كتاب الحج (الشرح الثاني) - ٦
درس صوتي · ٩٥:٢٤
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
خارج المسجد؛ لأن المسعى ليس من المسجد، نعم نقول: خارج المسجد، لكننا نرجو إذا كان الذي أوجب لهم ذلك هو الضيق والضنك والناس متلاصقون، نرجو أن يكون ذلك مجزئًا على ما في ذلك من الثقل لكن للضرورة. طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- رجل في الطواف تعب وخرج استراح؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: يطوف بالبيت؟ الشيخ: نعم. الطالب: تعب بسبب الزحام؟ الشيخ: إي. الطالب: طلع وجلس استراح ثم رجع، هل يبني عليه؟ الشيخ: هذا ينبني على الموالاة في الطواف هل هي شرط أو ليست بشرط؟ أكثر العلماء على أنها شرط، وبعض العلماء يقول: إنها ليست بشرط ولكنها سنة، وستأتي في كلام المؤلف. طالب: شيخ، عندي في الكتاب: (ومن ترك شيئًا من الطواف أو لم ينوه أو نكَّسه)؟ الشيخ: لا، (نُسَكَه) عدِّلها. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في الرمل في الطواف، من كان معه من لا يستطيع أن يرمل لضعفٍ أو مرضٍ هل له أن يطوف لوحده حتى..؟ الشيخ: إذا كان الذي معه يتمكن من إكمال الطواف بنفسه ولا يحصل مشكلة؛ ضياع أو ما أشبه ذلك، فلا يرمل، يمشي حسب صاحبه، إذا كان يتمكن الذي معه من أن يطوف وحده ولا يكون هناك إشكال؛ كالضياع وما أشبه ذلك فليرمل، وإذا كان لا يتمكن فلا بد يمشي معه. طالب: بارك الله فيك يا شيخ، تكلمنا نحن في الصابون -يا شيخ- أنه ليس من الطيب، وقلنا: إنه ليس من الطيب، وإن الطيب هو أن يذهب الإنسان بقصد التطيب، لكن -يا شيخ- لو -مثلًا- نفس الصابون -يا شيخ- يختلف بالرائحة، لو قصد إنسان أنه يذهب إلى الطيب هذا كونه قوي الرائحة؟ الشيخ: إذن الصابون قوي الرائحة؟ الطالب: إي. الشيخ: إي، والله معناه أنه قصد الطيب الآن، لكن مع ذلك ما نستطيع أن نمنع إلا بشيء بيِّنٍ. طالب: شيخ -بارك الله فيكم- أحيانًا ينزل على المرأة ما يمنعها من الصلاة والصوم، أو الرجل يجد أثر الماء في الثياب، فلما يطوف يجد هذا الأمر، فهل نقول حينئذٍ: يصح طوافه؛ لأنه؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: فهل نقول حينئذٍ: يصح طوافهما؛ لأن الطهارة ليست بشرط، والممنوع هو المكث وقد مضى، وتجنب..؟ الشيخ: الظاهر أن الطهارة الكبرى لا بد من اشتراطها؛ يعني لو أن المرأة نزل حيضها في أثناء الطواف بطل الطواف، أو الرجل أنزل منيًّا بشهوة فيبطل طوافه؛ لأن الله قال في الجنب: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء: ٤٣]. الطالب: أليس هو من باب اجتناب المحظور فيسقط..؟ الشيخ: لا، هذا من باب فوات المأمور. طالب: لو أحصر قبل الميقات، لو كان أحرم قبل الميقات وأحصر قبله فهل (...)؟ الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: رجل أحرم قبل الميقات ثم أحصر قبل الميقات، قد نوى الرجل دخل في النسك، حسب ما تكلمنا في الإحصار بيجينا إن شاء الله. قال المؤلف: (ثم يصلي ركعتين خلف المقام) ثم بعد أيش؟ طلبة: الطواف. الشيخ: بعد انتهاء الطواف، (يصلي ركعتين خلف المقام) أي: مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكان هذا المقام هو الحجر الذي يصعد عليه إبراهيم عليه السلام لما ارتفع بناء البيت صار يصعد عليه، وقد قيل: إن أثر قدمي إبراهيم كان موجودًا حتى زال بمسحه؛ يعني ما زال الناس يمسحونه فيما سبق قبل الإسلام وزال، وقال بعضهم: إن أثر القدم لم يزل؛ لأن أبا طالب يقول في لاميته المشهورة:
وَمَوْطِئِ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةً
عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
فقد بقي. هذا المقام قال بعض المؤرخين: إنه كان لاصقًا بالكعبة، وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما كثر الناس الذين يصلُّون خلفه رأى أن يُنْقَل إلى مكانه الحالي؛ حتى يتسع المطاف ولا يحجرهم صلاة الركعتين خلفه. وقال بعضهم: إن هذا هو مكانه الأصلي. المؤرخون مختلفون فيه، وحديث جابر يقول: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] ، وكلمة (تقدم) صالحة لأن يكون لاصقًا بالكعبة أو يكون في مكانه الحالي؛ لأنه حتى لو كان لاصقًا بالكعبة فبينه وبين الحجر الباب. المهم أنه يسن أن يصلي ركعتين خلف المقام؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥]. ولم يذكر المؤلف كيفية الركعتين ولا ما يقرأ فيهما، لكن ذكر ذلك غيره يصلي ركعتين خفيفتين؛ يقرأ في الأولى قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَبعد الفاتحة، وفي الثانية قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، ثم يسلم وينصرف، ولا يطيل الركعتين، ولا يجلس بعدهما؛ من أجل أن يدع المكان لمن يستحقه من بعده، فيه أناس الآن ينتظرون هذا الرجل حتى يصلوا خلف المقام. فإن لم يجد مكانًا -كما يوجد الآن في أيام المواسم- فأين يصلي؟ يصلي فيما شاء من المسجد، لكن الأفضل أن يراعي أن يكون المقام بينهم وبين البيت. قال: (فصل: ثم يستلم الحجر ويخرج إلى الصفا من بابه) يستلم الحجر متى؟ بعد أن يصلي ركعتين، يستلم الحجر بدون تقبيل، فإن لم يتمكن فلا إشارة، ينصرف من مصلاه إلى الصفا. يقول: (يخرج إلى الصفا من بابه) أي: من الباب الذي يكون متجهًا إلى الصفا، (فيرقاه) يعني: يصعد على الصفا، (حتى يرى البيت) لأنه كان البيت له جدار، فيرقى حتى يرى البيت ويشاهده، فيستقبل البيت. (ويكبر ثلاثًا، ويقول ما ورد) ومنه: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» . ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما أحب، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، ثم ينزل متجهًا إلى المروة. قال: (ثم ينزل ماشيًا إلى العلم الأول، ثم يسعى إلى الآخر شديدًا) (ينزل ماشيًا) على عادته، (إلى العلم الأول) الْعَلَم هو العمود الذي جُعِلَ علامة على ابتداء السعي؛ يعني الركض الشديد. وقول المؤلف رحمه الله: (إلى العَلَم) لأن هذا الذي بين العَلَمين كان بطن الوادي الذي سعى فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سعيًا شديدًا، حتى إن إزاره ليدور به من شدة السعي، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ثم يسعى إلى الآخر شديدًا) أي سعيًا شديدًا. والحكمة من هذا أن بطن الوادي منخفض، فيسعى فيه الإنسان يركض ركضًا شديدًا، ومعلوم أيضًا في العادة أن بطن الوادي يكون رمليًّا فيشق فيه المشي العادي فيركض. (ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا). فإن قال قائل: ما هي الحكمة في كون السعي بين الصفا والمروة على هذا الوجه؟ فالجواب أن يتذكر الإنسان حال أم إسماعيل رضي الله عنها، فإن إبراهيم الخليل عليه السلام ترك أم إسماعيل وابنها إسماعيل في هذا المكان، وترك عندهما جرابًا وسقاء؛ جرابًا من تمر وسقاء من ماء، فجعلت الأم تأكل من التمر وتشرب من الماء وتسقي ولدها اللبن، ثم نفد الماء والتمر، وجاع الصبي؛ لأن لبن الأم توقف، فنظرت المرأة إلى أقرب جبل عندها فوجدته الصفا، فذهبت وصعدت تتسمع؛ لعلها تسمع أحًدا، ما سمعت، ثم نزلت تمشي وعينها إلى صبيها، فلما نزلت الوادي غابت عن الصبي فركضت ركضًا شديدًا؛ خوفًا على ابنها من السباع، ولما صعدت مشت حتى وصلت المروة وصعدت عليه تتحسس لعلها تجد، فلما أتمت السبعة أشواط جاءها الفرج من الله عز وجل؛ إذا بجبريل ينزل بأمر الله عز وجل ويضرب الأرض؛ إما بجناحه أو قدمه، على اختلاف الروايتين، أو فيهما جميعًا، وإذا بالماء ينبع؛ ماء زمزم ينبع، نهر، من شدة شغفها بالماء وخوفها أن يتسرب يمينًا وشمالًا جعلت تحجره حتى يبقى، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ مَاءَ زَمْزَمَ لَكَانَ عَيْنًا مَعِينًا» ، عين تنبع على سطح الأرض، ولكن الحكمة لله عز وجل، والحمد لله، لو كان كذلك لشق على الناس أن يبقوا في المسجد ويطوفوا ويصلوا، ولكن من رحمة الله أنها حجَّرته حتى صار في البئر، وجعلت تشرب من هذا الماء ويغنيها عن الطعام والشراب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» . إن شربته لعطش رويت، لجوع شبعت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ» . فصار أصل هذا أن تتذكر حال أم إسماعيل وأنها وقعت في شدة عظيمة حتى أنجاها الله، فأنت الآن في شدة عظيمة من الذنوب، فتستشعر أنك محتاج إلى مغفرة الله عز وجل كما احتاجت هذه المرأة إلى الغذاء، واحتاج ابنها إلى اللبن، فهذا هو السر في أن الإنسان يسعى بين العَلمين. الوادي جاءت الملوك والخلفاء وردموه وانطمس، لكنه مع ذلك يأتي ويجري بين العَلمين، أدركنا هذا، حتى يسَّر الله الحكومة السعودية -والحمد لله- وجعلت الماء ينزل من أسفل؛ من أسفل المسجد ويخرج من جهة ثانية، وكان المسعى -أدركناه أيضًا- كان شارعًا تقطعه السيارات، يعني -سبحان الله- إذا تصور الإنسان ما مضى؛ السيارات تقطعه، فيسعى الناس وإذا بالسيارات تمشي، يقفون حتى يشيروا إلى أحد السواقين: قِفْ. ويتجاوزون، وكان المسعى أيضًا محل بيع وشراء؛ دكاكين ومتاجر وشراب من الغجارة، وما أشبه ذلك، نسمعهم يحجِّرون عليه بوسط المسعى؛ لأن الناس قليلون جدًّا، والآن كما ترون -والحمد لله- لما كثرت المواصلات وسهلت حصل ما ترون. الشاهد الآن أن الإنسان إذا سعى يستحضر أولًا: سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وثانيًا: حال هذه المرأة، وقد قرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أقبل على الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨]، «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، ليشعر نفسه أنه إنما طاف بالصفا والمروة لأنهما من شعائر الله عز وجل، ولذلك لا تقال هذه الآية إلا إذا أقبل على الصفا حين ينتهي من الطواف، أما بعد ذلك فلا تقال. يقول: (يفعل ذلك سبعًا؛ ذهابه سعية، ورجوعه سعية) إي نعم، يعني: من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر، وقد يتوهم بعض الناس فيظن أن الشوط لا بد أن يتم دورة كاملة؛ فمن الصفا إلى المروة ومن المروة إلى الصفا يعده شوطًا، وهذا من أوهام العلماء، ما هو من أوهام العوام فقط، حتى العلماء توهموا في هذا، ولكن هذا وهم؛ لأن السنة صريحة في أن من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر، ولهذا قال جابر في حديثه الطويل المشهور: حتى إذا كان آخر طواف على المروة ، ولو كان الذهاب والرجوع شوطًا لكان آخر الطواف على الصفا. لو سألنا سائل وقال: إنه طاف بين الصفا والمروة هكذا، هل يجزئه سعيه؟ طالب: نعم. طالب آخر: يجزئه. الشيخ: يجزي؟ طلبة: نعم. الشيخ: ليه؟ طلبة: زاد. الشيخ: إي نعم، نقول: يكفينا من هذا سبعة أشواط، والباقي يأجرك الله على نيتك ولكنه ليس من الشرع. قال: (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول) لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . كم يلزمه أن يطوف؟ طلبة: ثمانية. الشيخ: ثمانية أشواط؛ لأن الشوط الأول سقط. قال: (سقط الشوط الأول، وتسن فيه الطهارة والستارة والموالاة) (تسن فيه) أي: في السعي، (الطهارة) من الحدثين الأصغر والأكبر، فإن طاف جنبًا؛ يعني إن طاف بين الصفا والمروة جنبًا فسعيه صحيح، ولهذا سئل الإمام أحمد عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت قبل أن تصل إلى الصفا، فقال: تسعى ولا حرج. إذن الطهارة في السعي سنة. فإن قال قائل: ما دليلكم على أنها سنة؟ قلنا: لأنها من الذكر، والأصل في الذكر أن يكون على طهر، وأيضًا هذا هو الظاهر من حال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما انتهى من الركعتين شرع في السعي مباشرة. يقول: (والستارة) ستارة أيش؟ ستر العورة، فلو سعى عريانًا فسعيه صحيح، ومن المعلوم أنه لا أحد بيسعى عريانًا بين الناس، لكن ربما يكون إزاره قصيرًا، والإزار القصير إذا خطى الإنسان خطوة انفرج، فينفرج من فخذه ما ينفرج، فنقول: إذا حصل هذا في السعي فهو صحيح؛ لأنه لا يشترط فيه ستر العورة. (والموالاة) يعني: لو فرَّق أشواط السعي فسعيه صحيح، لكن الأفضل ألَّا يفرق، فلو طاف ثلاثة أشواط من السعي ثم ذهب وتغدى ورجع وأتى بأربعة أشواط فسعيه صحيح، على كلام المؤلف. أما المذهب فالموالاة فيه شرط كالطواف، وعللوا ذلك بأنه عبادة واحدة، فاشْتُرِط فيه الموالاة كالوضوء. ولأنه إذا فرَّق الأجزاء لم يظهر أنه عبادة واحدة؛ صار ثلاثة أشواط، وأربعة أشواط مثلًا، فالموالاة فيه واجبة، شرط. لكن قالوا: يعفى عن الفصل اليسير إذا احتاج إلى ذلك؛ بأن يتعب ويحتاج إلى أن يستريح، قالوا: فلا حرج، واستدلوا بعموم قول الله تعالى: مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨]، وبأنه رويت آثار عن السلف في هذا. الشارح اللي هو صاحب الروض المربع رحمه الله كعادته إذا رأى عبارة المؤلف خارجة عن المذهب حاول أن يصوغها بصيغة توافق المذهب، فقال رحمه الله: الموالاة بينه وبين الطواف، لا بين أجزائه. ولا شك أن الموالاة بين السعي والطواف أنها سنة، وأنه لو طاف في أول النهار وسعى في آخر النهار فسعيه صحيح؛ لأن كل واحد منهما عبادة مستقلة عن الآخر. والخلاصة أن القول الراجح أن الموالاة في السعي بين أشواطه شرط كالطواف تمامًا، وأن الموالاة بين الطواف والسعي سنة وليست بواجبة، وأنه لو طاف في أول النهار وسعى في آخره أو طاف في النهار وسعى في الليل فلا بأس. فإذا قال قائل: الموالاة في الطواف، أرأيتم لو أقيمت الصلاة؛ صلاة الفريضة، ماذا تقولون؟ نقول: اختلف العلماء في هذا؛ فمنهم من قال: إن كان الطواف نفلًا قطعه وصلى؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» أيش؟ طالب: «فَلَا صَلَاةَ». الشيخ: «فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» ، وقالوا: إن أعلى أحوال الطواف أن يلحق؟ طالب: بالصلاة. الشيخ: بالنافلة، فإذا أقيمت صلاة الفريضة قطعه وصلى الفريضة ثم بنى، وأما إن كان فرضًا فإنه يستمر في الطواف ولو فاتته صلاة الفريضة. وقال آخرون: إن الموالاة ليست بشرط، وأنه يجوز أن يقطعه ويقطع الموالاة بين أشواطه ولا حرج. لكن الذي ينبغي أن نعلم أن العبادة الواحدة تجب الموالاة بين أيش؟ طالب: أجزائها. الشيخ: بين أجزائها؛ لتكون عبادة واحدة، إلا ما دل الدليل على جواز التفريق. والقول الراجح في مثل الطواف أنه إذا أقيمت صلاة الفريضة فإنه يقطعه بنية الرجوع إليه بعد الصلاة، فإذا قطعه، ولنفرض أنه قطعه حين حاذى الحِجْر، فإذا قضيت الصلاة هل يبدأ من المكان الذي قطعه فيه أو يبدأ الشوط من جديد؟ اختلف العلماء في هذا؛ فالمشهور من المذهب أنه لا بد أن يبدأ الشوط من جديد، والقول الراجح أنه لا يشترط، وأنه يبدأ من حيث وقف؛ لأن ما قبل الوقوف وقع مجزئًا، وما وقع مجزئًا لا يجب علينا أن نرده؛ لأننا لو أوجبنا رده لأوجبنا على الإنسان العبادة مرتين، وهذا لا نظير له. إذن الراجح أنه إذا قطعه في حال يجوز قطعه فإنه يبتدئ من حيث قطعه. صلاة الجنازة هل يقطع الطواف من أجلها؟ الظاهر نعم؛ لأن صلاة الجنازة قليلة؛ يعني لا يكون الفاصل كثيرًا، فيعفى عنه. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لعدم اشتراط الطهارة في الطواف، هل يفتى به، كلامك يعني عام ابتداء أو..؟ الشيخ: لا، لا تفتي به ابتداء، أنا القاعدة عندي: أن الناس إذا مشوا على شيء اختلف العلماء في وجوبه ولا يضر على القول الآخر لا تفتهم بغير ما يمشون عليه، فهمت؟ الطالب: نعم. الشيخ: هذه القاعدة عندنا، فمثلًا في حجاب المرأة؛ عندنا في المجتمع السعودي المرأة تحتجب، أليس كذلك؟ الطالب: بلى. الشيخ: يأتي إنسان ويقول: قرأت -مثلًا- في كتاب فلان وفلان أنه لا يجب ستر الوجه، فيفتي به، نقول: هذا غلط؛ لأنه حتى على القول بأن الوجه يجوز كشفه يرون أن ستره أولى؛ يرون أنه أولى، كيف تنقل الناس من شيء مشوا عليه واعتادوه وسهل عندهم، تنقلهم إلى شيء ينكرونه أو يستسيغونه ولكن الأفضل أن يبقوا على ما هم عليه؟! هذه أيضًا الناس الآن يرون أن الطواف الوضوء فيه شرط وماشيين على هذا، فلا ينبغي أن نعلن للناس ونقول: يا جماعة، الطواف لا يشترط فيه الطهارة، لكن إذا وقع الإنسان في مأزق وقال: إنه حصل له الحدث في أثناء الطواف واستمر، نقول: لا حرج عليك. وكما قلت لكم كثيرًا: المسائل العلمية يحققها الإنسان نظريًّا، ولكن بالنسبة لما يُرَبِّي الناس عليه يكون له نظر آخر. مرَّ عليَّ في كتاب الفروع أن أحد التابعين -إن لم يكن طاوسًا- أفتى ابنه بفتوى وكأنه استثقلها الابن، فقال: إما أن تفعل أو أفتيتك بقول فلان، اللي هو أشد، فمراعاة التربية هذا أمر لا بد منه؛ يعني يجب على طالب العلم أن يراعي هذا. طالب: عفا الله عنك يا شيخ، الأدعية التي يوردونها المطوفون على الناس، يا شيخ ما تطمئن النفس إليها؛ لأنهم من ناحية يجمعونها (...) ناس ثقة، والثاني أنهم ما تطمئن النفس لها (...)؟ الشيخ: لا، بدعة. الطالب: والثاني أنهم يحطون لها حدودًا من تعداها (...). الشيخ: صحيح، ويش ترى فيها؟ الطالب: والله -يا شيخ- أنا ما تطمئن نفسي، ما أقدر أقول: حرام لشيء لا.. الشيخ: المهم أنها بدعة؛ تخصيص كل شوط بدعاء هذا بدعة لا إشكال فيه، وفيه مضرة، الآن الذين يرددون الدعاء وراء الداعي ما يدرون ويش المعنى، واللي بيده شيء من هذا يقرؤه وهو ما يدري ويش معناه! ثم ما دام حدد كل شوط له دعاء أحيانًا يكون المطاف ضيقًا فينتهي الدعاء قبل أن يتم الشوط، ويش يسوي؟ يسكت، ممنوع. وأحيانًا يكون المطاف خفيفًا وينتهي من الشوط قبل أن ينتهي الدعاء، ويش يعمل؟ يقطعه، حتى لو قال: ربنا اغفر لنا، وصل (ربَّنَا) وانتهى الشوط خلاص ما عاد يقول. ونسمع أدعية -سبحان الله- غريبة، حتى: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، بعضهم يقول: ربنا آتنا في الدنيا حَسَنَتَوْ، ثم يقول بعدما يقول: (تو) وفي الآخرة حسنة، مشكل. طالب: أحسن الله إليك، بعض الناس يخرج إلى الحج أو إلى الدعوة ويترك أهله بلا شيء ويحتج بفعل إبراهيم بأهله؟ الشيخ: والله هذا إن كان بيحفر له زمزم بمكانه لا بأس! أخطأ خطأً عظيمًا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر الله أسكنه في هذا الوادي، ويعلم أنه ما دام بأمر الله فإن الله سيجعل فيه الفرج والمخرج، وهذا الداعي خرج بغير أمر الله؛ أن يخرج ويضيع أهله هذا غلط عظيم، كان الواجب عليه أن يدعو أولًا نفسه قبل أن يدعو غيره. طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ بعض المعتمرين إذا أراد الصلاة خلف مقام إبراهيم يذهبون إلى بئر زمزم -يا شيخ- ويغسلون بعض الأعضاء، وبعضهم يتوضؤون وضوءًا كاملًا، هل هذا مسنون يا شيخ؟ الشيخ: لا، ليس مشروعًا. طالب: أحسن الله إليك، لو طاف الشوط الأول من وراء الخط ثم استمر وتحلل من العمرة؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: أقول: لو طاف الشوط الأول من وراء الخط.. الشيخ: من دون المحاذاة. الطالب: إي نعم، فاستمر وتحلل من العمرة؟ الشيخ: نقول له: أعد الطواف والسعي والتقصير. الطالب: ويلبس الإحرام ولا؟ الشيخ: هاه؟ الطالب: يلبس ملابس الإحرام؟ الشيخ: إي نعم، معلوم، ما حلَّ؛ لأنه إذا لم يصح الطواف لم يصح السعي.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك في باب دخول مكة في الفصل الثاني: ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره وتحلل، وإلا حل إذا حج، والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية.
