تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة آل عمران - ٣٥

درس صوتي · ٩٢:١٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الطالب: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ» . فما تعدى أحد منهم موضع إشارته. فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ». فالتزمه الصدّيق من ورائه وقال: يا رسول الله، أبشر، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك . واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، وأخلصوا له، وتضرعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال: ١٢]، وأوحى الله إلى رسوله: أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٩]، قُرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضها أرسالًا، لم يأتوا دفعة واحدة. فإن قيل: هاهنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: ١٢٤، ١٢٥] فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أُحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٥] إلى أن قال: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ [آل عمران: ١٢٦] أي هذا الإمداد إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ. قال هؤلاء: فلما استغاثوه أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا وأقوى لنفوسهم وأسر لها من أن يأتي بها مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٢١- ١٢٢] ثم قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، فذكّرهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ. ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط وذلك مطلق، والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحد مستوفاة مطولة، وبدر ذُكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا [آل عمران: ١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قولُه: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد. والله أعلم. فصل: وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة... الشيخ: ... هذين القولين ولم يرجح أيهما أصح، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، فإن جعلنا الإمداد بالثلاثة والخمسة في أحد فلا إشكال، وإن جعلناه في بدر ففيه إشكال؛ لأن الله قال في قصة بدر: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى [الأنفال: ٩، ١٠]، لكن إشكال إذا جعلناها في بدر، فكيف الجمع بين ثلاثة وخمسة وألف؟ أجاب بعضهم بأن الله أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة، ولكن إذا تأملت السياق وجدت أنه مختلف، وأن الإمداد في أحد إنما كان بشرط؛ وهو أن يصبروا ويتقوا، ولم يحصل منهم صبر، بل حصل من بعضهم معصية، ومعلوم أن المعلق على شرط لا يتم إلا بوجود شرطه، وهذا مما يؤيد أن هذا الإمداد الذي هو مشروط كان في أحد، ولما لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا يكون الإمداد في بدر بألف من الملائكة مردِفين أو مردَفين، ويكون الإمداد في أحد بثلاثة أو خمسة لكنه مشروط بشرط لم يتحقق، وإذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط. وعلى هذا فالملائكة لم تقاتل في أحد، ولم يُمد المسلمون بأحد منهم في أحد. وسنأتي إن شاء الله في التفسير ما يبين أن الراجح هو هذا.


الطالب: فصل: وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع شجرة هناك وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية، فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها واصطف الفريقان، فمشى حكيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة في قريش أن يرجعوا ولا يقاتلوا، فأبى ذلك أبو جهل وجرى بينه وبين عتبة كلام أحفظَه. الشيخ: حصل منه غيظ، أغاظه، أحفظه: يعني أغاظه، يعني أثار حفيظته، وهو كناية عن إغضابه وإغاظته. الطالب: وأمر أبو جهل أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دم أخيه عمرو فكشف عن استه وصرخ: واعمراه، فحمي القوم ونشبت الحرب، وعدّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ثم رجع إلى العريش هو وأبو بكر خاصة، وقام سعد بن معاذ في قوم من الأنصار على باب العريش يحمون رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عبد الله بن رواحة وعوف ومعوِّذ ابنا عفراء، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصار. قالوا: أكفاء كرام، وإنما نريد بني عمنا. فبرز إليهم علي وعبيدة بن الحارث وحمزة، فقتل علي قِرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة، وقيل: شيبة، واختَلف عبيدةُ وقرنُه ضربتين، فكرّ علي وحمزة على قرن عبيدة فقتلاه، واحتملا عبيدة وقد قطعت رجله، فلم يزل ضَمِنًا حتى مات بالصفراء. وكان علي يقسم بالله لنزلت هذه الآية فيهم: هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج: ١٩]. الشيخ: الآن قريش عندها حمية الجاهلية، ما الذي أحماهم على القتال؟ هو طلب الثأر حين صرخ هذا الرجل وأخرج استه وجعل يندب أخاه يقول : واعمراه، ثانيًا: لما برز إليهم ثلاثة من الأنصار أبوا أن يبارزوهم أنفة وكبرًا، وقالوا: أكفاء كرام ولكننا نريد بني عمنا. يعني قريشا. خرج إليهم ثلاثة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثاني: عبيدة بن الحارث، والثالث: حمزة بن عبد المطلب. والمبارزة تُفعل في الحرب؛ لأن فيها تقوية للصف، إذا قتل صاحبهم قرنه صار في ذلك تقوية لنفوسهم، وإن كان بالعكس صار في هذا إضعاف لنفوسهم. ولهذا قال أهل العلم: إذا طلب العدو المبارزة فإنه لا يجوز لقائد الجيش أن يأذن لأحد بالمبارزة إلا وهو يعلم -يعني علم ظن وغلبة ظن- يعلم أن هذا المبارز سوف يغلب قرنه، أما مع الاحتمال فلا يجوز؛ لأنه لو غلبه لكسر قلوب المسلمين. فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم كما رأيتم، يقول: قتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه عتبة أو شيبة على خلاف، وعبيدة بن الحارث قتل قرنه إما عتبة وإما شيبة. ولكن كرّ علي وحمزة لما اختلف عبيدة وقرنه ضربتين، كل واحد ضرب الآخر، وهؤلاء قد فرغوا من صاحبيهما، كروا على صاحب عبيدة وقتلوه. وفي هذا دليل على جواز قتل القرن إذا حصلت مثل هذه المبارزة، لا يقال: لماذا قتلاه وهو لم يبرز معهما؟ نقول: لأنه برز مع صاحبهما، ولأن دمه هدر فإنه محارب.


الطالب: ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق وقال: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك. فأغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة، وأخذ القومَ النعاسُ في حال الحرب، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ» . وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله والمؤمنين، ومنحهم أكتاف المشركين أسرًا وقتلًا، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. فصل: ولما عزموا على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم. فلما تعبؤوا للقتال، ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب. وصدق في قوله: إني أرى ما لا ترون، وكذب في قوله: إني أخاف الله. وقيل: كان خوفه على نفسه أن يهلك معهم. وهذا أظهر. الشيخ: صحيح، الثاني هو الأظهر؛ أن قول الشيطان: إني أخاف الله ليس خوف عبادة، لكنه خاف أن يهلك، لا أن يعذب، وهذا كقوله تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [الحشر: ١٦]، هذا ليس خوف عبادة؛ لأنه لو كان يخاف الله خوف عبادة لعبده ولم يستكبر عن عبادته، لكن هذا خوف هلاك، كما يخاف الرجل من الذئب، فإن هذا خوف ليس خوف عبادة، فالصحيح هو ما قال ابن القيم: إنه أظهر.


الطالب: ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ [الأنفال: ٤٩]. فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه، لا بالكثرة ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه. ولما دنا العدو وتواجه القوم... الشيخ: (...)غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْقال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٤٩] ولكن كما قلنا فيما سبق: إن من التوكل أن يأخذ الإنسان بالأسباب الشرعية التي أُمر بها شرعًا، حتى يهيئ المحل للنصر؛ لأن من قال: أنا متوكل على الله ولم يخرج بشيء مما يقاتل به، فإن توكله ليس بصحيح، بل هذا من جنس السخرية بالله عز وجل والاستهزاء به؛ لأن الله تعالى قرن الأشياء بأسبابها، لكن إذا فعل الإنسان ما يقدر عليه مع قيام الأمر الشرعي وحقق التوكل فإنه ينصر.


الطالب: ولما دنا العدو وتواجه القوم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام فقال: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». قال: بخ بخ يا رسول الله. قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ؟». قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل ، فكان أول قتيل. وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه... الشيخ: هذا هو الإيمان، انظر إلى هذا الرجل رضي الله عنه لما أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنها جنة عرضها السماوات والأرض؛ ما صار عنده أدنى شك، تيقنها كأنما يرآها رأي عين، ولهذا لما أخرج التمرات وجعل يأكل قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها وقاتل حتى قتل، الله أكبر، سبحان الله العظيم.


الطالب: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشُغلوا بالتراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال: ١٧]. وقد ظن طائفة أن الآية دلت على نفي الفعل عن العبد وإثباته لله، وأنه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة مذكورة في غير هذا الموضع. ومعنى الآية أن الله سبحانه... الشيخ: من هذه الطائفة؟ طالب: الأشاعرة. الشيخ: لا. الطلبة: الجبرية. الشيخ: الجبرية، لا، الجبرية عكس هذا، الجبرية يقولون: إن الإنسان ليس هو الفاعل، إن الإنسان آلة، فليس هو الصائم ولا المزكي ولا الحاج ولا الرامي: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى، فهنا قال: مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَكيف هذا؟ قد يقول قائل: تناقض هذا: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَقد يقول قائل: بل رمى إذ رمى، لكن نقول: الرمي فعل، وإيصال الرمية إلى المرمي هذا شيء آخر غير الفعل، فالإنسان مثلًا قد يرمي فيوجد هواء شديد مثلًا يرد السهم، وقد يرمي ويكون هناك هواء مدابر للسهم فيحمله إلى أبعد، فالرمي الذي هو الفعل ممن؟ الطلبة: من الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: والرمي الذي هو الإصابة من الله، فقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَىيعني أوصل هذا التراب إلى أعينهم، ولو كان الأمر بفعلك ما وصل إلى أعينهم، لكان يصل إلى أدناهم إن وصل، أما إلى أعين كل واحد منهم وهم ما بين تسع مئة وألف فهذا ليس بطاقة النبي عليه الصلاة والسلام.


الطالب: ومعنى الآية أن الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرمي، ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف ونفى عنه الإيصال. وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ» . وقال أبو داود المازني: إني. الشيخ: عندي يقول: (أخرجه مسلم في الجهاد) فالحديث صحيح، إذن فهنا يتبين أن الملائكة قاتلت مع المسلمين، وهذا القتال قتال يُعلم بأثره؛ لأن الرجل سمع صوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، وهذا اسم لهذا المَلَك الذي ضرب الرجل المشرك، وظهر أثر الضربة على هذا المشرك.


الطالب: وقال أبو داود المازني: إني لَأَتْبَعُ رجلًا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: «اسْكُتْ فَقَدْ أَيَّدَكَ اللهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ» . وأُسر من بني عبد المطلب ثلاثة: العباس، وعَقيل، ونوفل بن الحارث. وذكر الطبراني في معجمه الكبير عن رفاعة بن رافع، قال: لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه وقال: اللهم إني أسألك نظرتك إياي. وخاف أن يخلص إليه القتل، فأقبل أبو جهل بن هشام فقال: يا معشر الناس، لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهولنكم قتل عُتبة وشيبة والوليد؛ فإنهم قد عجِلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، ولا أُلفين رجلًا منكم قتل رجلًا منهم، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم. واستفتح أبو جهل في ذلك اليوم فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك، فانصره اليوم. فأنزل الله عز وجل: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ١٩]. ولما وضع المسلمين أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف على باب الخيمة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي العريش، متوشحًا بالسيف في ناس من الأنصار، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَأَنَّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ؟». قال: أجل والله كانت أول وقعة أوقعها الله بالمشركين، وكان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال . ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... الشيخ: وهذا هو الذي جاء به القرآن؛ كما تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧] فسعد بن معاذ هو كما تعلمون أنه سيد الأوس رضي الله عنه أحب أن يقتلوا وألا يؤسروا، ولكن كان رأي النبي عليه الصلاة والسلام ورأي أبي بكر أن يؤسروا ويؤخذ منهم الفداء بدون قتل، والقصة مذكورة في سورة الأنفال.


