تجاوز إلى المحتوى

كتاب الحج (الشرح الأول) - ٧

درس صوتي · ٨٦:٠٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

ولهذا ينبغي لكم أنتم -طلبةَ العلم- إذا جرى مَثَلًا كلامٌ حول هذا أن تبيِّنوا لهذا الأخ الذي احتسبَ بنيَّته وأساءَ بفعله؛ أن تقولوا: إن هذا عدوانٌ على الناس؛ تمنعونهم من شعيرةٍ من شعائر الطواف وأنتم تريدون الإحسان، فأنتم تُحسنون ولكن تُسيئون، فالنيَّة طيِّبة والتصرف سيِّء. طالب: هل يُلْحق الشِّماغ بالعمامة؟ الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل يُلْحق الشماغ بالعمامة؟ طلبة: نعم يُلْحق. الشيخ: الجواب يُلحق أيضًا من جهة أخرى، حتى من جهة أخرى؛ وهي تغطية الرأس. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يلبس المحرم شيءٍ في يده من أجْل العمل؛ يعني إنْ كان ما يلبسه في يديه للعمل؟ الشيخ: قفازين يعنى، هذا عند الضرورة؛ إذا اضطُرُّوا إلى ذلك فإنهم يفتون على القاعدة التي ذكرْنا أو التي سنذكرها إن شاء الله تعالى. طالب: في مصنف ابن أبي شيبة نقل عن ابن عمر وعن أنس بن مالك أنهم كانوا يُقَبِّلون الحجَرَ وإنَّ خضاب الطيب على ثيابهم، وسُئل عن ذلك فقال: ليس عليه شئ. الشيخ: لعل هذا -والله اعلم- أنه قد طيَّبه مِن قَبْل في ثوبه. الطالب: لا. الشيخ: من طِيب الحجَر؟ الطالب: من طِيب الكعبة. الشيخ: يمكن هذا أنهم يعذرونه بأنه شيءٌ لم يقصده وشيءٌ كأنه أُكْرِهَ عليه. طالب: شيخ، قلنا: إن تغطية الوجه للرجُل اختلف فيها العلماء؛ منهم مَن أجاز، ومنهم مَن مَنَع على صحة رواية مسلم، ولم يرجِّح. الشيخ: واللهِ ما تبيَّن لى فيها الترجيح؛ لأنه احتمال أن الراوي الذي حدَّث به أخيرًا وزاد هذه اللفظةَ أنَّه ذكرها بَعْد، فيها احتمال، والذي يميل إليه ابن القيم -رحمه الله- أنها لا تصح. طالب: لا بأس بتغطية الوجه؟ الشيخ: إي نعم، أنها لا تصح اللفظة، وأنَّ تغطية الوجه لا بأس بها. الطالب: تغطية الوجه للمرأة في غير وجود الأجانب هل يجب عليها؟ الشيخ: لكنْ بنقاب ولَّا بغير نقاب؟ الطالب: بغير نقاب. الشيخ: لا بأس به، لكن تَرْكه أحسن؛ يعنى كَشْف المرأةِ وجهها إذا لم يكن عندها رجالٌ أفضلُ من غيره. الطالب: بالنسبة .. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ» . شيخ، يعنى الثوب اللي ما مسَّه الزعفران يجوز لبسه؟ الشيخ: لكن هو مُطيَّب؟ الطالب: لا، ما هو مُطيَّب. الشيخ: ماذا تفهم من الثوب؟ أنا أخشى أنك تفهم من الثوب القميص. الطالب: ما أعرفُ الفرق بين الثوب والقميص. الشيخ: الثوب: قطعة القماش، حتى الرداء يُسَمَّى ثوبًا، والإزار يُسَمَّى ثوبًا، كلُّ قطعة من القماش قُطْن أو صوف أو غيره فهي ثوب. طالب: طيب، يا شيخ، الرداء الملوَّن؟ الشيخ: الرداء الملوَّن لا بأس به. الطالب: ما يُعَدُّ من الشهرة؟ الشيخ: ربما نقول: إن الأفضل تَرْكُه لئلَّا يتباهى الناسُ في ذلك؛ لأنه إذا انفتحَ الباب وصارَ الإنسان يأتي بملوَّنٍ جاءَ أخَرُ بملوَّنٍ أحسن منه وتباهَى الناسُ في هذا. طالب: إذا قلنا: (...)؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: المرأة الْمُحْرِمة إذا وُجِد أجانب أنها تغطِّي وجهها، فما الجواب يا شيخ عن حديث الفضل بن عباس (...)؟ الشيخ: سمعتم ما قال؟ طلبة: نعم. الشيخ: يقول: إذا قلنا بأنه إذا كان عندها أجانب يجب أنْ تغطِّي وجهها، فما هو الجواب عن حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما أنه كان رديفَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في دفْعِهِ من مزدلفة إلى مِنى، ومرَّت به امرأةٌ كاشفةُ الوجه، فسألت النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أباها أدركتْه فريضةُ الله على عباده في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يَثْبت على الراحلة، أفأحُجُّ عنه. قال: «نَعَمْ». وجعل الفضلُ بن العباس ينظر إليها وتنظر إليه، فصرفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وجهَ الفضل إلى الشِّقِّ الآخَر . طالب: لم يكن وجوب الحجاب (...) الوجه (...). الشيخ: لا، هذا جواب غير صحيح، والجواب أن هذا قبل نزول الحجاب؛ هذا في حجَّة الوداع. طالب: بعضهم يا شيخ يقول: (...) عَرَضها على الفضل بن العباس لكي يتزوجها، فهو من باب نظر الرجل إلى الزوجة. الشيخ: يقول: هذه مخطوبةٌ للفضل، وصُرِف الفضلُ عنها، لكن الخطبة في حال الإحرام لا تجوز. الطالب: أنها لم تعلم بأن المرأة لا يحلُّ لها كَشْفُ وجهها قبل ذلك، لم تعلمْ بذلك، ولذلك أتتْ كاشفةً. الشيخ: إي نعم؛ يعني معناه أن نقول: هذه لم تعلم، وكشفتْ بناءً على البراءة الأصلية. طيب، لماذا لم يقُل لها الرسول: الناس بين يديكِ، احتجبي. طالب: شيخ، يحتمل أنَّ (...) النبي عليه الصلاة والسلام مَنَعَ الفضلَ وأجاز لنفسه هذا الشيء، هذا يدل (...) فقط (...). الشيخ: الجواب الآن نقول: إنه ليس حولها إلا النبي صلى الله عليه وسلم والفضل بن العباس، وأن الرسول صرفَ وجْهَ الفضل، وأمَّا هو عليه الصلاة والسلام فإنه يجوز له الاطِّلاع على النساء ولا يَلْزمُهُنَّ الاحتجابُ عنه، كما أنه يجوز له الخلوة بهنَّ. طالب: (...)؟ الشيخ: إي شاب. طالب: المرأة كانت (...). الشيخ: يعني معناه أنه ينظر إليها؛ يعني الهيكل العام، هذا ذهبَ إليه الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: ما هو النظر إلى الوجه، الوجه ما فيه دليل أنه مكشوف، لكنْ يعني هيكلها. إلَّا أنَّ هذا يعكِّره قوله: تنظر إليه؛ لأن الوجه إذا كان مغطًّى ما ندري أنها تنظر إليه، صحيح أنه إذا التفتتْ فإن التفاتها يوحي بأنها تنظر إليه، لكن ما هو صريح. طالب: يا شيخ، وردَ أن النساء أنها كانت (...). الشيخ: لا، هذه في صلاة العيدين. طالب: (...). الشيخ: وهو؟ الطالب: (...). الشيخ: إي، يعني يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما صرفَ وجْهَ الفضلِ قال لها: احْتَجِبِي. على كلِّ حالٍ الحديث هذا له احتمالاتٌ كثيرةٌ، ولو ذهبَ إنسانٌ يذكر الاحتمالات العقلية في هذا الحديث لحصلَ على عشرة أو أكثر، والمعروف عند العلماء أنَّ الحديث إذا كان محتمِلًا فإنه لا يكون حُجَّةً أو لا يكون معارضًا على ما كان صريحا، وعندنا أحاديثُ وآياتٌ ونَظَر تدلُّ على أنه لا يحلُّ للمرأة أن تكشف وجهها، وحينئذٍ نأخذ بهذا الواضح المحكَم ونَدَعُ المتشابه، هذا أحسنُ ما يُقال فيه. طالب: يا شيخ، لو قال قائل: في باب الأُضحية حرَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يأخذ المضحِّي شيئًا من شعره أو بَشَره. في باب الإحرام قلنا بأن نتمسك بما ورد فيه النص فقط (...)، مع أنه يا شيخ في مدخل الهدايا جعلنا لها الشروط التي تجعل للأضحية من حيث السن إلى آخره، أفلا يكون هذا أَوْلى يا شيخ، لا سيَّما أن أيام إرادة الأضحية أكثر من عشرة أيام، وقت الإحرام (...)؛ يعني منها أحوال الإحرام، الميقات قبلها، ما يُحرَّم لمريد الأضحية أَوْلى منه، ماذا تقول في هذا؟ الشيخ: لا، هذا قياسٌ مع الفارق؛ لأن الذي يريد أن يضحي يَحْرُم عليه أخذُ الشعر وأخذُ الظفر وأخذُ البشرة، والْمُحْرِم لا يَحْرُم عليه أخذُ البشرة بالإجماع، فلا يصح القياس.