باب صفة الحج والعمرة
يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها، ويجزئ من بقية الحرم، ويبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبق لنا أن الرجل إذا قدم مكة يبدأ بالطواف قبل كل شيء؛ قبل أن يحط رحله إذا تيسر، ثم يصلي ركعتين خلف المقام، ثم يسعى بين الصفا والمروة. قال المؤلف رحمه الله: (ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره وتحلل) (إن كان متمتعًا) وهو الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج وفرغ منها ثم أحرم بالحج من عامه، وقوله: (لا هدي معه) أي: لم يسق الهدي، (قصَّر من شعره وتحلل) أفادنا رحمه الله أن المتمتع يمكن أن يسوق الهدي، وأن سائق الهدي يمكن أن يتمتع، ولكن هذا قول ضعيف، والذي تقتضيه السنة أن من معه الهدي لا يمكن أن يتمتع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» . وإذا قلنا: إنه إذا كان معه الهدي لا يحل وهو متمتع صار هذا نسكًا رابعًا لم تأت به السنة؛ أن يكون متمتعًا لا يحل بين العمرة والحج هذا لا نظير له. وعلى هذا فقوله رحمه الله: (لا هدي معه) مبني على قول ضعيف؛ لأن القول الذي لا شك فيه أن من معه هدي فليس له إلا القران أو الإفراد، والقِران أفضل؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأنه يحصل به نسكان، ولأن فيه الهدي. وقوله: (قصَّر من شعره) أفادنا رحمه الله أن الأفضل للمتمتع أن يقصَّر من شعره، وهو الذي دلت عليه السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنهى الطواف والسعي أمر من لم يكن معه هدي أن يقصِّر ويحل، ولم يأمره أن يحلق؛ لأنه لو حلق والمدة قصيرة لم يجد شعرًا يحلقه في الحج، والحج أولى بالمراعاة من العمرة؛ لأنه أكبر. فعلى هذا نقول: في هذه الصورة التقصير أفضل من الحلق؛ من أجل أن يتوفر الشعر للحج. قال: (قصَّر من شعره وتحلل) أي: من محظورات الإحرام، فلا يبقى عليه محظور من محظورات الإحرام حتى النساء. قال: (وإلا) كلمة (إلا) تشمل ثلاث صور: إذا كان مفردًا، وإذا كان قارنًا، وإذا كان متمتعًا معه هدي، على القول بصحة هذه الصورة الثالثة، فيكون (إلا) أي: وإلا يكن متمتعًا، وهو؟ أجيبوا. طلبة: القارن. الشيخ: المفرد والقارن، (وإلا) أيضًا بأن كان متمتعًا معه هدي، وهي الصورة الثالثة، (حَلَّ إذا حج) يعني: إذا جاء وقت الحل في الحج، وليس المراد إذا كَمَّل الحج؛ لأن الإنسان يحل يوم العيد، إذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصَّر حَلَّ. (والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) المتمتع إذا شرع في الطواف يقطع التلبية ويشتغل بذكر الطواف، وعُلِمَ من كلامه أن القارن والمفرد لا يقطعان التلبية، وعموم كلامه في قوله: (والمتمتع) يشمل المتمتع الذي معه هدي مع أنه لن يحل، فالمتمتع سواء كان معه هدي أو لا إذا شرع في الطواف قطع التلبية. ومتى يبتدئها؟ طالب: بعد الإحرام. الشيخ: إذا أحرم بالحج.
باب صفة الحج والعمرة
٠٠:٣٨:٥١
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب صفة الحج والعمرة. يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها) أي: من مكة، (ويجزئ من بقية الحرم) (يسن للمحلين بمكة) من المحلون؟ طالب: المتمتعون. الشيخ: المتمتع، ومن لم يأت بعمرة ولا أحرم بحج ولا عمرة، (يسن الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال) هذا هو الأفضل؛ أن يحرم بالحج يوم التروية قبل الزوال، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك لأن الناس يتروون فيه الماء في منى، قبل أن تأتي هذه العيون -والحمد لله- تجدهم يجهزون الماء ويروونه ويهيئونه للنازلين في منى، وهذا أول يوم من أيام الحج، وأيام الحج الخمسة كلها لكل يوم منها اسم؛ فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القَرِّ، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، كل الأيام الخمسة أيام الحج كل واحد له اسم. (قبل الزوال منها) وعُلِم من كلامه أنه لا يسن قبل طلوع الشمس أن يحرم بالحج، إلا من مرَّ بالميقات وكان قارنًا أو مفردًا فمتى مرَّ به أحرم من الميقات، لكن كلام المؤلف هنا في المحلِّين أنهم لا يتقدمون على يوم التروية، بل في ضحى يوم التروية. وعُلِمَ منه أيضًا أنه لا ينبغي أن يؤخر الإحرام عن الزوال، بل يحرم قبل الزوال؛ ليستغل الوقت في طاعة الله؛ لأنه لو أخَّر الإحرام إلى العصر فاته ما بين الضحى والعصر، ولو أخَّره إلى الغد -كما يفعله بعض الناس يقول: أحرم يوم عرفة وأمشي إلى عرفة- فهذا أشد حرمانًا. وقوله: (منها) أي: من مكة، ومن أي مكان من مكة؟ قال بعضهم: يحرم من تحت الميزاب، ميزاب أيش؟ طلبة: الكعبة. الشيخ: ميزاب الكعبة، ومَنْ لميزابِ الكعبة في هذه الأوقات؟! ولو قلنا للمحلين: ادخلوا المسجد الحرام وأحرموا من تحت الميزاب، متى يحرمون؟ بعد أيام، وهذا لا دليل عليه؛ لا دليل على أنه يحرم من المسجد الحرام، ولا أخص؛ وهو كونه من تحت الميزاب، وإنما يحرم الناس من مقرهم؛ إن كانوا في البيوت فمن البيوت، إن كانوا في الخيام فمن الخيام، من مقرهم. وقوله: (منها) أي: من مكة، (ويجزئ من بقية الحرم) فيه حرم غير مكة؟ إي نعم؛ لأن حدود الحرم واسعة، يجزئ -مثلًا- من مزدلفة، يجزئ من منى، يجزئ مما دون التنعيم، يجزئ مما دون الحديبية، وهلم جرًّا، المهم أنه يجزئ من أي مكان من الحرم؛ وهو الذي داخل حدود الحرم. وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنه لا يجزئ من الحل؛ لقوله: (من بقية الحرم) وهو أحد القولين في المسألة، والمذهب خلاف ذلك؛ أنه يجزئ من الحل. فبناء على كلام المؤلف لو أحرم من عرفة لم يجزئه، وعلى المذهب يجزئه، ولا شك أن الأفضل أن يحرم من مقره، سواء كان في الحل أو في الحرم، متى؟ ضحى اليوم الثامن. قال: (ويبيت بمنى) يبيت الليلة التي بعد الثامن؛ وهي ليلة التاسع، ولم يذكر المؤلف كيف يصلي؛ لأن هذا يذكر في باب صلاة أهل الأعذار، لكن نحن نذكره إن شاء الله. يستقر في منى يوم الثامن فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بقصر دون جمع؛ أما القصر فواضح لأن الإنسان مسافر، وأما الجمع فواضح أيضًا لأن الجمع إنما يسن عند وجود المشقة بعدمه، وأما مع انتفاء المشقة فإنه لا يجوز إلا إذا كان في سفر، فالصواب أن السفر يجوز فيه الجمع ولو لم يكن قد جَدَّ به السير. هل هذا الحكم؛ القصر والجمع خاص بأهل الآفاق أو لهم ولأهل مكة؟ المذهب لا، ليس لأهل مكة قصر ولا جمع؛ لأنهم ليسوا مسافرين؛ إذ إن السفر ما بلغ ستة عشر فرسخًا؛ أربعة برد، ومقدارها بالكيلو نحو ثلاثة وثمانين كيلو، ومعلوم أن عرفة لا تبلغ ثلاثًا وثمانين كيلو، ولذلك يقولون: لا يجوز لأهل مكة أن يجمعوا في مزدلفة ولا في عرفة، ولا أن يقصروا في منى، والصحيح أن أهل مكة كغيرهم من الحجاج، لكن بشرط أن يكونوا مسافرين؛ أي خارجين عن مكة. في يومنا هذا إذا تأمل المتأمل يجد أن منى حي من أحياء مكة؛ مختلطة، وحينئذٍ يقوى القول بأنهم لا يقصرون في منى، نعم في مزدلفة في عرفة لهم الترخص برخص السفر؛ لأنهم مسافرون، فهم يتأهبون لسفر الحج بالطعام والرحل والماء، فهم مسافرون، ولذلك كان أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا يقصرون في منى وعرفة ومزدلفة، ويجمعون في مزدلفة وعرفة، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتموا، لكن اختلف الوضع الآن. وقال بعض أهل العلم: إن القصر والجمع في الحج ليس سببه هو السفر وإنما سببه النسك. وعلى هذا القول فأهل مكة -الحجاج منهم- يقصرون ويجمعون في موضع الجمع، لكن هذا القول ضعيف؛ إذ لو كان سببه النسك لكانوا إذا حلوا من النسك التحلل الثاني -وهذا يمكن أن يكون يوم العيد- لم يحل لهم أن يقصروا في منى، ولو كان سببه النسك لكانوا إذا أحرموا في مكة بحج أو عمرة جاز لهم الجمع والقصر، فالقول بأنه هو للنسك ضعيف جدًّا ولا ينطبق على القواعد الشرعية. يقول رحمه الله: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عُرَنَة) (سار إلى عرفة) ولم يذكر النزول في نمرة، مع أن السنة جاءت به، فيسير من منى إلى نمرة؛ وهي موضع تقع جنوبًا غربًا عن عرفة، معروفة حتى الآن بهذا الاسم، هذا المكان نزله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى زالت الشمس، فلما زالت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له، ثم ركب حتى أتى بطن عُرَنَة، كما في حديث جابر في صحيح مسلم . ذكر لي بعض الناس الذين كانوا ينزلونها، لما كان الناس قليلين قال: إن النزول بها يكسب الإنسان راحة؛ راحة نفسية عجيبة، وراحة قلبية، وراحة بدنية، وأنه ينصرف منها إلى عرفة وهو على أتم الاستعداد للوقوف بعرفة، وهذه من حكمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن هل هي مَشْعَر أو هي عبارة عن نقضِ تعبٍ؟ يحتمل أن تكون مَشْعَرًا، ويحتمل أن تكون لنقض التعب، ويرجح الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم ضُرِبَت له القبة بنَمِرَة ولم ينكر ذلك، ولما أرادوا أن يضربوا له خيمة في منى منعهم وقال: «مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» ، فهذا يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم نزلها؛ لأنه أسهل حتى يستريح ويستعد للوقوف. ثم هل هي -أعني نمرة- هل هي من عرفة؟ الجواب: لا، لا شك أنها ليست من عرفة؛ لأنه إذا كان بطن عُرَنة ليس من عرفة، فهي أبعد من بطن عُرَنَة. فإن قال قائل: ماذا تجيبون عن حديث جابر رصي الله عنه قال: ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم -يعني من منى- حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبَت له بنَمِرَة ؛ فإن ظاهره يقتضي أن نمرة جزء من عرفة؟ فالجواب أن مراد جابر رضي الله عنه أنه لم ينزل في مزدلفة كما كانت قريش تنزل في مزدلفة؛ قريش من تعصُّبهم وحميتهم يقولون: ما نقف بعرفة؛ لأن عرفة خارج الحرم، ونحن -أهل الحرم- ما يمكن نخرج عنه، فيقفون في مزدلفة، فقول جابر: أجاز حتى أتى عرفة؛ يعني أنه لم يقف في مزدلفة، ولهذا قال في نفس الحديث: ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية، فأجاز حتى أتى عرفة ، فيكون هذا بيانًا لمنتهى سيره، وأن منتهى سيره أيش؟ طالب: عرفة. الشيخ: إلى عرفة. يقول: (إذا سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة) كلها موقف، وهي واسعة، لا تظن أنها المسجد وما حوله، بل هي واسعة جدًّا تأخذ الحجيج مهما بلغوا، (كلها موقف) لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ارتحل من نمرة وأتى بطن الوادي؛ بطن عرنة، وهو معروف حتى الآن، نزل فصلَّى الظهر والعصر، لكنه خطب أولًا الخطبة البليغة الشهيرة، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى الظهر، ثم أمره فأذَّن فصلى العصر، ولم يُجَمِّع -أي لم يصلِّ جمعة- مع أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة، مما يدل على أن المسافر لا يقيم جمعة حتى لو كان معه أهل الأرض جميعًا، خطب الناس، ثم أمر بلالًا فأذن فصلى الظهر، ثم العصر، ثم ركب ناقته حتى أتى الموقف الذي اختاره عليه الصلاة والسلام، وهو شرقي عرفة عند الصخرات، وهو معروف حتى اليوم، ووقف هناك وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» . وهو يشير عليه الصلاة والسلام بكلمة: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» إلى أن الأفضل أن الإنسان ينزل في مكانه؛ لأنها كلها موقف، لا فرق بين هذا وهذا، فلا تتعب نفسك بالذهاب إلى موقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا من حكمته صلوات الله وسلامه عليه ورحمته بالأمة. فإن قيل: لماذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الموقف؟ فالظاهر لي -والله أعلم- أن من هديه صلى الله عليه وسلم في أسفاره أنه يكون في أُخْريات القوم، والمكان الذي اختاره في شرق عرفة، فالناس كلهم بين يديه، فإذا دفعوا سيكونون؟ طالب: أمامه. الشيخ: أمامه، ويكون هو في المؤخرة عليه الصلاة والسلام، وهذا من تواضعه صلوات الله وسلامه عليه ومن حسن سياسته؛ لأنه إذا كان في أُخْرَيات القوم تفقد الناس، والذي ينقطع يساعده، والذي يحتاج إلى شيء يساعده. (كلها موقف إلا بطن عُرَنة) (بطن عُرَنَة) يعني: الوادي، وانتبه لكلمة (بطن عُرَنة) يعني: دون الحافتين اللتين لا يأتيهما السيل إلا إذا كان الوادي قويًّا جدًّا، البطن هو الممنوع؛ بطن عرنة. الحكمة من ذلك؛ هل لأنه خارج عرفة أو لأن السنة ألَّا ينزل إنسان في الأودية؟ فيه احتمال أنه من عرفة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارْفَعُوا عَنْهُ» لَأَنَّهُ وَادٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْأَوْدِيَةِ. ويؤيد هذا أنه لولا أنه منها لم يقل: ارفعوا عن بطن عرنة، لكانت قد عُرِفَ أن بطن عرنة أيش؟ خارج عرفة. وينبني على هذا لو أن إنسانًا وقف في بطن عُرَنة ولم يدخل عرفة وخرج؛ كَمَّل حجه. فإن قلنا: إن الوادي منها لكن أُمِرْنا بأن نرتفع عنه؛ لأنه وادٍ، فحجه صحيح. وإن قلنا: ليس منها؛ فحجه غير صحيح. وهذا يحتاج إلى تحرير بالغ؛ لأنه مهمٌّ، ينبني عليه أن الإنسان أدى فريضته أو لم يؤدِّ فريضته، فتحريره مهم جدًّا. كلمة (كلها موقف) هل المشروع أن يكون الإنسان واقفًا أو يجلس ويستقبل القبلة؟ طالب: الثاني. الشيخ: الثاني، الثاني هو الأقرب، والموقف قد يراد به السكون لا الوقوف قيامًا. ثم هل الأفضل أن يكون على راحلته أو الأفضل أن يكون غير راكب؟ في هذا خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الأفضل أن يكون راكبًا؛ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنهم من يقول: الأفضل أن يكون ماشيًا لا راكبًا. والذي ينبغي أن يقال: يفعل ما هو أصلح لقلبه، وهذا يختلف؛ قد يكون بقاؤه على الراحلة -وهي السيارة في الوقت الحاضر- سببًا لانشغاله، وإشغاله أيضًا، ويكون انفراده في مكان تحت شجرة أو في أي مكان أراد أولى وأخشع، فهنا نقول: الأفضل ألَّا يكون في السيارة، وقد يكون في السيارة أخشع له وأقل تشويشًا؛ لأنه يكون متهيئًا متأهبًا، فهنا نقول: انظر ما هو أصلح لقلبك. قال رحمه الله: (ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر) تقديمًا أو تأخيرًا؟ تقديمًا، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحكمة من هذا أمران؛ الأمر الأول: أن يطول وقت الدعاء. والأمر الثاني: أن يجتمع الناس على الصلاة؛ لأنهم إلى الآن لم يتفرقوا في المواقف، ثم يتسع الوقت لاختيار كل إنسان موقفه، ففي التقديم فائدتان؛ الأولى: اتساع وقت الدعاء والقراءة والذكر، والثاني: اتساع الزمن ليقف الناس مواقفهم، لأنكم تلاحظون الآن أنكم كأنما تشاهدون حج النبي صلى الله عليه وسلم، الناس كلهم دفعوا مِن؟ طالب: منى. الشيخ: من منى إلى نمرة، وجاؤوا جميعًا، وصلوا جميعًا، فلا بد إذا تفرقوا في عرفة أن يكون الوقت متسعًا، فكان من حكمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجمع جمع تقديم. والأفضل أن تصلي خلف الإمام إذا تيسر، وفي وقتنا هذا لا يتيسر، جربنا هذا فيه مشقة، وربما يكون فيه أذية على الناس، لكن من الأفضل أيضًا أن يسمع خطبة الإمام، سماع الخطبة الآن متيسر وإن لم تكن في المسجد عن طريق الإذاعة، ولهذا ينبغي للناس أن يستمعوا إلى خطبة الإمام يوم عرفة؛ لأنها خطبة مشروعة، ثم إذا انتهت الخطبة يؤذِّنون في خيامهم ويصلون الظهر والعصر جمع تقديم. (ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر) قال: (ويقف راكبًا عند الصخرات) يحتمل في (يقف) أن تكون منصوبة معطوفة على (يجمع)، ويكون المعنى: ويسن أن يقف راكبًا، ويحتمل أن تكون مستأنفة، وعلى هذا الاحتمال تكون مرفوعة (ويقفُ). (راكبًا عند الصخرات وجبل الرحمة) أما عند الصخرات فحق؛ لأن هناك صخرات كبيرة واضحة يقف عندها، وأما قوله: (جبل الرحمة) فلا أصل له في السنة، وإنما يسمى: إلال، الجبل هذا يسمى: إلال، ويسمى: جبل عرفة، أو جبل الموقف، وأما جبل الرحمة فلا، يحتاج إلى دليل؛ لأنك إذا قلت: جبل الرحمة صار موضع رحمة، فيحتاج إلى دليل، ولا دليل، وعلى هذا فيسمى باسمه الأول الجاهلي، أو باسمه الثاني؛ وهو جبل عرفة أو جبل الموقف، أما جبل الرحمة فلا، لكن الفقهاء رحمهم الله أخذوها صاغرًا عن كابر ومشت. الجبل هذا جبل صغير وقف خلفه النبي عليه الصلاة والسلام عند الصخرات، ولم توضع فيه علامة؛ يعني: عمود يدل عليه، أبدًا، ولا يشرع صعوده، ولا يشرع التبرك بترابه، ولا يشرع استقباله واستدبار الكعبة، هو ليس إلا مجرد علامة على مكان وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس له مزية على غيره من الجبال اللي حوله إلا أنه علامة. فإذا قال قائل: أليس مشعرًا؟ قلنا: لا، المشعر كل؟ طالب: عرفة. الشيخ: كل عرفة مشعر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» . (ويكثر من الدعاء ومما ورد) يعني: يكثر من الدعاء بما يريد، (ومما ورد) يعني: يخص الوارد، وهكذا ينبغي للإنسان أن يختار الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سواء وردت في هذا المكان أو وردت في مكان آخر؛ لأن الأدعية النبوية أجمع الأدعية وأنفعها، وهي صادرة من أعرف الناس بالله عز وجل وأعلمهم بما يحبه الله تعالى، فينبغي أن يحافظ على الأدعية النبوية، حتى وإن وجدنا أدعية مسجعة ربما تُلَيِّن القلب فإن المحافظة على ما جاءت به السنة أولى. ومنها -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر-: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» ، ربما يمل الإنسان من الدعاء مثلًا، فنقول: استرح قليلًا ثم استأنف الدعاء، أو خذِ القرآن الكريم، واقرأه بتدبر وتمهل واتعاظ، وتعوذٍ عند آيات الوعيد، ودعاءٍ عند آيات الرحمة، وتسبيحٍ عند آيات التسبيح، في هذه الحال لا تجد مللًا. (ويكثر من الدعاء ومما ورد، ومن وقف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له؛ صح حجه، وإلا فلا) (من وقف ولو لحظةً) اللحظة ويش مقدارها؟ طالب: بقدر الثانية. الشيخ: إي نعم، قدر ما تلحظ الشيء، أقل من الثانية الظاهر. (ولو لحظةً من فجر يوم عرفة) أفادنا المؤلف رحمه الله أن وقت الوقوف يكون من فجر يوم عرفة، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس حين وافاه في صلاة الفجر يوم العيد وسأله عن صحة وقوفه، وأنه ما ترك جبلًا إلا وقف عنده، قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» ، أخذ الإمام أحمد رحمه الله بقوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» من المعلوم أن المراد بالليل هنا ليلة العيد؛ لأنه وافاه متى؟ طالب: في صلاة الفجر. الشيخ: في صلاة الفجر، أما «أَوْ نَهَارًا» من المعلوم أنه التاسع، وإذا أخذنا بعموم الليل أخذنا بعموم النهار، فيكون وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، وفسَّره بطلوع الفجر؛ لأن اليوم الشرعي يبتدئ من طلوع الفجر. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن وقت الوقوف من زوال الشمس يوم التاسع، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وهو لم يقف إلا بعد الزوال قطعًا، ويكون المراد بقوله: «أَوْ نَهَارًا» يعني نهارًا يصح فيه الوقوف، وهو؟ طالب: ما بعد الزوال. الشيخ: ما بعد الزوال، وهذا القول قوي جدًّا، فيحمل المطلق في قوله: «نَهَارًا» على المقيد بفعل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكون ابتداء الوقوف من زوال الشمس. طالب: أحسن الله إليك، إذا قلنا يا شيخ: إنه التعريف إلى قبل الفجر ولو بلحظةٍ واحدة، فإذا أتى في الليل قبل الفجر بلحظةٍ ومرَّ على عرفة، ثم أتى إلى مزدلفة فإنه لا يكون له بها مبيت، فهل نقول له إذا أتى بعد منتصف الليل أو قبل الفجر.. الشيخ: تعجلت. الطالب: تعجلت.. الشيخ: تعجلت أنت، ما بعد وصلنا لها. طالب: عفا الله عنك يا شيخ، هل يُفهم من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أن القبة الذي ضُرِبت له بنمرة أنه لم يضربها ولم يعلم أنها.. حتى وصلها، إنما هو فعل الصحابة؟ الشيخ: نعم صحيح، هذا هو الظاهر، لكن لو كانت منكرًا هل يقرها ويجلس فيها؟ الطالب: لا، ما يفعل. الشيخ: هذه هي. طالب: بارك الله فيكم، من لا يتمكنون من سماع الخطبة هل يشرع لهم أن يقيموا خطبة في أماكنهم؟ الشيخ: هذا سؤال وجيه، يعني إذا كان الذي في الخيام لا يستطيعون سماع الخطبة، ليس عنده -مثلًا- إذاعة، هل يشرع أن يخطب؟ إن كان طالب علم فيُشْرع أن يخطب ليعلم الناس، وأما إن كان عاميًّا ويش يقول للناس؟ لا يخطب. طالب: أحسن الله إليكم، من طاف وهو متوضئ، ثم أحدث، فهل يبتدئ الطواف أو يتم؟ الشيخ: متى أحدث؟ الطالب: أحدث في منتصف الطواف. الشيخ: أنت تقول: من طاف ثم أحدث؟! الطالب: من طاف وهو متطهر. الشيخ: إي، ثم أحدث. الطالب: ثم أحدث بعد ذلك. الشيخ: يعني بعد الطواف؟ الطالب: لا وهو يطوف. الشيخ: ليش طيب ما قيدته؟ الطالب: قيدته. الشيخ: هذه مرت علينا أمس أو لا؟ راجع هذا الشريط. الطالب: (...). الشيخ: راجع الشريط، أنت الذي أهملت نفسك. طالب: يجوز للمحرم أن يقطف ثمرة من الشجرة؟ الشيخ: ثمر؟ المحرم ولَّا هل يجوز قطع الثمر في شجر الحرم؟ الطالب: لا، يعني المحرم. الشيخ: المحرم ما له دخل في مسألة الأشجار، الأشجار ما لها علاقة بالإحرام إطلاقًا، لكن الحرم ما كان داخل حدود الحرم من الشجر الذي لم ينبته الآدمي فهو محترم، وثمره جائز. طالب: شيخ بارك الله فيك، هل تشترط الطهارة في الطواف؟ الشيخ: سبق في الدرس الماضي، أليس لك؟ طلبة: بلى. الشيخ: راجع الشريط. طالب: في الحملات يجتمع رجال كثير يعني.. الشيخ: يجتمع في الحمالات رجال كثير. الطالب: يعني قد يصلون ما بين سبعين إلى مئة وخمسين، ويكون بجانبهم مسجد جماعة، ويغلب على الظن أنهم لو ذهبوا جميعًا لامتلأ المسجد ولصلَّى بعضهم خارجًا فيشق عليهم، فهل يجب عليهم السعي إلى المسجد أو يصلون في..؟ الشيخ: مسجد مبني يعني يصلى فيه الصلوات الخمس، أرى أن يصلوا في مكانهم؛ في مخيمهم. طالب: أحسن الله إليك، قلنا: القِرَان أفضل من الإفراد؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه عمرة، واللي يقولون: إن الإفراد أفضل يقولون: هو من فعل الخلفاء الراشدين، كيف نجاوب عنه يا شيخ؟ الشيخ: الخلفاء الراشدون أمروا بالإفراد سياسةً؛ لأجل ألَّا يُهْجَر البيت، وفي عهدهم لا يأتي الناس إلى البيت إلا للنسك، فقالوا: تكون العمرة في غير أشهر الحج، والحج في أشهره، فهم اختاروا هذا سياسةً. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أحيانًا في عرفة وفي المناسك بعض الجهال يتمسحون بالأستار وبالأحجار. الشيخ: من؟ الطالب: بعض الحجاج. الشيخ: إي نعم. الطالب: وهذا يعتبر شركًا أكبر ولَّا شركًا أصغر، هذا التبرك؟ الشيخ: ما ندري عن ويش نياتهم؟ هل إنهم يتبركون بناءً على أن هذه الأشجار تنفع وتضر، أو بناءً على أنها في أمكنة محترمة، فيرجون البركة فقط؟ هذا يختلف، كما نقول فيمن طاف على القبر؛ إذا كان يعتقد أن الطواف به جائز وقربة إلى الله عز وجل فليس كالذي يطوف تعظيمًا للميت وتقربًا إليه، الثاني مشرك شركًا أكبر، والأول لا، وهذه المسائل خطيرة جدًّا، والظاهر لي -والله أعلم- أن هؤلاء إنما يتبركون تبركًا فقط ما يقصدون أن هذه الأشياء تنفع أو تضر. طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل الأفضل في يوم عرفة طالب العلم يقتصر بالدعاء أحسن أو يدعو الناس إذا رأى مخالفات؟ الشيخ: إي، يعني هل الأفضل التفرغ للدعاء أو التفرغ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الأول هو الظاهر، لكن يمكن أن يجمع بينهما؛ بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى إذا صار العصر فإنه عشية عرفة لا تتركها بلا دعاء.
طالب: أحسن الله إليكم، في القصر والجمع بعرفة ومزدلفة، بعض الحجاج يؤخرون الصلاة في يوم عرفة يؤخرون صلاة الظهر إلى قرب صلاة العصر، ثم يجمعون، ويقولون: هذا جمع صوري، صورته صورة جمع، وكل صلاة وقعت في وقتها.. الشيخ: إي نعم. الطالب: فهل هذا مشروع يا شيخ؟ الشيخ: هؤلاء الذين يرون أنه لا يجوز الجمع، وأن السنة الواردة في الجمع هي الجمع الصوري، لكن قولهم هذا من أضعف الأقوال، كيف جمع صوري؟! المراد بالجمع الرأفة بالناس والرفق بهم، الجمع الصوري أشد ما يكون مشقة، عرفت ولا؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: عرفت؟ الطالب: إي. الشيخ: من يدرك أن الشمس صار ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، ثم يتحرى إلى أن يدخل وقت العصر، من يدرك هذا؟! وأصعب من ذلك الشفق الأحمر؛ من يدرك أن يقول: انتظر، حتى إذا بقي على مغيب الشفق الأحمر مقدار صلاة المغرب فصلِّ المغرب؟! يعني لو كُلِّفْنا بهذا لكان من تكليف ما لا يطاق، ولكن مع الأسف الشديد أن الإنسان إذا حوصر في الجدال ارتقى مرتقى فوق قمم الجبال، وأجاب بأشياء لو تصورها لعرف أنها لا تصح في المضايقات. طالب: شيخ بارك الله فيكم، لو اعتمر في أشهر الحج بغير نية الحج، ثم حج، فهل هو متمتع يعني يجب عليه..؟ الشيخ: لا، لو اعتمر في غير أشهر الحج وهو لا ينوي الحج، ثم بدا له بعد فحج فهو مفرد. الطالب: في أشهر الحج؟ الشيخ: في أشهر الحج نعم؛ لأن قوله: مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦] يفيد أن الإنسان لولا هذه العمرة لبقي في إحرامه إلى يوم العيد. طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- حال الصحابة هل كانوا ينوون التمتع حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال؟ الشيخ: نعم. الطالب: حالهم ما كانوا.. الشيخ: لا، ينوون التمتع، نووا الحج، ناوين الحج، لكن ناوين على أنه إفراد أو على أنه قِرَان. الطالب: ما نووا يا شيخ التمتع؟ الشيخ: ما يخالف، يجوز أن تفسخ النية المفضولة إلى نية فاضلة، لكن الصورة التي أنت سألت عنها إنسان جاء معتمرًا في أشهر الحج ولا عنده نية الحج إطلاقًا، ثم بدا له فحج، كيف يصح أن نقول: هذا تمتع بالعمرة إلى الحج؟! لأن هذه عمرة مستقلة ما تمتع بها إلى الحج. طالب: شيخ، لو قارن ولم يحرم إلا اليوم التاسع، ثم ذهب إلى عرفة ولم يطف طواف القدوم، كيف نقول: إنه قارن وهو ما طاف طواف العمرة؟ الشيخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» . طالب: بارك الله فيك يا شيخ، بالنسبة لحديث عروة لو أن إنسانًا ابتداءً عمل به وهو يعلم الأحكام ويعلم المفروض، وكذا، لكن لظروفٍ معينة عمل بهذا الحديث ولم يقف إلا آخر ساعة من الليل، ثم قدم إلى مزدلفة وصلى مع الناس؟ الشيخ: الظاهر أنه جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- لماذا العلماء؛ يعني بعضهم الذين يرون الفدية يلزمونه إما بالرجوع إذا كان وقف شيئًا من النهار، إن وقف الحاج شيئًا من النهار ودفع قبل الغروب يلزمونه بالرجوع أو الفدية؟ الشيخ: إي نعم، هو الحديث ليس فيه إلا عن تمام الركن فقط، ولا شك أن ركنه تمَّ حتى وإن لم يقف نهارًا، وأما كونه يقف نهارًا ثم نقول: اخرج لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فغلط؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام ينتظر حتى غابت الشمس ولم يدفع من عرفة إلا بعد غروبها فهنا اختار الأشق على الأخف، ولا يختار الأشق على الأخف إلا لكونه واجبًا، وإلا فسير الناس بعد العصر أهون عليهم. هذه واحدة. ثانيًا: لو قلنا: إنه يجوز لكان في ذلك مشابهة للكفار؛ لأن وقوف الكفار في عرفة إلى أن يقرب غروب الشمس حتى إذا كانت على الجبال مثل عمائم الرجال دفعوا. طالب: أحسن الله إليك، من كان متمتعًا هل هناك فترة زمنية محددة لا ينبغي أن يقصر عنها في فترة تحلله؟ الشيخ: عندي أن من وصل مكة بعد دخول وقت الحج فلا يمكن التمتع، لأن إِلَى الْحَجِّيقتضي أن يكون بينهما زمن فاصل، يجيء واحد عقب الظهر يوم ثمانية يقول: بأتمتع، يتمتع بأيش؟ ويش تمتع؟ الطالب: يوم السادس -مثلًا- يا شيخ؟ الشيخ: لا، السادس يمكن أن يتمتع. بسم الله، وقوله رحمه الله: (وهو أهل له) من وقف بعرفة (وهو أهل له) وذلك بأن يكون محرمًا، فإن وقف بعرفة وأحرم من بعد لم يصح حجه. (وأن يكون عاقلًا) فلو مرَّ بها وهو مجنون فإنه لا يصح حجه؛ لأنه ليس أهلًا لذلك، لو مرَّ بها مغمى عليه فهو أهلٌ لهذا، فيصح حجه؛ لأن الإغماء لا يرفع التكليف مطلقًا بخلاف الجنون، أعاذنا الله وإياكم منه. (ومن وقف نهارًا ودفع قبل الغروب ولم يعدْ قبله فعليه دم، ومن وقف ليلًا فقط فلا) (من وقف نهارًا) يعني: يوم عرفة، (ودفع قبل الغروب) فهو حرام؛ فقد فعل محرمًا؛ لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «خُذُو عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، ولموافقته هدي المشركين اندفع قبيل الغروب. وقوله: (ولم يعدْ قبله) عُلِم منه أنه لو عاد إما ندمًا، أو عُلِّم بعد جهله، أو ذُكِّر بعد نسيانه، ثم عاد قبل الغروب؛ فلا شيء عليه. وعُلِم من كلامه أنه لو لم يعد إلا بعد الغروب فعليه دم، وهذا أحد القولين في المسألة في مذهب الحنابلة. والقول الثاني أنه إذا رجع قبل فوات وقت الوقوف فلا دم عليه، وعلى هذا فلو رجع بعد الغروب فلا دم عليه. لكن ما ذهب إليه المؤلف أقرب إلى الصواب، ووجهه أنه لما وقف في النهار لزمه مقتضى ذلك الوقوف؛ وهو أن يبقى إلى الغروب، وهذا الرجل لم يبق إلى الغروب؛ دفع قبل الغروب ولم يرجع إلا بعده، فما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أقرب إلى الصواب وأولى للاحتياط. وقوله رحمه الله: (فعليه دم) كلما مرت عليك كلمة دم فقد سبق معناها اصطلاحًا، وهي؟ طلبة: شاة. الشيخ: شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، تُذْبَح في الحرم، وتوزع على الفقراء هناك، فإن لم يجد فقيل: إنه يصوم عشرة أيام، وقيل: لا يصوم، والصحيح أنه لا يصوم، إن لم يجد سقط عنه؛ لقول الله تبارك وتعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] وهذا لا يستطيع، وإذا كان لا يستطيع الدم فإيجاب الصوم عليه؟ طالب: إيجاب بغير دليل. الشيخ: إيجاب بغير دليل. أما قياسه على هدي التمتع فمن أبعد القياس؛ لأن هدي التمتع هدي شكران، والدم الواجب لترك الواجب دم جبران، فكيف يقاس هذا على هذا؟ ولذلك لا يوافقون على هذا القياس في مسألة الأكل؛ هدي التمتع يجوز الأكل منه، وهدي ترك الواجب لا يجوز الأكل منه، فافترقا، فالصواب أن كل دم قيل: إنه واجب لترك واجب إذا عجز عنه الإنسان سقط. قال: (ومن وقف ليلًا فقط فلا) ويش معنى (ليلًا فقط)؟ يعني لم يأت إلى عرفة إلا بعد الغروب فلا دم عليه؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» . (ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة) بعد غروب الشمس إذا تأكد يدفع من عرفة إلى مزدلفة، وسميت مزدلفة؛ لأنها مَشْعَر قريب أقرب من المشعر الحلال، لأن في الحج مشعرين: مَشْعَر حرام؛ وهو مزدلفة، والثاني: مشعر حلال؛ وهو عرفة. وتسمى جمعًا؛ لاجتماع الناس بها، ففي الجاهلية لا يجتمع الحجاج جميعًا إلا في مزدلفة؛ لأن عرفة يتخلف عنها من؟ قريش. (إلى مزدلفة بسكينة) (بسكينة) يعني: بهدوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دفع هكذا؛ دفع وقد شَنَقَ لناقته القصواء زمامها حتى إن رحلها ليصيب مورك رحله عليه الصلاة والسلام؛ من شدة شنق الزمام، ويقول بيده الكريمة: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» أي: ليس بالإسراع، لكنه يقول رحمه الله المؤلف: (ويسرع في الفجوة) الفجوة يعني: المتسع؛ يعني إذا أتى مكانًا فسيحًا لا يزدحم فيه الحجاج أسرع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما وجد فجوة نَصَّ؛ يعني: أسرع، وكلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لناقته الزمام . وهذا من سياسته عليه الصلاة والسلام حتى في البهائم؛ لأنه إذا أتى حبلًا -يعني طلعة- والناقة مشنوقٌ زمامها تتعب، ولهذا تجد الإبل عندما تسير هرولة تمد عناقها كأنما تسبح في الهواء، فلو بقي قد شنق الزمام لها لتعبت، لكنه عليه الصلاة والسلام كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد، اللهم صلِّ وسلمْ عليه. يقول: (ويجمع بها بين العشاءين) إذا وصل إلى مزدلفة جمع فيها بين العشاءين؛ يعني المغرب والعشاء. وهنا سؤال؛ هل يُسَن أن يقف عند المأزمين ويبول ويتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم يركب؟ الجواب: لا، مع أن هذا وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن وقع من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقًا أو قصدًا؟ اتفاقًا لا شك؛ يعني وقع له اتفق له أن احتاج إلى النزول فنزل، خلافًا لبعض الصحابة الذين ظنوا أن هذا من باب السنة، فصاروا إذا وصلوا المكان نزلوا وبالوا وتوضؤوا وضوءًا خفيفًا وركبوا، ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الصحابة خالفوا عبد الله بن عمر في هذا الأصل، وقالوا: ما وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتفاقًا فلا يُتَعبد به، وهذا الأصل أصح؛ أنه ليس عبادة. قوله رحمه الله: (ويجمع بين العشاءين) ظاهره أنه يجمع بين العشاءين متى وصل إلى مزدلفة، سواء وصلها في وقت المغرب أو في وقت العشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بينهما من حين وصل. ولكن من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء؛ لأنه انطلق من أقصى عرفة وهو يقول: «السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ» وقد شنق لناقته القصواء الزمام، ونزل وبال وتوضأ ، فلا جرم ألَّا يصل إلا بعد مغيب الشمس. ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا وصل إلى مزدلفة قريبًا من العشاء نزل وأذَّن المؤذن وصلى المغرب، ثم دعا بالعَشاء فتعشى، ثم أذن وصلى العشاء، وكأن ابن مسعود رضي الله عنه رأى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين المغرب والعشاء للضرورة؛ لأنه سائر من عرفة إلى مزدلفة، فما ظنكم لو وقف في الطريق وصلى ماذا يحصل؟ يحصل أذى كثير على الناس؛ إبل كثيرة كلها مشرئبة إلى المسير إلى المزدلفة، لو وُقِّف الناس في هذا المكان وصلوا لكان في هذا مشقة عظيمة؛ يحتاجون إلى وضوء، ويحتاجون إلى إناخة الإبل، وفيه مشقة، فلذلك لم يصلِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إن أسامة بن زيد ذكَّره وقال: يا رسول الله، الصلاة، قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» . ومن ثم رأى ابن حزم رحمه الله -لأنه ظاهري- أنه لو صلى الإنسان المغرب والعشاء في غير مزدلفة ما له صلاة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيش؟ «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، ما هو هنا، فيكون هذا تعيينًا لمكان المغرب والعشاء تلك الليلة، لكن قوله ضعيف ولا يعول عليه. هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكرًا قبل دخول العشاء فصلِّ المغرب ثم صل العشاء في وقتها؟ نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت الحاضر لا يتيسر ذلك، لماذا؟ للزحام الشديد واشتباه الأماكن، الإنسان ربما ينطلق أمتارًا قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه.