شرح العقيدة التدمرية - ١١
درس صوتي · ٩٣:١٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مُقدَّس عن ذلك، فلو قال: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] لما كان كقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس: ٧١] وهو نظير قوله: بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١] وبيده الخير. ولو قال: (خلقتُ) بصيغة الإفراد لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّبصيغة التثنية؟ هذا مع دلالات الأحاديث المستفيضة بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرِ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» ، وأمثال ذلك. وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها -والظاهر هو المراد في الجميع- فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعِلْمنا وقدرته كقُدْرَتِنا.
وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالِم حقيقة، قادر حقيقة؛ لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير، فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] أنه على ظاهره لم يقتضِ ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حُبًّا كحبه، ولا رضا كرضاه، فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه ألا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي; وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات فيكون الكلام في الجميع واحدًا، وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أظن نحن الآن في القاعدة التي هي هل ظاهر النصوص في صفات الله مراد أو غير مراد؟ والجواب على هذا أن نقول: إن كان القائل يريد بظاهر النصوص ظاهرًا يليق بالله عز وجل فهذا مراد، ومن قال: إنه غير مراد فقد أخطأ، وإذا كان يعتقد أن ظاهر النصوص إثبات صفات تماثل صفات المخلوقين فإن هذا الظاهر غير مراد بلا شك، ليس ظاهر النصوص أن تكون صفات الله كصفات المخلوقين، لماذا؟ لأن هذا الظاهر كفر وضلال، كل من زعم أن الله مماثل للمخلوقين فإنه كافر وضال، وكل من زعم أن دلالة النصوص على هذا فهو أيضًا ضال وغير عالم بدلالات النصوص. فإذن نقول له: إذا كنت تريد بالظاهر، من الأول نبدأ بالتفصيل، إذا كنت تريد بالظاهر معنى يليق بالله فهذا مراد، ولا يمكن لأحد أن يقول: إنه غير مراد، ولو قاله لرددنا عليه، وإذا كان يريد بالظاهر معنى يشبه ما للمخلوق من ذلك قلنا له: إن هذا الظاهر غير مراد بلا شك، ولكننا ننقله من هذا الفهم إلى الفهم الصحيح، فنقول له: ليس هذا هو ظاهر النصوص، أرجو الانتباه؛ لأن هذه نقطة مهمة، هو كان يعتقد أن ظاهر النصوص إثبات صفات تشبه صفات المخلوقين، نقول له: إذا كنت تعتقد أن هذا الظاهر فهذا الظاهر غير مراد لكن يجب أن نعدل مفهومه فنقول ليس هذا هو ظاهر النصوص. إذن ما هو ظاهر النصوص؟ إثبات معنى يليق بالله، هذا ظاهر النصوص، فكونك تفهم مِن النصوص معنًى يُشابه صفات المخلوقين وتقول: إن هذا هو ظاهِر النصوص، وأنه غير مُراد، هذا لا شك أنه ظن خطأ، وأن ظاهر النصوص هو المعنى اللائق بالله عز وجل، هذا هو ظاهر النصوص، المؤلف ذكر لهذا أمثلة، كم؟ ثلاثة، المثال الأول: «عَبْدِي، جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» . والثاني: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ . والثالث: «قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» . وأظن سبق الجواب عن هذه الأمثلة؛ لأنه ويش فهم؟ فهم من الأول اللي «جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي»، فهم منها أن النص هذا يدل على أن الله يجوع، وأنه يحتاج إلى طعام فقال: ظاهر النص غير مُراد، صحيح كلامه هذا ولَّا لا؟ ترى كلامه لا فهمه، صحيح أن هذا الظاهر غير مراد؟ هو فَهِمَ «جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» أن الله يجوع ويحتاج إلى طعام، فقال: ظاهر هذا غير مراد. هذا إذا قال: إن هذا غير مراد نقول: صحيح، الله لا يجوع، ولا يحتاج إلى طعام لكن كونك تقول: إن ظاهر هذا النص أن الله يجوع، ويحتاج إلى طعام هذا غير صحيح؛ لأن النص مُفسَّر مُبيَّن من كلام الله، ويش معناه؟ فسَّرَه الله بقوله: «أَمَا عَلِمْتَ أَنْ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ؟ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
المثال الثاني يقول: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. وقلنا: الجواب على هذا أولًا من حيث صحته وثبوته فهو لم يثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما يروى عن ابن عباس، ثم في صحته عن ابن عباس نظر، وعلى فرض وتقدير أنه صحيح يقول هو: إن ظاهر الحديث أن الحجر الأسود هو يمين الله، يمين الله نفسه؛ يعني يد الله، وهذا الظاهر غير مُراد، طيب الكلام الآن من جملتين الحجر الأسود هو يمين الله حقيقة ظاهره غير مراد، الجملة الأخيرة صحيحة ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: لا! كيف لا؟ يا أخي، الجملة الأخيرة صحيحة بناءً على اعتقاده الأول أن الحجر يمين الله بالفعل فقوله: إن ظاهره غير مراد يكون الآن صحيحًا، لكننا نحن نقول له: الجملة الأولى. وقولك: إنه يقتضي أن يمين الله هو نفس الحجر هذا ليس بصحيح. الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، يقول هذا القائل: ظاهر الحديث أن الحجر هو نفس يد الله فظاهره غير مراد. نقول: الآن إذا كنت تفهم أن الحديث يدل على أن الحجر الأسود هو يمين الله اللي هي يده، فنحن نوافقك بأن ظاهره غير مراد، نوافقك في هذا، ولكننا نقول لك قبل أن نجيبك على ذلك أو نصوبه، نقول: إن فهمك أن الحديث يدل على أن الحجر هو يمين الله هذا فهم خطأ، فالحديث ما يدل على هذا، الحديث يدل على أن الحجر ليس يمين الله فيكون ظاهره الآن مرادًا ولا غير مراد على فهمنا نحن؟ طالب: مراد. الشيخ: أرجو الانتباه (...). نقول: الحديث يدل على أن الحجر ليس يمين الله ما يدل على أنه يمين الله، إذا كان الحديث يدل على أن الحجر ليس يمين الله هل نقول: ظاهره غير مراد أو مراد؟ مراد؛ لأنه لا شك أن الحجر ليس هو يمين الله، فإذن ظاهره مراد، فنقول: هذا الحديث باقٍ على ظاهره، وظاهره أن الحجر الأسود ليس يمين الله؛ لأنه قُيِّد (يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ)، ويمين الله التي هي يده في السماء؛ ولأنه قال: (فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح أو قبله).
(فكأنما صافح) (فكأنما) والتشبيه مكون من مُشبَّه، ومشبه به، وأداة تشبيه، ووجه شبه؛ فالمشبه به غير المشبه بلا شك، وهنا (فكأنما صافح الله) يدل على أن اليد هذه ما هي بيد الله على أن الحجر ليس يد الله، لو كانت يد الله لكان (فمن صافحه فقد صافح الله)، وليس كمن صافح الله. فالحاصل الآن أن نقول: هذا الحديث إذا ثبت فهو على ظاهره، وليس ظاهره ما فهمه هذا الذي نفى أن يكون على ظاهره.