ثم إني عثرتُ على كلامٍ للشنقيطي رحمه الله في كتاب أضواء البيان وقال: إنه ليس فيه نصٌّ لا من الكتاب ولا من السُّنة على تحريم أخْذ الأظفار وكذلك على تحريم شعر البَدَن. وتعجَّب من نقْلِ ابن المنذر الذي نقله عنه صاحبُ المغني أنَّ العلماء أجمعوا على أنه لا يحلُّ للمُحْرِم تقليمُ أظفارِهِ وقال: إن هذا بناء على أنَّ داود الظاهري لا يُعتَدُّ بخلافه. والمعروف عند الأصوليِّين أنه يُعتدُّ بخلافه، وعلى كلِّ حال إحنا ذكرْنا أنَّ الاحتياط بلا شكٍّ تجنُّبُ هذا الشيء، ما دام العلماء جمهورُهم على أنه لا يجوز فأنت في غِنًى عن هذا. طالب: شيخ، الرسولُ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا يَلْبَس السَّرَاوِيلَ» فلو الإنسان لم يجدْ إزارًا ولبس السراويل هلْ يَلْزمه الفَدْي؟ الشيخ: لا، ذا لا يَلْزم؛ لأن هذا بدلٌ شرعيٌّ، وكذلك الخِفاف لا يَلْزمه؛ لأنها بدلٌ شرعيٌّ. لكنْ بقي عندنا مسألة في الخِفاف: هل إذا جاز له أنْ يلبس الخِفاف يَلْزمه أن يقطعها حتى تكون أسفل من الكعبين؟ طالب: لا. الشيخ: اختلفَ العلماء في هذا على قولين: القول الأول: يَلْزمه أن يقطعها؛ لأن حديث ابن عمر في الصحيحين ثابتٌ في أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ» . وقال بعض العلماء: لا يجب القطع؛ لأنه ثبتَ في الصحيحين من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطبَ الناسَ يوم عرفة وقال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» ، ولم يأمر بالقطع. وحديث ابن عباسٍ متأخِّر؛ لأن حديث ابن عمر كان في المدينة قبل أنْ يسافر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الحجِّ، وحديث ابن عباسٍ كان في عرفة بعدُ، وأيضًا الذين حضروا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام في عرفة أكثرُ مِن الذين حضروا في المدينة، ولو كان القطعُ واجبًا لم يؤخِّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم البيانَ عن وقت الحاجة، وعليه فلا يكون هذا من باب حَمْلِ المطْلَق على المقيَّد؛ لأن حَمْل المطْلَق على المقيَّد فيما إذا تساوت الحالانِ: حالُ المطْلَق وحالُ المقيَّد، فحينئذٍ نحمل المطْلَقَ على المقيَّد، أمَّا مع اختلاف الحال فلا يُمكن أن يُحمَل المطْلَقُ على المقيَّد، وهذا هو الصحيح؛ أنه إذا جازَ لبسُ الخفَّينِ لعَدَمِ النعلينِ فإنه لا يجب قطعُهما. طالب: ما الدليل على خصوصيَّة النبي عليه الصلاة والسلام في النظر والخلوة؟ الشيخ: الدليل أحاديثُ وردتْ في هذا؛ حديث أنَّ الرسول كان يذهب إلى امرأةٍ من الأنصار، كان يذهب إليها وتفليه عليه الصلاة والسلام وليستْ مَحْرَمًا له ، والرسولُ قد خُصَّ فيما يتعلَّق بالنساء بخصائص ليست لغيره. طالب: ما وجْه من رأى التفريق بين القُفَّازين في يد الرجُل والشراب في القدمينِ، مع أنَّ كليهما مفصَّل على بعض أجزاء البَدَن، قلنا: إن القفَّازين ما يجوز. الشيخ: والشراب ما يجوز. الطالب: الشراب ما يجوز للمحرم؟ الشيخ: إي نعم، للرجل أو للمرأة؟ فصِّلْ. الطالب: لا، للرجُل. الشيخ: لا، للرجُل ما يجوز، إلا إذا احتاج إليها ولم يجد نعلين. طالب: فيه نوع من الصابون عند الاغتسال يكون فيه رائحة طيِّبة، هل يجوز استعماله؟ الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ فيه نوع من الصابون له رائحة، لكنْ هل هذا طِيب؟ هل الناس يتطيَّبون بها، أو رائحة بَسْ مجرَّد رائحة زكيَّة فقط كرائحة النعناع والأُتْرُجِّ وما أشْبَهَها؟ طلبة: بعضُها طيب. الشيخ: بعضُها طِيب يعنى، على كلِّ حال .. إذَن الحكْم يدور مع عِلَّته؛ إذا كان فيها طِيب وأنها تُستعمل وتُختار لما فيها من الطِّيب فهذا طِيبٌ لا يستعمله. طالب: (...) أصابه الصداع، فأخذ خرقة وعَصَب (...) غطَّى رأسه (...)؟ الشيخ: ويش تقولون؟ الطلبة: هذا لحاجة. الشيخ: إي، ما يخالف، لحاجة، لكن سيأتينا إن شاء الله أن فِعْل المحظور له ثلاث حالات، إذا احتاج للمحظور مع بقاء الحظر فإنه يستعمله ويفدي، كما أذِنَ الله سبحانه وتعالى بِحَلْق الرأس مع الفدية. طالب: أحسن الله إليك، (...) الكحل اللِّي يجوز للرجل أو المرأة بحاجة أو بغير حاجة؟ الشيخ: إي نعم، الكحل يجوز للمرأة لحاجةٍ ولغير حاجةٍ، لكنْ لا بدَّ أن تحتجب عن الرجال، أمَّا الرجُل فإن كان يُعطي عينه حُسْنًا فإنه يُنهى عنه؛ لأنه يكون متشبِّهًا بالمرأة في هذه الحال، وإذا كان شابًّا ربما يكون فيه فتنة، وأمَّا إذا كان كُحلًا للتداوي فقط فلا بأس.

الطالب: ولا (...) فديه؟ الشيخ: لا، ما (...).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى أله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أو شمَّ طِيبًا أو تبخَّرَ بعودٍ ونحوِهِ فَدَى.

وإنْ قَتَلَ صيدًا مأكولًا برِّيًّا أصلًا ولو تولَّدَ منه ومن غيرِهِ أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه. ولا يَحْرُمُ حيوانٌ إنْسِيٌّ ولا صيدُ البحرِ ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكْلِ ولا الصائلِ. ويَحْرُم عقدُ نكاحٍ ولا يصحُّ، ولا فِدية، وتصحُّ الرجعةُ. وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم ..


طالب: سؤال القهوة (...). الشيخ: القهوة اللِّي فيها زعفران ظاهر الريح لا يجوز شُربها.

الطالب: للمُحْرِم؟ الشيخ: للمُحْرِم. الطالب: وغير الْمُحْرِم؟ الشيخ: غير الْمُحْرِم.


(...) وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى أله وأصحابه أجمعين. سَبَق لنا أنَّ من محظورات الإحرام الطِّيب، ودليلُه حديث ابن عباسٍ في الذي وَقَصَتْهُ راحلتُه ، وفي الحقيقة إنَّ هذا الحديث استدلُّوا به على مسائل عديدةٍ، وهو من آيات الله عز وجل أنْ تقع حادثةٌ واحدةٌ لواحدٍ من الصحابة تؤخذ منها أحكامٌ عديدةٌ؛ أحكامٌ في الحياة وأحكامٌ في الموت، وهذا من بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الله يُبارك في عِلْمه، فتجد القِصَّة الواحدة تشتمل على عدَّة أحكامٍ تحتاجها الأُمَّة إلى يوم القيامة في الحياة وفي الممات. هذا الحديث أخذَ منه ابن القيم اثنتا عشرة مسألة، وفيه أكثر مما ذكر عند التأمُّل؛ لأنه في الحقيقة حديثٌ عظيمٌ، وفي هذا أيضًا دليلٌ على حكمة الله عز وجل وأنَّ قدَره الذي يُعتبر مصيبةً قد يكون نعمةً ومنحةً من الناحية الشرعية؛ فهذا الذي وَقَصَتْه راحلتُه رضي الله عنه في عرفةَ مصيبة، لكنْ حَصَل فيها من الفوائد والبركة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل. إذا تبخَّر بعودٍ فإنه يكون متطيِّبًا فيَحْرم عليه ذلك. إذا شمَّ طِيبًا قَصْدًا فإنه حرامٌ عليه، وهذه المسألة فيها خلافٌ: فمن العلماء مَن قال: إنَّ شمَّ الطِّيب قصْدًا ليس فيه شيءٌ وليس حرامًا؛ لأنه لم يستعمله، وإنما شَمَّه شَمًّا، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تُحَنِّطُوهُ» ، ويقول: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ» ، والشمُّ لا يؤثِّر في الإنسان لا في ثوبه ولا في بَدَنه. ومنهم مَن قال: إنْ شَمَّه قصْدًا للتلذُّذ به فهذا حرامٌ، وإنْ شَمَّه قصْدًا لحاجةٍ مِثل أنْ يَختبر هذا الطيب هل هو طَيِّبٌ أو رديءٌ فإن هذا لا بأس به. وهذا أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: إنْ شممتَه قصْدًا للتلذُّذ به فهذا حرامٌ، وإنْ شممتَه قصْدًا لغرضٍ غيرِ التلذُّذ به فهذا جائزٌ، وإنْ شممتَه بغير قصْدٍ بأنْ دخلَ في خياشيمك بدون قصْدٍ فهذا لا بأس به.


