كتاب الحج (الشرح الأول) - ٩
درس صوتي · ٨٥:٤٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
لأن الله فوَّض الأمر إليهم، قال: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة: ٩٥]، ففوَّض الأمر إليهم، فما قضوا به وجب الرجوع إلى قضائهم فيه. طالب: (...) حلق الرأس (...). الشيخ: يسأل يقول: لماذا نلحق الخمسة بحلق الرأس ولا نلحقها بعقد النكاح؟ وواحد آخر يقول: لماذا لا نلحق عقد النكاح بهذه الخمسة؛ لأن التلفظ بعقد النكاح موجود؟ على كل حال هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، وما قاله الفقهاء فهو الذي عليه الجمهور، وأنتم تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة بعد فرض الحج، ولهذا تجد العلماء غالب أحكامهم تكون أقيسة، بعضها واضح، وبعضها خفي، وأحيانًا يكون تحكُّمًا من بعض الفقهاء بدون دليل، أو بنظر غير صحيح. ولهذا لو أن أحدًا قال: أنا أريد أن أُقَعِّدَ قاعدة: الأصل براءة الذمة حتى يثبت أن هذا فيه فدية؛ لأن الله يقول: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فإذا قال الله: هذا حرام، ولم يقل: وفيه فدية، فهو حرام، ولا فدية فيه، ويكفي المؤمن أن يقال له: إن فعلت كذا فأنت آثم، لكن نظرًا إلى أن جمهور العلماء يقولون بهذا، وأن إيجاب الفدية على الناس من باب السياسة، السياسة هي التي تمنعهم من الوقوع في المحذور؛ لأنك لو قلت لشخص لبس قميصًا وسراويل وعمامة وخُفًّا، لو قلت: ليس عليك في هذا إلا أن تستغفر الله، قال: بس (...) دائمًا يقولون كذا، إذا سأل وقلنا: عليك التوبة، قال: بس التوبة؟ والتوبة هي هيِّنَة، لكن العامة ما يدرون، يقول: إن شئت أملأ لك منى ومزدلفة وعرفات من الاستغفار والتوبة (...) ما عَلَيَّ ولا قِرش (...)، من أجل سياسة الخلق لإصلاحهم نقول: قال العلماء كذا وكذا، ونُفْتِيهم.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله وإيانا: وأما دم متعة وقِرَان فيجب الْهَدْي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله، والْمُحْصَر إذا لم يجد هديًا صام عشرة أيام ثم حَلَّ. ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة، وفي العمرة شاة، وإن طاوعته زوجته لَزِمَاهَا. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن المحظورات بالنسبة للفدية تنقسم إلى أربعة أقسام: ما لا فدية فيه، وما فديته مغلَّظة، وما فديته فدية أذى، وما فديته جزاؤه. فما هي فدية الأذى؟ طالب: فدية الأذى مِن حَلْق الشعر. الشيخ: لكن ما هي؟ الطالب: فدية الأذى إما شاة وإما إطعام ستين مسكينًا. الشيخ: ستين مسكينًا؟ الطالب: قلنا: ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام. الشيخ: لكل مسكين؟ الطالب: نصف صاع. الشيخ: نصف صاع، لماذا سُمِّيَت فدية أذى؟ الطالب: لأنه أزيل عنه الأذى. الشيخ: لماذا سُمِّيَت فدية أذى؟ طالب: لأن هذا أول ما شرعت كان (...). طالب آخر: لأنه يُزَالُ الأذى. طالب آخر: لأنه موافق نص القرآن. الشيخ: لقوله تعالى.. طالب: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ [البقرة: ١٩٦]. الشيخ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦]. وأما المغلَّظة فهي فدية الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وهي بدنة. وأما الجزاء ففي الصيد، وذكرنا أن الصيد ينقسم إلى قسمين: ما له مثل، وما ليس له مثل، فالذي له مثل يُخَيَّر بين ذبح المثل، أو تقويمه؛ يشتري بها طعامًا فيطعم عن كل مسكين مُدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، وأما الذي ليس له مثل فيُخَيَّر فيه بين شيئين؛ بين الإطعام والصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم، ذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى أدخل دم المتعة والقِرَان بين فدية المحظورات، وهذا من حيث التنظيم التأليفي فيه نظر؛ لأن الذي ينبغي أن يجعل كل صنف مع صنفه. هنا قال: (وأما دم متعة وقِرَان فيجب الهدي)، ودليل وجوب الْهَدْي قوله تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [البقرة: ١٩٦] إلى آخره. فقول: فَمَا اسْتَيْسَرَمبتدأ، خبره محذوف، والتقدير: فعليه ما استيسر من الْهَدْي. مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِهذا باعتبار الوجود، لا باعتبار الْهَدْي نفسه، ولهذا لا يجزئ من الْهَدْي إلا إذا جمع شروطًا؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتبَر شرعًا، وهو في الضأن ستة أشهر، وفي المعز سنة، وفي البقر سنتان، وفي الإبل خمس سنوات، والثالث أن يكون سليمًا من العيوب المانعة في الإجزاء، وهي أربعة؛ فلا تجزئ العوراء البَيِّن عَوَرُها، ولا المريضة البَيِّن مرضها، ولا العرجاء البَيِّن عرجها، ولا العجفاء، وهي الهزيلة التي ليس فيها مُخّ، هذا قوله: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. أما متى وأين يُذْبَح فإنه يُذْبَح في يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده، وأما أين يُذْبَح فيُذْبَح في منى، وهو الأفضل، أو في مكة، أو في أي مكان من الحرم، أي مكان داخل حدود الحرم، وأما لو ذبحه في عرفة أو ذبحه في الشرائع مثلًا، أو ذبحه في الحديبية في طرفها الغربي، فإن ذلك لا يجزئ، لماذا؟ لأنه خارج حدود الحرم. يقول المؤلف: (وقِرَان) دم قِرَان، فعطف دم القِرَان على دم المتعة، وهو واضح في أن المؤلف رحمه الله يرى وجوب الدم على القارِن، وهذا مذهب جمهور العلماء؛ أن القارن عليه دم، كما أن المتمتِّع عليه دم، وقد جرى البحث في هذا، وكوَّنَّا لجنتين؛ إحداهما ترجِّح أن القارِن كالمتمتِّع في وجوب الهدي، والثانية ترجِّح أنه ليس كالمتمتِّع في وجوب الهدي، واطلعنا على بحث إحدى اللجنتين، وهي التي ترى وجوب الدم على القارِن والمتمتِّع، وأما اللجنة الأخرى فحتى الآن لم يأتنا بحثها. طالب: موجود. الشيخ: موجود؟ لا بد أن نطَّلِع عليه. طيب نخلِّيه بعد الدرس. إذن القارِن على كلام المؤلف كالمتمتِّع، وهو قول أكثر أهل العلم، والقول الثاني أنه ليس كالمتمتِّع، وأنه ليس عليه هَدْي؛ لأن الله قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وهذا يقتضي أن يكون بينهما فاصل، وهو الحل، ومعلوم أن المتمتِّع بالحل ليس كالذي سيبقى على إحرامه من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد. ثم إن المتمتِّع يجب عليه طوافان وسَعْيَان، عمرة منفصلة وحج منفصل، والقارِن ينقص عن المتمتع، ليس عليه إلا سعي واحد وطواف واحد، إلا على رأي مَن يرى أن القارن عليه طوافان وسعيان، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، لكن الجمهور خالفوه، وهو الصحيح؛ أن القارِن فعله كفعل المفرِد تمامًا، ليس عليه إلا طواف واحد وسعي واحد، ما هو الطواف الذي عليه؟ طواف الإفاضة، والسعي، أما طواف القدوم فهو سنة وليس بواجب. يقول: (فَإِنْ عَدِمَه) أي: عَدِمَ الْهَدْي، وعَدَمُ الْهَدْي له صورتان: الصورة الأولى: ألَّا يوجد هَدْي، بحيث لا يوجد في الأسواق شيء من بهيمة الأنعام. والصورة الثانية: أن توجد بهية الأنعام، ولكن لا يوجد معه ثمن، فكل منهما يصدُق عليه أنه عادِم ولم يجد، والله عز وجل يقول: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ [البقرة: ١٩٦]، حذف المفعول به، ولكن ما هو المعتبَر في الوجود وعدمه. وهل المعتبر وقت إحرامه بالعمرة، بحيث نقول: إذا كان معه وقت إحرامه بالعمرة دراهم يشتري بها، ثم سُرِقَت، فإنه يُعْتَبَر واجدًا، أو المعتَبَر إحرامه بالحج، أو المعتبر طلوع الفجر يوم العيد، أو المعتبر وقت جواز الذبح، يعني بعد ارتفاع الشمس قيد رمح؟ كل هذا فيه أقوال، فإذا قلنا: إن المعتبر طلوع الفجر يوم النحر، وهو المذهب عند الحنابلة، فالإنسان ربما يكون عند إحرام العمرة غير واجد، أو عنده بعض الشيء وظن أن الهدي مرتفع الثمن، ولكن صار معه شيء فيما بعد، إما أنه اكتسب أو أُهْدِيَ إليه، أو مات مورِّثُه، أو ما أشبه ذلك. نقول: في هذه الحال يعمل بغالب ظنه، فإذا كان حين إحرامه بالعمرة يغلب على ظنه أنه لن يجد الهدي، فإنه يُحْكَم بأنه لم يجده، وإن كان يمكن أن يجده في يوم العيد، يعني حتى إذا عدم الْهَدْي ذاته، فإنه ربما يُجْلَب في أيام العيد، المهم المعتبَر في وجوده وعدمه متى؟ على المذهب فجر يوم النحر، وفيه أقوال، لكن هذا هو المشهور، إن عدمه فصيام ثلاثة أيام. وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه إذا عَدِمَ الثمن فهو عادم، وإن وجد مَن يُقْرِضه، ولا شك أنه إذا كان عَدَمُه للثمن عَدَمَ عجزٍ، فإنه لا يجب عليه الْهَدْي، ولو وجد مَن يقرضه، لكن إذا كان عدمه لثمن الْهَدْي ليس عدمَ عجزٍ، بل هو غني، إلا أن النفقة سُرِقت منه، ويستطيع بكل سهولة أن يقول لأحد رفقائه أو لغيرهم من الناس: يا فلان، أَقْرِضْنِي، وبكل سهولة أن يقرض كلما طلب، فهل نقول لمثل هذا: إنه غير واجد؟ ظاهر كلام المؤلف أنه غير واجد، وإن وجد مَن يقرضه، وإن كان غنيًّا. ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول: العادم الذي يجد مَن يقرضه، إما أن يكون عدمه لفَقْرِه، فهذا لا شك أن لا يلزمه الاستقراض، بل ننهاه عن الاستقراض، وإما أن يكون عدمه لفقد المال في يده، لكنه غني في بلده، فالفقهاء رحمهم الله يرون أن الصورتين كلاهما سواء. وعندي في الصورة الثانية نظر؛ لأن مثل هذا الرجل لا يقال: إنه لم يجد، على أن الغالب أن مثل هذا الرجل سوف يستقرض بكل سهولة، ويجد مَن يقرضه، ولا يصوم؛ لأن الأغنياء ولا سيما في مكة أيام الحر، ولا سيما إن كانت الأيام طويلة، يودُّون أن يبذلوا المال الكثير ولا يصوموا يومًا واحدًا؛ لمشقته عليهم. قال: (فصيام ثلاثة أيام في الحج، والأفضل كون آخرها يوم عرفة) الأفضل كون آخرها يوم عرفة، (يومَ) ما الذي نصبها؟ خبر (كَوْن)؛ لأن (كَوْن) مصدر (كان)، والأفعال الناسخة تنسخ هي ومشتقاتها. يقول: الأفضل كون آخرها يوم عرفة، فيصوم اليوم السابع، والثامن، والتاسع، ليكون آخرها يوم عرفة، قالوا: وفي هذه الحال ينبغي أن يُحْرِم بالحج في اليوم السابع، فيُحْرِم اليوم السابع؛ ليكون صومه الأيام الثلاثة في نفس الحج. هكذا قالوا، وفي هذا نظر من الوجهين؛ من جهة تقديم الإحرام بالحج، ومن جهة كون آخرها يوم عرفة. أما الأول: فإن تقديم إحرام الحج على اليوم الثامن خلاف هَدْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذي يظهر من حال الصحابة الذين تمتعوا أنهم فقراء، هذا اللي يظهر؛ لأنهم لم يسوقوا الهدي، ولو كان عندهم غنًى لساقوا الْهَدْي كما ساقه الأغنياء، وإذا كانوا فقراء ففرضهم الصيام، ونحن يغلب على ظننا كالمشاهد أن الصحابة الذين حَلُّوا لم يُحْرِمُوا إلا في اليوم الثامن، فكيف نقول: أحرم في اليوم السابع؟ ثم إننا على هذا القول نقول: أحرم قبل فجر اليوم السابع، من أجل أن يكون الصيام شاملًا للثلاثة كلها، أن يكون صيام الأيام الثلاثة كلها في الحج، وهذا فيه نظر. المسألة الثانية: كون آخرها يوم عرفة، فيه نظر أيضًا، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، وأُتِيَ بقدح فشربه أمام الناس ضحًى يوم بعرفة ليعلموا أنه مفطِر. والصوم في يوم عرفة يوجب أن يكون الإنسان في آخر النهار الذي هو أفضل اليوم خاملًا كسلان تعبان، فلا يكون عنده نشاط للدعاء الذي أفضل ما يكون في آخر النهار، فهنا إذا صام ضيَّع مقصودًا عظيمًا في يوم عرفة، وهو النشاط للدعاء في آخر اليوم. إذن فالصواب خلاف ما عليه الأصحاب في هذه المسألة من الوجهين: الوجه الأول: تقديم الإحرام بالحج، فالصحيح أنه لا يُحْرِم إلا في اليوم الثامن. والثاني: من جهة أن يصوم يوم عرفة، فإن هذا خلاف هَدْي النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إذن متى يصومها؟ نقول: ابتداء صيامها من إحرامه بالعمرة، من حين أن يُحْرِم بالعمرة يجوز أن يصومها. فإن قال قائل: كيف يجوز أن يصومها من حين إحرامه بالعمرة والله يقول عز وجل: فِي الْحَجِّ؟ قلنا: يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» ، وعلى هذا فله أن يبتدئ صومها من حين أن يُحْرِم بالعمرة إلى أن يكون آخرها آخر يوم من أيام التشريق. والذي يظهر لي من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق؛ لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهم: لم يرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلَّا لمن لا يجد الْهَدْي، فظاهر هذا النص أو هذا الأثر أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج؛ لأن أيام التشريق أيام للحج، فيها رمي الجمرات الحادي عشر والثاني عشر، وكذلك الثالث عشر، فلو ذهب ذاهب إلى أن الأفضل أن تُصَام الأيام الثلاثة في أيام التشريق لكان أقرب إلى الصواب. وهل يشترط أن تكون متتابعة؟ نقول: إن ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق لزم أن تكون متتابعة ضرورة أنه لا يمكن أن يصومها في أيام الحج إلا متتابعة؛ لأنه ما بقي عليه من أيام الحج إلا ثلاثة، ولا يجوز أن تؤخَّر عن أيام التشريق. أما إذا صامها قبل أيام التشريق فيجوز أن يصومها متفرِّقة ومتتابعة، وذلك بناء على القاعدة العامة الأصولية الحديثية، وهي أن الواجب إطلاق ما أطلقه الله ورسوله، وتقييد ما قيَّده الله ورسوله، فالله عز وجل أطلق ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة: ١٩٦]، ولم يقيِّدها بكونها متتابعة، وإذا لم يقيِّدها الله فإن تقييدها تضييق على عباد الله في شريعة الله، وإذا كان ليس لنا الحق أن نطلِق ما قيَّده الله فليس لنا الحق أن نقيد ما أطلقه الله، بل تقييد ما أطلقه الله أشد من إطلاق ما قيَّده الله؛ لأن تقييد ما أطلقه الله مخالف لروح الدين الإسلامي، وهو التيسير والتسهيل، فإن المطلق أسهل من المقيد. وعلى هذا فنقول: يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة متتابعة ومتفرقة، ما لم يكن تتابعها من ضرورة صومها في الحج، ومتى يكون تتابعها من ضرورة صومها في الحج؟ إذا صامها في أيام التشريق، فهنا لا بد أن تكون متتابعة. نظير ذلك قضاء رمضان، يجوز قضاء رمضان متتابعًا ومتفرِّقًا، أليس كذلك؟ لكن إذا بقي من شعبان مقدار ما عليه من رمضان وجب التتابع، ضرورة أنه لا يمكن تأخيره إلى ما بعد رمضان الثاني. إن أورد علينا مُورِد كفارة اليمين، فإن الله قال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ [المائدة: ٨٩]، فإنكم تقولون: لا بد فيها من التتابع، مع أن الآية فيها مطلَقة؟ فالجواب: أن ابن مسعود قرأ: (فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، قال: (وسبعة إذا رجع إلى أهله)، إذا رجع إلى أهله، يعني: إلى بلده، كما هو نص الآية: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، لكن الآية لم تقيَّد بالرجوع إلى الأهل، لكن المفسرين فسروها بذلك: إذا رجعتم إلى أهلكم، كما جاءت بذلك الأحاديث؛ أن المراد الرجوع إلى الأهل، لكن مع ذلك قال العلماء: لو صامها بعد فراغ أعمال الحج كلها فلا بأس؛ لأنه الآن جاز له الرجوع إلى الأهل، فجاز له صومها. ثم قال المؤلف: (الْمُحْصَر) كم مر علينا من الفِدَى أو الكفارة؟ مر علينا محظورات الإحرام كاملة بالتفصيل السابق أنها أربعة أقسام: هَدْي المتعة، والقِرَان، فالواجب ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. الهدي الواجب في التمتع والقِرَان هل هو هَدْي جُبْران أو شُكْران؟ طلبة: شُكْرَان. الشيخ: شُكْرَان، ولذلك لا يجب، بل يتصدق به، بل يأكل ويهدي ويتصدق. النوع الثالث: الدم الواجب بالإحصار، قال المؤلف: (والْمُحْصَر إذا لم يجد هديًا صام عشرة) أي: عشرة أيام، ثم حَلَّ الغريب، إن المؤلف رحمه الله طوى ذكر الْهَدْي، مع أنه موجود في نص الآية، قال: (إذا لم يجد هديًا)، فنفهم وجوب الْهَدْي من كلام المؤلف لا بالتصريح ولكن باللازم، وهذا أيضًا فيه نوع من التقصير، الْمُحْصَر يجب عليه الهدي بنص القرآن، قال الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]، أُحْصِرْتُمْ، أي: مُنِعْتُم عن إتمام النسك الحج أو العمرة، فَمَا اسْتَيْسَرَ(ما) هذه موصولة، إعرابها مر علينا قريبًا. طالب: خبر المبتدأ. الشيخ: لا، مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: فعليكم، فإن أُحْصِرْتُم فعليكم ما استيسر من الهدي. فإذا أُحْصِر الإنسان، مُنِعَ عن دخول مكة، فعليه ما استيسر من الهدي. الهدي، أي هدي؟ الهدي الشرعي المعروف الذي يجب أن يتم فيه ثلاثة شروط؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، بالغًا السن المقدَّر شرعًا، سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء، يجب عليه الهدي بنص القرآن. أين يذبح الهدي ومتى؟ يذبحه عند الإحصار، وفي مكان الإحصار، يعني وقت ومكان الإحصار، دليل ذلك هذه الآية: إِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وقد ساق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدي معه في عمرة الحديبية، ولكن منعه المشركون أَنَفَةً وحميَّة جاهلية أن يدخل مكة، ووالله إنه أولى بها منهم، وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الأنفال: ٣٤]، لكن منعوه مع أنه لو جاء رجل مشرك من أقصى مكان ومن أبعد العرب عن بني هاشم أو قريش لفتحوا له الأبواب، لكن محمدًا عليه الصلاة والسلام منعوه، إلا أن الله عز وجل سلَّطَه عليهم ففتحها عنوة، فتح مكة عنوة بالسيف، ولولا أنه قال: «مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» ، لولا ذلك لقتلهم الصحابةُ في الأسواق. إذن الْمُحْصَر عليه ما استيسر من الهدي. وهل عليه حَلْق؟ ظاهر كلام المؤلف أنْ لا حَلْق عليه، ولكن السنة دلت على وجوب الحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم أن يحلقوا، فتمنَّعُوا رجاء ألَّا يُنَفِّذَ النبي صلى الله عليه وسلم الصلح الذي جرى بينه وبين قريش، وأظنكم تعرفون الصلح اللي جرى ظاهره الغضاضة على المسلمين؛ لأن من جملة الشروط أن مَن جاء منهم مسلمًا وجب على المسلمين رده، ومَن ذَهَبَ مِن المسلمين إليهم لم يجب عليهم رده، وهذا شرط فيه غضاضة عظيمة على المسلمين، ولهذا عارَض مَن عارَض من الصحابة. من جملة مَن قام بالأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدُوُّنا على الباطل؟ قال: «بَلَى»، قال: لِمَ نعطِي الدنية في ديننا؟ قال: «يَا عُمَرُ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ عَاصِيَهُ، وَهُوَ نَاصِرِي» .
شوف الثقة بالله عز وجل؟ أنا أطيعه وسينصرني؛ لأن الله تكفل بنصر مَن أطاعه، وهذا رباطة الجأش والطمأنينة في هذا المقام الضنك، هكذا كان جواب الرسول عليه الصلاة والسلام، فذهب عمر إلى أبي بكر ليساعده على الرسول، يكون معه، ولكن كان جواب أبي بكر كجواب الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بسواء، كأنه يُسْمِعُه الرسول، يُسْمِعُ أبا بكر، وهو ما علم. ومن هنا نعرف أن أبا بكر أقرب إلى إصابة الصواب من عمر؛ لأنه وافق الرسول في هذا، وحصل ما حصل، وكانت النتيجة أن يحلوا من عمرتهم، بدل: لبيك اللهم لبيك، انقطعت التلبية، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقَصِّروا، ولكنهم تأَبَّوْا عصيانًا أو انتظارًا لتغيير الرأي الثاني. فدخل الرسول عليه الصلاة والسلام على أم سلمة رضي الله عنها، وكانت امرأة عاقلة، فوجدته متغيِّرًا، قالت: ما الذي غيَّرَك؟ قال: كذا وكذا، آمُرُهُم ولم يفعلوا، قالت: أتريد أن يفعلوا؟ قال: نعم، قالت: اذهب، اخرج الآن وادعو الحلاق، واحلق ولا تكلِّم أحدًا، فخرج ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فصار يكاد يقتل بعضُهم بعضًا على الحلق، سبحان الله! شوف الاقتداء بالفعل أعظم من الاقتداء بالقول، حلقوا، في هذا الحديث دليل على وجوب الحلق، وإن لم يكن مذكورًا في القرآن، لكنه جاءت به السنة، والسنة تكمل القرآن. إذا لم يجد الْمُحْصَر هديًا ماذا يصنع؟ قال المؤلف: (يصوم عشرة ثم يحل)، بعد عشرة أيام، يبقى عشرة أيام على إحرامه حتى يصوم العشرة ثم يحل، ما الدليل؟ طالب: قياس. الشيخ: قياس على إيه؟ الطالب: التمتع. الشيخ: قياسًا على التمتع، قالوا: لأن هذا ترفُّه بالتحلل من الإحرام، فلزمه الهدي كما تَرَفَّه المتمتِّع فلزمه الْهَدْي. فإن لم يجد فعليه أن يصوم عشرة أيام كما على المتمتِّع. لكن هذا القياس قياس مع الفارق ومخالفة النص، كيف كان مخالفًا للنص؟ الْحُكْمان في آية واحدة، حُكْم الإحصار وحُكْم التمتع، في آية واحدة، ومنزل الآية واحد، وعالِم بالأحكام جل وعلا، قال في التمتع: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ [البقرة: ١٩٦]، وقال في الإحصار: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ [البقرة: ١٩٦] انتقل إلى حكم آخر. لو كان الحكم واحدًا هل يذكر الله عز وجل البدل في التمتع، ولا يذكر البدل في الإحصار؟! أبدًا، لا يمكن، فلما سكت الله عن الصيام في الإحصار وأوجبه في التمتع لمن عَدِمَ، دلَّ على أن مَن لم يجد الهدي من الْمُحْصَرين فليس عليه شيء يحل بدون شيء. والغريب أن الفقهاء رحمهم الله أحيانًا يستعملون النصوص على وجه يقع الإنسان فيه حيران، في كفارة القتل أوجب الله عتق الرقبة، وقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [النساء: ٩٢] ذكر خصلتين فقط، وفي كفارة الظهار أوجب الله عتق الرقبة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة: ٤]، ولم يقيسوا كفارة القتل على كفارة الظهار، مع أنهما في آيتين متباينتين متباعدتين، لم يقيسوا وقالوا: لو كان الإطعام واجبًا إذا لم يستطع الصوم لذكره الله كما ذكره في آية الظهار. نقول أيضًا: لو كان الصيام واجبًا على مَن عَدِمَ الهدي في الإحصار لذكره الله، هذا وجه كون هذا الحكم مخالفًا للنص. أما كونه مخالفًا للقياس فنقول: بينهما فرق عظيم، المتمتِّع ترفَّه بالتحلل بالعمرة، لكنه حصل له مقصوده بالحج، لكن هذا الْمُحْصَر المسكين ما حصل له مقصوده ولا بالعمرة، فكيف يقاس مَن حصل له مقصوده على وجه التمام بمن لم يحصل له ولا بعض مقصوده، فالتمتع وجب الهدي، فإن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لكمال النعمة، لا تذهبوا سدى؛ إما هدي أو بدل الهدي، فظهر بذلك الفرق بين الحالين، وأنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر. وعلى هذا نقول: المحصر يلزمه الهدي إن قدر، وإلا فلا شيء عليه. (وإن طاوعته زوجته لزمها) وفي نسخة: (لزماها)، إن طاوعته، يعني وافقته على الجماع في الحج أو في العمرة، لزماها، أي: البدنة في الحج، والشاة في العمرة، أو لزمها، أي: لزمها الحكم. انتبه: إن طاوعته، وإن أكرهها؟ ظاهر المؤلف أنه إذا أكرهها لا يلزمها ذلك، ولكن هل يلزم الزوج أو تسقط الفدية مطلقًا؟ طالب: الزوج؟ الشيخ: الزوج، هل يلزم الزوج أن يكفِّر عن زوجته لأنه أكرهها أو لا؟ في المسألة قولان؛ المذهب: لا فدية على مكرَهة، ولا على مَن أكرهها؛ لقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: ٥]، وقوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦]. أكرهها، نقول: ليس عليها فدية، هل يفسد حجها؟ لا؛ لأنها مكرَهة. عندي في الشرح تكميل لا بد منه، قال: (الدم الواجب لفوات أو ترك واجب كمتعة)، يعني: كدم المتعة. الدم الواجب لفوات، ما هو الفوات؟ الفوات أن يطلع فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة، فالحاج إذا طلع عليه فجر يوم النحر قبل أن يقف بعرفة فاته الحج، ويلزمه دم لفواته إذا لم يكن اشترط، كذلك الدم الواجب لترك واجب إذا عَدِمَه يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع. مثاله: لو ترك رمي الجمرات نقول: يلزمه دم، فإن عدم صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، العلة القياس على دم المتعة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأنه فرق عظيم بين دم المتعة وبين ترك الواجب. الدم الواجب لترك الواجب دم جُبْرَان لنقص، والدم الواجب للمتعة والقِرَان دم شُكْرَان لتمام، فكيف نقيس هذا على هذا؟ لعلنا لا نعارِض في وجوب الدم على مَن ترك الواجب، بمعنى عسى أن نلزمه بالدم؛ لأنه لا دليل على إيجاب الدم على مَن ترك الواجب إلَّا أثر ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: من نسي شيئًا مِن نُسُكِه أو تركه فليهرق دمًا، ما فيه غير هذا، فالرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه عنه ولا حرف واحد على أن مَن ترك واجبًا فعليه دم. لكن هذا الأثر تلقاه العلماء بالقبول، وقالوا: مَن ترك شيئًا من نسكه فعليه دم، مع أنهم لا يقولون بإطلاقه، لو قلنا بإطلاقه لقلنا: مَن ترك الاضطباع فعليه دم، من ترك صلاة ركعتين خلف المقام فعليه دم، من ترك الوقوف عند المشعر الحرام فعليه دم، لكن هذا المشعر الحرام، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «جَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ، فهم لا يقولون بإطلاقه، يحملونه على أن مَن ترك شيئًا من نسكه الواجب أو نسيه فليهرق دمًا. قالوا: ولهذا حُكْمُ الرفع، ولكن قد يقال: هذا ليس له حكم الرفع؛ لأن حكم الرفع ما قاله الصحابي، وليس للرأي فيه مجال، وهنا ربما يكون للرأي فيه مجال، ربما يقول ابن عباس رضي الله عنهما: إذا كان انتهاك النسك بفعل المحظور موجِبًا للدم، فانتهاك النسك بترك المأمور مثله، فيكون للرأي فيه مجال. على كل حال، ليس هذا موضع الكلام على وجوب الدم بترك الواجب أو لا، لكن نريد أن نبيِّن أن المؤلف رحمه الله يرى أن مَن تَرَكَ واجبًا فعليه دم، فإن لم يجد صام عشرة أيام، نقول: لا دليل على وجوب صيام عشرة أيام، وأن مَن تَرَكَ واجبًا فعليه دم، فإن لم يجد فليس عليه شيء؛ لأن إيجاب العبادات على العباد ما هو هين، إيجاب ما لم يجب كتحريم ما لم يحرَّم، بل قد يكون أشد؛ لأنك سوف تشغل ذمة العبد بما أوجبت بلا دليل. فهذه قاعدة ينبغي لكم أن تجعلوها على بالكم؛ أن الإيجاب كالتحريم يحتاج إلى دليل؛ لأنك لا يمكن أن تشغل ذمم العباد بما لم يشغلهم الله به إلا بدليل، كيف نقول: مَن تَرَكَ واجبًا فعليه دم، هذه يمكن أن نستدل بأثر ابن عباس، لكن كيف نقول: ومن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام، من أين؟! طالب: (...). الشيخ: إي، القول الثاني أن المكرَهة عليها فدية وتكون على الزوج. طالب: الصحيح؟ الشيخ: لا، الصحيح المذهب، الصحيح المكرَهة ما عليها شيء. طالب: إذا أكره الزوج الزوجة في الحج، ولكن بعد المباشرة يعني كأنها راضية بينها وبين نفسها؟ الشيخ: لا، كيف يعني بعد ما وطأها ترى رضيت؟ الطالب: أثناء يا شيخ.. الشيخ: هذه لا بد منها غصبًا عليها. الطالب: الضابط يا شيخ؟ الشيخ: الضابط إذ أكرهها ومسكها وأولج فيها هذا هو، أما كونها أثناء الجماع تتلذذ (...) هذا شيء طبيعي. طالب: (...) الشيخ: إي نعم، العمرة فيها سَوْق هَدْي. الطالب: كيف؟ الشيخ: هذا الكيف، أنا مثلًا خرجت معتمرًا آخذ من الهدي أسوقه. طالب: بعد العمرة؟ الشيخ: مع الرسول، جاء به من المدينة. طالب: يُشْرَع أن..