المثال الثالث: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن . يقول هذا الرجل: هذا الحديث ظاهره أن القلب بين أصبعين يمسانه، الآن عندما أقول: هذا القلم بين أصبعين، ويش صار يمسانه ولَّا لا؟ يمسانه، هو يقول: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن. هذا ليس على ظاهره؛ لأننا نعلم أن أصبعي الرحمن لا يمسان القلب، ولا يمكن أن أصبعي الرحمن (...) صدر واحد ويمسان قلبه، لا يمكن، صحيح هذا ولَّا لا؟
صحيح، لكننا نقول له: ليس هذا ظاهر النص، هو فهم هذا الباب وراح يقول: ليس على ظاهره. يقول: ليس هذا هو ظاهر النص، ليش؟ لماذا لا يكون ظاهر النص؟ لأن هذا الظاهر كُفْر وضلال، كفر أن يكون صدرك الضيق واسعًا لأصابع الرحمن التي يجعل الله الأرض بكاملها على أصبع، وين أصبع الرحمن بيدخل جوفك؟ هذا مستحيل أن يكون هذا، مستحيل عقلًا، إذا كان مستحيلًا، ومن اعتقده فهو كافر هل يمكن أن يكون هو ظاهر النصوص؟ لا؛ لأن ظاهر النصوص حق لا باطل، إذن إذا لم يكن هذا ظاهره فما ظاهره؟ نقول: البينية لا تقتضي المماسة. تقول مثلًا: الطالب بين يدي المدرس، ما أظن ولا رأسه، ما حطيت رأسه بين يديك ولَّا لا؟ ولا رأس الطالب فكيف بجميع الطالب؟ هل اقتضت المماسة عندما أقول: الطالب بين يدي المدرس؟ ما تقتضي المماسة. أبلغ من ذلك وأبين قال الله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤] اقتضى أن تكون الأرض والسماء ملاصقة للسحاب؟
طلبة: لا. الشيخ: ويش بينهما؟ بين السماء والسحاب ما لا نعلمه، وبين الأرض والسحاب مسافات بعيدة، وتختلف بحسب ارتفاع السحاب وانخفاضه، فتبين بهذا أن البينية لا تقتضي المماسة، إذن فالحديث على ظاهره، ونقول: هذه البينية الله تبارك وتعالى أعلم بكيفيتها؛ لأن جميع صفات الله لا نحيط بكيفيتها، والله أعلم كيف تكون قلوبنا بين أصبعين من أصابعه إنما نحن نعلم أنه لا يمكن أن تكون أصابع الرحمن قابضة على نفس القلب، هذا ما يمكن. بهذا تبين يا جماعة أن هذه القاعدة مهمة جدًّا، والسؤال: هل ظاهر نصوص الصفات مراد أو غير مراد؟ ما هو الجواب؟ الجواب: بالتفصيل، إن أراد بالظاهر المعنى اللائق بالله فهو مراد، وإن أراد بالظاهر المعنى الذي لا يليق بالله فهذا غير مراد لكننا يجب أن نُصحِّح فهْمَه أولًا فنقول: إن فهمك أن النصوص تقتضي ما لا يليق بالله هذا خطأ وإلا فلا شك أنه غير مراد لكنه ليس ظاهر النصوص، فظاهر النصوص المعنى الأول وهو المعنى اللائق بالله وهو حق. ثم ذكر المؤلف -رحمه الله- أن مما يُشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، ومَثَّلَ لذلك بمثال: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّبعضهم جعلها مثل قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا، وقال: إن المراد باليد القوة، أو نفس الذات؛ لأن قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَابالنسبة للأنعام الإبل، ويش المراد مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا؟ يعني مثل قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّكذا ولَّا لا؟ لا؛ لأننا نجزم أن الله لم يخلق البعير بيده، ما خلق البعير بيده، وإنما نظير مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَانظيرها بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]، والمراد بما كسب الناس، إذن مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاأي: مما عملنا؛ أي: مما خلقنا، وفرْق بين مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاولِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّوذكرنا الفروق فيما سبق من كم من وجه؟ من ثلاثة أوجه أو أربع، ولا بد أن تلاحظوها، وأظن انتهينا من هذا البحث.
ثم قال المؤلف: (وإذا كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها فالظاهر هو المراد في الجميع). إذا كان المتكلم القائل اللي يقول: ظاهرها مراد أو غير مراد، إذا كان يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها فالظاهر هو المراد في الجميع. مثال ذلك -يا جماعة- نحن نتكلم مع الأشعري اللي يثبت للنصوص معنى حسب الظاهر، الأشعري يثبت أن لله قُدرة ولَّا لا؟ من جنس قدرة المخلوقين ولا من غير جنسها؟ من غير جنسها، نقول له: إذا كنت تعتقد أن النصوص التي تنازعنا فيها مثل أيش؟ كالرحمة مثلًا والرضا والغضب وما أشبه ذلك، هو ينازعنا في ذلك ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: طيب، يقول: المراد بالرحمة غير المفهوم عندنا، والمراد بالمحبة غير المفهوم عندنا نحن، المراد بالرحمة الإحسان. نقول له: الآن فسرت الرحمة بغير ظاهرها؛ فالظاهر عندك غير مراد؛ فالظاهر عندك مثلًا يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١]. يقول: المراد بالرحمة الإحسان، مثل العذاب اللي هو العقوبة. نقول له: الآن إن كنت تعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها فالظاهر هو المراد في الجميع؛ يعني كأنك تريد أن تعتقد أن ظاهر الرحمة رحمة تليق بالله فظاهرها مراد ولَّا غير مراد؟ مراد مثلما أنك تقول: القدرة قدرة تليق بالله، فظاهرها مراد، فنقول: إذا كنت تعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها كالرحمن مثلًا أنها من جنس النصوص المتفق على معناها فإننا نقول لك: ويش نقول له؟ إن الظاهر مراد في الجميع. ثم فرَّع المؤلف على هذا فقال: (فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد) ولَّا لا؟ هذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ أخبر أن الله بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأهل السنة اتفقوا على أن ظاهر النص مراد ولَّا غير مراد؟ مراد، وأن ظاهر ذلك مراد، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته كقدرتنا. (وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ لم يكن مرادهم) ترى هذه الصفات الأخيرة يوافقنا الأشعري عليه ولَّا لا؟ طلبة: يوافق. الشيخ: والصفتان السابقتان العلم والقدرة يوافقون عليها.
(لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير، فكذلك إذا قالوا في قوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩] ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] يقولون أيضًا: إنه على ظاهره، ولا يقتضي ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حُبًّا كحُبِّه، ولا رضا كرضاه). طالب: (...). الشيخ: بس من عندي، اللفظ هذا من عندي أنا ما هو بالكتاب لكنه أقرب للفهم من عبارة الكتاب. طالب: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُآية؟
الشيخ: إي نعم. الصفات اللي ذكرها الأخيرة الثلاث يوافقنا عليها الأشاعرة ولَّا لا؟ لا يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] ما يوافقونا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩] ما يوافقون، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِلا يوافقون. طالب: (...) حي عليم. الشيخ: لا، وين (...)؟ فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩]، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِإذا قالوا: إنه على ظاهره لم يقتضِ ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حُبًّا كحبه، ولا رضًا كرضاه. نقول للأشاعرة الذين يثبتون العلم والقدرة وما سبق، نقول: أنتم تعتقدون أن هذا العلم حقيقة، وأن النص على ظاهره ولَّا لا؟ ويعتقدون أيضًا أنه ليس مثل علم المخلوق ولا قدرته. نقول: نحن أيضًا نقول بالمحبة والرضا، إنه حق على ظاهره ولا يشبه محبة المخلوقين ورضاهم واستواءهم. الأمر واضح، فصار الآن ظاهر النصوص كلها مراد ولكن ظاهرها أي شيء؟ ما ظاهرها؟ المعنى اللائق بالله ليس ظاهرها التشبيه اللي هو الكفر. (فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه ألا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا). صحيح إذا كان يظن أن ظاهر النصوص إثبات التمثيل، ويش يلزمه؟ أن جميع الصفات ليس مرادًا ظاهرها؛ لأنه يعتقد أن الظاهر هو التمثيل والتمثيل بلا شك غير مراد لله سبحانه وتعالى من صفاته. (وإذا كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق، ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا). صحيح، يعني إذا كان يعتقد المستمع أن ظاهر النصوص هو اللائق بالله هل يجوز أن ينفي هذا؟
طلبة: لا. الشيخ: ولهذا قال: (لم يكن له نفي هذا الظاهر)؛ يعني ما يقدر يقول: ظاهرها غير مراد، ولا نفي أن يكون مرادًا، بل الواجب عليه إثبات هذا الظاهر، وإثبات أن هذا هو مراد الله سبحانه وتعالى. (إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما يُنفى به سائر الصفات فيكون الكلام في الجميع واحدًا).
بهذا تقررت هذه القاعدة العظيمة، وهي أن يقال: هل ظاهر نصوص صفات الله تعالى مراد أو غير مراد؟ والخلاصة، خلاصة الجواب أن نقول: إن أريد بالظاهر، أو إن كان القائل يفهم أن ظاهرها معنى يليق بالله فالظاهر مراد، وإن كان يفهم أن ظاهرها معنى لا يليق بالله فالظاهر غير مراد لكن ليس هو ظاهرها. لو قال لك قائل: هل ظاهر نصوص الصفات مراد أو غير مراد؟ طالب: مراد، إذا كان يليق بالله فمراد. الشيخ: إي نعم، إذا كان يريد بالظاهر معنى يليق بالله فهو مراد، أحسنت، وإذا كان يريد معنى لا يليق بالله؟
طالب: فهو غير مراد. الشيخ: فهو غير مراد، ولكن يجب، ويش يجب عليه (...)؟ طيب جب لي مثالًا عشان يتضح بالمثال، ويش مثاله؟ طالب: مثال على أيش؟ الشيخ: مثال عن نص من نصوص الصفات تقول: إن ظاهره مراد أو غير مراد؟ طالب: (...). الشيخ: طيب إذا قال لك مثلًا: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِظاهره غير مراد، ويش تقول له؟ طالب: (...) أن الاستواء (...). الشيخ: إن أردت استواء. طالب: يختص بالله. الشيخ: يختص بالله، ويليق به، ولا يشبه استواء المخلوقين. طالب: (...). الشيخ: فهو مراد، أحسنت. إذا قال: لا، أنا أقول: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِإني أنفي أن يكون استواء يماثل صفات المخلوقين، فأقول: إن الآية ظاهرها غير مراد لهذا السبب، نقول له: صحيح أنه غير مراد (...). يقول: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِليس على ظاهره، المراد بـها عند هذا الرجل المراد بها استولى، يفسرون اسْتَوَىبـ(استولى)، لماذا لا تثبت استوى بمعنى (علا على العرش)؟ قال: لأن هذا يشبه صفات المخلوقين، لو أنني أثبت الاستواء لكان معنى ذلك أن الله يشبه المخلوقين، فأنا أقول: هذا الظاهر غير مراد. طالب: نقول: إن الاستواء. الشيخ: إي، نقول: الآية، ما دلت على أن الاستواء استواء يشبه استواء المخلوق، أنا أقول: هل الآية دلت على أن المراد بالاستواء استواء يشبه استواء المخلوق؟ أسألك الآن: هل الآية تدل على أن الله استوى على العرش استواء كاستواء المخلوق؟ طالب: لا تدل. الشيخ: لا تدل عليه، بل الذي نجزم به أنها تدل على استواء يليق به، إذن فكون هذا الرجل يعتقد أن قوله: اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِتدل على أنه استواء يُشبه استواء المخلوقين، هذا باطل ليس بصحيح ولَّا لا؟ فيجب أن نُصحِّح مفهومه، وأن يعرف أن المراد بكل الصفات ويش المراد به؟ ما يليق بالله. يقول المؤلف رحمه الله: (وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا). طالب: أعيان. الشيخ: وأجسام. طالب: معناها؟ الشيخ: أعيان يعني عين قائمة. الصفات إما أعيان وأجسام، مثل اليد صفة لنا ولكنها عين، العلم صفة لنا لكنه معنى؛ فالمراد بالعين ما يقابل المعنى؛ (إما أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليد، ومنها ما هو معانٍ وأعراض) معانٍ ضد أعيان، وأعراض ضد أجسام. (وهي قائمة بنا كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة) أصحيح هذا أو لا؟ تقسيم المؤلف صفات الإنسان، ما هي صفات الله إلى الآن بيبين أن الآن صفاتنا، شيء منها أعيان وأجسام هو أبعاض لنا مثل: اليد، والوجه، والعين، والرأس، والرجل، إلى آخره، أليس كذلك؟ وشيء من صفاتنا أعيان وأعراض يعني معاني ما هي أعيان وأعراض، معانٍ وأعراض مثل أيش؟ العلم، أنا مثلًا عندي علم، وعندي قدرة، هل أنتم تشاهدون علمي وقدرتي شيئًا متميزًا كما تتميز اليد؟! لا، إذن من صفاتنا الآن صارت صفاتنا تنقسم إلى قسمين: طالب: السمع والبصر يا شيخ. الشيخ: إي نعم، السمع والبصر معنى وليس عينًا. طالب: السمع معنى والبصر. الشيخ: والبصر معنى، فالعين هذه وسيلة؛ يعني إناء والبصر فيه؛ يعني هي في الحقيقة وسيلة إلى الرؤية، وليس البصر هو العين.
(ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا فكذلك) شوف الآن المؤلف رحمه الله بيقيس الصفات التي هي غير معانٍ إلى الصفات التي هي معانٍ، فالآن صفاتنا معانٍ وأجسام، صفات الله تعالى معانٍ وشيء يشترك في الاسم مع ما هو أبعاض لنا، ولا نستطيع أن نقول: إنه بعض لله لكن نقول: يشارك في الاسم ما هو من أبعاضنا مثل اليد. يقول: (ثم من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يُوجِب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه، فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه).