قال المؤلف (وإنْ قَتَلَ صيْدًا مأكولًا بَرِّيًّا). هذا أيضًا من محظورات الإحرام، مرَّ علينا كمْ؟ طلبة: خمس.

الشيخ: حلْقُ الشعر، تقليم الأظفار، تغطية الرأس، لبس المخيط، الطِّيب؛ هذه خمسة، السادس: قَتْل الصيد. طالب: (...) (فَدَى)؟ الشيخ: (فَدَى) يعني: عليه فِدية. (قَتْل الصيد) وقَتْل الصيدِ لا بدَّ فيه من شروط:

أولًا: أنْ يكون مأكولًا، فإنْ كان غير مأكول فليس فيه فِدية. ولكنْ هل يُقتَل غيرُ المأكول أو لا يُقتل؟ نقول: ينقسم ذلك إلى ثلاثة أقسام؛ غير المأكول من الحيوان والحشرات وما أشبهها ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما أُمِرَ بقتْله. والثاني: ما نُهِيَ عن قتْله. والثالث: ما سُكِتَ عنه.

فأمَّا ما أُمِر بقتله فإنه يُقتل؛ مِثل الخمس التي نصَّ عليها الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ، ومنه الحيَّة، ومنه الذئب والأسد وما أشبهها، فنصُّ الرسول عليه الصلاة والسلام على هذه الخمس يتناول ما هو مِثْلها أو أشدُّ منها. والثاني: ما نُهِيَ عن قتْله؛ مثل: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد؛ هذه نُهِيَ عن قتْلها، فلا تُقتَل لا في الحِلِّ ولا في الْحَرَم. النملة معروفة، ما هي؟ النملة معروفة، والمعروف لا يُعَرَّف؛ لأنك لو عَرَّفْتَ المعروفَ صار نكرةً، ولهذا قال النحويون:

عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ

..............................

"عَلَا زيدُنا ... رأسَ زيدِكم" زيدٌ بالأول معرفة، ولَمَّا أضفْناه -والإضافة تقتضي التعريف- صارَ نكرة، فالمعروف إذا عُرِّفَ تنكَّر، ولهذا تجدون في القاموس إذا جاء مِثل هذه الكلمة -يعني مرَّ عليها- قال: معروف (م)؛ كَتَب (م) يعني معروف. إذَن النمل معروفٌ، منه صِغار ومنه كبار. النحلة، ما هي؟ الطلبة: معروفة. الشيخ: النحلة هي النحلة، معروفة.

تَقُولُ هَذَا مُجَاجُ النَّحْلِ تَمْدَحُهُ

.............................

يعني العَسَل.

............................

وَإِنْ تَعِبْ قُلْتَ ذَا قَيْءُ الزَّنَابِيرِ

الزنبور قريب من النحلة، ومعلومٌ أنك إذا قُلْتَ: مُجاج النحل؛ يعني يرغِّب فيه، لكنْ (قَيْء) و(زنابير) أعوذ بالله. على كل حال النحلة معروفة. الهدهد؟ الطلبة: معروف. الشيخ: معروف؟ الطلبة: إي نعم. الشيخ: ما شاء الله. الصُّرَد، معروف ولَّا غير معروف؟ الطلبة: غير معروف. الشيخ: هذا غير معروف، يقولون: إنه طائرٌ صغيرٌ فوق العصفور منقارُه أحمر، ويعرفه أهلُ الطيور. إذَنْ ما أُمِرَ بقتْله ظاهرٌ، ما نُهِيَ عن قتْله ظاهرٌ. ما سُكِتَ عنه إنْ آذَى أُلْحِقَ بالمأمور بقتْله، وإنْ لم يؤذِ فهو محلُّ توقُّفٍ؛ أجازه بعضُهم قال: لأن ما سَكَت عنه الشارع فهو مما عفى عنه. وكَرِهه بعضهم قال: لأن الله خلقه لحكمةٍ، فلا ينبغي أن تقتُله؛ مثل: الذباب، الصراصر، الخنفساء، الْجُعْلان، وما أشْبَهَ. هذه مسكوتٌ عنها، إنْ آذتْ أُلْحِقَت بأيش؟ الطلبة: بالمأمور بقتْله. الشيخ: بالمأمور بقتْله؛ لأن المؤذي يُقتَل، حتى من بني آدم؛ إذا جاءك مَن يقول: أعطني مالك. لا تُعْطِه، إنْ قاتَلَك قاتِلْه، إنْ قتَلَك فأنت شهيدٌ، وإنْ قتلْتَه فهو في النار. إذا لم تؤذِ فالأحسن ألَّا تُقتل، لكن إن كانت تؤذي مثل أن تكون صراصر في الحمام تؤذيك إذا جلسْتَ، تصعد على ساقيك وعلى ثوبك وربما تعلو على رأسك، هذه مؤذية لك أن تقتلها، الذبابُ لك أن تقتله أيضًا لأن فيه أذيَّة، فالحاصل أن قول المؤلف: (مأكولًا) ضده أيش؟ الطلبة: غير المأكول. الشيخ: غير المأكول، غير المأكول عرفتم أقسامه. يقول: (بَرِّيًّا) ضِدُّه البحري، فما هو البَرِّي وما هو البحري؟ ما لا يعيش إلا في الماء بحري، وما يعيش في البَرِّ وحده أو في البَرِّ والبحر فهو بَرِّي. انتبه! ما لا يعيش إلا في الماء بحريٌّ، وما لا يعيش إلا في البرِّ أو يعيش فيهما فهو برِّي؛ لأن إلحاقه بالبرِّي أَحْوط، وقد اجتمع فيه جانبُ حظْرٍ وجانبُ إباحةٍ فغُلِّبَ جانبُ الحظْر، أفهمتم الآن. (أصلًا) يعني: أصلُه برِّي، ولا يمنع تحريمَ قتْله أنْ يكون أهليًّا مستأنسًا؛ فمثلًا الأرنبُ صيدٌ، مأكول ولَّا غير مأكول؟ الطلبة: مأكول. الشيخ: برِّي ولَّا بحري؟ الطلبة: برِّي. الشيخ: برِّي. أصْلي ولَّا غير أصْلي؟ الطلبة: أصْلي. الشيخ: أصْلي، فالأرنب المستأنسة كالأرنب المتوحشة؛ لأن أصلها متوحِّش. الحمامة أصلُها وحشي ولَّا إنسي؟ الطلبة: وحشي. الشيخ: وحشي، وعلى هذا فنعتبر الأصل. الشروط إذَن: أنْ يكون صيدًا مأكولًا، وأنْ يكون بَرِّيًّا، وأنْ يكون متوحِّشًا أصْلًا؛ لأن معنى (أصلًا) يعني متوحِّشًا أصلًا، ثلاثة شروط. الدليل على هذا قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة: ٩٥] هذا الدليل، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، والصيدُ هو ما جَمَع الأوصافَ الثلاثةَ التي سمعتموها. كذلك الدليل على هذا من السُّنة أنَّ الصعب بن جثَّامة رضي الله عنه نَزَل به النبيُّ صلى الله عليه وسلم ضيفًا في طريقه إلى مكة في حجة الوداع، وكان الصعب عدَّاءً سَبُوقًا صيَّادًا، فذهبَ وصادَ حمارَ وحشٍ، لما نَزَل به النبيُّ عليه الصلاة والسلام ضيفًا صادَ حمارَ وحشٍ، وجاء به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن الرسول ردَّه، فتغيَّر وجْهُ الصعب، وجدير به أنْ يتغيَّر أنْ يردَّ هديتَهُ محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، تغيَّر، فعرف النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما في وجهه فقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» . والْمُحْرِم إذا صِيدَ الصيدُ من أجْله فالصيدُ عليه حرامٌ، لكنْ هل منعَ الصعبَ مِن أكْلِهِ؟ لا؛ لأن الصعب صاده وهو حلالٌ، وصيد الحلالِ حلالٌ، لكن الذي صِيدَ له هو الذي يَحْرُم عليه. يقول المؤلف: (ولوْ تولَّد منه ومِن غيره) يعني الصيد لو تولَّد مِن الوحشي والإنسي (ومن غيره) فإنه يكون حرامًا؛ مثل لو تولَّد شيءٌ من صيدٍ برِّيٍّ متوحشٍ وصيدٍ برِّيٍّ غيرِ متوحشٍ مستأنس أصلُه فإنه يكون حرامًا، لماذا؟ للقاعدة المشهورة: أنَّه إذا اجتمعَ في شيءٍ مبيحٌ وحاظِرٌ ولم يتميز المبيح من الحاظر فإنه يُغَلَّب جانبُ الحظر؛ لأنه لا يمكن اجتنابُ المحظور إلا باجتناب أيش؟ الحلال، فوجب الاجتناب. يقول: (ولو تولَّد منه ومِن غيرِهِ، أو تَلِفَ في يده). (تَلِفَ) معطوف على (قَتَلَ)؛ يعني وإنْ قَتَل أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه إذا كان في يده صيدٌ مشتملٌ على الأوصاف الثلاثة ولم يقتله، لكن أُصيبَ هذا الصيدُ بمرضٍ من الله عز وجل وتَلِف فإنه يضمنه، لماذا؟ لأنه يَحْرم عليه إمساكُه، وظاهر كلام المؤلف أنه يَحْرم عليه إمساكه ولو كان قد مَلَكه قَبْل الإحرام. ونحن نقول: الصيد الذي في يد الْمُحْرِم إنْ كان قد مَلَكه بعد الإحرام فهو حرامٌ لا شكَّ ولا يجوز له إمساكُه، وإنْ كان قد مَلَكه قبل الإحرام وأحرمَ وهو في يده فالمذهب أنه يجب عليه إزالة يده المشاهدة لا يده الْحُكْمية.

أيش معنى مشاهدة وحُكمية؟ يعني مثلًا إذا قدَّرْنا أنه صادَ في السير في قرن المنازل، صادَ أرنبًا قبل الإحرام، وأراد أن يُحْرِم والأرنبُ معه، نقول: إنك إنْ أحرمتَ والأرنبُ معك لَزِمَك إطلاقُها. كيف؟ نعم، يَلْزمه إطلاقُها؛ لأنه لا يمكن أن يُقِرَّ يده المشاهدة على صيدٍ وهو مُحْرِم، يُطْلِقها. وهل يزول ملكه عنها؟ لا، لأننا نقول أَزِلْ يدك المشاهدة، وملكُكَ باقٍ عليها؛ فلو أنَّ أحدًا أخذها ثم حلَلْتَ الإحرام فإنك ترجع عليه وتأخذها، أمَّا إذا صادها بعد أنْ أحرمَ فعليه إطلاقُها، ولا تدخل ملكه أصلًا؛ لأن الْمُحْرِم يَحْرُم عليه صيدُ البرِّ الذي جمع الأوصاف الثلاثة. وقوله: (أو تَلِفَ في يده فعليه جزاؤه) ظاهِرُه: سواءٌ تَلِفَ بتَعَدٍّ منه أو تفريطٍ أو لا، وهو كذلك؛ لأن إبقاء يده عليه مُحَرَّم، فيكون كالغاصِب، والغاصِب يضمن المغصوبَ بكل حال، فهذا يضمنه بكل حال. وقوله: (فعليه جزاؤه) سيأتينا -إن شاء الله- جزاءُ الصيدِ مفصَّلًا في كلام المؤلف.


قال: (ولا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ). شَرَع المؤلفُ رحمه الله في ذِكْر المفهوم في كلامه السابق؛ قوله: (ولا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) هذا مفهوم قوله: (بَرِّيًّا أصلًا). (لا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) مثل: الإبل، البقر، الغنم، الدجاج، نعم، كل هذه لا تَحْرُم، وعمومُ كلامه أنه لا يَحْرم ولو توحَّش؛ يعني لو أن الدجاجة فرَّتْ من أهلها وصارتْ متوحشة لا يمكن أنْ تستأنس بالآدميِّ، ثم لَحِقَها وأدركها وقَتَلها أو أمسكها، تكون حلالًا أو حرامًا؟

الطلبة: حلالًا. الشيخ: اعتبارًا بأيش؟ الطلبة: بالأصل. الشيخ: بالأصل، ومثلُ ذلك لو ندَّت البعير؛ إذا ندَّت البعيرُ صارتْ مثل الصيدِ تُرْمَى رمْيًا وتحِلُّ، فإذا ندَّت البعير وتوحشتْ وصارتْ كالظباء لا يمكن إمساكُها ثم أدركَها وهو مُحْرِم وقَتَلَها فهي؟ طلبة: حلالٌ الشيخ: حلالٌ.

(لا يَحْرُم حيوانٌ إنسيٌّ) التعليل اعتبارًا بأيش؟ الطلبة: بالأصل. الشيخ: بالأصل.

(ولا صيدُ البحرِ) لا يَحْرُم صيدُ البحر؛ لقول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا [المائدة: ٩٦]، فصيدُ البحرِ ليس حرامًا على الْمُحْرِم، إذَنْ له أن يصيد ولو كان مُحْرِما، فإذا أحرمَ من رابغ ومرَّ بسِيف البحر ونَزَل وجَعَل يصيد السمكَ فهل هذا حرام؟ الطلبة: ليس حرامًا.

الشيخ: ليس حرامًا؛ لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ. ولا يَحْرُم (قتلُ مُحَرَّمِ الأكل)؛ لأن مُحَرَّم الأكلِ لا قيمة له ولا يُسَمَّى صيدًا، كالهِرِّ؛ الهرُّ مُحرَّم الأكل، لو أنَّ شخصًا قَتَله وهو مُحْرِمٌ فليس عليه جزاءٌ، ليش؟ لأنه لا قيمة له، هذا من جهة التعليل، ولأنه ليس بصيدٍ فلا يدخل تحت قوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا. قال: (ولا قَتْلُ مُحَرَّمِ الأكلِ ولا الصائل). يعني: ولا يَحْرُم قتلُ الصائل؛ يعني لو صالَ عليك غزالٌ وخفْتَ على نفسك ودفعْتَه وأَبَى إلَّا أنْ يقتلك فقتلْتَه، فهل..؟ طالب: لا شيء عليك. الشيخ: لا شيء عليك؛ لأنك دفعْتَه لِأَذَاهُ، وكلُّ مدفوعٍ لأَذَاهُ فلا حُرمة له، استمعْ للقاعدة: كلُّ شيءٍ مدفوعٍ لأذاهُ فلا قيمة له. ومِن ذلك وإنْ كان قد مضى: لو نزلتْ شعرة بعينه؛ يعني نبتتْ في الجفن من الداخل وصارتْ تنغز عينَه، ونقَشَها بالمنقاش -وقُلنا بأنَّ الشعر عامٌّ لجميع البدن- فإن ذلك لا شيء فيه، ولو انكسرَ ظُفره وصار يؤذيه، كلَّما مسَّه شيءٌ آلَمَهُ، فقصَّ المنكسِر؛ فلا شيء عليه؛ لأنه دَفَعَه لِأذاه. الصائلُ مؤذٍ، فإذا لم يندفع إلا بالقتل فقتلْتَه فإن ذلك ليس حرامًا عليك؛ لأنك دفعْتَ أذاه، وما دُفِعَ أذاهُ فليس له قيمةٌ شرعًا، حتى لو كان آدمِيًّا وصالَ عليك ولم يندفع إلا بالقتل فلك أن تقتله. في حال تحريم الصيد على الْمُحْرِم، لو صادَهُ في حال تحريمه عليه فهل له أكلُه؟ لا، ليس له أكْلُه؛ لأن هذا محرَّم لِحَقِّ الله.

