تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة آل عمران - ٣٦

درس صوتي · ٩١:٥٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الشيخ: أما الجملة الثالثة وهي: (اعلُ هبل) فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يبادروا بجوابهم فيقولوا: «اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَل»؛ وذلك لأن هذا ينافي التوحيد حيث افتخر بآلهته التي يعبدها من دون الله، وهذا أمر لا يمكن السكوت عليه، أما مسألة محمد وأبي بكر وعمر فهي قد تكون مسألة شخصية لهم الحق في أن لا يجيبوه أو أن يجيبوه، لكن (اعلُ هبل) هذا حق لله لا يمكن السكوت عليه. ولما حصلت المحاورة بينهم قال: (لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال: «أَلَا تُجِيبُوهُ وَتَقُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ؟»، فقال: يوم بيوم بدر والحرب سِجال) ؛ يعني أننا شفينا أنفسنا منكم كما شفيتم أنفسكم في بدر. و(الحرب سجال) يعني مرة كذا ومرة كذا، فقالوا: (لا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) أنتم قُتِل منكم في بدر، ونحن قُتِل منا في أُحُد، لكن لا سواء بين القتلى؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وهكذا الإيمان، هكذا الإيمان؛ يجد الإنسان في نفسه عزة وكرامة لما يرجوه من الثواب والأجر، ولهذا قال الله عز وجل مشيرًا إلى هذا: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِأي: في طلبهم إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَإذا جرحكم العدو فتألَّمتم فأنتم إذا جرحتم العدو تألَّم، ولكن وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ [النساء: ١٠٤] فرق بين هذا وهذا، هم لا يرجون شيئًا والعياذ بالله، لكن أنتم ترجون منازل الشهداء إذا قُتلتم في سبيل الله. طالب: رماة الرسول صلى الله عليه وسلم ينزلون وأكد عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم الثبوت. الشيخ: أيش؟ الطالب: رماة الرسول صلى الله عليه وسلم اللي أمرهم وأكّد عليهم بالثبوت هم نزلوا بعد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم، يحتاج إلى توبة؟ الشيخ: إي نعم، هم استحقوا للذنب أو للعقوبة؛ لأن الله تعالى قال: وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران: ١٥٢] والعفو لا يكون إلا عن ذنب. (...) أو للجيش، ما هو بيقين أنهم يجمعونها لأنفسهم، فإن كان ذلك فهذا قبل أن يتولى الله قسمتها التي في الأنفال؛ تولى الله قسمتها: قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [الأنفال: ١] ثم قسمها.


الطالب: ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فأجابه عمر فقال: لا سواء؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . وقال ابن عباس: ما نُصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في موطن نصرَه يوم أُحُد. فأُنكر ذلك عليه.. الشيخ: (...) عمر رضي الله عنه من أجل قطع النقاش، وإلا ففرق بين يوم أُحُد وبين يوم بدر؛ لأن يوم بدر كان الغالبون؟ طلبة: مسلمين. الشيخ: لا، غير مسلمين، عددهم قليل، ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، والكفار ما بين تسع مئة إلى ألف، لكن في أُحُد الغالبون أكثر؛ لأن المشركين -كما رأيتم- ثلاثة آلاف، وأما المسلمون فكانوا سبع مئة أو نحوه، ففرق، لكن عمر ترك هذا النقاش: نحن أكثر وأنتم أكثر، فقال شيئًا لا نزاع فيه: «قتْلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»، وهذا من أدب المناظرة، وقد أشرنا إليه عند قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة: ٢٥٨].


الطالب: وقال ابن عباس: ما نُصِر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في موطنٍ نَصْرَه يوم أُحُدٍ، فَأُنكِرَ ذلك عليه، فقال: بيني وبين من يُنكر كتاب الله؛ إن الله يقول: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] قال ابن عباس: والْحَسُّ: القتل، ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه أول النهار حتى قُتِل من أصحاب المشركين سبعة أو تسعة، وذكر الحديث . وأنزل الله عليهم النعاس أمنة منه في غزاة بدر وأحد، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليل على الأمن وهو من الله، وفي الصلاة ومجالس الذكر والعلم من الشيطان. وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بِيض كأشدِّ القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد .

وفي صحيح مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم أُفرد يوم أُحُد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» أو: «هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟». فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل، ثم رهقوه فقال: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» أو: «هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟». فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِل، فلم يزل كذلك حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا» . وهذا يُروى على وجهين: بسكون الفاء ونصب "أصحابنا" على المفعولية، وفتح الفاء ورفع "أصحابنا" على الفاعلية، ووجه النصب أن الأنصار لما خرجوا للقتال واحدًا بعد واحد حتى قُتِلوا ولم يخرج القرشيان قال ذلك؛ أي: ما أنصفت قريش الأنصار، ووجه الرفع أن يكون المراد بالأصحاب الذين فرُّوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أُفرِد في النفر القليل فقُتِلوا واحدًا بعد واحد، فلم ينصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثبت معه. الشيخ: «ما أنصفَنا»، و«ما أنصفْنا»، الفرق؟ طالب: أول شيء «ما أنصفَنا» وما.. الشيخ: «ما أنصفَنا أصحابُنا»؟ الطالب: يعني الأنصار ما أنصفوه. الشيخ: ما أنصفوه وهم قُتِل منهم سبعة؟! الطالب: (...) يا شيخ. الشيخ: كيف؟! الطالب: يعني: ماتوا كلهم وما أنصفوا الرسول. طالب آخر: «ما أنصفَنا» (نا) مفعول، وفي «أنصفْنا» (نا) فاعل. الشيخ: «ما أنصفْنا». الطالب: إي فاعل؛ يعني «ما أنصفْنا». الشيخ: نحن ما أنصفْنا أصحابَنا، لكن «ما أنصفَنا أصحابُنا»؟

الطالب: إي، (أصحابُنا) فاعل، و(نا) مفعول. الشيخ: من المراد بالأصحاب على الوجهين؟ الطالب: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. الشيخ: على الوجهين؟ الطالب: لا، على يعني، هو بطريق الفاعلية إذا كانت فاعلًا. طالب آخر: على قول: «ما أنصفْنا» بسكون الفاء «ما أنصفْنا»، الأنصار مع أصحابنا، يعني ما أنصفناه؛ يعني: ما أنصفت قريش الأنصار. الشيخ: ما أنصفنا نحن الأنصار، وقريش اللي معه (...) قرشيان. الطالب: وعلى الفتح «ما أنصفَنا أصحابُنا» برفع (أصحاب) يعني نفس الأصحاب ما أنصفونا نحن. الشيخ: من هم الأصحاب؟ الطالب: الأصحاب الذين قُتِلوا السبعة. الشيخ: لا، أنصفوا جزاهم الله خيرًا. طالب: شيخ، الذين تركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من ذلك قتل الأنصار. الشيخ: يعني اللي فروا؟ الطالب: نعم. الشيخ: الذين فروا، زين، إن قلنا: إن كانت الرواية: «ما أنصفَنا أصحابُنا» يعني: أن أصحابنا الذين فروا حتى لم يبقَ إلا هؤلاء ما أنصفوا، وإن كان «ما أنصفْنا أصحابَنا» فالمعنى أن أصحابنا الأنصار السبعة الذين قتلوا ما أنصفناهم؛ لأن جعلناهم هم الذين يقتلون والقرشيان باقيان.


الطالب: وفي صحيح ابن حبان عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أُحُد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكنت أول من فاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت بين يديه رجلًا يقاتل عنه ويحميه، قلت: كُنْ طلحةَ فِداك أبي وأمي، كُنْ طلحةَ فداك أبي وأمي. فلم أَنْشَبْ أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح. الشيخ: (لم أَنْشَب) يعني: لم أَلْبَثْ.


الطالب: فلم أنْشَبْ أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا طلحة بين يديه صريعًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دُونَكُمْ أَخَاكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ». وقد رُمي النبي صلى الله عليه وسلم في جبينه -وروي: في وجنته- حتى غابت حلقة من حلق الْمِغْفَر في وجنته، فذهبتُ لأنزعها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني. قال: فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه فجعل يُنَضْنِضُه كراهة أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استلَّ السهم بفيه، فندرت ثنيةُ أبي عبيدة. قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني. قال: فجعل يُنَضْنِضُه حتى استلَّه، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دُونَكُمْ أَخَاكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ». قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه وقد أصابته بضعة عشر ضربة . وفي مغازي الأموي أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: «اجْنُبْهُمْ» -يقول: ارْدُدْهم- فقال: كيف أجنبهم وحدي؟ فقال ذلك ثلاثًا، فأخذ سعد سهمًا من كنانته فرمى به رجلًا فقتله، قال: ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر فقتلتُه، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلتُه، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي. فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه . وفي الصحيحين عن أبي حازم أنه سُئل عن جُرْح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله إني لَأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كان يسكب الماء، وبما دُووِي؛ كانت فاطمة ابنته تغسله، وعلي بن أبي طالب يسكب الماء بالمجنِّ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها، فاستمسك الدم . وفي الصحيح: أنه كُسِرت رباعيته، وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: «كيف يُفلح قوم شجُّوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم» فأنزل الله عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] . ولما انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر وقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم، فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس: واهًا لريح الجنة يا سعد؛ إني أجده دون أُحُد. ثم مضى فقاتل القوم حتى قُتِل، فما عُرِف حتى عرفته أخته ببنانه وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم .

وانهزم المشركون أول النهار -كما تقدم- فصرخ فيهم إبليس: أي عباد الله، أخزاكم الله فارجعوا من الهزيمة فاجتلدوا . ونظر حذيفة إلى أبيه والمسلمون يريدون قتله وهم يظنونه من المشركين فقال: أي عباد الله، أبي. فلم يفهموا قوله حتى قتلوه، فقال: يغفر الله لكم. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَدِيَهُ، فقال: قد تصدقت بديته على المسلمين. فزاد ذلك حذيفة خيرًا عند النبي صلى الله عليه وسلم . وقال زيد بن ثابت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد أطلب سعد بن الربيع فقال: «إِنْ رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟». قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو بآخر رمق وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم، فقلت: يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول لك: «أَخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ؟». فقال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، قل له: يا رسول الله، أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عُذر لكم عند الله إن خُلِص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف. وفاضت نفسه من وقته .

ومرَّ رجل من المهاجرين برجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه فقال: يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قُتِل فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم. فنزل: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤] .

وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم.. الشيخ: هذه الكلمة مع أنه محتضَر: إذا كان محمد رسول الله قد قُتِل فلنقاتل عن ديننا، محمد بَشَرٌ قد مات وراح، ونحن مأمورون بالقتال دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لإقامة دينه، فإذا قُتِل فليكن قتالنا لديننا، ولهذا قال: «فقاتلوا عن دينكم». وهكذا يجب على كل مؤمن أن يكون قتاله عن دينه، وأما القتال عن الوطن من أجل أنه وطن فقط؛ من أجل ترابه وحبَّات رمله وأحجار جباله، فهذا ليس بنيَّةٍ سليمة، اللهم إلا إذا نوى أنه يقاتل عن البلد؛ بلده؛ لأنه بلد إسلامي فيقاتل عن البلد من أجل إسلامه كما يقاتل عن الرجل من أجل إسلامه فهذا لا بأس به، لكن خيرٌ من ذلك وأكملُ أن يكون القتال عن الدين والإسلام لتكون كلمة الله هي العليا، وأن يشعر الإنسان أنه سواء كان القتال في بلده أو بلد آخر كله سواء ما دام القتال عن الدين، فلا فرق بين أن تكون في الجزيرة العربية أو في العراق أو في الشام أو في أفغانستان أو في فلسطين أو في أي مكان، ولذلك نجد أن الذين يقاتلون عن البلاد فقط تجدهم يقاتلون عن البلاد حميَّةً وتقديسًا للأماكن، ولكن قلوبهم خاربة، خاربة من الإيمان؛ الآن العرب الذين يطنطنون بالقتال عن فلسطين لو رجعت إلى قلوب بعضهم لوجدتها خالية من الإيمان نهائيًّا، بل لوجدت بعضهم ينكرون الخالق ويسخرون بالمصلين، لكن يقولون هذا إما سياسة وإما من أجل احترام الأماكن دون احترام من أمر باحترام الأماكن، نسأل الله العافية، وهذه مسألة يجب أن نلاحظها؛ مسألة النية أمرها هام جدًّا. اللهم ارضَ عنهم أجمعين. طالب: (...) يا شيخ، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «دُونَكُمْ أَخَاكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ»، أوجب معناها؟ الشيخ: نعم، أوجب بمعنى مات، أو أوجب بعمله أن تكون له الجنة؛ يعني يحتمل أن معناه أوجب؛ أي: مات، أو أوجب أي: حصل ما وجب له، أو أدرك ما وجب له وهو الجنة؛ لأنه قُتل شهيدًا. طالب: قوله -بارك الله فيك- قول إبليس عندما قال: ويلكم يا عباد الله ارجعوا، أو شيء من هذا؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: عايز توضيح. الشيخ: وين؟ الطالب: حينما قال إبليس. طالب آخر: (...). طلبة: أخزاكم الله فارجعوا من الهزيمة. طالب: انهزم المشركون. الشيخ: إي نعم (...) أن إبليس صرخ في المشركين يحثهم على القتال يقول: «ارجعوا من الهزيمة فاجتلدوا» يعني قاتلوا. طالب: قوله: يا عباد الله، يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، ما فيها إشكال: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣] كل الناس عباد الله.


الطالب: وقال عبد الله بن عمرو بن حرام: رأيت في النوم قبل أُحُد مُبَشِّرَ بن عبد المنذر يقول لي: أنت قادم علينا في أيام. فقلت: وأين أنت؟ فقال: في الجنة نسرح فيها كيف نشاء. قلت له: ألم تُقتل يوم بدر؟ قال: بلى، ثم أُحييتُ. فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هَذِهِ الشَّهَادَةُ يَا أَبَا جَابِرٍ» . وقال خيثمة أبو سعد -وكان ابنُه استُشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر-: لقد أخطأتني وقعة بدر، وكنت واللهِ عليها حريصًا حتى ساهمتُ ابني في الخروج فخرج سهمه فرُزِق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول: الحقْ بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقًّا. وقد واللهِ يا رسول الله أصبحت مشتاقًا إلى مرافقته في الجنة، وقد كبِرتْ سني، ورقَّ عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادعُ الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقُتِل بأُحُد شهيدًا . الشيخ: الله أكبر. الطالب: وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهم إني أُقسم عليك أن ألقى العدو غدًا فيقتلوني، ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني فيمَ ذلك؟ فأقول: فيك .

وكان عمرو بن الجموح.. الشيخ: (فأقول: فيك) يعني أني أُصِبتُ فيك هذه الإصابة، وهذا معناه يدل على أنه رضي الله عنه يتحمل هذا التمثيل وهذا التعذيب من أجل الله سبحانه وتعالى مما يدل على رغبته في الشهادة، وإلا فيكفي أن يقول الإنسان: اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك، كما قال عمر رضي الله عنه ويكفي، دون أن يفصِّل بهذا التمثيل. طالب: شيخ، أحسن الله إليك (...).


الطالب: وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا، فلما توجه إلى أُحُد أراد أن يتوجه معه، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدتَ ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بنيَّ هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك، وواللهِ إني لأرجو أن أُستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ». وقال لبنيه: «وَمَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ». فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتِل يوم أُحُد شهيدًا . وانتهى أنس بن النضر إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يُجلسكم؟ فقالوا: قُتِل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: فما تصنعون بالحياة بعده؟! فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القومَ فقاتل حتى قُتِل .

وأقبل أُبيُّ بن خلف عدو الله وهو مقنَّع في الحديد يقول: لا نجوتُ إن نجا محمد. وكان حلف بمكة أن يقتل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبله مصعبُ بن عمير فقُتِل مصعب، وأبصرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أُبيِّ بن خلف من فُرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه بحربته فوقع عن فرسه، فاحتمله أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا: ما أجزعك، إنما هو خدش، إنما هو خدش! فذكر لهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . فمات برابغ. الشيخ: سبق أنه وجد من هذا الجرح ألَمًا عظيمًا حتى إنه لو أصاب أهل ذي المجاز لماتوا. الله أكبر!


الطالب: قال ابن عمر: إني لأسير ببطن رابغ بعد هوِيٍّ من الليل إذا نار تأجج لي، فيمَّمتُها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح: العطش. وإذا رجل يقول: لا تسقه؛ هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ هذا أُبيُّ بن خلف .

وقال نافع بن جبير: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدتُ أُحُدًا، فنظرت إلى النَّبْل يأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها، كل ذلك يُصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذٍ: دُلُّوني على محمد، لا نجوتُ إن نجا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: واللهِ ما رأيته، أحلف بالله إنه منَّا ممنوع؛ فخرجنا أربعةً فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك .

ولما مصَّ مالكٌ أبو أبي سعيد الخدري جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنقاه قال له: «مُجَّهُ». قال: واللهِ لا أمجه أبدًا. ثم أدبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» . الشيخ: هذا الحديث يقولون: إنه منقطع، والمنقطع من أقسام الضعيف، والإنسان قد يستبعد أن يقول الرسول: «مُجَّهُ» ثم يقول: لا أمجه أبدًا، اللهم إلا أن يكون قد فهم من الرسول عليه الصلاة والسلام فهمًا آخر وهو أن الأمر ليس للإلزام، فهذا ربما يقع منه. طالب: خوار الثور صوت البقر؟ الشيخ: نعم، صوت البقر، نعم. طالب: شيخ (...).


الطالب: قال الزهري وعاصم بن عمر ومحمد بن يحيى بن حبان وغيرهم: كان يوم أُحُد يوم بلاء وتمحيص اختبر الله عز وجل به المؤمنين وأظهر به المنافقين ممن كان يُظهر الإسلام بلسانه وهو مستخفٍ بالكفر، فأكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران أولها: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ [آل عمران: ١٢١] إلى آخر القصة .