القاعدة الرابعة: توهم بعض الناس في نصوص الصفات والمحاذير المترتبة على ذلك
٠٠:٣٤:١٣
إي نعم، قصدهم صفة الخالق تليق وصفة المخلوق تليق به، (وليس المنسوب كالمنسوب ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه كما قال صلى الله عليه وسلم: «تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وْالْقَمَرَ» . فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي، وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة). طالب: (...). الشيخ: إلى هذا، المهم أنه واضح الآن، المؤلف رحمه الله جاب في الحقيقة صفات معانٍ متفق عليها، انتبهوا للخلاصة، صفات معانٍ متفق عليها وصفات معانٍ مختلَف فيها، وصفات معنوية وصفات عينية. الصفات المعاني المتفق عليها مثل أيش؟ مثل العلم والقدرة والسمع والبصر، هذه كلنا متفقون على أن ظاهر النصوص فيها مراد ولَّا لا؟ صفات معنوية متنازع فيها، مثل المحبة والاستواء والرضا، أهل السنة والجماعة يقولون: إن ظاهرها مراد ولكنه المعنى الذي يليق بالله، ومن نازعهم في ذلك يقول: ظاهرها غير مراد؛ لأنهم يعتقدون أن ظاهرها التشبيه؛ فلذلك قالوا: غير مُراد. نرجع للصفات المعنوية والعينية من صفاتنا، ما هو معنى كالعلم، ومن صفاتنا ما هو عين وبعض، مثل: اليد فنحن نقول: كما أن الصفات المعنوية المثبتة لله كالعلم لا يشبه صفاتنا المعنوية كعِلمنا فكذلك الصفات الأخرى التي تُشارك ما هو لنا، لا تشبه ما هو عين لنا، فيد الله لا تشبه أيدينا كما أن علمه لا يُشبه علمنا، واضح يا جماعة؟ هذا كتاب عظيم من أحسن ما كتب شيخ الإسلام في هذا الموضوع، فيجب أننا نهتم به كثيرًا، ولا نخليه على الهامش ونقول: والله إن فهمنا الدرس ولَّا بعدين نرجع للمسجلات ولا نرجع للمكتوب، هذا خطأ، فأنا أحذركم من ذلك. الطالب: (...) وهو أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير: أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطَّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله، حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير علم; فيكون معطلًا لما يستحقه الرب. الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. تقدم لنا القاعدة الثالثة، وهي تعود على شيء واحد، وهو هل ظاهر النصوص مراد أو غير مراد؟ وقد قرر شيخ الإسلام رحمه الله أنه إذا أُريد بالظاهر المعنى اللائق بالله فهو مراد، وإن أريد به المعنى المماثل لصفات المخلوقين فهو غير مراد، لكن الواقع أن هذا ليس ظاهر النصوص؛ لأن هذا كُفْر وضلال، ولا يمكن أن يكون ظاهر النصوص كفرًا وضلالًا، وأتى لذلك بأمثلة من الصفات المعنوية والصفات الجزئية بالنسبة لنا وقال: (إن صفاتنا منها ما هو معانٍ مثل العلم، ومنها ما هو أبعاض وأجزاء مثل اليد).
وتحاشى المؤلف -رحمه الله- أن يعبر بمثل ذلك بالنسبة لصفات الله، بمثل أيش؟ بمثل البعض أو الجزء بالنسبة لصفات الله، وهذا حق؛ يعني ليس لنا أن نقول: إن يد الله بعض منه أو جزء منه، كلا؛ لأن هذا غير وارد في الشرع ولكن نقول: من صفات الله ما يشارك في الاسم ما هو أبعاض لنا، وما يشارك في الاسم ما هو معانٍ لنا. ولهذا نقول بالنسبة لصفات الله: تنقسم إلى معنوية وغير معنوية؛ فالمعنوية مثل العلم والقدرة، وغير المعنوية مثل اليد والوجه إلى آخره بالنسبة لصفات الله. يقول: (هذا يتبين بالقاعدة الرابعة؛ وهي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها). جاب المؤلف رحمه الله كل ما يمكن من طوائف المبتدعة يتوهم في بعض الصفات، وهؤلاء الذين يُثبتون أكثر الصفات يتوهم في كثير منها أو أكثرها، وهؤلاء الذين يثبتون بعض الصفات وينفون أكثرها مثل الأشعرية.
يتوهم في كل الصفات وهؤلاء الذين ينكرون جميع الصفات مثل الجهمية والمعتزلة، ويش يتوهمون؟ أنها تماثل صفات المخلوقين. (ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير)، الآن فهمنا من القاعدة هذه أن بعض الناس أو نقول: كما قال المؤلف: (كثيرًا من الناس)، وكثير من الناس هو بمعنى بعض الناس، بعض الناس يتوهم في صفات الله كلها أو بعضها ويش يتوهم؟ أنها تُماثل صفات المخلوقين إذا توهم هذا ماذا يريد؟ يريد أن ينفي ذلك عن الله، ويش ينفي؟ ينفي التمثيل ولا طريق له إلى نفي التمثيل إلا بنفي هذه الصفات؛ لأنه يعتقد أن الصفات تُماثِل صفات المخلوقين، ويقول -وقوله حق-: إن الله لا مِثْل له. هذا صحيح أن الله لا مثل له؟ صحيح أن الله لا مِثْل له، إذا كان لا مِثْل له، وهذه الصفة تقتضي التمثيل ويش الواجب في هذه الصفة؟ الواجب نحو هذه الصفة أن ننفيها عن الله، ما دامت تقتضي التمثيل، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء. إذن لاحظوا الفهم الآن، هذا الرجل يفهم من الصفات أنها تماثل صفات المخلوقين، إذا كان يعتقد هذا الاعتقاد ويش الواجب عليه؟ نفي هذه الصفات؛ ولهذا ثم يريد أن ينفي هذه الصفات عن الله؛ لأنها على زعمه تماثِل صفات المخلوقين، ومماثلة المخلوقين يجب نفيها عن الله سبحانه وتعالى.
استفتاء الآن هل هذا الفهم صحيح ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: فهمه أنها تماثل المخلوقات صحيح ولَّا لا؟ غير صحيح من أصله كما مر في القاعدة السابقة؛ ولهذا قال: وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة. يقول المؤلف: (فيقع في أربعة أنواع من المحاذير) (يقع) أي هذا الذي فهم أن الصفات تُماثِل المخلوقين فيريد أن ينفي المماثلة عن الله يقع في أربعة محاذير. أولًا: (...) أن هذا يرتقي إلى المرحلة الثانية؛ لأن رقم واحد المحذور الأول ويش هو؟ فهمه للتمثيل، وأن هذا (...). المحذور الثاني: أنه إذا جعل هذا هو مفهوم النصوص ويش بيقول؟ بيعطل النصوص عن معناها وبيقول: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الفاتحة: ٢٧] لا تدل على وجه الله، فإذن يكون عطَّل معناها عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله. فبقي مع جنايته على النصوص وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله حيث ظن أن الذي يُفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل ويش بقي؟ قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى. إذن يكون هذا من المحذور يا جماعة، هذه يسمونها فذلكة، (...) نقول: إنه جنى على النصوص بأي شيء جنايته عليها؟ بأمرين: بظنه أنها تقتضي التمثيل، ثم بتعطيله ما دلت عليه من المعاني اللائقة بالله، أفهمتم الآن؟ لأن الأخير هذا فذلكة للمحذورين السابقين. ظنه السيئ بالله ورسوله، حيث ظن أن اللي يُفهم من كلام الله ورسوله من صفات الله ويش يفهم منهما؟ التمثيل، ثم بعد ذلك عطَّل هذه النصوص عما تدل عليه عن المعاني اللائقة بالله تبارك وتعالى هذان محذوران بينان. ثالثًا: أنه ينفي تلك الصفات عن الله عز وجل بغير عِلْم; فيكون معطلًا لما يستحقه الرب، هذا محذور ثالث، حيث تكلم بغير علم كيف تكلم بغير علم؟ بل في الحقيقة تكلم بجهل مُركَّب؛ لأن مبنى نفيه ويش هو عليه؟ على أي أساس بنى نفيه ويش هو عليه؟ على أنه ظن أنها تُماثِل صفات المخلوقين، وهذا علم ولَّا جهل؟ جهل مركب في الواقع، جهل مركب ليس جهلًا؛ لأنه غيَّرها عما تدل عليه، فهو جهل مركب، إذا نفى هذه الصفات عن الله فقد تكلم في الله بغير علم وقد قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣] هذا قال على الله ما لا يعلم، حيث زعم أن كلامه يدل على أي شيء؟ على تمثيل الله بخلقه فيكون قال على الله ما لا يعلم، وهذا واضح المحذور الثالث ولَّا لا؟ المحذور الثالث: أنه قال على الله بغير علم، كذا ولَّا لا؟ كيف قال على الله بغير علم؟ لأنه قال: إن هذه الصفة تقتضي المماثلة، وهل قال الله تعالى إنها مماثلة المخلوقين؟ ما قال، بل نفى ذلك لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، فتبين بهذا المحذور الثالث أنه قال على الله بغير عِلْم، والقائل على الله بغير عِلْم واقع في جهل مُرَكَّب فيما حرَّم الله، واقع فيما حرم الله عليه بدليل آيتين من القرآن: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦] وهذا قفا ما ليس له به علم أو لا؟ ثانيًا: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَإلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وهذا قال على الله ما لا يعلم؛ لأنه قال: إن هذه الصفات تقتضي المماثلة، وهي لا تقتضي المماثلة. فاهمين الموضوع؟ الأخ فاهم؟ ماذا فهمت؟ طالب: (...) ينفي الصفات بغير علم، هذا يقع في محذور (...) بغير علم (...) الصفات التي تدل على (...) بغير علم. الشيخ: يكون نفاها بغير علم، وإذا تكلم فيها بغير علم هذا محذور ذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ويش الدليل على محذوريته؟ الطالب: قوله عز وجل: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: ٣٦]، وقوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ. الشيخ: بِغَيْرِ الْحَقِّوَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. المحذور الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات، بل نقول: أو صفات الممتنعات، ولَّا لا؟ أو ما مر علينا أن بعض هؤلاء الغلاة يسلبون عنه النقيضين؟ يعني إذن يصفونه بالممتنعات، فهو إذا نفى ذلك وصف الرب بنقيض تلك الصفات. طيب هل هو يصرح بوصف الله بنقيض تلك الصفات أو هو من لازم قوله؟ من لازم قوله، وطبعًا ما يصرح لكن من لازم قوله، فمثلًا إذا قال: إن الله تعالى ليس عالِمًا بذاته ويش يلزم؟
طالب: الجهل. الشيخ: الجهل لا يلزم أن يكون سفلًا إذا انتفى العلو، ويش نقيضه؟ طالب: السفل. الشيخ: لأنه ما من شيء إلا عالٍ أو سافل، فإذا نفى العلو عن الله بذاته للزم أن يكون سافلًا لكن هل هو يقول: إن الله في السفل؟ لا، إلا أنه يلزم على قوله. إذا نفى عن الله سبحانه وتعالى الرحمة ويش لزم؟ لزم ضد الرحمة أن يكون قاسيًا ظالِمًا، ولَّا لا؟ هو ما قال: إن الله قاسٍ أو ظالم، لكن إذا انتفت الرحمة لزم القسوة والظلم، فإذن هو إذا نفى ما وصف الرب به نفسه من الكمال ويش لزم؟ ثبوت ضد هذه الأشياء من النقائض؛ ولهذا يقول: الرابع أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات. إذا قال: إن الله ما يفعل، ما يمكن ينزل إلى السماء الدنيا، ما يمكن يأتي إلى القضاء بين عباده، ما يمكن يستوي على العرش؛ لأن هذا يستلزم الحركة، والحركة ممتنعة عن الله، ويش يصير إذن؟ يصير جمادًا أو ميتًا، فهذا هو اللي ما يتحرك، إذن كلامه بنفي صفات الكمال يستلزم إثبات نقيضها، وترى نقيضها غير ضدها ولَّا لا؟ عرفناكم فيما سبق الفرق بين النقيض والضد. (أو صفات المعدومات) (...) ولعله موجود ولكنه سقط من النساخ، أو وما أشبه ذلك صفات الممتنعات. إذا قال: إن الله ليس حيًّا ولا ميتًا. أقول: إنه إذا نفى ما وصف الله به نفسه من صفات الكمالات لزم أن نصفه بصفات النقائص (...) يقول: إن الله ليس بحي ولا ميت، وليس بعالم ولا جاهل، ولا بفاعل ولا بساكن، ويش معنى هذا؟ وصفه بالأشياء الممتنعة اللي ما يمكن في بداهة العقول أن توجد. (فيكون قد عطَّل به -إي بفعله هذا وهو النفي- صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله تعالى بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته). التعطيل والتمثيل كلاهما إلحاد؛ لأن المعطل نقص وفرَّط والممثل زاد وأفرط. المعطل اللي يقول: لا يُوصَف الله تعالى بالصفات الفلانية والصفة الفلانية هذا عطَّل نقص وفرَّط في دلالة النصوص. والذي يقول: يُوصف بهذا مع التمثيل يكون قد زاد وأفرط، كلاهما متطرف والوسط أن يُوصَف الله بما وصف به نفسه بدون تمثيل. وقوله: (مُلحدًا في أسماء الله وآياته) نعم، مُلحدًا في أسماء الله بأنه عطل الأسماء عن معانيها، فالرحمن عطَّله من الرحمة؛ لأنه سبق أنا قلنا: إن بعض المعطلة يسلب معاني أسماء الله تعالى عنه، ويقول: معنى الرحمن إما أنه اسم علم جامد فقط، وإلا أن الرحمن هو السميع وهو العليم إلى آخره؛ لأنها كلها مجردة عن المعاني. (أما إلحاده في آيات الله فقد وضح جدًّا؛ لأنه عطلها عن معانيها، وهذا إلحاد وميل بها، مثال ذلك: أن النصوص كلها دلت على وصف الله تعالى بالعلو، والفوقية على المخلوقات، واستوائه على عرشه، فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع).
العلو دلالته عقليه وسمعية؛ يعني دل عليه العقل والسمع، ما وجه دلالة العقل على العلو؟ وجه دلالة العقل على العلو أن نقول سؤالًا: هل العلو صفة كمال ولَّا صفة نقص؟! طلبة: صفة كمال. الشيخ: صفة كمال؟ هل الرب يجب له صفات الكمال، أو يجوز عليه صفات النقص؟! يجب له صفات الكمال ويمتنع عنه صفات النقص؛ إذن يلزم ثبوت العلو لله تعالى بذاته، أليس كذلك؟ فبهذا تبين دلالة العقل على علو الله، ووجه الدلالة ما أشرت إليه الآن بأن أقول: هل العلو صفة كمال أو صفة نقص؟ الجواب -بلا شك- عند جميع الناس أن يقول: إنه صفة كمال، إذا كان صفة كمال فهل الرب المستحق للعبادة متصف بالكمال، أو يجوز عليه النقص؟ متصف بالكمال؛ النتيجة فيلزم ثبوت العلو له، أعد علينا الدليل. طالب: دلالة أن الله سبحانه وتعالى متصف بالعلو بالعقل (...) الله سبحانه وتعالى متصف بالكمال (...) عالٍ على خلقه. الشيخ: (...). طالب: (...) دلالة العقل عليه؛ لأنه متصف بالكمال. الشيخ: طيب ما يخالف ويش وجه دلالة العقل على اتصافه بالعلو؟ طالب: متصف بالكمال. الشيخ: نعم، متصف بالكمال لا شك، هذا يدل على أنه متصف بالعلو (...)؟ طالب: نقول: هل العلو صفة كمال أو نقص؟ إذا كان كمالًا فدلالته بأنه مستحق للعبادة (...). الشيخ: تمام أحسنت، نقول: ما دام عندنا قاعدة مقررة أن الله متصف بصفات الكمال، فلنسأل: هل العلو صفة كمال أو نقص؟ كل سيجيب بأنه صفة كمال؛ إذن يجب ثبوت العلو لله عز وجل ما دام صفة كمال. دلالة السمع على علو الله كثيرة جدًّا وبصفة متنوعة أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: ١٦]، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥]، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨]. وقال النبي عليه الصلاة والسلم: «أَيْنَ اللَّهُ؟» . يقوله للجارية، فقالت: في السماء. وأشار النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة عرفة إلى السماء ليشهد الله تعالى على الخلق لما قال: «هَلْ بَلَّغْتُ؟». قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» . إذن فالعلو قد ثبت بالسنة القولية والفعلية والإقرارية، وثبت بالقرآن من وجوه متنوعة، هل لدينا أدلة زائدة على السمع والعقل؟ نقول: نعم، لدينا أدلة وهي الفطرة، فإن كل إنسان مفطور على علو الله؛ ولذلك لو أن الإنسان من غير أن يدرس أو يتعلم، لو سأل الله حاجة أين ينصرف قلبه؟ إلى علو، ما تلقى أي واحد يقول: يا رب، ويحط إيديه إلى الأرض، أبدًا، كل إنسان يقول: يا رب، ويحط إيديه إلى السماء؛ ولهذا قال أبو المعالي الجويني رحمه الله، كان من الأشاعرة الذين ينكرون عُلُوَّ الله، وكان يقرر هذا المذهب، ويقول: إن الله كان، ولم يكن شيء قبله، صح ولَّا لا؟ ثم قال: وهو الآن على ما كان عليه، أو قال: كان الله ولم يكن شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه. صحيح كان الله ولم يكن شيء معه؟ هذا صحيح، ثم قال: وهو الآن على ما كان عليه. إذا كان هو الآن على ما كان عليه، معناه ليس عاليًا على الخلق؛ لأنه ما معه شيء. فقال له الهمذاني: يا أيها الشيخ، دعنا من ذِكْر العرش، وأخبرنا -لن نتكلم بعد عن العرش- عن هذه الضرورة التي يجدها كل إنسان ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة في طلب العلو، صحيح هذا ولَّا لا؟ طلبة: صحيح. الشيخ: أي إنسان يقول: يا الله يجد من قلبه ضرورة في طلب العلو؟ فجعل أبو المعالي الجويني يلطم على رأسه ويقول: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاني، يكرر لأنه عجز أن يجيب عن الفطرة والضرورة القلبية التي تكون للإنسان بدون أن يتعلم، إذن دلالة الفطرة نضيفها إلى دلالة السمع. طالب: (...). الشيخ: هذا رجوع أمام الناس، يتحير، يمكن عاد -والعياذ بالله- يبدو له فيما بعد يصمم على رأيه أو لا، ما ذكر. الآن نقول: هذه ثلاثة أدلة، ما فيه أيضًا دليل رابع؟ وهو إجماع السلف على أن الله تعالى في العلو فتكون إذن أدلة العلو أربعة: السمع، ويشمل الكتاب والسنة، والعقل، والفطرة، والإجماع. قال المؤلف رحمه الله: (وأما الاستواء على العرش فطريق العِلْم به هو السمع). صحيح الاستواء على العرش طريق العِلم به السمع، العقل يهتدي له ولَّا يهتدي؟ العقل ما يهتدي أن الله استوى على العرش لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا بذلك، لم نعلم به، فعلى هذا يكون تحذف دلالة العقل على الاستواء على العرش، العقل ما يدل على أن الله استوى على العرش أو لا؟ لولا أن الله أخبرنا بهذا هل نعلم؟ طلبة: لا. الشيخ: لكن العلو العقل يدل عليه ولَّا ما يدل؟ يدل عليه كما قررنا قبل. قال المؤلف رحمه الله.. طالب: (...) السمع والعقل وإجماع السلف. الشيخ: (...) (وأما الاستواء على العرش فطريق العِلم به هو السمع، وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباينه ولا مداخله، فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفُلك والأنعام; كقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢]، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: ١٣]، فيتخيل له أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها. فقياس هذا أنه لو عُدم العرش لسقط الرب سبحانه وتعالى، ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستويًا ولا مستقرًّا ولا قاعدًا وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم) هذا واضح ولا يحتاج إلى شرح؟ طلبة: يحتاج. الشيخ: هذا المؤلف يقول: يظن المتوهم أولًا: أتى بالاستواء على العرش، الاستواء على العرش دليله سمعي، وليس له دليل عقلي فهو سمعي محض ينكر هذا المتوهم استواء الله على العرش بناءً على ظنه أن استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام مثل قوله فـ(على): لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: ١٣] فيتخيل أنه إذا كان مستويًا على العرش كان كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، يتخيل هذا؛ لأنه يعتقد أن الاستواء على العرش مثل استواء الإنسان على الفلك والأنعام، ومعلوم أن السفينة لو غرقت لغرق الذي عليها؛ لأنه محتاج إليها، ولو عثرت الدابة لسقط الذي عليها فهل إذا عُدم العرش يسقط الرب؟ طلبة: لا. الشيخ: على زعمه يكون كذلك، لما رأى أن هذا ممتنع على الله ماذا صنع؟ أنكر الاستواء، لما علم أن هذا مستحيل على الله عز وجل، قال: إذن ننكر الاستواء، وأقول: إن الله تعالى لم يستوِ على العرش ليش؟ لأنه فهم من استواء الله على عرشه أنه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، ومن المعلوم أن استواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام أن المستوي محتاج إلى ذلك بلا شك، فيلزم أن يكون الله محتاجًا إلى العرش بحيث لو ذهب العرش لسقط الرب، وهذا شيء مستحيل، هو الذي أوجب له أن ينكر استواء الله على العرش. يقول المؤلف: (ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار). يقول: (ليس استواؤه بقعود ولا استقرار) إذن ما هو استواؤه على رأيه؟ معروف عندهم يقولون: اسْتَوَىبمعنى (استولى)، ليس معناه استقر على عرشه، أو قعد عليه، وكلمة قعد، وإن كانت وردت في أثر ضعيف بلفظ: جلس على العرش، لكن هي أيضًا تنفر منها النفس؛ لأنها ليس مشهورًا، والمشهور أن الاستواء بمعنى العلو والاستقرار، لكن مع ذلك المؤلف رحمه الله أراد أن يحكي كلام غيره فيقول: (ليس استواؤه بقعود ولا استقرار)، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء؛ أي المعنى أنك إذا قلت: ليس بقعود ولا استقرار فإن القعود والاستقرار يلزم في مسماه ما يلزم في مسمى الاستواء؛ بمعنى أن من قعد على شيء كان مضطرًّا إليه كمن استوى عليه. (...) الرحيم، قال المؤلف -رحمه الله- عن موضوع الاستواء على العرش، وأنه لا يجوز أن نعتقد أن استواء الله على عرشه كاستواء الإنسان على الفلك والأنعام؛ لأن الله تعالى لم يذكر استواء مطلقًا بل ذكر استواء منه مقيدًا بالعرش، فاستوى هو على أي شيء؟ على العرش، فهو استواء من خاص على خاص، فلا يجوز أن يُجعل كاستواء المخلوق على المخلوق، وذكر المؤلف في هذا مثالًا آخر وهو الأيد وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧] كلمة بَنَيْنَاهَاهل أحد يتوهم أن بناء الله سبحانه وتعالى للسماء مثل بناء الإنسان للبيت يحتاج إلى (...) وما أشبه هذا؟ لا، إذن بناء الله للسماء خاص به كما أن استواءه على العرش خاص به. هل يكون الله تعالى محتاجًا إلى العرش بحيث لو أُزيل العرش لسقط الله؟ كلا، لكن الإنسان إذا استوى على الفلك فهو محتاج إليه، لو غرق الفلك لغرق الإنسان، لو عثرت البهيمة لسقط الإنسان، فبينهما فرق. ثم قال المؤلف: (ثم قد عُلِم أن الله خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرًا إلى سافله)، هذا مُسلَّم ولَّا غير مُسلَّم؟ طالب: مُسلَّم. الشيخ: نعم، (فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرًا إلى حمل الأرض له، والسحاب فوق الأرض وليس مفتقرًا إلى أن تحمله، والسماوات فوق الأرض وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها؛ فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه فكيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه أو عرشه؟! أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟!). إذن أتى المؤلف بدليل عقلي؛ وهو أن الشيء الأعلى لا يفتقر إلى الأسفل، وإذا كان الهواء لا يفتقر إلى الأرض وهو فوقها، والسحاب لا يفتقر إلى الأرض وهو فوقها، والسماوات لا تفتقر إلى الأرض وهي فوقها فكذلك الله سبحانه وتعالى فوق العرش فلا يفتقر إلى العرش. (وقد عُلم أن ما ثبت للمخلوق من الغِنى عن غيره فالخالق سبحانه وتعالى أحق به وأولى) أو لا؟ كل ما ثبت من غنى الإنسان عن غيره فالخالق به أولى، أنت مثلًا غني عن فلان وفلان، لست بحاجة إلى أن يساعدك في مال أو جاه أو بدن، إذن فالله تعالى أولى بالغِنى من غيره، فإذا كان الإنسان قد يكون غنيًّا عن غيره لا يحتاج إليه في أي شيء فالخالق من باب أولى. وكذلك قوله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك: ١٦] أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ. من الذي في السماء؟ الله، فَإِذَا هِيَ تَمُورُتضطرب. من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال بالاتفاق.
شوف أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِأرجو الانتباه (في) تأتي في اللغة العربية للظرفية، ومعلوم أن المظروف داخل الظرف أو لا؟ الماء في الإناء، الإناء محيط بالماء، والماء داخل الإناء، صح ولَّا لا؟ الإنسان في البيت، البيت محيط به، وهو داخل البيت، أو لا؟ الدراهم في الجيب، الجيب محيط بالدراهم، وهي في داخل الجيب. أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِقد يتوهم إنسان أن السماء محيطة بالله، وأن الله في داخلها؛ لأنه يعرف من معاني (في) الظرفية، والظرفية لا بد أن يكون الظرف محيطًا بالمظروف والمظروف داخل في الظرف، يقول المؤلف: (من توهم أن هذا معنى الآية أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِفهو جاهل ضال بالاتفاق).
وإذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك فإن حرف (في) متعلق بما قبله وبما بعده؛ فهو بحسب المضاف إليه؛ ولهذا يُفرَّق بين كون الشيء في المكان وكون الجسم في الحيز، وكون العَرَض في الجسم، وكون الوَجْه في المرآة، وكون الكلام في الورق فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصةً يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف (في) مستعملًا في ذلك. أرجو الانتباه يا جماعة، المؤلف رحمه الله يقول: حرف (في) متعلق بما قبله وبما بعده؛ يعني من حيث المعنى لا من حيث العمل (...) جار ومجرور متعلق بكذا، لا، قصده متعلق ما قبله وبما بعده بحسب المعنى. طالب: (...). الشيخ: مرتبط بحسب المعنى متعلق بما قبله وبما بعده، فينظر لما قبله وينظر لما بعده، ويُفسَّر في كل مكان بحسبه، فانظر إلى الأمثلة اللي قال المؤلف. إذا قال الإنسان: الشمس في السماء، فـ(في) هنا للظرفية، فالسماء محيطة بالشمس، وهي داخل السماء، والمراد بالسماء العلو كما هو معروف. وإذا قيل: الشيء في المكان، والجسم في الحيز بينهما فرْق؛ الشيء في المكان نحن الآن في الغرفة، جدران الغرقة محيطة بنا ملاصقة لنا؟ لا، لو كانت ملاصقة ما استطعنا (...)، غير ملاصقة لنا، لكنها محيطة، الجسم في الحيِّز، هذا الحيز محيط بالجسم ولَّا لا؟ محيط به؛ لأن الجسم ما يشغل إلا الحيز الذي هو فيه، فعلى هذا يكون محيطًا به ملاصقًا به، كذلك العرق في الجسم. طالب: (...). الشيخ: يصلح هذا وهذا، العرق في الجسم؛ يعني مثلًا تقول: الطول في البدن، الحمرة في الوجه، (...) بمعنى قولنا: الشيء في المكان ولَّا لا؟ لا؛ لأن الظرفية هنا غير الظرفية هناك؛ إذ إن هذا عرَض قائم بغيره، وأما الجسم في المكان فهو عيْن حالَّة في غيرها فبينهما فرق، كذلك أيضًا تقول.. طالب: (...). الشيخ: العَرض صفة، الوجه في المرآة، هل هذا مثل قولك: الوجه في جانب الرأس؟ طلبة: لا. الشيخ: أو لا؟ مع أن كلهم (في)، لكن الوجه في المرآة لو أن الْحُمرة مثل قولك: الوجه في جانب الرأس لكان الإنسان إذا (...) بمرآة وفيها وجه إنسان يتألم منه ولَّا ما يتألم؟ كان يتألم، أو واحد ينظر في المرآة (...) يتألم وجهه ولا ما يتألم؟ طلبة: يتألم. الشيخ: (...). طالب: (...) إذا كان (...). الشيخ: فيه واحد (...) الآن أمامك ووجهك فيها ضربت وجهك في المرآة فتألمت (...). الطالب: (...) في المرآة. الشيخ: الضرب في المرآة ما يمكن (...).
الطالب: (...). الشيخ: (...) تتألم؟ الطالب: نعم. الشيخ: إي طيب، على كل حال أن كلمة (في) مختلفة بحسب ما تضاف إليه، فيقول المؤلف رحمه الله: (وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق). واحد كتب كلمة في ورقة تقول: هذا الكلام في الورق، هل هو مثل قولك: هذا الجسم في المكان؟ لا؛ لأن الكلام في الورق عبارة عن نقوش وحروف كانت في الورق، أما الكلام نفسه فإنه إنما يخرج منين؟ من الفم. (وكون الكلام في الورق فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره وإن كان حرف (في) مستعملًا في ذلك، فلو قال قائل: العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل له: في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: الجنة في السماء، ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السماوات بل ولا الجنة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ» . فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك مع أن كون الجنة في السماء يُراد به العلو سواء كانت فوق الأفلاك أو تحتها، قال الله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج: ١٥]، وقال تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان: ٤٨]). الآن إذا قيل: العرش في السماء أو في الأرض ويش نقول؟ طلبة: في السماء. الشيخ: هل يلزم من كون العرش في السماء أن تكون السماء محيطة به وهو داخل السماء؟! لا؛ لأن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض، والكرسي فَضْل العرش عليه كَفَضْل الفلاة على تلك الحلقة، فهل يمكن أن يكون ما هذه سعته داخلًا في السماء ولَّا ما يمكن؟ ما يمكن، هذا مثل لو قال قائل: إنه يمكن أن تكون السماوات داخل بيضة، يمكن ولَّا ما يمكن؟ ما يمكن أن تكون السماوات داخل بيضة. كذلك ما يمكن أن يكون العرش داخل السماوات؛ لأنه أفضل من السماوات بكثير وكثير، فعلى هذا نقول: السماء يراد به العلو، وانظر إلى المثالين اللذين أتى بهما المؤلف: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلَى السَّمَاءِ؛ يعني إلى العلو ما هو السماء اللي هي السماء، بل إلى العلو كذلك وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، هل المراد السماء التي هي السماء؟ ويش المراد به العلو؟ ولهذا قال الله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤]، هذا صحيح، السماء والأرض هو المراد به السماء، لكن هنا وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًاالمراد به العلو. (ولما كان قد استقر في نفوس المخاطَبين أن الله تعالى هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: إنه في السماء؛ أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء. وكذلك الجارية لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء، إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها. وإذا قيل: العلو فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به؛ إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله كما لو قيل: العرش فوق السماء؛ فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق، وإن قُدِّر أن السماء المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها). يمكن (في) أحسن الظاهر، (وإن قُدِّر أن السماء المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها كما قال تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١]، وكما قال: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ [آل عمران: ١٣٧]، وكما قال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ [التوبة: ٢] ويقال: فلان في الجبل، وفي السطح، وإن كان على أعلى شيء فيه). المعنى يقول المؤلف رحمه الله الآن: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِلنا فيها ثلاثة تصورات؛ تصور باطل، وتصوران صحيحان. التصوير الباطل أن نظن أن معنى كونه في السماء أن السماء تحيط به، وأنه داخلها، فهذا تصور باطل يبطله العقل والشرع، وأتى المؤلف بأمثلة تدل على أن (في) تكون للظرفية ولكن بحسب ما تُضاف إليه بحسب ما قبلها وما بعدها. التصور الثاني: أن نقول: إن المراد بالسماء هنا العلو، وتكون (في السماء) أي: في العلو لا في الأجرام المعينة، ولا شك أن الله تعالى في العلو وليس في السفل، واضح هذا ولَّا لا؟ طلبة: واضح. الشيخ: يطالبنا إنسان فيقول: هاتوا لنا دليلًا على أن السماء يُراد بها العلو، فماذا نقول؟ طالب: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. الشيخ: مثل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًايعني من العلو، ومثل: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِأي إلى العلو، وكما يقال: الجنة في السماء؛ يعني في العلو، ليس معناه أن السماء محيطة بها؛ لأن الجنة فوق السماء، هذا واحد. التصور الثالث: أن نجعل (في) بمعنى (على) يكون معنى: مَنْ فِي السَّمَاءِأي من على السماء، وإذا كان عليها لا يمكن أن تكون محيطة به؛ إذ الشيء العالي على الشيء ما يلزم أن يكون هذا الشيء محيطًا به. طيب هل إذا قلنا: (في) بمعنى (على) نحتاج إلى الإتيان بشاهد يدل على أن (في) بمعنى (على)؟ الجواب: نعم، نحتاج إلى هذا، نأتي بشاهد مثل: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِفِي جُذُوعِهل المعنى أصلبكم في جوف الجذوع؟ لا، (...) الإنسان في جوف جذع؛ يعني بمعنى أنه يُقطع الجذع (...)؟ لا، ولكن معنى فِي جُذُوعِ النَّخْلِأي على جذوع النخل، كذلك سِيرُوا فِي الْأَرْضِاحفروا خنادق وادخلوا فيها؟ لا سِيرُوا فِي الْأَرْضِيعني على الأرض، فتبين بهذا أن (في) تأتي بمعنى (على)، والحاصل أن قول الله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِلها ثلاثة تصورات: تصور باطل لا يليق بالله، ولا يجوز أن يتوهم متوهم ذلك، ومن توهمه فهو ضال خاطئ، وهو التصور هذا ما هو؟ أن نجعل (في) للظرفية، وأن السماء محيطة بالله وهو داخلها، هذا شيء ممتنع ولا يجوز، ولم يرد الله تعالى بقوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِهذا المعنى ما أراده أبدًا. التصور الثاني: أن نجعل السماء بمعنى العلو، وتكون (في) للظرفية على ما هي عليه وفِي السَّمَاءِأي في جهة العلو، وهذا المعنى صحيح، وله شواهد تدل على أن السماء يراد بها العلو، منها قوله تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًاوقد عُلِم أن الماء الطهور لا ينزل من السماء نفسها، وإنما ينزل من السحاب المسخَّر بين السماء والأرض..