تفسير سورة فصلت - ٦
درس صوتي · ٩٠:٢٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
الذي تُقُبل منه هو هابيل، والثاني قابيل لم يُتقبل منه، فحسده، وقال: لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة: ٢٧]، لماذا؟ حسدًا؛ لأن الله تقبل منه فقال له أخوه هابيل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]، كأنه يقول له: اتق الله فيتقبل منك. ثم قال له: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة: ٢٨] يعني: أنك إن أردت أن (...) لأني أخاف الله، ولعل هذا كان في شريعة من سبق أنه لا يجوز للإنسان أن يدافع عن نفسه، أو أنه خاف من مفسدة أكبر، ومعلوم أن دفع المفسدة الأكبر أمر واجب. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ [المائدة: ٢٩، ٣٠] أي: سهلته له فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: ٣٠]، فكان قابيل أول من سن القتل بغير حق، وصارت كل نفس تُقتل بغير حق فعلى قابيل شيء من وزرها، والعياذ بالله؛ لأنه أول من سن القتل، ومن سن سُنَّة سيئة فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، لكن هل الأمر -كما قال المؤلف- إنه الشيطان؛ يعني إبليس الذي أبى واستكبر عن السجود لآدم وقابيل، أو المراد الجنس؟ الصواب: الثاني بلا شك؛ لأن كثيرًا من الكافرين لا يخطر ببالهم أنهم كفروا تأسيًا بالشيطان الذي أبى واستكبر، وكثير من القتلة لا يتأتى بباله أنه فعل ذلك تأسيًا بقابيل، فإذا كانت الآية تدلُ بلفظها على العموم والمعنى يقتضي ذلك فإنه لا وجه لكوننا نخُصُها بمعين. وهذه قاعدة يجب أن نفهمها من قواعد التفسير: أن اللفظ العام لا يجوز أن يُقتصر فيه على بعض أفراده إلا بدليل، فإن لم يكن دليلٌ فالواجب العموم. هنا نقول: الواجب العموم؛ لأن اللفظ عام؛ ولأن المعنى يقتضيه؛ لأن كُل إنسان كافر قد لا يخطُر بباله أنه متأسٍّ بالشيطان؛ بإبليس، كلُ إنسان يقتُل عمدًا بلا حق لا يخطُر بباله أنه قتل تأسيًا بقابيل، وحينئذ فاللفظ لا يساعد، والمعنى لا يساعد؛ أعني: لا يساعدان على التخصيص بإبليس وقابيل. وقولُه: أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [فصلت: ٢٩]، (الجن) -على كلام المؤلف- هو إبليس، والإنس: قابيل. والصواب: العموم. فإن قال قائل: نحن نعلم أن الإنسان يضله البشر، يأتي إنسان سيء ويضله، لكن كيف يكون من الجن؟ نقول: لأن الجن وعلى رأسهم الشيطان يأمر الإنسان بالفحشاء ويأمره بالمنكر ويأمره بالكفر فيكون بذلك مُضلًّا له، أرأيتم ما حصل من آدم وزوجه ألم يكُن الشيطان قد أضلهما؟ بلى، قد أضلهما؛ نهاهما الله عن الأكل من الشجرة فجاء الشيطان ودلاهما بغرور وجعل يُقسم لهما أنه ناصح، ووسوس إليهما حتى أكلا من الشجرة. نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا [فصلت: ٢٩] (نجعلهما): بالجزم جواب الأمر في قوله: أَرِنَا [فصلت: ٢٩] يعني: إن أريتنا إياهما نجعلهما تحت أقدامنا في النار، ولا شك أن الذي يجعله الإنسان تحت قدمه قد أذله أعظم إذلال، ولهذا من الأمثال السائرة أن الإنسان إذا أراد إعزاز شخص قال: أنت مني على الرأس، وإذا أراد إذلاله قال: أنت تحت قدمي، فهم يقولون: أرنا هذين الذين أضلانا نجعلهما تحت أقدامنا. لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩] (أي: أشد عذابًا منا)، كما كانا عاليين علينا من قبل فلنجعلهما نحن الآن تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين. من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الكفار بربوبية الله، وأنه المجيب للدعاء لقولهم: رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا [فصلت: ٢٩] وهذا كلام الكفار. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له أن يبتعد، بل يجب عليه أن يبتعد عن قُرناء السوء؛ لقوله: اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [فصلت: ٢٩]، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من جليس السوء فقال: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمُ مَنْ يُخَالِلُ» أي: على دين صديقه ومحبه «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمُ مَنْ يُخَالِلُ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الْجَلِيسِ السُّوءِ كَنَافِخِ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ خَبِيثَةً» ، فاحذر قرين السوء، لا تجتمع به، لا تُصادقه، لا تستأمنه على أي شيء. ومن فوائد الآية الكريمة: تبرؤ التابعين من المتبوعين يوم القيامة، ويشهد لذلك قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ [البقرة: ١٦٦]، فالمتبوعون في آية البقرة يتبرؤون من التابعين، كما أن التابعين أيضًا يتبرؤون من المتبوعين. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإضلال يكون من الجن والإنس؛ لقوله: أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [فصلت: ٢٩] فمصاحبة الإنسي للإنسي واضحة، مُصاحبة الجني للإنسي أيضًا مستفادة من قوله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت: ٢٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: شدة حنق هؤلاء الضالين على المضلين؛ لقوله: نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٩].
تفسير الآيات (٣٠-٣٢)
٠٠:٠٧:٥٧
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠].
