تفسير سورة فصلت - ٥
درس صوتي · ٨٩:٣٨
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟ الشيخ: أيهن؟ الطالب: يستعتبون. الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب. طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟ الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك. طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟ الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء: ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
طالب: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٧ - ٢٩]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ [فصلت: ٢٢]، معنى الآية إجمالًا، ما أريد أن تفسر كل كلمة، معناها؟ طالب: (...) أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ يعني: كانوا لا يظنون.. الشيخ: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ [فصلت: ٢٢]؛ يعني: ما كنتم تستَخْفُون خوفًا مِن؟ الطالب: شهادة السمع والبصر والجلود. الشيخ: نعم، أحسنت، قوله: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ [فصلت: ٢٣]. يلَّا أعرِب الجملة؟ طالب: (ذلك) اسم إشارة (...) مخاطب (...). الشيخ: لا، ما هو تفصيل، قل مثل: (ذلكم) مبتدأ، (ذلكم) خبر. الطالب: ذَلِكُمْمبتدأ. الشيخ: طيب ظَنُّكُمُ؟ الطالب: ظَنُّكُمُيجوز أن تكون خبرًا. الشيخ: أعطنا واحدًا مما تقول: إنه يجوز. الطالب: خبر. الشيخ: ظَنُّكُمُخبر؟ نعم، والَّذِي ظَنَنْتُمْ؟ الطالب: الَّذِي ظَنَنْتُمْ، هذا نعت. الشيخ: طيب أَرْدَاكُمْ؟ الطالب: أَرْدَاكُمْخبر ثانٍ. الشيخ: خبر ثانٍ، طيب فيه وجه ثانٍ في الإعراب؟ قل: نعم ولَّا لا؟ طالب: ذَلِكُمْمبتدأ، والَّذِي ظَنَنْتُمْ.. الشيخ: ظَنُّكُمُ؟ الطالب: ظَنُّكُمُبدل منه، والَّذِي ظَنَنْتُمْنعت، وأَرْدَاكُمْخبر. الشيخ: وأَرْدَاكُمْخبر، تمام، إذن اتفق القولان على أن الَّذِي ظَنَنْتُمْصفة. طيب أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ، ما معنى أَصْبَحْتُمْهنا؟ الطالب: صِرْتم. الشيخ: صِرْتم، معناها المطابق للفظ ما هو؟ أصبح. الطالب: أصبح؛ يعني: صار في الصباح، هذا الأصل. الشيخ: إي نعم، هذا الأصل، لكنها قد تُسْتَعمل بمعنى صار، نعم. طيب قوله: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [فصلت: ٢٤] ما مناسبة جواب الشرط لفعل الشرط؟ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ، ويش المناسبة؟ لأن هذا قد تخفى مناسبتُه؛ إذ إن الإنسان يتوقع أن يكون جواب الشرط خلاف ذلك. الطالب: وعيد شديد لهم من باب التيئيس (...). الشيخ: ارتباطُه بما قبله، مناسبتُه تيئيس هؤلاء مِن الفرَج؛ لأن ظاهر الحال أن يقول: فإن يصبروا فالفرجُ قريب مثلًا، لكنه قال: فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ؛ أي: فلن يتخلَّصوا منها، وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت: ٢٤]، ما معنى يَسْتَعْتِبُوا؟ الطالب: يطلبوا العُتبى. الشيخ: وهي؟ الطالب: يعني المعذرة، يطلب المعذرة أو العذر. الشيخ: العذر ثم الرضا. طيب فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ؟ الطالب: أي: أن الله لن يرضى عنهم. الشيخ: تمام، إعراب فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ؟ طالب: الفاء بحسب ما قبلها. الشيخ: لا، ما هي بحسب ما قبلها، معروف وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ، الفاء؟ طالب: حرف عطف. الشيخ: لا. طالب: رابطة لجواب الشرط. الشيخ: رابطة لجواب الشرط. (ما)؟ الطالب: (ما) نافية تعمل عمل (ليس). الشيخ: على لغة مَن؟ الطالب: على لغة الحجازيين. الشيخ: نعم. الطالب: و(هم) مبتدأ. الشيخ: لا، ما دمت تقول: عملها تعمل عمل (ليس).. الطالب: اسم (ما). الشيخ: اسم (ما) مبني؟ الطالب: مبني على السكون في محل رفع، (...) (مِن) حرف جر (...) اسم مجرور بـ(من) (...). الشيخ: وعلامة جرِّه؟ الطالب: للمُعْتبين. الشيخ: للمُعْتبينِ، إي. الطالب: علامة جره الكسرة. الشيخ: كسرة ظاهرة بآخرِه.. الطالب: بآخره نيابة عن (...). الشيخ: إي. الطالب: والجار ومجرور متعلق بمحذوف. الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر (ما)، طيب هنا تتفق اللغتان الحجازية والتميمية مِن حيث اللفظ، أليس كذلك؟ الطالب: (...). الشيخ: هل يختلف اللفظ لو جعلناها تميمية؟ الطالب: ما يختلف. الشيخ: إذن تتفق اللغتان من حيث اللفظ، وتختلفان من حيث الإعراب. طيب مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١] هل تتفق اللغتان في هذا؟ الطالب: مَا هَذَا بَشَرًا، لا. الشيخ: لغة تميمٍ أن يُقال؟ الطالب: تميم (ما هذا بشرٌ). الشيخ: ما هذا بشرٌ. توافِقُون على ذلك؟ نعم؛ لأن (ما) مهملة عند التميميين وعاملةٌ عمل (ليس) عند الحجازيين، فتقول مثلًا: ما زيدٌ قائمًا، إذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيد قائمًا، عرفنا أنك أيش؟ حجازي، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: ما زيدٌ قائمٌ، عرفْنا أنك تميمي ولهذا قال الشاعر:
وَمُهَفْهَفُ الْأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ
.............................
يعني من أين أنت؟
............................
فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
أخبرَه بنسبِه أو لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: أنه؟ طلبة: تميمي. الشيخ: تميمي؛ إذ لو كان غيرَ تميمِيٍّ لقال: ما قتل المحب حرامًا. طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة لإعراب (ما هم بمعتبين)، يمكن نجعل (ما) هذه حرف جر زائد الشيخ: أيهن؟ الطالب: (ما هم بمعتبين). الشيخ: هذه من كيسِك يا ولد ما هي في القرآن، فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ. قال الله تبارك وتعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت: ٢٥] إلى آخره، قَيَّضْنَا لَهُمْيقول: (سَبَّبْنَا لهم). قوله تعالى: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ [فصلت: ٢٢] إلى آخره. فيها من الفوائد: أن هؤلاء المجرمين لا يؤمنون بالبعث؛ لقوله: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ. ومن فوائدها: تمامُ قدرةِ الله عز وجل وأنه قادِرٌ على إِنْطَاق كل شيء؛ حيث أنطَق السمع والأبصار والجلود. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظُنُّون أن الله لا يعلَم كثيرًا مما يعْمَلون وهو الذي يُخفُونه، فلهذا كانوا يخفُون عن الله عز وجل ما يقعون فيه من الكفر. ومن فوائد الآية التي بعدها: أن مِثلَ هذا الظن سببٌ لِهَلاك المرء أن يظُنَّ أنه لن يُبعَث، هذا سببٌ لهلاكه بل هو هلاكُه حقيقة؛ لأن الذي يُنكِر البعث كافرٌ، والكافر لا حظَّ له؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لقول الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم رَبِحُوا المعركة باستخفائِهم، وهذا ينطبِق تمامًا على المنافقين، ولكن حقيقة الأمر أنهم خسِروا؛ لقوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ. ومن فوائد الآية (...): أن أهل النار لن يخرجُوا منها، سواءٌ صبروا أم لم يصبروا؛ لقوله: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ، ويبَيِّنُه قوله تعالى: اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور: ١٦]، وقوله تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النار لا تفنى؛ لقوله: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [فصلت: ٢٤] وهذا -أعني أن النار لا تفنى- هو قولُ أهل السنة والجماعة كما أن الجنة أيضًا لا تفنى، وقد زعَم بعضُ العلماء أن النار تفنَى في آخر النهاية، لكنَّ هذا الزعمَ باطل؛ يعني لا يستحِقُّ منزلة أن نقول: إنه ضعيف، بل نقول: إنه باطل لا ينبغي أن تُسَوَّدَ به الصحائف؛ وذلك لأن كلام الله عز وجل الذي خلقَ النار وهو عالمٌ بها وبمصيرِها، فيه التصريح بالتأبيد في ثلاثة مواضع مِن كتاب الله عز وجل. الموضع الأول؟ طالب: في النساء. الشيخ: ما هو؟ الأخ يقول في النساء اذكره. طالب: قوله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]. الشيخ: الموضع الثاني؟ طالب: سورة الأحزاب. الشيخ: ما هو؟ الطالب: (...). الشيخ: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]. طيب الموضع الثالث؟ الطالب: سورة الجن وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]. الشيخ: أحسنت، فهل بعد هذا الكلام كلام؟ لا، ولهذا الإنسان يعجَب أن يقَعَ من بعض العلماء القول بأنَّ النار تفنَى مع وجود الآيات الثلاثة. طيب هذه وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ [فصلت: ٢٤] قد يكون فيها إشارة إلى أنها ستبقى أبد الآبِدين؛ لأنَّه لو كان لها منتهى فسوف يُعتَبُون في آخر النهاية. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ. ومنها: أنها هي المثوى، وليس كما يزعم بعض الكتاب اليوم يقولون: إن الميت إذا مات صار إلى مثواه الأخير، وقد بينَّا أن هذه الكلمة كلمة كُفْرٍ لو اعتقدَ الإنسان مدلولَها؛ يعني: لو اعتقد أن القبر هو المثوى ولا قيام بعده لكان كافرًا، فيقال: إن القبر ليس المثوى الأخير.