الطالب: ولما بردت الحرب، وولى القوم منهزمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟». فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: لمن الدائرة اليوم؟ فقال: لله ولرسوله، وهل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه؟ فقتله عبد الله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته. فقال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟» فرددها ثلاثًا. ثم قال: «اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، انْطَلِقْ أَرِنِيهِ». فانطلقنا فأريته إياه، فقال: «هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . وأسر عبد الرحمن بن عوف. الشيخ: في هذا الحديث دليل على فوائد: أولًا: أن الله تعالى أذل هذا الخبيث الذي هو رأس الكفر ورأس قريش والمحرض على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وسمعتم ما قال في أول الغزوة. والثاني: أن الذي قتله شابان صغيران، ليسا من علية القوم. والثالث: أن الذي أجهز عليه رجل من رعاة الغنم، حتى إنه في بعض الروايات لما قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن مسعود، قال: لقد ارتقيت مرتقًى صعبًا يا رُويعي الغنم ، يعني يمسك برأس رجل من علية القوم فيذبحه ذبح الشاة وهو من رعاة الغنم، لكن هكذا الدين إذا أظهره الله عز وجل، يكون رعاة الغنم هم الأشراف والملوك. وفيه أيضا: استثبات النبي عليه الصلاة والسلام من عدوه، وأن الإنسان إذا بحث عن عدوه أين راح، أين ذهب، فإن هذا من الحزم والعزم، ليس هذا من الذل أو الذعر أو الخوف، بل هذا من الحزم والعزم أن ننظر ماذا فعل العدو، ولهذا طلب النبي عليه الصلاة والسلام من يتحسس عنه وعن أخباره، ولما قال: قتلته كرر ثلاث مرات قال: «اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؟» يعني تحلف بالله الذي لا إله غيره، حتى مثل بين يديه.


الطالب: وأسر عبدُ الرحمن بن عوف أميةَ بن خلف وابنه عليًّا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوتُ إن نجا. ثم استوخى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحرزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: ابرك. فبرك، فألقى نفسه عليه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن بن عوف، قال له أمية قبل ذلك: من الرجل المعلَّم في صدره بريشة نعامة؟ فقال: ذلك حمزة بن عبد المطلب، فقال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل. وكان مع عبد الرحمن أدراع قد استلبها، فلما رآه أمية قال له: أنا خير لك من هذه الأدراع. فألقاها وأخذه، فلما قتله الأنصار كان يقول: يرحم الله بلالًا فجعني بأدراعي وبأسيري . الشيخ: رضي الله عنه، ليش فجعه بذلك؟ لأنه ما أصاب أسيرًا ولا أدراعًا، الأدراع ذهبت والأسير قُتل. طالب: وانقطع يومئذ سيف عكَّاشة بن محصن، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جِذلًا من حطب فقال: «دُونَكَ هَذَا» ، فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلًا شديدًا أبيض، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل في الردة أيام أبي بكر. الشيخ: الله أكبر الله أكبر. الطالب: ولقي الزبير عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته، فطعنه في عينه، فمات، فوضع رجله على الحربة، ثم تمطى، فكان الجهد أن نزعها، وقد انثنى طرفاها. قال عروة: فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها، فلما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، ثم طلبها أبو بكر فأعطاه إياها، فلما قبض أبو بكر سأله إياها عمر فأعطاه إياها، فلما قبض عمر أخذها، ثم طلبها عثمان فأعطاه إياها، فلما قبض عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير وكانت عنده حتى قتل. وقال رفاعة بن رافع. الشيخ: يقول غرائب (...) فعل الزبير يدل على أمرين: القوة الشديدة والثاني الإصابة، لأنه جعل السهم على عينه، لا يرى منه إلا الحدق، العين، جعل السهم على عينه وأصابها، ومع ذلك دخل السهم في عينه حتى إنه بشدته وطأ على الرجل نزعها، وبشدته أخرجها، وقد انثنت أيضا من شدة الضربة، وهذه سبحان الله إذا رأيت هذه القوة في السابقين تقول: كيف هذا؟! الله أكبر.


الطالب: وقال رفاعة بن رافع: رُميت بسهم يوم بدر، ففُقئت عيني، فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي، فما آذاني منها شيء .

الشيخ: الله أكبر. الطالب: ولما انقضت الحرب أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى، فقال: «بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ، كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ» ، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ». الشيخ: أحسن من هذا: يا عتبةُ ويجوز الفتح، لكن الأفصح الضم. الطالب: فقال: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ». الشيخ: (ابنَ)، (عتبة) مبنية على الضم، و(ابن) منصوبة لأنها مضافة. الطالب: «يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا فُلَانُ، وَيَا فُلَانُ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ» . ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرْصة ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا. ثم ارتحل مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم، فلما كان بالصفراء قسم الغنائم، وضَرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة، ثم لما نزل بعرق الظبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيدًا مظفرًا منصورًا، قد خافه كل عدو له بالمدينة وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا. وجملة من حضر بدرًا من المسلمين ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، من المهاجرين ستة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون، وإنما قل عدد الأوس عن الخزرج، وإن كانوا أشد منهم وأقوى شوكة، وأصبر عند اللقاء؛ لأن منازلهم كانت في عوالي المدينة، وجاء النفير بغتة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتْبَعُنا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا» . فاستأذنه رجال ظهورهم في علو المدينة أن يستأني بهم حتى يذهبوا إلى ظهورهم فأبى. ولم يكن عزمهم على اللقاء، ولا أعدوا له عدته، ولا تأهبوا له أهبته، ولكن جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن بدر والأسارى في شوال. فصل : ثم نهض بنفسه صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل: ابن أم مكتوم، فبلغ ماء يقال له: الكُدر، فأقام عليه ثلاثًا ثم انصرف ولم يلق كيدًا. فصل: ولما رجع فَل المشركين إلى مكة موتورين محزونين، نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج في مئتي راكب حتى أتى العُرَيْض في طرف المدينة، وبات ليلة واحدة عند سلام بن مِشكم اليهودي، فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارًا من النخل، وقتل رجلًا من الأنصار وحليفًا له ثم كر راجعًا، ونذر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج في طلبه، فبلغ قَرقرة الكُدر، وفاته أبو سفيان، وطرح الكفار سَويقًا كثيرًا من أزوادهم يتخففون به، فأخذها المسلمون، فسميت غزوة السَّويق، وكان ذلك بعد بدر بشهرين، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة، ثم غزا نجدًا يريد غطفان، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فأقام هناك صفرًا كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلق حربًا. فصل: فأقام بالمدينة ربيعًا الأول، ثم خرج يريد قريشًا، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فبلغ بُحران معدنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، ولم يلقَ حربًا، فأقام هنالك ربيعًا الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف إلى المدينة. فصل: ثم غزا بني قينقاع، وكانوا من يهود المدينة، فنقضوا عهده، فحاصرهم خمسة عشر ليلة حتى نزلوا على حُكمه، فشفع فيهم عبد الله بن أُبي، وألح عليه، فأطلقهم له، وهم قوم عبد الله بن سلام، وكانوا سبع مئة مقاتل، وكانوا صاغة وتجارًا. فصل في قتل كعب بن الأشرف، وكان رجلًا من اليهود، وأمه. طالب: عبد الله بن سلَام أو سلَّام؟ الشيخ: لا عبد الله بن سلَام، بالتخفيف. هو قرأ: سلَّام؟

الطالب: لا، الأول: سلَّام. الشيخ: حتى هذاك أظن بالتخفيف، الظاهر أنه بالتخفيف. الطالب: وكان رجلًا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يُشبِّب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة وجعل يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين. ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ». فانتدب له محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وأبو نائلة، واسمه سِلكان بن سلامة، وهو أخو كعب من الرضاع، والحارث بن أوس، وأبو عَبْس بن جَبْر، وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا ما شاؤوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بَقيع الغَرْقَد، فلما انتهوا إليه قدّموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعامًا، ويرهنوه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك. ورجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم، فأتوه، فخرج إليهم من حصنه، فتماشوا فوضعوا عليه سيوفهم، ووضع محمد بن مسلمة مِغْوَلًا كان معه في ثُنَّته فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله، وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل وهو قائم يصلي، وجُرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرئ، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتِهم الله ورسوله. فصل في غزوة أحد : ولما قتل الله أشراف قريش ببدر.. الشيخ: قصة كعب بن الأشرف فيها دليل على جواز المخادعة للكافر المباح الدم، وهذا كافر مباح الدم فيجوز أن تخادعه لأي شيء شئت، ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالب مبارزة عمرو بن ود وخرج إليه صاح به علي وقال: ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو بن ود يظن أنه قد لحقه أحد، فضربه علي في حال التفاته، ضربه حتى ميز رأسه من جسمه، هذه مخادعة، لكنها مخادعة جائزة؛ لأن هذا الرجل إنما خرج من أجل أن يقتلك، فأنت تحيل عليه لتقتله. طالب: نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار المهاجرين (...) استشارت الأنصار، هل القائد يستشير جميع الجيش؟ الشيخ: لا، هذه العلة بيّنها، أن الأنصار رضي الله عنهم إنما بايعوه على أن يحموه مما يحمون به نساءهم وأبناءهم في ديارهم، ومعلوم أن بدر ليست من ديار المدينة، فخاف أن يكون في نفوسهم شيء، ولهذا تكلم سعد بن معاذ والمقداد بن الأسود، وهما رجلان عن الجميع، ولم يستشرهم كلهم. طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم بشر المؤمنين بالنصر، ورأى مصارع القوم، ولما جاءت المعركة دعا الله وألح في الدعاء، شنو الحكمة والعبرة؟ الشيخ: الحكمة أن هذا الوعد له سبب، هو موعود بسبب، من سببه هذا الدعاء، كما أن الله وعد الرسول عليه الصلاة والسلام الوسيلة ومع ذلك نحن ندعو له بها، فالرسول وُعد لكن بسبب ومن أسبابه الدعاء. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، تعليل ابن القيم رحمه الله بأن الشيطان إنما هرب خوفًا من أن يخلص إليه القتل، ما حكم وجهه مع قول الله عز وجل: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [الحجر: ٣٦، ٣٧]؟ الشيخ: إي نعم وجيه، ولهذا -إن صحت القصة- لما هرب إلى البحر جعل يدعو الله بأن يحقق له ما وعده بالإنظار إلى يوم البعث. وأنت تعلم أن الإنسان عند حصول الحوادث قد ينزعج وينسى، أليس النبي عليه الصلاة والسلام لما انكسفت الشمس خرج يجر رداءه، قال أنس أو الراوي: يخشى أن تكون الساعة ، ومعلوم أن الساعة لها مقدمات، لكن مع شدة الانزعاج يحصل هذا الشيء. طالب: أحسن الله إليك، ما نعقل من قصة كعب بن الأشرف إذا كان بين المسلمين وقوم معاهدة وأخلف هؤلاء المعاهدون يعني صاروا يسبون المسلمين؟ الشيخ: ينتقض عهده نعم، نقول: ينتقض عهده لا شك، إلا إذا كان زعيمًا ويكون عن قومه. الطالب: نندب من يقتله؟

الشيخ: نعم. الطالب: في مثل هذه الأحوال يعني دول الكفار أقوى من المسلمين وفي كثير يعذب المسلمين ولا يمكن محاربة هؤلاء الكفار، ألا يندب إلى قتل مثل هذا؟ الشيخ: هم بالحقيقة هؤلاء ما ظهر منهم الأذية ظهورًا بينًا.

الطالب: يعني مثل الكاتب ذاك اللي كتب في سب الرسول صلى الله عليه وسلم وعاش في بريطانيا ألا يستحق واحد يقتله؟ الشيخ: بلى، كيف؟! لا، يستحق. الطالب: نقيس على ذلك؟ الشيخ: إي نعم، كل من أساء إلى المسلمين من أهل الذمة حتى لو هم عندنا في بلادنا، إذا أساؤوا إلى المسلمين بزنا أو قتل أو غيره انتقض عهده، وصار ما له عهد، صار كالحربي يجوز لكل واحد أن يقتله. الطالب: وما على العلماء أن يفتوا بوجوب قتله؟ الشيخ: هذا معروف عند الفقهاء، أي واحد يقرأ كتاب الجهاد في كتب الفقه يعرف هذا. الطالب: لكن العوام ما يدرون، وغالب الذي (...). الشيخ: صحيح، العامة ما يعرفون. طالب: أحسن الله إليكم، من ثبت كفره وزندقته من المسلمين هل يجوز غيلته؟ الشيخ: إذا كان قد تعدى شره، إذا كان تعدى شره، ولم تخش الفتنة فربما نقول بجواز قتله، وقد نقول بمنع قتله خوفًا من أن يُطلع عليه؛ لأن الإنسان مهما تكتم قد يُطلع عليه. وإذا اطلع عليه ربما يكون فساد كبير. طالب: ينقض عهده بمفرده أم ينقض عهد كل الذميين الذين في هذا المكان؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: إذا نقض العهد هذا الذمي بسب المسلمين؟

الشيخ: هو فقط. الطالب: ولو كان رئيسًا؟ الشيخ: إذا كان رئيسًا فقد يقال: إن هذا نقض للجميع؛ له ولمن تبعه. طالب: يا شيخ، إن الرسول ضرب عقبة بن أبي معيط هل هو الدليل ولا غيره؟ الشيخ: على أيش؟ طالب: لما أسره في بدر ضربه في.. الشيخ: إي نعم، إي هذا لأنه مخير فيهم، الأسرى يخير فيهم الإمام بين أمور أربعة: بين القتل، والاسترقاق، والمن عليهم مجانًا، والمن عليهم بفداء، أربعة أشياء. على كل حال هذه المسائل ينبغي أن تجعل لولاة الأمور، يعني مثلًا نحن لو رأينا أحدًا في بلد فيه حكام مسلمون، وعلمنا أنه مرتد كافر فإنا نجعل هذا الأمر لولاة الأمور؛ لأنه يحصل فتنة، أما إذا صار في بلاد كفر فهذا نعم لا بأس أن نقتله؛ لأن بلاد الكفر لا يحكمون بالكتاب والسنة. طالب: يا شيخ عندنا في بلادنا بعض السادة يعني هؤلاء من أصحاب الكهنة أو من السادة وكذا يأتونهم الناس فيبصقون عليهم ويعتقدون بالشفاء، ويستندون لحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم عدة مرات بصق على بعض الصحابة ودعا لهم فشفاه، يقول هذه بركة ليست (...) لكن الله هو اللي الشافي لكن هذه البركة ولي دليل .. الشيخ: لكن هل بركة هذا المشعوذ بركة الرسول؟! سبحان الله! أقول: بركة هذا المشعوذ بركة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ولاحظوا يا جماعة أن هؤلاء أولياء الشياطين، لاحظوا أن أولياء الشياطين قد تعينهم الشياطين فيما يريدون، قد تعينهم فيظن العامة أن هذا من الولاية فيغترون بهم.


الطالب: .. سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد: فصل في غزوة أحد: ولما قتل الله أشراف قريش ببدر وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء -كما ذكرنا- إلى أطراف المدينة في غزوة السَّويق، ولم ينل ما في نفسه أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش، وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له: عَيْنَيْنِ، وذلك في شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أُبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمُقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهض ودخل بيته ولبِس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج فقالوا: يا رسول الله، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ» . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم مكتوم على المدينة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثُلمة، ورأى أن بقرًا تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقرة بنفر من أصحابه يُقتلون، وتأول الدرع بالمدينة. فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن.. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه الرؤيا، رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحي، بل «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن ما المناسبة أنه رأى في سيفه ثلمة؟ المناسبة -والله أعلم- أن الإنسان إنما يعتز في العادة وعند العرب بقبيلته وأهل بيته، والسيف سبب للعزة؛ لأن الإنسان به يدافع وبه يهاجم، والثلمة هو استشهاد حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وأما البقرة التي تذبح فإنها الصحابة رضي الله عنهم، ومُثلت له بالبقر لأن البقر من أنفع ما تكون من بهيمة الأنعام؛ يُحرث عليها، ويحلب منها، وتنمى، وهي هادئة بين الإبل وبين الغنم، ليس فيها سكينة الغنم الزائدة ولا شر الإبل الطائشة، فهي بين بين. وأما إدخال يده في درع حصينة فهو تأولها عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أنه يأوي إليها، ومعلوم أن الدرع تقي المقاتل سهام الأعداء وسيوفهم، فإذا لجأ إلى المدينة فقد وقاه الله سبحانه وتعالى شر أعدائه بلجوئه إليها. وفي هذا دليل على أن الرؤيا قد تكون بعيدة كل البعد من الواقع، وإنما تكون إشارات يضربها الملك للنائم يراها ويفهمها، أحيانًا تكون قريبة كرؤيا الملك لسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، فهذا واضح أنها في الزرع، في الجدب والإخصاب؛ لأنها قريبة، وأحيانًا، وهو قسم ثالث: يرى الإنسان الرؤيا فتقع بدون تأويل، أي تقع كما هي، كما رآها، وهذا أيضًا مشهور إلى وقتنا هذا؛ فإن بعض الناس إذا رأى رؤيا جاءت كما هي، بدون أن تكون أمثالًا مضروبة أو إشارات أو تلميحات. طالب: معنى الثلمة؟ الشيخ: الثلمة في السيف يعني كسرة في حده، كما يعرف الآن يقال: مثلًا سكين منثلمة، سيف منثلم، جدار منثلم.


الطالب: فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأُحد انخزل عبد الله بن أُبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري. فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، يوبخهم ويحضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع. فرجع عنهم وسبهم، وسألهم قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فأبى وسلك حرة بني حارثة، وقال: «مَنْ رَجُلٌ».. الشيخ: سأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى؛ وذلك لأنه لا حاجة إلى ذلك، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام عرف أن اليهود أهل غدر، وأنهم لا يؤمنون، ولهذا لا يجوز أن نستعين بكافر إذا لم يكن هناك حاجة، ولا نستعين إذا كنا لا نأمنه، لا نأمنه على أسرارنا، أو نخشى أن يخذلنا عند القتال، فالمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع هؤلاء أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود لهذا السبب.


الطالب: وسلك حرة بني حارثة وقال: «مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ». فخرج به بعض الأنصار حتى سلك في حائط لبعض المنافقين، وكان أعمى، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ويقول: لا أحل لك أن تدخل في حائطي إن كنت رسول الله. فابتدره القوم ليقتلوه فقال: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ». ونفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشِّعب من أُحد في عُدوة الوادي، وجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، فلما أصبح يوم السبت تعبَّى للقتال وهو في سبع مئة، فيهم خمسون فارسًا، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جُبير، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم، وألا يفارقوه ولو رأى الطير تتخطف العسكر، وكانوا خلف الجيش، وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. فظاهَر رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الشيخ: يقول الله عز وجل: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِفالنبي عليه الصلاة والسلام قد صفهم وبوأ منازلهم في صبح يوم السبت، فمن العلماء من قال: إنه بالحادي عشر، ومنهم من قال: في السادس من شوال، وقد اتفقوا على أنه في شوال.


الطالب: فظاهَر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يومئذ، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وجعل على إحدى المُجَنِّبتين الزبير بن العوام، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو، واستعرض الشباب يومئذ، فردّ من استصغره عن القتال، وكان منهم عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وأُسيد بن ظُهير، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، وعَرَابة بن أوس، وعمرو بن حزم. وأجاز من رآه مطيقًا، وكان منهم سَمُرة بن جُنْدب ورافع بن خديج، ولهما خمس عشرة سنة، فقيل: أجاز من أجاز لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة، وردّ من رد لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: إنما أجاز من أجاز لإطاقته ورد من رد لعدم إطاقته، ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك. قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر: فلما رآني مطيقًا أجازني. وتعبَّت قريش للقتال وهم في ثلاثة آلاف.. الشيخ: ابن القيم رحمه الله لم يرجح أحد القولين؛ هل أجازهم للبلوغ أو أجازهم للإطاقة؟ ولو قال قائل بأنه يحتمل أن يكون أجازهم للأمرين؛ للإطاقة والبلوغ، وقال: إنه إذا بلغ ولم يكن أهلًا للقتال لصغر في جسمه، وضعف أو مرض، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يجيزه؛ لأن وجود مثل هذا في الجيش قد يكون سببًا للهزيمة؛ لأنه لا يطيق مقابلة العدو، وأما إذا كان دون البلوغ فإنه لا يجيزه لصغره وعدم تكليفه، أو يقال: إذا كان دون البلوغ ورأى منه جلدًا وقوة -لأن بعض الناس يكون عنده نمو قوي، فيكون قبل البلوغ بمنزلة من له عشرون سنة- فله أن يجيزه، وحينئذ نقول: إذا كان لا يطيق فإنه لا يمكِّنه، وإذا كان يطيق فإن كان بعد البلوغ أجازه، وإن كان قبله فهو مخير؛ لاحتمال أن النبي عليه الصلاة والسلام منع مَن منع لعدم التكليف أو لعدم الإطاقة.


الطالب: وتعبَّت قريش للقتال وهم في ثلاثة آلاف، وفيهم مائتا فارس. فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد. الشيخ: كم الذين مع (...) فوارس؟ خمسون، وهؤلاء معهم مائتان. الطالب: فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة. الشيخ: (...) في ثلاثة آلاف، وأما جيش الرسول صلى الله عليه وسلم فهم نحو سبع مئة.


الطالب: وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دُجانة سِماك بن خَرَشة، وكان شُجاعًا بطلًا يختال عند الحرب. وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر الفاسقُ، واسمه عبد عمرو بن صَيفيّ. الشيخ: يختال عند الحرب، والخيلاء هنا لا بأس بها؛ لأن الاختيال يوجب غيظ الكفار، فالمفسدة التي تكون فيه -إن قُدر فيه مفسدة- يدفعها المصلحة التي هي أعظم، وهي كسر قلوب الأعداء. على أن الذي يختال في الحرب إنما يختال لا للفخر، وإنما يختال من أجل إغاظة الكفار، فتزول مفسدة الخيلاء بهذا.


الطالب: وكان أول مَن بدر من المشركين أبو عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي، وكان يُسمى الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وكان رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرِق به. الشيخ: كما سمى الرسول عليه الصلاة والسلام أبا جهل بهذه الكنية، وكان يسمى أبا الحكم، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام سماه أبا جهل، هذا أيضا الراهب سماه النبي عليه الصلاة والسلام الفاسق، ضد الراهب؛ لأن الراهب هو المتعبد لله عز وجل، والفاسق على ضده.


الطالب: وكان رأسَ الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرِق به، وجاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة، فخرج من المدينة، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحضهم على قتاله، ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه، فكان أول من لقي المسلمين، فنادى قومه وتعرف إليهم، فقالوا له: لا أنعم الله بك عينًا يا فاسق. فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ثم قاتل المسلمين. الشيخ: نعم هو شر لكنه شر عليهم، والمسلم لا بأس أن يستعمل الشر على الكافر، وقد مدح الله سبحانه وتعالى الصحابة في قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩] وأول من يدخل في هذا الوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان شديدًا على الكفار رحيمًا بالمؤمنين.


الطالب: ثم قاتل المسلمين قتالًا شديدًا، وكان شعار المسلمين يومئذ: أمِتْ. وأبلى يومئذ أبو دُجانة الأنصاري وطلحة بن عبيد الله. الشيخ: (أمِت) أيش معنى هذه؟ طالب: اقتل. الشيخ: يعني: اقتل، ففيه حث على الإقدام وعلى قتل الأعداء. طالب: شيخ، (شرِق به)؟ الشيخ: كما نقول: غَصّ بهذا الشيء، يعني معناه أنه لم يتحمله.

الطالب: ما كان شعارهم (أمت) بسبب الآية اللي نزلت في الإثخان: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِأمت بدل الأسر؟ الشيخ: يحتمل أنهم قصدوا هذا أو قصدوا من أجل الشجاعة، حملهم على الشجاعة.


الطالب: وأبلى يومئذ أبو دجانة الأنصاري، وطلحة بن عبيد الله، وأسد الله وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن النضر، وسعد بن الربيع. وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، فانهزم عدو الله وولَّوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، وقالوا: يا قوم، الغنيمةَ. فذكّرهم أميرُهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثَّغر، وكر فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا من الرماة، فجاوزا منه وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة وهم سبعون، وتولى الصحابة، وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجرحوا وجهه، وكسروا رَبَاعِيَته اليمنى، وكانت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه، ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين، فأخذ عليّ بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله، وكان الذي تولى أذاه صلى الله عليه وسلم عمرو بن قَمِئَة وعُتبة بن أبي وقاص، وقيل: إن عبد الله بن شهاب الزُّهْري -عم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري- هو الذي شجه. وقُتل مصعب بن عمير بين يديه، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب، ونشبت حلْقتان من حِلق المِغفر في وجهه، فانتزعهما أبو عُبيدة بنُ الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثَنِيَّتاه من شدة غوصهما في وجهه، وامتص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، وأدركه المشركون يريدون ما الله حائل بينهم وبينه، فحال دونه نفر من المسلمين نحو عشرة حتى قتلوا، ثم جالدهم طلحة حتى أجهضهم عنه، وترَّس أبو دجانة عليه بظهره والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها عليه بيده، وكانت أصح عينيه وأحسنهما، وصرخ الشيطان بأعلى صوته: إن محمدًا قد قُتل، ووقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين، وفر أكثرهم، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. ومر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثم استقبل الناس ولقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد. فقاتل حتى قتل، ووجد به سبعون ضربة. وجُرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحوًا من عشرين جراحة. وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين، وكان أول من عرفه تحت المِغفر كعب بن مالك، فصاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأشار إليه أن اسكت، واجتمع إليه المسلمون، ونهضوا معه إلى الشِّعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر وعمر وعلي والحارث بن الصِّمَّة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أُبيُّ بن خلف على جواد يقال له: العَود، زعم عدو الله أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما اقترب منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فطعنه بها فجاءت في ترقوته، فكر عدو الله منهزمًا، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون. وكان يعلف فرسه بمكة. الشيخ: هذا من آيات النبي عليه الصلاة والسلام ودليل على تأنيه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم صبر حتى جاء هذا الرجل واقترب منه وتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة بكل طمأنينة حتى ضربه في ترقوته وصار -والعياذ بالله- يخور كما يخور الفصيل أو الثور، فاجتمع الناس إليه وقالوا: ما فيك من بأس، هذه ضربة بسيطة، فقال: لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا. من شدة ألمها ووجعها، حتى مات. طالب: شيخ، لما سقطت عين الربيع بن قتادة رضي الله عنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم فكانت أحسن من الأخرى، كيف هذا يا شيخ وعينه الأولى من خلق الله سبحانه وتعالى؟ الشيخ: إي نعم، هذه من بركة فعل الرسول عليه الصلاة والسلام أنها صارت أحسن، ولا شك أن حسن العين الثانية بأمر الله أيضًا، ولا مانع. طالب: شيخ، ما هو (ذي المجاز)؟ الشيخ: ذو المجاز هذا سوق، سوق تجارة، يسمى ذا المجاز، يجتمع العرب فيه، في السنة مرة أظن، يتبايعون فيه.


الطالب: وكان يعلف فرسه بمكة ويقول: أقتل عليه محمدا. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى» ، فلما طعنه تذكر عدو الله قوله: أنا قاتله، فأيقن بأنه مقتول من ذلك الجرح، فمات منه في طريقه بسَرِفَ مَرجِعَه إلى مكة. وجاء علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء ليشرب منه فوجده آجنًا، فرده وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلو صخرة هنالك، فلم يستطع لما به، فجلس طلحة تحته حتى صعدها، وحانت الصلاة، فصلى بهم جالسًا، وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم تحت لواء الأنصار. وشد حنظلةُ الغَسيلُ. الشيخ: (الغسيلُ)، صفة لحنظلة. الطالب: وشد حنظلةُ الغَسيلُ -وهو حنظلة بن أبي عامر- على أبي سفيان، فلما تمكن منه حمل على حنظلة شداد بن الأسود فقتله، وكان جُنُبًا، فإنه سمع الصيحة وهو على امرأته فقام من فوره إلى الجهاد. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال: «سَلُوا أَهْلَهُ: مَا شَأْنُهُ» فسألوا امرأته فأخبرتهم الخبر. وجعل الفقهاء هذا حجة أن الشهيد إذا قتل جنبًا يُغسل اقتداءً بالملائكة. وقتل المسلمون حامل لواء المشركين، فرفعته لهم عَمرة بنت علقمة الحارثية حتى اجتمعوا إليه، وقاتلت أم عمارة -وهي نُسيبة بنت كعب المازنية- قتالًا شديدًا، وضربت عمرو بن قمِئة بالسيف ضربات، فوقتْه درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحًا شديدًا على عاتقها. وكان عمرو بن ثابت المعروف بالأصيرم من بني عبد الأشهل يأبى الإسلام، فلما كان يوم أحد قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له منه، فأسلم وأخذ سيفه، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فقاتل، فأُثبت بالجراح، ولم يعلم أحد بأمره، فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل في القتلى يلتمسون قتلاهم، فوجدوا الأُصيرم وبه رمق يسير فقالوا: والله إن هذا الأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر. ثم سألوه: ما الذي جاء بك؟ أَحَدَب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله ثم قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابني ما ترون. ومات من وقته، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . قال أبو هريرة: ولم يصل لله صلاة قط. ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل.. الشيخ: هذا فيه شاهد لحديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ الرَّجُلَ يَعْمَل بِعَمَل أَهْلِ النَّارِ حتَّى ما يَكُون بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» . وهذا فضل من الله محض، فضل محض، «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُون بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» ، وهذا عدل محض. الأول: فضل والثاني: عدل، لأن الثاني مقيد بما ثبت في صحيح البخاري: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . فلا يقول قائل: كيف يكون جزاء هذا الذي يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ما بينه وبينها إلا ذراع أن يكون من أهل النار، مع أننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى أكرم من عبده؟ فيقال: إن هذا العامل بعمل أهل الجنة إنما يعمل بذلك فيما يبدو للناس، أما الأول فهو يعمل عمل كفر لكن الله يتفضل عليه ويمن عليه فيهديه للإسلام فيسلم. طالب: شيخنا، الذي ذكره ابن القيم أن الفقهاء قالوا (...) حجة، أيش رأيك؟ الشيخ: لعله يذكره، أنا أظن أنه يذكره، ولكنه على كل حال إن لم يذكره فالصحيح أنه لا دليل في ذلك؛ أولًا: أن الحديث مختلف في صحته، والثاني: أن شأن الآخرة لا يقاس به أحوال الدنيا، فتغسيل الملائكة له قد يكون كرامة له، لا لبيان حكم شرعي. والصواب أن الشهيد لا يغسل ولو كان جنبًا؛ لأنه إنما يَلزمه غسل الجنابة من أجل الصلاة، والصلاة لا تجب على الميت، ولو قلنا بأنه يُغسل من الجنابة لقلنا: وإذا مات الإنسان وهو شهيد وعليه حدث أصغر وجب عليه أن يُوضَّأ، ولا أعلم به قائلًا، فالصواب أن الشهيد لا يغسل سواء كان جنبًا أم غير جنب. طالب: الإشكال هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج يوم الجمعة للقتال وقاتل يوم السبت، وكما يذكر ابن القيم أنه خرج عندما نادى المنادي كيف.. الشيخ: ويش الإشكال؟

الطالب: (...) وقت من أوقات الصلاة. الشيخ: ما يلزم أنه خرج يوم الجمعة وترك الصلاة. بعد الصلاة. طالب: والصلوات الأخرى؟ الشيخ: ما فيه مانع، الإنسان ما هو ممنوع أنه يسافر. طالب: شهيد غير المعركة هل له تغسيل؟ الشيخ: لا، شهيد غير المعركة كغير الشهيد، يعني يجب أن يُغسل ويكفن ويصلى عليه حتى وإن كان مقتولًا ظلمًا فإنه يغسل كغيره.


الطالب: ولما انقضت الحرب أشرف أبو سفيان على الجبل فنادى: أفيكم محمد؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه، فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه، ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قِوام الإسلام بهم، فقال: أما هؤلاء فقد كُفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله، إن الذين ذكرتهم أحياء، وقد أبقى الله لك ما يسوؤك. فقال: قد كان في القوم مُثلة لم آمر بها، ولم تسؤني. ثم قال: اعل هُبَل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تُجِيبُونَهُ؟». فقالوا: ما نقول؟ قال: «قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ». ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال: «أَلَا تُجِيبُونَهُ؟». قالوا: ما نقول؟ قال: «قُولُوا: اللهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ» . فأمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته وبشركه تعظيمًا للتوحيد، وإعلامًا بعزة من عبده المسلمون وقوة جانبه، وأنه لا يُغلب، ونحن حزبه وجنده، ولم يأمرهم بإجابته حين قال: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ بل قد رُوي أنه نهاهم عن إجابته وقال: «لَا تُجِيبُوهُ»؛ لأن كَلْمهم لم يكن بردَ بعدُ في طلب القوم، ونار غيظهم بعد متوقدة، فلما قال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم، حمي عمر بن الخطاب واشتد غضبه وقال: كذبت يا عدو الله. فكان في هذا الإعلام من الإذلال والشجاعة وعدم الجبن والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم، وأنهم لم يهِنوا ولم يضعفوا، وأنه وقومه جديرون بعدم الخوف منهم، وقد أبقى الله لهم ما يسوؤهم منه، وكان في الإعلام ببقاء هؤلاء الثلاثة وهلة بعد ظنه وظن قومه أنهم قد أصيبوا من المصلحة وغيظ العدو وحزبه والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم واحدًا واحدًا، فكان سؤاله عنهم ونعيهم لقومه آخر سهام العدو وكيده، فصبر له النبي صلى الله عليه وسلم حتى استوفى كيده، ثم انتدب له عمر، فرد سهام كيده عليه، وكان ترك الجواب أولًا عليه أحسن، وذكره ثانيًا أحسن، وأيضًا فإن في ترك إجابته حين سأل عنهم إهانة له وتصغيرًا لشأنه، فلما منته نفسه موتهم، وظن أنهم قد قتلوا، وحصل له بذلك من الكِبر والأشر ما حصل، كان في جوابه إهانة له وتحقير وإذلال، ولم يكن هذا مخالفًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُجِيبُوهُ»؛ فإنه إنما نهى عن إجابته حين سأل: أفيكم محمد؟ أفيكم فلان؟ أفيكم فلان؟ ولم ينه عن إجابته حين قال: أما هؤلاء فقد قتلوا. وبكل حال فلا أحسن من ترك إجابته أولًا ولا أحسن من إجابته ثانيًا. ثم قال أبو سفيان.. الشيخ: عندنا الآن ثلاث كلمات: أولًا: أفيكم محمد، أبو قحافة، عمر؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُجِيبُوهُ»، أو هم سكتوا عن إجابته دون أن ينهوا عن ذلك؛ لأن في ذلك إذلالًا له، وفي هذا تقوية له من جهة أن نفسه تظن لأول وهلة أن هؤلاء قُتلوا فيفرح، يفرح وتنتشر نفسه وتُسر، ولهذا قال: أما هؤلاء فقد كُفيتموهم. ثم جاء الجواب ردًّا على هذه الجملة، وهي الجملة الثانية بأنه كاذب، فقد كذبت عدو الله وقد أبقى الله لك ما يسوؤك، فكان هذا أشد عليه مما لو أجابوه قبل أن تمنيه نفسه أنهم قد قُتلوا؛ لأنه إذا منته نفسه أنهم قد قُتلوا وانشرحت بذلك وانبسطت كما يعبر عنه بقوله: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. ثم يأتي الجواب بأنهم أحياء؛ صار هذا أشد عليه. أما الجملة الثالثة وهي: اعْلُ هُبَل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يبادروا بجوابه فيقولوا: الله أعلى وأَجَلّ؛ وذلك لأن هذا ينافي التوحيد، حيث افتخر بآلهته التي يعبدها من دون الله، وهذا أمر لا يمكن السكوت عليه، أما مسألة محمد وأبو بكر وعمر فهي قد تكون مسألة شخصية لهم الحق في ألا يجيبوه أو أن يجيبوه.