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت: ٣٠] قالوا بألسنتهم وقلوبهم، ولا يكفي مجرد القول باللسان؛ لأن القول باللسان يقعُ من المنافق ومن المُخلص، لكن المراد القول باللسان والقلب. قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُوهذا القول الذي قالوه ليس مجرد قول على اللسان واعتقاد بالجنان، بل هو مستلزم لطاعة الله عز وجل، ولهذا قال: ثُمَّ اسْتَقَامُواأي استقاموا على طاعة الله، فالإيمان في القلب والاستقامة في الجوارح، لم يكتف الله بالثناء عليهم وبيان جزائهم على الإيمان بالقلب، بل لا بد من الاستقامة، قال: ثُمَّ اسْتَقَامُواقال المؤلف: (على التوحيد وغيره مما وجب عليهم) صحيح؛ يعني: استقاموا على التوحيد، فلا إشراك، استقاموا على الاتباع فلا بدعة، استقاموا على الطاعة فلا معصية، استقاموا على الخير فلا شر، وهلم جرًّا. وتأمل قوله: ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت: ٣٠] أتى بـ(ثم) الدالة على الترتيب بمهلة؛ يعني: أن إيمانهم لم يكن إيمانًا خاطفًا، آمنوا ثم زال؟ لا؛ إيمان مستقر؛ لأنهم استقاموا على دين الله عز وجل، وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم، سأله رجل فقال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك -يعني: قولًا فصلًا- فقال له: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» ، وهو مأخوذ من هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت: ٣٠]. وقوله: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ [فصلت: ٣٠] (تتنزل) مدلولها يخالف مدلول (تنزل)؛ لأن (تتنزل) فيها زيادة على (تنزل) ما الزيادة؟ التاء، فهذه الزيادة تقتضي معنيين: المعنى الأول: أن تنزُّلَهم يكون شيئًا فشيئًا، (تتنزل) لا تنزل دفعة واحدة. والثاني: أن التنزل أو النزول متكرر تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُيعني كلما دعت حالُهم إلى تنزل الملائكة عليهم تنزلت عليهم، فصار الفرق الآن بين (تنزل) و(تتنزل) من وجهين: الوجه الأول: أن (تَنزَّل) تعني النزول مرة واحدة ودفعة واحدة، و(تتنزل) تقتضي تكرار النزول، وأنه يكون شيئًا فشيئًا. عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُسبق الكلام على ذكر الملائكة، وقول المؤلف: (عند الموت) فيه نظر؛ لأن الله تعالى لم يُقيد ذلك، فالظاهر أن الملائكة تتنزل عليهم كلما دعت الحال إلى النُزُول عند الموت وعند الخوف وعند المعارك، وفي كل حال تقتضي أن تنزل الملائكة عليهم؛ لأن الله أطلق. تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُأَلَّاأي: (بأن لَّا تَخَافُوامن الموت وما بعده وَلَا تَحْزَنُواعلى ما خلفتم من أهل وولد فنحن نخلفُكم فيهم). نحن نقول: ألَّا تخافوا من مستقبلكم ولا تحزنُوا على ماضيكم؛ لأن الإنسان عند الخوف إما أن يخاف من المستقبل أو يحزن على ما مضى، فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، لم يحدث لي الخوف مثلًا، فالملائكة تتنزل عليهم فتقول: لا تخافوا من المستقبل ولا تحزنوا من الماضي، وقدم الخوف من المستقبل؛ لأنه أهمُ من الحزن على ما مضى؛ لأن مستقبل الإنسان هو الذي يجعلُه يسير أو يتوقف، فلهذا بدأ به قبل ذكر الحُزن، وإذا جعلناه مثلًا مما يدعو إلى التنزل حال الموت فالإنسان عند الموت حالُه تقتضي أن يُزاد قوةً ونشاطًا على الإيمان والتوحيد، فتتنزل عليهم الملائكة عند الموت أيضًا وتبشرُهم بهذا. أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠] (أبشروا) هذه هي من البشارة وهي الإخبار. وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَالبشارة: هي الإخبار بما يسر، وسُميت بشارة؛ لأنه إذا سُر الإنسان ظهرت علامة السرور على وجهه فتغيرت بشرة الوجه، وقد تُطلق البشارة على الإخبار بما يسوء من باب التهكم، قال الله تعالى: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٣٨]، وقال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]، مع أن هذا مما يسوء، لكنه على سبيل التهكم بهم، كما تقول أنت للعاصي: أبشر بسوء العاقبة، أبشر بالنار، وما أشبه ذلك مما يكون تهكُمًا به. أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَالجنة هي الدار التي أعدها الله لأوليائه وفيها -كما في القرآن الكريم- لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] وفيها كما جاء في الحديث القدسي: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» . بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَمن وعدهم بها؟ وعدهم الله عز وجل، قال الله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التوبة: ٧٢]. (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاأي: نحفظُكم فيها وَفِي الْآخِرَةِأي: نكُون معكم فيها حتى تدخُلوا الجنة وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] تطلُبون). تقول لهم الملائكة: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت: ٣١] يعني أن الملائكة تتولى المؤمنين؛ تحثُهم على الخير وتُحذرُهم من الشر؛ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن «لِلْمَلَكِ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةٌ وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ» ، فلمة الملك إيعاد بالخير وحث على الطاعة، ولمة الشيطان بالعكس. وقوله: (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاأي: نحفظكم فيها)؛ وذلك أن الإنسان إذا كانت الملائكة معه فإنها تسدده وتدُلُه على الخير وتحثه عليه. وَفِي الْآخِرَةِيتولونهم أيضًا فإن الملائكة تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠٣]، وفي الجنة تدخل عليهم الملائكة من كل باب: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد: ٢٤]، فهم أولياء المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم. وَلَكُمْ فِيهَاأي: في الآخرة مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] كل ما اشتهاه الإنسان وإن لم يطلبه فإنه يحضُر بين يديه، وكذلك أيضًا كل ما طلبه فإنه يحضُر بين يديه، في الدنيا لا يتسنى للإنسان ما يشتهيه حتى لو طلب وكرر الطلب فإنه قد لا يأتيه، لكن في الآخرة مجرد ما يقع في قلب الإنسان أنه يشتهي كذا يحضر. كذلك أيضًا ما يطلبون، ما يطلبونه يحضُر أيضًا، ويأتيهم أيضًا ما لا يخطر على بالهم، كما قال تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥] يعني يأتيك من النعيم ما لم تطلبه وما لم تشتهه نفسك؛ لأنه لم يخطُر على بالك. (نُزُلًا [فصلت: ٣٢] رزقا مُهيئًا منصوب بجُعل مقدرًا) أي: جُعل نُزُلًا (مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت: ٣٢]، وهو الله عز وجل؛ لأنهم لم يصلوا إلى الجنة إلا بمغفرته ورحمته. طالب: بارك الله فيكم، في قولنا: إن تقييد نزول الملائكة في الآخرة بالموت في قصر الآية هل هذا يصلح أيضًا على قوله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: ١٢٤]؛ لأن أكثر المفسرين على أنها في القبر؛ في الآخرة، إنما الآية عامة؟ الشيخ: وهو كذلك، الآية عامة ويدُل لعمومها قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] فإن مفهومها أن من لم يتصف بذلك فليس له حياة طيبة. الطالب: ما الذي حملهم على اتفاقهم يا شيخ على الآخرة؟ الشيخ: لعلهم فهموا أن السياق يدُل على هذا، فهنا مثلًا: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠] البشارة بالجنة حقيقة إنما تكون عند الموت، فلعله السياق ظنُوا أنه يقتضي التخصيص. طالب: قولُهم يا شيخ -بارك الله فيك: رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ [فصلت: ٢٩] هذا يا شيخ أليس فيه إقرار بالألوهية كما هو إقرار بالربوبية؟ الشيخ: أليس فيه إقرارًا؟ الطالب: بالألوهية، توحيد العبادة؛ لأن الدعاء من أنواع العبادة. الشيخ: يعني كونُهم دعوا الله عز وجل؟ لا، دعاء الله تعالى يكون حتى في الدنيا لكنهم يدعُون الله تعالى في الضراء وينسونه في السراء، وهناك أيضًا في الآخرة ربما يُقرون بهذا؛ يعني يُقرون بأنه حق لا إله إلا الله، ولكن لا ينفعُهم هذا الإقرار. طالب: يا شيخ ذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الملك له من الإنسان لمة وللشيطان لمة (...). الشيخ: قد ترد اللمتان في آن واحد، فيهوى الإنسان الخير وإذا بالشيطان يصُدُه عنه، وقد يكون لم يطرأ على باله فعل الخير والشيطان قد وسوس له بالشر. طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، الدعاء هنا يا شيخ هل هو خاص بكَفَرَة الإنس أم جميع الكفار الجن والإنس؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: دعاؤهم عندما قالوا: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا [فصلت: ٢٩] هل هو خاص بكفرة الإنس أم شامل كفرة الإنس والجن؟ الشيخ: يشمل هذا وهذا؛ لأن الجن يدخُل كافرُهم النار بالإجماع. طالب: يا شيخ، لماذا أتت الآية بصيغة الماضي: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا؟ الشيخ: هذا سؤال جيد، يقول: هذا القول هل حصل أو سيحصُل؟ الجواب: لم يحصل لكنه على حكاية الحال، أو يُقال: إنه لما تحقق وقوعه صار بمنزلة الماضي كقوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] فإن أمر الله لم يأتِ بعد؛ بدليل قوله: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]. طالب: ألا يمكن أن يُقال: إن قول الكافرين أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَافذلك في النار، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا [فصلت: ٢٩]؟ الشيخ: نعم، لا يدل؛ لأنه يمكن يجعلوهم تحت أقدامهم وهم في عرصات القيامة، لا يلزم أن يكون هذا في النار. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يكون من جميع الجن أم من جنس أو نوع خاص؟ الشيخ: من المعلوم أن الجن فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك، وفيهم المسلمون وفيهم الكفار، فالذي يُضل إنما هو الكافر، أما الجني المؤمن فلا يضل. الطالب: لكن يا شيخ -أحسن الله إليك- هل جميع كفار الجن مكنهم الله عز وجل من إغواء الإنس؟ الشيخ: لا، ما هو على كل حال، لكن أصل كُفر الإنسان أصله من الشيطان والنفس، والشيطان من الجن لا شك فيه: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف: ٥٠]. طالب: فضيلة الشيخ، قول الله عز وجل على حكايةً عن ابن آدم الأول: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ [المائدة: ٢٨]، ذكرتُم أن هذا شرع من قبلنا وأن شرعنا جاء بخلافه فهل يكون هذا في شرعنا فيما يخُصُ الفتن يا شيخ؟ الشيخ: بلى، هذا فيه فتنة، لكن مسألة قابيل وهابيل ما فيها فتنة، ولهذا أمر الرسول عند الفتنة أن يكون الإنسان كخير ابني آدم، فيكف كما فعل عثمان رضي الله عنه حين ثار عليه الثُوار وأراد الصحابة أن يدافعوا عنه أمر بالإمساك.
طالب: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣١ - ٣٣]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا [فصلت: ٣٠] متى يكون هذا التنزل؟ طالب: في كل حال، ومنها عند الموت. الشيخ: نعم في كُل حال يحتاجون إلى التأييد والتثبيت، ولا سيما عند الموت، يشهد لهذا قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢]. عَبَّر بقوله: (تتنزل) دون (تنزل) لماذا؟ طالب: لسببين: الأول التدرج في التنزل، الثاني: في التكرار والاستمرار. الشيخ: أحسنت، قوله: أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠] ما هي البشارة؟ طالب: البشارة هي تبليغ الناس بالمرغوب به. الشيخ: الإخبار بما؟ الطالب: يَسُرُّ. الشيخ: وهل تأتي لغير ذلك؟ الطالب: نعم، تأتي بما يسوء، تأتي أحيانًا بما يسوء. الشيخ: مثاله؟ طالب: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٣٨]. الشيخ: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًاأحسنت. هذه البشارة هي على معناها الحقيقي أو يُراد بها شيء آخر؟ الطالب: يُراد بها التنكيل عليهم (...). الشيخ: التهكم، يُراد بها التهكم، مثل قوله تعالى: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٨، ٤٩] هذا يُقال له تهكمًا فيه، نعم: نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت: ٣١] كيف كانوا أولياءهم في الحياة الدنيا؟ طالب: أولياؤهم في الحياة الدنيا يعينهم على فعل الخيرات ويحذرونهم فعل المنكرات. الشيخ: إي نعم، هل لهذا ما يشهد له في الحديث؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ» . الشيخ: أحسنت. أظن وقفنا على قوله: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١]؟ قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] أي: ما تطلبون فكل ما تشتهيه النفس ولو بلا طلب يحصل، وكل ما يطلبون فإنه حاصل مهما كان يقول الله تعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق: ٣٥]. قال: (نُزُلًا [فصلت: ٣٢] رزقًا مهيئًا منصوب بجُعِل مقدرًا) يعني على تقدير المؤلف أن (نزلًا) مفعول ثانٍ لـ(جُعل) المحذوف، جُعل نزلًا، ومفعولها الأول هو نائب الفاعل؛ لأن نائب الفاعل ينوب عن المفعول به ينوب مفعول به عن فاعل. يقول: نُزُلًاأي: جُعل نزلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍوهو الله عز وجل، وذكر المغفرة والرحمة؛ لأنهم بمغفرة الله ورحمته وصلوا إلى هذا، فبمغفرته للذنوب نُقُّوا منها، وبرحمة الله تعالى صاروا أهلًا لدخول الجنة. مِن فوائد الآيات: أولًا: أن مجرد العقيدة لا يُغني شيئًا حتى يكون معه عمل؛ لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت: ٣٠] وما يقوله كثير من الناس: نحن على العقيدة. هذا حق لا شك ويُمدحون عليه، لكن لا بد أن يُقال: نحن على العقيدة والعمل الصالح؛ إذ لا بد من العمل. ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الاستقامة، الاستقامة على أي شيء؟ على دين الله عز وجل أن يثبت عليه ويستقيم عليه ولا يتغير. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى سخر الملائكة لبني آدم في مواطن كثيرة، كما في هذه الآية وكما في قول الله تبارك وتعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، وكما سخرهم الله تعالى يجلسون على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول، إلى غير ذلك من المواطن التي جاءت في الكتاب والسنة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة التي تتنزل على هؤلاء المؤمنين المستقيمين تبشرهم بأمرين بل بثلاثة أمور:
أولًا: أنه لا خوف عليهم، والثاني: أنهم لا يحزنون، والثالث: أن الجنة مأواهم، وقد سبق الفرق بين الخوف والحزن. ومن فوائد الآية الكريمة: تحقيق البشرى بما يؤيدها؛ يعني: لا يكفي أن تقول لفلان: أبشر بالخير. حتى تبين ما يؤيد هذه البشرى، يُؤخذ من هذه الآية وهي قوله: الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، وذلك لعلمهم بأن وعد الله لا يُخلف. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة أولياء لمن آمن واستقام في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أما الحياة الدنيا فهي حفظهم من المعاصي والزلل وتهيئتهم للعمل الصالح ومعونتهم على ذلك وتثبيتهم عليه، وأما في الآخرة فلا تسأل، فإن الملائكة تتولاهم وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ [الأنبياء: ١٠٣]، وكذلك أيضًا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [الرعد: ٢٣]، في الجنة إلى غير ذلك مما ذكر الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن للذين آمنوا بالله واستقاموا في الجنة ما تشتهيه الأنفس، وفي آية أخرى: مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] فيكون لأهل الجنة فيها متعتان: المتعة الأولى بالذوق والطعم، والثانية: بالرؤية والنظر. ومِن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة كل شيء يُطلب؛ لقوله: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١] فكل ما يطلبون فإنه موجود في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. ومِن فوائد هذه الآية الكريمة: أنهم يُؤْتَوْن هذا الرزق في الجنة على أنه إكرام وكرامة؛ لقوله: نُزُلًاوأصل النزل ما يُقدَّم للضيف من الكرامة. ومن فوائد الآية أيضًا: أنهم إنما وصلوا إلى ذلك بمغفرة الله ورحمته لقوله: نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت: ٣٢]، ولولا ذلك ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» ، فالإنسان لا يصل إلى الجنة بالعمل، ووجه ذلك أنه لو قُوبل العمل بالنعمة التي أنعم الله بها على الإنسان لم يكن شيئًا؛ إذ إن نِعَم الله لا تُحصى ولا تُعد، بل قال بعض أهل العلم: إن شكر نعمة الله على النعمة نعمةٌ يحتاج إلى شكر ثانٍ، والشكر الثاني نعمة يحتاج إلى شكر ثالث، وهلم جرًّا، وعليه يقول الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً
عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ
وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ
ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور، الرحيم. وهنا نعطيكم قاعدة مفيدة في الأسماء الحسنى: الأسماء الحسنى تدل على الذات والصفة دلالة مطابقةٍ وتَضَمُّنٍ ودلالة التزام، فـ(غفور) يدل على أن هناك غافرًا وهو الله، ويدل على صفة المغفرة له؛ إذ لا يمكن أن يوجد اسم مشتق لا يوجد في موصوفه أصل الاشتقاق، ولهذا لا تقول للأعمى إنه بصير ولا للأصم إنه سميع، فلا بد إذن من إثبات الذات المتصفة بما دل عليه الاسم، ولا بد من إثبات الصفة التي اشتق منها الاسم. لا بد أيضًا من إثبات لازم تلك الصفة لا بد من هذا، مثال ذلك قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]، فأخبر أنه خلق وبَيَّن أنه أخبرنا بذلك؛ لنعلم أنه على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فكيف دلت صفة الخلق على العلم والقدرة؟ لأنه لا يمكن خلق إلا بعلم، يعلم كيف يخلق، ولا يمكن خلق إلا بقدرة، ولهذا من لا علم له لا يمكن أن يخلق، ومن عنده علم ولكنه عاجز لا يمكن أن يخلق، أرأيت لو أن شخصًا أراد أن يصلح مُسجلًا هل يمكن أن يصلحه إلا بعلم كيف يصلحه؟ لا يمكن، وهل يمكن أن يصلحه وهو عاجز أشل؟ لا يمكن. إذن: الخالق من أسماء الله تتضمن الدلالة على الذات وهو الله، وعلى صفة الخلق، وعلى صفة العلم، وعلى صفة القدرة. تدل على صفة الخالق الذي هو ذات الله عز وجل، وعلى صفة الخلق بالتضمن والمطابقة، كيف بالتضمن والمطابقة؟ إذا أُخِذ اللفظ بكامل معناه سُميت الدلالة مطابقة، وإذا أخذ ببعض معناه صارت الدلالة تضمنًا، وإذا أُخذ بما يلزم على ذلك صارت الدلالة التزامًا.
فدلالة الخالق على الذات وصفة الخلق؟ المطابقة، ودلالتها على الذات وحدها؟ تَضَمُّنٌ، وعلى الخلق وحده؟ تَضَمُّن، وعلى العلم والقدرة؟ التزام. نضرب مثلًا في المحسوسات تقول مثلًا: لي دار، الدار كما نعلم تتضمن حجرًا وغرفًا وساحات وأبوابًا وشبابيك وما إلى ذلك، دلالة هذه الكلمة (دار) على مجموع هذا؟ دلالة مطابقة يا إخواني مطابقة، ودلالتها على كل غرفة وحجرة وشباك؟ تضمُّن، ودلالتها على أن لهذا البيت بانيًا؟ التزام. أسماء الله تعالى تجرى على هذا، كذلك أيضًا يقولون: إذا كان الاسم متعديًا فلا بد من الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والإيمان بما دل عليه من صفة، والإيمان بما يترتب على تلك الصفة من أفعال. فـ(الغفور) لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأن الله تعالى تسمى بهذا الاسم (غفور)، فتؤمن بأن الغفور اسم من أسماء الله، لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة المغفرة، لا بد أن تؤمن بأن الله يغفر، بمقتضى هذا الاسم يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٨٤]، فانتبهوا لهاتين القاعدتين: الدلالة دلالة الاسم على المعنى تتضمن ثلاث دلالات: مطابقة، تضمُّن، التزام. ثم الاسم من أسماء الله إذا كان متعديًا فلا يتم الإيمان به إلا بثلاثة أمور: أن تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، أن تؤمن بما دل عليه من صفة، أن تؤمن بما يترتب عليه من أثر، فإذا كان الاسم غير متعدٍّ فلا بد من الإيمان بأنه اسم من أسماء الله، وبما تضمنه من صفة، وليس له أثر؛ لأنه غير متعدٍّ، فـ(الحي) -مثلًا- الحي اسم من أسماء الله لا يتم الإيمان به حتى تؤمن بأنه اسم من أسماء الله، وبأن الله متصف بما دل عليه من صفة، وهي: الحياة، هل له أثر؟ لا، الحياة صفة لازمة ما تتعدى، لكن السميع؟ متعدٍّ، السميع ذو سمع يسمع به، البصير ذو بصر يبصر به.
تفسير الآيات (٣٣-٣٦)
٠٠:٤٠:٢٤
ثم قال عز وجل: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣] هذه ثلاثة أوصاف إذا اتصف بها الإنسان فلا أحسن من قوله. يقول الله عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًاأي: لا أحد أحسن قولًا) تفسير المؤلف لهذه الجملة يفيد أن (من) اسم استفهام لكنه بمعنى النفي، (من أحسن) يعني: لا أحد أحسن، إذا جاء اسم الاستفهام أو إذا جاء الاستفهام بمعنى النفي فإنه مُشْرب معنى التحدي، أيهما أبلغ أن تقول: لا أحد أحسن قولًا ممن دعا إلى الله، أو أن تقول: من أحسن؟ الثاني أبلغ؛ لأن الثاني يتضمن النفي ويتضمن التحدي كأنه يقول: ائت لي ببينة على أن هناك أحدًا أحسن ممن دعا إلى الله، كل استفهام جاء بمعنى النفي فإنه مُشرب معنى التحدي؛ لأنك إذا قلت: من كذا؛ يعني معناه: أتحداك أن تأتي لي بشيء سوى ذلك، فـ(من أحسن) أشد نفيًا من قول: لا أحد أحسن؛ وذلك لأنها جملة استفهامية مُشربة معنى التحدي. (أحسن) هذه خبر المبتدأ، و(من) هو المبتدأ، و(قولًا) تمييز؛ لأنه كلما جاءك اسم منصوب بعد اسم التفضيل فهو تمييز له. مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِقال المؤلف: (بالتوحيد) وهذا لا شك حسن، لكن الآية أشمل من التوحيد مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِبالتوحيد والعمل الصالح، وغير ذلك (...) إلى الله. وقوله: مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِيعني إلى دين الله، ودين الله يتضمن التوحيد والأعمال الصالحة. ثانيًا قال: وَعَمِلَ صَالِحًافبدأ بإصلاح الغير ثم ثنى بإصلاح النفس، مع أن من دعا إلى الله فهو مصلح لنفسه أيضًا. وَعَمِلَ صَالِحًا(صالحًا): صفة لموصوف محذوف، التقدير: وعمل عملًا صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا بشرطين هما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. صالحًا ويش إعرابه؟ طالب: (...). الشيخ: لا، قلنا: إنها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل عملًا صالحًا. متى يكون العمل صالحًا؟ طالب: إذا أخذ فاعله بشرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم. الشيخ: أحسنت، الإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فعمل المرائي أَعَمَلٌ صالحٌ هُوَ؟ الطلبة: لا. الشيخ: فقد الإخلاص. وعمل المبتدع أصالح هو؟ لا؛ لفقده المتابعة، وحينئذ نقول لهؤلاء المبتدعين الذين عندهم من الإخلاص لله ما عندهم: إن عملكم حابط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . ثم نقول: حقيقة الإخلاص تستلزم ألا تعبد الله إلا بما شرع، لا تعبده بهواك؛ لأنك إذا عبدت الله بهواك بالبدعة فأنت غير مخلص، المخلص لا بد أن يعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع، فصار العمل الصالح ما تركب من شيئين: الأول: الإخلاص. والثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣] قال باللسان أو بالقلب؟ بهما جميعًا. فإن قال قائل: قوله: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَهو من العمل الصالح لا شك، فما الفائدة من ذلك؟ قلنا: الفائدة أنه يعلن هذا القول ولا يبالي بمن خالفة؛ لأن من الناس من يعمل صالحًا، لكنه تجده متسترًا ليس عنده الشجاعة التي تجعله يعلن ذلك، أما هذا فإنه يُعلن ويقول بلسان المقال غير مبالٍ: إنني من المسلمين. والجملة كما تعلمون (إنني) مؤكدة بـ(إن)، ذكر بعض أهل العلم أن المراد بذلك المؤذن؛ لأن المؤذن يدعو إلى الله يقول للناس: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ولأنه مؤمن عامل صالحًا؛ ولأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يعلنها، وأشهد أن محمد رسول الله، وهذا معنى قوله: إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. لكن الصحيح أن الآية عامة تشمل المؤذن وغير المؤذن، الخطيب على المنبر يدخل في الآية ولّا لا؟ يدخل في الآية، المعلم في حلقة تعليمه يدخل في ذلك، فالآية أعم مما ذكر. ولكن اعلم أن بعض السلف يذكر للآية معنى خاصًّا لا يريد حصرها في هذا المعنى وإنما يريد التمثيل، وهذه مسألة قد تفوت على بعض الناس، دائمًا ننظر في ابن كثير أو ابن جرير أنه قال: فلان كذا. لجزء المعنى، فَهُمْ لا يريدون أن يقصروا العام على الخاص؛ لأنهم أعلم من أن يقتصروا على بعض أفراد العام مثلًا، لكنهم يريدون التمثيل. مثال ذلك مثلًا قال بعض العلماء: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر: ٣٢] قال: الظالم لنفسه الذي يؤخر الصلاة عن وقتها، المقتصد الذي يصليها في آخر الوقت، السابق بالخيرات الذي يصليها في أول الوقت، هذا لا شك أنه حصر، بل لا شك أنه تخصيص للعام، فنقول: أرادوا بذلك التمثيل. من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال لقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا [فصلت: ٣٣]، و(أحسن) اسم تفضيل، ولا شك أن الأعمال تتفاضل باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة؛ ثلاثة اعتبارات: باعتبار الجنس وباعتبار النوع وباعتبار الهيئة والكيفية. تتفاضل باعتبار الجنس: فمثلًا الصلاة أفضل من الزكاة، الزكاة أفضل من الصوم، الصوم أفضل من الحج، هذا باعتبار الجنس، ثم هذا الجنس أيضًا تتفاضل من وجه آخر: واجب العبادة أفضل من نفلها، فصلاة الظهر مثلًا أفضل من قيام الليل، هذا تفاضل باعتبار الجنس لكنه من وجه آخر. دليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الله: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» . تتفاضل باعتبار النوع: مثل: الوتر أفضل من مطلق التهجد، الرواتب أفضل من النفل المطلق، هذا باعتبار النوع، وإن شئت فاجعل تفاضلها باعتبار الوجوب والندب من هذا النوع. الثالث: باعتبار الهيئة، صلاة يخشع فيها الإنسان ويتدبر ما يقول وما يفعل ويطمئن، وصلاة أخرى يقتصر على الواجب وبدون خشوع قلب مثلًا، أيهما أفضل؟ الأولى أفضل. والمهم: أننا نؤمن بأن الأعمال تتفاضل، وأن بعضها أحب إلى الله من بعض. يبقى النظر هل يلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل؟ نعم، وعلى هذا فالعامل أيضًا يختلف ويتفاضل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» ، العمل واحد لكن العامل مختلف. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعوة إلى الله عز وجل لقوله: مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت: ٣٣]. ومن فوائدها: الإشارة إلى الإخلاص في الدعوة نأخذها من قوله: إِلَى اللَّهِ؛ لأن الداعي ربما يدعو ويقوم للناس ويذكرهم ويعظهم ويحثهم على الخير ويحذرهم من الشر، لكن يريد أن يكون مرموقًا بينهم، هل هذا داعٍ إلى الله ولّا دعا لنفسه؟ إلى نفسه، فلا بد إذن من الإخلاص. لو قال قائل: هل يثلم الإخلاص ما لو أراد بالدعوة إصلاح الناس؟ الجواب: لا يثلمه؛ لأن أصل دعوته من أجل إصلاح الناس. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العمل الصالح الذي جمع بين الأمرين؛ الإخلاص والمتابعة؛ لقوله: وَعَمِلَ صَالِحًا. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب العلم، من أين نأخذه؟ من قوله: وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت: ٣٣]؛ لأنه لا يمكن أن تعرف أن العمل موافق للشرع أو غير موافق إلا بالعلم، وهذا واضح، فيكون في الآية دليل على وجوب العلم؛ لأنه إذا كان العمل الصالح من الواجبات فلا بد أن تعلمه بالشرع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمسلم أن يكون عزيزًا بدينه، وأن يعلن به، وأن يقول: إنني من المسلمين، وألّا يستحي إذا قيل له إنه مسلم؛ لقوله: وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣٣]. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى تجنب التزكية الذاتية؛ لأنه قال: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ولم يقل: وقال إنني مسلم؛ لأن الإنسان قد يعتز بقوله: إني مسلم، ويفخر أكثر مما يكون ذلك فيما لو قال: إنني من المسلمين. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى المؤاخاة بين المسلمين؛ لقوله: مِنَ الْمُسْلِمِينَإشارة إلى أنني كواحد من هؤلاء لا أفترق عنهم. طالب: (...). الشيخ: هذا سؤال يرد علينا كثيرًا، هل أفضل طلب العلم أو الاشتغال بالدعوة؟ والواقع أنه سؤال غير محرر؛ أولًا: إنه يمكن الجمع بين هذا وهذا، ونحن نعلم أن الداعية ليس يشغل وقته من صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء وهو يدعو أبدًا، هل أحد من الدعاة يفعل هكذا؟ أبدًا، يدعو نصف ساعة هنا ونصف ساعة هناك، وأما يبقى لا يسكت من صلاة الفجر إلى أن يصلي العشاء لا يمكن، لا بد من فترات، فلا يتعذر الجمع بين الدعوة إلى الله وطلب العلم؛ يطلب العلم ساعة أو ساعتين ثم يدعو نصف ساعة مثلًا، فلا منافاة، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه لا يمكن الدعوة إلى الله بلا علم، والدعوة إلى الله عن جهل قد يكون فيها من الضرر أكثر من عدم الدعوة، كثير من الدعاة يكون عنده غيرة ومحبة للخير فتجده يحرِّم الحلال أو يوجب ما ليس بواجب بناءً على ما عنده من الغيرة، ولو كان ذا علم لحصل له الثبات، ولا يخفى عليكم ما جرى من عمر رضي الله عنه في صلح الحديبية ماذا فعل؟ صار يعارض الصلح ويأتي للرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يحل عقدة الصلح ، لكن الثبات كثبات أبي بكر تبين به الحق، فلا يمكن أن يكون داعية يدعو إلى الله بلا علم. هذا إذا أردنا العلم بما يدعو إليه ولسنا نريد أنه لا يمكن أن يدعو إلى الله إلا من كان متبحرًا بالعلوم لا، لو قلنا هكذا ما صح قول الرسول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آَيَةً» أفهمت؟ إذن الجواب من وجهين: الوجه الأول: أنه لا منافاة بين العلم والدعوة. الوجه الثاني: أنه لا تمكن الدعوة إلا بعلم بما يدعو إليه. بقي علينا وسائل الدعوة، وسائل الدعوة كثيرة؛ يعني ليست الدعوة مختصة بأن يقوم الإنسان يتكلم، الدعوة تكون بالقول وتكون بالكتابة وتكون بنفس الفعل، الإنسان الذي تثق منه تجد أنك تنظر ماذا يصنع، وتفعل مثله، هذا دعوة، هذا نوع من الدعوة، بل قد تكون الدعوة بالفعل والعمل أقوى تأثيرًا من الدعوة باللسان. طالب: شيخ بارك الله فيكم، طالب العلم الذي يريد الدعوة -لا سيما الدعوة في الحارات- لأنه يا شيخ يوجد في الحارات منكرات كثيرة، منكرات حتى في الصلاة، فيعرف أن فلان وفلان يتركون الصلاة، فإن جلس يمشي إليهم ضاع وقته، وبعضهم يقول إنه ما هو موجود، ويقع الإنسان في حرج؛ إما أن يتركهم أو يشتغل بما هو فيه، والوقت قليل وإن تفرق قَلَّ، فهل يُعذر الإنسان إذا غلب على ظنه أن هذا الشخص بعيد الاستجابة، وكذلك بعيد أن يقبل منه، ولن تجد الوقت المناسب له؟ الشيخ: هذه في الواقع موعظة أو أمر، الدعوة تكون بصفة عامة، أما أن تذهب إلى فلان وتنصحه فهذا في الحقيقة موعظة، وإذا كان لك سلطة فهو أمر بالمعروف، وهذا كما تعرف له أحوال، لا يجب على الإنسان أن يترك ما يهمه في دينه ودنياه من أجل أن يذهب إلى الناس يقرع أبوابهم ليأمرهم أو يعظهم، هذا ليس بواجب. الطالب: فيه الاستحباب «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا» . الشيخ: نعم «مَنْ رَأَى» لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال: تَطَلَّبُوا رؤية المنكر، وهذا الذي لا يصلي يمكن أن أعظه في السوق في المسجد، ولهذا نجد الناس الآن يستثقلون أن يقرع عليهم الباب أحد يعظهم أو يأمرهم، وربما حصل من ذلك ما يُسمى بِرَدِّ الفعل. طالب: شيخ، كيف نجمع بين هذا وبين حديث الرسول: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أُنَاسٌ لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» ؟ الشيخ: نعم، والعقيدة؟ الطالب: عندهم عقيدة، موحدون. الشيخ: لكن هذا عُذِّب الآن، عُذِّب ما تُرِك. الطالب: العقيدة أنه خارج من النار. الشيخ: لكن هل هذا تنزلت عليه الملائكة؟ ما تنزل عليه الملائكة، ثم لا بد أن يكون عند هذا الإنسان عقيدة إيمانية، وإلا لقلنا: النصارى أيضًا يخرجون من النار بعقيدتهم.
