تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة آل عمران - ٣٧

درس صوتي · ٩١:٢٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الطالب: ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنونه كافرًا فعلى الإمام ديته من بيت المال؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يَدِيَ اليمان أبا حذيفة فامتنع حذيفة من أخذ الدية وتصدق بها على المسلمين. الشيخ: نعم وهذا ظاهر. طالب: إذا كان خروج هذا الذي ليس عليه وجوب، يعني يسبب ضررًا مثلًا، يتخلف يقتله الأعداء؟ الشيخ: يُمْنَع، إي نعم. فيها مسائل أيضًا ما ذكرها المؤلف؛ وهي جواز الانحناء على الرجل الفاضل ليحجب عنه السهام كما فعل مَنْ؟ أبو دجانة في انحنائه على النبي عليه الصلاة السلام، والسهام فيه.

ومنها أيضًا: أنه إذا لم يبق مع القائد إلا القليل فإنه يأمرهم ولا يُعَيِّن، هكذا جاء في قصة؟ طلبة: السبعة. الشيخ: السبعة الأنصار والمهاجرين. ومنها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى صرح بأن الصحابة رضي الله عنهم عَصَوْا في هذه الغزوة؛ لقوله: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]. ومنها: أن النزاع سبب للفشل والخذلان. ومنها: أن المعصية سبب للخذلان أيضًا. ومنها: جواز اتخاذ الأسباب في الحرب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ظاهر بين درعين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل على الثغر خمسين راميًا. ومنها: أن الأصل في أوامر الله ورسوله أن تكون على العموم، وألا يخصص منها حال إلا بدليل؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ» هو عام، وكونهم يجتهدون ويقولون: إن الكفار قد انصرفوا، فالغنيمة الغنيمة. هذا ليس بدليل، هذا اجتهاد في مقابلة النص؛ ولهذا صرح الله سبحانه وتعالى بأن فعلهم؟ معصية. (...) طالب: يعني يُغَسَّل؟ الشيخ: إي نعم. طالب: ويُكَفَّن؟

الشيخ: نعم. طالب: طيب يعتبر هو أفضل أم شهيد المعركة؟ الشيخ: قد يكون عند الله أفضل، ولكن لا يلزم من فضله في هذا أن يفضله في كل الخصائص. طالب: شيخ، القتلى إذا دفنوا في مصارعهم ومثلًا مر بهم الجيش وتقدم، ما يدخل عليهم في المقابل دوسهم (...)؟ الشيخ: بيحط عليهم علامة تحميهم. طالب: يعني (...) كثيرة.

الشيخ: لا إذا كانوا عددًا كثيرًا فقد نقول: أزيلوهم عن طريق الناس، إذا كان عددًا كثيرًا ولا في طريق من فوقهم يقال: أزيلوهم يمينًا أو شمالًا، لكن في المكان. طالب: ترجيحكم في الصلاة على الشهيد؟ الشيخ: أيش؟ طالب: الصلاة على الشهيد، ما هو ترجيحكم؟ الشيخ: إن ثبتت هذه الأحاديث اللي ذكر، إن ثبتت فإن هذا يدل على استحباب الصلاة دون الوجوب، وإن لم تثبت فلا حجة فيها. طالب: المُثْلَة يا شيخ؟ قلنا: إن من قتل أو مُثِّل به.. الشيخ: كيف؟ طالب: المقتول مُثْلة، إذا مُثِّل على قتله، قلنا: إنه يُمَثَّل بالقاتل، أليس الله سبحانه وتعالى.. الشيخ: في باب القصاص؟ طالب: نعم، إي نعم، قدمنا قبل شوية في الجلسة أن (...) يمثل به، أليس الله نهى نبيه عن المثلة به؟ الشيخ: هذه ما لم تكن حقًّا، والمثلة قصاصًا حق، قال الله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، والرسول عليه الصلاة والسلام رَضَّ رأس اليهودي بين حجرين . طالب: هم مثلوا بالصحابة؟ الشيخ: مَنْ؟ طالب: المشركون في غزوة بدر، والله سبحانه وتعالى نهى نبيه عن التمثيل بهم؟ الشيخ: ما نهى عن التمثيل بهم، لكن ألم تعلم أنهم مثلوا من بعد المعركة؟ طالب: إي نعم. الشيخ: بعد المعركة ما تمكنا من أحد منهم بعد، وإلا القول الراجح أنهم إذا مثلوا بنا فلنا أن نمثل بهم، هذا في الجهاد أما في القصاص ما فيه إشكال؛ لأنه حق خاص. طالب: شيخ ملاحظة بسيطة فقط، في الدرس السابق ذكرت -بارك الله فيك- أن في درس التفسير السابق أن رأي البقاء في المدينة ومقاتلتهم بالسيوف والنساء من فوق السطوح بالحجارة مع الصبيان، هذا الرأي رأي المنافقين، والآن ذكرت في تعليقك على الشيخ ابن قيم الجوزية أنه رَأْي النبي صلى الله عليه وسلم وأشياخ بدر؟ الشيخ: نعم هم اللي ابتدؤوا بالرأي، المنافقون هم الذين أكدوا هذا الرأي، وكان رأيهم موافقًا لرأي الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلَّا هم اللي بدؤوا به، هم الذين قالوا: لا نخرج. طالب: كما حمى الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة أحد بأنفسهم، الآن ما يكون لنا لو حصل شيء لعلمائنا أن نقوم بنفس العمل؟

الشيخ: لا، لا ما أظن أن غير الرسول مثل الرسول؛ لأن الرسول يجوز فداؤه بالنفس والأب والأم، وغيره لا يجوز أن يُفْدَى بالنفس. طالب: طيب أنا يا شيخ، ويش بيستفيد مني الإسلام؟ الشيخ: ربما تكون أنت أعلم من مثله أو أحسن منه. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا علمنا أن اثنين متحابين فندفنهما جميعًا؟ الشيخ: أيش؟ طالب: يعني اثنين متحابين وقتلا في سبيل الله ندفنهما جميعًا؟ الشيخ: إي نعم، لكن ترى هذا عند الحاجة؛ يعني إذا احتجنا إلى دفنهم فأكثر، فنشوف الاثنين اللي بينهم صحبة في الدنيا نجعلهم جميعًا. طالب: شيخ -جزاك الله خيرًا- هل يجوز لنا حفر قبور الذي يقتل في سبيل الله؟ الشيخ: اللي إيش؟ طالب: الذي قتل في سبيل الله مثل ما عمل في حفر قبر عبد الله بن عمر؟ الشيخ: لا، هذا لسبب؛ لأن عمال معاوية حفروه حتى وجد، وأيضًا السيل لأنهم هم حول الشعيب ، السيل حفَّر بعض القبور.


الطالب: الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل: في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران؛ حيث افتتح القصة بقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ [آل عمران: ١٢١] إلى تمام ستين آية: فمنها: تعريفهم سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران: ١٥٢] فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة وتحرُّزًا من أسباب الخِذلان. ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم.. الشيخ: بالضم الخُذلان مثل الشُّكران والغُفران. طالب: كَسَرها عندي. الشيخ: مكسورة عندنا، لكن الظاهر أنها خطأ. طالب: كذلك يا شيخ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [آل عمران: ١٢١]. الشيخ: نعم. طالب: التاء مفتوحة،وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تبَوِّئُ. الشيخ: إي نعم، التاء مفتوحة وهي مضمومة. الطالب: (ومنها: أن حكمة الله..) الشيخ: صلحوها يا جماعة: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ. طلبة: مفتوحة عندنا. طالب: لا، هي بالضمة. الشيخ: الضم، بالضمة، التاء ما عليها حركة. طلبة: غدوتَ يا شيخ، بالفتح يا شيخ، بالفتحة صحيح. الشيخ: حطوا ضمة على التاء. طالب: تاء (غدوتَ)؟ الشيخ: مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ. طالب: تُبوئُ.