لو غصبَ شاةً من شخصٍ وذبحها هل يَحْرُم أكلُها؟ طلبة: نعم. الشيخ: فيها قولان: قولٌ: يَحْرُم قياسًا على صيدِ الْمُحْرِم. والقول الثاني -وهو الصحيح-: أنه لا يَحْرُم؛ لأن هذا يمكن ضمانُه لصاحبه بالقيمة أو بِمِثْله، لكنه آثِم، أمَّا الصيدُ إذا قَتَله الْمُحْرِم فهو حرامٌ، هل هو حرامٌ عليه وعلى غيره أو حرامٌ عليه وحده؟ طلبة: (...). الشيخ: حرامٌ عليه وعلى غيره؛ لأنه بمنزلة الميتة. لو اضطُرَّ إلى ذلك فذبح الصيد، هل يحلُّ؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، يحلُّ؛ لأنه لا تحريم مع الضرورة. فلو قال قائلٌ: لو جاء مُحْرِمٌ هالكٌ من الجوع ما بقي عليه إلا أن يموت أو يَقْتل هذه الغزالة مثلًا أو هذه الأرنب. نقول: لك أنْ تقتلها الآن، وإذا قتلْتَها فهي حلال. أو نقول: هي حرام؟ هل نقول: هي حرامٌ ويأكل منها بقدْر الضرورة، أو نقول: هي حلالٌ ويتزوَّد منها؟ الثاني، هي حلالٌ؛ لأنه لَمَّا أُحِلَّ قتلُها لم يؤثِّر الإحرامُ فيها شيئًا، وهي (...) للضرورة؛ لأن الآدميَّ أكرمُ عند الله عز وجل من الصيد. ما شارك فيه الْمُحْرِم غيره؛ بمعنى أنَّ هذا الصيد قَتَله رجلانِ أحدُهما مُحْرِم والثاني مُحِلٌّ، فهل يَحْرُم على الْمُحْرِم وحده دون الْمُحِلِّ أو عليهما جميعًا؟ طلبة: لا يحلُّ. الشيخ: هل تقولون: يَحْرُم صدرُه ورأسُه ويحلُّ بطنُه وعجزُه؛ لأنه اشتركَ به اثنان فنقسمه إلى نصفين، أو الجانب الأيمن حلالٌ والجانب الأيسر حرامٌ؟ طلبة: (...). الشيخ: عندنا قاعدة يا إخواننا ترى .. التطبيق على القواعد مهمٌّ، اشتركَ في قَتْل هذا الصيد حلالٌ وحرامٌ، ولا يمكن تمييز الحرام من الحلال، فماذا يكون؟ إذن يَحْرُم، إذا شارك فيه فِعْلًا؛ بمعنى ساهم الحلال والحرام، اجتمعا في جسد هذا الصيد فإنه يَحْرم؛ لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال؛ حيث إن الحرام لم يتميَّز. هذه اثنان: الاستقلال والمشاركة.

الدلالة أو الإعانة؛ يعني الْمُحْرِم لم يشارك، لكن دلَّ أو أعانَ، والذي تولَّى الصيدَ مُحِلٌّ، فهل يَحْرُم، أو هو حلالٌ لأن الذي قتله حلال لم يشاركه فيه الْمُحْرم؟ قال العلماء: يَحْرُم على الْمُحْرِمِ الدالِّ أو الْمُعين دون غيره. مثال الدالِّ: هؤلاء جماعةٌ يمشون على إبلهم أو على أرجُلهم، فالتفتَ مُحْرِم منهم فنظر الصيد، فقال للمُحِلِّ: يا فلان، شوف الصيد. فذهبَ الْمُحِل فصاده. حرامٌ على مَن؟ طلبة: على الْمُحْرِم.

الشيخ: على الْمُحْرِم فقط؛ لأنه دلَّ عليه، ونقول للمُحْرِم: عومِلْتَ بأيش؟ بنقيض قصدك أنت الآن دلِّيت الْمُحِل، قلت: هذا حلال، أبغي يصيده لنا ونأكل عليه الكبسة. الآن هو حرامٌ عليك، والباقون يأكلون منه.

الْمُحْرِم الآخَر الذي لم يدُلَّ يأكل ولَّا ما يأكل؟ طلبة: يأكل. الشيخ: يأكل.

الإعانة: رأى الْمُحِل صيدًا فركب فَرَسه ليصطاده، ولكنه نسي السهمَ في الأرض أو القوسَ، فقال للمُحْرِم: ناوِلْني القوسَ. فناوله إيَّاه فذهب فصاده، هل يكون هذا الصيد حرامًا؟ طلبة: على الْمُحْرِم. طلبة آخرون: (...). الشيخ: (...) هذا رجُل مُحِلٌّ ركبَ فرسه ليصطاد صيدًا رآه هو بنفسه، لكنْ لَمَّا ركب وإذا هو قد نسي السهمَ أو القوسَ، فقال للمحرم: ناولْني من فضلك القوسَ أو السهمَ. فأخذه وناوله إيَّاه فذهب فقتله، يحرم على الجميع؟ طلبة: على الْمُحْرِم فقط. الشيخ: على الْمُحْرِم فقط الذي أعانَ. وعلى الْمُحِل؟ طلبة: لا، حلال. الشيخ: وعلى غير الدالِّ من الْمُحْرِمين؟ طلبة: حلال. الشيخ: حلال. كم الأقسام الآن؟ طلبة: ثلاثة. الشيخ: ما استقلَّ به، ما شاركَ فيه، ما دلَّ عليه، ما أعانَ عليه. إذا صاد الْمُحِلُّ صيدًا وأطعمهُ الْمُحْرِم، فهل يكون حلالًا للمُحْرِم؟ طلبة: نعم. طلبة آخرون: فيه تفصيل. الشيخ: قال بعض العلماء: إنه حرامٌ على الْمُحْرِم لعموم قوله: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا، وقالوا: هذا صيدُ بَرٍّ فيحرم على الْمُحْرِم ولو كان الذي قتله حلالًا. واستأنسوا لرأيهم هذا بحديث الصعب بن جثَّامة حين صاد حمارًا وحشيًّا فجاء به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فردَّه وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» ، ولم يقل: إلَّا أنَّك صِدْتَه لنا. وقولُهم قويٌّ لا شك. ولكن الصحيح أنه يحلُّ للمُحْرِم، وأنَّ معنى قوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُأنَّ صَيْدُمصدرٌ؛ يعني حُرِّم عليكم أنْ تصيدوا صيدَ البرِّ، وليس بمعنى: مَصِيد، وهذا الْمُحْرِم ليس له أثرٌ في هذا الصيد؛ لا دلالة، ولا إعانة، ولا مشاركة، ولا استقلال، ولا صِيدَ من أجْله، فيكون الصيدُ حلالًا. ويؤيد ذلك قصة أبي قتادة رضي الله عنه حين ذهبَ مع سريَّةٍ له على سِيف البحر في عام الحديبية، فرأى حمارًا وحشيًّا، فركبَ فرسَه، فنسي قوسَه أو رُمْحه، فقال لأحد أصحابه: ناوِلْني الرمحَ. قال: ما أُناولك إيَّاه؛ أنا مُحْرِم. نزل وأخذه ومشى، فضرب الصيد، فجاء به إلى أصحابه فأطعمَهم إيَّاه، ولكنه صار في قلوبهم شكٌّ، حتى وَصَلُوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فأذِنَ لهم في أكْله مع أنهم حُرُم . فيجمع بينه وبين حديث الصعب بن جثَّامة بأنَّ أبا قتادة صاده لنفسه، وأنَّ الصعب صاده للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الجمع أَوْلى من النسْخ؛ لأن بعض العلماء قال: إن حديث الصعب ناسخٌ لأنه متأخِّر، وقد ردَّه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: إنَّا حُرُم. والصحيح أنه مع إمكان الجمع لا نسْخَ، والجمع ممكن. فإذا قال قائل: أبو قتادة رضي الله عنه معه قومُه وصاد الحمار، كيف يريده لنفسه وما صاده إلا لقومه؟ فالجواب أنَّ أبا قتادة صاده لنفْسه أصلًا ولقومه تَبَعًا، هذا إنْ لم نتجاوز ونقول: إن أبا قتادة غضب عليهم وزعل عليهم أنهم منعوا إعطاءه الرمح. ولكن هذا بعيد، الأخير بعيد؛ لأنهم ما امتنعوا بُخْلًا بمعونتهم، ولكن امتنعوا لسببٍ شرعيٍّ؛ قالوا: إنَّا حُرُم ما نُعطيك إيَّاه. فلا أظُن أبا قتادة يكون في نفسه شيءٌ عليهم فيريد أن يختصَّ بالصيد، ولكنه وقع في نفسه أنه صاده لنفسه وسيُطعم أصحابه، بخلاف الذي لم يَصِد الحمار إلا للرسول صلى الله عليه وسلم، فبين القصْدينِ فرقٌ عظيمٌ، وهذا الذي يكون به الجمع بين الأدلة. طالب: شيخ، لماذا (...) أبي قتادة لم يسألوا أبا قتادة عن لماذا صاد الصيد هذا (...)؟ الشيخ: الأصل عدم السؤال. طالب: صيد النهر والبحر، أو ..؟ الشيخ: كلُّ ما لا يعيش إلا في الماء فهو صيدُ بحرٍ. الطالب: بس يُسمى بحرًا يا شيخ؛ النهر؟ الشيخ: الماء، العلماء يقولون: الماء. الطالب: الوادي. الشيخ: الوادي ييبس، فالقاعدة ما عليه من نهر، بحر، وادٍ، سَمِّه ما شئت، كلُّ ما لا يعيش إلا بالماء فهو حيوان بحري. طالب: اللي مَلَكها قبل الإحرام (...)؟ الشيخ: فيه قول ثانٍ: أنه يبقى ملكه ولا يَلْزمه الإزالةُ، قياسًا على صيد الْحَرَم؛ فإن صيد الْحَرَم إذا دخلَ به الإنسانُ إلى الحِلِّ فهو ملكه يبيع ويشتري فيه ولا حرج. طالب: الصائل؛ ما قُتِلَ لدفْع أذيَّته، هل يأكله؟ الشيخ: ماذا تقولون في هذا السؤال الوجيه الغريب؟ يقول: إذا قتلتُ الصائلَ دفعًا عن نفسي فهل آكُلُه؟ أفهمتم السؤال؟ ما قُتِلَ لدفع أذاه هل يكون حلالًا؟ نقول: إن قُتِل قتلًا دون ذكاةٍ شرعيَّةٍ فهو حرامٌ، كما فعل رجلٌ من الناس صالَ عليه ثورٌ، والثور له قرونٌ فرصَّه على الجدار -جدار الحوش- فالرجل ماذا يفعل الآن؟ ثور رصَّه على الجدار، ولكن الرجل كان قويًّا، فأمسك برأسه -برأس الثور- ولفَّ به كما يلف صاحب السيارة بالدركسيون، فلما فعل ذلك انكسر نُخاعه، سقط ميتًا، هذا لا يحِلُّ، لماذا؟ لأنه لم يُذَكَّ ذكاةً شرعيةً، لكن إنْ ذُكِّى ذكاةً شرعيةً كما فعلَ جحدر بن مالكٍ من الخوارج؛ أمسكه الحجاج بن يوسف الثقفي -والحجاج بن يوسف تعرفون قصصه، شديدٌ وغليظٌ- فحبسه، ثم جاء إليه أناسٌ يشفعون فيه فقال: لا أُخرجه إلا إذا غَلَبَ الأسدَ، فأتى بأسدٍ عظيمٍ وأجاعه خمسة عشر يومًا -هذا الأسد- ثم أطْلَقه على جحدر بن مالكٍ في مكانٍ محوط، فلمَّا رآه الأسد قال: هذه فريسة. فزَأَرَ زئيرًا عظيمًا شديدًا، ثم قفز يريد أن يضرب على هذا الرجل وإذا هو في الأرض -وقال له: أنا سأعطيه سيفًا بيد وأغُلُّ يده الأخرى ما يتحرك فيها، اللي هو جحدر بن مالك- فلمَّا قفز الأسدُ زائرًا عليه، زائرًا زائرًا، وإذا بجحدرٍ قد أمسكَ السيفَ من تحت لَبَّته -لَبَّة الأسد- وطعنه، هذاك الأسد جاءٍ بقوة وهذا (...) بقوة، فغاص السيف في نحر الأسد فسقط الأسد ميتًا، سبحان الله! الإنسان اللي يُقبِل عليه الأسد زائرًا غير زائرٍ ولَّى وهرب، لكن هذا سبحان الله! بعض الناس قلوبهم حجارة. المهم، ما تقولون في الأسد، هل هو حلالٌ أمْ لا؟ لأنه ضربه في المذبح. طالب: عشان سبع حرام. طلبة: حرام. الشيخ: حرام بكل حال. الطلبة: نعم. الشيخ: طيب، لو قدَّرْنا أن هذا جَمَلٌ وضربه في نَحْره وأَنْهَرَ الدمَ وسمَّى اللهَ؟