طالب: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٣ - ٣٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت: ٣٣]، ما الذي نصب (قولًا)؟ طالب: التمييز. الشيخ: التمييز، فهل هناك قاعدة في مثل هذا السياق؟ طالب: إذا جاء اسم بعد أفعل التفضيل يكون منصوبًا على التمييز. الشيخ: إذا جاء اسم مبين لاسم التفضيل صار منصوبًا على التمييز. الاستفهام هنا بمعنى؟ الطالب: التحدي. الشيخ: لا، بمعنى النفي، وهو مُشْرب معنى التحدي. من المراد بهذا مَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت: ٣٣]؟ طالب: المراد كل من قام بالدعوة إلى الله سواءً بالكلمة أو بالأعمال أو بالقول. الشيخ: يعني: عامٌّ، كل من دعا. ذكر بعضهم أنه مؤذن؟ الطالب: هذا من باب ذكر بعض أنواع العموم. الشيخ: فيكون مراده؟ الطالب: بعض أنواع العام، ولا يُراد منه التخصيص. الشيخ: لكن المراد أيش؟ الطالب: التمثيل. الشيخ: التمثيل، بارك الله فيك. قال الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [فصلت: ٣٤] في جزئياتهما؛ لأن بعضهما فوق بعض). قوله: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُفسرها المؤلف بأن المعنى: لا تستوي الحسنات بعضها مع بعض ولا السيئات بعضها مع بعض، وعلى هذا التفسير تكون (لَا) غير زائدة؛ تكون أصلية، ويكون المراد بالآية: انتفاء تساوي الحسنات وانتفاء تساوي السيئات، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ أن الحسنات بعضها أحسن من بعض، وأفضل من بعض، وأوكد من بعض، وكذلك السيئات بعضها أسوأ من بعض وأشد، لكن هناك تفسيرًا آخر وهو: أن المعنى أن الحسنات والسيئات لا تتساوى بدليل قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُإلى آخره [فصلت: ٣٤]، وبناءً على ذلك تكون (لَا) زائدةً للتوكيد، كما هي في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٧]، فإن (لَا) هنا زائدة للتوكيد، ولهذا لو قلت في غير القرآن العزيز، لو قلت: غير المغضوب عليهم والضالين؛ لاستقام الكلام. فإذا قال قائل: هل هناك ترجيح؟ قلنا: المؤلف رَجَّح المعنى الأول، وهو أن الحسنات لا تتساوى، والسيئات لا تتساوى، وبعضهم رجَّح الثاني؛ لأنه قال: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌإلى آخره، ولو قيل بالمعنيين جميعًا لم يكن هناك بأس؛ وذلك لأن الآية إذا كانت تحتمل معنيين على السواء وهما لا يتنافيان فإنها تُحمل عليهما جميعًا، هذه القاعدة في أصول التفسير. (الحسنة) ما يحسن ذكره، و(السيئة) ما يسوء ذكره هذا التفسير العام للحسنة وللسيئة. قال: ادْفَعْالسيئة بِالَّتِيأي: بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُإلى آخره. الغريب أن كلام المؤلف في ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُيقتضي أن معنى الجملة قبلها: لا تستوي الحسنة مع السيئة. ادْفَعْالسيئة بِالَّتِيأي: بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُأفادنا -رحمه الله- أن (التي) صفة لموصوف محذوف؛ أي: بالخصلة التي هي أحسن من السيئة. فإذا قال قائل: السيئة ليس فيها حسن، فكيف يقول: أحسن من السيئة؟ قلنا: إن اسم التفضيل قد يأتي وليس في الطرف الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس في مستقرهم خير ولا في مقيلهم خير. ويكون معنى الآية أنه لما كان من المعتاد أن الإنسان لا يدفع السيئة بالتي هي أحسن أمره الله أن يدفع بالتي هي أحسن؛ وذلك لأن مدافعة السيئة تكون على ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن يدفع سيئةً بمثلها، وهذا جائز. والثانية: أن يدفع السيئة بحسنة، لكن هناك شيء أحسن منها، وهذا أيضًا جائز، وهو أعلى من الأول. الثالث: أن يدفع السيئة بالتي هي أحسن؛ يعني بأحسن ما يدفعها به، وهذا أفضل وأطيب، وهو الذي أمر الله به، فصارت مقابلة السيئة على ثلاثة وجوه: الأول: السيئة بمثلها وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]. الثاني: بحسنة لكن غيرها أحسن. الثالث: بالتي هي أحسن؛ يعني إذا أساء إليك إنسان فلا تقابله بإساءة، ولا تقابله بحسنة أيضًا، قابله بما هو أحسن. يقول المؤلف ممثلًا: (كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو) هذه أمثلة: (الغضب بالصبر) يعني إذا غضب عليك إنسان فاصبر وتحمل، (الجهل بالحلم) إذا جهل عليك إنسان بالإساءة فقابله بالحلم. فإذا قال إنسان: الجهل هل هو يقابل الحلم أو يقابل العلم؟ قلنا: أما الجهل الذي هو عدم العلم فيُقابَل بالعلم، وأما الجهل الذي هو ضد الحلم بمعنى أن يكون الإنسان ذا عدوان على الغير فهذا يُقابَل بالحلم، قال الشاعر العربي:
أَلَا لَا يَجْــــهَلَنْ أَحَـــــدٌ عَلَيْــــنَا
فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا
وكذلك الإساءة بالعفو، إذا أساء إليك إنسان فاعف عنه، وقد سبق مرارًا ونكرره تكرارًا أن العفو إنما يُندب إليه إذا كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] (فإذا): (إذا) فجائية والفاء عاطفة، أي: فإذا دفعت بالتي هي أحسن فاجأتك هذه الحالة، وهي: أن تنقلب عداوة الشخص الذي أساء إليك فيصير كأنه ولي حميم؛ يعني: صديقًا قريبًا، وتأمل كون الجواب بـ(إذا) الفجائية ليتبين لك أن انقلاب عداوته إلى ولاية حميمة لا يتأخر كثيرًا؛ لأن (إذا) الفجائية تدل على الفورية. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] لو كان المخبر بذلك غير الله عز وجل لكان الإنسان يتردد، وكيف ينقلب العدو صديقًا حميمًا بهذه السرعة؟ نقول: إن الذي أخبر بذلك من؟ هو الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلًا، ثم إن الذي أخبر بذلك هو الذي قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابعه يقلبها حيث يشاء، لا تستبعد هذا، الأمور بيد الله وكم من عدو انقلب صديقًا، وصديق انقلب عدوًا. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] أي: فيصير عدوك كالصديق القريب بمحبته إذا فعلت ذلك، فـ(الذي) مبتدأ، و(كأنه) الخبر، و(إذا) ظرف لمعنى التشبيه. فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] أعربها المؤلف يقول: (الذي: مبتدأ)، بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌهذا صلة الموصول، (وكأنه الخبر) خبر المبتدأ (الذي)، (وإذا ظرف لمعنى التشبيه) (إذا) في قوله: فَإِذَا الَّذِيظرف لمعنى التشبيه الذي هو (كأنه)؛ لأن التشبيه مضمن معنى الفعل، فلذلك صح أن يتعلق به الظرف. هذا ما ذهب إليه المؤلف بالنسبة لـ(إذا)، والصحيح أن (إذا) فجائية لا تحتاج إلى متعلق. يقول رحمه الله: (وَمَا يُلَقَّاهَاأي: يؤتى الخصلة التي هي أحسن إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّثواب عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥]). وَمَا يُلَقَّاهَاقال المؤلف رحمه الله: (أي يؤتى الخصلة)، وقيل: معناها لا يوفق لها، والمعنى متقارب؛ يعني: لا ينال أحد هذه الخصلة، وهي الدفاع بالتي هي أحسن إلا الذين صبروا، هذه الجملة فيها حصر طريقه النفي والإثبات: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت: ٣٥]. وقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت: ٣٥] أي: حبسوا أنفسهم وأجبروها على تحمل هذا الأمر، وذلك لأن هذا الأمر شديد، إذ أن النفوس تحب الانتقام ممن أساء إليها، ولكن يُقال: ادفع بالتي هي أحسن، لهذا قال: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت: ٣٥] كل إنسان سوف يعاني معاناة شديدة إذا سلك هذه الطريق؛ وهي: الدفاع بالتي هي أحسن، لا بد أن يجد عناءً ومشقة، فأثنى الله تعالى على الصابرين على ذلك. الصبر لا يحتاج إلى أن نطيل الشرح فيه؛ لأنهم قالوا: إنه يكون ثلاثة أنواع: يكون صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عن معصيته، وصبرًا على أقداره. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥] قال: (ثواب) ذُو حَظٍّأي ثواب، والصواب أن يُقال: الحظ هو النصيب، أي: ما يُلقاها إلا ذو نصيب عظيم، ليس من الثواب فحسب بل من الثواب والأخلاق والرزانة وغير ذلك؛ يعني: من له نصيب عظيم من الثواب والأخلاق والرزانة والتأني وغير ذلك، فلا ينبغي أن يقتصر في ذلك على الثواب، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥]. ولما ذكر الله تعالى دفع العدو من بني آدم ذكر دفع العدو من غير بني آدم، فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦]، شوف مدافعة العدو من غير بني آدم، لم يقل: ادفع بالتي هي أحسن، قال: الجأ إلى الله؛ لأنك لا تستطيع أن تدفع الشيطان إلا باللجوء إلى الله عز وجل، إذ إن الشيطان ليس أمامك حتى تلوي عنقه وتقتله، ولكنه لا يدفعه إلا الله، ولهذا قال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ [فصلت: ٣٦]. فالمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها أنه لما ذكر مدافعة العدو من بني آدم ذكر مدافعة العدو من غير بني آدم، فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦]. قال: (إما) (فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة)، (إما) أصلها (وإن ينزغنك) لكن (ما) الزائدة تُزاد كثيرًا في أدوات الشرط كقوله هنا: (وإما ينزغنك)، وكقوله تعالى: أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: ١١٠]. إِمَّا يَنْزَغَنَّكَيعني: إن ينزغك مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦] (أي: يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ). المؤلف -رحمه الله- إذا نظرنا إلى تفسيره وجدناه يقصر هذه الآية على شيء معين، وهي إن صرفنا الشيطان عن المدافعة بالتي هي أحسن فاستعذ بالله. والصواب خلاف ذلك، الصواب: أن الآية عامة، ولهذا قال: إِمَّا يَنْزَغَنَّكَأي: يصيبنك. مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ(نزغ) نكرة في سياق إيش؟ طالب: النفي. الشيخ: خطأ، اقرأ الآية وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ [فصلت: ٣٦] نكرة في سياق؟ طالب: نكرة في سياق الشرط. الشيخ: في سياق الشرط، فتكون عامة سواء كان في المدافعة بالتي هي أحسن أو غير ذلك، كلما أصابك نزغ من الشيطان فاستعذ بالله، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شكا إليه الوسوسة في الصلاة أمره أن يستعيذ بالله قال: «يتفُل عن يسارِه ثلاثًا ويستعيذ بالله» . المهم: أنه متى نزغك من الشيطان نزغ فالجأ إلى من يستطيع دفعه؛ الله عز وجل، لكن كيف أعرف أن الشيطان نزغ أحدًا؟ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]، كلما رأيت أنه ألقي في روعك أن تفعل معصية فاعلم أنه نزغ من الشيطان، كلما ألقي في روعك أنك تترك طاعة فهذا نزغ من الشيطان استعذ بالله؛ لأن الشيطان ليس شيئًا محسوسًا يحسه الإنسان فيراه ويسمعه، لكن يُعرف بما يلقي في القلب. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦] أي اعتصم به، قال المؤلف: (جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف؛ أي: يدفعه عنك)، أين الأمر؟ (استعذ) يعني كأن قائلًا يقول: وإذا استعذت فما النتيجة؟ النتيجة أن يدفعه الله عنك لأن الله تعالى لم يأمرك بالاستعاذة به -والاستعاذة كما تعرفون هي الاستجارة مما يسوء- استعذ بالله يدفعه عنك. (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُللقول الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٦] بالفعل) هذه الجملة تعليلية، لقوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ؛ يعني: فإنك إذا استعذت منه بالله سمعك، وإنه عليم بكيفية دفع هذا الشيطان الذي نزغك منه نزغ فهو سميع لقولك إذا استعذت به عليم بما يدفع به عنك هذا الشيطان. في الآية فوائد: منها: انتفاء تساوي الحسنات بعضها ببعض، وانتفاء تساوي السيئات بعضها ببعض. فيترتب على ذلك فائدة: أن الحسنات تتفاوت والسيئات تتفاوت، فمن الحسنات ما هو أصول في الإسلام كالأصول الخمسة، ومنه ما هو دون ذلك، ومنه ما هو فرائض، ومنه ما هو نوافل. في المحرمات ما هو شرك مخرج عن الملة وما هو شرك دون ذلك، وكذلك يُقال في الكفر، ومنه ما هو فسوق ومنه ما هو دون ذلك، هذا إذا قلنا: إن المراد أن الحسنات لا تتساوى والسيئات لا تتساوى. أما إذا قلنا: لا تستوي الحسنة ولا السيئة؛ أي: إن الحسنة والسيئة لا يتساويان فيفيد الحث على فعل الحسنات في مقابل السيئات، وليس الفائدة أن يعلم أن الحسنة لا تساوي السيئة؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن في القرآن ببلاغته أن يأتي بمثل ذلك؛ لأن هذا كقولك: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، لكن المراد الحث على أن تُقابل السيئة بحسنة. ومن فوائد الآية الكريمة: الإرشاد إلى مدافعة السيئات. طالب: ادفع. الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ادْفَعْ، يؤخذ من قوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت: ٣٤]. ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على أعلى المقامات في مدافعة السيئات، تؤخذ من قوله: أَحْسَنُ، ولم يقل: ادفع بالحسن، بل قال: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت: ٣٤]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى مقلب القلوب، فقد يكون العدو صديقًا والصديق عدوًا؛ لقوله: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ [فصلت: ٣٤]. ومن فوائد الآية الكريمة: أنك لا تأخذك العزة بالإثم فتقول: لا يمكن أن أسكت أمام هذا الذي أساء إلي ولا بد أن آخذ بحقي، نقول: إذ أخذت بحقك فذلك، لكن هناك خُلُق أفضل وأكمل، وهو المدافعة بالتي هي أحسن. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المدافعة بالتي هي أحسن شاقة على النفس؛ لقوله: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [فصلت: ٣٥]، ولكن اصبر. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من سلك هذه الطريق؛ وهي مدافعة السيئة بما هو أحسن، فإنه ذو نصيب عظيم من الأخلاق والثواب والرزانة والرجولة والشهامة وغير ذلك؛ لقوله: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥]. ومِن فوائد الآية: التي بعدها أن ملجأ الإنسان عند الخوف مما لا يمكنه دفعه هو الله عز وجل؛ لقوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦]. ومن فوائد الآية الكريمة: أنك كلما أحسست بشيء من نزغات الشيطان من تهاون بالمأمور أو ارتكاب لمحذور فعليك أن تلجأ إلى الله عز وجل. فإن قال قائل: نجد الاستعاذة مشروعةً في غير هذه الحال، مشروعة عند قراءة القرآن مثلًا، مشروعة عند دخول الخلاء، فما الجواب؟ الجواب: أن مشروعيتها عند تلاوة القرآن؛ لأن الشيطان يتسلط على الإنسان حين قراءة القرآن أن يصده عما فيه من الذكر الحكيم، يصده عن تدبره، عن الخشوع فيه، عن كون الإنسان يلتزم بأوامره ونواهيه ويصدق بأخباره. المهم أن الشيطان يحرص على الإنسان إذا أراد قراءة القرآن، فناسب أن يؤمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء موطن الشياطين، الشياطين تكون في أخبث الأماكن، والملائكة في أطيب الأماكن، ولهذا كانت المساجد بيوت الملائكة، وكانت المراحيض بيوت الشياطين. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان وأن له سلطة على ابن آدم لقوله: مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦]، وهو كذلك، والله سبحانه وتعالى سَلَّط الشيطان على بني آدم، وأيد المؤمنين بالملائكة، فإن الشيطان إذا أمر بالفحشاء فإن هناك أمرًا آخر يضاده، وهو أمر الملك. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُستعاذ إلا بالله، في قوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [فصلت: ٣٦]، لكن هذا مقيد بما لا يقدر عليه إلا الله، فإنه لا استعاذة منه إلا بالله، وكذلك أيضًا لا استعاذة لمخلوق غير قادر، فمثلًا لو أن الإنسان استعاذ بميت لكان هذا شركًا؛ لأن الميت لا يمكن أن يفيدك، لكن لو استعاذ بحي فيما يقدر عليه فلا بأس بذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَجَدَ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» ، فالاستعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة به فيما يقدر عليه وكالاستغاثة به فيما يقدر عليه. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السميع العليم لله؛ يعني أنهما من أسماء الله عز وجل، وسبق أنه لا يتم الإيمان بالاسم إلا بثلاثة أمور إن كان متعديًّا، وبأمرين إن كان غير متعدٍّ، السميع متعدٍّ، فتثبت السميع اسمًا، والسمع صفة، وكونه يسمع أثرًا، وكذلك يُقال في العليم. وقول المؤلف رحمه الله: (السميع للقول) هذا صحيح؛ لأن متعلق السمع هي الأقوال. (العليم بالفعل) فيه نظر؛ لأن الله عليم بالفعل، عليم بالقول، عليم بما ليس بفعل ولا قول وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦] فقصره على الفعل لا شك أنه قاصر، فيُقال: الصواب العليم بكل شيء من الأقوال والأفعال والإرادات والحاضر والمستقبل والماضي. ومن فوائد الآيتين: بلاغة القرآن بذكر المتقاربين في المعنى، وإن كان بينهما فرق من حيث الحقيقة، وجه ذلك: أنه ذكر في الآية الأولى معاملة المسيء من الإنس بأن تدفعه بالتي هي أحسن، وذكر في الثانية معاملة المسيء من غير الإنس وهو الشيطان.
تفسير الآيتين (٣٧-٣٨)
٠١:٢٦:٢٧
ثم قال عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧] (من آياته) أي: آيات الله عز وجل، والآية في اللغة: العلامة، وهي بالنسبة لآيات الله: ما كان علامةً على قدرة الله عز وجل وقوته وحكمته وعلمه ورحمته وغير ذلك. فقوله: (من آياته) الدالة على قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وغير ذلك مما يدل عليه هذا الليل والنهار. مِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ(الليل) بظلامه و(النهار) بضيائه هذا من آيات الله؛ لا أحد يستطيع أن يفعل ذلك إطلاقًا. يقول الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ [القصص: ٧١]، الجواب: لا إله، لا أحد يأتي بذلك، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: ٧٢] الجواب: لا أحد، فهذا من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته وعلى رحمته وعلمه وحكمته وقوته، بينما الليل قد غشي الأرض بظلامه، وإذا بالصبح قد كشف هذا الغطاء فأصبحت الدنيا ضياءً. كذلك من آياته الشمس والقمر، وما أعظمها من آية، هذان الكوكبان يسيران منذ خلقهما الله عز وجل إلى أن يأذن الله بخرابهما، يسيران على نمط واحد لا يتعديانه ولا يتجاوزانه. قال بعض العلماء: لو أن الشمس بعدت عن مقرها شعرةً واحدة لهلك الناس من البرد وجمدت المائعات، ولو أنها نزلت شعرةً واحدة لذابت الأرض من الحر، وهذا من قدرة الله عز وجل، ثم هذا الجرم العظيم له هذه الإضاءة العظيمة مع البعد التام، وهذه الحرارة العظيمة مع البعد التام، لو أنك سعرت أقوى نار في الدنيا ما بلغت مسافة حرها إلى مئة متر، ومع ذلك تجد مس الحرارة فقط لا أن يصل إلى هذه الدرجة، وهذه بينك وبينها ما لا يعلمه إلا الله عز وجل وتجد هذا الحر، في أيام الصيف ربما قال لي بعضهم: ربما بدأ الماء يغلي من شدة الحرارة في بعض المناطق مما يدل على عظمة هذه الشمس. القمر أيضًا عظيم، هذا القمر الكوكب الكتلة يضيء هذه الإضاءة العظيمة من بُعد، مع ذلك هو بارد لا يسخن الجو ولا يسخن الأرض؛ لأنه آية الليل، أرأيتم لو كان حارًّا أيتمتع الناس بالليل كما يُتمتع به اليوم؟ لا يمكن أبدًا، لكن من رحمة الله عز وجل أن جعله نورًا باردًا، حتى لا تبقى حرارة الأرض طوال أربع وعشرين ساعة، وحتى يستقر الناس في منامهم وذهابهم ومجيئهم.