الطالب: ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرة ويُدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة؛ فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انتُصِرَ عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤوا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة. الشيخ: (جاؤوا به) فيها واوين خطأ. طالب: فيها واو واحدة. الشيخ: نعم. الطالب: ومنها: أن هذا من أعلام الرسل. الشيخ: هاتان حكمتان؛ الحكمة الأولى: بيان أن ما أصابهم بسبب المعصية، ويعني هذا أنه يجب علينا أن نتحرز من المعاصي؛ حيث إنها سبب لخذلان الناس حتى في مقام النصر في مقام الجهاد في سبيل الله فإن المعاصي تعمل عملها وتكون سببًا للخذلان، كما أنها أيضًا سبب للفتن والشرور، وإذا علم الإنسان أن هذا الخذلان بسبب المعصية حَذِرَ منها وتجنبها. وأما الحكمة الثانية: فهي بيان أن الأمر كله بيد الله وأن الله تعالى بحكمته يديل المؤمنين تارة على عدوهم ويديل عدوهم عليهم تارة؛ ليعلم الصادق من الكاذب، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠]. فهكذا جرت سنة الله، والحكمة من هذه الحكمة أيضًا ما أشار إليه ابن القيم رحمه الله أنه لو كان النصر للمؤمنين دائمًا لدخل فيهم من يريد النصر وإن لم يكن مؤمنًا؛ لأن كل إنسان يحب أن ينتصر، ولو كان النصر على المؤمنين دائمًا لفات المقصود من البعثة والرسالة، وصارت الرسالة لغوًا وعبثًا، لكن الله تعالى يديل المؤمنين على أعدائهم تارة، ويديل أعداءهم عليهم تارة، ولا ينافي هذا أن يكون هناك سبب آخر غير مراعاة هذه الحكمة وهي المعصية كما صَدَّرَ المؤلف رحمه الله هذه الحِكَم بها.


الطالب: ومنها: أن هذا من أعلام الرسل؛ كما قال هرقل لأبي سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سِجَال يُدَال علينا المرة ونُدَال عليه الأخرى. قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة. ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق.. الشيخ: هذا أيضًا من علامات الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم إذا أُمِرُوا بالجهاد صاروا هكذا؛ يُدال عليهم العدو تارة ويدالون عليه تارة أخرى، فهذا من علامات الرسالة، كما قاله هرقل؛ قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون العاقبة لهم. ومنها أيضًا: أن يحصل للمسلمين مرتبة الصبر عند الهزائم كما يجب عليهم أن يقوموا بالشكر عند الانتصار والغنائم.


الطالب: ومنها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب؛ فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبَّب لعباده مِحْنةً ميَّزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مُخَبَّآتُهم وعاد تلويحهم تصريحًا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقسامًا ظاهرًا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًّا في نفس دورهم وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم؛ قال الله تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٧٩] أي: ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أحد، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِالذي يَمِيزُ به بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في غيبه وعلمه وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزًا مشهودًا، فيقع معلومه الذي هو غيبٌ شهادةً.

وقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُاستدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب سوى الرسل، فإنه يُطْلِعُهم على ما يشاء من غيبه كما قال: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن: ٢٦، ٢٧] فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظم الأجر والكرامة. الشيخ: هذه الحكمة بينها وبين الحكمة الثانية فرق؛ لأنهم هناك الحكمة أنه من أجل ألا يدخل في الإيمان إلا من هو مؤمن صادق صابر على أن ينتصر مرة وينهزم مرة أخرى، أما هذه الحكمة فإن هذه القضية أعني غزوة أحد تبين بها المنافق من المؤمن، فبدأ المنافقون يتكلمون: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨] لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٥٦] يتكلمون بالكلام تلويحًا أو أحيانًا تصريحًا بفشل خطة النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة؛ لأنهم رأوا ذلك فرصة يقدحون به في سياسة الرسول عليه الصلاة والسلام، وحينئذ تَبَيَّن المنافقون تمامًا، بماذا تبينوا؟ بما يطلقونه من الكلمات التي تدل على نفاقهم، ولهذا قال الله عز وجل: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران: ١٧٩]. مَن الخبيث؟ طلبة: المنافقون. الشيخ: المنافقون، والطيب؟ طلبة: المؤمنون. الشيخ: المؤمنون: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِيعني ما كان الله ليوحي لكل واحد منكم بأن فلانًا منافق وفلانًا منافق إلا الرسل وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٧٩] فإذن بماذا نطلع على هؤلاء؟ طلبة: بما يقولون. الشيخ: بما يقولون، بسبب هذه النَّكْبَة التي حصلت في أُحُد صاروا يتكلمون، وظهر نفاقهم وعرف أمرهم عند كثير من الناس. طالب: شيخ، ابن القيم استدل على هذه الغزوة أنها من أعلام الرسل بقول هرقل. الشيخ: نعم. طالب: وجه دلالة ذلك؟ الشيخ: لا، ما هو بقول هرقل، لكن هرقل جاء به استشهادًا لا اعتراضًا، يعني: استشهادًا لا استنادًا، إذا تأملنا القرآن وجدنا أن الرسل هكذا. طالب: ما نقول لك: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الحديث هو الدلالة؟ الشيخ: كيف إقراره؟ طالب: أن هذا الحديث قبل إسلام أبي سفيان. الشيخ: كيف أقره؟ هل الرسول هو الذي حدث به؟ طالب: لا. الشيخ: طيب، كيف أقره؟

طالب: في زمن النبوة؟ الشيخ: ما هو بدليل، إنما الدليل هذا هو الواقع أن الرسل الذين يؤمرون بالجهاد يكون لهم العاقبة مرة (...) مرة أخرى. طالب: شيخ -عفا الله عنك- هل صحيح أن هرقل آمن وكتم إيمانه؟

الشيخ: لا، لا ما آمن، ضن بملكه؛ لأنه لما جمع من عنده من علمائه واستشارهم استشاطوا غضبًا، وقالوا: كيف؟ فقال لهم: اصبروا، أنا ما عرضت هذا الأمر إلا لأمتحن صلابتكم في دينكم. طالب: شيخ، هذه القاعدة مطردة؟ الشيخ:ما هي؟ طالب: أن المنافقين لا يظهرون إلا في وقت الشدة يعني على المسلمين مثل هذا الذي حصل؟ الشيخ: هذا هو الظاهر؛ لأنه في غير وقت الشدة ما يجدون شيئًا، يعني في غير فشل الخطط الإيمانية لا يجدون شيئًا يقدحون به. طالب: مثل وقتنا الآن ظهروا عندما جاءت شدة على فلان الدولة والمسلمين وذا رفعوا عنها (...). الشيخ: إي. أخذنا ثلاثة.


الطالب: ومنها: استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السراء والضراء، وفيما يحبون وما يكرهون، وفي حال ظَفَرِهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًّا وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية. ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا.. الشيخ: هذا واضح؛ لأن من الناس من يعبد الله على حرف يعني على طرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، والفتنة ما يفتنه عن دينه سواء كان ذلك ببلايا تصيبه أو بشبهات تعرض له أو بشبهات تلقى إليه؛ لأن من الناس مَن إيمانه متين لو تقلبت به الأحوال فهو صابر، صابر عند الضراء شاكر عند الرخاء، وكذلك لو عرضت له الشبهات في قلبه فإنه ينجو منها بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والإعراض عنها كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك لو ألقيت عليه الشبهات فإنه يستطيع أن يدافعها، بل إن أعطاه الله نورًا وعلمًا استطاع أن يهاجم من يلقي إليه الشبهات، فهذه أيضًا من الحكمة أن الله سبحانه ابتلى عباده ليعلم من يعبده على حرف ممن يعبده على يقين، كذلك بعض الناس إذا أصيب بمصيبة عجز عن الصبر وكفر والعياذ بالله وارتد؛ ارتد عن دينه، ومن الناس من يفعل دون الردة كالذين ينتحرون مثلًا بإلقاء أنفسهم من شاهق أو بتجرع السم أو بغير ذلك -اللهم ثبتنا وإياكم-. الطالب: ومنها.. طالب: رضي الله عنك يا شيخ، يا شيخ قول المؤلف: (استدراك لما نفاه) تعبير صحيح يا شيخ؟ الشيخ: صحيح. طالب: هل الله يستدرك على نفسه؟ الشيخ: إي، يستدرك في الكلام، ما هو معنى (استدرك): يخطئ نفسه، الاستثناء ما هو باستدراك. طالب: بس يا شيخ التعبير بـ(استدراك)؟ الشيخ: ما فيه شيء أبدًا؛ الاستدراك ما هو معناه أنه نسي شيئًا فاستدركه، لكن ذكر كلامًا عامًّا فاستدرك منه استثنى منه، و(لكن) ويش معناها؟ طالب: اسثناء. الشيخ: (لكن) استثناء، إيش معناها يا أهل النحو؟ طلبة: استدراك. الشيخ: استدراك، والقرآن بلسان عربي. طالب: السياق هنا يلتبس؟ الشيخ: سبحان الله، تكلم الله بلسان عربي وأتى بـ(لكنَّ) التي للاستدراك فنقول: يا ربنا، إن هذه الكلمة ليست بلسان عربي!


الطالب:  ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائمًا وأظفرهم بعدوهم في كل موطن وجعل لهم التمكين والقهر لأعدائهم أبدًا لطغت نفوسهم وشمخت وارتفعت، فلو بسط لهم النصر والظفر لكانوا في الحال التي يكونون فيها لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبِّر لأمر عباده كما يليق بحكمته؛ إنه بهم خبير بصير. الشيخ: سبحانه وتعالى هذا أيضًا من الحِكَم؛ لأن الإنسان لو سلم من الإصابة بالضراء لطغى، كما قال الله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ [الشورى: ٢٧]، وأنت إذا غلبت ولو في شيء بسيط تجد في نفسك نشوة الغلبة والعزة والترفع، فكيف إذا كنت في كل موطن تقابل عدوك تنصر عليهم؟ أين تصل؟ إلى الثريا، ما يردك إلا السماء، فإذا أعطي الإنسان شيئًا يكبح جماحه بمثل هذا الخذلان صار فيه مصلحة عظيمة؛ لأن هذا بمنزلة المكابح يهدأ من غلواء الإنسان وعليائه حتى يكون على وجه سليم. طالب: شيخ، قلت لنا: رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على أن الله كتب عليهم ما حصل قبل الغزوة.. الشيخ: إي نعم. ثم؟ طالب: بعض الناس يقول: ها (...) لا ينصرون، والرسول صلى الله عليه وسلم معهم يصيبهم عدوان (...)؟ الشيخ: إي، لها سبب حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ [آل عمران: ١٥٢] ثلاثة أسباب، لها سبب.


الطالب:  ومنها: أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا فاستوجبوا منه العزة والنصر فإن خِلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار، قال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران: ١٢٣] وقال: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة: ٢٥] فهو -سبحانه- إذا أراد أن يعز عبده ويَجبُرَه وينصره كسره أولًا، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره. الشيخ: الله أكبر هذا أيضًا من الحكمة العظيمة؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يذل إلا بوجود سبب الذل؛ فالهزيمة والانكسار والذل توجب أن الإنسان يرجع إلى ربه، ويعرف قدر نفسه ويخضع لله ويخبت إليه، بخلاف ما لو لم يأته شيء فإنه يبقى مستغنيًا كما قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧] لكن إذا وجد له ما يكسر هذه العزة والأنفة في نفسه عرف قدر نفسه ورجع إلى ربه، وأنت في نفسك إذا مثلًا أصبت بسراء ورخاء وعافية حصل عندك ذهول ونسيان في حق الله، فإذا أصبت بضد ذلك رجعت إلى ربك وعرفت قدر النعمة وعرفت قدر نفسك وضعفت أمام قوة الله عز وجل.


الطالب:  ومنها: أنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها. الشيخ: إي نعم، لكن الأعمال الصالحة سبب مباشر للوصول إلى هذه الدار، وأما ما يحصل بالابتلاء فهو سبب غير مباشر؛ لأن الابتلاء إذا لم يقترن بالصبر صار ابتلاء في الدنيا والآخرة، وإذا اقترن بالصبر صار ابتلاء في الدنيا لكنه خير وأجر في الآخرة، فهذه من الحكمة فيما يصيب الإنسان من الذل والضعف والمرض والفقر وغير ذلك أن الله كتب له منازل في الآخرة منازل الصابرين التي لا ينالها إلا بوجود الأسباب التي يعرف بها الصبر من الجزع والسخط. طالب: كذلك هل للإنسان أن يسأل الصبر؟ الشيخ: نعم، كيف؟! اللهم اجعلني من الصابرين. طالب: يعني ابتداء يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، ابتداء. طالب: أليس يسأل المسلمين.. الشيخ: ما هو الصبر ثلاثة أقسام؟ على الطاعة وعن المعصية وعلى الأقدار. طالب: ابتداء؟ الشيخ: إي نعم، ابتداء. طالب: يا شيخ بعض الناس يصبرون على الابتلاء غصب عنهم فهل يعني يحصل له أجر (...)؟ الشيخ: الصبر إما أن يكون صبرًا على البلاء بدون احتساب الأجر، فهذا تكون المصيبة مكفرة لذنوبه، فإن اقترن مع ذلك احتساب الأجر صارت مكفرة للذنوب وموجبة للثواب. طالب: إذا كان الإنسان أصيب في بلاء نفس يعني عين أو جن فاستمرت فيه فترة ثم زالت عنه، ويش يكون؟ الشيخ: يكون الحمد لله من نعمة الله عليه. طالب: ما يدرى هل هو احتسب؟ ما احتسب، صبر؟ ما صبر. الشيخ: هذا عند الله، كل شيء مقيد، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: ٥٣] ما فيه شيء يفوت، لو نسي هو فهو مكتوب.


الطالب:  ومنها: أن النفوس تَكتسِب من العافية الدائمة والنصر والغنى طغيانًا ورُكونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والدار الآخرة، فإذا أراد بها ربها ومالكها وراحمها كرامته؛ قيض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليل الدواء الكريه ويقطع منه العروق المؤلمة لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه لغلبته الأدواء حتى يكون فيها هلاكه. الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا قريب مما سبق.


الطالب: ومنها: أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، والشهداء هم خواصه والمقربون من عباده، وليس بعد درجة الصِّدِّيقِيَّةِ إلا الشهادةُ، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في محبته ومرضاته ويؤثرون رضاه ومحابه على نفوسهم، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو. الشيخ: صحيح وإلى هذا أشار الله بقوله: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران: ١٤٠] في سورة آل عمران في سياق الآيات، والمعلوم أن الشهادة إنما تكون في غلبة إيش؟ في غلبة العدو؛ لأنك لو غلبت العدو صار القتل فيه، وإذا غلبك صار القتل فيك، فهذا أيضًا من الحكم أن الله سبحانه وتعالى جعل من هؤلاء الصحابة الكرام شهداء ولا تنال الشهادة إلا بمثل هذه الهزيمة. طالب: يا شيخ -جزاك الله خيرًا- ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث أن الذكر أفضل من الجهاد والعمل في الأيام العشر، فهل يعني أفضل من الشهادة في نفس هذه الأعمال هذه؟

الشيخ: لا، هي: «مَا مِنْ أَيَامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ» يعني: أن العمل الصالح في هذه الأيام أحب إلى الله حتى من الجهاد في سبيل الله، وليس هناك تفضيل مطلق، والجهاد إذا وقع في هذه الأيام صار أشد وأفضل مما لو وقع في غيرها.

طالب: شيخ بالنسبة للأحاديث المطلقة في الذكر. الشيخ: الله أعلم، ولكن قد يقال: إن كل إنسان يخاطب بحسبه؛ فالإنسان الذي ليس فيه قدرة ولا أهلية للجهاد يكون الذكر أفضل. طالب: شيخ، هل للصبر حد وإلا مات؟ الشيخ: إلا؟ طالب: يعني مثلًا إذا وصل الجوع للأحد، وإذا ما يقول لأحد: عندنا جوع ما أكلت شيئًا ولا مثلًا، ورجل يقول لأحد: يموت وأنا ما أكلت شيئًا، مثلًا هذا ليس من صبر، إذا صبر على الجوع؟ الشيخ: هذا صبر على أقدار الله المؤلمة، لكن ما صبر على شرع الله؛ لأنه هنا لا بأس أن يسأل، في هذه الحال لا بأس أن يسأل عند الضرورة، لكن ينبغي أن يعرِّض، كما صنع أبو هريرة رضي الله عنه، أبو هريرة ما قال: إني جائع لأبي بكر وعمر، قال: يعني طلب منهم أن يقرؤوه آية من كتاب الله . طالب: شيخ، غير شهيد المعركة، هل هو شهيد في الأجر ولا يشهد يوم القيامة الغريق؟ الشيخ: أما في الدنيا فليس له أحكام الشهيد. طالب: في الآخرة؟ الشيخ: في الآخرة له أحكام الشهيد، ولكن الشهداء درجات، يعني لن ينال درجة الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، كما أن الصالحون درجات والصديقون درجات والرسل درجات. طالب: بس يا شيخ، هل يشهد شهادة في الموقف كالشهداء الذين..؟ الشيخ: كيف يشهد يعني؟

طالب: يشهد على الناس، ويش معنى الشهيد؟ الشيخ: لا لا ، ما هو معنى الشهيد، الشهيد عند الله يعني أن أفعاله شهد بها لنفسه بالإيمان، وإلا الأمة كلها أمة محمد شهداء على الناس، يشهدون حتى اللي مات على فراشه.


الطالب:  ومنها: أن الله سبحانه إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم وعيوبهم ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣٩- ١٤١] فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياء عزائمهم وهممهم وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُفقد استويتم في القرح والألم، وتباينتم في الرجاء والثواب، كما قال: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤] فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم؟ فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان، وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي. الشيخ: نعم، هذه الآيات كما قال المؤلف رحمه الله: فيها التشجيع والتقوية؛ لقوله: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَفإذا كان الله عز وجل يقول -وهو الذي بيده ملكوت كل شيء-: أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، فإن في هذا من التشجيع وتقوية النفوس والعزائم ما لا يخفى على أحد، ثم بين أن هذا مشروط إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَوالشرط هنا يعود على الأفعال الثلاثة أو على الجمل الثلاث: لا تهنوا إن كنتم مؤمنين، لا تحزنوا إن كنتم مؤمنين، أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين؛ لأن المؤمن لا يهن بل هو دائم في عزم ونشاط وحركة، ولا يحزن على ما فات؛ لأنه يعلم أنه مقدر ومكتوب ولا بد منه، فهو مؤمن بالقضاء والقدر، المؤمن له العاقبة الحميدة وهي؟ طلبة: العلو. الشيخ: العلو والظهور، فكيف يهن الناس المؤمنون ويحزنوا والله عز وجل يقول: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ؟ وهذا كقوله في سورة القتال: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد: ٣٥] أضاف إلى ذلك أن الله معهم بنصره وتأييده، فهذه من التشجيع وشحذ الهمم والعزائم، ثم سلَّاهم بقوله: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران: ١٤٠] القرح يعني في الأصل هو الألم والشدة، بل قال الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا [آل عمران: ١٦٥] فهم أصيبوا في أُحُد وقد أصابوا في بدر مثليها، في بدر قتلوا؟ طلبة: سبعين. الشيخ: وأسروا؟ طلبة: سبعين. الشيخ: سبعين، في أحد قُتِلَ منهم سبعون، فهنا يقول عز وجل: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُلكن نحن لا نشعر بهذا الشيء، نشعر بما يصيبنا لا بما أصاب منا، والواجب أننا نشعر بما يصيبنا ونشعر بما أصبنا في غيرنا من أجل أيش؟ أن نتسلى؛ لأن الإنسان إذا ذكر أن غيره أصيب بمثل هذه المصيبة، لا سيما إذا كان عدوه -إذا كان الذي أصيب عدوه- فإنه يتسلى، تقول الخنساء وهي ترثي أخاها صخرًا تقول:

وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي

عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ

أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي

شوف، كيف؟ يعني تقول: لولا أن حولي أناسًا يبكون لكنت أقتل نفسي، ومع ذلك لا يبكون مثل أخي: ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي، أيضًا وبين الله عز وجل أن في هذا حكمة عظيمة وهي بيان أن الأمر أمره عز وجل والحكم حكمه: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠]. الفائدة الرابعة والخامسة: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. والسادسة والسابعة: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. ويش المناسبة؛ يتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين؟ يعني: أن تمكين هؤلاء مِن قَتْلِ مَن قُتل منكم ليس عن محبة، يعني لم يمكنهم الله لأنه يحبهم؛ لأن الله تعالى لا يحب الظالمين.

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤١] يمحصهم: يطهرهم من ذنوبهم وغيرها، وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَسبحان الله، الكافرون منتصرون ويقول الله في هذا: وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ؟ نقول: نعم؛ لأنهم إذا انتصروا استشروا في قتال المسلمين وازدادوا حنقًا ويكون بهذا محقهم؛ لأن العاقبة لا بد أن تكون لمن؟ للمتقين وللمؤمنين، فهؤلاء إذا انتصروا استشروا وأوغلوا في القتال حتى يُقضى عليهم. طالب: شيخ، نحن قلنا: الشهادة أفضل وأحب إلى الله من العمل في هذه الأيام لذلك الرسول صلى الله عليه وسلم استثنى الشهادة فقال: «إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ» ، فهل تكون الشهادة يعني أفضل من..؟ الشيخ: الشهادة بهذا الشرط، أنه قتل وأخذ ماله، نعم. طالب: مش تكون أفضل يعني؟ الشيخ: أفضل من الأعمال في هذه الأيام. طالب: شيخ، يقول الله تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران: ١٣٩] صح؟ أليس ضد الحزن الفرح؟ الشيخ: إي نعم. طالب: طيب، كيف نجمع بين الآية؟ الشيخ: لا، ضد الحزن عدم الحزن سواء فرح وإلا لا فرح ولا حزن. طالب: طيب، الله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦]؟ الشيخ: ويقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨] ويقول: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم: ٤، ٥]، وأما قوله: لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَفهذا المراد به فرح البَطَر الذي يحمل الإنسان على الأَشَر وعلى الطغيان كما فعل قارون. طالب: حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا أَدُلُّكُمْ» ثم ذكر «فَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ» ثم ذَكَرَ ذِكْرَ الله، إن هذا نص صريح بأن الذكر أفضل من الجهاد، فكيف الجمع بين هذا..؟ الشيخ: أولًا، سلمك الله لا بد إن شاء الله في الليلة القادمة تأتيني بالحديث هل هو صحيح أو ضعيف؟ طالب: الترمذي يا شيخ. الشيخ: أيوه عند الترمذي، نريد السند. طالب: طيب إن شاء الله. الشيخ: إي نعم، وبعدين يكون الجواب عنه إن شاء الله.


الطالب: ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس وأنها عَرَض حاضر يقسمها دُوَلًا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا. ثم ذكر حكمة أخرى وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين، فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه، وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدًا واقعًا في الحس. ثم ذكر حكمة أخرى وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء. الشيخ: طيب وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواأشار ابن القيم رحمه الله إلى جواب عن هذا الإشكال الذي يتبادر من الآية؛ فإن قوله: وَلِيَعْلَمَعلة ما حصل، وهذا يقتضي أن علم الله حادث بعد حصول ما حصل، فيكون في ذلك إشكال؛ لأن علم الله أزلي. والجواب على ذلك أن نقول: علم الله الأزلي بأن هذا سيقع ليس يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما الثواب والعقاب على العمل، على الشيء المشاهد المحسوس.


الطالب: اتخاذه سبحانه منهم شهداء، فإنه يحب الشهداء من عباده وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها، وقد اتخذهم لنفسه فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة. وقوله: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَتنبيه لطيف الموقع جدًّا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أُحُد فلم يشهدوه ولم يتخذ منهم شهداء؛ لأنه لم يحبهم، فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنين في ذلك اليوم وما أعطاه من استشهد منهم، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه. الشيخ: وفيه أيضًا الحكمة التي أشرنا إليها آنفا وهي أن نصر هؤلاء الكفار لا يعني أنه يحبهم، فإنهم ظالمون والله لا يحب الظالمين؛ لأن النفوس قد تقول: لماذا نصرهم الله علينا وهم كفار؟ هل لأن الله يحبهم؟ فقال: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَفيكون في هذا فائدتان: الفائدة الأولى: ما ذكر ابن القيم رحمه الله وهي أن هؤلاء المنافقين الذين انخذلوا وهم نحو ثلث العسكر هؤلاء لم يتخذ منهم شهيدًا واحدًا؛ لأنهم من الظالمين والله لا يحب الظالمين فكيف يوفقهم للشهادة؟! والمعنى الثاني: ما أشرنا إليه أن انتصار هؤلاء ليس عن محبة؛ لأن الله لا يحب الظالمين.


الطالب: ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم وهو تمحيص الذين آمنوا وهو تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب ومن آفات النفوس، وأيضًا فإنه خلصهم ومَحَّصهم من المنافقين فتميزوا منهم فحصل لهم تمحيصان: تمحيص من نفوسهم، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوهم. ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون.. الشيخ: وسبق وجه ذلك، ما وجهه؟ أن في هذا محق الكافرين، وجهه؟ طالب: أنهم إذا انتصروا طغوا واستشروا. الشيخ: نعم، ورجعوا للقتال مرة أخرى لعلهم ينتصرون مرة ثانية فيكون رجوعهم سببًا للقضاء عليهم ومحقهم، واضح؟ طالب: فيه -يا شيخ- شيء آخر أنه يكون محق الكافرين بالمؤمنين الممحصين. الشيخ: كيف؟ طالب: الذين بقوا وتمحصوا هم يمحقون الكافرين. الشيخ: إي، لكن بم يمحقون؟ يمحقونهم إذا جاء هؤلاء لقتالهم. طالب: شيخ، فيه حديث يقول: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الصَّبْرَ فَاسْأَلُوهُ الْعَافِيَةَ» هل هو صحيح؟ الشيخ: ما أدري عنه، ما أعرف.


الطالب: ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم، ثم أنكر عليهم حُسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه، وأن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه فقال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢] أي: ولما يقع ذلك منكم فيعلمه، فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه بالجنة، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم لا على مجرد العلم، فإن الله لا يجزي العبد على مجرد علمه فيه دون أن يقع معلومه، ثم وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه، فقال: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [آل عمران: ١٤٣]. قال ابن عباس: ولما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل بشهداء بدر من الكرامة رغبوا في الشهادة فتمنوا قتالًا يستشهدون فيه فيلحقون إخوانهم، فأراهم الله ذلك يوم أحد وسببه لهم فلم يلبثوا أن انهزموا إلا من شاء الله منهم؛ فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} .

الشيخ: أقول: واضح أن فيه التوبيخ لهم، كانوا بالأول يتمنون الموت -يعني في سبيل الله- من قبل أن تلقوه، فقد رأيتموه في هذه الغزوة، ومع ذلك حزنتم، وقلتم: أنى هذا؟ لماذا نهزم؟ وما أشبه ذلك. ولم تثبتوا. طالب: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، ويش معناها؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنهم ينظرون إخوانهم يسقطون شهداء. طالب: أسأل الله يجزيك خيرًا، يقول صلى الله عليه وسلم: «لِلشَّهِيدِ سِتُّ خِصَالٍ عِنْدَ رَبِّهِ: يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ مِنْ أَوَلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ» ، هل يدخل في هذا من ذهب إلى الجهاد بدون إذن والديه؟ الشيخ: ويحتمل أن يقال: أنه لا أجر له؛ لأنه جهاد معصية، وجهاد المعصية لا ينقلب طاعة، كما لو صلى الإنسان في وقت النهي فإنه وإن صلى وخشع في صلاته وأتى بما ينبغي أن يأتي به في الصلاة لا تنفعه، لأنها صلاة منهيٌّ عنها، وكذلك الذي يذهب بدون رضا والديه فإنه ذهاب منهيٌّ عنه، وقد يقال: بأنه يؤجر ويأثم، يؤجر على جهاده ويأثم على تفريطه بحق والديه، وعلى كل فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله كما في حديث عبد الله بن مسعود. طالب: هل له شهادة؟ الشيخ: نعم. طالب: هل تقبل شهادته؟! الشيخ: شهادته يعني لو شهد بحق؟ طالب: قتل في المعركة هل يكون شهيدًا؟ الشيخ: هل يكون شهيدًا؟ هذا اللي قلت أنا، إذا قلنا: إن هذا الجهاد محرم. فالمحرم لا يأتي بخير ولا يثاب عليه أصلًا، فكيف ينال الشهادة به؟ وإذا قلنا: ليس بمحرم إلا لحق الوالدين وهذا أمر زائد على موضوع الجهاد، فإنه يكون آثما بمخالفة والديه ويكون له أجر الجهاد، فالمسألة فيها احتمال. طالب: هل يكون خروجه عن رضا والديه -يا شيخ- معصية، فهل يدخل في الحديث؟ الشيخ: ويش الحديث؟ طالب: يعني: يُغْفَرْ له يعني جميع ذنوبه؟ الشيخ: لا لا، لكن هذا لا نقول: إنه شهيد. إذا قلنا: إن جهاده هذا محرم. لم يكن به شهيدًا، لكن المراد بالذنوب اللي ما يتعلق بالجهاد، مثل كذب مرة أو غش مرة أو ما أشبه ذلك من المعاصي، مع أن الدين لا يكفر؛ لا تكفره الشهادة. طالب: حكم اللي يذهب للجهاد -يا شيخ- وعليه دين، هل هذا يا شيخ سفر معصية؟ الشيخ: إي نعم، هذا سفر معصية إذا كان صاحب الدين يطالب به وقد حل؛ لأنه هنا يجب عليه أن يوفي الدين قبل.

طالب: يا شيخ، الشهيد اللي يذهب دون إذن والديه لماذا نقول: إنه يتوقف أجره حتى يأذن له والديه مثل صاحب الدين؟ الشيخ: نحن نقول: فيه احتمال أن يكون هذا من حق الوالدين وهو أمر خارج عن الجهاد، وفيه احتمال أن يقال: هذا الجهاد غير مأذون فيه شرعًا فليس فيه أجر كالصلاة في وقت النهي.


الطالب: ومنها: أن وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصًا بين يدي موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتل، بل الواجب عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يقتلوا.. الشيخ: الظاهر إن مات. طالب: إن مات، يا شيخ. الشيخ: فثبتهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات؛ لأن هذا لفظ الآية: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران: ١٤٤] وهو ما مات أيضًا في غزوة أحد ما مات ولا قتل.


الطالب: بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يقتلوا فإنهم إنما يعبدون رب محمد، وهو حي لا يموت، فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت. الشيخ: كلمة (لا ينبغي) هنا ليست بالمفهوم المعروف، بل (لا ينبغي) يعني: لا يليق بهم -حطوا بالكم- هذه الكلمة تأتي في القرآن الكريم بمعنى الممتنع، إذا قيل: لا ينبغي أو ما ينبغي فالمعنى أنه ممتنع غاية الامتناع، قال الله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [يس: ٤٠]، وقال تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢] هذا في التوحيد، وفي الرسالة: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس: ٦٩] يعني: ما يليق به ولا يمكن أن يكون شاعرًا، ولا يمكن أن يتخذ الله ولدًا ولا يليق به ذلك.


الطالب: فكل نفس ذائقة الموت، وما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم ليخلد لا هو ولا هم، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد فإن الموت لا بد منه سواء مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بقي، ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه لما صرخ الشيطان إن محمدًا قد قتل فقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا، فظهر أثر هذا العتاب وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم فنصرهم الله وأعزهم وظفرهم بأعدائهم وجعل العاقبة لهم. ثم أخبر سبحانه أنه جعل لكل نفس أجلًا لا بد أن تستوفيه ثم تلحق به، فيرِدُ الناس كلهم حوض المنايا مَوْرِدًا واحدًا وإن تنوعت أسبابه، ويصدرون عن موقف القيامة مصادر شتى فريق في الجنة وفريق في السعير. ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيله وما ضعفوا وما استكانوا، وما وهنوا عند القتل ولا ضعفوا ولا استكانوا بل تَلَقَّوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام فلم يُسْتَشْهَدوا مدبرين مستكينين أذلةً، بل استشهدوا أعزة كرامًا مقبلين غير مدبرين، والصحيح أن الآية تتناول الفريقين كليهما. ثم أخبر سبحانه.. الشيخ: مَنِ (الفريقين)؟ منَ؟ المسلمون والكفار، كلهم له أجل معين مسمى، لا يمكن أن يموت قبله ولا يمكن أن يُؤَخَّر بعده، وكلهم يردون على هذا الحوض حوض المنايا جميعًا لا يختلفون؛ فموت الكافر وموت المؤمن واحد، لكنهم يبعثون على وجوه شتى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧] كما أن أعمالهم في الدنيا كذلك أما الموت فواحد كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّافي هذا السياق أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُوفي قراءة: {قُتِلَ مَعَهُ} رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤٥- ١٤٧]. طالب: شيخ يقول: إن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا، صحيح يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم على قراءة: {قُتِل}. طالب: قتلوا الأتباع وليس الأنبياء؟ الشيخ: (وكأين من نبي قُتلوا معه ربيون) ويجعلون من نبي هنا نكرة تصلح للجمع يمكن تفسيره على هذه القراءة: (وكأين من نبي قُتلوا) يعني كأين من أنبياء كثيرين قتلوا، ما هي (قتلوا)، أنا أخطأت، {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ}، ثم قال: {مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} على هذه القراءة يصلح هذا المعنى، أما إذا وصلت فقلت: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ} صار المقتول من؟ أصحابه الذين معه. طالب: (...) الآيات:فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة: ٨٧] أي: من الأنبياء، في أنبياء قتلت يعني..؟ الشيخ: الكلام على سياق الآيات التي معنا وإلا هذا معروف. استشكال؛ يقول: الآيات اللي معنا كيف نوجه كلام المؤلف وهو يفسر هذه الآيات؟ نقول: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ} يعني: ما أكثرهم الأنبياء الذين قتلوا، ثم قال: مَعَهُ رِبِّيُّونَ. طالب: سؤال في صحيح مسلم عن ابن مسعود أن آخر من يدخل الجنة ويخرج من النار يعني يعاهد الله سبحانه وتعالى عدة معاهدات ثم يسأل الله الأشياء التي كان عاهد ألا يسألها يعذره الله سبحانه وتعالى فيما يرى أنه لا صبر له عليه ، شيخ هل يعذر المسلم إذا رأى الجهاد ورأى السيف وكذا ما يستطيع يصبر، هل يكون من هذا الجنس؟

الشيخ: لا؛ لأن أعمال الآخرة ليست كأعمال الدنيا، التكليف في الدنيا لا يساوي تكليف الآخرة.


الطالب: ثم أخبر سبحانه عما استنصرت به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم أن يثبت أقدامهم وأن ينصرهم على أعدائهم فقال: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٤٧، ١٤٨] لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها وأنها نوعان: تقصير في حق أو تجاوز لحد وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يُثَبِّت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا، فَوَفَّوا المقامين حقهما: مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة وهو الذنوب والإسراف، ثم حذرهم سبحانه من طاعة عدوهم وأخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة، وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين أطاعوا المشركين لما انتصروا وظفروا يوم أحد. الشيخ: نعم، ولا شك أن طاعة أعداء الله خسارة في الدنيا والآخرة، بل إذا أطيعوا في بعض الأمر، ما هو كل الأمر كان ذلك خسارة على المؤمنين، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ [محمد: ٢٦] ما هو في كله فكيف إذا أطاعوه في كل الأمر؟! وهذا فيه تحذير من طاعة الأعداء، وطاعة الأعداء هي اتباع أوامرهم سواء وقعت بالقول أو بالفعل: أما بالقول فمثل أن يقولوا: افعلوا كذا، افتحوا الباب لكل حزب، اجعلوا كل حزب يفعل ما شاء من كفر وإلحاد وزنا وفجور وخمر وغيرها، اجعلوا الناس أحرارًا، هذا إذا أطعناهم في ذلك فهذا لا شك أنه سبب للخسارة. الثاني: الطاعة بالأمر بالفعل، مثل أن لا يأمروننا، لكن يفعلون الأفعال المخالفة للشرع حتى يستمرأها الناس، فتجد الناس أول ما تفعل هذه الأفعال المخالفة للشرع ينفرون منها وتنفر منها الطباع، ثم بعد ذلك يأخذون عليها، ومع الإمساس يقل الإحساس، وهذا هو ما يعبر عنه أهل الفسق بقولهم: إذا لم يخضعوا بالقول فليخضعوا بالواقع، الخضوع للواقع للأمر الواقع، تجده يبث الشر ويسكت، ثم الناس يخضعون للأمر الواقع، وهذا خطر عظيم، ولذلك يجب علينا أن نحترز احترازًا بالغًا من كيد الذين كفروا؛ لأن كيدهم عظيم، ونحن نعلم علم اليقين أنهم أعداؤنا مهما كان حتى لو أظهروا الصداقة فهم أعداء، يظهرون الصداقة ليتمكنوا منا ويلعبوا علينا، ثم بعد ذلك يفعلون ما يريدون. فالواجب الحذر من أعداء الله؛ لأنهم أعداء كما قال المؤلف رحمه الله: أخبر أنهم إن أطاعوهم خسروا الدنيا والآخرة: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين. طلبة: بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. الشيخ: هذه آية ثانية يا أخي، الآية الثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران: ١٠٠] والثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [آل عمران: ١٤٩]. طيب، وظاهر كلام المؤلف أنه يريد الآية هذه؛ لأن الآيات التي ذكرنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَقبل قوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [آل عمران: ١٢١] أي قبل الآيات النازلة في أحد. طالب: هو الشهادة نعمة من نعم الله على المؤمنين، وما الحكمة ما أعطى هذه النعمة على خليله محمد صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: ويش تقول بالسؤال هذا؟ يقول: لماذا لم يقتل محمد شهيدًا ما دامت الشهادة نعمة؟ طالب: مات شهيدًا؛ كما قال الزهري: الذي سموه اليهود. الشيخ: نعم. طالب: لأن مقام النبوة والرسالة أفضل من مقام الشهادة. الشيخ: نعم هذا هو الجواب الصحيح، نقول: الرسول أكرمه الله بما هو أفضل من هذا، أبو بكر رضي الله عنه لم يقتل شهيدًا؛ لأنه من الصديقين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في أحد لما ارتج بهم قال: «اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» ، ودرجة الصديقية أكمل، على أن بعض العلماء يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر شهيدًا؛ لأنه في مرض موته قال: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، وَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي» فالله أعلم، على كل حال مقام النبوة أشرف من مقام الشهادة زائد عليه بدرجة. طالب: وهذا النعمة عليه؟ الشيخ: أي، لا، إذا حصل كمال ما هو بلازم. طالب: شيخ، طاعة الكفار في أمور الدنيا هل يضر هذا يا شيخ؟ الشيخ: نعم، حتى في أمور الدنيا إذا كان هذا يستلزم علوهم علينا وذلنا لهم، أما إذا كنا ننتفع بما علمهم الله من أمور الدنيا لكن بدون ذل فهذا لا بأس به.


الطالب: ثم أخبرهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم والإقدام على حربهم، وأنه يؤيد حزبه بجند من الرعب ينتصرون به على أعدائهم وذلك الرعب بسبب ما في قلوبهم من الشرك بالله، وعلى قدر الشرك يكون الرعب؛ فالمشرك بالله أشد شيء خوفًا ورعبًا، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء. ثم أخبرهم أنه صَدَقَهم وعده في نصرتهم على عدوهم. الشيخ: بل الإنسان يكون في قلبه من الخوف والرعب بقدر ما حصل منه من المعصية، إن كان مشركًا فهو رعب كامل، وإن كان دون ذلك فهو رعب ناقص؛ لأن المعاصي توجب ذل العبد، وإذا ذل العبد -والعياذ بالله- صار خائفًا من كل شيء؛ ولهذا يقال من الحكمة: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء.


الطالب: ثم أخبرهم أنه صدقهم وعده في نصرتهم على عدوهم وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة ولزوم أمر الرسول لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة وفارقوا مركزهم فانخلعوا عن عصمة الطاعة ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفًا لهم بسوء عواقب المعصية وحسن عاقبة الطاعة. الشيخ: الله أكبر هذا وُهُمْ مَنْ؟

طلبة: الصحابة. الشيخ: بقيادة مَنْ؟ الطلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام، معصية واحدة أوجبت الهزيمة، فكيف بمعاص كثيرة؟ كيف من يقول: نعطي الجنود ترفيهًا بالمزامير والمعازف وربما بشيء آخر، أين يكون النصر؟! ومن أين يأتي النصر؟! وهل يستنصر الله تعالى بمعصيته؟! أبدًا والله، لا يستنصر الله إلا بطاعته؛ ولهذا كان من كيد أعدائنا لنا أن دخَّلوا مثل هذه الأساليب في فنون الحرب؛ لأنهم يعلمون أن الرجل الذي يتعلق قلبه بالمعازف والطرب والنشوة كيف يمكن أن يقابل عدوه ليقتله؟ هذا غير ممكن؛ لأن هؤلاء سوف يركنون إلى أي شيء؟ إلى ما اعتادوا عليه من اللهو والعزف وما أشبه ذلك، وأكره شيء عندهم هو الموت، لكن المعلق قلبه بالله البعيد عن معاصي الله وعن اللهو يكون الموت في سبيل الله أحب إليه من الحياة، ولهذا قال بعض قواد المسلمين -أظنه قاله لرستم قائد الفرس- قال: أتيتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ، يحبون الموت كما تحبون الحياة، فرق بين هذا وهذا، الذي يحب الحياة إذا رأى أسباب الموت هرب ما يرده إلا منجاته، والذي يحب الموت إذا رأى أسباب الموت أقدم عليه؛ لأنه يريد أن يقتل في سبيل الله، مثل هذه الكلمات الرنانة القوية تجعل فرائس العدو ترتجف -أعوذ بالله- أتيتني بواحد يحب الموت مثل ما أحب الحياة؟ يمكن ترتعد يده حتى يسقط السيف منها، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون شديدًا على أعداء الله على الكفار رحيمًا في بني جنسه من المؤمنين كما وصف الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكونهم أشداء على الكفار رحماء بينهم.


الطالب: الحمد لله. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق غزوة أحد: ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كله وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين. قيل للحسن: كيف يعفو عنهم وقد سلط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم من قتلوا ومثلوا بهم ونالوا منهم ما نالوه؟ فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم، ثم ذكَّرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين أي جادين في الهرب والذهاب في الأرض أو صاعدين في.. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه الفائدة أو الحكمة: أن الله بين أنه عفا عنهم بيانًا مؤكدًا باللام وقد والقسم، ولكن الإشكال أن يقال: كيف صح هذا مع أنهم قتلوا ومثل بهم وحصل عليهم من القرح ما هو معلوم؟ فيجاب بأن هذا بعض ما يستحقونه، ولو عاقبهم العقوبة الملائمة لهذا الذنب العظيم لكان أشد ولاستأصلهم، فكان هذا العفو يعني عن بعض العقوبة لا عن كلها؛ لأن العقوبة حصل منها شيء فهو ليس عفوًا مطلقًا، بل هو عفو عن أشد العقوبتين.


الطالب: ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين أي جادين في الهرب والذهاب في الأرض أو صاعدين في الجبل لا يلوون على أحد من نبيهم ولا أصحابهم، والرسول يدعوهم في أخراهم: «إلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» فأثابهم بهذا الهرب والفرار غمًّا بعد غم، غم الهزيمة والكسرة وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدًّا قد قتل. وقيل: جزاكم غما بما غممتم رسوله بفراركم عنه وأسلمتموه إلى عدوه، فالغم الذي حصل لكم جزاء على الغم الذي أوقعتموه بنبيه. والقول الأول أظهر الوجوه. الشيخ: طيب الآن فهمتم الفرق بين القولين؟ أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّيعني: غمًّا مصحوبًا بغمٍّ آخر، أي غمًّا بعد غم؛ الغم الأول: الهزيمة، والغم الثاني: ما أشيع من أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتِل، وقيل: إن الباء هنا للبدلية أي أثابكم غَمًّا بدل غم، فيكون الغم الثاني بدلًا عن الغم الأول، والغم الأول هو ما حصل للرسول عليه الصلاة والسلام من الغم بفرارهم، والغم الذي هو بدل عنه ما أصابهم هم بهذه الهزيمة والقولة المكذوبة من أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قُتِلَ، والمؤلف رحمه الله يقول: إن القول الأول أظهر، ما هو؟ أن الباء للمصاحبة أي أصابكم غمًّا مصحوبًا بغم ويذكر الوجوه.


الطالب: أحدها: أن قوله: لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ [آل عمران: ١٥٣] تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم من الظفر وعلى ما أصابهم من الهزيمة والجراح؛ فنسوا بذلك السبب وهذا إنما يحصل بالغم الذي يعقبه غم آخر. الثاني: أنه مطابق للواقع فإنه حصل لهم غم فوات الغنيمة، ثم أعقبه غم الهزيمة، ثم غم الجراح التي أصابتهم، ثم غم القتل، ثم غم سماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، ثم غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم، وليس المراد غمين اثنين خاصة، بل غمًّا متتابعًا لتمام الابتلاء والامتحان. الثالث: أن قوله: بِغَمٍّ [آل عمران: ١٥٣] من تمام الثواب. الشيخ: كم الغم اللي ذكر المؤلف؟ طالب: خمسة. الشيخ: غم فوات الغنيمة، غم الهزيمة، غم الجراح، غم القتل، غم سماعهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، غم ظهور أعدائهم على الجبل فوقهم. ستة. طالب: غمًّا منصوبة؟ الشيخ: اللي عندي بالضم. طالب: بل غمًّا متتابعًا. الشيخ: إي يعني الأخير قصدك؟ طالب: إي نعم. الشيخ: إي نعم منصوبة عندنا، كأنه على تقدير بل أصابهم غمًّا متتابعًا. طالب: هل يصلح وغمًّا؟ الشيخ: لا ما يصلح؛ لأنه لو كان عطفًا لكان المعنى بل ليس غمًا. طالب: التقدير (...). الشيخ: نعم.


الطالب: الثالث: أن قوله: بِغَمٍّمن تمام الثواب لا أنه سبب جزاء الثواب. والمعنى: أثابكم غمًّا متصلًا بغم. الشيخ: يعني بل أثابكم غمًّا متصلًا بغم.


الطالب: الثالث: أن قوله: بِغَمٍّمن تمام الثواب لا أنه سبب جزاء الثواب، والمعنى أثابكم غمًّا متصلًا بغم جزاء على ما وقع منهم من الهروب وإسلامهم نبيهم صلى الله عليه وسلم وأصحابه وترك استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتهم له في لزوم مركزهم وتنازعهم في الأمر وفشلهم، وكل واحد من هذه الأمور يوجب غمًّا يخصه، فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها، ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرًا آخر، ومن لطفه بهم ورأفته ورحمته أن هذه الأمور التي صدرت منهم كانت من موجِبات الطباع وهي من بقايا النفوس.. الشيخ: مِن؟ الطالب: موجِبات. الشيخ: (موجَبات) أي: مما توجبه الطباع. الطالب: كانت من موجَبات الطباع وهي من بقايا النفوس التي تمنع من النصرة المستقرة، فقيض لهم بلطفه أسبابًا أخرجها من القوة إلى الفعل فترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا حينئذ أن التوبة منها والاحتراز من أمثالها ودفعها بأضدادها أمر متعين لا.. الشيخ: أمرٌ؟ طالب: مفتوحة العين يا شيخ (متعيَّن)، (أمر متعيَّن لا يتم لهم). الشيخ: (متعيِّن) أحسن، يعني: واجب.


الطالب: لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرًا بعدها ومعرفةً بالأبواب التي دُخِلَ عليهم منها.

وَرُبَّمَا صَحَّتِ الْأَجْسَامُ بِالْعِلَلِ

.....................

ثم إنه تداركهم -سبحانه- برحمته وخفف عنهم ذلك الغم، وغيَّبه عنهم بالنعاس الذي أنزله عليهم أمنًا منهم ورحمة، والنعاس في الحرب علامة النصرة والأمن كما أنزله عليهم يوم بدر، وأخبر أن من لم يصبه ذلك النعاس فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، وأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، وقد فُسِّر هذا الظن الذي لا يليق بالله بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وأنه يُسْلِمه للقتل، وقد فُسِّر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره ولا حكمةَ له فيه، ففُسِّر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يُتِّم أمر رسوله ويظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به سبحانه وتعالى في سورة الفتح حيث يقول: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦]، وإنما كان هذا.. الشيخ: الآية: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [آل عمران: ١٥٤] أي: ظن الجاهل بالله عز وجل، فُسِّر هذا الظن بأن الذي حصل لم يكن بقضاء الله وقدره في قولهم: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٦٨] لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران: ١٥٦] هذا ظن أنه ليس بقضاء الله وقدره مع أن الله قدره، والتفسير الثاني يقول: فسر أن الله لا ينصر رسوله، يعني ظنوا أنه لما حصلت هذه الهزيمة فإنه لا انتصار بعد ذلك للمسلمين، وهذا بلا شك ظن سوء بالله عز وجل. وذكر المؤلف، رتب على هذا أشياء كثيرة، وقال في سورة الفتح: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [الفتح: ٦] ففي هذا التحذير من سوء الظن بالله. ولكن إذا قال قائل: إذا فعل الإنسان المعاصي فهل يحرم عليه أن يظن ظن السوء بناء على ما فعل؟ نقول: إذا فعل المعاصي فهنا أمران: الأمر الأول ظن فيما يتعلق بنفسه، فهنا لا يظن أن الله تعالى أمهله رضا بما فعل. الثاني: ظن بالله عز وجل بأن يؤمل الإنسان أن الله يهديه ويتوب عليه من هذا العمل السيئ حتى يغفر الله له. هذا حق؛ هذا وهذا. أما أن يظن أن الله لا يغفر له ولا يوفقه ولا يهديه، فإن هذا من ظن السوء بالله، وكم من إنسان صار على شفا جرف هار ثم استقام وثبت، وكم من إنسان بالعكس، فالإنسان لا ينبغي له أن يظن بالله ظن السوء وأن الله لا يوفقه بعد ذلك ولا يتوب عليه، هذا خطأ عظيم، لكن نعم يظن ظن السوء باعتبار فعله هو، أي أنه يظن بنفسه ظن السوء من أجل أن ينتشلها حتى يرقِّيها إلى مرتبة تكون أهلًا لظن الخير. طالب: شيخ ما معنى يضمحل؟ الشيخ: (يضمحل): يزول. طالب: يزول؟ الشيخ: نعم.


الطالب: وإنما كان هذا ظن السوء وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق؛ لأنه ظنُّ غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم ولجنده بأنهم هم الغالبون.

فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله ولا يتم أمره ولا يؤيده، ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائه ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالًا لا يقوم بعده أبدًا؛ فقد ظن بالله ظن السوء ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته، فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك وتأبى أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك فما عرفه ولا عرف أسماءه ولا عرف صفاته وكماله.

وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه وقدره فما عرفه ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته، وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق الحمد عليها، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فوتها، وأن تلك الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لإفضائها إلى ما يحب وإن كانت مكروهة له؛ فما قدَّرها سدى ولا أنشأها عبثًا ولا خلقها باطلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧]، وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم عن ذلك إلا من عَرَف الله وعرف أسماءه وصفاته وعرف موجب الحمد. الشيخ: (...) ولا يسلم من ذلك. طالب: (...) وصفاته العلى أو صفاته العليا؟ الشيخ: كل هذا جائز، (العلى) جمع، والعليا مفرد، والسماوات توصف بالجمع والمفرد.


الطالب: ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته وعرف موجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته وأيس من روحه.. الشيخ: في كتاب الله: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ طلبة: وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [طه: ٤] الشيخ: نعم.


الطالب: فمن قنط من رحمته وأيس من روحه فقد ظن به ظن السوء. ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أن يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي ولا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه بل يتركهم هملًا كالأنعام فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويبطله عليه بلا سبب من العبد أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله.