تفسير سورة آل عمران - ٣٨
درس صوتي · ٩١:٠٧
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
طالب: ومن ظن أنه يُضيِّع عليه عملَه الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره ويُبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صُنع فيه، ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه به، أو ظنَّ به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم يضلون بها عباده، وأنه يَحسُن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلِّده في الجحيم أسفل السافلين، ويُنعم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عِلِّيين، وكلا الأمرين عنده في الحسن سواء، ولا يُعرف امتناع أحدهما ووقوعُ الآخر إلا بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقُبح أحدهما وحُسن الآخر؛ فقد ظن به ظَنَّ السوء. الشيخ: كل هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف قد قالها بعض الخلق؛ فمثلًا منها ما يرُدُّ على المشركين، ومنها ما يرُدُّ على المعطِّلة، إذا أحببتم نستعرضها وإلا تمشي؟ طلبة: نستعرضها. الشيخ: (من جوَّز عليه أن يُعذِّب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوِّي بينهم وبين أعدائه؛ فقد ظن به ظن السوء). هذه قالها بعض الناس، بعض أهل البدع قال ذلك، قال: يجوز أن الله سبحانه وتعالى يُعذِّب أولياءه ويُلحقهم بأعدائه، وعلى هذا قال السفاريني:
وَجَازَ لِلْمَوْلَى يُعَذِّبُ الْوَرَى
مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى
فَكُلُّ مَا مِنْهُ تَعَالَى يَجْمـُـــــــلُ
لِأَنـَّــهُ عـَنْ فِعْلِــــهِ لَا يُسْــــــــــــــــــــــــــــــأَل
يعني: يجوز أن يُعذِّب الطائع الذي أفنى عمرَه بطاعة الله بدون ذنب، ويسوِّي بينه وبين المجرم الذي أمضى وقته كله في معصية الله، وعلَّلوا ذلك بأن الكل عبيده، يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل، ولكن هذا القول أُورد عليه أن هذا ظُلم لا يليق بالعقل أن يقع، فكيف يأمره وينهاه فيقوم بأمره ويترك نهيَه، ثم بعد ذلك يُعذِّبه؟ هذا ظلم. قالوا: إن هذا ليس بظلم؛ لأن الظلم مُحال في حق الله، لأن الظلم تصرُّف الظالم في غير ما هو له، أما إذا تصرَّف فيما هو له فليس بظالم مهما فعل، ولا شك أن هذا القول باطل، يبطله العقل ويبطله السمع، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢]، وقال تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩]، وقال تعالى: وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق: ٢٨، ٢٩]، فمن ظن أن الله يُعذِّب هؤلاء الأولياء ويساويهم بأعدائه فقد ظن به ظن السوء. (من ظن أنه يترك خلقه سُدًى مُعطَّلين عن الأمر والنهي، ولا يُرسل إليهم رسله، ولا يُنزِّل عليهم كتبه، بل يتركهم هملًا كالأنعام فقد ظن به ظن السوء)، هذا أيضًا قاله طائفة من الخلق، وقالوا: إن الناس لا يحتاجون إلى الرسل، ويمكنهم أن يعرفوا ما يجب لله وما يمتنع وما يجوز بدون إرسال الرُّسل، وهذا أيضًا من ظَنَّه بالله فقد ظن به ظن السوء؛ إذ كيف يخلق خلقًا ويعطيهم العقول ويتركهم سُدًى لا يأمرهم ولا ينهاهم، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: ٣٦] أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون: ١١٥]. وقال: (ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي فيها المحسن بإحسانه) إلى آخره. مَنْ ظن هذا؟ ظنه المنكرون للبعث الكافرون الذين قالوا: من يحيي العظام وهي رميم؟! ما فيه إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا. (ومن ظن أنه يُضيّع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد أو أنه يعاقبه بما لا صُنع فيه، ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو سبحانه) إلى آخره. هذا ظنه الذين قالوا بالجبر؛ وقالوا: إن الله سبحانه وتعالى يعاقب ويُثيب بشيء لا صُنع للإنسان فيه ولا إرادة ولا اختيار. لماذا؟ لأن العبد عندهم مجبور على عمله، مجبور يعمل قهرًا. كذلك أيضًا يقول: (أو ظن أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله ويجريها على أيديهم، يُضلّون بها عباده). هذا أيضًا ظن سوء؛ لأن الله لا يمكن أبدًا أن يؤيد الكاذبين عليه بما يؤيد به الصادقين؛ لأن هذا خِلاف الحكمة، لو أيد مسيلمة الكذاب، والمختار بن عبيد وغيرهما ممن ادعى النبوة بمثل ما أيد به محمدًا صلى الله عليه وسلم لكان هذا خلاف الحكمة، بل هو فتنة وإضلال للخلق، والله سبحانه وتعالى يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦] يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]. كذلك يقول: (وأنه يحسُن منه كل شيء حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته فيخلّده في الجحيم في أسفل السافلين، وينعّم من استنفد عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه فيرفعه إلى أعلى عِلّيين، وكلا الأمرين عنده في الْحُسن سواء). هذا رد على من قالوا بامتناع التحسين والتقبيح العَقْلِيَّيْن؛ يعني: فيه طائفة من الناس من أهل الكلام ينفون التقبيح والتحسين العقلي، ويقولون: إن العقل لا يستحسن شيئًا، ولا يستقبح شيئًا، لو أن الله عز وجل عذَّب صاحب الطاعة الذي أفنى عمره بالطاعة، وأكرم صاحب المعصية الذي أفنى عمره بالمعصية لكان الكل سواء عنده، ولو أنه نعَّم القائم بطاعته، وعذّب القائم بمعصيته لكان الكل عنده سواء. هذا لا شك أن من ظن بالله هذا وأن العقل لا يُحسِّن ولا يُقبِّح فقد ظن بالله ظن السوء. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- ما يؤيد كلام السفاريني ما جاء في الصحيح أنه «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ بَقِيَ فِيهَا فَضْلٌ فَيَخْلُقُ اللَّهُ لَهَا أَقْوَامًا» ؟
الشيخ: يخلق لمن؟ الطالب: يدخلهم النار. الشيخ: إي، أحسنت، هذه جيدة، الواقع أننا لسنا نقرأ في العقيدة حتى نُورد ما يُعترض به فنُدافع عنه، يعني السفاريني استدل بما جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ» . هذا الحديث استدلوا به، لكن هذا الحديث حجة عليهم في الواقع، كيف ذلك؟ أنه لو عذَّب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو ظالم؟! بالعدل؛ يعني لعذبهم بعدله لا بظلمه، فإذا عصى أهل السماوات والأرض عذَّبهم الله، لكن بظلم ولَّا بعدل؟ بعدل، هذا المعنى، لا أحد يحتمل غيره، فهو كما قال عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» . وأما الحديث الذي أشار إليه الأخ الذي في البخاري: «أَنَّهُ يَبْقَى فِي النَّارِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا أَقْوَامًا فَيُدْخِلهُمُ النَّارَ» فهذا حديث شاذٌّ منقلِب على الراوي، ويصحِّحه اللفظ الآخر: «إِنَّهُ يَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ عَمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا أَقْوَامًا فَيُدْخِلهُمُ الْجَنَّةَ» وبهذا يزول الإشكال. طالب: العقل يُحسِّن ويقبِّح بدون دلالة الشرع؟ الشيخ: إي نعم، لكن الشرع يؤيده ويشهد له، ولذلك ما من شيء في الشرع أُمر به وإلا العقل يستحسنه. طالب: يعني-ما هو متضح لي- هل العقل صار واقعًا من ذات الشرع بحيث نضع فيه الموازين هذه؟
الشيخ: نعم، وضع، لكنه لا يهتدي إلى التفصيل؛ التفصيل في الأشياء هذه من قبل الشرع، لكن على سبيل العموم العقل يستحسن العدل ويستقبح الظلم، ولهذا يحيل الله عز وجل أحيانًا المسائل على الأمر العقلي، فهو يُحسِّن ويُقبِّح، لكن مسألة الإيجاب والتحريم هذا إلى الشرع؛ يعني لا يُوجب ولا يُحرّم، إنما يقول: هذا حسن، وهذا قبيح، وقد يُخطئ في التحسين أو في التقبيح. طالب: بالنسبة للكلام وأكثر الفرق الذين يقدمون العقل على النقل، فكيف في هذه المسألة يطردون العقل؛ يقولون: لا دخل له بالتقبيح والتحسين؟ الشيخ: إي نعم، هذا من تناقضهم؛ أنهم يقولون: العقل لا يُحسّن ولا يُقبّح. وهم يردون أهم الأشياء إلى العقل؛ وهي الأسماء والصفات.