الشيخ: يُشْرَع إذا أراد عمرة أن يسوق الهدي، بل يُشْرَع أن يسوق الهدي، يعني يرسل الهدي وهو مكانه. طالب: (...). الشيخ: سنة، كانت عائشة رضي الله عنها تفتل قلائد هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فيبعث به من المدينة إلى مكة ولم يُحَرِّم على نفسه شيئًا من محظورات الإحرام. طالب: (...). الشيخ: (...). طالب: (...). الشيخ: في العمرة؟ الطالب: نعم. الشيخ: قالوا: بعد السعي، إذا أتم السعي ذَبَحَهُ، قالوا: والأفضل أن يكون عند المروة. طالب: (...) عائشة. الشيخ: كأنكم ما فهمتم أن الهدي يُسَاق في العمرة، سبحان الله! طالب: (...) بعد إرساله. الشيخ: إي نعم، قال: الأفضل بعدما تنتهي العمرة. طالب: بعد الحلق؟ الشيخ: إي نعم. طالب: ترى هذا المريض في آخر شعبان بيصير عليه صيام؟ الشيخ: الآن الهدي، نشوف يُسَاق في العمرة، ويرسل وليس في بلده. طالب: ثلاث حالات. الشيخ: ثلاث حالات. الطالب: إن كان متمتعًا وعجز عن الصيام (...) ولا في آخر شعبان مر المريض وعليه صيام من (...). الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: رجل عليه سبعة أيام من صيام التمتع، وعليه سبعة أيام من رمضان، فمرض، ولم يَشْفَ إلا قبل رمضان بسبعة أيام، فهل يقدم صيام المتعة أو صيام رمضان؟ طالب: صيام رمضان. الشيخ: صيام رمضان. طالب: لا (...). الشيخ: إي نعم. طالب: يعني الثلاثة أيام. الشيخ: ما يخالف، كله واحد؛ لأن صيام الأيام الثلاثة والسبعة ما لها وقت. طالب: ويش لون بلا وقت؟ الشيخ: يعني الأيام إذا فاتت أيام الحج ما لها وقت. طالب: إذن صار المريض يُعْذَر بالصيام. الشيخ: يُعْذَر، نعم. طالب: في نفس (...). الشيخ: في نفس (...) نعم. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هو الصحيح (...) المتمتِّع إذا لم يستطع الهدي (...) طلوع الفجر؟ الشيخ: قلنا: المذهب من فجر يوم النحر، وفيه قول ثان؛ إنه من ارتفاع الشمس قيد رمح، وهذان القولان متقاربان، يعني الغالب اللي ما (...) عند طلوع الفجر ما (...). طالب: لو ترك الإنسان تكاسلًا الأيام الثلاثة؟ الشيخ: المذهب يشددون فيها تمامًا، يقول: لو تركها حتى لعذر فعليه أن يصومها وعليه دم، طيب ما عنده دم؟ طالب: هل يبقى في مكة؟ يلزم أن يبقى؟ الشيخ: لا، ما يلزم. طالب: يقضيها يا شيخ. الشيخ: يقضيها، وعليه دم، ولو عُذِرَ، لو كان مثلًا أنه أخَّرها لأيام التشريق، ومرض، على المذهب يلزمه أن يقضيها، ويلزمه دم. طالب: صحيح. الشيخ: أصلًا، ما هو بصحيح، الصحيح أنه إذا عجز لا، ما تسقط عنه مثله، مثل المرض إذا عافاه الله، يصوم. طالب: (...). الشيخ: يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا. طالب: ويش لون عليه دم ولو (...) يصوم (...). الشيخ: يقول: يصوم ثلاثة أيام عن صيام المتعة، ثم عليه دم لتأخيرها عن أيامها. طالب: ما استطاع الدم، يصوم؟ الشيخ: ما قالوا شيئًا، إذا ما استطاع الدم يبقى حتى يجيب (...) الدم. طالب: (...). الشيخ: على كل حال، هو قول ضعيف، والقول الضعيف دائمًا يكون غير مُطَّرِد، فإذا كان غير مُطَّرِد الحمد لله. طالب: (...). الشيخ: لا، أبدًا الْمُكْرَه ما عليه شيء أبدًا. طالب: قلنا فيما مضى: إن الرجل (...). الشيخ: إي، يعني يحرُم عليها أن تلبس الخفين قياسًا على تحريمها على الرجل. طالب: قياسًا على.. الشيخ: على تحريمها على الرجل. طالب: على (...). الشيخ: لا، قياسًا على تحريمها على الرجل، كما قسنا تحريم القفازين على الرجل قياسًا على تحريمهما على المرأة، هكذا تقول، هذا قول وجيه بلا شك، يعني كأنه يقول: يجوز للرجل أن يلبس القفازين في الإحرام، وأنه ليس حرامًا، ولا يصح قياسه على تحريمه على المرأة،نقول: هذا لا يرد؛ لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان الرجال يلبسون القفازين أبدًا، بل يعد لبس القفازين من الرجال تشبهًا بالمرأة، ولهذا نحن الآن نقول: لو أن الرجل لبس قفازين أسودين لكان حرامًا عليه، ولدخل في اللعنة؛ لأنه يكون متشبهًا بالمرأة. طالب: غير الأسود؟ الشيخ: لا، غير الأسود ما يتشبه بالمرأة، يخالفها في اللون. طالب: بارك الله فيك، فدية الفوات، منهم مَن قال: بدنة على الأصح. الشيخ: لا، ما هو صحيح، سيأتينا إن شاء الله في باب الفوات، والإحصار باب مستقل نتكلم عليه إن شاء الله. طالب: (...) مَن بَاشَرَ فأنزل بعد التحلل الأكبر. الشيخ: التحلل الأكبر ولَّا الأول؟ الطالب: الأول. الشيخ: ما ذكرناه يا جماعة كل محظور ففديته فدية أذى، والجماع بعد التحلل الأول محظور، فتكون فديته فدية أذى. طالب: جامَع زوجته وهو محل وهي مُحْرِمة، وتراضوا، هل يكون في ذلك عليه شيء سدًّا للباب (...) إذا كان مَحْرَمًا لها وهو محل.
الشيخ: كيف؟ ما فهمت. الطالب: هو مثلًا مع زوجته مَحْرَمًا. الشيخ: الزوج محل وهي مُحْرِمة. الطالب: نعم، وأكرهها على الجماع. الشيخ: فليس عليها شيء. الطالب: لا عليه هو؟ الشيخ: ما عليه شيء، هو آثم فقط. الطالب: ربما يُكَرِّرها مرة أو مرتين. الشيخ: يأثم، الواجب أن تمتنع. الطالب: ربما يكررها مرتين. الشيخ: المهم على كل حال أنه ليس عليه شيء؛ لأنه محل، وهي ليس عليها شيء لأنها مُكْرَهَة. طالب: شيخ، قلت: الصيد من شروطه أن يكون وحشيًّا، ولكن ما ندري وين الدليل يا شيخ؟ الشيخ: لأنه لا يسمى صيدًا إلا ما كان كذلك. الطالب: كيف نعرف أن أصله وحشي أو إنسي؟ الشيخ: الوحشي هو المستوحش من بني آدم، ما يمكن تأخذه إلا بصيد، والمستأنس مثل الدجاج وشبهها، أشياء كثيرة يعني يسمونها الدواجن عندنا أظن. طالب: ما وجد البدنة الذي جامع زوجته، هل عليه شاة؟ الشيخ: لا، الفقهاء يقولون: يصوم عشرة أيام قياسًا على التمتع، ولكن ما هو بصحيح. الطالب: لكن ما يتحول إلى شاة؟ الشيخ: أبدًا، إذا لم يجد ما عليه شيء. طالب: نهى عن صوم يوم عرفة لمن بعرفة يشمل يا شيخ غير الْمُحْرِمِين؟ الشيخ: لا، المراد به الْمُحْرِمُون، وعلى كل حال أنا نسيت أن أُنَبِّهَكم، هذا الحديث فيه مقال، لكن يؤيده أن الرسول لم يَصُم، مع أن صوم عرفة يكفِّر السنة التي قبله والتي بعده.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى:
فصل: ومَنْ كَرَّر محظورًا من جنس ولم يَفْدِ فَدَى مرًة بخلاف صَيْد، ومن فعل محظورًا من أجناسٍ فَدَى لكل مرةٍ رفض إحرامه أو لا. ويسقط بنسيانٍ فديةُ لبس وطيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلاق. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا الواجب في دم المتعة والقِرَان، وكذلك في بقية محظورات الإحرام، وكذلك في الإحصار (...) لنا أن الإحصار يجب فيه دم، ودليله قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]، وأنه إذا عَدِمَ الدم فلا شيء عليه، على القول الراجح. وسبق لنا أنه يجب في الإحصار حَلْق، وإن لم يكن مذكورًا في كتاب الله، لكن مذكور في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبق لنا أن المذهب أن الدم الواجب لفوات أو ترك واجب كمتعة، وأن القول الراجح أن الدم الواجب لترك واجب إذا كان معسِرًا فلا شيء عليه، لا صيام ولا إطعام. ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ومَن كَرَّر محظورًا من جنس واحد ولم يَفْدِ فَدَى مرة، بخلاف صيد)، إذا كرر الإنسان المحظور من جنس ولو أكثر من مرة، ولو عشر مرات، ولم يَفْدِ، فإنه يفدي مرة واحدة.
مثل: أن يُقَلِّم مرتين، أو يلبس مخيطًا مرتين، أو يحلق مرتين، أو يباشر مرتين أو أكثر، وهو من جنس واحد، فإن عليه فدية واحدة إذا لم يكفِّر، قياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فإنه يكفيه وضوء واحد، كذلك هذه المحظورات إذا فعل أشياء من جنس واحد فعليه فدية واحدة، اللبس شيء واحد، الحلق شيء واحد، التقليم شيء واحد، الطِّيب شيء واحد، تغطية الرأس شيء واحد. وعلى هذا فلو لبس وغطى رأسه ففديتان؛ لأن تغطية الرأس من جنس، واللبس من جنس آخر، نعم، لو لبس عمامة بقصد اللبس فهنا يمكن أن نجعلها مع لبس القميص شيئًا واحدًا، لكن إذا عطى رأسه بغير ما يلبس عادة ولبس قميصًا فإنه يعتبر شيئين؛ لأنهما جنسان. قلَّم ظفر يد وظفر رجل، شيء واحد، وإن تعدد الْمَحَلّ، كما لو لبس خفين وسراويل وقميصًا، فإنها شيء واحد، وكما لو طَيَّبَ يده ورأسه وصدره مثلًا فإنه شيء واحد، يعني: معناه تعدُّد الْمَحَلّ لا يؤثر شيئًا ما دام الجنس واحدًا. قال المؤلف: (وَلَمْ يَفْدِ)، فعُلِمَ من كلامه أنه لو فدى عن الأول فدى عن الثاني؛ لأن الأول انتهى، وبرئت ذمته منه بفديته، فيكون الثاني تجديدًا. وقوله: (بخلاف صيد) يعني: فإنه يتعدد بعدده، حتى ولو برمية واحدة، فإذا رمى رمية واحدة وأصاب خمس حمامات، فإن عليه خمس فدى، لا يقول: إن الفعل واحد والمحظور واحد؛ لأن الله اشترط في جزاء الصيد أن يكون مثله، والمماثلة تشمل الكمية والكيفية، فلو قدَّرْنا أنه فدى بشاة واحدة عن الخمس لم يكن أتى بمثلها، وهذا وجه استثناء الصيد؛ أن الله سبحانه وتعالى اشترط المماثلة، والمماثلة تشمل المماثلة كمًّا وكيفًا. (ومَن فَعَلَ محظورًا من أجناس فَدَى لكلٍّ مرة)، مَن فعل محظورًا من أجناس مثل: أن يلبس القميص ويطَيِّب رأسه، وما أشبه ذلك، ويحلق ويقلِّم، هذه أربعة أجناس، فعليه أربع فِدًى، ولهذا قال: (ومن فعل محظورًا من أجناس فَدَى لكلٍّ مرةً) فدى لكلِّ واحد مرةً، وإن كرر أكثر وفدى أعاد الفدية أيضًا. قال المؤلف: (رفض إحرامه أو لا) يعني: سواء فعل المحظور بعد أن رفض الإحرام، ونوى الخروج أم لا. وأشار إليه المؤلف هنا؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا رفض إحرامه ارتفض وحَلَّ. ولكن الصحيح ما قاله المؤلف؛ أن الإنسان يبقى على إحرامه ولو رفضه، اللهم إلا أن يكون غير مكلَّف، كالصغير، فإن الصغير إذا رفض إحرامه حل منه؛ لأنه ليس أهلًا للإيجاب. وقوله: (رفض إحرامه أو لا) يعني أم لم يرفضه، ظاهره أنه لا شيء عليه برفضه، وأن وجود هذا الرفض وعدمه على حد سواء، وهذا هو الصحيح. وقال بعض العلماء: يلزمه لرفضه دم؛ لأنه يحرُم عليه أن يخرج من النسك بعد أن تَلَبَّسَ به، فإذا رفضه وحاول الخروج فهذا وقوع في محظور، فيلزمه الدم. والصحيح ما هو ظاهر كلام المؤلف؛ أنه لا شيء عليه. رجل أحرم بالعمرة، ثم رفض الإحرام، ثم فعل المحظور، هل يكفِّر أو لا؟ طالب: يكفِّر على قول المؤلف. الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، هذا يكفِّر؛ لأن المؤلف يقول: رفض إحرامه أو لا؛ لأن رفضه للإحرام لا أثر له؛ إذ إنه لا يمكن الخروج من النسك إلا بواحد من ثلاثة أمور: إتمام النسك، التحلل إن شرط، الحصر، أما مجرد النية الإنسان يتلاعب يقول: هوّنت، هذا ما يمكن. إذن المثال: رجل رفض إحرامه ثم لبس، هل عليه فدية؟ طلبة: نعم. الشيخ: هوّن. طلبة: نعم. الشيخ: طيب، رجل صائم فرفض صومه وشرب. طالب: في غير رمضان؟ الشيخ: نعم. الطالب: (...). الشيخ: نقول: الآن بطل الصوم في رمضان وغير رمضان، لكن في رمضان لا يحل له أن يأكل ويشرب؛ لأنه أفطر لغير عذر. وهذا مما اختص به الحج من بين سائر العبادات، سائر العبادات إذا خرج منها، يعني رفضها، خرج منها، أما الحج فلا، الحج لا يخرج منه إلا بواحد من ثلاثة أمور؛ الأول: إتمامه، الثاني: التحلل إن شرط، والثالث: الحصر. قال المؤلف: (ويسقط بنسيان فدية لبس وطِيب وتغطية رأس، دون وطء وصيد وتقليم وحلق)، المحظورات تنقسم باعتبار سقوطها بالعذر إلى قسمين: قسم: تسقط فديته بالعذر. وقسم: لا تسقط. يقول المؤلف: (يسقط بالنسيان)، ومثله الجهل والإكراه، فدية اللبس، يعني: لو أن الإنسان نسي فلبس ثوبًا وهو مُحْرِم، فليس عليه شيء، ولكن عليه متى ذكر أن يخلعه ويلبس الإزار والرداء. كذلك الطيب، لو تَطَيَّب وهو محرِم ناسيًا فلا شيء عليه، لكن عليه إذا ذكر أن يبادر بغسله، وفي هذه الحال، أي في حال غسله إياه، لا شيء عليه، مع أنه سيباشره؛ لأن هذه المباشرة للتخلص منه لا لإقراره، والتحرك في الشيء للتخلص منه لا يعتبر ذلك حرامًا، أرأيت لو أن شخصًا غصب أرضًا وسكن فيها، أتى بأثاثه وسيارته وأولاده وسكن، ثم جاءه رجل وَعَظَهُ، فقال: باسم الله مشينا، مدة مشيه في هذه الأرض هل يؤاخذ به؟ لا؛ لأنه إنما تحرك للتخلص. لكن لو قام من مكانه يتمشى في الأرض هل يأثم بذلك؟ نعم؛ لأنه لم يحاول التخلص. أيضًا الرجل يستنجي بالماء فيباشر النجاسة بيده ولا يأثم بهذا، لماذا؟ لأنه إنما يفعل ذلك للتخلص منها. فالطِّيب الذي يغسله المحرِم إذا تطيَّب ناسيًا ثم ذَكَرَ، نقول: اغسل الطِّيب، قال: كيف أغسله، إذن معناه: أُبَاشِر الطِّيب؟ قلنا: نعم، تباشر الطِّيب لكن تخلَّص منه. في اللباس قلنا: يجب عليه أن يخلعه، لكن سبق لنا مشكلة في هذا، ما هي؟ أنه إذا حاول خلعه غطى رأسه. قال بعض العلماء: يوسِّع الجيب شوي وينزله من أسفل، وقلنا فيما سبق: الصحيح أنه ليس بلازم، وأن هذه التغطية عابرة للتخلص من هذا اللباس. (وتغطية رأس) يسقط بنسيان فدية تغطية الرأس، لو غطى رأسه ناسيًا وهو مُحْرِم فلا شيء عليه، ولكن متى ذكر وجب عليه كشفه. النوم مثله، لو أن الإنسان وهو نائم غطى رأسه هل عليه فدية؟ لا؛ لأنه مرفوع عنه القلم، لكن متى استيقظ وجب عليه كشفه. ما هو الدليل على سقوط هذه الأشياء بالنسيان، والجهل، والإكراه؟ الدليل قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله: قد فعلت. وقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: ٥]. وقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [النحل: ١٠٦]، فالكفر إذا كان يسقط موجِبه بالإكراه، فما دونه من باب أولى، إذن هذه آيات من القرآن. أما في السنة فالحديث المشهور: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، هذا من جهة الدليل من الكتاب والسنة. التعليل أن هذا لم يتعمَّد المخالفة، فلا يُعَدّ عاصيًا، وإذا لم يكن عاصيًا لم يترتب عليه الإثم ولا الفدية، فصار الأدلة قرآن سنة تعليل، وهو ما يسمى بالنظر، الدليل النظري. قال المؤلف: (دون وطء وصيد وتقليم وحلق) كم هذه؟ طلبة: أربع. الشيخ: (دون وطء) يعني: أنه لا تسقط الفدية إذا وطئ ناسيًا، أو وطئ جاهلًا، أو وطئ مُكْرَهًا، إذا وطئ ناسيًا، أو جاهلًا، أو مُكْرَهًا، لماذا قالوا؟ لأن النسيان يبعد إنسان مُحْرِم ويعرف أن الجماع حرام، يبعد أن ينسى، لا سيما وأن عليه لباس الإحرام، وإذا قُدِّرَ أنه نسي ذَكَّرَتْه زوجته. لكن الأخير ليس بتعليل؛ لأنا نقول: إذا ذكر ارتفع النسيان، لكن ما دام ناسيًا، قد يكون هو ناسيًا، وكذلك الزوجة، يقولون: هذا النسيان فيه بعيد. فيقال في الجواب على هذا: هل النسيان وصف مُسْقِطٌ لحكم المحظور أو لا؟ نعم، لا شك، إذا كان كذلك فسواء كثر أم لم يكثر. الجهل قالوا: لا يُعْذَر فيه، إذا جامع زوجته جاهلًا فإنه لا يُعْذَر، ولنفرض أن رجلًا جامع زوجته ليلة مزدلفة؛ لأنه سمع أن الحج عرفة، وقال: انتهى الحج، فجامع، هذا الجماع جهل أو عمد؟ جهل، لماذا لا نعذره، والجهل هذا قريب، ليس أمرًا مستبْعَدًا أن يكون جاهلًا؟ قالوا: لأن فيه إتلافًا، أيش الإتلاف؟ قالوا: زوال البكارة. وإذا كانت ثيبًا لها مع زوجها ثلاثون سنة، وين البكارة؟ قالوا: لأن الوطء يوجِب المهر، المهر حق من حق الله ولَّا حق الآدمي؟ حق آدمي، لو أن إنسانًا وطئ امرأة وهي غير زوجته لزمه المهر، لكن هذا المهر حق لمن؟ حق للآدمي، الآدمي ما يُعْذَر فيه بالجهل، لكن حق أكرم الأكرمين عز وجل إذا أسقطه هو سبحانه وتعالى عن عباده نلزم العباد به؟ لا. الإكراه، قالوا: لا يسقط، لو أُكْرِه الرجل على أن يجامع زوجته لم تسقط الفدية، والمشكِل إذا كان قبل التحلل الأول، كم يلزمه؟ خمسة أحكام: البدنة، والقضاء، وفساد النسك، والمضي فيه، والإثم. قالوا: ولو كان ما دام أُكْرِه، حتى سواء مُكْرَه ولَّا غير مُكْرَه تترتب عليه الأحكام، لماذا يا جماعة؟ قال: لأن الإكراه على الجماع لا يمكن، صحيح هذا الإكراه على الجماع لا يمكن. طلبة: (...). الشيخ: ترى ما هو بالموطوء، كلامنا في الواطئ ولَّا الموطوءة؟ سبق أن المرأة الموطوءة إذا أُكْرِهَت لا شيء عليها، لكن هذا الواطئ قالوا: لا يمكن يُكْرَه؛ لأنه لا وطء إلا بانتشار، ولا انتشار مع إكراه، ولكن هذا التعليل عليل؛ لأنه من قال: إنه لا ينتشر مع الإكراه، إذا أجبرته زوجته ولنقل: إنها زوجة جديدة شابة أجبرته، وقالت: إما أن تفعل، وإلا فالمسدس، وهي جديدة وشابة، الآن هو بين أمرين؛ إما أن يدعها ويمكن تنفذ، وإما أن يجامع، في هذه الحال إذا دنا منها مهما كان الأمر سوف ينتشر، وسوف يجامع، فالقول بأنه لا جماع مع إكراه غير صحيح. وعلى هذا فالوطء يمكن أن يكون مع الإكراه، ومع ذلك يقولون: إنه لا تسقط الفدية فيه. الثاني: (الصيد) لا يُعْذَر فيه بالنسيان ولا بالجهل، ولا بالإكراه، لماذا؟ قالوا: لأنه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد وغيره. فيه دليل، لا، فيه تعليل، لكنه تعليل سيتبين أنه عليل، فنقول: سبحان الله! الحاكم في عباده وبين عباده يقول: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥]، ونحن نقول: مَن قتله متعمدًا وغير متعمد فجزاء مثل ما قتل من النعم، هل يمكن هذا؟ لا يمكن! و(متعمد) وصف مناسب للحكم، فوجب أن يكون معتبرًا؛ لأن الأوصاف التي عُلِّقَت بها الأحكام إذا تبين مناسبتها لها صارت عِلَّة موجِبة، يوجد الحكم بوجودها، وينتفي بانتفائها، وإلا لم يكن للوصف فائدة. إذن فنحن نقول هذا القول؛ بأنه لا فرق بين العامد والجاهل والناسي والْمُكْرَه، قول مخالف للقرآن: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا، وهذا نص في الموضوع، يعني لو أننا استدللنا بقوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَالقال قائل: يمكن أن هذا العموم يُخَصَّص، لكن الآن فيه دليل خاص على أن الصيد إذا لم يكن فيه تعمد فلا جزاء. ما الجواب عن تعليلهم؟ الجواب عن تعليلهم أن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره هو ما كان في حق الآدمي، أما ما كان في حق الله الذي أسقطه عز وجل تفضلًا منه وكرمًا، فهل نحن أعلم بالله في حقه من الله؟ أبدًا، فإذا كان الله قد أسقطه كيف نُلْزِم العباد به؟ ولهذا كان القول الراجح أن مَن سَبَّ الله ثم تاب لا نقتله، ومَن سَبَّ الرسول ثم تاب قتلناه، ليش؟ لأنا نعلم أن الله عز وجل قد عفا عن حقه، وأما الرسول فلا نعلم. (وتقليم) أيضًا التقليم لا يسقط بالنسيان والجهل والإكراه. لا بد أن نصور مسألة الصيد. النسيان: رجل رأى الصيد، وكان مشغوفًا بالصيد، فنسي، فأخذ البندق ورمى الصيد، فسقط ما شاء الله من الصيد، فعلى المذهب عليه الفدية. الجهل: رجل كما قلنا بالأول وقف بعرفة، فسمع أن الحج عرفة، فلما كان في صباح العيد قبل أن يرمي وجد صيدًا من الطيور أو الظباء أو غيرها فصاده، فهذا جاهل عليه الجزاء. رجل مُكْرَه خادم عند سيده، فقال له سيده: يالَّا شوف الصيد روح جيبه لنا، فقال: أنا مُحْرِم يا عم، قال: ما فيه، إما أن تفعل، وإما أفعل بك ما أفعل، أَكْرَهَهُ وصاد، عليه الجزاء أو لا؟ طلبة: على المذهب نعم. الشيخ: إي، عليه الجزاء على المذهب. التقليم: تقليم الأظفار لا يسقط بنسيان ولا بجهل ولا بإكراه. سألنا كم ليلة؟ قال واحد: دائمًا يقول كذا، يقشر ظفوره بأسنانه، هل تسقط الفدية أو لا تسقط؟ ما تسقط، ولو كان نسيانًا، ولو كان جهلًا ولو كان مُكْرَهًا، لا تسقط، لماذا؟ ألستم تقولون: إن تقليم الأظفار حرام على الْمُحْرِم؛ لأنه من باب الترفه، ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: طَيِّب، الطِّيب واللباس ترفُّه، قلتم: إن فيه الفدية؛ لأنه ترفُّه ولَّا ما فيه نص؟ نقول: سبحان الله! تقليم الأظفار من باب الترفُّه، ومع ذلك لا تُعْذَرُون فيه بالجهل والنسيان والإكراه، واللباس والطيب من باب الترفُّه، وتُعْذَرُون فيه بالجهل والنسيان والإكراه. قالوا: إي، لكن هناك فرق، الفرق أن تقليم الأظفار إتلاف، إتلاف أيش؟ طلبة: الأظفار. الشيخ: هل له قيمة؟ وهل هذا إتلاف مطلوب ولَّا محظور في غير الإحرام؟ مطلوب، إذن لا قيمة له شرعًا ولا عرفًا، ولا أحد يجمع أظفاره علشان يبيعها، أبدًا، فليس لها قيمة، فأين الإتلاف الذي يكون؟ ثم على فرض أنه إتلاف، هو إتلاف مباح، بل مشروع لولا الإحرام. مثله أيضًا الرأس، قال: (وحلق)، مثله سواء بسواء، العلة في وجوب الفدية مطلقًا هو أنه إتلاف، إتلاف أيش؟ طالب: الشعر. الشيخ: الشعر ما له قيمة أبدًا، الناس لو أرادوا أن ينتفعوا بالشعر عندهم؛ شعر الضأن، وشعر الإبل، وغيرها، نعم، ربما لو كان شعر كثير طويل يمكن يصير له قيمة تشتريه امرأة ما لها رأس وتجعله باروكة، ومع ذلك هذا لا يجوز، لكن نحن نقول: يمكن يكون له ثمن، ومع هذا لا نوافق على أنه إتلاف؛ لأنه إتلاف ليس له قيمة، فتبين بهذا ضَعف هذا القول. أعظم الإتلافات وهو إتلاف واضح هو الصيد، ومع ذلك قيَّد الله تعالى وجوب الجزاء فيه بالتعمد، وهو أصل الإتلافات، إذن نعود مرة ثانية فنقول: فاعل المحظورات -قسمة حاصرة إن شاء الله على القول الراجح- فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاث حالات..