تفسير الآية (٢٥)
٠٠:١٨:٠٣
ثم قال تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ [فصلت: ٢٥]، قال المؤلف: قَيَّضْنَا(سبَّبْنا)، والصواب أن معناها هيَّئْنَا؛ أي: هيَّئْنا لهم قرناء، وذَكَرَ الفاعل بضمير الجمع للتعظيم؛ لأن ضمير الجمع يراد به تارة التعظيم، وتارة التعَدُّد، وهنا لا يمكن أن يكون المراد به التعدُّد؛ لأن الله إلهٌ واحد. (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ [فصلت: ٢٥] من الشياطين)، والمراد شياطين الإنس وشياطين الجن؛ لأن هناك قرينًا خفِيًّا وهو قرينُ الجن، يأمر الإنسان بالسوء وينهاه عن الخير، وهناك قرين سوء من الإنس، ولهذا مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم قرين السوء بأنه كنَافِخ الكير؛ إما أن يُحْرِق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة كريهة . فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ(زينوا) أي: القرناء لهم؛ أي للمقترين بهم، مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْيقول المؤلف: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْمن أمر الدنيا واتباع الشهوات، وَمَا خَلْفَهُمْمن أمر الآخرة بقولهم لا بعث ولا حساب) هؤلاء القرناء حسَّنوا لهم ما بين أيديهم مِن أمر الدنيا، وقالوا لهم: اتَّبِعوا الشهوات، كيِّفُوا كما شئتم، أتْرِفُوا أنفسكم، كما قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ [الواقعة: ٤٥] ومَنَّوْهم، وَمَا خَلْفَهُمْأي: ما أمامهم؛ لأن الخلف والوراء قد يُراد به الأمام كما في قوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩]؛ يعني أمامَهم. إذن زيَّنوا لهم الآخرة أيضًا بأن منَّوْهم بأحد أمرين: إما بالنجاة من العذاب في قولهم: لا بعثٌ ولا حسابٌ، وإما بأن ينتقلوا إلى خير من ذلك ويقولوا: إن الذي أترَفَنا في الدنيا سوف يترِفُنا في الآخرة، كقول بعضهم: هَذَا لِيوَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [فصلت: ٥٠]، وكقول صاحب الجنتين: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [الكهف: ٣٦]، فهكذا يُمَنِّي الشيطان أوليائَه؛ يقول: انبسطوا في الدنيا، أترفوا أنفسَكم، وفي الآخرة سوف تنتقلون إلى ما هو أفضل، زينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم ومنوهم الأماني. قال تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت: ٢٥] حَقَّ عَلَيْهِمُ؛ أي: وجب، الْقَوْلُقول مَن؟ قول الله تبارك وتعالى. فما هو القول الذي حَقّ؟ فسَّره المؤلف بقوله: (وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود: ١١٩]). وقيل: القول هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس: ٩٦، ٩٧]، ونقول كما أسلفنا في القاعدة في التفسير: إن الآية إذا كانت تحتَمِل معنيَيْن لا مُرَجِّحَ لأحدهما على الآخر، ولا منافَاةَ بينهما، فإنها تُحمَل على المعنيين جميعًا، نقول: حقَّ عليهم قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، وهذا في الدنيا؛ يعني مهما عالجْتَ الإنسان الذي حقَّتْ عليه كلمة الله فلن يهتدي، وحقَّت عليهم كلمة الله في الآخرة، وهي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: ١٣]، إذن لا فائدة. إن أبرَزَ مثَلٍ لنا في هذا ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم مع عمِّه أبي طالب، الذي كان –أعني عمَّه- كان يُدافِع عنه أشد المدافعة ويُؤْوِيه وينصرُه ويشهَد بأنه حق، لكنه لم يَنْقَدْ لذلك ولم يتَّبِع، هل أغنَى عنه مِن الله شيئًا؟ لا، عند موته يقول: يا عمِّ قل: لا إله إلا الله، كلمة أحَاجُّ لك بها عند الله. ولم ينفعْه ذلك كان آخر ما قال أنه على مِلَّةِ عبد المطلب؛ لأن أبا طالب عند موتِه حضرَه النبي عليه الصلاة والسلام، وحضره رجلَان من كبار قريش، فكان الرسول يقول: «يَا عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ، وهما يقولان له: أترغب عن ملَّةِ عبد المطلب؟ يعني عن ملَّةِ الكفر، آخِر ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، مع العلم بأنَّه يقر ويعترِف بأنَّ الرسول حقٌّ، يقول:
وَلَقَـــــدْ عَلِمْتُ بَأَنَّ دِيـــنَ مُحَــــمَّدٍ
مِــــنْ خَــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــةِ دِيـــنَا
ويقول في لاميته المشهورة:
وَلَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ
لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
أي: بقول السحرة؛ يعني: ليس بساحر، ومع ذلك قد حقت عليه الكلمة، نسأل الله العافية وأن يحسِن لنا ولكم الخاتمة، حقَّت عليه الكلمة فلم يُؤمِن. يقول: (فِيجملة أُمَمٍ) فِي أُمَمٍيعني: في جملتها، واحتَجنا إلى قوله: (فِيجملة) يعني: إدخال (جملة) وإن كانت معروفة من السياق؛ لأنه لو قال: في أمم لكان هؤلاء مشارِكين لكل الأمم الماضية والمستقبلَة مع أنهم في أمتهم وحدَهم، فيكون المعنى: فِي أُمَمٍأي: في جملة أُمَمٍ. (قَدْ خَلَتْهلكَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) إلى آخره. مِنْ قَبْلِهِمْأي: قبلِ هؤلاء المكذبين، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِالجنُّ هم عالم الغيب، خلقهم الله تعالى من نار؛ لأن أباهم إبليس كان مِن نارٍ، ولهذا كانت حالُهم الطَّيْش والسرعة والاندِفَاع كالنَّار في لهبِها، فهم خُلِقُوا من النار -أعنِي الجن- وهم مكلَّفون بالإيمان بالله وملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليوم الآخر. ولكن هل الأعمال التي كُلِّفُوا بها هي الأعمال التي كُلِّفَت بها الإنس أو غيرها؟ إن نظرْنا إلى عمومات الأدلة قلنا: إن الجن مكلَّفَةٌ بما كلِّف به الإنس؛ لأن الشريعة التي بين أيدينا لم تأتِ بشريعةٍ للجِن؛ شريعةٌ واحدةٌ، والرسول واحِدٌ، فهم مكلَّفُون -مثلًا- بصلاة كصلاتنا، ووضوء كوضوئنا، وحجٍّ كحجِّنا، وصوم كصومنا، وصدقةٍ كصدقتنا، كل ما نحن مكلَّفون به فهم مكلفون به؛ إذ إننا لا نرى في الشريعة التي بين أيدينا تشريعَاتٍ للجن. هذا إذا نظرْنا إلى عموم الأدلة. إذا نظرْنا إلى حكمةِ الله تعالى في شرعِه قلنا: إنهم مكلَّفُون بشريعةٍ تلِيق بهم، فكما أن الإنس إذا اختلَفوا يُجعَل لكل صنف ما يلِيق به فكذلك الجن، والجن مخالفون للإنس في الحدِّ والحقيقة، مخالفون تمامًا للإنس، فتكون شريعتُهم خاصَّة تليق بهم، لكن تحريم الظلم والشرك والعدوان وما أشبه ذلك هذا عام على الجن والإنس، إنما أريد التكليفات البدنية كالصلاة مثلًا، هل صلاتهم كصلاتنا، أو صيامهم كصيامنا؟ هذا هو محل الخلاف بين العلماء؛ منهم مَن يقول: إن الجن مكلَّفون كما كُلِّف الإنس تمامًا. ما حجة هؤلاء؟ طالب: خلقٌ من خلقِ الله مكلَّفون (...). الشيخ: لا، غلط؛ لأن خلقٌ من خلقِ الله ترِدُ علينا الملائكة. طالب: عموم الأدلة. الشيخ: عموم الأدلة التي بين أيدينا التي أرسل بها الرسول عليه الصلاة والسلام لا نجِد فيها أحكامًا تخُصُّ الجن، فالأصل العموم؛ الأصل أن ما كُلِّف به الإنس هو ما كُلِّف به الجن. القول الثاني؟ طالب: القول الثاني: مثل الإنس. الشيخ: أيش القول الثاني؟ أن الجن مثل الإنس في العبادة وما كُلِّفوا به أو يختلفون؟ الطالب: يختلفون. الشيخ: إي نعم. وجه ذلك؟ الطالب: لأن بعض العبادات كالصلاة قد تكون ليس كصلاتنا. الشيخ: أننا نجد من حكمة الله أن التشريعات مناسبة للمكلَّف بها؛ المريض يصلِّي قاعدًا، المسافر يؤَخِّر الصوم، الذي لا يستطيع الركوب على الراحلة لا يحُج، فإذا كانت هذه الاختلافات تكون بين الإنس لاختلاف أحوالهم فما بين الجن والإنس مِن باب أولى، لكن هناك أشياء لا إشكالَ فيها؛ وهي تحريم الشِّرِك والظلم والعدوان، وما أشبه ذلك. ولهذا نجد كثيرًا من العلماء الذين يقرؤون على مَن مسَّهم الشيطان يُذكِّرُونهم بتحْرِيم الظلم وأنَّه حرام، وأنهم معتَدُون، وما أشبه ذلك، مما يدل على أنَّهم ملتزِمُون بهذا. طيب يقول: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِإذن الجن عالم أيش؟ عالم غيبِيٌّ خلِقُوا من نار، مكلَّفون بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم إلزامًا؛ لأنَّه مرسل إلى الجن والإنس، لكن غيرُ الرسول لا نعلم هل هم ملزمون بذلك أو لا، لكنهم مأذُونٌ لهم أن يعملوا بها، كما قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف: ٢٩، ٣٠]، مما يدُلُّ على أنهم انتفعوا بكتاب موسى أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف: ٣٠]، فهم مُلْزَمون بالعمل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. طيب قلنا: إنَّهم عالمٌ غيبي، هل يمكن أن يبْرُزُوا للناس يومًا من الأيام؟ نعم، ربما يبرُزُون لبعض الناس ملَوَّنِين؛ يعني يتلونون هم، قد يتراءَى الجنيُّ للإنسي بصورة إنسان فخْم كبير عظيم، أو بصورة هيكل له قرون وله آذان وله أرجل طويلة، وما أشبه ذلك، هم يتلَوَّنُون. وأما ما زعم بعض الناس أنَّهم أجساد ليس فيها عظام، وأنهم إذا لَمَسْته وجدته رقيقًا جدًّا، أنَّ أعينَهم مشقوقةٌ طولًا هكذا، فهذا لا أصل له. إذن نقول: هم عالَمٌ غيبي، ويدُلُّ لذلك المادة التي يوصفون بها يعني: الجِن؛ لأن الجيم والنون تدلُّ على الاستتار والخفاء. أرأيتُم الجَنَّة؟ الجَنَّة هي البستان الكثير الأشجار، الجِنَّة الجِن، الجُنَّة ما يتخِذُه المقاتل لحمايةِ نفسِه من السهام يستتر به، والإنس هم هؤلاء البشر من بني آدم، وسموا إِنْسًا لأن بعضهم يأنس لبعض، ولهذا قيل: إن الإنسان مدنِيٌّ بالطبع، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ، إِنَّهُمْأي: الذين حق عليهم القول، كَانُوا خَاسِرِينَكانوا متى؟ طالب: يوم القيامة. الشيخ: إي، في علْمِ الله، وليس يوم القيامة كما قال الأخ؛ لأنَّه لو كان كذلك لقال: (يكونون)، لكن كانوا في علْمِ الله عز وجل وتقديرِه خاسِرين. ولكن اعلموا -بارك الله فيكم- أنَّه لا يمكن لأحد أن يضِلَّ إلَّا وهو السبب، هو السبب في ضلالِ نفسِه، لدينا آيةٌ من كتاب الله حاكمة على كلِّ ذلك؛ على كلِّ ما يتوهم أن الضلال مقَدَّرٌ من عند الله ابتلاءً وامتحانًا وإن كان الأمر كذلك، لكن سببُ ضلال الإنسان هو نفسُه، قال الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم [الصف: ٥]، وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] فماذا نفعل؟ إذا كان هو الذي أخلَدَ إلى الأرض واتَّبَع هواه فماذا نفعل؟ فاعلَمْ أن كلَّ شيء من المعاصي فأنت سببُه، وإن شئت فاقرَأْ قول الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، يا لها مِن موعظة في هذه الآية! أنك إذا تولَّيتَ عن أمر الله فاعلَمْ أن ذلك بذنبِك، فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، فصار الإعراض عقوبة، وهذا أمر قد لا يتفطَّنُ له بعض الناس، إعراضُك عن الله عز وجل وعن دينِ الله هو عقوبة مِن الله عز وجل في قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الجن (...) بعمل (...) من جنسٍ غير جنس الإنس ومقتضى الحكمة أن.. الشيخ: أن تكون شرائعُهم مناسبَةً لهم. الطالب: ومعلوم بأن العبادات توقيفية، فكيف سيعبُدون الله عز وجل إذن؟ الشيخ: لا، يعبدون بشريعة من الله، يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد علَّمَهم؛ لأنه اجتمع بهم علَّمَهم ما يلزمهم. طالب: هل يثبت أن ابن القيم يقول بفناء النار؟ الشيخ: ابن القيم رحمه الله كلامُه في مفتاح دار السعادة وفي شفاء العليل تشُمُّ منه رائحَة أنه يرَجِّح ذلك؛ لأنه ذكر القولين ذكر الأدلة، وهو -رحمه الله- إذا تكلَّم يشفي ويطيل النفس، فكلامُه في هذين الكتابين تشُمُّ منه رائحة أنه يميل إلى ذلك، لكن له كلامٌ آخر في الوابل الصيب يدُلُّ على أنَّه يرى أن النارَ ناران: نارُ الكفار هذه لا تفنى؛ لأنهم خالدون فيها أبدًا، ونار العصاة الذين يُعذَّبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون تفنَى؛ لأن أهلَها خرجوا منها، فإذا خرجوا منها ما بقي لبقائِها فائدة، وهذا التقسيم من الناحية العقلية تقسيم قوي؛ يعني الإنسان يميل إليه من الناحية العقلية. لكن قد يبقى النظر بأن يقول القائل: ما الدليل على أن هناك نارين؟ هذا يحتاج إلى دليل، والذي يظهر من الأدلة أن النار واحدة، وأنَّ العصاة يعذبون بالنار التي يعذب بها الكفار، لكن عقلًا كلامه -رحمه الله- هذا التفصيلي كلام جيد، حتى لو قال قائل: أيضًا العقل يدُلُّ على أنه لا بد أن تكون النارُ نارين؛ لأنَّه لا يمكن أن يعذَّب المؤمن الفاسق بنارٍ شديدة الحرارة كلما نضِجَ جلدُه بُدِّل جلدًا آخر كما تكون نار الكفار، من الناحية العقلية يوافق العقل تمامًا، فإن كان صوابًا فمِن الله، وإن كان خطأ فالله يعفو عنه. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، وما المنسوب عن شيخ الإسلام (...) الرسائل التي خرجت؟ الشيخ: والله هذا ما وقفت على كلامٍ له في ذلك. الطالب: فهي رسائل خرجت في الآونة الأخيرة (...) عن هذا القول؟ الشيخ: أما أنا ما اطَّلعت على شيء في ذلك، لكن -يا إخواننا- لا يجوزُ أبدًا أن نعرِف الحق بالرجال، يجب أن نعرِف الحق بالدليل، فما دام بين أيدينا كلام الله عز وجل كيف نفكر في أن نرَجِّح أو نقول: قال فلان أو قال فلان، لو قال أكبَر الناس -ما عدا الرسول عليه الصلاة والسلام- قلنا: لا سمع ولا طاعة، ولا تصْديق ولا إيمان، بين أيدينا كلام الله عز وجل، وهو الخالق عز وجل، والعالم بكل شيء. طالب: شيخ أحسن الله إليك، الجن هل يُرسَل إليهم رسُلٌ من جنسِهم؟ الشيخ: يقول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ [يوسف: ١٠٩]، إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ، وقال العلماء: إن الرجال لا يكونون مِن الجن، لكن في هذا التعليل نظَر؛ لأن الله يقول في سورة الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن: ٦]، قالوا الآية الأخرى: إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف: ١٠٩] مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، فيقال: الجن أيضًا من أهل القرى، قريتُك أنت فيها، والجن فيها أيضًا. لكن أيُّكم أحق بالأرض الإنس ولَّا الجن؟ طالب: الإنس. طالب آخر: الجن. الشيخ: كيف الجن يلَّا أطلع عن بيتك؟ الطالب: لأن -يا شيخ- الجن يمكن لهم أن يسكنوا في الأماكن التي لا يسكن فيها الإنس يسَعُهم ذلك وفي الفضاء. الشيخ: والإنس؟ الطالب: لا، الإنس ما يمكن. الشيخ: ما يمكن؟ الطالب: لا، قصدي في الفضاء، أما.. الشيخ: أما تعلم أن الآن فيه أقمار صناعية لها أربعة أشهر خمسة أشهر فيها إنس؟ الطالب: الغالب يعني.. الشيخ: على كلِّ حال الأحَقُّ هم الإنس لا شك، ولهذا لو اعتدى أحدٌ من الجن ونزلَ بيتك فلك أن تخرِجَه. الطالب: الدليل يا شيخ؟ الشيخ: الدليل هو هذا؛ أن الرسول عليه السلام جعل الأرض لمالكها: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . الطالب: الدليل على أنهم أولى من الجن؟ الشيخ: هذا هو، أنا أستطيع أن أحرِث في الأرض وأزرع وأبني وأعمل ما شئت ولا معارِضَ لي، لكن لو جاؤوا واعْتَدوا على بيتك وحفرُوا فيه، وأصبحْت وإذا السطح مملوء من الزرع، والمجالس مملوءة من النخيل. الطالب: لو قالوا: نحن أولى بالبيت؛ الجن؟ الشيخ: على كل حال، جزاك الله خيرًا تنازَل لهم! الطالب: شيخ بارك الله فيك، ألا يجوز أن يكون قولُه سبحانه وتعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَعلى أنه يوم القيامة من باب قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١]؟ الشيخ: لا، أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُلولا أنه قال: فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُلكان على ظاهره.
طالب: (...) لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٦ - ٢٩]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. قوله: قَيَّضْنَا لَهُمْمعناها؟ طالب: قال المفسر: إن معناها سبَّبْنا لهم، والصحيح أن معناها هيَّئْنا لهم. الشيخ: نعم، و(القرناء) جمع أيش؟ الطالب: جمع (قرين)، ويشمل هنا الإنس والجن؟ الشيخ: نعم. مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؟ طالب: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْمن الدنيا. الشيخ: وَمَا خَلْفَهُمْ؟ الطالب: من الآخرة. الشيخ: هل الآخرة خلفهم ولَّا أمامهم؟ الطالب: أمامَهم، لكن هنا تأتي بمعنى (أمام) أيضًا، كقوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩]. الشيخ: يعني الخلف والوراء قد يأتي بمعنى الأمام، كما في الآية التي ذكرت. ما معنى التزيين لهم في الدنيا؟ طالب: التزيين لهم في الدنيا على حالتين: إما أنهم ينكِرُون البعث، وإما أنهم يمَنُّونهم. الشيخ: لا، هم زيَّنُوا لهم ما بين أيديهم في الدنيا. الطالب: إي، التزيين في الدنيا الوسوسة لهم بالشهوات. الشيخ: نعم. الطالب: وتلذيذهم بالشهوات. الشيخ: وتمني الأماني وأنَّ الله سيغفر لهم، وما أشبه ذلك. طيب وَمَا خَلْفَهُمْكيف التزيين؟ الطالب: وَمَا خَلْفَهُمْتزيين على حالتين: الأولى بإنكار البعث، والثانية بأن يمنِّيهم أن لهم الحسنى في الآخرة. الشيخ: تمام، إنكار البعث بأن قالوا: لا تخافوا، ما فيه بعث. الطالب: هذا ينطبق على الملاحدة. الشيخ: أو أنهم قالوا: إنْ بُعِثْتُم فلكم الحسنى عند الله، طيب بارك الله فيك. قوله: فِي أُمَمٍتقديرها؟ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ؟ الطالب: في جملة الأمم. الشيخ: لماذا لم نقل: إن (في) للظرفية و(أمم) هي الظرف؟ طالب: لأنا لو قلنا: للظرفية يدُل أن الأُمة ليست داخلة في العقاب وفي العذاب، إذا قلنا: في جملة أمم (...). الشيخ: غير هذا؟ طالب: إذا قلنا: في أمم يكون المعنى: مشاركون كل الأمم، والمعنى أنهم أمة يعني.. الشيخ: وهم أمة منفردة، إذن المعنى: في جملة الأُمم. قال الله تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ [فصلت: ٢٥] إلى آخرِه. من فوائد هذه الآية: بيان عظمة الله عز وجل في قوله: وَقَيَّضْنَا؛ لأن (نا) تفيد العظمة. ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقِلٌّ بعملِه وإنه لا علاقة لله تعالى به. والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام: القسم الأول: مَن قال: إن الإنسان مُجبرٌ على عمله وليس له إرادةٌ ولا اختيار، وإن فعلَه الاختياري كفعلِه الاضطراري، فالذي يذهب ويجيء باختيارِه كالذي يرتعِش أو يمشي مجنونًا في الأرض. وهذا مذهب مَن؟ مذهب الجبرية، زعيمُهم الجهم بن صفوان الذي تتلْمذ على الجعد بن دِرهم. الطرف الثاني: مَن قال: إن العبد مستقِلٌّ بعمله وليس لله فيه علاقة، فالإنسان مرِيدٌ مختَار ولا لأَحدٍ عليه سلطة. وهذا مذهب مَن؟ القدرية وهم المعتزلة، والقدرية يُسَمَّون مجوسَ هذه الأمة؛ لأنهم ادَّعَوا أن للحوادث خالِقَيْن، فالحوادث التي مِن فعل الله هي مِن فعلِه، والحوادث التي هي مِن فعل العبد هي مِن فعلِه استقلالًا، وهؤلاء هم المعتزلة ومَن ضاهاهم، وزعماؤهم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء. القول الثالث: مَن قالوا: إن العبد له إرادة واختيار ولكنَّ إرادتَه واختيارَه تابعةٌ لإرادة الله تعالى ومشيئتِه. وهؤلاء هم السلف الصالح أهلُ السنة والجماعة، فقالوا: إن العبد هو القائم الصائم الراكع الساجد الذاهب الجائي هو العبد، وليس الله، وقالوا: إن هذه الأفعال تُنسَبُ إليه، وما أكثرَ ما في القرآن جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، جزاءً بما كانوا يفعلون، وما أشبهَ ذلك، لكنها لم تقَعْ خارجَةً عن قدرة الله تعالى ومشيئتِه بل هي تحت قدرة الله ومشيئتِه. وفائدة ذلك أنه إذا وقع الفعلُ منَّا علِمْنَا أن الله قد شاءَه وأرادَه ولسنا مستقِلِّين به. طيب هذه الآية وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْتردُّ على الطائفتين جميعًا؛ قَيَّضْنَاترد على القدرية، فَزَيَّنُوانسبَتِ الفعل إليهم، تَرَدُّ على الجبرية. من فوائد الآية الكريمة: الحذَر من الوساوس التي يلقيها الشيطان لفاعلِ المعصية ويزَيِّنُها له، ويقول: هذه سهلة، الله غفورٌ رحيم، افعَلْ هذا ثم تُبْ، وما أشبه ذلك، احذَر من هذا؛ فإنَّ هذا وعدُ الشيطان وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء: ١٢٠]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين تابعوا القرناء قد خسِرُوا؛ لقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين استحسنوا ما زَيَّن لهم القرناء حَقَّ عليهم القول، وسبق أن القول على رأي المؤلف هو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [الأعراف: ١٨]، وعلى ما ذكرناه هو قوله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٩٦]، ولا يبعد أن يكون المراد بذلك الأمران جميعًا. من فوائد الآية الكريمة: كثرَة الضالين بهؤلاء القرناء؛ لقوله: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ.
تفسير الآية (٢٦)
٠٠:٤٧:٥٧
قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [فصلت: ٢٦] (عند قراءة النبي صلى الله عليه وسلم)؛ يعني: للقرآن، قال: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ؛ يعني: أن بعضَهم يوصي بعضًا يقول: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ؛ أي: لا تنصتوا له، ولا تستمعوا إليه، وابتعدوا عنه؛ وذلك لأن القرآن يؤَثِّر في قلبِ مَن يسمَعُه، حتى إن بعض المشركين من كُبرائِهم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمِعُون قراءته اختفاءً في الليل لئلا يطلع عليهم؛ لأنهم يسمعون قولًا يسلِب العقول ويأخذ بالنفوس، فهم يوصي بعضهم بعضًا يقولون: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ. والقرآن هو كلام الله، وهو على وزن (فُعْلَان)، و(فُعلان) مصدَر كالغُفْران والشُّكْران، وهل هو مِن (قَرَأَ) أو مِن (قَرَى) أو منهما جميعًا؟ نقول: هو صالح للجميع؛ فإن كان مِن (قَرَأَ) فهو من القراءة وهي التلاوة، وإن كان من (قَرَى) فهو مِن: قَرَى يَقْرِي، بمعنى جمع، ومنه القرية؛ لأنها تجمَع أقوامًا، فالقرآن جامع. ثم هل هو فاعل أو مفعول؟ نقول: أما إذا كان من (قَرَأَ) فهو مفعول؛ لأنه قرآن مقروءٌ، فهو مصدَر بمعنى المفعول، وإن كان مِن (قرى) فهو بمعنى فاعِل وبمعنى مفعول؛ أي: أنَّه مشترك بين فاعل ومفعول، فهو جامِع وهو مجمُوع؛ لأنه يُكتَب وتُجمَع حروفه بعضُها إلى بعض، والمراد به ما نزلَ على محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِلِهَذَا الْقُرْآنِ، ما المراد بالإشارة هنا؟ ولماذا لم يقولوا: لا تسمعوا للقرآن؟ المراد بها التحقير؛ يعني هذا لا يساوي شيئًا لا تسمعوا إليه، ويُشبِهُ هذا من بعض الوجوه قولُهم: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء: ٣٦]، أهذا الذي يذكر آلهتكم؟! احتقار؛ يعني: أهذا الذي يسبُّها مَن هو؟! أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [الفرقان: ٤١]، وهذا للاحتقار لكنه مستفاد مِن الاستفهام، أما هنا فهو مستفاد مِن الإشارة الدالة على التحقير. (وَالْغَوْا فِيهِائتوا باللغط ونحوه، وصيحُوا في زمن قراءته) الْغَوْا فِيهِ؛ يعني: عندما تسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرَأ صَوِّتُوا وتصايحوا؛ لأجل أن تُخَلِّطُوا عليه قراءته وتحولُوا بينه وبين السَّماع، يعني فهم يفعلون ذلك لأمرين: الأول: التخلِيط على النبي عليه الصلاة والسلام في قراءته، والثاني: ألَّا يسمع أحدٌ قراءتَه من أجل الضوضاء واللغَط. وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَهذه (لعل) للتعليل، وكما تعلمون أن (لعل) تأتي للتعليل، وتأتي للإشفاق، وتأتي للتَّرَجِّي، وتأتي للتمني، كلُّ هذه المعاني تختَلِف بحسب السياق؛ لأن السياق هو الذي يُعَيِّن معاني الكلمات. (لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَفيسكت عن القراءة)؛ لأنه إذا سمع الأصوات والضجة والضوضاء واختلطَت عليه قراءته فإنه لا يرى فائدة من القراءة، وحينئذٍ يسكُت، هذا ما يفعله هؤلاء المشركون. في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: خوف المشركين وانزعاجُهم من تأثير قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. وجهُ ذلك أن بعضهم يوصي بعضًا ألَّا يسمعوا لهذا القرآن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة تأثِير القرآن على سامعه، وهذا هو الواقع؛ لقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]، لكن القرآن إنما يؤثر على مَن يفهم اللغة العربية ومعاني الكلمات، وأما الأعجمي حقيقة أو حُكمًا فإنه لا يتأثَّر بها، ثانيًا: إنما يؤثِّر القرآن -وهو كمال التأثير- على المؤمن به، أما المكذِّب المستكبر فلا، حتى إنه يقول: هذا أساطير الأولين. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز اللغط والضوضاء حين قراءة القرآن؛ فإما أن تستمِعَ إليه، وإما أن تقوم، أمَّا أن تجلس إلى قارئ القرآن وتُثير الأصوات واللغط والضوضاء فهذا أقَلُّ ما فيه أنَّه شبيهٌ بصنيع من؟ المشركين، هذا أقل ما فيه، يعني لو قدرنا أن هؤلاء القوم الذين عندَهم اللغط والضوضاء لا يُرِيدون أن يُشَوِّشُوا على القارئ، ولا يريدون ألَّا يستمِعَ قراءتَه أحد، لكن نقول: أدنى ما فيه أنه مشابِه لعمل المشركين. ويتفرَّع على ذلك ما يفعله بعضُ الناس في متاجرهم ومساكنِهم؛ يفتَحُون القرآن على المسَجِّل ويجعلونه يقرَأ، وتجدُهم في ضوضاء وفيه كلام قبيح وفيه كذب، وهذا إهانةٌ للقرآن، فنقول: إما أن تستمِع إلى كلام الله، وإما أن تُغْلِقَه، أما أن يبقَى يُقرأ، وهذا يشتم، وهذا يلعَن، وهذا يكذِب، وهذا يغِش، فهذا في غاية الامتهان لكلام الله عز وجل، وإن لم يُرِدْها الإنسان فإن صورتَه صورةُ الامتهان. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التشويش على الداعية قد يظُنُّ فاعلُه أنه يغلِب ويصِل إلى مقصوده ولكن ليس الأمر كذلك، وجه الدلالة مِن هذا أن هؤلاء المشركين لم يحصل لهم مطلُوبُهم مِن الغَلَبة.
تفسير الآية (٢٧)
٠٠:٥٥:٣٠
قال الله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٧]، فَلَنُذِيقَنَّالجملة هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر، ويدُلُّنا على القسم توكِيد الفعل واللام أيضًا، والثاني: اللام، والثالث: النون. فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا؛ أي: لنُعَذبَنَّهم عذابًا يذوقون ألَمَه، وهو كنايةٌ عن شدة هذا العذاب الذي يصِل إلى مذاقهم حتى كأنه شيء محسُوس يتذَوَّقُونه بأفواههم، فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواالمراد بالذين كفروا مَن سبق، وهم الذين قالوا: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ [فصلت: ٢٦]. وحينئِذٍ قد يقول قائل: لماذا لم يُضمِر فيقول: فلنذِيقنهم؟ نقول: هنا إظهار في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: الفائدة الأولى تنبيهُ المخاطَب. كيف ذلك؟ لأنه جرَتِ العادة أن الكلام إذا كان السياق يقتضي الإضمار فإنه يأتي الإضمار، فإذا جاء الإظهار صار هذا على خلاف العادة، العادة أن الكلام إذا كان في سياق الإضمار فإنَّ الذي يأتي هو الإضمار؛ يعني الضَّمير، فإذا جاء الظاهر موضِع الضمير فسوف يتوقف الإنسان: لماذا جاء الظاهر موضع الضمير؟ فيكون في ذلك انتباه له. هذه فائدة. الفائدة الثانية: الحكم على مَرْجِع هذا الضمير بمقتضى هذا الاسم الظاهر، ففي الآية التي معنا فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذن يكون الفائدة الحكم عليهم بالكفر، وهكذا كلما جاء الإظهار في موضع الإضمار فاحكُم عليه بهذه الفائدة. الفائدة الثالثة: العموم، لو قال: (فلنُذِيقَنَّهم(صار هذا الوعيد خاصًّا بالذين قالوا: لا تسمعوا لهذا القرآن، فإذا قال: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواصار عامًّا لهم ولغيرهم. من يعيدها علينا؟ طالب: أولًا: تنبيه المخاطب، ثانيًا: العموم، وثالثًا.. الشيخ: الحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه، هذا الظاهر، انتبه، فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا، هنا عَذَابًا شَدِيدًامنصوب، فما الذي نصبَه؟ طالب: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، الفعل فَلَنُذِيقَنَّ. الشيخ: الذي نصبه فَلَنُذِيقَنَّ، هل (نُذِيق) تنصِب مفعولًا واحدًا أو مفعُولين؟ الطالب: تنصب مفعولًا واحدًا. الشيخ: مفعولًا واحدًا؟ الطالب: مفعولين. الشيخ: مفعُولين؟ كيف مفعولين؟ ويش الدليل أنها تنصب مفعولين؟ لأن لدينا قاعدة: إن الفعل إذا تعدَّى لواحد فأُدْخِلَت عليه همزة التعدية، تعدَّى لاثنين، وإذا كان يتعَدَّى لاثنين فأُدخِلَتْ عليه الهمزة، تعدى إلى ثلاثة. مثال ذلك: (ذاق) ذاق تتعدى إلى كم؟ واحد، «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا» ، فإذا دخلت عليها الهمزة تعَدَّت إلى مفعولين. و(رأى) تقول: رأيتُ الرجل قائمًا، تنصب مفعُولين فإذا أدخَلْت عليها الهمزة، تعدَّت إلى ثلاثة، فتقول: أرَيْتُ زيدًا الرجلَ قائمًا. هذه قاعدة عربِيَّة مُطَّرِدة؛ أن الفعل إذا كان لازمًا، فدخَلت عليه الهمزة تعدَّى لواحد، إذا كان متعدِّيًا لواحد فدخلَت عليه الهمزة، تعدَّى لاثنين، إذا كان متعَدِّيًا لاثنين فدخلت عليه الهمزة، تعدَّى لثلاثَة. طيب فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًاعَذَابًاأي: عقوبَة، شَدِيدًاقويًّا، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْمعطوف على لَنُذِيقن، أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَنَجْزِيَنَّهُمْهذه تنصب مفعولين؛ الأول الهاء، والثاني أَسْوَأَ. (أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَأي: أقبحَ جزاءِ عملِهم)، شوف أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَهل هم يُجزَون أسوأ الذي كانوا يعملون أو يجزون جزاءهم؟ نعم، هم يُجزَوْن الجزاء، العمَل منهم، ليسوا مَجْزِيِّين به، هم الذين عملوا، فإذا قال: أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَصار المراد بذلك أسْوَأ الجزاء، وليس المراد: أسوأ العمل؛ لأن العمل فعل العبد، والجزاء فعلُ الله به. والمراد هنا فعل العبد أو فعلُ الله به؟ فعل الله به، ولهذا قال: لَنَجْزِيَنَّهُمْ. فإذا قال قائل: لماذا عبَّر بالعمل عن جزائهم؟ نقول: إشارةً إلى أن الجزاء بقدْر العمل. ولهذا قال العلماء: الجزاء من جنس العمل، لكنه بالنسبة للسيئات عدْل، وبالنسبة للحسنات فضْل؛ الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، والسيئة بمثلِها. وقوله: أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَظاهر الآية أن الله يجزيهم أسْوأ أعمالِهم، وغير الأسوأ؟ غير الأسوأ ما دون الأسوأ؛ يعني السيئ، فهل يُجازَى الكافر بأقبحِ أعماله أو بكل أعماله؟ هذا ينبني على هل الكافر مخاطبٌ بالفروع أو غير مخاطَب؟ تعرفون معنى المسألة هذه؟ يعني مثلًا: الكافر هل هو مُخاطب بصلة الرحم؟ هل هو مُخاطب بالصِّدْق؟ هل هو مخاطب بالصلاة؟ هل هو مخاطب بالزكاة؟ وما أشبه ذلك. في هذا خِلَاف بين العلماء، والصحيح أنه مُخاطَب بفروع الأعمال؛ لأنه إذا كان المسلم مُخاطبًا بها فالكافر من باب أولى، كيف نقول: إن المسلم يُجازَى ويُعاقَب على عقوق الوالدين والكافر لا يُعاقب؟! لا يمكن هذا، فالصواب أنهم مُخاطَبُون بفروع الشريعة لكنهم غيرُ مخاطبِين بفعلها؛ يعني ما يقال الكافر اللي يشْرَب الدخان، نقول له: تعال، لا تشرب الدخان، حرام عليك، لائِق هذا ولَّا غير لائق؟ غير لائق، رجل كافر؛ ادعُه أوَّلًا للإسلام ثم كلِّمْه. إذن (يخاطب بفروع الشريعة) ليس معناه أنَّه يُؤمَر بفعلها، لا، هل (يُخاطب بفروع الشريعة) يعني يقضيها إذا أسلم؟ لا؛ لأن الله قال: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨]. إذن أيش الفائدة؟ قال العلماء: الفائدة بقولنا: (إن الكافر مُخاطَب بفروع الشريعة) هو زيادة عقوبتِهم في الآخرة؛ أنهم يعاقبون عليها، وهذا حَقٌّ؛ أصحابُ اليمين يتساءلون عن المجرمين مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر: ٤٢]؛ يعني: ما الذي أدخلكم في النار؟ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]، فذكَرُوا الصلاة وإطعَام المسكِين وهما مِن فروع الشريعة، فعلى القول بأنهم لا يُجازون بفروع الشريعة، نقول: نعم، يوم القيامة لا يُجازَون إلا على أسوأِ أعمالهم وهو الكفر، ولكن على القول الراجح -أنهم يخاطبون بفروع الشريعة ويُعاقبون عليها- يكون هنا أَسْوَأَذكَرَ الأسوأ لأنه هو الأشَدُّ، والمقصود هنا التهديد. وهل الإنسان يُهدَّد بالأخف أو بالأشد؟ بالأشد، هذا هو الظاهر، الله أعلم، (الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَأي: أقبح جزاءِ عملِهم(. في الآية الكريمة هنا: وَعِيد هؤلاء الكفار بالعَذَاب الشديد، وهذا مِن أساليب القرآن؛ أن الله تعالى يُهَدِّد الكافر والمجرِم وغيرَهما ممن أسَاؤوا. وفيه دليل على: أنَّه ليس مِن القدح أن يقُومَ الإنسان بطاعَة الله خوفًا مِن عذاب الله؛ أنه لا حرج، وليس من القدح أن يتجَنَّب الإنسان معصية الله خوفًا من عقابه، خلافًا لِمَن قال: اعبُدِ الله لله، لا طمعًا في ثوابِه، ولا خوفًا من عقابِه. وهؤلاء ترُدُّ عليهم النصوص كلُّها، بل إن الله تعالى جعل عقوبة الدنيا سببًا للردع عن المعاصي؛ قال الله تعالى في قضية السارق: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: ٣٨]، فلم يشرَعِ اللهُ الحدود إلا من أجل أن يخاف الناس منها ويجتَنِبُوا المعاصي، والقرية التي دُمِّرَت -قرية بني إسرائيل- حتى صار أهلها قِرَدَةً خاسئين، لماذا؟ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا [البقرة: ٦٦]، فالحاصل أنَّه لا حرَجَ على الإنسان أن يدعَ المعاصي خوفًا من عقوبة الله الدنيوية أو الأخروية، ولا يُعَدُّ ذلك قدحًا في سلوكه ومنهجه. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب. وهل يكون في الدنيا، أو في القبر، أو في الآخرة، أو في الجميع؟ في الجميع، قال الله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى [السجدة: ٢١] وهو عذاب الدنيا، دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِوهو عذاب الآخرة، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَوهذا يتعين أن يكون المراد بالعذاب الأدنى ليس عذابَ القبر كما قيل، بل هو عذاب الدنيا؛ لأن عذاب القبر لا يمكن فيه الرجوع، فإذن العذاب الأدنى هو عذاب الدنيا، والعذاب الأكبر هو عذاب الآخرة، ولهذا جاء في الحديث -حديث المتلاعِنَين- أن الرسول قال: «عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ» . من فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء بالأسوأ؛ لقوله: أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ. ومن فوائدها: أن الجزاءَ مِن جنس العمل؛ فالجزاء الصالح للعملِ الصالح، والجزاء السَّيِّء للعمل السيء، وهذا -سبحان الله!- حتى في مجازاة الدنيا؛ قال الله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، فإذا أساءَ إليك إنسان بسيِّئَة فلك أن تقابلَه بمثلها، وإن عفوت وأصلحت فأجرُك على الله. طالب: شيخ بارك الله فيكم، كما تفضلتم أن كثيرًا من الناس يُشَّغِلون القرآن في المنازل والمتاجر، لكن إذا كان القرآن في منزل وكان أهله لم يعتادوا اللغط والسب والشتم، لكن ربما تحدثوا أحاديث جانبية؛ كأن يكونوا في المطبخ -مثلًا- أو ما أشبه ذلك، ثم إن القرآن على إذاعة القرآن يأتي مرة حديث، ومرة قرآن، وهم يبغون بهذا، يعني يُحِبُّون القرآن ويأنَسُون به ويستفيدون فائدة كثيرة، يقولون: إذا لم نشغل قرآنًا تأتي هواجس، وتأتي الإنسان..؟ الشيخ: على كل حال، هذه ما تحتاج تطول الشرح، هل هم يلْغُون فيه ولَّا لا؟ الطالب: لكن لا ينتبهون أحيانًا. الشيخ: هذه حتى الإنسان اللي يقرأ والمصحف بين يديه لا ينتبه أحيانًا، أحيانًا يقرأ بفمِه وقلبُه ليس بقارئ. الطالب: المحظُور اللغو فقط؟ الشيخ: المحظور اللغو نعم، المحظور أن -مثلًا- الناس داجِّين وصاجِّين بدنياهم والقرآن يُقرَأ، أما -مثلًا- امرأة تطبخ أو تصلِّح شاهي أو تغسل ثيابها وتستمِع للقرآن فهذا ما يُوجب التَّلاهي عنه. طالب: شيخ، ألا يمكن الأخذ من قوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَأنه يجازيهم أسوأ عملِهم هذا، وهم اللغو بألَّا يهتَدوا إلى معانيه التي تهديهم إلى الخير، فتكون مجازاتُهم من جنس عملهم كذلك؟ الشيخ: لا؛ لأن هذا فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًاهذا في الآخرة، الوعيد هنا في الآخرة. طالب: أحسن الله إليك، بعض أهل العلم استدل بقوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى [السجدة: ٢١] على عذاب القبر، ما وجه استدلالهم من هذه الآية؟ الشيخ: ظنُّهم أن العذاب هنا عقوبة الآخرة، وقالوا: إن عقوبة القبر قبل عقوبة يوم القيامة. الطالب: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَكيف يوجِّهونَها؟ الشيخ: يمكن يوجهونها؛ يعني يحرفُونها عن ظاهرِها، فيقول: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ؛ يعني: أخبرْنَاهم بذلك لعلهم يرجعون، لكن هذا خلاف ظاهر اللفظ. طالب: إذا قلنا: إن هذه في عذاب الدنيا، كيف نُثبِت مِن القرآن إثبات عذاب القبر؟ الشيخ: كثير في القرآن، ما مرَّ عليك؟ ما فيه إلا هذه الآية اللي فيها إشكال عندك؟ الطالب: آل فرعون بس. الشيخ: ويش آل فرعون؟ الطالب: يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر: ٤٦]. الشيخ: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال: ٥٠]، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣]. طالب: بعضهم يستدل بهذه الآية على.. الشيخ: أي آية؟ الطالب: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى، بعضهم يستدل بها على عذاب القبر يقول: إن العذاب الأدنى هو عذاب الدنيا، ولكن مِنَفي الآية للتبعيض، فعلى هذا تبقى لهم بقية من هذا العذاب يُعَذَّبون به في القبر. الشيخ: لا، هذه مِنَللبيان؛ بيانية، هذا هو الأقرب، يجوز أن تكون للتبعيض: ولنذيقنهم بعض العذاب الأدنى، ما له حاجة؛ يعني إثبات عذاب القبر -والحمد لله- جاء في آياتٍ صريحة، ما يحتاج أن نأتي عليه بآية تحتمل هذا وهذا، وهي في غيرها أرجح (...) في الدنيا ليس لها ثمرة إطلاقًا. طالب: شيخ، مَن يشغل القرآن في مسجِّل ويرَدِّد معه؟ الشيخ: يعني للتَّحَفُّظ؟ الطالب: للتحفظ ولتحسين النطق. الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع. طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة للصحيح في الحكم لمن يتكلَّم أثناء قراءة القرآن في غير الفاتحة، هل يجب الاستماع أم لا يجب؟ الشيخ: في الصلاة يعني؟ الطالب: يعني: في غير الصلاة. الشيخ: لا، الصحيح أنه ما يجب الاستماع لكن لا يجوز اللغط، ولهذا قال الإمام أحمد في قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: أجمَعُوا أنَ هذه في الصلاة، أما غير الصلاة ما يجب أن نستَمِع؛ لأنه لو قلنا بوجوب الاستماع لقلنا: إذا شرَعَ قارئ يقرَأ وأنتَ إلى جنبِه حرُمَ عليك أن تقوم؛ لوُجوب الاستماع، وهذا ما أظن أحدًا من العلماء يقول به، الممنوع اللَّغْو واللَّغَط.
تفسير الآية (٢٨)
٠١:١٤:٢٩
طالب: (...) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: ٣١ - ٣٣]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ٢٨]. يقول المؤلف رحمه الله المفَسِّر: (ذَلِكَالعذاب الشديد، وأسوأُ الجزاء جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِبتحقيق الهمزة الثانية وإبدالها واوًا) يعني أن في ذلك قراءتين؛ الأولى تحقيق الهمزة: جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ، والثانية قلبُها واوًا: {جَزَاءُ وَعْدِاءِ اللَّهِ}، وهذا مُطَّرِد في كل همزةٍ بعد واو؛ أن تُحققَ أو تُقْلَبَ واوًا. ومِن ذلك قول المؤذن: الله وكْبر؛ يعني أنَّه يجُوز إبدالُ الهمزة واوًا وتحقيقُها: اللهُ أَكبر، وهذه اللغة تهَوِّنُ علينا ما يفعله بعض المؤذنين من قلبِ الهمزة واوًا، فتجدُهم يقولون: اللهُ وَكبر، كما أنه يهوِّن علينا أيضًا اللغة التي تنصِب الجزأين في (إن) وأخواتها، حيث إن بعض المؤذنين يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، فإنَّ نصبَ الجزأين بـ(أن) لغة عربية ثابِتَة. ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِمَن أعداء الله؟ أعداء الله تعالى هم الذين نصبُوا له العداوة، وذلك بمحاربته بالمعاصي، ومنهم الذين آذَنُوا بحرْبٍ مِن الله ورسوله أكَلَةُ الربا؛ لقولِ الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. المهم أن عدُوَّ الله مَن نصبَ له العداوة وذلك بمحاربَته بمعاصيه. وقوله: (النَّارُعطف بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك، لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ)، يعني: أن كلمة (النار) (عطفُ بيان للجزاء المخبَر به عن ذلك)، فأفادنا أن (ذا) مبتدأ، و(جزاءُ) خبر المبتدأ، و(النار) عطف بيانٍ له ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ، كأنَّ الكلام على إعراب المؤلف انتهى ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ. ثم قال: النَّارُعطف بيان لهذا الجزاء، ويحتمِل أن تكون ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُذَلِكَمبتدأ، وجَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِعطف بيان له، لكن ما مشى عليه المؤلف أقرَب للقَواعد. (النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ [فصلت: ٢٨] أي: إقامةٌ لا انتقالَ منها) دَارُ الْخُلْدِأضاف الدار إلى الخُلد مِن باب إضافة الموصُوف إلى صفتِه؛ يعني: دار الخلود التي ليس فيها انتقال، ويجوز أن تكون مِن باب إضافة الشيء إلى نوْعِه؛ لأن الدور تنقَسِم إلى أقسام: دورٌ هي دورُ انتقال، ودورٌ هي دار خلد؛ فدُور الانتقال بطْن الأم، والثاني: الحياة الدنيا، والثالث: البرزخ، ودار الخلد هي الأخيرة. ويُذْكَرُ أن أعرابِيًّا سمِع قارئًا يقرأ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر: ١، ٢]، فقال: والله ما الزائر بمُقِيم، وإنَّ هناك دارًا أخرى. وهذا لا شكَّ أنَّه مِن قوة الاستنباط والفهم. (جَزَاءًمنصوب على المصدر بفعله المقَدَّر) منصوب على المصدر، والمصدر لا بد له مِن عامل، والعامل تارة يكون مِن لفْظِ المصدر، وتارة يكون من معناه؛ فإذا قلت: قمتُ وقوفًا، فالعامل مِن معناه، وإذا قلت: وقَفْت وقوفًا، فالعامل مِن لفظه. المقَدَّر يُقَدَّر مِن لفظِه ولا يُقَدَّر مِن معناه؛ لأننا لا نلْجَأُ إلى تقْدِير المعنى إلا إذا وُجِد أمامنا ما يختَلِف في لفظه، وأما إذا لم نجدْ فيُقدَّر مِن لفظه. وعلى هذا فيكون التقدير: يجزون جزاءً، بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ؛ أي: بكونهم يجحَدون، وعلى هذا فـ(ما) هنا مصدرية، ولا تصِحُّ أن تكون موصولة، وقال: (بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَاالقرآن يَجْحَدُونَ) أي: يُكَذِّبُون، وإنما قدَّرنا يكذبون مِن أجل تعدِّيها بالباء؛ لأن (جَحَدَ) تتعَدَّى بنفسها، فيقال: جَحَدُّت الشيء؛ يعني: أنكَرْتُه، لكن إذا عُدِّي المعمُول بالباء صار الجَحْد مُضَمَّنًا معنى التكذيب؛ أي: بما كانوا يُكَذِّبُون بآياتنا. في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن جزاءَ أعداء الله هي النار ولا بد، ولهذا قال: ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ، وبَيَّنَ أن هذا الجزاء هو النار. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خُلْدِ أهل النار فيها؛ لقوله: دَارُ الْخُلْدِ. وهل التَّخليد مؤَبَّد أو مُؤَقَّت؟ المقطوع به أنه مُؤَبّد؛ لأن الله تعالى صرَّح به في آياتٍ ثلاثة: في النساء، وفي الأحزاب، وفي الجن؛ ففي النساء قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ عَدْلِ الله عز وجل، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا إلا بذنب؛ لقوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ. ومن فوائدِها: إثباتُ الأسباب، يستفَاد مِن قوله: بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ؛ لأن الباء هنا للسببية. ومن فوائد الآية الكريمة: أن التكذيب بآياتِ الله رِدَّة؛ لأن الله وصَفَ المكذبين بأنَّهم أعداء، وأنَّ جزاءَهم دارُ الخلد، وهذا أمرٌ متفق عليه؛ أن مَن كذَّبَ الله ورسوله فإنه مرتدٌّ كافر يستتاب، فإن تاب وأقَرَّ، وإلا قُتِل. فإن قال قائل: من المعلوم أن مَن كذَّبَ شيئًا من القرآن فهو مرتدٌّ؛ لأن القرآن ثبَتَ بالتواتر فهل مَن كذَّبَ بشيءٍ من السنة يكون كذلك؟ نقول: إذا صحَتِّ السنة وقال القائل: أنا أعلَم أن هذا مِن كلام الرسول لكنَّه ليس بصحيح، فهذا مرتدٌّ؛ لأنَّه أقَرَّ بصِحَّة نسبتِه إلى الرسول ثم كذَّبَه، أما لو كذَّبَه بناءً على استبعادِ أن يكون صَدَرَ من الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يكفُر؛ لأنه متَأَوِّل، لكنه يجِبُ عليه أن ينظُر مرة بعد أخرى؛ حتى يتبَيَّنَ له الأمر. إذن مَن كذَّب شيئًا من القرآن فهو كافر بدون تفصيل؛ لثُبُوت القرآن ثُبوتًا متَوَاتِرًا لا توَاتُر مثله في أي كُتبٍ من الكتب. ومَن كذَّبَ شيئًا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ طالب: (...) صحت نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم كذَّبه، فهو كافر، أما إذا كذَّبها تأولًا وأنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قالها، فلا. الشيخ: نقول: إذا قال: إن هذا كلامُ الرسول حَقًّا لكنَّه ليس بصحيح، فهو كافِر؛ لأنه كَذَّب ما اعتَرَفَ بأنه قولُ رسولِ الله، وأما إذا قال: لا، أنا، إنه ينكِرُه؛ لأنه لم يثْبُتْ عنده، فإنه لا يكفر وإن ثبَتَ عند غيرِه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن آياتِ الله عز وجل بيِّنَة ظاهرة لا يمكن أن يُكَذِّبَ بها أحد؛ لقوله: بِآيَاتِنَا، وتخصيص المؤلف رحمه الله ذلك بالقرآن فيه شيءٌ من النظر بل يقال: إنَّه أعم. ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عظمة الله، حيث أتَى بضميرِ الجمع ولم يقل: بآياتي بل قال: بِآيَاتِنَا، ولا شك أن الله تعالى له العظمة المطلقة مِن كُلِّ وجه.
تفسير الآية (٢٩)
٠١:٢٦:١٧
ثم قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [فصلت: ٢٩]، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَاكفروا بمن؟ كفروا بالله عز وجل بسبَب إضلالِ الشيطان من الجِنِّ والإنس. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواأي يقول المؤلف: (في النار)، رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَاقوله: (في النار) هذا قيد لا يدل عليه القرآن فإنه يحتمل أنهم يقولون ذلك في النار أو في عرصات القيامة، الله أعلم، لكنَّهم لا بد أن يقولوا هذا القول. قال: رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِأَرِنَاأي: اجعَلْنا نرَى، واللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِاللَّذَيْنِاسم موصول مثَنى، والمراد الجنس لا الواحد. وقوله: أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِبيانٌ لـ(الذين)، قال المؤلف: (أي: إبليس وقابيل سنَّا الكفر والقتل) يعني معناه: أن المؤلف رحمه الله حمَل هذا العموم على التَّعْيِين، فقال: اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَامثنَّى (اثنين)؛ أحدُهما إبليس سَن الكفر، هو أوَّل مَن كفَرَ، والثاني: قابيل سَنَّ القتل، فالأول عدوانه في حق الله، والثاني عدوانه في حق عباد الله. أمَّا إبليس فأوَّل من سَنَّ الكفر؛ لأن الله أمره أن يسجد لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، وأما قابيل فأوَّلُ مَن سَنَّ القتل بغير حَقٍّ؛ لأنه قتَلَ أخاه حسدًا وبغْيًا، قرَّبا قربانًا فتُقُبِّل مِن أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر. وكيف عَلِما أنه تُقُبِّلَ من أحدهما دون الآخر؟ الله أعلم، إما أن يكون بنارٍ نزلت، فأكلَت ما تُقُبِّل، كما يكون ذلك في الغنائم سابقًا، وإما بغيرِ ذلك من العلامات، المهم أن أحدَهما تُقُبِّل منه، الثاني لم يُتَقَبِّل؛ الذي تُقُبِّلَ منه هو هابيل، والثاني قابيل لم يُتَقَبَّلْ منه، فحسدَه وقال: لأقتلنك. لماذا؟ حسدًا؛ لأن الله تقبَّل منه، فقال له أخوه هابيل: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧]. كأنَّه يقول له: اتَّقِ الله فيتقَبَّل منك، لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [المائدة: ٢٨]؛ يعني أنك إن أرَدت أن تقتلني (...) لأني أخاف الله، ولعلَّ هذا كان في شريعة مَن سبَقَ.