الطلبة: حلال. الشيخ: حلال؛ لأنه قصد التذكية مع الدفاع عن النفس، لكنْ لو غاب عن ذهنه قصْد التذكية ولم يقصد إلا الدفاع عن نفسه فحينئذٍ يكون حرامًا. ولهذا -لاحِظوا هذه المسألة- لا بدَّ من قصْدِ التذكية، لو أرسلتَ سكينًا هكذا على شيءٍ من الأشياء فأصابت شاةً عند مذبحها وأنهرت الدم، هل تحِلُّ؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، ولذلك كانت ذكاةُ المجنون غير صحيحة ليش؟ طلبة: ما يقصد. الشيخ: يعني ما عنده قصْد، وذكاة السكران غير صحيحة لأنه ما عنده قصْد، فلا بدَّ من القصد. إذن فهمنا جوابك الآن، ويش ترى الجواب؟ طالب: الجواب إذا كانت ذكاة شرعية. الشيخ: إذا قَتَله بغير ذكاةٍ شرعيةٍ فهو حرام، وإنْ قَتَله بذكاةٍ شرعيةٍ قاصدًا التذكية فهو حلالٌ، وإن لم يقصد التذكية فهو حرام. طالب: (...) شاة، فأتى سبعٌ فعضَّها، فستموت، فهل يجوز أنْ يذكيها؟ الشيخ: تسأل هذا السؤال؟! تقرأ أية المائدة: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ [المائدة: ٣]. الطالب: مُحْرِم هو؟ الشيخ: الشاة ما تَحْرُم على الْمُحْرِم. الطالب: وحشية يا شيخ. الشيخ: فيه شاة وحشية! ما سمعتُ بشاةٍ وحشيةٍ إلا الليلة. الطالب: تيس الجبل. الشيخ: هذه نوع من الظِّباء، اللِّي يسمُّونها: العنوزة، ولَّا: عنْز، هذه نوع من الظِّباء، ما هي شاة. الطالب: تحل له؟ الشيخ: (...) ما تحِلُّ، هذه ما تحِلُّ أصلًا.

لكن فيه مسألة ذكرها الفقهاء، مسألة غريبة؛ لو كان عنده مَيْتة، وأمامه ظبيٌ، وهو مضطرٌّ الآن في غاية الضرورة، ولا بدَّ له إمَّا أن يأكل الميتة أو يصيد الظبي ويأكله، ماذا يصنع؟ طلبة: يصيد الظبي. الشيخ: يصيد الظبي؟ متفقون على هذا؟ طلبة: نعم. طالب: اختلفوا، فيها قولان. الشيخ: قولان، ما خلاه يمين ولا يسار، وأنت ويش رأيك؟ الطالب: كل (...) هذا محرَّم، وهذا للضرورة. طالب: هذا محرَّم (...). طالب آخر: (...). الشيخ: على كلِّ حال الشيخ تخلَّص من هذا بأن في المسألة قولين، والمسألة فيها قولان: منهم مَن قال: يقدِّم أكْل الميتة ويَدَع الصيد يمشي. ومنهم مَن قال: يقدِّم الصيد؛ لأن بإمكانه أنْ يذكِّيه ذكاةً شرعيةً، والمذكَّى خيرٌ من الميتة. طالب: وعليه جزاء؟ الشيخ: ما عليه جزاء؛ لأنه مباحٌ له. الآن يا جماعة هذه المسألة فيها خلاف؛ بعضهم قال: يقدِّم الميتة؛ لأن الميتة الآن صارتْ حلالًا في حقِّه؛ قال الله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٥]، والصيد الآن محترم؛ لأن هذه الميتة أصبحت في حقه كأنها لحمُ مُذَكَّاةٍ، فيكون ليس بضرورةٍ للصيد فيحْرُم عليه الصيد. القول الثاني: أنه يقدِّم الصيد؛ لأن الميتة حرمت لخبثها، حرَّمها الله عز وجل لأنها ضارَّةٌ رجسٌ، والصيد حُرِّم لاحترامه وحقِّ الله عز وجل، وقد أحلَّ الله لنا ذلك، سامحَ في حقِّه، فإذا صِيدَ فإنه يكون صيدًا طيِّبًا مُذَكًّى، والمذكَّى حلالٌ، حتى ولو قُلنا بأنه إذا صاده في هذا الحال فعليه جزاء؛ لأنه أذهبَ حياتَه لمصلحةِ نفسِه، فهو كحلْق شعر الرأس إذا خاف منه أيش؟ الأذى، أو قُلنا بأنه في هذه الحال ليس بمحرَّم فلا جزاء فيه. والذي يظهر لي أن يقدِّم الطيِّب الذي أحلَّه الله؛ لأنه الآن أمامك شيئان أحدُهما حلال، فما الذي تختار: أتختار القذر النجس، أمْ تختار الطيِّب الطاهر؟ طلبة: الطيِّب الطاهر. الشيخ: الثاني، ولهذا الصحيحُ أنه في هذه الحال يقدِّم الصيد.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله تعالى: ويحرُمُ عَقْدُ نكاحٍ ولا يصحُّ، ولا فِدية، وتصِحُّ الرجعةُ. وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم قبل التحلُّلِ الأولِ فَسَدَ نُسُكُهما ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى أله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. سَبَق لنا الكلام على المحظور السادس وهو قَتْل الصيد إذا جَمَع ثلاثةَ أوصافٍ: أنْ يكون مأكولًا، وأنْ يكون برِّيًّا، وأنْ يكون متوحِّشًا أصلًا، وبيَّنَّا أنَّ البحري يجوز صيدُهُ للمُحْرم، وأنَّ الإنسي الأهلي كالدجاج يجوز ذبْحُه للمُحْرِم وصيدُه أيضًا فيما لو ندَّ، وأنَّ مُحَرَّم الأكل لا يَحْرُم على الْمُحْرِم. وذكرْنا أنَّ محرَّم الأكل ثلاثة أقسام: ما أُمِرَ بقَتْله، وما نُهِيَ عن قَتْله، وما سُكِتَ عنه، وبيَّنَّا حُكْم كلِّ واحدٍ من هذا، ولا حاجة إلى الإعادة. وبيَّنَّا أنه يجوز للإنسان أن يقتل الصائل عليه من الصيول التي تَحْرُم على الْمُحْرِم؛ لأن هذا من باب الدفاع عن النفس، ولكن كل ما أُبِيحَ إتلافُه لصَوْله فإنه يُدافع بالأهون فالأهون؛ إذا أمْكنَ دفعُه بغير قَتْلٍ دُفِعَ وإلَّا قُتِل. بسم الله الرحمن الرحيم، نبدأ بدرس الليلة إن شاء الله، وهو المحظور السابع: عقد النكاح. قال المؤلف: (ويَحْرُم عَقْد نكاحٍ على الذكور والإناث). ودليل ذلك قول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَنْكِح الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح وَلَا يَخْطُبُ» ، فعقْد النكاح من محظورات الإحرام سواء كان الْمُحْرِمُ الوليَّ أو الزوجَ أو الزوجةَ، فالحكم يتعلَّق بهؤلاء الثلاثة: الولي، الزوج، الزوجة. أمَّا الشاهدانِ فلا تأثير لإحرامهما، لكنْ يُكْره أنْ يحضرا عقده إذا كانا مُحْرِمَين، ولكن الْمُحَرَّم هو أنْ يكون الولي أو الزوج أو الزوجة، فإنَّ عَقْد النكاح في حقِّ الْمُحْرِم منهم حرامٌ، والدليل كما سمعتموه حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يَنْكِح الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح وَلَا يَخْطُبُ». فإن عَقَدَ محِلٌّ لِمُحْرِمة فالنكاح حرام ولَّا غير حرام؟ الطلبة: حرام. الشيخ: محلٌّ لِمُحْرِمة؟ الطلبة: حرام. الشيخ: النكاح حرام. عَقَد مُحْرِم على مُحِلَّة؟ الطلبة: حرام. الشيخ: حرام.

عَقَد مُحْرِم لِمُحِلٍّ ومُحِلَّة؛ يعني الزوجان حلال؟ الطلبة: حرام. الشيخ: حرام أيضًا، والدليل هو هذا. فإن قال قائل: كيف نقول هذا وقد ثبتَ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، روى ذلك عبد الله بن عباس ابنُ أخت ميمونة، وهو عالِمٌ بحالها. قُلْنا: الجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: سبيلُ الترجيح، والوجه الثاني: سبيل الخصوصية. أمَّا الأول -وهو سبيل الترجيح- فإن الراجح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّج ميمونة وهو حلالٌ لا حرامٌ، والدليل على هذا أن ميمونة نفسها روتْ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّجها وهو حلالٌ ، وأن أبا رافعٍ السفيرَ بينهما -يعني الواسطة بينهما- أخبرَ أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّجها وهو حلال ، وعلى هذا فيُرجَّح ذلك؛ لأن صاحب القصة والمباشر للقصة أدرَى بها مِن غيره. فأمَّا حديث ابن عباس فإننا نقول: إن ابن عباس لم يعلم بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّجها إلا بعد أن أَحْرم الرسولُ، فظنَّ أن الرسول تزوَّجها وهو مُحْرِم بناءً على عِلْمه حيث لم يعلم إلا بعد أن أحرمَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الوجه كما ترون قويٌّ واضحٌ ولا إشكال فيه. الجواب الثاني: أن مِن خصائص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يتزوَّج وهو مُحْرِم؛ لأنه أَمْلَكُ الناسِ لإرْبِهِ، غيرُه لو تزوَّجَ وهو مُحْرِم لدعته نفسُه وشدةُ شهوته أنْ يتَّصِل بامرأته وربما جامَعَها، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام مُحَالٌ منه ذلك، فهو أَمْلَكُ الناسِ لإرْبِهِ، فكان تزوُّجُه في حال الإحرام من أيش؟ الطلبة: خصائصه. الشيخ: من خصائصه، والرسول عليه الصلاة والسلام له في النكاح خصائصُ متعدِّدة. وهل حَمْلُه على التخصيص أَمْرٌ غريبٌ بحيث لا نوافق عليه أو لا؟ الجواب: لا، ليس أَمْره غريبًا، ولكنْ ما الرأي إذا تعارضَ التخصيصُ والترجيحُ، أيُّهما أَوْلى؟ الطلبة: الترجيح. الشيخ: الترجيح أَوْلى؛ لئلَّا يخرج النبي صلى الله عليه وسلم بحكمٍ خاصٍّ عن أُمَّته، والأصل عدم الخصوصية، فإذَنْ يكون مَسْلكُ الترجيح أَوْلى؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تزوَّج ميمونة وهو حلال. يقول المؤلف: (ولا يصِحُّ) الضمير في (لا يصحُّ) يعود على العَقْد؛ يعني لو عُقِدَ على امرأةٍ مُحْرِمةٍ لزوجٍ حلالٍ فالنكاح لا يصحُّ، ولو عُقِدَ لزوجٍ مُحْرِم على امرأةٍ حلالٍ فالنكاح لا يصحُّ، ولو عُقِدَ لرجلٍ مُحِلٍّ على امرأةٍ مُحِلَّةٍ والوليُّ مُحْرِم لم يصحَّ النكاح، لماذا؟ لأن النهي واردٌ على عين العقد، وما ورد النهي على عينه فإنه لا يمكن تصحيحه؛ إذْ لو قُلنا بتصحيح ما ورد النهيُ على عينه لكان هذا من المحادَّةِ لله ولرسوله؛ لأن ما نهى الشارعُ عنه إنما يريد من الأُمَّة عدمَه، فلو أمضيناه لكُنَّا مضادِّين لله ورسوله، وعلى هذا فلو عُقِد النكاح فإنه لا يصحُّ. وماذا لو أنه عُقِد النكاح في حال الإحرام، ثم بعد الإحلال دخل الرجل بزوجته وأنجبت منه أولادًا، هل نُمضي العقد، أو نقول: إنه لا بدَّ من عقد جديد؟

طلبة: الثاني. الشيخ: الثاني، ويكون وَطْؤُه الأول وطْئًا بشُبْهة وأولادُه أولادًا شرعيين، يُنسَبون إليه شرعًا كما هم منسوبون إليه قَدَرًا. يقول: (ولا فِدية)، يعني ليس فيه فِدية، ما هو الدليل؟ الدليلُ على عَدَمِ الفِدية عدمُ الدليل. اشرح لنا هذا الكلام؟ طالب: الدليل على عدم .. معروف. الشيخ: اشرحْ لنا، أنا أتعلَّم. الطالب: أي: الدليل على أنه لا فِدية .. الشيخ: في عقد النكاح، الدليل عدم الدليل أيش؟ الطالب: وضَّحناها. الشيخ: أعِدْها؛ بعض الناس يكون بليدًا ما يفهم إلا بمرة، مرتين. الطالب: قلنا: (...) شيخ، الدليل على عقد النكاح. الشيخ: لا، الدليل على أنه لا فِدية في عقد النكاح هو عدم الدليل. الطالب: الدليل يعني الدليل على أنه إذا عقد الرجل على امرأته بصورة من الصور الثلاثة؛ الأركان الثلاثة، لا فِدية فيه، دليل ذلك عدم الدليل. الشيخ: ويش معنى عدم الدليل؟ الطالب: يعني ما فيه دليل يُوجب الفدية. الشيخ: أحسنت، الدليل عدم الدليل؛ أي إنه ليس هناك دليل يوجب الفدية، والأصل أيش؟ الأصل براءة الذِّمة وعدم الوجوب. فإذا قال قائل: إذا أخذتم بهذا الأصل فقولوا: إذن لا فدية في الطِّيب، ولا فدية في اللباس؛ لأنه ما فيه دليل على أنها فيها فدية، إنما وردَ الدليلُ بحلْق الرأس وجزاء الصيد، فأين الدليل على وجوب الفدية في لبس القميص والسراويل والبرانس والعمائم والخِفاف؟ ليس فيها إلا النهي. ما هو الدليل؟

الدليل يقولون: هو القياس؛ لأن العِلَّة عندهم في تحريم حلْق الرأس هو الترفُّه، والإنسان يترفَّه باللباس. والحقيقة أن هناك قولٌ أخَر في عقد النكاح أنَّ فيه الفدية قياسًا على اللباس، وقالوا: إنَّ ترفُّه الإنسانِ بعقد النكاح أشدُّ. يعني ما شعور الإنسان إذا عُقِدَ له على فتاةٍ يرغبها، أو لبس ثوبًا؛ قميصًا باليًا ممزَّقًا، أيش يكون؟ الأول أشدُّ ولَّا الثاني؟ الطلبة: الأول. الشيخ: الأول؛ الأوَّل يكاد يمشي على الهواء من شِدَّة الفَرَح، وهذا بالعكس. على كل حالٍ القولُ بأن الدليل عدمُ الدليل قولٌ تطمئن إليه النفس، ولهذا نرى أن عقد النكاح ليس فيه فدية، لكنْ فيه الإثم وفيه فسادُ النكاح. إذا قال قائل: إذا عَقَد وهو لا يدري أنَّ عقد النكاح في حال الإحرام حرام؟ فلا إثم، كما سيأتي إن شاء الله.

ولكنْ هل يصحُّ النكاح؟ طلبة: لا يصح. الشيخ: لا يصح؛ لأن العقود يُعتبر فيها نفس الواقع. ثم قال: (وتصِحُّ الرجعة). الرجعة أيش؟ يعني أن يُراجع الإنسانُ مُطَلَّقته التي له الرجعة عليها؛ مثال ذلك: رجلٌ أحرمَ بعمرةٍ أو حجٍّ وكان قد طلَّقَ زوجته طلاقًا رجعيًّا، فأراد أن يراجعها، فجاء يسأل يقول: أنا أُريد أنْ أُراجِع زوجتي، فهل أُراجعها وأنا مُحْرِم؟ نقول: نعم، لا حرج، تصِحُّ الرجعة، وتُباح الرجعة أيضًا، فهُنا فرَّقْنا بين ابتداء النكاح وبين استدامة النكاح، وذلك لأن الرجعة لا تُسَمَّى عقْدًا، وإنما هي رجوع، ولأن الاستدامة أقوي من الابتداء. أرأيتم الطِّيب يجوز للمُحْرِم عند عقد الإحرام أن يتطيَّب ويُحْرِم والطِّيب في مَفَارِقِه؟ يجوز، لكنْ لو أراد أنْ يبتدئ الطِّيب من جديدٍ قلنا: لا يجوز؛ لأن الاستدامة أيش؟ أقوى من الابتداء، وهُنا حصل لنا فرعانِ على هذه القاعدة في محظورات الإحرام: الفرع الأول ما هو؟ أيش؟ طالب: (...). الشيخ: لا، الفرع الأول (...) قبل. طالب: الطيب. الشيخ: الطيب؛ يستديمه ولا يبتدئُهُ. الفرع الثاني: النكاح؛ يستديمه ولا يبتدئُهُ. يستديمه بماذا؟ بالمراجعة؛ إذا كان قد طلَّق زوجته وراجعها في حال الإحرام فالرجعة حلالٌ وتصحُّ، بخلاف العقد.


ثم قال: (وإنْ جامَعَ الْمُحْرِم قَبْل التحلُّلِ الأولِ). هذا المحظور الثامن: الجماع، وهو أشدُّها إثمًا، وأعظمُها أثَرًا في النُّسُك.

ويحصُل الجِماع بإيلاج الحشفة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، فإذا أولَجَ الإنسانُ الحشفة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ فهذا هو الجماع، وهو محرَّم بنص القرآن؛ قال الله تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ [البقرة: ١٩٧]، فسَّره ابن عباس رضي الله عنهما بالجماع . والجماع له حالان: الحال الأولى: أنْ يكون قَبْل التحلُّل الأول. والحال الثانية: أنْ يكون بعد التحلُّل الأول. فإن كان قبل التحلُّل الأول فاستمِعْ ما يترتَّب عليه، ولكنْ قَبْل أن نذكر ما يترتَّب عليه، لِنَعْرِفْ ما هو التحلُّل الأول، بماذا يكون؟ التحلُّل الأول يكون في الحج برمْي جمرة العَقَبة، فإذا لم يَرْمِ الجمرةَ فإنه في إحرامٍ تامٍّ، وإذا رمى الجمرةَ حلَّ التحلُّلَ الأولَ عند كثيرٍ من العلماء، وعند آخَرين لا يحِلُّ إلا بالرمْي مضافًا إليه الحلْقُ أو التقصيرُ، فإذا حَلَق أو قصَّرَ مع الرمي فقد حلَّ التحلُّل الأول. وبماذا يكون التحلُّل الثاني؟ يكون التحلُّل الثاني -بالإضافة إلى الرمي والحلق أو التقصير- بالطواف والسعي إنْ كان متمتِّعًا أو مُفْرِدًا أو قارنًا ولم يكنْ سعى مع طواف القدوم.

فصار التحلُّل الأول يحصل بماذا؟ بالرمي، والحلق أو التقصير. والثاني بالرمي، والحلق أو التقصير، والطواف، والسعي. أربعة أو خمسة؟ طلبة: أربعة. طالب: خمسة. الشيخ: الرمي، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي. بقي علينا مما يُفعل يوم النحر ذبحُ الهدي، هذا لا علاقة له بالتحلُّل، يمكن أن تتحلَّل التحلُّل كُلَّه وأنت لم تذبح الهدي؛ لأنه لا علاقة له بالتحلُّل. فيقول المؤلف: (إن جامَعَ قَبْل التحلُّل الأول فَسَدَ نُسُكُهما، ويمضيانِ فيه، ويقْضِيانِهِ ثاني عام). هذه ثلاثة أحكام، وبقي حُكمانِ: الإثم، والفِدية؛ وهي بَدَنة. فصار الجماع قَبْل التحلُّل الأول يترتَّب عليه خمسة أمور:

الأول: الإثم. والثاني: فسادُ النُّسُك. والثالث: وجوبُ المضِيِّ فيه. والرابع: وجوبُ القضاء. والخامس: الفِدية، وهي بَدَنة، ما هي شاة، بَدَنةٌ تُذْبح في القضاء. مثال ذلك: رجلٌ جامَعَ زوجتَه ليلةَ مزدلفة في الحجِّ، ماذا نقول له؟ يعني عالِمًا عامدًا ما له عُذر. نقول: الآن ترتَّب على جِماعك خمسةُ أمور: الأول: الإثم، فعليك التوبة. الثاني: فساد النُّسُك، فلا يُعتبر هذا النُّسُك صحيحًا. الثالث: وجوبُ الْمُضِيِّ فيه، فيجب أن تكمله؛ لقول الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦]. الرابع: وجوب القضاء من العام القادم بدون تأخير. والخامس: فديةٌ؛ بَدَنةٌ تُذبح في القضاء. يجب عليك كل هذه الخمسة؛ لأنه جامَعَ أيش؟ قبل التحلل الأول. فأمَّا الإثم فظاهرٌ أنه يترتَّب على فِعْله؛ لأنه عصى الله عز وجل في قوله: فَلَا رَفَثَ.

وأمَّا فسادُ النُّسُك فلِقضاء الصحابةِ رضي الله عنهم في ذلك، ووردَ فيه أحاديث مرفوعة لكنها ضعيفة، إنما هو صحَّ عن الصحابة. وكذلك وجوبُ المضِيِّ فيه، صحَّ ذلك عن الصحابة عن عمر وغيره، وذهبت الظاهرية إلى أنه يفسد نُسُكُه ويَبْطُل، ينصرف، ولا يُمْكن أن يقضي نُسُكًا فاسدًا؛ لأنهم يقولون: هل الفاسد عليه أمْرُ الله ورسوله؟ إنْ قلتَ: نعم، لَزِمَ مِن ذلك أن الله ورسوله يأمرانِ بالفساد، وإنْ قلتَ: لا، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، والمردود لا فائدة من فِعْله؛ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء: ١٤٧]، إذَن انصرفْ. وقال بعض العلماء من التابعين: يتحلَّل بعُمرة، الحجُّ فَسَدَ الآن، فيتحلَّل بعُمرةٍ ويقضي، يجعلون هذا بمنزلة مَن فاتَهُ الوقوف بعرفة فإنه يتحلَّل بعُمرةٍ ويحلُّ. لكن لا شك أن الصحابة رضي الله عنهم أعمق منا علمًا وأسد منا رأيًا، فهُمْ إلى الصواب أقربُ مِنَّا إليه، فنأخذ بأقوالهم ونقول: يفسد ويَلْزمُك الْمُضِيُّ فيه. وفي هذا سدٌّ لباب أهل الشرِّ والفساد؛ لأنه ربما إذا قُلنا: إذا فسدَ فانصرِفْ، لا يُهِمُّه أنْ يأثم؛ يجامع من أجْل أيش؟ أن ينصرف ويُجامع زوجتَه متى شاء، فإذا سَدَدْنا عليه الباب وقُلنا: يَلْزمك الْمُضِيُّ، كان في هذا حِكْمة لتأديبه وردْعِه. وإذا مضى في هذا الفاسد فهل حُكْمه حُكم الصحيح في بقية ..؟