطابقة للحكمة كما سبق في التفسير. بالنسبة للحكم أيضًا؛ حكم الله نوعان: شرعي وقدري، أو إن شئت قل: كوني، وهي أيضًا موافقة للحكمة، وذكرنا أن الحكمة في التفسير نوعان: حكمة غاية وحكمة صورة؛ الغاية أن كل ما قضاه الله كونًا أو شرعه فإنه على وفق الحكمة والغاية منه حكمة أيضًا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات وصف الْخِبْرة لله عز وجل؛ وهي العلم ببواطن الأمور، يترتب على إيماننا بهذا أولًا: أن نستسلم لحكم الله الشرعي كما أننا مستسلمون لحكمه القدري، وألَّا نكلِّف أنفسنا بالاطلاع على الحكمة فيما لا تدركه عقولنا، بل نؤمن ونسلم، وكذلك يقال: في الأحكام القدرية تؤمن بالله وتسلِّم لقضائه. إذن يستلزم من جهة المنهج والمسلك أن الإنسان يرضى بالحكم الشرعي، لا يقول: ليته لم يُحرَّم أو ليته لم يُوجَب، وكذلك القدر يستسلم له. كذلك من الفوائد المسلكية والمنهجية: أنك تلتزم بأحكام الله الشرعية؛ لأن الحكم له والحكمة فيما شرع، فلا مناص لك عن أحكام الله الشرعية، وهل هذا يمنع من أن نسأل عن الحكمة؟ لا يمنع لكن بشرط أن نستسلم تمامًا قبل معرفة الحكمة، أما أَلَّا نستسلم إلا إذا عرفنا الحكمة فهذا غلط عظيم. وبالنسبة (للخبير) متى علمت أن الله سبحانه تعالى خبير بكل شيء يقع منك؛ فإنك سوف تخاف من مخالفة الله عز وجل، وسوف ترغب بالقيام بأمر الله؛ لأنك تعلم أنك لن تعمل عملًا إلا علم الله به، وهذه نتيجة مهمة جدًّا، من يترك الزنا مثلًا في مكان لا يطلع عليه إلا الله وبدون معارضة من المرأة والنفس تدعو لذلك، من يترك هذا في مثل هذه الحال إلا مؤمن يعلم أن الله يراقبه، وتأمل في قصة يوسف عليه السلام دعته سيدته إلى نفسها في مكان خال ولا يمكن الوصول إليه لأنها غَلَّقت الأبواب، وهي امرأة العزيز ستكون على جانب كبير من الجمال أو التجمُّل، ولما هَمَّت به وهم بها رأى برهان الله عز وجل؛ أي ما في قلبه من الإيمان فانصرف عنها وتركها خوفًا من الله تبارك وتعالى، وقال الله في ذلك: كَذَلِكَأي: كان الأمر كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤]. وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله منهم: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» . فالمهم أنك متى آمنت بعلم الله عز وجل بجميع أحوالك وبما في قلبك فإنك لن تخالفه فتعصيه، كيف تخالف الله عز وجل وتعصيه وهو يعلم؟ هذا لا يقع إلا ممن أزاغ الله قلبه، نسأل الله العافية. طالب: أحسن الله إليك، أشكل علي قول الله أن يوسف عليه السلام رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف: ٢٤] (...) في قلبه فهل الإيمان شيء يرى (...)؟ الشيخ: لا، الرؤية قد تكون بصرية، وقد تكون علمية. الطالب: (...) رأى شيئًا (...). الشيخ: لا، (...) بُرْهَانَ رَبِّهِما رأى شيئًا، أما قولهم: إنه تمثَّل له أبوه، وما أشبه ذلك ما هو بصحيح. طالب: (...) قلتم يا شيخ، في فوقية المكان: تنازع فيها المسلمون، فهل من يقول بأن الله في كل مكان نعتبرهم مسلمين؟ الشيخ: نعم، هم الآن ينتسبون للإسلام؛ ولذلك يُعَدُّون من الفرق الإسلامية، وبعض العلماء رحمهم الله أخرج الجهمية من الفرق الإسلامية، لكن هذه مشكلة لو قلنا بها يوجد فيها ناس ما نستطيع أن نحكم عليهم بالردة. طالب: رضي الله عنك يا شيخ، بالنسبة للبهائم يا شيخ، أعلم أن الله يعلم ما في قلبي ويعلم (...) ويعلم صدقي وكذبي يا شيخ، رأيت ناقة من شدِّة الولادة ترفع رأسها لفوق. الشيخ: لا إله إلا الله! الطالب: (...) ما أدري (...)؟ الشيخ: الله أكبر، هذا ما يُسْتَبعد أنها رفعت رأسها إلى ربها عز وجل. الطالب: (...). الشيخ: سبحان الله! هذا ما يستبعد، لا يستبعد. طالب: رأيت يا شيخ (...) حشرة كالجرادة، الإنسان يقف يدعو وهي تمد يدها هكذا، وتقف على رجليها تمد يدها هكذا، وترفع رأسها للسماء. الشيخ: إذا آذاها أحد. الطالب: لا، واقفة هكذا رأيتها في سفر هي تقف ويدها مرفوعة. الشيخ: بدون أذية؟ الطالب: (...). الشيخ: سبحان الله! أما الجُعْل تعرفون الجعل واضح إذا أحد آذاه وقف على رجليه ورفع يديه، هذا مشاهد. طالب: (...) سلاحه. الشيخ: كيف؟ الطالب: يبرز السلاح. الشيخ: أيُّ سلاح؟ الطالب: السلاح اللي (...). الشيخ: ما فهمت. الطالب: (...). الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةًيعني قل يا محمد لهؤلاء المكذبين لك: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةًفإن أجابوا خصموا، وإن لم يجيبوا فقل أنت، أجب: قُلِ اللَّهُ؛ يعني: أكبر شهادة. شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْسبق الكلام على إعرابها، وذكرنا أن شهادة الله لرسوله بالحق نوعان: قولية وفعلية. قال: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُأيضًا تكلمنا عليه وبينَّا معنى القرآن وأنه مصدر إما بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول. لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَفمَنْ بلغه هذا القرآن فكأنما خاطبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى يوم القيامة؛ لأنه قال: لِأُنْذِرَكُمْأيها المخاطبون وَمَنْ بَلَغَ. أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىهذا الاستفهام للإنكار، وهو استفهام داخل على جملة مؤكدة بـ (إن واللام) فهي كقوله تعالى: قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ [يوسف: ٩٠] همزة داخلة على جملة مؤكدة بـ (إن واللام). أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىيؤكِّد أنهم شهدوا أن مع الله آلهة أخرى، وينكر عليهم هذه الشهادة؛ لأن هذه أكذب شهادة، ولقد قال هؤلاء: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ [ص: ٥، ٦] أي: الأشراف أَنِ امْشُوادعوا هذه الدعوة لا تغرنكم، وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌإلى آخره [ص: ٦، ٧]. قُلْ لَا أَشْهَدُيعني: إن شهدتم فأنا بريء منكم، لا أشهد أن مع الله آلهة أخرى. قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌكرر الأمر بالقول لأهمية الموضوع، فأمر أولًا بنفي شهادتهم، ثم أمر ثانيًا بإثبات شهادته أن الله إله واحد. قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَبَرِيءٌ(البراءة) بمعنى الخُلُوِّ، ومنه أبرأ الرجل غريمة أي: أخلاه من الدَّيْن الذي عليه؛ فمعنى بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَأي: أَنِّي خَلِيٌّ مما تشركون، فأنبِذه ولا أقِرُّ به. وقوله: مِمَّا تُشْرِكُونَيعمُّ كل ما يشركون به. فإن قال قائل: هل هو بريء من عيسى؟ الجواب: أن نقول: إن عيسى عليه السلام لا يَتَبَرَّأ منه الرسول عليه الصلاة والسلام، وبناء على هذا فإما أن نجعل (ما) مصدرية ويكون المعنى بريء من شرككم، وإما أن نجعلها موصولة، ويستثنى من ذلك من يُعبَد من دون الله وهو صالح من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وهذا نظير قول الله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠] لما نزلت هذه الآية احتج المشركون على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: إذن عيسى من أهل النار؛ لأنه يُعْبَد من دون الله، فأنزل الله تعالى ردًّا لهذه الشبهة قوله: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١] فيكون عيسى عليه السلام مستثنى من العموم، وهنا كذلك نقول، فصار المخرج خمسة أوجه؟! طلبة: أحد أمرين. الشيخ: أحد أمرين؛ إما أن نجعل (ما) مصدرية، فيكون المعنى بريء من شرككم، أو نجعلها موصولة، ويستثنى من ذلك من جُعِلَ شريكًا مع الله وهو لا يرضى بذلك من الأنبياء والملائكة والصالحين. من فوائد الآية: إطلاق اسم الشيء على الله لقوله: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ؛ لأن اسم الاستفهام إذا أضيف إلى كلمة صارت هذه الكلمة صادقة على جواب الاستفهام، وهنا جواب الاستفهام ما هو؟ الله، فيكون الله تعالى شيئًا؛ يعني: يصدق أن نسمِّيَه شيئًا، وقد قال البخاري رحمه الله: وسمَّى الله نفسه شيئًا. ولكن يجب أن نعلم أنه يُخْبَر بكلمة الشيء عن الله، ولكن لا يُسَمَّى به؛ دليل هذا هو أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وكلمة (الشيء) لا تدل على هذا المعنى فيُخْبَر بها عنه، ولكنه لا يُسَمَّى بها، إذن يُخْبَر عن الله بأنه شيء ولكن لا يُسَمَّى به. هل يطلق على القرآن بأنه شيء؟ نعم، هو شيء لا شك. قالت الجهمية: إذا أطلقتم على القرآن أنه شيء فقد أقررتم بأنه مخلوق؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦]. وجوابنا على هذا أن نقول: القرآن كلام الله عز وجل، وكلام الله وصفه، ووصف الخالق غير مخلوق؛ لأن الوصف تابع للذات، فكما أن الذات غير مخلوقة فكذلك الوصف، ثم لا يُمنع أن يكون المراد الله خالق كل شيء، أن يكون المراد بهذا العموم الخصوص أي خالق كل شيء من المخلوقات، والعموم قد يُرَاد به الخصوص كما في قول الله تعالى عن ريح عاد: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف: ٢٥]، ومعلوم أنها (...) لم تدمر السماء ولا الأرض، بل ولا المساكن، كما قال عز وجل: فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن شهادة الله أكبر شهادة، نعم، والله إن شهادة الله أكبر شهادة؛ لأنها مبنيَّة على علم ويقين وعدل. الخلل في الشهادة أن تكون مبنيَّة على ظن أو على جهل أو على جَوْر؛ لأن الشاهد إما أن يبني على أشياء ظنيَّة أو يشهد عن جهل تام أو يشهد عن جور، كل هذا يُخِل بالشهادة، وشهادة الله عز وجل منزَّهة عن هذا، صادرة عن أيش؟ عن علم يقيني وعن عدل، لا يمكن أن يجور في الشهادة جل وعلا، ولا يمكن أن يشهد إلا عن علم. إذن هو أكبر شهادة، يدل لذلك القرآن؛ قال الله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: ١٦٦] يكفي بشهادة الله، وقال الله عز وجل: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ [الحاقة: ٤٤] شوف بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، (بعض) هذه مضافة للأقاويل؛ يعني قولًا من أقاويل كثيرة؛ يعني مثلًا أوحينا إليه ألف قول فتقوَّل واحدًا، لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] شوف كلام الله عز وجل، هل قُطِع من الرسول صلى الله عليه وسلم الوتين؟ لا، بل بقي حيًّا إلى الأجل المحتوم له، ونصره الله، فدلَّ هذا على أنه حقٌّ صلى الله عليه وسلم. شهادة الله ذكرنا في التفسير أنها نوعان: قولية وفعلية؛ فالقولية كما سمعتم لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ [النساء: ١٦٦]، والفعلية نصره إياه وتمكينه إياه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى حاكم بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخصومه؛ لقوله: شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. فإن قال قائل: وهل يُطلَق الشاهد على الحاكم؟ فالجواب: نعم، استمع إلى قول الله عز وجل في سورة يوسف: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٢٦، ٢٧] شَهِدَ شَاهِدٌيعني حكم حاكم، يعني: ما شهد؛ لأنه يقول: إِنْ كَانَوَإِنْ كَانَ، لكنه حاكم، هنا نقول: الحاكم في الواقع شاهد يا إخواني، شاهد من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أنه يشهد بأن الحكم كذا وكذا. الوجه الثاني: أنه يشهد على المحكوم عليه بأن الحق عليه. الوجه الثالث: أنه يشهد للمحكوم له بأن الحق له، فالحُكم متضمن للشهادة بلا شك، فيصح أن يُطْلَق على الحاكم أنه شاهد، نعم قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن موحى إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كله، ما فيه ولا كلمة ولا حرف غير موحى إليه، وأَبْهَم الفاعل؛ لأنه معلوم، لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُمِر أن يقول: إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ: ٥٠]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظمة هذا القرآن حيث أُوحِي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا شك في هذا، وآثار تعظيمه وعظمته كثيرة؛ منها أنه لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل، ومنها أنه لا يمسُّه المحدث حتى يتوضأ، ومنها أنه لا يجوز أن تُدْخَل به الأماكن القذرة، ومنها أنه لا تجوز إهانته بأن يوضع بين القدمين مثلًا، ومنها أنه لا يُسافَر به إلى أرض العدو إذا كان يُخْشى عليه من الإهانة، ومنها أنه لا يجوز بيع المصحف؛ بعض العلماء يقول: لا يجوز بيعه، وعللوا ذلك بأن ذلك ابتذال له حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: وددت أن الأيدي تُقْطَع في بيعه لأن الواجب على من استغنى عنه أن يبذله لغيره، فالمهم أن تعظيم القرآن واجب، وله صُوَرٌ ذكرنا منها ما شاء الله. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم كافٍ في الإنذار؛ لقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِفمن لم يتعظ بالقرآن فلا وَعَظَه الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بَلَغَه القرآن فقد قامت عليه الحجة؛ لقوله: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ، ولكن هل من بلغه القرآن وهو لا يعرف اللغة العربية هل يقال: إنها قامت عليه الحجة؟ لا، والدليل قول الله تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]. ومنها: أنه يجب على علماء المسلمين أن يُبَلِّغوا القرآن كل أحد؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ولكن من لم يكن لسانه عربيًّا فإنه يُبَلَّغ معنى القرآن بلسانه، ثم يُعطى القرآن فيقرأه باللفظ العربي؛ ولهذا نرى بعض الذين لا ينطقون العربية يقرؤون القرآن بالعربية، وهم لا يعرفون معناه، وهذه من آيات الله أن الله تعالى يسَّر القرآن لهم حتى كانوا ينطقون به بالعربي، مع أنك لو أعطيتهم قطعة من سطرين فقط ما يقرؤونها، ما يستطيعون، لكن هذا من آيات الله، وربما نقول: إنه داخل في قوله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ١٧]. فيه أيضًا مسألة أخرى؛ إذا بَلَغ القرآن قومًا يعرفون اللغة العربية لكنهم عاشوا في أحضان أئمة الضلال، ولا يدرون عن شيء؛ إذ إن أئمة الضلال عندهم هم المبلِّغون عن الله ورسوله، فهل هؤلاء معذورون أو غير معذورين؟ الذي أرى أنهم معذورون، لكن عليهم إذا نُبِّهوا للحق أن يبحثوا عنه، فإن أصروا مع التنبيه، وقالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف: ٢٢] فهم كفار، وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة عندنا، أنهم إن بَقَوا على جهلهم ولم يُنَبَّهُوا للحق فهم معذورون وإلا فهم غير معذورين، وهذا فيمن يدين بدين الإسلام، وأما من عُرِف أنه على غير الإسلام يتبع أئمة الضلال، وهو يعرف أنه غير مسلم كالنصارى مثلًا واليهود، فهؤلاء كفرهم ظاهر حتى هم بأنفسهم يعرفون أنهم ممن؟ من أمة الكفر ولا ينتسبون للإسلام. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإنكار على من يشهدون أن مع الله آلهة أخرى الإنكار الشديد؛ لقوله: أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ، وتأمل كيف أتت الجملة مؤكَّدة حتى لا يستطيعوا أن ينكروا. أَئِنَّكُمْيعني: أؤكد أنكم تشهدون أن مع الله آلهة أخرى، وأنا أنكر عليكم. أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَقلت: الاستفهام لأيش؟ للإنكار، والجملة التي دخل عليها الاستفهام مؤكدة بـ(إن واللام) حتى لا يمكن، يعني أؤكد أنكم تشهدون أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى، وأنكر عليكم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سفه أولئك المشركين الذين يشهدون أن مع الله آلهة أخرى، ولو سئلوا عنها: أتخلق شيئًا؟ لقالوا: لا، وهذا من سفههم أن يعبدوا من لا يخلق. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التبرُّؤ من أهل الباطل وما هم عليه؛ لقوله: قُلْ لَا أَشْهَدُيعني: أؤكد أنكم تشهدون، ولكني أنا لا أشهد، وهذا واجب أن يتبرأ الإنسان من كل ما يُعْبَد من دون الله، فإنْ لم يشهد ببطلان آلهتهم سوى الله فإنه لم يُخلص ولم يوحِّد؛ إذ إن التوحيد مبنيٌّ على النفي والإثبات. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب البراءة مما عليه المشركون؛ لقوله: وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، يجب أن يتبرأ الإنسان مما يشرك به هؤلاء من المعبودات، أو من عملهم الشركي ولا تجوز المداهنة في هذا، ولا تجوز الموافقة، بل تجب البراءة، والعجب أن بعض الناس يداهن هؤلاء الكفار ويقول: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]؛ يعني فنحن مؤمنون بعيسى يقوله أمام النصارى، وأمام اليهود يعني نحن مؤمنون بموسى، المسألة ما هي بالإيمان بموسى وعيسى، نحن نؤمن بهذا، المسألة الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام هؤلاء كافرون بمحمد، فهم غير مؤمنين لا بموسى ولا عيسى، وقد سبق لنا أن من كذَّب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، واستدللنا لذلك بقول الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، وبقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ١٥٠، ١٥١]. طالب: مسألة كفر الإنسان إذا بلغه أو لم يبلغه العذر بالجهل، كذلك نحن نقول: ما الفائدة من (...) هذا إذا بلغه على وجه يصل إلى الحقيقة، من يدري (...) ما بلغه (...) الأصل لما يخبر واحد من أهل السنة وهو على بدعة كفريَّة يقول: أصلًا أنا ما أعترف بهذا هذا كافر، السنِّيُّ هذا هو كافر، كيف آخذ من كافر؟ هو لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. الشيخ: إذا بلغه الحق، الحق واضح -الحمد لله- في القرآن والسنة واضح. الطالب: (...). الشيخ: ما يخالف، بأي طريق، بيني وبينك كتاب الله. الطالب: (...) ألم تقرأ قول الله: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]؟ الشيخ: بلى أقرؤها، لكن هذا بالنسبة لهم ما هو لك أنت لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]. الطالب: (...). الشيخ: لا، إذن معناها مكابرون، هؤلاء مكابرون، مَنْ يفهم من قوله: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢] أن هذا يعني جواز عبادتهم؟! والله تعالى قد ملأ القرآن بالنهي عن العبادة عن عبادة غيره. الطالب: (...). الشيخ: لا، هذا إذا قال هكذا على طول، فالسيف أمامه. الطالب: (...). الشيخ: المهم إذا كابر، إذا أريناه الآيات، وكابر فنحن نقتله ونحكم بكفره في الدنيا، وإذا كان ما يقوله حقًّا من أنه لم تبلغه الدعوة إلا مشوشة فأمره إلى الله؛ لأنه لا يجوز أن نقرن أحكام الدنيا بأحكام الآخرة، أحكام الدنيا لها حال، وأحكام الآخرة لها حال، هذا الرجل الذي قتله موسى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أحكام الدنيا أيش؟ نرفع عنه القتل مع أنه ربما يكون قالها تعوُّذًا ما (...)، على كل حال المسألة عويصة جدًّا، المسألة لا شك أنها عويصة، لكن الذي تبين لي ما قررته عليكم. طالب: ممكن يقول: أشكل علي لفظ الجلالة يُسَمَّى به، مثل ما قلنا: أئنكم، والله لتشهدون، قلنا: الجملة مؤكدة باللام الموطئة. الشيخ: لا ما في لام موطئة، اللام هذه للتوكيد؛ لأنها جاءت في خبر (إن) (...) بعض الأوامر في أشعارهم. طالب: (...). الشيخ: يا أبا الأفراج، هذه مشكلة؛ لأنَّنا إن أخذنا بظاهرها جعلوا الله أبًّا، لكني أعلم أنهم لا يريدون هذا، يريدون يا أبا الأفراج، يعني صاحب الأفراج، فنقول لهم: لا تقولون هذا، قولوا: يا صاحب الأفراج، وأحسن من هذا يا مفرج الكربات. طالب: (...). الشيخ: من باب الخطأ. طالب: بعض العوام، (...) الضلال قد طعنوا في مشايخ الحق مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب كيف يعني تُبلّغ لهم تفسير (...) كتاب؟.. الشيخ: نقول: دعونا من فلان وفلان، الآن القرآن بيننا والسنَّة بيننا، وكما قال الله عز وجل عن موسى يخاطب فرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢] نقول لهؤلاء: كلُّ من يُدعى من دون الله فلن يستجيب لأحد، ودعاؤه ضلال، قال الله عز وجل: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥] فإذا كابر صار مكابرًا ما يحتاج.. طالب: (...). الشيخ: صحيح. الطالب: (...). الشيخ: جهل عظيم، ولّا كما تفضلت إذا كان أنت اللي تصنعه بيدك كيف تعبده؟ أنت أعلم منه، ثم الغريب إن بعضهم من جهله يصنع من العبيط التمر يصنع إلهًا ويعبده، وإذا جاع أكله ثم خرج من دبره قذرًا، نسال الله السلامة. طالب: (...) مداهنة؟ الشيخ: المداهنة أن الإنسان يُبْقِي صاحبه على ما هو عليه ويؤمن به ولا يتكلم معه، والمداراة: أنه يريد أن ينقله مما هو عليه لكن بتلطف.


تفسير الآية (٢٠)

٠١:٠٣:٤٠

قال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ [الأنعام: ٢٠]. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُمبتدأ وخبر؛ الَّذِينَمبتدأ، ويَعْرِفُونَهُخبر؛ الجملة. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَهم اليهود والنصارى؛ لأنهم آخر أمة كان عندها أصل كتاب، فهم الذين أوتوا الكتاب. وقوله: يَعْرِفُونَهُيحتمل أن يكون المعنى يعرفون هذا الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد يعرفون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني أقوى ويؤيده قوله: كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُفإن الأبناء بشر، والنبي صلى الله عليه وسلم من البشر يعني أن الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يعرف الرجل ابنه، وخصَّ الأبناء؛ لأن تعلُّق الرجل بالأبناء أكثر من تعلقه بالبنات فتكون معرفته للأبناء أكثر من معرفته للبنات، هذا وجه. وجه آخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر فهو من الأبناء، يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْيحتمل أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير (هم الذين خسروا أنفسهم)، ويحتمل أن تكون (الذين) مبتدأ وخبره جملة فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، والفاء دخلت بخبر لمشابهة المبتدأ الشرط في العموم؛ لأن الاسم الموصول يشبه الشرط في العموم، ويكون تقدير الكلام بدون الفاء (الذين خسروا أنفسهم هم لا يؤمنون)، ومؤدَّى الاحتمالين واحد، والمعنى أن الذين خسروا أنفسهم هم الذين لا يؤمنون؛ أي: الذين اختاروا الخسارة هم الذين لا يؤمنون، ومنهم الذين آتاهم الله الكتاب. في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الحجة قائمة على اليهود والنصارى في صحة بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ. فإن قال قائل: هذا كلام الله عز وجل فهل له من دليل؟ قلنا: سبحان الله! أنَّى يُطلَب الدليل على صدق خبر الله؟ خبر الله تبارك وتعالى هو الدليل، ومدلوله هو المدلول، ولا حاجة أن نقول: هل هناك شاهد يدل على أن الذين أوتوا الكتاب يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم؛ لأن كلام الله أقوى شاهد، ولكن مع ذلك لا مانع أن نقيم الحجة عليهم من كتبهم. فقد قال الله تعالى في سورة الأعراف عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ومكتوبًا وَصْفُه عليه الصلاة والسلام يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧] يعرفون هذا تمامًا، وقد نقل الشيخ السيد محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسيره النصوص من الإنجيل على هذا القول، بل على إقامة الحجة عليهم، وأن هذا مكتوب عندهم في كتبهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي أن يُضْرَب المثل بأقرب مطابق للمُمَثَّل؛ لقوله: كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُلأن هذا أقرب إلى التصور وإلى الصدق. ومنها: الْمِنَّة والتوبيخ على اليهود والنصارى، كيف هذا؟ المِنَّة أن الله آتاهم الكتاب، وبَيَّن لهم وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي سيرسل للناس كافة، وهذه نعمة أن يبين الله للعبد طريق الهدى. التوبيخ أنهم كانوا كافرين به مع وضوح الدليل فتكون الآية جامعة بين أيش؟ بَيَّن بيان المنة عليهم من الله، وتوبيخهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يؤمن فقد خسر نفسه؛ لقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، وهل خسر أهله؟ نعم، قال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥] خسروا أيضًا عمرهم، أعمارهم خسروها مضت في غير فائدة؛ لأن شخصًا مآله نار جهنم -والعياذ بالله- بعد أن عُمِّر في الدنيا ما عمر، قد خسر وقته وزمنه، كما قال الله عز وجل: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر: ٣٧].

تفسير الآية (٢١)

٠١:٠٨:٣٩

ثم قال الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: ٢١]. (من) اسم استفهام والمراد به النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والنفي إذا جاء بصيغة الاستفهام صار أبلغ، لماذا يا جماعة؟ لأنه يكون مُشْرَبًا معنى التحدي كأن المتكلم يقول: بيِّن إن كنت صادقًا أحدًا أظلم ممن افترى على الله الكذب، فيكون مجيء النفي بصيغة الاستفهام أبلغ في النفي. والظلم في الأصل النقص كما قال الله عز وجل: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَاأيش؟ وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، لكنه تعدَّى إلى نقص الإنسان فيما يجب عليه من فعل الأوامر وترك النواهي فإنه نقص حق نفسه بذلك. مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًاافترى بمعنى اختلق، اختلق على الله الكذب؛ لأن الكذب على الله عز وجل أعظم الكذب، ويليه الكذب على مَنْ؟ على الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ» ، بل هو أعظم، يلي ذلك الكذب على علماء الشريعة، إذا كُذِبَ عليهم بأنهم أفتَوْا بكذا، فهذا كذب لأنه كذب على الشرع؛ إذ إن علماء الشريعة هم الذي يبلغون الشريعة، فإذا كُذِبَ عليهم فقد كذب على الشرع. أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِأَوْهنا للتنويع؛ يعني افترى أو كذب، وإن جمع بين الأمرين صار أشد، إذا طبقنا هذه الآية على واقع المشركين في قريش نجد أنها منطبقة عليهم تمامًا فقد افتروا على الله الكذب بأن أشركوا معه ما لم ينزل به سلطانًا؛ افتروا على الله الكذب فقالوا: هذا حلال، وهذا حرام قَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ [الأنعام: ١٣٩] هم أيضًا كذَّبوا بآيات الله، كذبوا بالآيات الشرعية التي جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الآيات الكونية فهم لم يكذِّبوا بها.


نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى فيما سبق: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُمَنِ المراد بـالذين أوتوا الكتاب؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، وما المراد بالكتاب؟ الطالب: (...). الشيخ: الإنجيل، ولماذا خَصَّ الأبناء يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ. طالب: (...) يقينية. الشيخ: ومعرفة البنات فيها نظر؟ لا. طالب: لأن تعلُّق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات. الشيخ: لأن تعلق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات، فهذا يستلزم أن يكون معرفته بحاله أكثر من معرفته بحال البنات، ما المراد بهذه الجملة كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ؟ طالب: (...). الشيخ: ما المراد بها؟ الطالب: (...) ليس عندهم شكٌّ (...). الشيخ: أنهم ليس عندهم شكٌّ في أن هذا حق، فتكون الحجة قد قامت عليهم. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَأليس انتفاء الإيمان قبل الخسران؟ كيف قدم الخسران على ترتب الحكم؟ الطالب: النتيجة عليه. الشيخ: يعني الذين قضى الله أنهم خاسرون، فلن يؤمنوا فهم لا يؤمنون. ثم قال الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ. أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذَّب بآياته، فهذان صنفان الأول كذَب على الله، والثاني كذَّب آيات الله، لا أحد أظلم منه، ومن جمع بينهما فهو أشد. مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًابأن قال: إن لله ولدًا، هذا افتراء على الله كذبًا أو قال: إن لله شريكًا، هذا افتراء على الله كذبًا، أو قال: إن هذا الكون لم يخلقه الله، افترى على الله كذبًا، إذا قال: خلقه الطبيعة وما أشبه ذلك. أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِأي: كذَّب بالآيات الدالة على أن الله عز وجل حقٌّ، الكونية أو الشرعية؟ كليهما، كذَّب بالآيات الكونية أو الآيات الشرعية. التكذيب بالآيات الكونية أن ينفي كون الله عز وجل خلقها أو ينفي أن الله تعالى انفرد بخلقها، والشرعية أن ينفي إرسال الرسل بما جاءت به من الوحي. وقوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَإِنَّهُهذا الحكم على من افترى على الله كذبًا أو كذَّب بآياته، ولكن لم يقل: إنهم، بل أظهر في موضع الإضمار للعموم؛ ليعمهم وغيرهم. والفلاح هو النجاة وحصول المطلوب، فالظالم لن ينجو ولن يُفلح. في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن الظلم يختلف، بعضه أشدُّ من بعض، لماذا؟ لأن المعاصي تختلف، بعضها أعظم من بعض، هناك كبائر وهناك صغائر، والكبائر نفسها تختلف، فيه أكبر الكبائر وما دونها، والصغائر كذلك تختلف، فمن أين نعرف أن الأعمال المحرمة تختلف باختلاف الظلم؟ لأن كل فعل محرَّم أو تركِ واجب ظلم، وإذا كان يتفاوت لزم من ذلك تفاوت الأعمال. ومن فوائد الآية: التحذير من أن يفتري الإنسان على الله الكذب؛ لأنه بَيَّن أنه في المرتبة العليا من الظلم، ومن ذلك -أي من الافتراء على الله كذبًا- أن يَكْذِب الإنسان على ربه عز وجل في مدلول آياته فيقول: أراد الله بكذا كذا وكذا، هذا كذب على الله، ومن ذلك أن يفتري على الله كذبًا في أحكامه فيقول: هذا حلال وهذا حرام كما قال تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل: ١١٦]، وعلى هذا فمن قال: المراد بقوله: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] استولى على العرش؛ يدخل في الآية أو لا؟ يدخل في الآية لا شك؛ لأنه افترى على الله كذبًا. ومن قال: إن هذا الشيء حرام، وهو حلال فقد افترى على الله كذبًا. ومن قال: هذا حلال وهو حرام فقد افترى على الله كذبًا. فالقاعدة إذن في الافتراء على الله كذبًا أن يحرف آياته إلى معان لا يريدها الله عز وجل، أو يقول بأحكام لم يحكم الله بها. ومن ذلك التكفير إذا قال: هذا كفر وليس بكفر فقد افترى على الله كذبًا؛ لأن التكفير حكم شرعي، بأي شيء يستدل عليه؟ بالكتاب والسنة، ليس التكفير إلى الناس، مَنْ شاء كفَّر ومن شاء لم يُكفّر، بل التكفير إلى الله ورسوله، فمن كفَّره الله ورسوله وجب علينا أن نكفِّره، ومن نفى الله ورسوله الكفر عنه وجب علينا أن ننفي عنه الكفر. فإن قال قائل: هناك إطلاقات في بعض الأحكام بالكفر يعني يطلق عليها الكفر، فكيف نعرف أنه كفر أكبر أو أصغر؟ نعرف ذلك بقواعد الشريعة العامة ويُنزَّل الحكم بالكفر على هذه القواعد، وبذلك يتبين أنه أكبر أو أصغر، ولما كان تكفير ولاة الأمور من أشد الأشياء خطرًا منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الخروج عليهم إلا أن نرى كفرًا بواحًا ظاهرًا بَيِّنًا عندنا فيه من الله برهان. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عِظَمُ ظلم من كذَّب بآيات الله؛ لأنه دخل في الطبقة العليا من الظلم وَمَنْ أَظْلَمُ. ومنها: أنه لا يُحْكَم بظلمه أو بكونه في المرتبة العليا إلا إذا تبينت له الآيات، كذَّب بآيات الله وقد قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥] فإذا بَيَّن لهم ما يتقون حكم بضلالهم سبحانه وتعالى وإلا فهم في عذر. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التصديق بكل آيات الله الكونية والشرعية؛ وجه ذلك أن (آيات) مضاف، والجمع إذا أضيف يفيد العموم. ويتفرع على هذه الفائدة: أن من آمن ببعض وكفر ببعض فقد كفر بالجميع فلا يُعَدُّ مؤمنًا؛ لأنه يوجد بعض الناس يؤمن ويصدق بما يرى عقله أنه حق ويكذِّب بما يرى أنه ليس بحق، أو يؤمن بما يرى أنه مناسب ويكفر بضد ذلك، وهؤلاء بَيَّن الله حكمهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ١٥٠، ١٥١]. وقال تعالى منكرًا على بني إسرائيل: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥]، وبَيَّن الله عز وجل أنَّ مَنْ كفر برسول واحد فهو كافر بالجميع فقال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، مع أن قوم نوح هم أول من أُرْسِل إليهم الرسل، فانتبهوا لهذا، لا يمكن لإنسان أن يُجَزِّئ الشريعة فيؤمن ببعضها ويكفر ببعض؛ لأننا نعلم أن مثل هذا متَّبِع لهواه فقط. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نفي الفلاح عن الظالم؛ أي لا يمكن أن يحصل له مقصوده بل بالعكس. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية الكريمة وبين نصوص أخرى تدل على أن هذا الفعل أظلم شيء مثل قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤] وهنا يقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: «مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» في المصورين، فكيف نجمع بين هذه النصوص؟ الجواب من أحد وجهين؛ إما أن نقول: اشتركت هذه الأشياء في المرتبة العليا من الظلم فكلها في مقام الأظلمِيَّة. وإما أن يقال: إن الأظلمِيَّة أظلمية نسبيَّة؛ فمثلًا هنا مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًامِنَ الذين يفترون على غيرهم كذبًا. الوجه الأخير أن نقول: إن هذه أظلمية نسبية؛ المعنى: أن الذين يفترون على غيرهم الكذب مَنْ أظلم ممن افترى على الله؟ لا أحد؛ يعني: افترى على مثلًا زيد، على فلان، على فلان، هذا حرام لا شك، لكن أظلم شيء أن يفتري على الله عز وجل. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [البقرة: ١١٤] هذه أظلمية نسبيَّة؛ يعني: أَيُّ إنسان يمنع الناس من حقٍ لهم مَن أظلم ممن منع حقهم في المساجد؛ يعني مثلًا قد تمنع هذا الرجل أن يدخل المدرسة هل هذا أشد أو منعه من دخول المسجد؟ الثاني قد تمنعه من دخول السوق هذا ظلم، لكن أيهما أظلم هذا أو من منع مساجد الله؟ الثاني. في مسألة التصوير «مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» أي: الذين يقلدون غيرهم في التصوير إذا كان على وجه الظلم، فمن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله؟ لا أحد، هذا وجه. الوجه الأول عرفتموه أيضًا ولّا ما عرفتوه؟ أنها كلها اشتركت في الأظلمية أي في المرتبة العليا من الظلم. أيضًا إشكال آخر إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَذكرنا أن الظالم لا يفلح، وهذه الفائدة تتضمن بشرى للمظلومين أن الظالم لن يفلح فيُبَشَّر المجاهدون بالنصر وأنَّ مآل من جاهدهم الخذلان، ويبشر من ظلم بأخذ ماله أو جحد ماله وما أشبه ذلك بأن هذا الظالم لن يفلح. لكن لو قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية والواقع لأننا نرى أن الظالم قد يفلح؟ الجمع بينها وبين الواقع أن يقال: الفلاح نوعان؛ فلاح مطلق هذا لا يمكن للظالم أبدًا، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢] ، فلا بد أن يَعْثُر الظالم، لا بد أن يخسر، طالت الدنيا أو قصرت، هذا الفلاح المطلق، لا يمكن مطلق الفلاح بمعنى أن يفلح في زمن معين أو مكان معين أو قضية معينة فهذا يمكن أن يقع ولا يخالف الآية؛ لأن الله تعالى قد يُعْطِي الظالم فلاحًا حتى يَغْتَرَّ بهذا الفلاح فيتمادى في طغيانه، ثم يقصم الله ظهره. وقد أشار الله تعالى إلى هذا في سورة آل عمران وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١] يمحِّصهم بكفارات الذنوب على ما حصل من هزيمة، ويمحصهم ألا يعودوا إلى المعصية مرة ثانية، وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَكيف يمحق الكافرين، وهم منتصرون؟ لأن الكافر إذا انتصر تجرأ وافتخر واعتز؛ فالظالم قد يُفلح، لكن فلاحًا مقيَّدًا لحكمة أو حِكَم لا نعلمها نحن ولكن يعلمها الله عز وجل. وما موقفنا إذا سُلّط الظالم علينا؟ موقفنا أن نصبر، وألا نيأس وأن ننتظر الفرج من فاطر الأرض والسماوات، فإن الصبر مفتاح الفرج كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» . ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الظلم وأن عاقبته الخسارة والدمار؛ لقوله: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، أعاذنا الله وإياكم من الظلم، وجعلنا من المفلحين المتقين المحسنين. طالب: شيخ بارك الله فيكم، أحيانًا يقع من بعض الناس خاصَّة من غير طلبة العلم ممن هم ملتزمون ويريدون إظهار غَيْرَتَهُم على الإسلام، فيبدؤون يتكلمون في ولاة الأمر، ويظهرون أنهم على حنق وأنهم يتمنون زوالهم وما أشبه ذلك من هذه الأمور التي مما درسنا تخالف الأدلة وتخالف أيضًا مقتضى العقل، ما هو الموقف السليم لطلبة العلم؛ لأنهم أيضًا يتكلمون عن طلبة العلم، وبعضهم يقِرُّه بل قد يشجعه؟ ما هو الواجب على طالب العلم في مثل هذا الموقف؟ الشيخ: الواجب على طالب العلم أن يُبَيِّنَ ما يقتضيه الدليل من السمع والطاعة لولاة الأمور إلا إذا أُمِرُوا بمعصية، وما تقتضيه الأدلة من وجوب الكفِّ عن مساوئهم، ومَنْ أراد النصيحة فطريقها مفتوح. الطالب: بعضهم يحتج يقول: أنا إذا منعتهم أُعَوِّدُهم على الجبن وعلى الذل، وهذا جزاه الله خيرًا قد أظهر حبَّه للإسلام والدين فبأي صورة فعل يقول: خليه. الشيخ: نعم نقول: لا بأس، عِزُّ النفس واجب، لكن عز النفس لا بد أن يكون على مقتضى الشريعة حتى يكون مُتَّزِنًا وإلَّا لكان هذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وتكون فوضى، فهناك دليل، ولعلك وغيرك أيضًا وقع في مثل هذا، أنَّه جابه أناسًا على هذا الحال، فالواجب النصيحة وأن تُضرب الأمثال لهؤلاء بما حصل من البلاء وإراقة الدماء وانتهاب الأموال.