الطالب: ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وتَرَكَ الحقَّ لم يُخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة، وأشار إليه إشارات مُلغزة لم يُصرّح به، وصرّح دائمًا بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يُتعبوا أذهانهم وقِواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله، ويتطلَّبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد باطل، فلم يفعل بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان، فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: تمام، كل هذا الكلام من لوازم قول مَنْ؟ قول أهل التأويل؛ أهل التأويل المعطِّلة؛ لأنهم قالوا: إن ظاهر النصوص التمثيل، والتمثيل باطل، فيجب أن يُصرف النص عن ظاهره إلى المعنى الذي يقولونه، عرفتم؟ فهم أخطؤوا في قولهم: إن ظاهر النصوص التمثيل، ثم أخطؤوا في تأويل النص إلى ما تقتضيه عقولهم مع اختلافهم في ذلك، فإذا قيل لهم: إذن لماذا لم يُصرّح الله بهذا المعنى؟ قالوا: من أجل أن يُتعب الناسُ أفكارهم وأذهانهم ويتعبون في استخراج الشواهد، وبذلك يزداد أجرهم، لكن لو تنزَّلْنا فرضًا بأن هذا يزداد به الأجر، لكن تختل به العقيدة، لماذا؟ لأن الإنسان يبقى على شك، لا يدري هل هذا الذي أراده الله أم أراد غيره؛ ولذلك يعتبر هذا القول باطلًا، فهم يقولون: إن ظاهر النصوص التمثيل، والتمثيل ممتنع فيجب أن تُصرف النصوص عن ظاهرها إلى معانٍ يعيِّنونها بعقولهم، فقيل لهم: طيب إذن ما الفائدة؟ قال: من أجل أيش؟ زيادة الأجر بإتعاب الأذهان والعقول وكثرة التفكير، يقول: من ظن في كلام الله هذا فقد ظن به ظن السوء.
الطالب: فقد ظن به ظن السوء، فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبّر به هو وسلفه فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال: إنه قادر ولم يُبيِّن، وعدَل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يُوهم، بل يُوقع في الباطل الْمُحال والاعتقاد الفاسد، فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء، وظن أنه هو وسلفه عبروا. الشيخ: واضح يا جماعة؟ هذا وجه كونه ظن السوء؛ لأن قوله: هل الله قادر على أن يُعبِّر بما قلت أو لا؟ إن قال: غير قادر؛ فقد ظنَّ ظنَّ السَّوْء بقدرته وأنه عاجز، وإن قال: قادر، لكن أتى باللفظ المجمَل الذي فيه تلبيس؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء وإرادته أيضًا؛ لأن الله يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦] فإذا جاءتنا ألفاظ لا يُراد بها ظاهرها فهذا ليس ببيان، فصار هو ظانًّا بالله ظن السوء على كل تقدير، إن جعل ذلك عائدًا إلى العجز، وأنه عاجز عن أن يُعبِّر بالمعنى الذي قاله هذا وادعاه فهذا طعن في قدرته، وإن قال: إنه قادر، ولكن أتى باللفظ المجمل المحيِّر فقد ظن ظن السُّوء أو السَّوْء بماذا؟ بالحكمة والرحمة والإرادة.
الطالب: وظن أنه هو وسلفه عبّروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحقَّ في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل. الشيخ: سبحان الله! يعني أن هذا مسلك اليهود تمامًا: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة: ١٣٥]. هؤلاء يقولون: كونوا مُؤوِّلة من أجل أن تهتدوا؛ لأن المثبتين للصفات مجسِّمة ممثِّلة حشويَّة، ويصفونه بألقاب السوء، فالمهم أن هؤلاء يدعون إلى البدعة مع أنها ضلال، فورثوا اليهود من هذا الوجه، وإن كان هناك فرق بينهم وبين اليهود؛ لأن اليهود يدعون إلى الخروج من الإسلام، وكذلك النصارى، لكن هؤلاء ضلَّوا فظنوا أن ما هم عليه حق فصاروا يدعون إلى الضلال وهم لا يشعرون. طالب: شيخ، قال بعض العلماء: إن كل فعل في هذه الأمة مخالف لشرع ورثوه من السابقين سواء كان حتى عن إبليس في التأويل؟ يعني: كل فِعل مخالف. الشيخ: هذا صحيح، كل مخالفة للشرع فإنها موروثة عمّن سلف. طالب: نفي الصفات عمَّنْ؟ الشيخ: نفي الصفات أخذوه عن الكفار: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: ٦٠]، إثبات صفات النقص أخذوه عن اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ [آل عمران: ١٨١].
الطالب: وأما كلام الله فإنما يُؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوِّكين الحيارى هو الهدى والحق، وهذا من أسوأ الظن بالله، فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين به غير الحق ظن الجاهلية، ومن ظَنَّ به أن يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه.. الشيخ: طيب، الصفحة هذه كلها في تعطيل الصفات، يخاطب بها من يُعطِّلون الصفات الثابتة لله عز وجل.
الطالب: ومن ظن به أن يكون في مُلكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: مَنْ هؤلاء؟ طالب: القدريِّة.
الشيخ: القدريِّة الذين يقولون: إن الإنسان مُستقلٌّ بفعله، ليس لله فيه تعلُّق، لا إرادة، ولا خلق، ولا تكوين، ولا غيره.
الطالب: ومن ظن به أنه كان معطَّلًا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يُوصف حينئذٍ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: من هؤلاء؟ طلبة: الكرَّامية. الشيخ: أكثر المتكلّمين الذين يمنعون التسلسل في الماضي، هؤلاء هم الذين يمنعون التسلسل في الماضي، وأنه كان بالأول معطَّلًا، ولا يُوصف بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا.
الطالب: ومن ظن به أنه لا يسمع ولا يُبصر ولا يعلم الموجودات ولا عدد السماوات والأرض ولا النجوم ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: هذا أيضًا، من؟ طلبة: الجهمية. الشيخ: الذين يُثبتون الأسماء دون الصفات.
الطالب: ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر، ولا علم له، ولا إرادة، ولا كلام يقول به، وأنه لم يُكلّم أحدًا من الخلق، ولا يتكلم أبدًا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: هذا أيضًا كالأول ظاهر كلام المعتزلة، لكن الأول لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم، هذا حكم، والثاني: نفي صفة، لا سمع له؛ يعني مثلًا الفرق بينهما أنه يمكن أن يقول في الأول: له سمع، لكن لا يسمع به، وبصر لا يبصر به، وعلم لا يعلم به، أما هذا فهو نفي للصفة نهائيًّا. طالب: شيخ، ما الفرق بين هؤلاء واليهود، اليهود نفوا القدرة لله لما قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] وهؤلاء ينفون أشياء..؟ الشيخ: لا، بس هؤلاء ينتسبون للإسلام، لكنهم صار عندهم هذا الضلال، اليهود لا ينتسبون للإسلام يكفرون بالإسلام.
الطالب: وهؤلاء يُنقِّصون الخالق عز وجل؟ الشيخ: ما فيه شك أنهم على خطر، والذي ينكر هذه الصفات هذا كافر، اللي يقول: إن الله ما يعلم الموجودات ولا عِلم له، هذا!! ولا يعلم عدد السماوات وهو الذي خلقها. سبحان الله! طالب: وأخبر عنها. الشيخ: وأخبرنا، سبحان الله!!
الطالب: ومن ظن به أنه فوق سماواته على عرشه. طالب آخر: ولكن يا شيخ هؤلاء يكفّرون يا شيخ؟ الشيخ: التكفير العيني ما يجوز إلا بعد إقامة الحجة، لكن هل يمكن لأحد أن يقول: من قال: إن الله لا يعلم الموجودات، ولا عدد السماوات والأرض، ولا يسمع ولا يبصر، ولا يعرف النجوم، هل يمكن أحد يقول: هذا مسلم؟! أبدًا، لكن بس تكفير الشخص بعينه يحتاج إلى شروط. طالب: لو صوّرت يا شيخ مثلًا نقول: يقول المعتزلة. الشيخ: الجنس ممكن نقول، هذا القول من قال به فهو كافر. طالب: ما نعيّن أسماء خالص؟ الشيخ: ما نعيّن، التعيين.. طالب: المعتزلة. الشيخ: فيه من عيّن من السلف، لكن ما هو بصحيح، التعيين لا بد من إقامة الحجّة، قد يكون الحق ملتبسًا على شخص فيضلّ. طالب: شيخ، فيه أقوال بعض الشيعة: إن الدنيا والآخرة لفلان، وأن الله يعلم قبل أن لا يعلم وأشياء..؟ الشيخ: على كل حال نحن نذكر قواعد عامة. الطالب: بس يا شيخ؛ يعني أشياء ما.. يعني فيها أشد من اليهود بكثير. الشيخ: إي نعم، نحن نقولها بألفاظ: من قال كذا فهو كذا. الطالب: وأيضًا يقولون: إن عليًّا الله، وأنه إله؟ الشيخ: هذا ما فيه شك في كفرهم هذا، لو جانا إنسان: يقول: عليّ هو الله، فلا شك عندنا في كفره، اللهم إلا أن يكون جاهلًا عامِّيًّا يسمع من مشايخه فندعوه للحق. طالب: كيف يا شيخ يقول، يقول: الله فلان، ويكون (...)؟! الشيخ: طيب أنت ما تعرف أن فيه عوام ما يعرفون شيئًا؟ عوام عاشوا على هذا المبدأ ولا يعرفون شيئًا، فنحن ندعوهم بكل سهولة، نقول: الله هو رب السماوات والأرض ما هو فلان، إذا أبوا وقالوا: لا، إنا وجدنا آباءنا على أمة حكمنا بكفرهم. يعني المعنى أننا نتأنّى فإن أصرّ هؤلاء على ما قالوا صاروا كفرة وإلا فهم معذورون. طالب: يا شيخ، يعذرون..
الطالب: ومن ظن به أنه فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنِسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يُرغب عن ذكرها، وأنه أسفل كما أنه أعلى فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه. الشيخ: هذا واضح، هؤلاء الذين يقولون: إن الله مع الخلق بذاته وفوق السماوات بذاته، يقولون: إن الله مع الخلق بذاته وفوقهم بذاته، فيكون هو فوق السماوات، ونسبة أسفل السافلين إليه وأعلى عِلِّيين سواء؛ لأنه هو في كل مكان، فالأعلى والأسفل عنده سواء، ويغفلون عن قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأعراف: ٢٠٦]، ويغفلون عن قوله: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء: ١٩]، ونحن نعلم أن هناك فرقًا بين من كان في السماء السابعة ومن كان في الأرض السابعة بالنسبة للقرب من الله، لكن بالنسبة إلى الإحاطة هما سواء، أما هؤلاء فهم يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، وهو فوق كل مكان، فيرون أن أسفل الأرض وأعلى السماء عندهم سواء لا تختلفان في القرب، الذي يظن بالله هذا الظن فقد ظن به ظن السوء، وابن القيم رحمه الله لم يحدِّد هل نقول: كافر ولَّا غير كافر، لكننا نحن نقول: إنه كافر إذا لم يكن متأوِّلًا، فإن كان متأولًا ناقشناه. وقوله: (ظن به أقبح الظن وأسوأه). صحيح؛ لأن هؤلاء -والعياذ بالله- لا يتنزَّهون عن أن يكون الله في الأماكن القذرة التي يُستحيا من ذكرها. طالب: أقول: يا شيخ، ما هي الشروط التي يمكن من خلالها الحكم على الرجل بشخصه أنه كافر؟ الشيخ: نعم، أن يكون قاصدًا، وأن تبلغه الحجَّة، فإن كان غير قاصد فإنه لا يكفُر، ولهذا لم يكفر الذي قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ؛ لأنه غير قاصد، أخطأ من شدّة الفرح، ولم يكفر المتأوِّل الذي لم يقصد وصف الله بما يمتنع عليه حينما قال لأهله: إِذَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي وَاذْرُونِي فِي الْيَمِّ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَسَأَلَهُ: لِمَاذَا؟ قَالَ: خَوْفًا مِنْ عِقَابِكَ. فكان عنده إيمان، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ . مع أن ظاهر فعله أنه شاكّ في قدرة الله، لكنه متأوِّل، هكذا ظن، وكذلك إذا لم تبلغه الحجّة فإنه لا يكفر، وإن كان فعله كفرًا لقول الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [القصص: ٥٩]، وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩] فلا بد من إقامة الحجة، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]. ولكن من كان يدين بدين كفر من هؤلاء الذين لم تبلغهم الحجة فهو كافر؛ كافر في الدنيا، بمعنى أننا لا نأتي به إلينا وندفنه في مقابرنا ونغسّله ونكفّنه ونصلّي عليه، كافر في الدنيا، وفي الآخرة أمره إلى الله، الله أعلم، ولهذا لا يجوز أن نلعنه مثلًا أو أن ندعو له بالرحمة فلا ننزّله منزلة المؤمنين ولا منزلة الكافرين؛ لأنه غير معلوم عندنا هل يكون مؤمنًا في علم الله أو لا. طالب: شيخ، المسألة اللي ذكرها الأخ قلنا: إن هو يعني معرفة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله عليه الصلاة والسلام، أليست معلومة بالضرورة من الدين؟ كيف يُعذر فيها من لا يعرف بلاد الإسلام؟ الشيخ: نعم، هي معروفة بالضرورة من الدين فيمن عاش في البلاد، أما من عاش في بلد لا يعرفون هذا.. طالب: لا، الكلام على اللي في بلاد الإسلام؛ يعني يقول: إن عليًّا هو الله أو أن..؟ الشيخ: إي نعم، هذا العالم ما يُعذر به، معروف، لكن يجي عامّي نشأ في قوم يقولون: إن عليًّا هو الله. ويقولون: لا إله إلا الله. أي: إلا عليّ، هذا معناه عندهم، بكل بساطة نجيبه وندعوه، يعني معناه أننا ما نتركه هكذا، نقول: والله هذا رجل جاهل، اتركوه، لا، لا بد أن ندعوه فإن أسلم وإلا حكمنا عليه بأنه كافر. طالب: شيخ، القاعدة في أن الشرك لا يعذر صاحبه بالجهل، صحيح هذا..؟ الشيخ: لا ما هي بصحيحة. الطالب: الأمور الشركية لا بد أن يعلم.. الشيخ: كل شيء، لا بد أنه يكون الإنسان عالمًا، لا بد أن تقوم عليه الحجة. الطالب: هم قالوا: فعل الشرك بذاته حتى من الجاهل يجب إعلان التوبة منه؟ الشيخ: هو لا بد يتوب حتى من القول، حتى الشرك القولي لا بد أن يتوب منه، لكن الكلام هل هو عالم بأنه شرك أو لا؟ هذا هو محلُّ البحث، أما مسألة إذا علم أنه شرك فلا بد أن يتوب منه سواء كان الشرك قولًا أم فعلًا. طالب: شيخ، تسميته مسلم يا شيخ، تسميته مسلم قبل إقامة الحجة وهو نشأ أصلًا على هذا الشرك؟ الشيخ: هو مسلم؛ لأنه يقول: إنه مسلم، ولم يظن أن هذا ينافي الدين الإسلامي، هو عائش في بلاد إسلامية ويقول: إنه مسلم، وأبوه مسلم، وأمه مسلمة، وكل شيء، عائش على أنه مسلم، لكن لم يعلم أن هذا الفعل ينافي الدين الإسلامي، إذن هو معذور. طالب: والحقيقة؟
الشيخ: لا، العبرة بما في ظن المكلَّف في مسائل العبادات، فهذا الرجل يظن أنه على حق، وليس هناك دعاة مثلًا، يعني لو فُرض أن فيه من يدعو إلى الحق ولكن هذا أصرَّ وقال: والله أنا ما أقبل؛ لأن عندي مشائخي يقولون: هذا لا بأس به، عندي مشائخ يقولون: استعذ بالرسول، عندي مشائخ يقولون: عليٌّ هو الرسول مثلًا، هذا لا شك أنه قامت عليه الحجة ولا يُعذر، أما إذا كان ما علم وكل الناس على هذا الطريق فهذا عُذر، نحن نقول: هو مسلم الآن مسلم؛ لأنه يدين بدين الإسلام حسب زعمه، وفي الآخرة علمه عند الله، كما أن الذي يدين بالكفر وهو ما علم عن الإسلام شيئًا نقول: هو كافر؛ لأنه ما أراد الإسلام ولا اعتنق الإسلام ولو في تقديره، يكون كافرًا، وفي الآخرة أمره إلى الله.
الطالب: ومن ظن به أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان، ويحب الفساد كما يحب الإيمان والبر والطاعة والإصلاح فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يسخط ولا يوالي.. الشيخ: من هؤلاء؟ طالب: الأشاعرة. الشيخ: لا، هؤلاء الذين يقولون: إن كل مراد لله فهو محبوب له، ولا يفرّقون بين المحبة والإرادة، يقولون: كل مرادٍ له فهو محبوب له. وهذا لا شك أنه قول منكر؛ لأن الله نفى هذا قال: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَاد [البقرة: ٢٠٥]، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [المائدة: ٦٤]، إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧] والآيات في هذا كثيرة، والنصوص واضحة صريحة في الفرق بين الإرادة والمحبة، فالإرادة تتعلق فيما يحبه وفيما لا يحبه، والمحبة لا تكون إلا فيما يحبه، واضح؟ وهذه تُعلم من تقسيم الإرادة إلى كونية وشرعية؛ فالإرادة الكونية تتعلق فيما يرضاه ويسخطه، كل ما وقع فهو مراد له كونًا، أما الإرادة الشرعية فتكون فيما يحبه، ولهذا نقول: إن الله يريد الإيمان ولا يريد الكفر بالإرادة أيش؟ الشرعية، أما بالإرادة الكونية فكل ما وقع من إيمان وكفر وفسوق وطاعة وعصيان فإنه مراد له كونًا.
طالب: جميع أهل البدع تقريبًا يأتون بالأقوال ويأتون معها بشبه وتأويل، فهل كل التأويل هذا يا شيخ يُعذر به؟ يعني ما .. الشيخ: إي نعم، التأويل هذا لا يُعذر به؛ لأنه خلاف جادة السلف، لكن أحيانًا قد يُعذر به، قد يُعذر مثلًا لو قال: «مَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ظاهر الحديث أنه يمشي هو بنفسه عز وجل، فأنا أقول: إن هذا كناية عن سرعة إثابة الله الطائع، وأنه عز وجل أسرع إلى العبد من العبد إليه، لو قال هذا التأويل محتمل، لكن يجي إنسان يؤوّل تأويلًا لا يحتمله اللفظ إطلاقًا، هذا ما نقبله. طالب: ولا يُعذر صاحبه؟ الشيخ: لا، أبدًا، ما يُعذر فيه، ما هو كل التأويل، أنا قلت لك: الآن هذا تأويل الحديث الذي معنا تأويل مقبول: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] وجه الله، هل المراد وجهه الذي هو الوجه الذاتي أو المراد بالوجه يعني الجهة؟ كما تقول: فلان ذهب إلى الوجه الفلاني، فيه خلاف بين السلف؛ إذن التأويل في مثل هذا محتمل. طالب: شيخ، معنى هذا الكلام الذي فسّرنا أن الإرادة الشرعية هي المحبة نفسها؟ الشيخ: نعم، هي المحبة. الطالب: سواء قلت: إرادة شرعية أو قلت: المحبة. الشيخ: نعم، فإذا قلت: يريد الله منك أن تعمل العمل الصالح، أو يحب الله منك أن تعمل العمل الصالح، فلا فرق بينهما.
الطالب: ومن ظن به أنه لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، ولا يوالي ولا يعادي، ولا يقرُب من أحد من خلقه، ولا يقرُب منه أحد، وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقرّبين وأوليائه المفلحين فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا من مذاهب الأشاعرة؛ أن الله لا يحب ولا يرضى، ولا يغضب ولا يسخط، إذن تكون الأشياء كلها عنده سواء، لا يوجد موجِب للغضب ولا موجب للرضا، ولا موجِب للمحبة ولا موجب للكراهة، وحتى لو وُجد ما يوجب ذلك فإن الله لا يحب ولا يكره، ولا يرضى ولا يسخط، عرفتم؟ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩] قال: أبدًا، الله ما يرضى، الله ما يرضى ويقول: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قال: نعم، الله ما يرضى، هل أنت أعلم بالله من نفسه؟! قال: نعم، ما أراد بالرضا الرضا، أراد بالرضا الثواب، طيب عندك علم؟! لو كان الله يريد بالرضا الثواب لكان هذا تلبيسًا لا هُدى، والله قال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٥] والذي يريد بلفظ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْأثابهم، ما هداهم. ولهذا من تأمّل كلام أهل البدع -ولو كانوا أشاعرة- يتعجّب كيف يصل بهم الأمر إلى هذا الحد؛ لأنه يلزم على قولهم لوازم باطلة باطلة باطلة عظيمة، سبحان الله!! الله يُصرّح في القرآن بأنه يحب التوابين ويحب المتطهّرين، تقول: ما يحب؟! ولهذا لولا أنهم ينكرون إنكار تأويل لكانوا كفارًا؛ لأن الإنكار نوعان: إنكار تأويل، وإنكار جحد، فإنكار الجحد تكذيب كفر، وإنكار التأويل تفسير قد يكون مصيبًا وقد يكون مخطئًا، لكن لا شك أنه مخطئ؛ لأنه يخالف الظاهر. أيضًا لا يقرُب من أحد من خلقه ولا يقرُب منه أحد، يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: ١٨٦]. ليس الله يقرُب، ما هو بالقريب! «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» لا، الله ما يقرب، ويش اللي يقرب؟ رحمته، مَلَك من ملائكته، أما هو نفسه فلا. نقول: إن الله قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: ١٨٦] الضمائر تعود على مَن؟ على الله، عبادي، عنِّي، فإني، قريب، الفاعل يعود على الله، كيف تقول: لا؟! فَإِنِّي قَرِيبٌأي: فإن رحمتي قريبة، وعلى هذا فقِسْ، فالحقيقة أن من أخطر ما يكون هذا المذهب. وأن ذوات الشياطين في القرب من ذاته كذوات الملائكة المقرّبين. سبحان الله! الشيطان وجبريل في القرب إلى الله على حد سواء، سبحان الله! لأنه يقول: ما يقرب من عباده، ولا يقرب إليه أحد من عباده، هذا شيء مستحيل، اللهم لك الحمد. طالب: شيخ، بالنسبة لإقامة الحجّة على غير المسلمين، هل يشترط السماع فقط عن الإسلام أم العلم التامّ بالإسلام؟ الشيخ: إي، الآن الأخ، لو فرضنا أنه لا يعرف اللغة العربية، وجاء أفصح الناس في العربية، وقام يتكلم وهو يسمع، يسمع سماعًا قويًّا، ولو شئنا لقلنا: أعِد الكلمات فأعادها كالمعرّي، ولكن ما يدري ويش المعنى، قامت عليه الحجة؟ طلبة: لا. الشيخ: لا بد من بيان، مجرّد السماع لا يمكن، لكننا إذا قلنا: إن هذا دين الله يجب عليه أن يتعلم، وأن يطلب مترجمًا، فيكون مقصرًا، فلو مات مثلًا في هذه الحال قبل أن يدرك من يعلّمه ويترجم له فإنه لم تقم عليه الحجة، إنما إذا بلغه أن هذا هو الشرع يجب عليه أن يبحث؛ يجب عليه أن يبحث حتى يعلم، عرفت؟ لكنها ليست هي الحجة التي تنجيه من عذاب الله، يعني التي تُوجب له أن لا يعذر، لو جاء واحد وقال لزوجته: بهشتم بهشتم، ويش معنى بهشتم؟ بهشتم يعني يقولون: أنتِ طالق، ما أدري والله ثلاثًا أو واحدة، المهم أظنها ثلاثًا، أنتِ طالق ثلاثًا. طالب: بأي لغة؟ فارسية هذه؟ الشيخ: إي، أظنها فارسية، فهل نقول: إنها تطلق؟ ما تطلق. طالب: فارسي (...)، ما هو بفارسي، بهشت فارسي هو اسم الجنة. الشيخ: الجنة؟! فرق عظيم، لا، هم ذكروها الفقهاء، نراجع هذا، نحقّقها أكثر، هل هي فارسية أو غير فارسية؟ الكلام (...) عليه على أن الحجة لا بد من فهمها، ما تقوم الحجة إلا بالفهم، لكن إذا بلغه أن هذه حُجة وهو لا يعرفها، ويش يجب عليه؟ يجب أن يتعلم، فيكون مُقصّرًا، لكن لو مات من حين ما بلغناه الحجة قبل أن يتمكن من فهمها، فإن هذا لا يمكن أن نقول: إن الحجة قد قامت عليه، وأنه مخلّد في النار، نقول: هذا أمره إلى الله. طالب: شيخ، تنزيل هذا الأمر على الكفار الموجودين الآن في أمريكا وأوروبا وروسيا، هل نقول: بلغتهم الحجة أم لا؟ الشيخ: ها دولا اللي في الغابات قد يكون ما بلغتهم الحجة، لكن فيه الآن خصوصًا في الوقت الحاضر سبحان الله العظيم، فيه مراكز إسلامية يُعلَن عنها في وسائل الإعلام هناك وتُبيّن، فهذا يجب عليهم أن يتفهموا هذه الحجة. طالب: يعني غير معذورين؟ الشيخ: غير معذورين من وجه؛ يعني مُقصّرين، يعتبرون مُقصّرين، اللي ما يبحث يعتبر مقصرًا، لكن فيه ناس في المصانع من أصل ولا يعرفون عن وسائل الإعلام ولا غيرها، هؤلاء نقول: أمرهم إلى الله، هم الآن كُفار؛ لأنهم يدينون بالكفر، ولكننا لا نقول: إنهم في النار؛ لأن أمرهم إلى الله ما ندري، يوم القيامة يمتحنهم الله سبحانه وتعالى بما شاء، ثم يُجازون على حسب ما يكون عند ذاك الامتحان. طالب: شيخ، ويش العبرة ببلوغ الحجة أو بفهمها؟ الشيخ: لا إله إلا الله، ويش إحنا نقرر من زمان؟ ويش فهمتم يا جماعة؟ يقول: هل العبرة ببلوغ الحجة أو فهمها؟ طلبة: فهمها. الشيخ: نعم، لا بد من فهمها، لكن إذا بلغت فهذا مبتدأ الحجة، إذا بلغته وهو ما يفهم، مثلًا: إنسان أعجمي جاء إنسان عربي يتكلم يقول له عن الإسلام وهو ما يدري ويش يقول، هذا كمن لم يسمع، ولهذا قال الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] لا بد من البيان. طالب: شيخ، ذكرنا أن الكافر لا يجوز تكفيره بعينه لا يجوز لعنه بكفره؟ الشيخ: لا، الكافر يلعن بعينه، إزاي ما يلعن؟! إذا مات؟ الطالب: ما مات.
الشيخ: ما مات، لا، ما يلعن. الطالب: لكن إذا مات نرجّح أنه يدخل النار كاليهود والنصارى؟ الشيخ: إي نعم، الرسول قال هكذا، إذا مات وهو على كفره، وقد بلغته الحجة، وزعماؤهم يعرفون هذا، بلغتهم الحجة بلا شك، يعرفون المسلمين والكفار. طالب: شيخ، هل نقول: إن اليهود والنصارى يعني أحيانًا لما يؤلّبوهم في الجيوش على المسلمين، يدخلون الكنائس يعرفون عن الإسلام؛ يعني علماؤهم يعني أو رهبانهم يخبروهم عن الإسلام والمسلمين وأيضًا قوادهم يقولون..؟ الشيخ: ما أظن، لا لا، ما يخبرونهم أبدًا، لا لا، هم إن أخبروهم عن الإسلام سيخبرونهم على وجه مشوّه، وسيقولون: إن الإسلام ما هو إلا دين مثل ديننا، هم يخبرونهم بأن دينهم قائم، وأن هؤلاء دينهم مثلًا رسولهم محمد فرقة لحالها، هذا جهل وتلبيس.
الطالب: كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين، وقد استنفد ساعات عمره في مساخِطه ومعاداة رسله ودينه، فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، مَن هؤلاء؟
طلبة: المعتزلة. الشيخ: هؤلاء المعتزلة والخوارج، يقولون: إن فاعل الكبيرة خالد مخلّد في النار، فلو أن هذا الرجل -كما قال ابن القيم- أفنى عمره في طاعة الله في كل طاعة تُقرّب إلى الله، ثم فعل كبيرة واحدة فهو خالد مخلّد في النار، أعوذ بالله، هذا ظن سوء بالله، خلاف العدل الذي هو وصف الله عز وجل الذي أمر به عباده: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل: ٩٠].
الطالب: وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسَه، ووصفه به رسله، أو عطّل حقائق ما وصف به نفسَه ووصفته به رسُله فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أن له ولدًا أو شريكًا أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه. الشيخ: طيب، الأول: من ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفته به رسله ظاهر، كالممثِّلة مثلًا، الممثّلة يظنون به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطّل؛ هؤلاء المعطّلة، فقد ظن به ظن السوء، أما الممثّلة فظن السوء في حقهم أنهم شبّهوا الله بالناقص، وأما المعطّلة فهم شبهوا الله بالناقص أولًا، ثم عطّلوا ما وصف به نفسه ثانيًا، ثم ظنوا ظن سوء بالله في البيان والهدى؛ لأننا إذا قلنا: إن ظاهر النصوص غير مُراد، وأن مرادها كذا وكذا، فإن ذلك يستلزم أن يكون الله تعالى يخاطب عباده بما فيه التعمية والتضليل، وهذه خطيرة؛ مسألة خطيرة؛ الذي يقول: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] ويقول: بقدرتي، ويقول: إن المراد بقدرتي ولم يُبيّن، لا شك أن هذا ملبّس مضلّل، والله عز وجل يقول: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواولهذا يلزم على مذهب أهل التعطيل من اللوازم الباطلة ما لا يمكن أن يقوله مسلم.
الطالب: من ظن أن له ولدًا أو شريكًا أو أن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينَه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه يتقرّبون بهم إليه، ويتوسّلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم ويحبونهم كحبه، ويخافونهم ويرجونهم؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه. الشيخ: هؤلاء من؟
طلبة: النصارى. الشيخ: النصارى وكل مُشرك، فيه مثلًا ناس يجعلون بين الله وبين خلقه وسائط، يرفعون حاجاتهم إلى الله بهذه الوسائط، ويظنون أن الله سبحانه وتعالى لن يقبل شيئًا إلا بهؤلاء الوسائط، بل وأنه لا يسمع شيئًا ولا يعلم شيئًا إلا بهذه الوسائط، وشر منهم من يدعو هؤلاء الوسائط مباشرة، ما هو بيدعو الله بهم، يدعوهم هم، هؤلاء مشركون بلا شك لا الأوّلون ولا الآخرون، والله عز وجل يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، ويقول: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: ٢٦] ويقول: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨] كيف يجيء إنسان ويقول: إنه يمكن أن يشفع هذا الولي أو هذا النبي بدون إذن الله؟ هذا تكذيب للقرآن. طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- بالنسبة لابن القيم رحمه الله ذكر في جميع الأمثلة التي سبقت وقال: (من ظن به ظن السوء إلا هنا قال: فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه)، هل معنى هذا أن هذا شرك يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، هي عبارة أشد.. الشرك هو أعظم الذنوب.
الطالب: ومن ظن به أنه يُنال ما عنده بمعصيته ومخالفته كما يناله بطاعته والتقرب إليه فقد ظن به خلاف حِكمته وخلاف موجب أسمائه وصفاته وهو من ظن السوء. الشيخ: إي نعم، مثل مَنْ؟ طالب: الصوفية. طالب آخر: المرجئة. الشيخ: لا، فيه ناس يعني كثير أراهم، مثلًا لو كان ينظر إلى المرأة بشهوة مثلًا، أو يتمتّع بالنظر إليها، ويقول: أنا أتقرّب إلى الله بهذا النظر؛ لأنني أفكّر في كمال خلقة الله عز وجل، وكمال صنعته، ما شاء الله ما بقي عليك ما تفكّر إلا بهذا؟! على كل حال فيه من يقول هذا، يقول: أبدًا ما عندي نيّة ولا شيء، لكن إذا رأيته يقول: سبحان الله أحسن الخالقين، وأتفكّر في كمال خلقة الله، الآن هذا يتقرب إلى الله بماذا؟ طلبة: بمعصيته. الشيخ: على زعمه بمعصيته، فمن ظن أن هذا قُربة إلى الله فقد ظن بالله ظن السوء. طالب: يدخل فيه المرجئة يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما يدخل في هذا؛ لأن المرجئة يقولون: إنه سالم، ما يقولون إنه متقرّب إلى الله.
الطالب: ومن ظن به أنه إذا ترك لأجله شيئًا لم يعوّضه خيرًا منه، أو من فعل لأجله شيئًا لم يُعطه أفضل منه، فقد ظن به ظن السوء. الشيخ: نعم؛ لأن هذا خلاف الحكمة وخلاف الواقع، سليمان عليه الصلاة والسلام لما دعا بالخيل فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [ص: ٣٣] أخلف الله عليه ما هو خير منه؛ وهو الريح سَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ: ١٢] لما ترك هذا لله عوّضه الله خيرًا منه، كذلك من فعل شيئًا لأجله أعطاه الله أفضل منه مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠].
الطالب: ومن ظن به أنه يغضب على عبده ويعاقبه ويحرمه بغير جُرم ولا سبب من العبد إلا بمجرد المشيئة ومحض الإرادة فقد ظنّ به ظن السوء. الشيخ: هؤلاء الذين يُبطلون العلل والحِكم، ويقولون: إن الله يفعل لمجرد المشيئة، وهؤلاء هم الجهميَّة ومن وافقهم، يقولون: إن الله ليس له حِكمة يفعل بغير حكمة، وأظن الأشاعرة كذلك؛ ولهذا يقولون: إن الله مُنزّه عن أيش؟ عن الأغراض والأعراض والأبعاض؛ عن الأعراض مثل: المحبة والرضا والكراهة والسخط وما أشبهها، والأبعاض مثل: اليد والعين، والأغراض مثل: الحكمة، يقولون: إن الله ما له حكمة، يُسوّي اللي بيبغى، يفعل ما يريد، بدون أن يكون هناك مرجّح للفعل أو للترك.
الطالب: ومن ظن به أنه إذا صدَقه في الرغبة والرهبة وتضرّع إليه وسأله واستعان به وتوكّل عليه، أنه يخيّبه ولا يعطيه ما سأله؛ فقد ظن به ظن السوء، وظن به خلاف ما هو أهله. الشيخ: الله أكبر! هذه لا أعرف طائفة معينة لذلك، لكن قد يقع من بني آدم أن يظن بالله هذا الظن والعياذ بالله؛ بأن مَنْ صدق الله في الرغبة والرهبة واللجوء إليه والرجاء فإن الله يخيّبه، وهذا لا شك أنه ظن سوء بالله؛ لأن الله عز وجل أكرم من خلقه، وإذا لجأ العبد إليه بصدق فإنه يعصمه، ولهذا أمرنا عند قراءة القرآن بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم من أجل العصمة من وساوسه، وأن يحول بيننا وبين فهم كتاب الله والتلذُّذ بقراءته. طالب: شيخ، أحسن الله إليك! سبق أن من تمنّى الشهادة وكان راغبًا فيها بلّغه الله منازل الشهداء، وفي الآية ابن القيم قال: إن الله في قوله تعالى: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٢] قال: لا يجازي على العمل إلا بعد أن يعمل به؟ الشيخ: لا، لا، يعني المراد قصده بذلك لما قال: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَردًّا على قول من أورد على هذا شبهة، قال: أليس الله عالِمًا بالصابرين قبل أن يصبروا؟ الجواب: بلى، ولكن العلم الذي قبل أن يصبروا هذا لا يترتّب عليه الجزاء، فمراده -رحمه الله- الكلام على آية معينة. طالب: والحديث..؟ الشيخ: الحديث نعم صحيح؛ لأن هذا أعطاه الله تعالى أجر العامل؛ يعني هذه النية الصادقة قامت مقام العمل فكأنه عمل، ما فيه إشكال. طالب: أحسن الله إليك، إذا إنسان دعا الله سبحانه وتعالى برغبة ورهبة وظن بالله سبحانه وتعالى أن لا يجيب دعاءه أو لا يجيب دعاءه؛ لأنه يأكل أموال الناس بالباطل، أو لأنه يأكل الربا، هل يُعتبر من الظن بالسوء؟ الشيخ: أنا أعتقد أن الذي يفعل ذلك مستهزئ بالله، كيف تدعو الله وأنت تعرف أنه ما يجيبك؟ طالب: هو يقول كذا، بعض الناس كلما انتهت الصلاة يدعو الله سبحانه وتعالى؟ الشيخ: لا، ما يصح. الطالب: في الحديث (...). الشيخ: لا تفكّر أن أحدًا يدعو الله إلا وهو يؤمِّل الإجابة قد يتهم نفسه، لكن في جانب الله ما يتهم الله بعدم الإجابة، ولكن استرح، وريّح نفسك، ما دام أنك عارف أنك ما أنت مقبول لا أنت ولا دعاؤك؛ ريّح نفسك، فالإنسان يُلحّ ويرجو، لولا أن الإنسان يرجو الله سبحانه وتعالى ما عمل شيئًا.
الطالب: ومن ظن به أنه يُثيبه إذا عصاه لما يثيبه به إذا أطاعه وسأله ذلك في دعائه فقد ظن به خلاف ما تقتضيه حكمته وحمده وخلاف ما هو أهله وما لا يفعله. الشيخ: معلوم هذا واضح، هذا من أكبر سوء الظن، بل هو استهزاء وسخرية، إنسان مثلًا يفعل المعصية ويقول: اللهم أثبني عليها!! هذا لا أحد يفعل هذا الفعل إلا وهو قد ظن بالله ظن السوء.
الطالب: ومن ظن به أنه إذا أغضبه وأسخطه وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًّا، ودعا من دونه ملكًا أو بشرًا حيًّا أو ميتًا يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه ويخلّصه من عذابه؛ فقد ظن به ظن السوء، وذلك زيادة في بُعده من الله وفي عذابه. الشيخ: هذا من جنس الشرك اللي سبق ذِكره.
الطالب: ومن ظن به أنه يُسلّط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطًا مستقرًّا دائمًا في حياته وفي مماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدُّوا بالأمر دون وصيِّه، وظلموا أهل بيته وسلبوهم حقهم وأذلوهم، وكانت العزة والغلبة والقهر لأعدائه وأعدائهم دائمًا من غير جُرم ولا ذنب لأوليائه وأهل الحق، وهو يرى قهرهم لهم وغصبهم إياهم حقهم، وتبديلهم دين نبيهم، وهو يقدر على نصرة أوليائه وحزبه وجنده، ولا ينصرهم ولا يديلهم بل يديل أعداءهم عليهم أبدًا، أو أنه لا يقدر على ذلك، بل حصل هذا بغير قدرته ولا مشيئته، ثم جعل المبدلين لدينه مُضاجعيه في حفرته تُسلِّم أُمته عليه وعليهم كل وقت كما تظنه الرافضة، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه، سواء قالوا: إنه قادر على أن ينصرهم ويجعل لهم الدولة والظفر، أو أنه غير قادر على ذلك، فهم قادحون في قدرته أو في حكمته وحمده، وذلك مِن ظنِّ السوء به، ولا ريب أن الرب الذي فعل هذا بغيض إلى من ظن به ذلك غير محمود عندهم، وكان الواجب أن يفعل خلاف ذلك، لكن رفعوا هذا الظن الفاسد بخرق أعظم منه، واستجاروا من الرمضاء بالنار، فقالوا: لم يكن هذا بمشيئة الله، ولا له قدرة على دفعه ونصر أوليائه، فإنه لا يقدر على أفعال عباده ولا هي داخلة تحت قدرته، فظنوا به ظن إخوانهم المجوس والثَّنَوِيَّة بربهم، وكل مُبطل.. الشيخ: هذه الجملة -كما عرفتم- يشير بها رحمه الله إلى الرافضة؛ الرافضة يقولون: إن الصحابة رضي الله عنهم لما مات النبي صلى الله عليه وسلم استبدوا بالأمر دون وصِيِّه. ووصيُّه هو عليّ بن أبي طالب، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة لعليّ، وأن أبا بكر وعمر والصحابة ظلموا عليَّ بن أبي طالب، واستبدوا بالأمر دونه. مع أن علي بن أبي طالب بايعهما واستجاب لهما، ولم يعارِض، وكان يقول على منبر الكوفة يُعلن: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ أحيانًا يقول: عثمان، وأحيانًا لا يقول، يسكت، ومع ذلك يقولون: إن هذين الرجلين ظالمان عاصيان فاسقان كافران منافقان. نسأل الله العافية!! ثم يقولون أيضًا: الصحابة كلهم ارتدوا على أدبارهم كفّارًا إلا نفرًا قليلًا، فهم بقوا على الإسلام. وهذا لا شك أنه طعن في الله، وفي كتاب الله، وفي سُنِّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الصحابة أنفسهم حتى الذين يوالونهم هو طعن فيهم؛ أما كونه طعنًا في الله فإننا نقول: إذا كان الصحابة بهذه المثابة فإن كون الله عز وجل يختار لنبيه مثل هؤلاء ينافي الحكمة؛ لأن الحكمة تقتضي أن يختار الله لصحبة نبيه خير الخلق. وأما كونه طعنًا في شريعة الله؛ فلأن الشريعة إنما وصلت إلينا عن طريقهم، مَنِ الذي نقلها لنا؟ الصحابة، فإذا كان الناقل كافرًا مرتدًّا، فكيف يمكن أن نقبل بما نقل؟! وأما كونه طعنًا في الصحابة -حتى من والوهم- فظاهر؛ لأن الموالين لهم كلهم بايعوهم، وأقرّوا لهم بالخلافة، وأقرّوا لهم بالفضل، وهل أحد أجبرهم على ذلك؟ أبدًا لم يجبرهم أحد على ذلك، كانوا يُعارضون أبا بكر وعمر في المسائل البسيطة الخلافيِّة في الفقه، ويعلنون خلافهم، فكيف لا يعلنون خلافهم في هذا الأمر العظيم؟! فهم بين أمرين: إما أن يتهموهم بالمداهنة في دين الله؛ يعني يتهمون من يوالونهم كعليّ بن أبي طالب بالمداهنة وعدم الأخذ بما يجب، وعدم إنفاذ وصية الرسول عليه الصلاة والسلام وإعلانها. وإما أن ينهزموا ويقولوا: إنه لا وصية لعليٍّ، وأن الأمر كان كما وقع؛ وكيف يمكِّن الله لهذين الظالمين الفاسقين المنافقين الكافرين أن يكونا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، بل أن يكونا ضجيعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه؟! إذا سلَّم أحد على الرسول صلى الله عليه وسلم سلَّم عليهم أيًّا كان هذا الْمُسلِّم، ما أدري عن الرافضة إذا سلّموا على الرسول هل يُسلّمون عليهما أو لا؟ ولكن لازم قولهم ألا يُسلِّموا عليهما، فعلى كل حال هؤلاء لا شك أنهم ظنوا بالله ظن السوء وأقبح السوء وأسوأ الظن، نسأل الله العافية. طالب: شيخ -بارك الله فيك- يقول ابن القيم: (ومن ظن به أنه يثيبه إذا عصاه) فإذا عصى المرء، ثم تاب من بعد المعصية، فقال: اللهم أثبني عليها استدلالًا بقوله تعالى: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: ٧٠]؟ الشيخ: لا، أثبْني عليها: أي بعد التوبة، لكن هذا يفعل المعصية ويقول: اللهم أثبني عليها! يشرب الخمر ويقول: اللهم إني أسألك أن تقبل مِنّي، هذه طاعة! طالب: شيخ، بعض الذين يرتكبون المعاصي لما تأتيهم نصيحة يقول: اللهم اهدني، نسأل الله أن يهديني، وهو مُصِرٌّ على هذه المعصية، هل يكون داخلًا في (...)؟ الشيخ: ما ندري عن قلبه، هل إنه صادق، أو أراد بس دفع الملامة عنه. الطالب: يعني ظاهر حاله يا شيخ إنه.. الشيخ: نعم، هو ظاهر حاله أنه يريد دفع الملامة فقط، ولكن هذا ليس بدافع للملامة؛ لأنَّا نقول: هل منعك الله الهدى؟ أبدًا، أمرك بالهدى ودلَّك عليه. طالب: الثَّنَوِيَّة، أيش هي؟ الشيخ: الثنوية، هؤلاء طائفة من المجوس، يقولون: إن للعالم خالقيْنِ اثنين: النور والظُّلمة؛ فالنور يخلق الخير، والظلمة تخلق الشر، ومع ذلك ليسوا يقولون: إنهما سواء، بل يقولون: إن النور أفضل من الظلمة؛ لأنه نور، والظلمة ظلمة، فهو في ذاته أفضل منه، وأيضًا آثار النور الخير، وآثار الظلمة الشر، فهي قاصرة من هذا الوجه، هذان وجهانِ في قصورها. الوجه الثالث: يقولون: إن النور قديم، والقديم عندهم بمعنى الأزلي الذي لا أوَّل له، ولهم في الظلمة قولان: قول: إنها محدَثة، وقول: إنها قديمة؛ إذن فالنور أفضل من الظلمة؛ يعني حتى الثنويّة لما قالوا بأن للعالم خالقين لم يقولوا بتساوي الخالقين، بل عندهم أن النور أفضل من هذه الوجوه الثلاثة، ولعلك قد سمعت قول المتنبي وهو يخاطب ممدوحه:
وَكَمْ لِظَلَامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ
تُخَبِّـــــرُ أَنَّ الْمَانَوِيَّــــــــةَ تَكْـــــــــــــــــذِبُ
يد: يعني نعمة، تخبِّر المانوية يقولون: الظلمة تخلق الشر، إذا كنا في الليل يجي الخير ولَّا ما يجي؟
طلبة: يجي. الشيخ: لا ما يجي، لا، لا، عندهم ما يجي، الظلمة موجبها الشر، فهو يقول: ظلام الليل يجينا الخير منك؛ فهو يدل على أن المانويّة تكذب، وأن الظلمة ليست لا تخلق إلا الشر، بل هي تخلق الخير أيضًا، هذا على كل حال شاعر، وإلا لا شك أن الأمر كله بيد الله عز وجل. أخذنا ثلاثة جزاك الله خيرًا.
الطالب: كل مُبطِل وكافر ومبتدع مقهور مستذل فهو يظن بربه هذا الظن، وأنه أوْلى بالنصر والظفر والعلوِّ من خصومه، فأكثر الخلق، بل كلهم -إلا من شاء الله- يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالِب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ربي ومنعني ما أستحقه. ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه يُنكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتّش نفسه، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها كامنًا كمون النار في الزناد. الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله. الطالب: فاقدح زناد من شئت يُنبئك شَراره عما في زناده، ولو فتّشت من فتّشته لرأيت عنده تعتُّبًا على القَدَرِ ومَلَامَةً له واقتراحًا عليه خلاف ما جرى به، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا. الشيخ: فيكون حينئذٍ كافرًا بالشرع، وأيش؟ وبالقدَر؛ القدر يقول: هذا ظُلم، ليش؟ أنا أستحق أكثر من كذا! لماذا لا يعطيني الله إلا هذا، ويعطي فلانًا وفلانًا كذا وكذا؟! أنا أحقّ به منه، أنا من أبناء القبيلة الفلانية، وذاك رجل لا أصل له، كيف يُعطى هذا من الدراهم أو من العلم أو من الجاه وأنا لا أُعطى؟! فيعترض على الله عز وجل، مع ظنه ظن السوء بالله من ناحية الشرع، الله المستعان.
الطالب: فمستقلّ ومستكثر، وفتّش نفسك هل أنت سالم من ذلك.
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ
وَإِلَّا فَإِنِّـــــــــــــــــــي لَا إِخَالُكَ نَاجِيَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
الشيخ: لا إخالك؛ أي: لا أظنك، الله أكبر! على كل حال يا إخواني، وصية ابن القيم رحمه الله ينبغي أن نجعلها نصب أعيننا، فتّش نفسك؛ هل أنت سالم؟ إن كنت سالِمًا فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ». وإن لم تكن سالِمًا فقد قال الله في الحديث نفسه: «وَمَنْ وَجَدَ سِوَى ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» والعاقل إذا لام نفسه عدَّلها، كل إنسان يُلام فسوف يُعدَّل نفسه عما يُلام به، فأنتم فتّشوا أنفسكم، انظروا في قلوبكم، انظروا في أعمالكم، انظروا في أخلاقكم، انظروا في معاملتكم مع الله، أوصي نفسي وإياكم بهذا حتى يحاسب الإنسان نفسه قبل أن تحاسَب، ويزن نفسَه قبل أن تُوزن، الله المستعان.
الطالب: فليعتنِ اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتبْ إلى الله تعالى وليستغفره كل وقت مِنْ ظَنِّه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء ومنبع كل شر.. الشيخ: ولهذا قال: كان الرسول يقول في خطبته: «نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا» «اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي وَأَلْهِمْنِي رُشْدِي» .
الطالب: ومنبع كل شر، المركِّبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التامُّ والحمد التام. الشيخ: سبحان الله. الطالب: والحكمة التامة، المنزَّهِ عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، فذاته لها الكمالُ المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك، كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حُسنى:
فَلَا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَـــنَّ سَــــــــــــــــــوْءٍ
فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلــــــَى بِالْجَمِيـــــــــــــــــــــلِ
وَلَا تَظْنُنْ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْـــــــــــرًا
وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُـــــــــــــــولِ
وَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلِّ سُــــــوءٍ
أَيُرْجَى الْخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخِيـــلِ
وَظُنَّ بِنَفْسِكَ السُّوءى تَجِدْهَا
كَذَاكَ وَخَيْرُهَا كَالْمُسْتَحِيــــلِ
وَمَا بِكَ مِنْ تُقًى فِيهَا وَخَيْــــــــرٍ
فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرَّبِّ الْجَلِيـــــــلِ
وَلَيْسَ بِهَـــــا وَلَا مِنْهَـــــــا وَلَكِــــــــنْ
مِنَ الرَّحْمَنِ فَاشْكُرْ لِلدَّلِيــــــــــلِ
الشيخ: والله أبيات جيدة، أظن معناها واضح ما حاجة..
الطالب: والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله: وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ [آل عمران: ١٥٤]، ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ [آل عمران: ١٥٤]، وقولهم: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران: ١٥٤] فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدَر، وردّ الأمر كله إلى الله، ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لَما ذُمُّوا عليه، ولما حسن الرد عليه بقوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: ١٥٤] ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر.. الشيخ: انظر، كلمة واحدة قد تكون مقبولة وقد تكون مردودة؛ لما قال المشركون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] رد الله هذه الحجة، ولما أراد تسلية محمد صلى الله عليه وسلم قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٠٧] فصارت حجَّة، هذه الكلمة الواحدة حجّة في موضع غير حجَّة في موضع. قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٠٧] ليبيِّن لنبيه أن الأمر بيد الله؛ هو الذي جعلهم يشركون ليُسلِّيَ الرسول عليه الصلاة والسلام ويرد الأمر إلى مشيئته سبحانه وتعالى، ولما قالوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا [الأنعام: ١٤٨] وقصدهم بذلك معارضة الشرع بالقدَر، والاستمرار على ما هم عليه؛ صار ذلك مردودًا غير مقبول، ولهذا قال: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا [الأنعام: ١٤٨]؛ يعني ما كذبوا بالقدَر، كذبوا بالشرع محتجّين بأيش؟ بالقدر حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا.
طالب: شيخ، بعض الناس يبغى يُعْطَى مثل يعقوب؛ صبر يعقوب على يوسف وظنه في الله؛ يعني: صبر الإنسان اللي عجز الإنسان عنها، والصبر لوجه ربه أي لوجهه العظيم لفك الله كربه، أقول: مثل الرجل هذا يتصور (...) أن الإنسان يعجز عنه، عما حصل ليعقوب مع يوسف؟ الشيخ: ذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء، ربما يُوفّق للصبر، لكن صبر الأنبياء لا يعدله صبر، أيوب ابتُلي ببلاء عظيم وصبر. طالب: شيخ، من يظن أن الله لا يغفر لفلان كما فعل بعض السلف مع المأمون قال: أظن أن الله لا يغفر له؟ الشيخ: إذا كان هذا الظن استبعادًا لرحمة الله فهذا حرام، ومِن ظن السوء؛ لأن الإنسان يجب أن يعلم أن الله بيده مقاليد كل شيء، وكم من إنسان كان عدوًّا للإسلام منابذًا للإسلام، ثم صار من أنصار الإسلام، وإن كان قصده لا يغفر الله بمقتضى الأدلة الشرعية لا باعتبار القدر فهذا لا بأس به؛ يعني معناه أنه يظن أن الله لا يغفر له ما فعل، لا أن الله لا يوفّقه للتوبة في المستقبل فيتوب. فهذا الفرق.
الطالب: (...) تبعًا لهم يسمعون منهم لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدَر الذي لم يكن بُدٌّ من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [آل عمران: ١٥٤] فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بد شاء الناس أم أبوا.
الشيخ: الله أكبر. الطالب: وما لم يشأ لم يكن شاءه الناس أم لم يشاؤوه، وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن لكم، وأنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كُتب القتل على بعضكم.. طالب آخر: (وقد كُتِب) يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، يصلح (كُتِب) و(كَتَب)، لكن (...) هذه؟ النقطة قصدك؟ الطالب: إي نعم. وقد كُتب القتل على بعضكم لخرج الذين كُتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولا بد، سواء كان لهم من الأمر شيء أو لم يكن. طالب آخر: أو بأن يا شيخ؟ الشيخ: لا، يتساهلون فيها، يجوز فيها. الطالب: أو لم يكن، وهذا من أظهر الأشياء إبطالًا لقول القدرية النُّفاة الذين يجوّزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع. (...) في سياق غزوة أحد: فصل: ثم أخبر سبحانه عن حِكمة أخرى في هذا التقدير هي ابتلاء ما في صدورهم، وهو اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، والمنافق ومن في قلبه مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه. ثم ذكر حكمة أخرى وهي تمحيص ما في قلوب المؤمنين، وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه، فإن القلوب يخالطها بغلبات الطبائع وميل النفوس وحُكم العادة وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة ما يُضادّ ما أُودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى، فلو تُركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلّص من هذه المخالطة، ولم تتمحّص منه، فاقتضت حكمة العزيز أن قيّض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عَرض له داء إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خِيف عليه منه الفساد والهلاك، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقَتل من قُتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفَرهم بعدوهم، فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. ذكر المؤلف حِكمتين من الحكم الكثيرة التي ذكرها في هذه الغزوة التي حصل فيها ما حصل على المؤمنين، وهي ابتلاء ما في الصدور؛ لأنه لا يمكن أن يتبين المؤمن من المنافق إلا بالابتلاء، وكم من إنسان كان ماشيًا جاريًا على حاله فإذا ابتُلي ببلية تبيّن إيمانه من نفاقه، فهذه من الحِكم. من الحكم أيضًا تمحيص ما في الصدور؛ يعني تخليصه وتنقيته، وذلك كما قال ابن القيم رحمه الله: إن القلوب إذا كانت في عافية استمرت على ما هي عليه، وعرض لها من الفساد ما يعرِض، فإذا مُحِّصت ونُقِّيت صارت نقية بيضاء بخلاف ما إذا لم تُصب بأذى فإنه لا يحصل بذلك التمحيص.
الطالب: ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تولّي من تولّى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم، وأنه بسبب كسبهم وذنوبهم فاستزلّهم الشيطان بتلك الأعمال حتى تولوا، فكانت أعمالهم جندًا عليهم ازداد بها عدوهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد، وجند عليه ولا بد، فللعبد كل وقت سريّة من نفسه تهزمه أو تنصره، فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتله بها، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوّه، فأعمال العبد تسوقه قسرًا إلى مقتضاها من الخير والشر، والعبد لا يشعر، أو يشعر ويتعامى، ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزلّه به. الشيخ: هذه أيضًا فيها بيان من الحِكم أن من تولّى من المؤمنين الصادقين في ذلك اليوم فإن ذلك بسبب أعمالهم التي استزلّهم الشيطان بها؛ أي: طلب زللهم حتى زلُّوا، والسيئات يتبع بعضها بعضًا كما أن الحسنات يتبع بعضها بعضًا، فقد يزلَّ الرجل الصالح بمعصية واحدة تجرُّه إلى معاصٍ أخرى، كما قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩] فتولّي الإنسان عن الحق يكون بسبب منه، أي بسبب إعراضه عن ربه.
الطالب: ثم أخبر سبحانه أنه عفا عنهم؛ لأن هذا الفرار لم يكن عن نِفاق ولا شكّ، وإنما كان عارضًا عفا الله عنه، فعادت شجاعة الإيمان وثباته إلى مركزها ونصابها، ثم كرَّر عليهم سبحانه أن هذا الذي أصابهم إنما أُتوا فيه من قِبل أنفسهم وبسبب أعمالهم فقال: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير [آل عمران: ١٦٥] وذكر هذا.. الشيخ: هؤلاء قالوا لما حصل ما حصل في غزوة أُحُد قالوا: أنّى هذا؟! يعني كيف نُهزم ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن جند الحق وأولئك أولياء الشيطان فهزمونا؟! قال الله تعالى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا. قال الله تعالى: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: ١٦٥]. وفي قوله: قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا [آل عمران: ١٦٥] تسلية ظاهرة لهم حيث إنهم يكونون هم الذين ربحوا؛ لأنهم أصابوا مِثليها، ففي غزوة بدر كان الذين قُتلوا من المشركين سبعين، والذين أُسروا سبعين، وفي غزوة أُحُد كان الذين استشهدوا من الصحابة سبعين رجلًا، فأولئك قُتل منهم سبعون وأُسر سبعون، هذه مئة وأربعون، وهؤلاء إنما استُشهد منهم سبعون فقط، ومع ذلك قال: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٥٢]. يقال في الصحيح: أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو مستظلٌّ في ظلِّ الكعبة فقال له: إن عثمان -هو يريد أن يسب عثمان رضي الله عنه؛ أن يغتاب عثمان، قال له: إن عثمان- تخلّف في بدر، وفرّ في أُحُد، ولم يبايع بيعة الرضوان. شوف كيف ها الخوارج يأتون بالمتشابه؟ كل مبطل كل مبتدع يأتي بالمتشابه، فقال له ابن عمر رضي الله عنه قال له: أمَّا تخلُّفه في بدر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج لقتال، وإنما خرج للعير، فطلب منه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتخلَّف من أجل أن يُمرِّض ابنته -أي: ابنة الرسول التي هي زوج عثمان رضي الله عنه- إذن تخلَّف بأمر الرسول ومع ذلك لم يكن الخروج لغزوة، وأما فراره في أُحُد فإن الله تعالى قال فيه وفي غيره:وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ، وإذا عفا فكأن شيئًا لم يكن، وأما أنه لم يبايع بيعة الرضوان فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قريش ليفاوضهم، ولما حصلت البيعة قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة: «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ». طلبة: الله أكبر!
الشيخ: فبايع النبي عليه الصلاة والسلام بيده الكريمة عن عثمان، فكانت يد الرسول صلى الله عليه وسلم لعثمان خير من يد عثمان لعثمان، ثم قال: ارْجِعْ بِهَا إِلَى قَوْمِكَ، يعني كأنه فهم أن أحدًا مرسله، قال: ارْجِعْ بِهَا إِلَى قَوْمِكَ . وهكذا يجب على كل إنسان أن يُدافع عن أخيه المؤمن متى وجد لذلك مدفعًا، وأن يحذر من كيد أهل الشر؛ لأن أهل الشر الذين في قلوبهم زيْغ يتبعون المتشابه ليشبّهوا به على الناس. طالب: شيخ، هنا جاء بالآية ووضع: قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا [آل عمران: ١٦٥] حط علامة استفهام، ثم قال: قُلْحط نقطتين، مثل الاصطلاحات الإملائية هل هذا يجوز في القرآن؟ الشيخ: أولًا -بارك الله فيك- أن هذه الآية لم تُسق من أجل التلاوة، إنما هو من أجل الاستشهاد، ولهذا ليس من السنة أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم عند تلاوة الآيات للاستشهاد، كما جرى ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام عدة مرات، ويستشهد بالآيات القرآنية ولا يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنه لم يقصد التلاوة. وثانيًا: أن مسألة كتابة القرآن بمقتضى القواعد المعاصرة والخروج عن خط عثمان رضي الله عنه فيه للعلماء ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه ممنوع أن يُكتب شيء من القرآن بغير الرسم العثماني. عرفت؟ الطالب: نعم. الشيخ: القول الثاني: إنه جائز مطلقًا؛ لأن الرسم العثماني لم يُتعبَّد به، بدليل أنه لو قُدّر أن هناك رسمًا آخر سوى هذا لرُسم به المصحف في الزمن الأول؛ فالرسم ليس متعبّدًا به؛ أي شكل الحروف والكلمات ليس متعبدًا به، ودليل ذلك ما قلت: إنه لو كان الرسم في ذلك الوقت على غير هذه الصفة لرُسم المصحف به؛ ولهذا أجمع العلماء على جواز تنقيط الحروف وإعرابها وتشكيلها، مع أنه فيما سبق ليس فيه نقط وليس فيه حركات. والقول الثالث: التفصيل بأنه إذا كُتب لمتعلِّم فليُكتب على حسب القواعد المألوفة عنده من أجل أن لا يغير، وإن كُتب لعالم فيُكتب على قواعد المصحف العثماني؛ لأن مثلًا لو كتبناه على قواعد الرسم العثماني لمتعلِّم لقرأ الزكاة: (الزكوة)، ولقرأ الصلاة؟ طلبة: (الصلوة). الشيخ: الربا: (الربوا) وهكذا؛ فالمتعلِّم يُكتب له بحسب القاعدة التي يعرفها حتى لا يُغيِّر في القرآن، هذا القول وسط بين القولين، وعندي أنه من حيث النظر أن القول بالجواز مطلقًا أصح، لكن القول الوسط فيه نوع من احترام آراء العلماء رحمهم الله، وفيه تحصيل المقصود؛ فالطابِع هنا كأنه لما لم يكن المقصود بذلك التلاوة إنما هو الاستشهاد كتبها على نحو تقدير اللغة.