الشيخ: أحسنت.


الطالب: (...) نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل فيما اشتملت عليه هذه الغزاة من الأحكام والفقه. الشيخ: يعني غزاة أُحُد.


الطالب: منها: أن الجهاد يلزم بالشروع فيه، حتى إن من لبس لأمته وشرع في أسبابه وتأهَّب للخروج ليس له أن يرجع عن الخروج حتى يقاتل عدوه. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه لا يلزم الجهاد بالخروج إليه أو الشروع فيه إلا عند التقاء الصفين؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ [الأنفال: ١٥]، وأن كون الإنسان إذا استعد ولبس لباس الحرب فإنه لا يرجع إنما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما سبق: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ أَنْ يَخْلَعَهَا أَوْ يَدَعَهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وهذا هو المشهور من المذهب. ولكن ما ذهب إليه ابن القيم له وجه قوي، ووجهه أنه إذا كان الحج يلزم بالشروع فيه وهو الجهاد الأصغر فالجهاد الأكبر من باب أولى، ولأن الناس لو تأهَّبوا وتجهَّزوا ثم رجعوا فإنه يكون في ذلك إذلال لهم وإعزاز للعدو وبثٌّ لروح الحياة لعدوهم؛ لأنهم إذا علموا أنهم بعد أن تأهَّبوا وخرجوا ولبسوا الدروع وسنُّوا السيوف تراجعوا تقوى شوكة العدو فيكون في هذا مفسدة، فما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أظهر وأصح مما ذهب إليه كثير من الفقهاء.


الطالب: ومنها: أنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه، بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على عدوهم، كما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم يوم أُحُد. الشيخ: واضح هذا؟ لأن هذا كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي الأشياخ من الصحابة، ولكن الذين أشاروا بالخروج هم الشباب الذين لم يشهدوا بدرًا، فأحبوا أن يقاتلوا لأنهم لم يشهدوا بدرًا، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف صحيح: أنه يجوز أن نبقى في ديارنا حتى نقاتل العدو في وسط البلد. لكن لدينا قاعدة مطردة ثابتة وهي أن الشيء الجائز قد يكون حرامًا في بعض الأحيان وقد يكون واجبًا؛ فإذا كان في بقائنا في البلد إذلال لنا وتعسُّر للقتال في الشوارع، وأن البروز حول البلد وجعل البلد محوطة بدرع بشري أقوى فإنه في هذه الحال أيش؟ يجب الخروج، لكن عند التساوي يمكن أن يقال كما قال ابن القيم رحمه الله بالجواز وكما دل عليه الحديث، أما إذا كان في ذلك ضرر فإننا لا نبقى؛ لأنه قد يكون من المصلحة أن نخرج ونحمي البلد من الخارج ويكون من المضرة أننا نبقى، فإذا دخل العدو البلد لم نتمكن من إخراجه منها، لا سيما وأن أساليب الحرب وأسلحة الحرب قد اختلفت عن ذي قبل، اختلفت اختلافًا عظيمًا الآن. طالب: يا شيخ، الآن إذا الإنسان قطع تذكرة وربط أحزمة شنطه وتأهَّب للخروج، فهل نقول له بناء على هذا القول: إنه ما يجوز أنه يرجع؟ الشيخ: لا، قد نقول: هذا فرد، ما يضر أن يرجع، ليس إمامًا قائدًا كالرسول عليه الصلاة والسلام، هذا إذا رجع ما يضر، لا سيما إذا كان الناس ما تأهبوا ولا خرج إلا هو، ما أراد أن يخرج إلا هذا الرجل في جهة بعيدة. الطالب: شيخ، لو وصل إلى بلد (...)؟ الشيخ: لا، حتى لو وصل ما دام أنه فرد واحد، فالفرد الواحد ليس كالأمة؛ يعني لو تأخر فالجهاد باقٍ وقائم، إنما إذا التقى الصفان فلا يجوز الرجوع ولو لواحد. طالب: كيف يا شيخ الرد على استدلالهم بالآية حين قالوا: إنه يجب الجهاد بالخروج بالالتحام؟ الشيخ: استدلوا بالحديث، وقالوا: إن الحديث أفاد معنى زائدًا على ما دلت عليه الآية. الطالب: أي حديث يا شيخ؟ الشيخ: أن الرسول قال: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ» . الطالب: قال: «لِنَبِيٍّ». الشيخ: إي نعم، هم يقولون: الأصل فيه الأسوة. الطالب: والضابط في التجهُّز الآن، الآن ما فيه التقاء في الصفوف مباشر للجيوش. الشيخ: نعم؟ الطالب: الآن يعني ليس هناك التقاء مباشر بين الجيوش في الصفوف. الشيخ: لا، فيه التقاء، وفيه شيء ما فيه التقاء، يعني مثلًا إذا ذهبنا للطائرات مثلًا، ولْنَقُل: إنه حرب طائرات، ذهبنا للطائرات وصلَّحناها وأعددناها وجعلنا فيها وقودها وكل ما يتعلق بها، هذا استعداد. الطالب: يعني أقصد الجيش يكون يعني في رباط مستمر؛ ممكن القتال يبدأ في لحظة غير زمان يعني. الشيخ: نعم. الطالب: فمثلًا لو الإمام نوى الضرب مثلًا قلنا: يرجع للنية، ثم تراءى له الرجوع مثلًا لمصلحة، فكيف الضابط هنا؟ الشيخ: هو -بارك الله فيك- الجهاد نوعان: جهاد دفاع، وجهاد هجوم مهاجمة؛ طبعًا جهاد الدفاع له أن يرجع حتى يأتيه من يهاجمه، لكن جهاد الهجوم -كما هو يعني شأن المسلمين بالنسبة لأعدائهم- هذا إذا تجهَّزوا وكان العدو عنده استعداد لهذا الشيء ومتجهِّز لا شك أنه ضرر إذا تأخر.


الطالب: ومنها: جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف ذلك طريقه وإن لم يرضَ المالك. الشيخ: (جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف طريقه وإن لم يرضَ المالك)، وذلك لأن هذا مصلحة عامة، والملْك لا يتضرر بمرور الناس عليه، فإن تضرر فهذا هو الذي يُنظر؛ هل نقول: إنه إذا تضرر الملْك مثل أن يكون فيه أشجار ضعيفة وحشائش إذا وطئها الجيش بأقدامهم فإنه تضرر فحينئذٍ قد نقول: إنهم لا يجوز لهم سلوكه إلا عند الضرورة، أما إذا كانت أرضًا بيضاء أو كانت أشجارًا قوية لا تتأثر بالمرور من تحتها كالنخيل فإن هذا لا يشترط رضاء المالك؛ لأن سيرهم في هذا مصلحة عامة بدون ضرر على المالك خاصة. طالب: (...) قصة الأعمى؟ الشيخ: إي، الرجل الأعمى الذي قال: أنا لا أرضى لا أرضى، وجعل يحثو التراب عليهم.


الطالب: ومنها: أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين، بل يردُّهم إذا خرجوا كما ردَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابنَ عمر ومن معه. الشيخ: وقد سبق لنا أن ردَّهم لعدم البلوغ أو ردَّهم لعدم الإطاقة، وبينَّا أنه ردَّهم لهذا وهذا، وأنه لو وُجد من يطيق ولكنه لم يبلغ سن الخمس عشرة؛ فإن الظاهر أنه إذا استأذن فإنه يُؤذن له؛ لأن من الناس من يكون نموه جيدًا فيكون في مبلغ الرجال وإن لم يبلُغ. طالب: إذا كان أمير الجيش أخذ سلاحًا ناريًّا في وقت الحرب ولو لم يكن مالكه راضيًا بأخذ السلاح يجوز ولَّا لا؟ الشيخ: نعم، إذا دعت الضرورة، إذا دعت الضرورة يجوز أن يأخذ من رعيته؛ لأن رعيته يجب عليهم الجهاد في هذه الحال، بخلاف قصة صفوان بن أمية؛ لأن صفوان بن أمية إذ ذاك كان مشركًا لا يلزمه أن يجاهد مع المسلمين، ولهذا لما قال: أغصبًا يا محمد أم عاريَّة؟ قال: «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ» .


الطالب: ومنها: جواز الغزو بالنساء والاستعانة بهن في الجهاد. الشيخ: نعم، هذا نأخذه من قصة فاطمة وغيرها؛ فإنه في أُحُد غزت النساء مع النبي صلى الله عليه وسلم لمداواة الجرحى ونحو ذلك لا للقتال؛ فإن المرأة ليس عليها قتال لقول عائشة رضي الله عنها: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: هل على النساء جهاد؟ قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» ، ولأن المرأة لا يؤمَن فرارها فيكون في ذلك مضرة على الجيش، ولأن النساء ربما يغرين العدو لأنه يستضعفهن ويطمع فيهن فيزداد حنَقًا وإقدامًا، أما اصطحابهن من أجل المساعدة فيما يمكن أن يقمن به فهذا لا بأس به، وهو أيضًا كما قلت لكم من باب المباح، والمباح إذا تضمن ضررًا صار محرمًا.


الطالب: ومنها: جواز الانغماس في العدو كما انغمس أنس بن النضر وغيره. الشيخ: إي نعم، جواز الانغماس في العدو جائز، لكنه ليس بواجب، كما فعل أنس بن النضر حيث داهم المشركين وقاتلهم وقُتِل رضي الله عنه، وكما فعل البراء بن مالك في غزوة اليمامة؛ فإنه رضي الله عنه طلب منهم أن يُلقوه من وراء السور ليفتح لهم الباب على مسيلمة الكذاب، وكان رجلًا شجاعًا قويًّا، فرموه من وراء السور حتى فتح لهم الباب فدخلوا . وأما انتحار الإنسان في القتال فإن هذا حرام، والمنتحر قاتلٌ نفسَه، يُعذَّب في جهنم بما انتحر به سواء كان سيفًا أو سكينًا أو رصاصة أو غير ذلك؛ لأنه لا يحلُّ له أن ينتحر مثل بعض المتهوِّرين الذين يملؤون أجسادهم من المتفجِّرات ثم يركض حتى يدخل في العدو، فهذا سيقتل أول ما يقتل نفسَه، ثم قد يقتل من العدو كثيرًا أو قليلًا، الله أعلم، فهذا لا يجوز. فإن قال قائل: ما تقولون في قصة الغلام الذي دعاه الملك وأنكر عليه أن يعبد غيره، وأمر أن يُذهب به إلى أعلى شاهق وإلى البحر، ولكن الله تعالى ينجِّيه منه ويأتي إلى الملك سالِمًا، فقال للملك ذات يوم: إن كنتَ تريد قتلي فاجمع الناس، اجمع الناس كلهم، وخُذ سهمًا من كنانتي وضعه في كبد القوس، ثم ارمني به وقل: باسم ربِّ الغلام، فإنك حينئذٍ تقدر على قتلي. ففعل الرجل، الملك فعل هذا، جمع الناس وفعل ما أوصى به الغلام وقتله، فأصبح الناس يقولون: الربُّ ربُّ الغلام، وأسلموا. فهذا الرجل أعان على قتل نفسه ودلَّ على قتل نفسه، ومع هذا فهو محمود، فهو محمود عند الله وشهيد. فالجواب عن هذا أن نقول: إن هذا الرجل استفاد من قتل نفسِه ما يُقاتل الناس من أجله؛ وهو الإسلام، فالمجاهدون في سبيل الله يقاتلون من أجل الإسلام، وهذا حصل، فإذا فُرض أن الإنسان يترتب على قتل نفسه إسلام طائفة من الناس، طائفة كبيرة، أمَّة يقودها هذا الأمير أو هذا الملك، فإن هذا لا بأس به، ولا حرج أن يفعل ما يكون به موته من أجل إسلام فئام من الناس. طالب: شيخ، أقول يا شيخ: ذكر بعض الفقهاء من القدماء أن النساء التي يجاز لها يعني أن (...) في الجهاد أن تكون كبيرة في السن مع أمن الفتنة (...). الشيخ: على كل حال هذا قد يكون يقال فيه نظر، إنما المدار على أمن الفتنة الصحيح، يعني جعل المدار على أمن الفتنة صحيح، وأما الصغر فكانت فاطمة صغيرة في غزوة أحد. طالب: ألا يقال: إن حديث الغلام شرع من كان قبلنا؟ الشيخ: بلى يقال، لكن إذا لم يرد شرعنا بخلافه فلا بأس به؛ يعني يُعمل به. طالب: جزاكم الله خيرًا، بعضهم يا شيخ يأتي بالسيارة له فيملؤها بالملغمات والقنابل ثم يهجم على معسكر للعدو. الشيخ: على أيش؟ الطالب: على معسكر للعدو، ثم يقول: إنني أحاول أن أنجو، فإن استطعت فذاك، وإلا فقد قُتلتُ؟ الشيخ: ويش الغالب؟ الطالب: الغالب أنه يُقتل، ما ينجو. الشيخ: الغالب أنه يقتل نفسه؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: إي نعم. الطالب: طيب يا شيخ؛ لأن فيه احتمال يمكن أن ينجو، مثل الرجل الذي أُلقي من فوق السور، ألقي بين الأعداء وقُتل، ما يقال هذا مثله؟ الشيخ: لا، ما يقال مثله. الطالب: لأنه فيه احتمال أن ينجو. الشيخ: لا، احتمال ضعيف جدًّا، سيارة فيها متفجرات، لو نجا من متفجرات السيارة ما نجا من العدو وهو الداخل بينهم. الطالب: أليس هذا مثل الصحابي يا شيخ الذي أُلقي من فوق السور؟ الشيخ: لا، ما هو مثله. الطالب: لأنه (...). الشيخ: لا، ليس مثله، هذا يعني تكاد تقول مئة بالمئة: إنه سيقتل، أما ذاك فهو رجل جلد نشيط كبير مثل الجمل، أي واحد عنده (…) هناك. الطالب: وإذا كان يأمل أنه فيه.. الشيخ: إذا فيه احتمال لا بأس، إذا فيه احتمال النجاة، وقوي الاحتمال هذا فلا بأس.


الطالب: ومنها: أن الإمام إذا أصابته جراحة صلَّى بهم قاعدًا وصلوا وراءه قعودًا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة، واستمرَّت على ذلك سُنَّته إلى حين وفاته. الشيخ: نعم، هذا مر علينا عن قُرب بأن الإمام إذا صلى قاعدًا فالمشروع في حق المأمومين أن يصلوا قعودًا، إما وجوبًا وإما استحبابًا على خلاف في هذا. طالب: شيخ، بنقول: في قصة الغلام علَّقنا الجواز على المصلحة. الشيخ: نعم. الطالب: طيب أحيانًا يكون في القتال فيه مصلحة يراها القائد؛ يعني إن هو مثلًا يحتاج فتح ثغرة يمكن ينبني عليه انتصار للجيش كله؟ الشيخ: نعم، لكن هذا الفتح لا يلزم منه الإسلام، أما هذا فهو يلزم منه الإسلام؛ لأنهم عرفوا بُطلان ألوهية هذا الملك وأن الرب حقيقة رب الغلام. الطالب: لكن لا يقاس عليه يعني؟ الشيخ: لا، ما يصح القياس، ما يسمى قياسًا، هذا غاية ما هناك يقتل أمَّةً أو يفتحون مثلًا بلدًا، لكنه ليس كذلك. طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، مثلًا في المدينة التي فيها تدريب، بس تدريب بسيط بأسلحة بسيطة، وبالخارج تدريب يعني أسلحة كثيرة ومختلفة، هل يحق له أن يسافر للخارج ليتدرب؟ الشيخ: إي، ما فيه شك أنه يذهب. الطالب: يعني عن المنطقة اللي هو فيها. الشيخ: إي نعم، ما فيه شك، إذا صار أصلح وأنفع فلا بأس. طالب: شيخ، الذين ينادون بتطوع المرأة ويستدلون بهذا الحديث يقولون: في المجالات الطبية. واليوم يعني فتن محتملة بالنسبة للتطوع، كيف نجيبهم على هذا؟ الشيخ: نجيبهم على هذا أن الرسول ما كان يفتح باب التطوع للنساء على سبيل التعميم أبدًا، لكن هؤلاء احتاج الناس إليهم؛ لأنك تعرف أن العدو ثلاثة آلاف وهؤلاء سبع مئة، ثم المسافة قريبة ما بين أُحُد والمدينة ما تحتاج إلى سفر، ثم إنهن أيضًا ليس يباشرن القتال وإنما يداوين المرضى، ثم إن المسألة قبل الحجاب أيضًا؛ لأن غزوة أُحُد في السنة الثالثة والحجاب في السنة الخامسة أو السادسة، فليس فيها دليل، لكن هكذا؛ من كان له هوى يتشبث بكل شيء. طالب: يا شيخ، يعني يستدل بالمرأة التي ضربت ابن قمئة، ضربته بالسيف، وهذه تحارب تجاهد بالسيف. الشيخ: نعم، كل هذا كان قبل الحجاب. الطالب: أم عمارة. الشيخ: كل هذا كان قبل الحجاب.


الطالب: ومنها: جواز دعاء الرجل أن يُقتل في سبيل الله وتمنِّيه ذلك، وليس هذا من تمنِّي الموت المنهيِّ عنه؛ كما قال عبد الله بن جحش: اللهم لقِّني من المشركين رجلًا عظيمًا كفرُه شديدًا حَرْدُه فأقاتله فيقتلني فيك ويسلبني، ثم يجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك فقلتَ: يا عبد الله بن جحش، فيمَا جُدِعْتَ؟ قلتُ: فيك يا ربِّ .

الشيخ: فيم؟ الطالب: جُدِعَتْ. الشيخ: أنت قلت: فيما جُدِعْتَ؟ ما فيها ألف. الطالب: فقلتَ: يا عبد الله بن جحش، فيمَ جُدِعْتَ؟ قلتُ: فيك يا ربِّ. الشيخ: إي نعم، معلوم أن تمني الموت أن يتمنى الإنسان الموت للتخلُّص من الدنيا، وأما هذا فقد تمنَّى الشهادة، ولهذا لا نقول: إن قول يوسف عليه الصلاة والسلام: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] لا نقول: إنه تمنَّى الموت، وإنما تمنَّى أن يموت مسلمًا؛ يعني ولو بعد عمر طويل، كذلك الذي يتمنَّى الشهادة ليس يتمنى الموت. ومن ثم نأخذ أن من ذهب إلى القتال ليُقتل فيستريح من الدنيا فإنه ليس بشيء؛ لأنه يوجد أناس ملُّوا من الدنيا وتعبوا مع أهليهم، تعبوا مع المجتمع، رأوا أن المجتمع مجتمع ليس بجيد فقالوا: نذهب نقاتل لنُقتل ونستريح. هؤلاء ليسوا بشهداء؛ لأن الشهيد هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا. بقي حالة ثالثة وسط؛ إذا قاتل للشهادة فقط؛ يعني لينال الأجر فقط لا لتكون كلمة الله هي العليا، فهل يكون شهيدًا أو لا؟ فالمراتب ثلاثة: المرتبة الأولى: أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا فيُقْتل، فهذا لا شك أنه شهيد.

الثانية: أن يقاتل حميَّةً وشجاعةً ويُرى مكانه، ولأجل أن يستريح من الدنيا وهمِّها وغمِّها، فهذا ليس بشهيد، ومنه أن يُقاتل من أجل الوطن لا لإقامة الإسلام في الوطن، بل للوطن نفسه لأنه وطنه، فهذا أيضًا إذا قُتل ليس بشهيد. المرتبة الثالثة الوسط: إذا قاتل ليُقتل شهيدًا؛ يعني قصده الأجر فقط، أما كلمة الله فلا يهمه أن تعلو أو تدنو، فهل نقول: إن هذا يكون له أجر الشهداء أو لا؟ إذا نظرنا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» أوجب لنا ذلك أن نقول: إن هذا ليس بشهيد، وإذا نظرنا إلى أن هذا الرجل أراد الشهادة التي لا تكون إلا بعد النيَّة الصحيحة فقد نقول: إنه ينال أجر الشهادة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وعلى كل حال فينبغي أن ننبِّه الشباب الذي يذهبون إلى الجهاد في أفغانستان أو في غيرها إلى أن ينووا أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا لا لنيل الشهادة؛ لأن الشهادة مبنيّة على نيَّةٍ سابقةٍ؛ وهي أن تكون كلمة الله هي العليا. طالب: شيخ، ما حكم تمنِّي الموت إذا خشي الإنسان الفتنة على نفسه؟ الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا لا يجوز، بل يقول: إن أردتَ بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. فهو بدلًا أن يقول: اللهم أمِتْني، يقول: اللهم اقبضني إليك غير مفتون، ويَسْلَم. طالب: إذا كان رجل عنده فائدة كثيرة للناس؛ يعني شيخ ويستفيد الناس منه، هل الجهاد أفضل عنده أو قعود من الجهاد؛ يعني إذا يمشي إلى المعركة يفوت؟ الشيخ: وقد ينجو، لكن يومًا واحدًا تستفيد منه الأمة من علمه أفضل من يوم واحد يذهب إلى هناك، ولهذا جعل الله طلب العلم عديلًا للجهاد، فقال: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة: ١٢٢] يعني يكون طائفتان: طائفة تروح للجهاد، وطائفة تبقى تتفقَّه في دين الله وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ، فإذا قارنَّا بين الجهاد والعِلم من حيث هو جهاد وعلم فقد نقول بالتساوي، وقد نقول بأن العلم أفضل، أما إذا اعتبرنا كل واحد بعينه فإننا نقول لبعض الناس: الجهاد في حقك أفضل، ولآخر: العلم في حقك أفضل؛ فمثلًا إذا جاءنا رجل شجاع قوي البدن مقدام، فهمه رديء، حفظه رديء، فهنا نقول له: الجهاد أفضل، ولو جاءنا رجل يتوقد ذكاء ووعاء حفظ وطالب عِلم مُجِدّ، وقد لا يكون عنده تلك الشجاعة، فهذا نقول له: طلب العلم أفضل لا شك. طالب: المجموعات الفدائية، ما الضابط فيها أو الفدائي؟ الشيخ: الفدائي هو.. أما من جهة من يعلم أنه سيموت فهذا لا يجوز، أما إذا غامر ولكنه لا يقتل نفسَه هو إنما يقتله العدو فهذا لا بأس به، هذا لا بأس به مثل ما فعل أنس بن النضر وغيره.


الطالب: ومنها: أن المسلم إذا قتل نفسه فهو من أهل النار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في قُزمان الذي أبلى يوم أُحُد بلاءً شديدًا، فلما اشتدت به الجراح نحر نفسَه، فقال صلى الله عليه وسلم: «هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» .

الشيخ: نعم، هذا -كما قال المؤلف- أن الإنسان إذا قتل نفسه ولو كان يجاهد في سبيل الله فإنه من أهل النار، وهل يكون مخلدًا فيها أو يُعذَّب ثم يخرج؟ الحديث الوارد أنه مخلَّد فيها، خالدًا مخلَّدًا أبدًا، وأنه لا يخرج منها؛ وذلك لأن نفسه خرجت وهو غير مؤمن؛ فإن الإنسان لا يقتُل النفس المحرمة بغير حق حين يقتلها وهو مؤمن، فيخلَّد فيها، وقد يقال: إنه يكون مخلَّدًا في النار بحسب ذنوبه إذا كان حين موته حين قُبض روحه وفيه إيمان، أما إن كان قد انخلع من الإيمان فإن هذا يخلَّد تخليدًا أبديًّا. طالب: عفا الله عنك يا شيخ، هل صحيح أن حسان بن ثابت كان يخاف في المعركة؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: نُقِل عن حسان بن ثابت أنه يعني كان يخاف؟ الشيخ: نعم، هو نُقِل عنه أنه رضي الله عنه ليس بذاك الشجاع، والله أعلم، بعيد، اللي يرى حاله وقصائده يستبعد منه ذلك. طالب: شيخ. الشيخ: ويش سؤالك؟ الطالب: أنت قلت يا شيخ: إن المرأة كانت تجاهد قبل فرض الحجاب. الشيخ: نعم. الطالب: وأم عمارة جاهدت في حرب الردة، وقتلت مُسيلمة؟ الشيخ: في عهد أبي بكر، يمكن هذا عند الضرورة، عند الضرورة حتى المرأة تقاتل، كل أحد يقاتل عند الضرورة. طالب: شيخ، في بعض الدول يعني من أنواع التعذيب أنهم يعني يطبخون الرجل كما تُطبخ اللحمة في قِدر ماء. الشيخ: إذا جاعوا يعني؟! الطالب: لا، هي مسألة تعذيب يعني. الشيخ: تعذيب! الطالب: يكون يا شيخ إذا رأى منهم هذا يكون قتْل نفسه أهون منه، يعني يا شيخ عذاب، يعني تأليم ما رأيت ما هو، خلاص يعني يا شيخ (...) ما يتوقع يا شيخ أن يمارس؟ الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ طالب: يقول يعني: يتعرض لتعذيب شديد. الشيخ: لا، أنا أسمع أسمع، لكن ماذا تقولون في هذا الكلام؟ يقول: إن قتل نفسه أهون من هذا. طلبة: هذا غير صحيح. الشيخ: ما هو صحيح، الواجب أن يصبر، الرسول أخبر بأن من كان قبلنا يُمشط ما بين لحمه وعظمه بأمشاط الحديد ويُشق نصفين ويصبر، وهو إذا جاءه الأمر من غيره فهو غير ملوم، لكن إذا جاء الأمر من نفسه مشكلة.


الطالب: ومنها: أن السُّنة في الشهيد أنه لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُكفَّن في غير ثيابه، بل يُدفن فيها بدمه وكُلومه، إلا أن يُسلَبها فيكفَّن في غيرها. الشيخ: نعم، يؤخذ هذا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُصلِّ على شهداء أُحُد، ولم يغسَّلوا، ولم يُكفَّنوا، وإنما دُفِنوا بثيابهم وجروحهم، بل حينما نُقِلوا إلى المدينة أمر النبي عليه الصلاة والسلام بردِّهم إلى مصارعهم فدُفِنوا هناك، وقد بيَّنَّا السبب في هذا؛ وهو أن المقتول في سبيل الله يُبعَث يوم القيامة وجُرحه يثعب دمًا؛ اللون لون الدم والريح ريح المسك . ومثله الجهاد الأصغر؛ فإن أحد الصحابة وَقَصَتْه راحلته وهو واقف بعرفة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يُدفن في ثيابه، يكفَّن في ثيابه؛ أي: في ثياب الإحرام التي عليه، وهذه هي السُّنة: إذا مات المحرم قبل أن يتحلَّل فإنه يُدفن في ثيابه؛ في الإزار والرداء، لكن يُكفَّن يغطَّى إلا وجهه، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يُبعث يوم القيامة ملبِّيًا، وهذا الذي قُتِل في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، لكنه ليس كدمنا في الدنيا، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك، طِيبٌ من أطيب الطِّيب. طالب: شيخ، إذا خشي على نفسه، أو إذا أمسكه العدو فإنه يعني يُعطيهم ما عنده من الأسرار العسكرية ما يكون فيه المفسدة، فهل يعني يقتل نفسه من أجل هذا؟ الشيخ: لا يجوز أن يقتل نفسه أبدًا، قتل النفس يا إخواني محرَّم، من كبائر الذنوب، وكونه يقول: أنا أخشى أنهم يمسكونني فيسلِّطون عليَّ النوم المغناطيسي وأتكلم لهم بكل ما في دماغي، نقول: هذا ليس منك، هذا من العدو، وإلا كان نقول: إذا أسرك العدو أيضًا فاقتل نفسك إذا خشيت من التعذيب. طالب: شيخ، الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم أنهم يردون الشهداء إلى مكان مصارعهم، فهذا بطبائع الأمر، مخالفة (...)، محرم مخالفة هذا الأمر يكون (...). الشيخ: أيش يعني؟ الطالب: يعني لو إنسان مثلًا مات في حفرة، يعني شهداء ماتوا في (...)، حق الناس (...). الشيخ: لا، نقول: ردوهم إلى مصارعهم. الطالب: طيب لو كانت من (...) تحريم؟ الشيخ: واللهِ ما أدري إذا كان أحد قال بالوجوب، إن كان أحد قال بالوجوب فقد نقول بالوجوب، لكن إن كان ما فيه أحد قال بالوجوب كما أنه معروف لي أنه سُنَّة وليس بواجب. طالب: شيخ، بالنسبة إذا سلَّط العدو بهتك أعراض المسلمات، ما يجب عليهن قتل أنفسهن؟ الشيخ: هذا يا أخي، الزنا أهون من القتل. الطالب: هي تقول: لو أعلم أنهم يقتلوني ما قتلت نفسي، جعلتهم يقتلوني، لكن هتك العرض ما أصبر عليه. الشيخ: لا، تصبر عليه، يجب تصبر عليه. طالب: شيخ، حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما.. الشيخ: يقول: إنه تم النصاب.


الطالب: ومنها: أنه إذا كان جُنُبًا غُسِّل كما غسَّلتْ الملائكةُ حنظلة بن أبي عامر. الشيخ: نعم، هذا فيه نظر، وقد سبق الكلام عليه، وبيَّنَّا أن الصحيح أنه لا يُغسَّل؛ لأن كثيرًا من الشهداء كان الرسول يدفنهم ولا يسأل، وقد يقال: إن الأصل عدم وجود المانع، ولهذا لا نسأل إذا استُفتينا في شيء، لا نسأل عن وجود المانع، فلو قال لنا قائل مثلًا: مات شخص عن أخ شقيق وأخ من أب، ليس من حقِّنا أن نقول، بل ليس واجبًا علينا أن نقول: هل الأخ مخالِف له في الدين أو لا؟ ما يجب.

ولو سألنا سائل وقال: إنه طلّق امرأته، فليس واجبًا علينا أن نقول: هل طلقتها في حيض أو في طُهر جامعتها فيه، لا، بل نفتيه بما يقتضيه هذا السبب، فكذلك غيرهم الذين قُتِلوا في سبيل الله لا يلزم أن نستفصل هل هم جُنُب أم لا، فنجيب عن هذا بأن هذا الاحتمال احتمال وارد قوي، ولكن تغسيل الملائكة له -إن صح الحديث أيضًا كما سبق؛ لأن الحديث مرسل- إن صح الحديث فإن تغسيل الملائكة له من باب الكرامة؛ وذلك لأن الملائكة لا تغسِّله بالماء ولا بالسدر، إنما هو أمر غيبي، أُكرم هذا الرجل حتى غسَّلته الملائكة، فالصحيح أنه لا يلزم تغسيله ولو علمنا أنه استُشهد جُنُبًا.

طالب: أقول: يا شيخ، إذا علمنا أن السائل لا يعلم مثلًا عن طلاق الحائض وعن طلاق من الجماع وكذا، ما نستفصل منه لأن أكثر الناس ما ينوون؟ الشيخ: لا لا، ينوون الآن، الآن صاروا فقهاء في مسألة طلاق الحائض؛ لأنه يجي يقول: طلقت حائض، هذه الطلقة الثالثة، لكن ترى أول مرة طلاق حائض، علشان تكون الطلقة هذه الثانية ويُراجع، والطلقة الثانية في طُهر جامعتها فيه، والثالثة هذه في غضب شديد، راحت!! يعني الآن أخذوا هذه الأحكام ما شاء الله، فقهوها تمامًا، أشد من معرفتهم لأركان الصلاة. طالب: كتب الله على النساء في الحج إذا كُفِّنت الوجه فقط أو الوجه مع الرأس كاملًا؟ الشيخ: ولهذا أنا أتعجَّب أحيانًا يجينا ناس من البادية، اللي ما تعلموا ولا فقهوا، يقول: ترى طلقت زوجتي في طُهْر جامعتها فيه. شنو؟! سبحان الله! يمكن لو أسأله عن فرض من فروض الوضوء قال: والله ما أعرف. طالب: يلقنونك. الشيخ: يلقنوني، إي نعم. طالب: الحج الوجه فقط ولَّا الرأس معه؟ الشيخ: إيش؟ الطالب: إذا كُفِّن الوجه فقط أو الرأس؟ الشيخ: الذي في الصحيحين: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» فقط.

الطالب: والوجه هو الظاهر. الشيخ: لكن فيه رواية ثانية لمسلم: «وَلَا وَجْهَهُ» ، ولكن كثيرًا من علماء المحدثين أعلُّوا هذه الرواية ولم يأخذوا بها. طالب: يذبح نفسَه بس يعني ما تُوفي من هذه (...)، وتاب، يعني ما توفي؟ الشيخ: يتوب الله عليه.


الطالب: ومنها: أن السُّنة في الشهداء أن يُدفنوا في مصارعهم ولا يُنقلوا إلى مكان آخر، فإن قومًا من الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بردِّ القتلى إلى مصارعهم؛ قال جابر: بينا أنا في النظَّارة إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لندفنهما في مقابرنا، وجاء رجل ينادي: ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قُتِلتْ. قال: فرجعنا بهما فدفنَّاهما في القتلى حيث قُتلا، فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذ جاءني رجل فقال: يا جابر، والله لقد أثار أباك عُمَّالُ معاوية فبدا فخرج طائفة منه. قال: فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغيَّر منه شيء. قال: فواريته، فصارت سُنَّةً في الشهداء أن يُدفنوا في مصارعهم . الشيخ: هذا كما سبق أنه ينبغي أن يُدفن الشهداء في مصارعهم، وفي هذا كرامة لعبد الله بن حرام رضي الله عنه والد جابر؛ حيث إنه بقي هذه المدة الطويلة ولم يتغيَّر منه شيء؛ يعني أن الأرض لم تأكل منه شيئًا، وهذا قد يقع لبعض المؤمنين، لكنه غير مجزوم به، أما بالنسبة للأنبياء فإنه يقع قطعًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل: كيف نُصلِّي عليك وقد أرِمْت؟ -أي: صرت رميمًا- فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» . لكن غيرهم قد يقع هذا كرامة، وفي هذا دليل في فعل جابر؛ دليل على أنه لو انفتح شيء من القبر بأمطار أو بحَفْر سباع أو ما أشبه ذلك فإنه يوارَى ويُدفن ولا يُترك. طالب: شيخ، في هذه المسألة يعني لم يتكفَّن شهيد ولم يُغسَّل، وهذا بخس للشهيد وكل من قُتِل في الحرب؟ يعني والشهيد -والله أعلم- هو شهيد ولَّا يعني..؟ الشيخ: كل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد. الطالب: يعني في الحرب قاتل وقُتِل؛ يعني أكثر الناس في أفغانستان مثلًا قُتِل في الجهاد. الشيخ: في المعركة. الطالب: في المعركة؛ ويعني معنى أمر هذا كله شهيد؟ الشيخ: هذا هو الأصل. الطالب: يعني نقول: إن شاء الله يكون شهيدًا. الشيخ: هذا هو الأصل، لكن لا نشهد له، أحكام الدنيا على الظاهر، ما هي على.. الطالب: على كل الشهداء. الشيخ: إي نعم، كله شهداء ذا أحكام الدنيا، لكن ما نقول: هو شهيد في الآخرة بمعنى أنه يُرزق عند ربه وأنه من أهل الجنة. الطالب: يعني ما نحكم بالجنة لكن شهيد في... الشيخ: أحكام الدنيا نعم. الطالب: وما نحكم بالجنة. الشيخ: نعم. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا كانت الملابس التي على الجندي مثل الملابس العسكرية يُستفاد منها، وكانت الملابس قليلة لا تكفي لتكفينه، فماذا يُفعل؟ الشيخ: يتغطى رجليه، تحط على رجليه مثلًا جوارب وعلى رأسه قبعة ويُدفن. الطالب: وما تؤخذ الملابس يا شيخ؟ الشيخ: ما تؤخذ، لا، ما تؤخذ. الطالب: وإن كان يا شيخ فيها خوذة مثلًا حديدية وغيرها، توضع معه؟ الشيخ: لا، الخوذة الظاهر أنها تُعدُّ من السلاح، تؤخذ، كما أنه لو كان عليه مثلًا جلابية ورشَّاش وفرد نأخذها منه. الطالب: شيخ، فيه حديث: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ، فهل هذا الحديث صحيح؟ الشيخ: هذا صحيح، لكنه ليس شهيد معركة، شهيدٌ عند الله كشهادة المبطون والمطعون، والشهادة مراتب، أما الشهيد الذي يكون شهيد معركة فهذا هو الذي له أحكام الشهيد في الآخرة وفي الدنيا.


الطالب: ومنها: جواز دفن الرَّجُلين أو الثلاثة في القبر الواحد؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر ويقول: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فإذا أشاروا إلى رجل قدَّمه في اللحد . ودفن عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد لِمَا كان بينهما من المحبة فقال: «ادْفِنُوا هَذَيْنِ الْمُتَحَابَّيْنِ فِي الدُّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» ، ثم حُفِر عنهما بعد زمن طويل ويد عبد الله بن عمرو بن حرام على جُرحه كما وضعها حين جُرح، فأُميطت يده عن جُرحه فانبعث الدم، فرُدَّت إلى مكانها فسكن الدم. الشيخ: الله أكبر! هذا أيضًا من الكرامات؛ لأن المعروف أن الميت إذا مات غاض الدم، غاض دمه فلم يخرج منه شيء، لكن هذا من كرامة الله سبحانه وتعالى لهذا الرجل عبد الله بن حرام، فإن الله سبحانه وتعالى أكرمه بأن الأرض لم تأكل منه شيئًا، وبأن جسمه بقي طريًّا كأنه حيٌّ؛ إذا رُفعت يده عن جرحه انبعث الدم، سبحان الله! وفيه دليل على أن هذه الطبيعة ليست هي التي تُدبِّر الكون، وأن الكون يجري بتقدير الله عز وجل لا بالطبيعة؛ لأن مقتضى الطبيعة أن هذا الذي مات وله مدة طويلة تحت التراب لا يمكن أبدًا أن يكون فيه أيش؟ دم أبدًا، لكن هذا خلاف ما تقتضيه الطبيعة، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. طالب: الفائدة ما تمت.

الشيخ: نعم.


الطالب: وقال جابر: رأيت أبي في حفرته حين حُفِر عليه كأنه نائم، وما تغيَّر من حاله قليل ولا كثير، قيل له: أفرأيت أكفانه؟ فقال: إنما دُفن في نَمِرة خُمِّر وجهه وعلى رجليه الحرْمَل، فوجدنا النَّمِرة كما هي والحرْمَل على رجليه على هيئته، وبين ذلك ست وأربعون سنة . الشيخ: سبحان الله! هذا أيضًا من آيات الله؛ لأن المعروف أن الأرض تأكل الثياب، تأكل الأكفان، تأكل الحرْمل، الحرْمل معروف؛ شجر معروف، تعرفه يا أخ؟ معروف، تأكله الأرض، ما يبقى، لكن هذا أيضًا من كرامة الله، كل خارق للعادة يُظهره الله سبحانه وتعالى لولي فهو كرامة، وإن أظهره الله لنبي فهو؟ طلبة: معجزة. الشيخ: فهو آية، آية، وإن كان يسمُّوها في المشهور عند الناس معجزة، وإن أظهره الله سبحانه وتعالى لغير وليٍّ، ولا نبي على خلاف مُراده فهو إهانة؛ على خلاف مراد الرجل، ما هو مراد الله، فهو إهانة. إذن خوارق العادات ثلاثة أقسام: آيات، وكرامات، وإهانات؛ فما كانت للتأييد فإن كانت على يد نبي فهي؟ الطلبة: آية. الشيخ: أو وليٍّ؟ الطلبة: كرامة. الشيخ: وما كان على سبيل الإهانة -وهو ما جاء على خلاف مراد الرجل- فهي إهانة، ومن ذلك ما يُذكر أن مسيلمة الكذاب جيء إليه فدُعي بوصف الرسالة؛ يعني قيل له: يا رسول الله، عندنا بئر غار، ما فيها إلا ماء قليل، فلو أتيت إليها لعله يزيد الماء. فجاء إليها فأخذ من مائها فتمضمض به ومجَّه فيها فغار الماء الموجود، إذن هذا إهانة ولَّا آية؟

طلبة: إهانة. الشيخ: نعم، هذه إهانة لا شك، ما هي تأييد له، وجِيء إليه برجل فيه قزع ما ينبت شعره كثيرًا، فطُلب منه أن يمسح على رأسه من أجل أن ينبت بقية الشعر، فلما مسح رأسه سقط الشعر الموجود، فالله أعلم، هذه تُذكر في التاريخ، لكن ليس ذلك على الله بعزيز أن يخرج شيء عن العادة إهانةً لهذا الرجل لأنه كذَّاب. طالب: وإذا جاءت على المراد؟ الشيخ: ما تأتي على المراد، اللهم إلا فتنة؛ لأنه إذا جاءت على المراد لكانت تأييدًا للباطل. الطالب: للاستدراج يعني؟ الشيخ: ما تأتي الكرامات؛ يعني الخوارق ما تأتي على وفق المراد أبدًا إلا.. لأنها لو جاءت على وفق المراد وهو يدّعي ذلك وصارت هذه آية تشهد له، مُشكل. طالب: مثل الدجال؟ الشيخ: الدجال نعم، الدجال أُخبرنا به، وأُخبرنا بأنه سيكون كذا ويكون كذا، وأعلمنا عنه الرسول؛ يعني معناه عندنا علم مُسبق، نعرف أن هذا سيكون، والآيات التي تشهد هي التي تكون على حسب تحدي هذا الرجل. طالب: طيب يا شيخ، المشعوذين يا شيخ؟ الشيخ: هذا من الجن، المشعوذين من الجن.


الطالب: وقد اختلف الفقهاء في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدفن شهداء أُحُد في ثيابهم هل هو على وجه الاستحباب والأولوية أو على وجه الوجوب على قولين، الثاني أظهرهما، وهو المعروف عن أبي حنيفة، والأول هو المعروف عن أصحاب الشافعي وأحمد. الشيخ: أظهرهما الثاني. طلبة: الوجوب. الشيخ: على وجه الوجوب.


الطالب: فإن قيل: فقد روى يعقوب بن أبي شيبة وغيره بإسناد جيد أن صفية أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليُكفِّن فيهما حمزة، فكفَّنه في أحدهما وكفَّن في الآخر رجلًا آخر .

قيل: حمزة كان الكفار قد سلبوه ومثَّلوا به وبقروا عن بطنه واستخرجوا كبده؛ فلذلك كُفِّن في كفن آخر، وهذا القول في الضعف نظير قول من قال: يُغَسَّل الشهيد. وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوْلى بالاتباع. الشيخ: وهذا معلوم أنه لو أن الكفار لما قُتِل الرجل سلبوه؛ يعني أخذوا ثيابه، فهنا نكفِّنه بثياب أخرى لتعذُّر التكفين في ثوبه، أما إذا كانت ثيابه باقية فإننا نكفِّنه في ثوبه كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. طالب: جزاك الله خيرًا، المقابر الجماعية يا شيخ (...)؟ الشيخ: هل أيش؟ الطالب: هل تجوز يعني؟ إذا ماتت مجموعة كبيرة من الناس، فهل يعني يجوز؟ الشيخ: عند الضرورة، عند الضرورة لا بأس. الطالب: إذ صعب يا شيخ حفر مقبرة لكل واحد فيهم. الشيخ: إي، أقول: عند الضرورة، الرسول دفن الثلاثة والاثنين في قبر واحد، وفي ذلك الوقت ما فيه آلات معدات تستطيع أن تحفر ما يكفي لخمسين نفرًا. الطالب: وعند الحاجة؟ الشيخ: عند الحاجة إن قلنا بأن جمع اثنين فأكثر في قبر واحد مكروه فهو عند الحاجة يجوز، وإذا قلنا: إنه حرام فإنه لا يجوز إلا عند الضرورة، وفي المسألة قولان معروفان للعلماء، شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء يرون أنه مكروه، والمشهور من المذهب أنه حرام. طالب: أقول يا شيخ: يُذكر يا شيخ أن بعض الكرامات التي تحصل لبعض الشهداء أن الرجل يا شيخ بعد قتله في سبيل الله قد يتحرّك أو يتبادل الإشارات (...) فهل صحيح؟ الشيخ: واللهِ إذا ثبت، إذا ثبت، إذا رُؤي رأي العين يمكن، والحركة هذه قد تقع حتى من غير الشهداء، لكنها المصافحة هي التي تدل على إرادة، وكيف يريد وقد مات، لكن إن صح هذا، وهذا يحتاج إلى سند رجاله ثقات معروفون بالحفظ ومعروفون بالأمانة، فأنت سلْسِلْ لنا هذا الخبر برجال ثقات ونقول: صحيح، وإلا فنقول: الله أعلم لا نصدِّق ولا نكذِّب. طالب: شيخ، حاليًا المعارك التي تُقام كما يحدث في أفغانستان يا شيخ؛ يعني يصعب دفن الشهداء في مصارعهم؛ يعني إن لم يجتمع معه بياناته، فما العمل؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: قد يصعب دفن الشهداء. الشيخ: و على كل حال إذا صعب ولا أمكن سقط الوجوب. الطالب: شيخ، مُطّردة في كل الأحوال؟ الشيخ: قاعدة نعم. طالب: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].


الطالب: ومنها: أن شهيد المعركة لا يُصلَّى عليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُصلِّ على شهداء أُحُد، ولم يُعرف عنه أنه صلَّى على أحد ممن استُشهد معه في مغازيه، وكذلك خلفاؤه الراشدون ونُوَّابهم من بعدهم. فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرَج يومًا فصلَّى على أهلِ أُحُد صلاتَه على الميت ثم انصرف إلى المنبر . وقال ابن عباس: صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أُحُد .

قيل: أما صلاته عليهم فكانت بعد ثماني سنينٍ من قتلهم قُرب موته كالموَدِّع لهم ويُشبه.. الشيخ: أما صلاته. الطالب: أما صلاته عليهم فكانت بعد ثماني سنين من قتلهم.. الشيخ: سنينٍ! هل أنت قلتها قصدًا اتباعًا للغة؟ الطالب: لا، ما باتَّبع اللغة. الشيخ: أجل إيش؟ انطقها على الصواب؟ الطالب: ثماني سنينَ. الشيخ: سنين، وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ.. الطالب: ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا [الكهف: ٢٥]. الشيخ: سنينَ، طيب فيها لغة ثانية؟ طالب: سنينٍ. الشيخ: سنينٍ. الطالب: نعم. الشيخ: وفي ذلك يقول ابن مالك؟ الطالب: نسيت. الشيخ: نسيت، طيب ويش يقول؟ طالب:

أُولُو وَعَالَمُونَ عِلِّيُّونَا

وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسِّنُونَا

وَبَابُهُ مِثْلَ حِينٍ....

..................

الشيخ:

.... وَمِثْلَ حِينٍ قَدْ يَرِدْ

ذَا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْمٍ يَطَّرِدْ


الطالب: قيل: أما صلاته عليهم فكانت بعد ثماني سنينَ من قتلهم قُرب موته كالمودِّع لهم، ويُشبه هذا خروجه إلى البقيع قبل موته يستغفر لهم كالمودِّع للأحياء والأموات، فهذه كانت توديعًا منه لهم لا أنها سُنّة الصلاة على الميت، ولو كان ذلك كذلك لم يؤخِّرها ثماني سنين، لا سيما عند من يقول: لا يُصلَّى على القبر، أو يُصلَّى عليه إلى شهر. الشيخ: صحيح، وهذا جواب واضح، لكن ذكر في الحاشية أظن في صفحة.

الطالب: ٢١٤. الشيخ: ٢١٤؟

إي، على قوله: (ومنها أن السُّنَّة في الشهيد أنه لا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه)

قال: فيه أنه قد ثبت في غير ما حديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلَّى على شهداء أُحُد وغيرهم، فقد أخرج النسائي والطحاوي من حديث شدَّاد بن الهادِ أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة خيبر غنم النبي صلى الله عليه وسلم فيها شيئًا، فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، قال: ما هذا؟ قالوا: قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: «قَسَمْتُهُ لَكَ». قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني أتبعك على أن أُرمى إلى ههنا -وأشار إلى حلْقه- بسهم فأموت فأدخل الجنة. فقال: «إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ»، فلبثوا قليلًا، ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَهُوَ هُوَ؟». قالوا: نعم. قال: «صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ». ثم كفَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في جُبَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدَّمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ» . وسنده صحيح، وصحَّحه الحاكم، وأقره الذهبي. وأخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار من حديث عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِي يوم أُحُد بحمزة، فَسُجِّي ببُردة، ثم صلى عليه فكبَّر تِسْع تكبيرات، ثم أُتِي بالقتلى يُصفُّون ويُصلِّي عليهم وعليه معهم. وسنده جيد، وله شاهد عند أحمد من حديث ابن مسعود وسنده قوي، وآخر من حديث ابن عباس عند الدارقطني والحاكم وابن ماجه ، انظر نصب الراية . وأخرج أبو داود والدارقطني والحاكم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بحمزة وقد مُثِّل به، ولم يُصلِّ على أحد من الشهداء غيره. يعني شهداء أُحُدٍ. وسنده حسن، ومراده -والله أعلم- أنه لم يُصلِّ على غيره استقلالًا، فلا يُنافي الصلاة على غيره مقرونًا به كما تقدم في حديث عبد الله بن الزبير. ففي هذه الأحاديث مشروعية الصلاة على الشهداء لا على سبيل الإيجاب؛ لأن كثيرًا من الصحابة استُشهد في غزوة بدر وغيرها ولم يُنقل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم، ولو فعل لنُقل عنه، وقد جنح المؤلف رحمه الله في تهذيب السنن إليه فقال: والصواب في المسألة أنه مخيَّر بين الصلاة عليهم وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهي الأليق بأصوله ومذهبه. طالب: هل يجوز في مسألة القصاص أن يُصَلَّب قاتل كما صَلب مقتول؟ الشيخ: إذا صَلب المقتول صُلب. الطالب: صُلِب؛ يعني إذا قطع يده وأنفه وعينه صلب؟ الشيخ: هذا ليس بصلب، هذا يسمى مُثلة. الطالب: وكذلك الْمُثلة؟ الشيخ: إي، إذا مثَّل به يُمثَّل به. طالب: شيخ، معلوم أن الميت عندما يُدفن لا يكون معه شيء محترق، ثم هذا الذي يقتل في سبيل الله قد تكون ثيابه محترقة، فهل تُخلع عنه هذه الثياب المحترقة؟ الشيخ: إذا كانت محترقة معناه صارت رمادًا، ما يمكن تتماسك. الطالب: محترقة هل يمكن أن (...). الشيخ: لا، يُدفن فيها، والقول بأنه يُكره أن يُجعل معه ما مسته النار قول فيه نظر. طالب: لكن الرجل إذا قُتِل في أرض العدو يعني كيف (...) دفنه؟ يُدفن كيف يعني؟ الشيخ: قال العلماء: يدفن ويسوَّى بالأرض. الطالب: في نفس المكان؟ الشيخ: في نفس المكان. الطالب: وإذا لم نقدر على هذا المكان يعني؟ الشيخ: حملناه، إذا ما قدرت، كل شيء لا يمكن.. الطالب: يدفن فين يعني، يعني في البلد ولا في..؟ الشيخ: لا، يدفن في أقرب شيء إليه، أو ينقل للبلد، يعني معناه إذا فات المكان المعين خُيِّروا بين أن يكون في البلد أو في أي مكان من البر.

الطالب: حتى لو جيء به بعد انتهاء القتال بفترة؟ الشيخ: لا، ما ينبغي تأخيره. الطالب: هم ما قدروا عليه إلا بعد فترة. الشيخ: أيش لون ما قدروا عليه؟ الطالب: يعني موجود عند الأعداء. الشيخ: لا، بس هذا تعذُّر، هذا عذر، يمكن يبقى عند الأعداء شهرًا شهرين أو سنة. الطالب: أقول: يعني يُرجع به إلى مكان المعركة ولَّا يدفن في البلد؟ الشيخ: لا، الأحسن في مكان المعركة إذا أمكن.


الطالب: ومنها: أن من عذره الله في التخلف عن الجهاد لمرضٍ أو عرجٍ يجوز له الخروج إليه وإن لم يجب عليه كما خرج عمرو بن الجموح وهو أعرج . الشيخ: نعم.


الطالب: ومنها: أن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنونه كافرًا فعلى الإمام ديته من بيت المال؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدي اليمان أبا حذيفة فامتنع حذيفة من أخذ الدية وتصدَّق بها على المسلمين . الشيخ: إي، وهذا ظاهر. طالب: يا شيخ إذا كان خروج هذا الذي ليس عليه وجوب يعني (...) مثلًا تخلف يقتلوه الأعداء مثلًا؟ الشيخ: يُمنع. ما ذكر المؤلف رحمه الله؛ فيه مسائل أيضًا ما ذكرها المؤلف، وهي جواز الانحناء على الرجل الفاضل ليحجب عنه السهام كما فعل مَن؟ أبو دجانة .