كتاب الصيام - ١
درس صوتي · ٨٩:٠٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
التفريغ النصي للشريط رقم (٠١)
٠٠:٠٠:٠٠
الشيخ: باب المياه، باب الآنية، باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب الحيض، باب إزالة النجاسة. هذه هي القاعدة عندهم؛ أن الكتاب للجنس، والباب للنوع، والفصل لمفردات المسائل، إذا طال الباب جعلوه فصولًا. كتاب الصيام هذا جنس؛ لأن ما سبق في الصلاة والزكاة، وهذا هو الصيام، ورتَّب العلماء رحمهم الله الفقه في باب العبادات على حسب حديث جبريل، وعلى حسب حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في بعض ألفاظه؛ فقدموا الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج، والطهارة قبل الصلاة لأنها شرط، وهي مفتاح الصلاة فقدَّموها على الصلاة، وإلَّا لكان من المتوقع أن يجعلوها ضمن شروط الصلاة؛ يعني: في أثناء كتاب الصلاة، لكن لما رأوا أنها مفتاح وأن الكلام عليها كثير قدَّموها على كتاب الصلاة. الصيام في اللغة: مصدر صام يصوم، ومعناه أمسك، فالإمساك في اللغة والصيام بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم: ٢٦] صومًا: يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًايعني: إذا لم تري أحدًا فَقُولِي إِنِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًاأي: إمساكًا عن الكلام فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا، ومنه قولهم: صامت عليه الأرض إذا أمسكته وأخفته. أما في الشرع: فهو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ويجب التفطن لإلحاق كلمة التعبد في التعريف؛ لأن كثيرًا من الفقهاء لا يذكرونها، بل يقول: هو الإمساك عن المُفَطِّرات من كذا إلى كذا، في الصلاة يقولون: الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة، ولكن ينبغي أن نزيد كلمة التعبد حتى لا تكون مجرد حركات، أو مجرد إمساك، بل تكون عبادة. التعبد لله عز وجل بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وحكمه الوجوب بالنص والإجماع، ومرتبته في الدين الإسلامي أنه أحد أركانه، فهو ذو أهمية عظيمة في مرتبته في الدين الإسلامي. ثم اعلم أن من حكمة الله عز وجل أنَّ الله نَوَّع العبادات في التكليف؛ ليختبر المكلََّف كيف يكون امتثاله لهذه الأنواع، هل يَمْتَثِل ويَقْبَل ما يوافق هواه وطبعه، أم يمتثل ما به رضا الله عز وجل؟ فإذا تأملنا العبادات الخمس؛ الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وجدنا أن بعضها بَدنيٌّ محض، وبعضها مالي محض، وبعضها مركب، حتى يُبْتَلَى الشحيح من الجواد، ربما يهون على بعض الناس أن يُصَلِّيَ ألف ركعة، ولا يبذل درهمًا واحدًا، أليس كذلك؟ نعم، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم ولا يصلي ركعة واحدة، هكذا، فجاءت الشريعة بالتقسيم والتنويع حتى يُعرَف مَنْ يمتثل تعبدًا لله، ومن يمتثل تبعًا لهواه. فالصلاة مثلًا عبادة بدنية محضة، وما يجب لها مما يحتاج إلى المال كماء الوضوء الذي يشتريه الإنسان وثياب ستر العورة فهو تابع، وليس داخلًا في صلب العبادة. والزكاة مالية محضة، وما تحتاج إليه من عمل بدني كإحصاء المال وحسابه، ونقل الزكاة إلى الفقير والمستحِق فهذا يعتبر تابعًا ليس داخلًا في صلب العبادة. والحج مركب من مال وبدن إلَّا في أهل مكة فقد لا يحتاجون إلى المال، لكنَّ هذا شيء نادر بالنسبة أو قليل بالنسبة لغير أهل مكة. الجهاد في سبيل الله مركب من مال وبدن، وربما يستقل بالمال، وربما يستقل بالبدن؛ فالجهاد من حيث التركيب أعم العبادات؛ لأنه قد يكون بالمال فقط، وقد يكون بالبدن فقط، وقد يكون بهما جميعًا. ثم إن التكليف أو العبادات المكلَّف بها تتنوع من وجه آخر إلى كَفٍّ عن المحبوبات، وإلى بذل للمحبوبات، وهذا نوع تكليف أيضًا؛ كَفٍّ عن المحبوبات مثل الصوم. بذل للمحبوبات كالزكاة؛ فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يبذل المال المحبوب إلى النفس إلا لشيء أحب إليه منه، وكذلك الكفُّ عن المحبوبات هو أيضًا تكليف، وربما يهون على المرء أن يُنفق ألف درهم ولا يصوم يومًا واحدًا أو بالعكس؛ ومن ثَمَّ استحسن بعض العلماء استحسانًا مبنيًّا على اجتهاد لكنه سيء، حيث أفتى بعضَ الأمراء أن يصوم شهرين متتابعين بدلًا عن عتق الرقبة في الجماع في نهار رمضان، وقال: إن ردع هذا الأمير بصيام شهرين متتابعين أبلغ من ردعه بإعتاق رقبة؛ لأنه ربما يعتق ألف رقبة ولا يهون عليه أن يصوم يومًا واحدًا. لكنَّ هذا اجتهاد فاسد؛ لأنه مقابل للنص، ولأن المقصود بالكفَّارة ليس هو تعذيب الإنسان، بل تطهير الإنسان، وتطهيره بالإعتاق الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَإِنَّ اللَّه يُعْتِقُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ» فهو فَكاك من النار، فيكون أفضل وأعظم، والمقصود بالكفارات هو التهذيب، وإن كان فيها شيء من التأديب لكن أهم شيء هو التهذيب وتطهير المرء، فالحاصل أنك إذا تأملت الشريعة الإسلامية والتكاليف الإلهية وجدتها في غاية الحكمة والمطابَقة والامتحان والاختبار.
يقول المؤلف رحمه الله: (يجب صومُ رمضان برؤية هلاله) وهذه الجملة لا يريد بها بيان وجوب الصوم؛ لأنه مما عُلِمَ بالضرورة، ولكنه يريد أن يُبَيِّن متى يجب، فذكر أنه يجب بواحد من أمرين: الأول: رؤية الهلال؛ قال: (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) وسيأتي بيان مَنْ تثبت به رؤية هلال رمضان. وقوله: (بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ) مستفاد من قوله صلى عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» ، بل من قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥] أي: من القرآن والسُّنَّة؛ فمن القرآن في قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، ومن السُّنَّة في قوله: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، وعُلِم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب، فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان، ولكنه لم يُرَ فإنه لا يصام، فلا عمدة على الحساب؛ لأن الشرع علَّق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية. الشيء الثاني مما يثبت به دخول رمضان إتمام شعبان ثلاثين يومًا، فإذا كان شعبان قد ثبت وتم ثلاثين يومًا فإنه يجب صوم رمضان في اليوم الحادي والثلاثين؛ لأن الشهر الهلالي لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، ولا يمكن أن يَنْقُص عن تسعة وعشرين يومًا، فهو بين التسعة وعشرين والثلاثين. (فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثين أصبحوا مفطرين) (إن لم يُرَ) نائب الفاعل يعود على مَنْ؟ على الهلال. (مع صَحْوٍ) أي: صحو السماء؛ بأن تكون خالية من الغَيْم، وخالية من القَتَر، خالية من الدخان، خالية من الضباب، من كل مانع يمنع الرؤية ليلة الثلاثين أي: من شعبان أصبحوا مفطرين، حتى وإن كان قد هلَّ في الواقع، ما دام لم يُرَ فإنه وإن كان في السماء وقد هلَّ في الواقع فإنهم يصبحون مفطرين، وفي هذه الحال لا يصومون؛ يعني: أصبحوا مفطرين إما وجوبًا وإما استحبابًا؛ لقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلَّم: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجَلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» . (وإن حال دونه غيم أو قَتَر فظاهر المذهب يجب صومه)، (حال دونه) أي: دون الهلال، أي: دون رؤيته، (غيمٌ أو قَتَر)، الغيم معروف: السحاب، والقَتَر: التراب تحمله الرياح، وكذلك غيرهما مما يمنع الرؤية. (فظاهر المذهب يجب صومه) هذه العبارة غريبة من المؤلف؛ لأنه لم يَرِد مثلها في هذا الكتاب، (فظاهر المذهب)، وكأن المؤلف رحمه الله يشير إلى أن في المذهب خلافًا قويًّا على خلاف هذا القول، وسيأتي إن شاء الله، (فظاهر المذهب يجب صومه)، يجب صومه وجوبًا ظنيًّا احتياطًا، ما هو قطعيًّا، لماذا لا يكون قطعيًّا؟ لأنه لم يُرَ، وإنما كان احتياطًا، فالوجوب إذن مبنيٌّ على الاجتهاد والظن، لا على اليقين والقطع، فظاهر المذهب يجب صومه، لماذا؟ احتياطًا، كيف يكون احتياطًا؟ لاحتمال أن يكون الهلال قد هَلَّ، ولكن لم يُرَ بواسطة الغيوم أو القَتَر، أو الضباب أو ما أشبه ذلك؛ وحينئذ يكون للناس -في ليلة الثلاثين- حالان: الحال الأولى: وجوب الصوم. والثانية: الفطر، متى يكون الفطر؟ إذا كانت السماء صاحية، ويكون الصوم إذا كان عليها غيمٌ أو قَتَر أو نحوهما فظاهر المذهب يجب صومه، وهذا هو المشهور من المذهب المعتمد عند المتأخرين، حتى قال بعضهم: إن نصوص الإمام أحمد رحمه الله تدل عليه، أي: على الوجوب واستدلوا -كما قلت لكم- بأن هذا من باب الاحتياط، وبأن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان وفيه غيم أو قَتَر أرسل من ينظر إلى الهلال، فإن رآه وإلَّا أصبح صائمًا، أصبح هو بنفسه صائمًا، ولا يأمر أهله بالصيام، لكن لورعه وشدة تحريه -رضي الله عنه- كان يُصبِح صائمًا، إلَّا أننا نعلم أنه لا يرى الوجوب لأنه لم يأمر بذلك أهله. فصار الفقهاء رحمهم الله استدلوا لوجوب الصوم بنظر وأثر؛ النظر الاحتياط، لاحتمال أن يكون الهلال قد هلَّ ولكن منعه هذا الحاجب، والأثر أثر ابن عمر رضي الله عنه. ولننظر إلى هذا الاستدلال هل هو صحيح أو لا؟ فنقول: أما الاحتياط فإنما يكون فيما كان الأصل وجوبه، فشككنا في سقوط الوجوب، وأما ما الأصل عدمه، فلا احتياط في إيجابه، هذه واحدة. ثانيًا: ما كان سبيله الاحتياط فقد ذكر الإمام أحمد وغير الإمام أحمد فيما أظن أنه ليس بلازم، وإنما هو على سبيل الورع والاستحباب؛ وذلك لأننا إذا احتطنا وأوجبنا فقد وقعنا في غير الاحتياط، من حيث تأثيم الناس بالترك، والاحتياط أن تؤثِّم الناس أو لا تؤثِّمهم؟ طالب: أن لا تؤثِّمهم. الشيخ: أن لا تؤثِّمهم؛ فلذلك نقول: إن باب الاحتياط إنما يكون فيما الأصل وجوبه، والأصل هنا عدم الوجوب أو الوجوب؟ طلبة: عدم الوجوب. الشيخ: عدم الوجوب، فتبين ضعف هذا الاستدلال. أما الأثر -أثر ابن عمر- فلا دليل فيه أيضًا؛ لأن ابن عمر إنما فَعَلَه رضي الله عنه على سبيل الاستحباب لا شك؛ لأنه لو كان على سبيل الوجوب لأمر الناس به، ولو على الأقل أهْله، ولم يأمرهم بذلك، فسقط الاستدلال بهذين؛ بالأثر، وبالنظر. بقي أن يُقال: هل في المسألة قول آخر؟ نقول: فيها ستة أقوال غير هذا القول، وهذا السابع؛ فمن العلماء من قال: إنه إنه يَحْرُم صومه، على العكس من القول بالوجوب، واستدل هؤلاء بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» ، وإذا كان لا يصوم صومًا فصام هذا اليوم الذي فيه الشك فقد تقدم رمضان بيوم، وبحديث عمار بن ياسر الذي علقه البخاري ووصله أصحاب السنن: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ، ولا شك أن هذا يوم يُشَك فيه؛ لوجود، أيش؟ الغيم والقَتَر، وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» ، فقوله: «أَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» أمر، والأصل في الأمر الوجوب. وإذا وَجَب إكمال شعبان ثلاثين يومًا حَرُم الصوم، وهذا القول هو الصحيح، هو الراجح، أنه لا يجوز صومه احتياطًا، وربما نستدل بدليل رابع وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» فإن هذا من باب التنطع في العبادة، والاحتياطِ لها في غير محله. القول الثالث: أن صومه مستحب، وليس بواجب؛ استدلالًا بفعل عبد الله بن عمر. القول الرابع: أن صومه مكروه، وليس بحرام. والقول الخامس: أن صومه مباح، وليس بواجب، ولا مكروه، ولا مستحب، كم هذه؟ خمسة، الأحكام الخمسة تجري في هذا؛ الوجوب والتحريم والاستحباب والكراهة والإباحة. القول السادس: العمل بعادةٍ غالبة، العمل بعادةٍ غالبة؛ يقولون: إذا مضى شهران كاملًان فالثالث ناقص، أو شهران ناقصان فالثالث كامل، هذا الغالب، فيُعمل بالعادة الغالبة، فإذا كان شهر رجب وشعبان ناقصين فرمضان كامل، وإذا كان رجب وجمُادى الثانية ناقصين فشعبان كامل. والقول السابع: أن الناس تبعٌ للإمام، إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» ، والناس يَتْبَعُون إمامهم في هذا. فهذه أقوال سبعة أصحُّها التحريم، ولكن إذا رأى الإمام وجوب صوم هذا اليوم وأَمَر الناس به فإنه لا تنبغي منابذته، ويحصُل عدم منابذته أن لا يُظْهِر الإنسان فطرَه، فيفطر في هذه الحال سرًّا. والمسألة الآن كلها ما ثبت الشهر، أما لو حكم ولي الأمر بدخول الشهر فالصوم واجب، لكن الآن لم يثبت دخول الشهر، فهذه سبعة أقوال، وقد عرفتم أدلة كل قول. (وإن رُئِيَ نهارًا) (إن رئي) الضمير يعود على الهلال (نهارًا فهو لليلة المقبلة)، وكلام المؤلف في قوله: (فهو لليلة المقبلة) لم يُرِد به الحكم بأنه لليلة المقبلة، بل أراد به رَدَّ قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فإن بعض العلماء يقول: إذا رُئِيَ الهلال نهارًا قبل غروب الشمس من هذا اليوم دلَّ ذلك على أنه لليلة الماضية، ومنهم من فصَّل بما إذا رُئِيَ قبل الزوال أو بعده. ولكن القول الصحيح أنه ليس لليلة الماضية، اللهم إلَّا أن يُرى بعيدًا عن الشمس؛ يعني مرتفعًا عن الشمس كثيرًا، فهنا ربما نقول: إنه لليلة الماضية، إذا قدَّرنا أن بينه وبين مغرب الشمس، يعني: مسافة طويلة، فهذه قد يقال: لليلة الماضية، وأنه لم يُرَ في تلك الليلة لسبب من الأسباب، لكن مع ذلك لا نتيقن هذا الأمر. ثم إن قوله: (إنه لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه أيضًا؛ لأنه إن رُئي تحت الشمس فليس لليلة المقبلة قطعًا، إن رُئي تحت الشمس يعني: أقرب إلى المغرب من الشمس فليس لليلة المقبلة؛ لماذا؟ لأنه سابق لها، والهلال لا يكون هلالًا إلَّا إذا تأخر عن الشمس، فمثل: لو رأيناه قبل غروب الشمس بنصف ساعة، ووجدناه -أي الهلال- قد بقي عليه ربع ساعة أو عشر دقائق والشمس بقي عليها نصف ساعة فهنا قطعًا لا يكون للمقبلة؛ لماذا؟ لأنه سيغيب قبل أن تغرب الشمس، وإذا غاب قبل أن تغرب الشمس فلا عبرة برؤيته؛ إذ إن العبرة بالرؤية رؤيته بعد الغروب متخلفًا عن الشمس، هذا العبرة. ثم قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، (إذا رآه): أي الهلال، (أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، والمراد بالأهل هنا: من تثبت به رؤيته، فهو عامٌّ أُريد به الخاص، فليس المراد به أن جميع أهل البلد من صغير كبير وذكر وأنثى يراه، المراد إذا ثبتت رؤيته بمكان من بلاد المسلمين لزم الناس كلهم الصوم في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» . والخطاب موجه لعموم الأمة، فيُصام للرؤية، ويُفطَر للرؤية في جميع أقطار الأرض؛ لأنه خطاب عام، «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ ولأن ذلك أقرب إلى اتحاد المسلمين، واجتماع كلمتهم، وعدم التفرق بينهم بحيث يكون هؤلاء صائمين وهؤلاء مفطرين، هؤلاء مُعَيِّدين وهؤلاء صائمين، ففيه تفريق للأمة، وإذا اجتمعوا فصار يوم صومهم واحدًا ويوم فطرهم واحدًا كان هذا أقوى في الاتحاد، واجتماع الكلمة. ففيه إذَن دليل أثري ودليل نظري معنوي؛ الأثري قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأْفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، والنظري: أن فيه اجتماع كلمة المسلمين واتحادهم، وهذا أمر يَنْظُر إليه الشرع نظر اعتبار، وعلى هذا فإذا ثبتت رؤيته في أقصى المغرب، بل في أمريكا وجب على أهل الصين أن يصوموا مع تباعد ما بين المطالع، فإن مطالع الهلال في أمريكا ومطالعه في أقصى الشرق متباعدة جدًّا لكن مع ذلك يجب الصوم لما سمعتم من الدليل الأثري والدليل النظري. وقال بعض أهل العلم: لا يجب إلَّا على مَنْ رآه أو كان في حكمهم، من رآه أو كان في حكمهم، ومن هو الذي في حكمهم؟ مَن وافقت مطالع الهلال عنده مطالع الهلال عند مَنْ رآه، فإذا اتفقت المطالع فإنه يجب الصوم، وإذا اختلفت لم يجب. قال شيخ الإسلام رحمه الله: تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة، أهل المعرفة بالفلك وجرائم الشمس والقمر، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلَّا فلا، وهذا القول أقوى من الأول وأصح بدلالة الأثر والنظر الصحيح عليه، أما الأثر فلقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ، والقوم الآخرون الذين لا يوافقون من شهده في المطالع لا يقال: إنهم شهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله عز وجل إنما أوجب الصوم على مَنْ شهده، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فعلَّل الأمر بالصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حكمًا. وأما القياس فإن التوقيت اليومي يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، التوقيت اليومي إمساكًا وإفطارًا يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، فإذا طلع الفجر في المشرق فهل يلزم أهل المغرب أن يُمسكوا؟ طالب: لا. الشيخ: كيف؟ كُلُوا وَاشْرَبُواالخطاب للأمة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧]، تبيَّن لنا في المشرق، نقول لأهل المغرب: أمسكوا؟ غابت الشمس في المشرق، وأهل المغرب صائمون والوقت عندهم أول النهار، نقول: غربت الشمس فأفطروا؟ طلبة: لا. الشيخ: ليش ما نقول؟ أليس إذا دخل هلال شوال ورُئي هلال شوال، وهو وقت في الفطر، على هذا القول اللي هو المذهب يُفطِر الناس جميعًا؟ وإذا رُئِي هلال رمضان أمسك الناس جميعًا؟ يعني: صاموا، أليس كذلك؟ إذن ما الفرق؟ الخطاب واحد موجه للعموم معلق بطلوع الفجر وبغروب الشمس. إذن القياس الصحيح أنه كما يختلف المسلمون في الإمساك والإفطار اليومي يجب أن يختلفوا كذلك في الإمساك والإفطار الشهري إذا اختلفت المطالع، وبناء على هذا القول لو رآه أهل المغرب -أي الهلال- ولم يره أهل المشرق لم يلزمهم الصوم، ولو رآه أهل المشرق ولم يره أهل المغرب لزمهم الصوم. طالب: ما يصير. الشيخ: كيف ما يصير؟ نعم هو حقيقة ما يصير، متى رآه أهل المشرق والخط واحد فلا بد أن يراه أهل المغرب؛ لأنه إذا رُئي متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فإنه لا يزداد في مسير الشمس إلَّا تأخُّرًا، وإذا رُئي خَفِيًّا في المشرق فسوف يُرى في المغرب ظاهرًا قويًّا، ولا يمكن أن يُرى في المشرق ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه، أبدًا، بل إحدى الدَّعْوَيَيْنِ كاذبة، إما أن المشرق لم يروه، وإما أن المغرب قد حُجِب عنهم، أمَّا أن يقول المشرق: رأيناه ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه فهذا لا يمكن، أليس كذلك؟ لكن لو قال أهل المغرب: رأيناه، وقال أهل المشرق: لم نره؟ طلبة: احتمال، يمكن. الشيخ: صحيح، هذا يمكن. إذن القول الراجح على هذا أنه إذا اختلفت مطالع الهلال لم يلزم مَنْ خالفت مطالعهم مطالع الرائين أن يصوموا أو أن يُفطِروا. القول الثالث في المسألة: أن الناس تبعٌ لإمامهم، إذا صام صاموا، وإذا أفطر أفطروا، فإذا كان تبع المملكة أو الإمارة إذا ثبت في بلد الأمير رؤية الهلال لَزِم جميع مَنْ ينتسب لهذا الأمير أن يصوم. وعلى هذا فلو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة، ثم حكم الخليفة بالثبوت لَزِم جميع من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها يصوم أو يفطر؛ لئلَّا تختلف الأُمَّة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرُّق. وعَمَلُ الناس اليوم على هذا: أنه إذا ثبت عند ولي الأمر لَزِم جميع من تحت ولايته أن يتبعوا ما ثبت عنده من صوم أو فطر، وهذا من الناحية الاجتماعية قول قويٌّ، وحتى لو صححنا القول الثاني الذي نحكم فيه باختلاف المطالع فينبغي لمن رأى أن المسألة مبنيَّة على اختلاف المطالع ألَّا يُظْهِر مخالفةً لما كان عليه الناس؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس. طيب، على هذا القول إذا كانت الحد بين الدولتين فاصلًا فقط، كالمراسيم بين الأرضَيْن، أهل القرية الذين في هذا الحكم يلزمهم الصوم، وأهل القرية التي ليس بينها وبينها إلَّا ذراع واحد لا يلزمهم الصوم، بناء على أن المرجع الولاية، لكن الذي تدل عليه الأدلة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن المسألة مبنية على اختلاف المطالع. وذهب بعض أهل العلم -ولا سيما المتأخرين- إلى أنه يلزم حكم الرؤية كلَّ من أمكن وصول الخبر إليه في الليلة؟ وهذا في الحقيقة يشابه المذهب في وقتنا الحاضر؛ لأنه يمكن وصول الخبر لجميع أقطار الدنيا في أقل من ليلة، هذا القول -في الحقيقة- إنما يختلف عن المذهب فيما لو كانت وسائل الاتصالات مفقودة، فيكون ما يصل إلى الخبر في الليلة يجب أن يصوم، وما لا يصل الخبر إليه إلَّا بعد يوم لا يجب. فالآن باعتبار المواصلات والاتصالات يمكن أن يصل الخبر في دقيقة، إذا أُعلِم مثلًا في الإذاعة هنا في المملكة يَسْمع الإذاعة الذي في المملكة والذي في خارج المملكة كل من يصل إليه صوت الإذاعة. قال: (وإذا رآه أهلُ بلد لزم النَّاسَ كُلَّهُم الصَّوْمُ)، أو (لزم النَّاسُ كُلُّهُم الصَّوْمَ)؟ طلبة: الأول: (النَّاسَ). الشيخ: هل الناس يَلْزمون الصوم، ولا الصوم يلزمهم؟ طلبة: الصوم يلزمهم. الشيخ: الصوم يلزمهم؟ طلبة: (...). الشيخ: لكن ما اللازم؟ هل الناس يلزمون الصوم ولَّا الصوم يلزمهم؟ طلبة: الصوم يلزمهم. الشيخ: إي، الصوم يلزمهم، صحيح، كما نقول: يجب الصوم؛ يعني: يلزم الصوم. طالب: وإذا قال قائل: يا شيخ، وهذا القياس قياس رؤية الهلال على الإمساك والإفطار غير صحيحة؛ يعني: في المملكة العربية السعودية مثلًا بهذه المملكة عشر أوقات للإمساك والإفطار؛ يعني: في ستة ونصف، ستة مثلًا ونصف ودقيقة، إلى عشر دقائق مع أنه رمضان في يوم واحد. الشيخ: عمل الناس الآن مبنيٌّ على القول بأن الناس تبع للإمام في مسألة دخول الشهر وخروجه. الطالب: (...). الشيخ: لا، هذا بالإجماع.
(...) تختلف، قد يُرى في المغرب ولا يُرى في المشرق، وقد يُرى في الشمال ولا يُرى في الجنوب؛ لأن القمر دائمًا متأخر عن الشمس؛ قال الله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا [الشمس: ١، ٢]، بعض العلماء يقول: المعنى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَاهذا أول النهار، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَاهذا أول الشهر؛ لأنه في أول الشهر يتلوها، لكن الواقع أن القمر دائمًا يتلو الشمس، دائمًا متأخر عنها، صحيح؟ إي، لكن قد يقول قائل: في آخر الشهر القمر يطلع قبل الشمس. نقول: هو بسبب تأخره طلع قبلها؛ يعني: هو كل يوم يتأخر كل يوم يتأخر. الطالب: ما الذي يترتب على هذا؟ الشيخ: يترتب على هذا نفي قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فهؤلاء يقولون إذا رُئِيَ الهلال يلزم الإنسان، إذا رُئِيَ الهلال نهارًا يلزم الإنسان؛ لأنه تَبَيَّن اليوم من رمضان. طالب: إذا رُئِيَ نهارًا فهو لليلة المقبلة. الشيخ: كلام المؤلف، لليلة المقبلة، فيه مَنْ يَرى أنه لليلة الماضية، وعليه فيجب الإمساك إذا رُئِي في النهار. الطالب: (...) أحسن الله إليكم. الشيخ: ما ندري مَنْ قال، لكنه قول العلماء، لكنه مثلما قلت لكم أنا؛ قلت: حتى كلام المؤلف قوله: (لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه. طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة إذا رآه أهل بلد لزم الناس الصوم؛ يعني: الذين قالوا: إنهم تبع الإمام، ماذا يجيبون عن قضية ابن عباس رضي الله عنه عندما..؟ الشيخ: حديث أم الفضل أنها أرسلت مولى لها إلى معاوية، فرجع من معاوية إلى المدينة وقال: إن معاوية أفطر لأنهم رأوا الهلال ليلة الجمعة، قال ابن عباس: أما نحن رأيناه ليله السبت، ولا نزال نصوم حتى نراه، فالفقهاء يجيبون عن هذا بجواب ليس بصواب؛ يقولون: إن ابن عباس لم يعتدَّ بقول الواحد؛ لأنه فِطْر ولا يُعتدَّ بقول الواحد، فهمت؟ ولكنَّ هذا ليس بصحيح والحديث لا يدل على أنه لم يعتدَّ بقول الواحد، بل يدل على أنها لما اختلفت المطالع صار أهل المدينة لا يلزمهم الفطر حتى يروا الهلال. طالب: (...) ابن عباس (...) رضي الله تعالى عنه. الشيخ: نعم، لكن معاوية لا يخالف ابن عباس في هذا؛ لأنه يوافقه بعلمه وفقهه. طالب: شيخ، قد يكون الفرق يومًا بين المطالع يُقْبَل من الناس، لكن المشكلة الآن يوجد يومين؛ لأن قد يصوم الناس في المشرق ويجلس بعض أهل المغرب يومين ما صاموا. الشيخ: لا، هو الغريب أحيانًا أن أهل المغرب يصومون وأهل المشرق يصومون بعدهم بيومين. الطالب: بالعكس (...). الشيخ: لا بالعكس، الباكستان يتأخرون أحيانًا عنا يومين. الطالب: والمغرب كذلك. الشيخ: المغرب لا بأس، المغرب قد يكون. الطالب: بس يومين يا شيخ، هذا السؤال (...) أحدهما يكون كاذبًا. الشيخ: أحدهما يكون كاذبًا الذي يقول: رأيناه في المشرق، والمغرب يقولون: ما رأيناه. الطالب: (...) ما صاموا؛ لأنهم ما رأوه. الشيخ: إذا قال: أهل المشرق رأيناه، وقال أهل المغرب: لم نره، فأحدهما كاذب. الطالب: هذا الواقع. الشيخ: لا هذا ما هو بالعكس، هذا الصواب. الطالب: بس هذا الواقع. الشيخ: لأنه إذا رُئي في المشرق لا بد أن يُرى في المغرب، لا بد؛ لأنه إذا كان متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فلا يمكن أن يقفز يروح قدامها فلا يُرى، ولهذا تذكرون قبل ثلاث سنوات أننا أفطرنا وكسفت الشمس بعد غروبها، وصار في ضجة كبيرة، قالوا: إفطار السعودية خطأ، لماذا؟ لأن كسوف الشمس سببه أن القمر يحول بينها وبين الأرض، وهذا يقتضي أنها حين غابت عنا غابت بعد القمر، غابت بعد القمر ثم لحقته وكسفت، وصار فيها ضجة كبيرة في الصحف الخارجية، نعم؟ وهذا ما فيه شك، يعني: لا يمكن أن تكسف الشمس بعد الغروب، ثم يُقال: إن الهلال قد هلَّ، أبدًا، مستحيل. لكن لو قال الإنسان: إن الله على كل شيء قدير، نقول: الله على كل شيء قدير، صحيح، يمكن يجعل الهلال ليلة البدر، القمر ليلة البدر يمكن أن يجعله هلالًا، على كل شيء قدير، لكن كلام العادة والسُّنَّة التي أجراها الله عز وجل أن هذا لا يمكن أن يقال: هَلَّ الهلال ثم تكسف الشمس بعد الغروب. ولما قال الفقهاء رحمهم الله: إذا وقع خسوف القمر يوم عرفة صلَّى صلاة الكسوف ثم دفع، قالوا: لأن الدفع وقته واسع، والكسوف غير واسع؛ لأنه ربما ينجلي فتفوت الصلاة، لما قالوا هذا قالوا: ويتصور كسوف الشمس والقمر كل وقت والله على كل شيء قدير، فقال شيخ الإسلام: نعم، لا نعارض في قدرة الله، كما أنه يمكن أنه تخرج الشمس في نصف الليل، ولَّا ما يمكن؟ والله على كل شيء قدير، في آخر الزمان تخرج من مغربها، لكن يقول: أجرى الله العادة أنه لا خسوف للقمر إلَّا في زمن الإبدار، ولا كسوف للشمس إلَّا في زمن الاستسرار في آخر الشهر، ولا يمكن أن يقع خسوف القمر في عَرَفَة أبدًا، مستحيل، وتعرفون أظن قبل شهرين عندنا هنا في عُنيزة (...).
(ولو أنثى) لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام، (ولو أنثى)؛ لأنه خبر ديني فاستوى فيه الذكر والأنثى، كما لو قالت لك الأنثى: غابت الشمس تُفْطِر على قولها. إذا رآه على المذهب يُصام بأمر ثالث وهو إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر فإنه يجب أن يُصام، وعليه فيكون صيام رمضان يثبت بواحد من أمور ثلاثة: رؤية هلاله، إكمال شعبان ثلاثين، أن يحول ليلة الثلاثين من شعبان دون رؤيته غيم أو قَتَر. والصحيح في الثالثة أنه لا يجب صومه، بل لا يجوز صومه؛ لأنه اليوم الذي يُشَكُّ فيه. إذا رُئي الهلال نهارًا، هل يكون لليلة الماضية أو المقبلة؟ المذهب يقول: إنه لليلة المقبلة ومرادهم أنه ليس لليلة الماضية خلافًا لمن قال: إنه لليلة الماضية، وقد ذكرنا في ذلك تفصيلًا: هل يُرَى تحت الشمس أو فوق الشمس؟ ذكرناه فيما سبق. إذا رآه أهل بلد فهل يلزم جميع الناس أن يصوموا؟ المذهب: نعم، يلزم جميع الناس أن يصوموا، والصحيح أنه إن اختلفت المطالع لم يلزمهم، وإن اتفقت لزمهم، كما يدل على ذلك الأثر والنظر، وأظن أنَّا بَيَّنَّا الأدلة على ذلك؛ الأثرية والنظرية. ثم قال المؤلف: (ويُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، (يُصام): نائب الفاعل يعود إلى رمضان، أي: يصوم الناس على التفصيل السابق، (يُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، وبعضهم يعبر: برؤية ثقة وهو أعم. (برؤية عدل) مَن العدل؟ العدل في اللغة: المستقيم، ضد المعوج، وفي الشرع: من قام بالواجب ولم يَفْعَل كبيرة ولم يُصِرَّ على صغيرة، هذا العدل، مَن قام بالواجب: يعني أدى الفرائض كالصلوات الخمس، ولم يفعل كبيرة ولم يصرَّ على صغيرة؛ وحينئذ نحتاج في هذا التعريف إلى معرفة ما هي الكبائر؛ لأن الكبيرة بمجرد ما يفعلها الإنسان يخرج عن العدالة ما لم يَتُبْ، والصغيرة لا يخرج بمجرد فعلها ما لم يُصِرَّ عليها؛ فما هي الكبيرة؟ من الكبائر النميمة، وهي نقل كلام الناس بعضهم ببعض لقصد الإفساد بينهم، فيأتي إلى شخص ويقول: قال فيك فلان كذا وكذا، مما يؤدي إلى العداوة والبغضاء، هذه النميمة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» ، أي: نمَّام، وثبت عنه أنه كُشِف له عن رجلٍ يُعَذَّب في قبره بالنميمة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مَرَّ بقبرين، فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» ، فإذا نَمَّ الإنسان مرة واحدة ولم يتب فليس بعدل. من الكبائر أيضًا الغيبة، وهي: «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» من عَيْبٍ خِلْقي، أو خُلُقي، أو ديني، هذه الغيبة، خِلْقي كأن تقول: هذا الرجل أعور، هذا أنفه مائل، هذا فمه واسع، وما أشبه ذلك، هذا عَيْب خِلْقي. خُلُقي مثل أن تقول: هذا أحمق، سريع الغضب، عصبي، وما أشبه ذلك. ديني مثل أن تقول: مُتَهاوِن بالصلاة، لا يَصِلُ رحمه، لا يَبَرُّ بوالديه، وما أشبهها، هذه الغيبة «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» في غَيْبته ولَّا في حضوره؟ في غَيْبته؛ ولهذا تسمى غِيبة فِعْلَة، من الغَيْب، أما في حضرته، فلا تُسَمَّى غِيبة وإنما تُسَمَّى سبًَّا وشتمًا؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنِ امْرُؤٌ سَابَّهُ»؛ يعني: الصائم «سَابَّهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» . رجل اغتاب شخصًا في المجلس، نقول: إنه خرج عن العدالة ما لم يتب من ذلك، هذا هو العدل. يقول الفقهاء أيضًا -يزيدون على ذلك-: ولم يخالف المروءة، فإن خالف المروءة فإنه ليس بعَدْلٍ، ومَثَّلوا لذلك بمن يأكل في السوق، ومَثَّلوا لذلك أيضًا بمن يَتَمَسْخَر بالناس؛ يقلِّد أصواتهم وما أشبه ذلك؛ قالوا: هذا ساقط المروءة فيكون ساقط العدالة. وظاهر كلام أحمد فيمن ترك الوتر: أنه رجل سوء لا ينبغي أن تُقْبَل له شهادة، أنَّ مَنْ ترك عبادة مؤكدة فإنه تَسْقُطُ عدالته، ولكن ينبغي أن يقال: إن الشهادة في الأموال ليست كالشهادة في الأخبار الدينية؛ في الأموال ينبغي أن نُشَدِّد، لا سيما في وقتنا هذا؛ فما أكثر الذين يشهدون زورًا، لكن في الأخبار الدينية يَبْعُد أن الإنسان يكذب فيها إلا أن يكون هناك مُغريات توجب أن يكذب، مثلما يقال: إنه في بعض الدول إذا شهد شخص بدخول رمضان أعطَوْه مكافأة، أو بشهادة شوال أعطوه مكافأة، هذه ربما تُغْرِي ضعيف الإيمان فيشهد بما لم يرَ. يُشْتَرط مع العدالة -وهي قد فاتت المؤلف رحمه الله- أن يكون قويَّ البصر بحيث تَصْدُق دعوى أنه رآه، فإن كان ضعيفَ البصر فإنه -وإن كان عدلًا- لا تقبل؛ لأنه إذا كان ضعيف البصر وهو عدل فإننا نعلم أنه متوهم، لكن لعدالته خاف أن يتعلق بذمته شيء فشهِد بما هو متوهم فيه، أليس كذلك؟ لهذا لا بد مع العدالة من قوة البصر بحيث يحتمل صدقُه فيما ادَّعاه، وإلَّا فلا، فلو جاءنا رجل أعمش ضعيف البصر لكنه عَدْل في دينه لا يُخِلُّ بواجب ولا ينتهك محرمًا وقال: لقد رأيت الهلال، قلنا: هات غيرك، قال: تقدح في ديني؟ ماذا أقول له؟ لا، صَوْمُ الناس، خَفْ ربك، يقول للقاضي: خَفِ الله، فيقول له: أنا أشك في إدراكك لهذا، أقدح في رؤيتك، ولا مانع، وإن شاء أن يختبره اختبره، فيضع له علامة في الجدار يكون بينه ويبنها كما بيني وبين الجدار كم أرى؟ ثلاثة متر، علامة كبيرة، علامة استفهام، يقول ما هذه؟ فيقول: هذا رقم تسعة. هل يكون هذا ثقة؟ لا ما هو ثقةً، فلا نقبله وإن كان عدلًا في دينه، وعندنا في ذلك دليل من القرآن وهو أن الله عز وجل جعل القوة والأمانة من مُسَوِّغَات إجراء ما يترتب على العمل، ففي قصة موسى مع صاحب مَدْيَن؛ قالت إحدى ابنتيه: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص: ٢٦]، وقال العفريت من الجن الذي التزم أن يأتي بعرش ملكة سبأ قال: وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]، فهذان الوصفان رُكْنان في كل عمل، ومنها الشهادة. إذن نقول: برؤية عدل، فات المؤلف أن يقول: قويّ البصر، لكن لو أراد شخص أن يعتذر عن المؤلف ويقول: إن العدل إذا كان ضعيفَ البصر فلا يمكن أن يشهد بما لم يره، ما تقولون؟ نقول: لا هذا ليس بعذر؛ لأن العدل إذا تَوَهَّم وتَخَيَّل أنه رأى الهلال فسوف يُصِرُّ على أنه رآه؛ لما عنده من الدِّين الذي يرى أنه من الواجب عليه أن يبلِّغ لأجل أن يصوم الناس أو يُفْطِر الناس، فلا بد من إضافة قوي البصر. قال: (ولو أنثى) قوله: (لو) غالبًا ما تأتي إشارة للخلاف، والمسألة كذلك في هذا. قوله (ولو أنثى) إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: الأنثى لا تُقبل شهادتُها في رؤية الهلال، رمضان ولا غيره؛ لأن الذي رأى الهلال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فلا يُقبل إلَّا الرجال؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فُصُومُوا وَأَفْطِرُوا» ، شاهدان، والمرأة شاهدة، وليست شاهدًا. ولكن الفقهاء رحمهم الله -فقهاء المذهب- يقولون: إن هذا خبرٌ دينيٌّ يستوي فيه الذكور والإناث، كما استوت الذكور والإناث في الرواية، والرواية خَبَرٌ ديني، فكذلك الخبر برؤية الهلال؛ ولهذا لم يشترطوا لرؤية هلال رمضان ثبوت ذلك عند الحاكم، ولا لفظ الشهادة، بل قالوا: لو سمع شخصًا ثقة يحدث الناس في مجلسه: إنه رأى الهلال فإنه يلزمه أن يصوم بخبره. وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ يعني كون الإنسان إذا سمع شخصًا يُخبِر بأنه رأى هلال رمضان فإن يلزمه الصوم؟ هذه تحتاج إلى نظر؛ لأنه لا بد أن تُضبط الأمور ويقال: لا بد أن يذهب هذا الشاهد إلى الحاكم ليحكم برؤيته. قال: (فإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلالُ، أو صاموا لأجل غَيْمٍ لم يُفْطِروا)، (إن صاموا) أي: الناس (بشهادة واحد) أي: في دخول شهر رمضان، ولم يُرَ الهلال حينها أتموا ثلاثين فإنهم لا يفطرون، بل يصومون واحدًا وثلاثين يومًا، فإن لم يُرَ الهلال صاموا اثنين وثلاثين يومًا. طلبة: (...). الشيخ: بلى، كيف. طالب: (...). الشيخ: كيف؟ الطالب: (...). الشيخ: طيب، ربما يكونوا أخطؤوا في شعبان. الطالب: (...). الشيخ: يكون فيه خطأ في شعبان يوم، وفي دخول رمضان يوم. طلبة: يومين. الشيخ: هذان يومان، على كل حال، إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا ولم يُرَ الهلال، وجب عليهم واحدًا وثلاثين يومًا، لماذا؟ لأنه لا يثبُت خروج الشهر إلَّا بشهادة رجلين، وهنا الصوم مبنيٌّ على شهادة رجل، فهو مبنيٌّ على سببٍ لا يثبُت به خروجُ الشهر. الآن الصيام ثابت بشهادة واحد، والإفطار لا يثبُت إلا بشهادة اثنين إذن لا تُفْطِر؛ يعني: إذا أفطرت فقد بَنَيْتَ على شهادة واحد، هذا هو المشهور من المذهب، وعرفتم التعليل. وقال بعض أهل العلم: بل إذا صاموا ثلاثين يومًا بشهادة واحد لزمهم الفطر؛ لأن الفطر هنا تابع للصوم ومبنيٌّ عليه، والصوم ثبت بطريق شرعيٍّ مقبول، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فشهادة شوال لا تُقبل إلَّا برجلين لكن لما ثبت دخول شهر رمضان شرعًا كان دخوله مبنيًّا على أصل شرعي، فيكون خروجه مبنيًّا على هذا الأصل تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. وهذا القول هو الصحيح أنهم إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا لزمهم الفطر؛ لأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، كذلك إذا صاموا لأجل غيم فإنهم لا يفطرون، وهذا الذي قالوه نوافقهم عليه؛ لأن صيامهم في أول الشهر ليس مبنيًّا على بَيِّنَة، وإنما هو احتياط، كما ذكروا أنه يصومه احتياطًا حكمًا ظنيًّا؛ وعلى هذا فإذا صاموا لأجل غيم لم يفطروا لو صاموا ثلاثين يومًا، وعلى القول الصحيح: هل تأتي هذه المسألة؟ طلبة: لا. الشيخ: لماذا؟ لأنهم لن يصوموا لأجل الغيم، فهذه المسألة إنما تتأتى على قول مَنْ يُلزِمُهم بالصيام يوم الغيم. طالب: قال بعض العلماء: يجوز شهادة رجل غير عدل في الصيام وفي (...) لا يجوز؛ لأن هذا الرجل غير عدل عنده تهاون في الواجبات، وإذا قال (...)، وإذا قال (...) عنده تهاون في الواجبات (...)، فما تقول في قول هذا؟ الشيخ: أقول: ليس بصحيح. الطالب: (...)؟ الشيخ: نعم، غير صحيح؛ لأنه حتى وإن كان غير عدل يمكن يريد أن يُضِرَّ الناس فيشهد. الطالب: (...). الشيخ: هو يأكل أو ما يأكل. طالب: شيخ لو أن إنسانًا فاعلًا كبيرة، ثم رأى الهلال، فهل يجب أن يخبرهم أنه فعل كبيرة أو يمكن أن يشهد؟ الشيخ: ما تقولون؟ سؤال: يقول إذا كان الإنسان غير عدل فاعل كبيرة ورأى الهلال، فهل يلزمه أن يخبر القاضي بأنه فعل كبيرة ليرد شهادته، أو يسكت ويجعل الحاكم يحكم بالظاهر؟ طلبة: يسكت. طالب آخر: يشهد. الشيخ: يُخبر، يفضح نفسه؟! طلبة: (...). الشيخ: لا، يتوب ويبلِّغ. الطالب: (...) يُخبر عن نفسه (...). الشيخ: إي نعم، هذا إن حصل فطيب، يعني: لو فرضنا إنسانًا مبتلى بشرب الخمر -والعياذ بالله- ويعرف أنه ما هو براح يترك الخمر، لكنه رأى الهلال قطعًا، فهل يلزمه أن يُخبر؟ فيجيء القاضي يقول: يا حضرة القاضي، لقد رأيت الهلال يقينًا، وأنا أشرب الخمر؟ طالب: أحسن الله إليكم، نلزمه أنه يصوم. الشيخ: إي، ما يخالف، هو يمكن يصوم، لكن الكلام على أنه هل يشهد عند القاضي ولَّا لا؟ طالب: (...) القاضي ما فيه فائدة؛ لأن القاضي لا (...). الشيخ: لا، هو إن أخبر القاضي ما هو بقابل شهادته، لكن هل يلزمه أن يُخبر أو يقول: أنا تيقنت الآن إني رأيت الهلال، هو إذا حصل أن يتوب إلى الله ويُخبر، هذا هو الواجب، لكن إذا لم يحصل فالظاهر لي أنه يَلْزَمه أن يخبر، ما هو بأنه يشرب الخمر، يلزمه أن يخبر بأنه رأى الهلال، ولا يُخبِر بأنه شارب الخمر؛ لأن الأحكام تتبعض. طالب: (...). الشيخ: ما يمكن (...). الطالب: ترائي الهلال (...) هل يؤثر على (...)؟ الشيخ: لا، يقول: ترائي الهلال في الصباح يوم الثلاثين أو التاسع والعشرين هل يؤثر؛ يعني: هل نستفيد؟ لا نستفيد منه من حيث ثبوت دخول الشهر، لكن نستفيد منه من حيث أنه يُقرِّب أن يُرى الليلة أو لا يُرى؛ فمثلًا إذا رُئي رفيعًا فهذا يبعد أن يُرى، لكن إذا لم يُرَ فإن الناس يزداد تحرِّيهم له بعد الغروب. طالب: أحسن الله إليكم (...) استعمال النظارات، هل تقبل رؤيتهم بالعين المجردة هكذا؛ (...) نظارات (...) مكبر؛ ميكروسكوب ولَّا؟ الشيخ: إي، معناه: أنه قَوِيَ النظر. الطالب: إي، لكن يلبس نظارت. الشيخ: إي ما يخالف؛ يعني: بواسطة؟ الطالب: بواسطة. الشيخ: ما في بأس، أنا أذكر لما كان ما فيه أنوار كهرباء كان الناس يصعدون على المناير ومعهم مكبر النظر، إي نعم ما فيه شيء؛ ولهذا نرى أن هذا حجة في استعمال مراصد، لكن المراصد أنا أرى أنه يُعمل بها في ردِّ شهادة مَنْ شَهِد ولم يُرَ في المرصد، لا في إثبات الهلال إذا لم يَرَه أهل الأرض؛ يعني: مثلًا لو جاءنا إنسان في الأرض قال: أنا رأيت الهلال قطعًا، وأهل المرصد عدول ثِقات يقولون: ما رأيناه، بل رأيناه قد غاب قبل الشمس؛ لأن المرصد يمشي مع القمر، فهل نَرُدُّ شهادة هذا الرجل؟ نعم، أنا أرى أنه يجب أن تُرَد؛ لأنه كذَّب الواقع. لكن لو قال أهل المرصد: رأينا الهلال، ولكن أهل الأرض لم يروه فلا عبرة بالمرصد؛ لأن قول الرسول «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ» يعني: الرؤيا المعتادة.
طالب: (...) شيخ لو ثبت دخول شهر رمضان بعدلين، فهل (...) الثلاثين أو لا؟ الشيخ: لا، يُفطرون. الطالب: الذين قالوا: إنه إذا ظهر الهلال في بلد ولم يظهر في الآخر لم يلزمهم الصوم واستدلوا بالليل والنهار، قالوا: يكون أهل البلد الصائمون (...) هؤلاء صائمون، شيخ، ما نرد عليهم ونقول: إن الاختلاف القمري أوسع من الاختلاف الشمسي؛ الاختلاف الشمسي يكون دقائق، لكن الاختلاف القمري يكون أكبر. الشيخ: لا، نفس الشيء، دقائق. الطالب: هذا الاختلاف ما هو اختلافًا شهريًّا. الشيخ: لا، دقائق؛ لأن هذا مُقَيَّد بالغروب ويكون يومًا كاملًا، لكن هو دقائق؛ يعني: يمكن يغيب عن أهل المشرق قبل الغروب بدقيقة، ويتأخر عن أهل المغرب بعد الغروب بدقيقة فيُرى. طالب: لكن هذا مثلًا بشهر. الشيخ: لا، ما هو بشهر، هذا يوم، الفرق يوم؛ لأن هذا اليوم موقت برؤية الهلال عند الغروب، إنما نفس الهلال يتأخر عن هؤلاء بدقيقة أو دقيقتين. الطالب: وأيضًا يا شيخ نفس الصائمون يكونون مشتركين في اليوم؛ يعني: مثلًا هؤلاء مثلًا بينهم دقيقة (...). الشيخ: ما يهم، كله واحد، ما فيه شيء، هذا غير مؤثر، كونهم يشركون في اليوم، وإذا لم تغيب الشمس قبل أن يصوموا ما يؤثر. طالب: مَنْ عرَّف الكبيرة بأنها ما حُدَّ لها عقوبةٌ دنيوية يترتب على فعلها عقوبة دنيوية.. الشيخ: عقوبة دنيوية أو أخروية. طالب: يعني هل..؟ الشيخ: هذا حَدُّ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة واقتصر على ذلك، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ترتيب لعنة أو غضب أو نَفْي إيمان فجعلها خمسة. وبعضهم عدَّها عدًّا: الزنا، الربا، السرقة، وحَدَّ وعَدَّ، لكن ما ذكره الشيخ وجيه؛ كل ما رُتِّبَ عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة؛ لأنه يتميز عما نُهي عنه نهيًّا مجرَّدًا. طالب: ينبغي لنا أن نتراءى الهلال بالمكبرات؟ الشيخ: بالميكروفونات؟! الطالب: بمكبرات النظر. الشيخ: إي نعم، لا بأس. الطالب: يعني: مطلوب يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، مطلوب. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لمستور الحال (...)؟ الشيخ: المذهب لا يقبلون مستور الحال في هذه المسألة، في بعض المواضع يقبلون مستور الحال، لكن في هذه لا يقبلون. طالب: (...). الشيخ: والله الذي يظهر لي أن القاضي إذا وثق بالرجل ما يحتاج للبحث عن عدالته. طالب: (...) يجب عليه الشهادة؟ تاب، هل يجب عليه أن يشهد عند القاضي؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: (...). الشيخ: يقول: إذا رأى الهلال وقد فعل كبيرة ثم تاب، فهل يلزمه أن يبلغ القاضي؟ نقول: يجب، نعم يلزمه. طالب: لكنه غير عَدْل، واشتراط العدالة؟ الشيخ: العدالة عند الأداء. طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو عند التحمل، عند الأداء؛ ولهذا لو تَحَمَّل الشهادة وهو فاسق، ثم أدَّاها وهو عَدْل قُبِلْ، بل لو تَحَمَّل الشهادة وهو كافر ثم أسلم فإنه يُقبَلْ. طالب: بالنسبة للعدالة (...). الشيخ: إي هذه المشكلة. الطالب: فإن بعض الناس (...). الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هذا حق أن ننبه عليه. الطالب: (...). الشيخ: يقول: لو قلنا بهذا القول ما وجدنا أحدًا عدلًا، مَن يَسلَم من الغِيبة؟ مَن يَسلَم من السخرية بالناس؟ مَن يَسلَم من التهاون في الواجبات؟ مَن يَسلَم من أكل المحرَّم؟ ما أكثر الذين يتخلفون عن الواجب في الوظائف، يتأخر في الحضور أو يتقدم في الخروج، وما أكثر الذين يقولون في إخوانهم ما لا يرضَون، مشكلة هذه، ويشرب الدخان ويحلق اللحية. فيه بعض الناس يحلق اللحية ويشرب الدخان ويشرب الخمر، لكن لا يمكن أن يشهد إلَّا على حق، أبدًا، هذا شيء مُشاهَد؛ ولهذا قال الله تعالى: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة: ٢٨٢]، فجعل المسألة راجعة إلى ما يرضاه الناس، والصحيح في هذه المسألة أنه يُقْبَل مِنْ شهادة الفاسق ما يترجح أنه حَقٌّ وصدق؛ لأن الله لم يأمرنا بِرَدِّ شهادة الفاسق، قال: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] تثبَّتوا، فهذا هو الصحيح.
طالب: الحمد لله رب العالمين، وأُصَلِّي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: وإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يُفْطِروا، ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قولُه أو رأى هلال شوال صام، ويلزم الصومُ لكل مسلم مكلَّف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل مَنْ صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طَهُرَتَا ومسافر قَدِمَ مُفْطِرًا. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبق أن الناس يلزمهم الصوم على المشهور من المذهب بواحد من أمور ثلاثةٍ: الأول: رؤية الهلال. والثاني: إكمال شعبان ثلاثين. والثالث: أن يحول دون منظره ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر. أمَّا الأول والثاني فصحيح، وأما الثالث فلا، الصواب: أن الثالث إذا حال دون منظره غَيْمٌ أو قَتَر فإنه لا يجب الصوم، بل يحرُم، وبناءً على ذلك إذا صاموا من أجل الغيم وأتموا ثلاثين، فما الحكم؟ طالب: إن صاموا من أجل الغيم وأتمَوا ثلاثين فإنهم يصومون. الشيخ: يفطرون أو لا؟ الطالب: يفطرون. الشيخ: بناء على؟ الطالب: على الصحيح (...). الشيخ: على الصحيح. طالب: (...) حفظكم الله (...) يصومون واحدًا وثلاثين؛ لأنهم (...). الشيخ: إذن لا يبنون على الصوم الأول، إذا صاموا ثلاثين من أجل الغيم ولم يُرَ الهلال أتمُّوا. الطالب: واحدًا وثلاثين. الشيخ: يعني: استمروا في الصوم. إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، على المذهب؟ الطالب: لا يفطرون. الشيخ: لا يفطرون، لماذا؟ الطالب: قالوا: لأن.. الشيخ: دخول شوال لا يثبت؟ الطالب: لا يثبت إلَّا بشهادة إلَّا باثنين. الشيخ: نعم، إلَّا باثنين، ودخول رمضان ثبت بواحد فلا يُبنى عليه، وهل هناك قول آخر؟ طالب: (...). طالب آخر: (...) على تحريم صيام يوم.. الشيخ: لا، هل هناك قول آخر أنهم إذا أتموا ثلاثين بشهادة واحد يُفطرون؟ الطالب: نعم. الشيخ: فيه قول، ما حجة هذا القول؟ الطالب: الذين قالوا (...). الشيخ: لأنهم يفطرون، الذين قالوا: لا يفطرون عرفنا. الطالب: نعم يقولون: (...). الشيخ: نعم. الطالب: يدخل في (...) ما لا يثبت بالاستقلال (...). الشيخ: ودخول رمضان ثابت شرعًا؟ الطالب: بشهادة واحد (...). الشيخ: تمام، صحيح، وهذا القول هو الصحيح. ثم انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى مهمة؛ (وَمَنْ رأى وَحْدَه هلالَ رمضانَ ورُدَّ قولُه) (وَحْدَه) أي: منفردًا عن الناس، سواءٌ كان منفردًا بمكان أو منفردًا برؤية. مثال المنفرد بمكان: أن يكون الشخص في برية ليس معه أحد فيرى الهلال، ويذهب إلى القاضي فيَرُدُّ قوله؛ إما لجهالته بحاله، أو لغير ذلك من الأسباب هذا انفرد بالمكان، أو انفرد بالرؤية؛ بحيث يجتمع معه ناس يتراءَون الهلال فيراه هو ولا يرونه، فهذا أيضًا رأى وحده هلال رمضان منفردًا بالرؤية لا بالمكان، لكن رُدَّ قوله. يقول المؤلف: (صَامَ)، (صام) يعني: لزمه الصوم؛ لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]، وهذا الرجل قد شَهِدَ الشهر فوجب عليه أن يصوم؛ ولقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» ، وهذا الرجل رآه فوجب عليه الصوم، وفي لفظ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» وهذا الرجل رآه فيلزمه الصوم، وهل يلزمه الصوم فقط أو كل ما يترتب على دخول الشهر؟ كل ما يترتب على دخول الشهر؛ لأنه رآه، فيلزمه الصوم. المسألة الثانية: (أو رأى هلالَ شوالٍ) يعني: وحده، إذا رأى هلال شوال فإنه يصوم، والفرق بينهما أن هلال شوال لا يثبت إلَّا بشاهدين، لا يثبت شرعًا إلَّا بشاهدين، وهنا لم يشهد به إلَّا واحد، فلا يكون داخلًا شرعًا، فيلزمه الصوم مع أنه رآه، رأى الهلال بعينه وتأكَّد. نقول: يلزمه الصوم، والتعليل: لأنه لا يَثْبُت دخول شوال إلَّا بشاهدين، وإذا شهد واحد لم يثبت دخوله شرعًا. وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفِطر سِرًّا، إذا رأى وحده هلال شوال، يجب عليه أن يُفْطِر سِرًّا؛ لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» وهذا الرجل قد رآه، ولقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وهذا الرجل قد رآه، فيلزمه الفطر، ولكن يلزمه ذلك سرًا؛ لئلا يُعْلِن مخالفة الجماعة، لئلا يُعلن مخالفة الجماعة. واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هاتين المسألتين أنه يَتْبَعُ الناس وأنه لو رأى وحده هلال رمضان لم يلزمه الصوم؛ لأن الهلال: ما هَلَّ واستهل واشتهر، لا ما رُئِي، وعلى هذا -على رأي الشيخ رحمه الله- يلزم هذا الرجل أن يصوم كما قال المؤلف، لكن كلامنا نريد على رأي الشيخ في مسألة رؤية رمضان لا يلزمه أن يصوم.
كتاب الصيام
٠٠:٠٠:٠٥
يجب صوم رمضان برؤية هلاله ،
٠٠:١٠:١٠
يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين، وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة،
فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين ،
٠٠:١١:٥٧
يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين، وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة،
وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه ،
٠٠:١٣:٤٧
يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين، وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة،
وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة ،
٠٠:٢٤:٠٦
يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير مع صحو ليلة الثلاثين أصبحوا مفطرين، وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، وإن رؤي نهارا فهو لليلة المقبلة،
وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم ،
٠٠:٢٦:٥٥
وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، ويصام برؤية عدل ولو أنثى. وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا.
ويصام برؤية عدل ولو أنثى .
٠٠:٥٢:٢٦
وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، ويصام برؤية عدل ولو أنثى. وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا.
وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما فلم ير الهلال ، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا .
٠١:٠٥:١٤
وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، ويصام برؤية عدل ولو أنثى. وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا.
ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله ،
٠١:٢٤:٣١
ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله، أو رأى هلال شوال صام. ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر،
أو رأى هلال شوال صام .
٠١:٢٦:٣٠
ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله، أو رأى هلال شوال صام. ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر،