تفسير سورة فاطر - ٥
درس صوتي · ٩١:٥١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
يَخْشَوْنَأي: على صلة الموصول. وهنا قال: يَخْشَوْنَوَأَقَامُوا الصَّلَاةَفعطف الماضي على المضارع؛ لأن الخشية مستمرة في الأعمال كلها إقامة الصلاة وغيرها. وقوله: وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [فاطر: ١٨] قال المؤلف: (أداموها). والحقيقة أن إقامة الصلاة أعم مما قال، ففي تفسيره قصور؛ لأن إقامة الصلاة تشمل إتمامها وإكمالها والمحافظة عليها والمداومة عليها. واستمع إلى قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: ١، ٢] هذا من إقامته، أيش يقول فيها؟ ثم قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون: ٩] هذا أيضًا من إقامتها، يحافظ عليها، ويحرص عليها، على واجباتها ومكملاتها وأوقاتها. وقال في سورة (السائل): الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج: ٢٣]، وفي آخرها قال: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج: ٣٤]. فإقامة الصلاة تشمل كل ما فيه إكمالها وإتمامها وإدامتها، فهو أعم مما قال المؤلف. وقوله: الصَّلَاةَ [فاطر: ١٨] يشمل الفرض والنفل؛ لأن (أل) تفيد العموم؛ أي: أقاموا كل صلاة، والصلاة معروفة هي في اللغة: الدعاء. وفي الشرع: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. قال: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر: ١٨] الجملة هذه شرطية، وفِعْل الشرط فيها تَزَكَّىوجوابه: فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ. وقال: وَمَنْ تَزَكَّىقال المؤلف: (تطهَّر من الشِّرْك وغيره). تَزَكَّىأي: تطهر من الشِّرْك وغيره؛ لأن الزكاة تفيد معنى الطهر، والمراد بالتزكي هنا هو ما دل عليه قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: ١٤]، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩]؛ أي: مَنْ زكَّى نفسه؛ أي: طهَّرها من الشِّرْك. وقول المؤلف: (وغيره) كإرادة السوء مثلًا والمعاصي وإرادة المساوئ إلى الخلق، وغير هذا مما يجب على الإنسان أن يطهر نفسه منه، فهي إذن عامة.
هل يدخل في ذلك أداء الزكاة؟ نعم، يدخل في ذلك؛ لأن أداء الزكاة تطهر من البخل ومن (...) فهي داخلة في قوله: وَمَنْ تَزَكَّى [فاطر: ١٨]. وقوله عز وجل: فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر: ١٨]، والمراد بهذا الحث على التزكِّي؛ لأنك إذا تزكَّيْت فإنما تنفع نفسك؛ لأن (...) يتزكى فضرره على نفسه، فأنت إذا تزكيت فالذي ينتفع بتزكيك أنت نفسك، فالله عز وجل لا ينتفع بطاعتك، أما غير الله فقد ينتفع بطاعتك، لا لأن حسناتك له، ولكن قد ينتفع بطاعتك بالقدوة بك، وبما يحصل من عِلْم أو غير ذلك مما هو داخل في التزكية. وقوله: فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر: ١٨] أي: فعليه أن يحرص على التزكِّي. وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر: ١٨] الْمَصِيرُبمعنى (المرجِع)، كما قال المؤلف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. والْمَصِيرُمبتدأ مؤخر، وهذه الجملة تفيد الحصر؛ لأنه قُدِّم فيها الخبر وحقه التأخير؛ يعني: إلى الله وحده المصير؛ أي المرجع. هل هو في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة، إلى الله المصير في الدنيا والآخرة، فمرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، لا في الدنيا ولا في الآخرة. الأحكام الشرعية مرجعها إلى مَنْ؟ إلى الله وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]. الأحكام الكونية مرجعها إلى الله وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣].
الأحكام الجزائية اللي تكون يوم القيامة مرجعها إلى الله، فمصير كل شيء إلى من أبدع وأحدث كل شيء فالذي أبدع الأمور وأحدثها هو الله. إذن مرجعها إلى الله، فمنه المبتدأ وإليه المنتهى. قال المؤلف -تفريعًا على قوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر: ١٨]-: (فيجزي بالعمل في الآخرة)، وهذا إشارة من المؤلف إلى أنه قصر المصير هنا للمرجع يوم القيامة.
والصواب: العموم، وعلى هذا فهو سبحانه وتعالى يجازِي ويحكم قدرًا ويحكم شرعًا بين عباده. والفوائد الآن من؟ قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥]. في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله عز وجل مهما بلغوا في الغنى والقوة فإنهم مفتقرون إلى الله؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ. وهذا لفظ عام لا يخرج منه شيء. ومنها: بيان شدة حاجة الناس إلى الله؛ لقوله: أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُبـ(أل) الْفُقَرَاءُلو قال: فقراء لكان أهون لكن الفقراء معناه في جميع أحوالنا كلها مفتقرون إلى ربنا سبحانه وتعالى. ومنها، من فوائد الآية: بيان غِنى الله عن كل أحد؛ لقوله: وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ [فاطر: ١٥]. ومنها: أن لله الغنى المطلَق من جميع الوجوه يستفاد هذا من قوله: الْغَنِيُّ(أل) الدالة على العموم والاستيعاب.
فإن قلت: كيف تقول: إن الغنى لله وحده هو الغني؛ يعني ضمير الفصل يدل على الحصر، ولعلنا نأخذ هذه الفائدة أولًا. ومن فوائدها: أن الغني الكامل المطلق خاص بمن؟ بالله سبحانه وتعالى؛ بدليل قوله: هُوَ الْغَنِيُّ [فاطر: ١٥]. فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين ثبوت الغِنى لغير الله في الكتاب وفي السنة، قال الله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة: ٢٧٣]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» . فثبت بالكتاب والسنة أن البَشر فيهم الغني، كيف يثبت؟ الجواب: أن غِنى البشر غنى محدود نسبي قاصِر قابِل للزوال كما أنه كان حادثًا، أما غِنَى الله فهو غنى مُطلق كامل أزلي أبدي، (...) ما ثبت في الملك والخلق والتدبير وما أشبه ذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: (...) الفقراء والغني فيها نوع كمال لله سبحانه وتعالى، يتبين به نقص البشر تجاه كمال الله، ونظيره قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]، ثم قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ، [الرحمن: ٢٧] كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، فإن وصف المخلوق بالنقص، ثم إثبات الكمال لله هذا فيه دليل على كمال الله عز وجل، وأن كماله واضح جدًّا؛ لأنك إذا ذكرت عيب الآخر تبين لك كمال مقابله. ومن فوائد الآية الكريمة: أن غِنَى الله سبحانه وتعالى مقرون بالحمد؛ لقوله: الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥] بخلاف غِنَى البشر فإنه قد لا يكون محمودًا، كيف لا يكون محمودًا؟ إما؟ طالب: (...). الشيخ: أيش بعد؟ (...) إما بالبخل، وإما بكونه يأتي بدون استحقاق كالسُّرَّاق واللصوص قد يكونون أغنياء لكن اكتسبوه على غير وجهه المباح، أما غِنَى الله فهو غنى كامل يُحْمَد عليه. إذن يُحمد من جهة الغِنى ومن جهة الكرم بما هو غني فيه. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغني والحميد، كذا؟ الغني يدل على صفة، ما هي؟ طلبة: الغنى. الشيخ: والحميد يدل على صفة؟ طلبة: الحمد. الشيخ: وهي الحمد، ومجموعهما يدل على صفة ثالثة وهو كمال الغِنَى، نحن ذكرنا في القواعد (...) أنه قد يكون قد ينشأ من الجمع بين الاسمين أو وصفين، صفة ثالثة تحصل باقترانهما، ومثَّلنا هناك بالعزيز والحكيم (...)؛ لأنه يحصل باجتماعهما وصف أكمل. ثم قال عز وجل: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل حيث بيَّن أنه قادر على أن يذهبنا، ثم يأتي بخلق جديد. ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله إِنْ يَشَأْ [فاطر: ١٦]. ومن فوائدها: التحذير من مخالفته تعالى؛ لأنه المقصود بهذا التهديد وتحذيرنا من مخالفته. ومنها، من فوائدها أيضًا: أن الخلق حادث ليس أزليًّا؛ لقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [فاطر: ١٦]، هذه هي الدلالة. وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦] فيه أيضا دلالة كذا؟ أما الأولى: فوجه الدلالة أن ما كان قابلًا للعدم فهو قابل بالحدوث أو للحدوث. وأما الثانية فهي قوله: بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر: ١٦] هل نستفيد منها ثبوت حدوث أفعال الله باعتبار المفعولات؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم؛ لأن كل مخلوق كائن بالخلق، فإذا كان المخلوق جديدًا؛ لزم أن يكون الخلق أيضًا جديدًا، فمثلًا خلْق الله للجنين في بطن أمه حادث ولَّا لا؟ طلبة: حادث. الشيخ: حادث، ضرورة أن المخلوق حادث، أما جنس فعل الله فهو أزلي؛ يعني الله تعالى لم يزل فعَّالًا، فهناك فرق بين وصف الله تعالى بالفعل على الإطلاق وبين وصف الله بالفعل مقرونًا بالمفعول، فالفعل المقرون بالمفعول لا شك أنه حادث، والفعل المطلق أن الله لم يزل فعالًا لما يريد هذا أزلي. هل نستفيد من ذلك جواز تهديد الإنسان بالأشياء المحسوسة ليستقيم على أمر الله؟ نعم؛ لأن هذا تهديد من الله عز وجل لنستقيم على أمره. إذن نقول: إن العقوبات الحسية وإن حملت على الاستقامة فإنها محمودة؛ لأنها من فِعْل الله؛ ولهذا أوجب الله علينا أن نحد الزاني ونقطع السارق ولَّا لا؟ علشان أن يرتدع. لا يقول قائل: إنك إذا فعلتَ ذلك فإنك قد حملتَ الناس على أن يتركوا الأمر لا لله؛ لأن بعض الناس يقول: كيف هذا؟ كيف تقع في (...)؟ معناه أن الإنسان ما يرتكب الزنا أو السرقة إلا خوفًا من العقوبة؛ معنى ذلك أنك تحمل الناس على أن يدعوا المحارم لا خوفًا من الله ولكن خوفًا من العقوبة.
فنقول: إن هذا فيه إصلاح، ووسيلة الإصلاح ما عليه من نية الذي يحاول إصلاحه.
هل يستفاد منها جواز إعطاء الجائزة تشجيعًا لمن عمل صالحًا ولَّا لا؟ يعني بمعنى القياس العكسي؟ طلبة: لا (...). الشيخ: لا توافقوهم وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩] لا تداهنوا، هل يؤخذ من هذه الآية جواز إعطاء المكافآت لمن يعمل عملًا صالحًا من باب قياس العكسي؟ طالب: (...). الشيخ: الأخ! إيه، شو رأيك لو كان فيه معارضة؟ طالب: فيه بس بعيدة (...).
الشيخ: فيه، بس بعيدة، (فيه) خبر مقدم، و(بس) مبتدأ مؤخر!! الطالب: (...) أن الله سبحانه وتعالى إنما عاقبهم لفعل المعصية، إذا فعلوا المعصية عاقبهم (...) إذا فعلوا الطاعة أن الله سبحانه وتعالى يجازيهم على ذلك. الشيخ: يثيبهم على ذلك ألم يمر عليك: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ويُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ؟
الطالب: (...). طالب آخر: (...) مرجعهم مرجع.. الشيخ: (...) أي لكن فيه تشجيع.
على كل حال أنا أردت أنه هل يمكن أن تؤخذ من هذه الآية (...) المكافأة على العمل ثابتة في السُّنَّة وفي غير السنة أيضًا، الرسول قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . في الجهاد في سبيل الله، وسَلَبُهُ ما عليه من الثياب ونحوها، وهذه مكافأة.
والعلماء قالوا: يجوز أن يجعل لمن دلَّهم على حصن أو ما أشبه ذلك من الأمور التي فيها مصلحة للمجاهدين يجوز أن يجعل له جُعْلًا، وأنتم مر عليكم أن للإمام أن يخبر السرية ولَّا لا؟ في الرجعة وفي البداءة، كل هذه من باب المكافأة على فعل الخير هذا ثابت. لكن أنا قصدي هل نأخذه من الآية؟ نقول: يمكن أن نأخذ من الآية على سبيل قياس العكس. فإن قلت: أثْبِتْ لنا قياس العكس؛ لأننا في شك من إثبات القياس أولًا؟ نقول: عندنا إثبات قياس العكس، قال عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». يعني أن الرجل إذا أتى أهله فذلك صدقة، الصحابة قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِرْزٌ؟». قالوا: نعم. قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» . عرفتم؟ وفي الآية أيضًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر: ١٧]. وفيها: صِحة تقسيم أهل السنة لصفات الله إلى ثبوتية وسلبية، وقد ذكرت لكم أنَّ بعض الناس شك في كلمة سلبية وقال: ينبغي أن نقول: (...). ثم قال تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىإلى آخره [فاطر: ١٨]. يستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل آثام غيره؛ لقوله: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨]. وينبني على هذه الفائدة ثبوت كمال عدل الله عز وجل، حيث لا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد. ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يقبل التحميل إلا من كان أهلًا له؛ لقوله: وَازِرَةٌ؛ لأن غير الوازرة لا تحمل إثم نفسها فضلًا عن إثم غيرها، لكن الوازرة تحمل إثم نفسها لا تحمل إثم غيرها.
من فوائدها أيضًا: منع الاتكالية على الغير؛ لأن الإنسان قد يعمل ويقول: سيهيئ الله لي أحدًا يدعو لي، أو يستغفر لي، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا لا تعتمد عليه. فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: ١٣]؟ طالب: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا [العنكبوت: ١٣]؛ لأنهم هم قدوة في ذلك، في إضلال غيرهم، فباقتداء غيرهم بهم يحملون أثقالهم. الشيخ: لأن أثقال غيرهم الحقيقة ناشئة عن أثقالهم، فصار كأنهم الذين عملوها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . من فوائد الآية الكريمة: نشوف قياس العكس إذا كانت النفس لا تحمل إثم غيرها فهل تُلزم بالواجب على غيرها أو تقوم (...) غيرها؟ طالب: لا. الشيخ: لا، يعني معناه كما أن الإنسان لا يحمل إثم غيره بالمعصية، لا يحمل إثم غيره بترك الواجب، فإذا ترك أبوك أو ابنك أو خالك أو عمك واجبًا فليس عليك إثمه، الإثم على نفس هذا الرجل (...). لأنه يقول: (إن) التي للتوكيد، لكنها دخلت عليها (ما) الكافة. قوله: وَإِلَى اللَّهِ(...) اقرأ علينا، أن الغير لا يحمل وِزْر الغير وإن دعاه إلى ذلك؛ لقوله: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ [فاطر: ١٨] بخلافه في الدنيا فإنه في الدنيا إذا دعاك أحدٌ أن تعينه على ما حَمَل، أو أن تحمله عنه أجبته، لكن في الآخرة لا، وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ [فاطر: ١٨]، وحتى ولو كان أقرب الناس إليك؛ فلهذا قال: وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر: ١٨].
ومن فوائدها أيضًا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير؛ لقوله: إِنَّمَا تُنْذِرُ [فاطر: ١٨]. وأنه -وهي فائدة جديدة-: لا ينتفع بإنذاره إلا من يخشى الله عز وجل؛ لقوله: إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْإلى آخره [فاطر: ١٨]. ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية التي هي محل الثناء ما كانت خشية في الغيب؛ لقوله: يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [فاطر: ١٨]؛ لأن الخشية في الظاهر قد يكون الحامل عليها مراعاة عباد الله، لكن إذا كانت بالغيب فإن هذا دليل واضح على أن صاحبها مخلص في خشيته لله عز وجل. ومن فوائدها أيضًا: فضيلة الصلاة، وأنها -أي الصلاة- سبب للانتفاع بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم كالخشية؛ لقوله: وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ [فاطر: ١٨]. ومن فوائدها أيضًا: أن الرجل -وإن شئت فقل-: أن الإنسان إذا تزكى فإن نفع تزكيه لنفسه، ولا ينال الله سبحانه وتعالى من ذلك شيئًا؛ لقوله: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر: ١٨]. ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أوامر الله عز وجل ليس من أجل مصلحة ينالها في امتثالنا، ولكن من أجل رحمتنا ومصلحتنا نحن، قال الله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر: ٧]. ومنها: الحث على تزكية النفس؛ لقوله: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ [فاطر: ١٨]، وكل إنسان عاقل إذا علِم أن مصلحة العمل تعود إليه فإنه سوف يهتم به ويقوم به، فإذا علمتَ أن تزكيك لنفسك حرصت عليه غاية الحرص. والتزكِّي كما أشرنا إليه يشمل تزكية القلب بتطهيره من جميع الشرك والشك والضغائن والأحقاد والبغضاء وما أشبه ذلك، وتزكية الأقوال من كل قول منكر؛ يعني يكون الإنسان لا يقول إلا خيرًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» .
وتزكية الأفعال أيضًا من فعل الفواحش والأخلاق السيئة، وما إلى ذلك مما يجب على الإنسان أن يتطهر منه. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كمال هذا الدين الإسلامي، حيث حَثَّ على تزكية النفس ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا بالأقوال والأفعال، وباطنًا بالقلوب. ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله في أحكامهم الكونية والشرعية والجزائية. أما الأحكام الكونية: فظاهر أن المرجع إلى الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله الكوني ولَّا لا؟ وأما الشرعية: فكذلك؛ فإن العباد مربوبون مُتَعَبَّدون لله عز وجل، فكان مقتضى ذلك أن يتمشوا على أحكامه الشرعية. وأما الجزائية: فالأمر ظاهر، فإنه لا يجازِي العاملين على عملهم إلا الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية الكريمة: مَنْع الرجوع إلى غير الله فيما هو مختص بالله؛ لقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [فاطر: ١٨]، فلا يجوز أن نرجع إلى النظم الوضعية التي من وضع البشر، وعندنا كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
تفسير الآيات (١٩-٢٤)
ثم قال الله عز وجل -في الدرس الجديد-: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [فاطر: ١٩]؛ يعني لا يستويان في إدراك المبصرات، ليس المعنى نفي التساوي مطلقًا؛ لأن الأعمى قد يفضل البصير في أمور أخرى، لكن لا يستويان في إدراك المرئيات أو المبصرات اللي تطابق الآية وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [فاطر: ١٩]، وهذا ظاهر. الأعمى إذا قام يمشي وأمامه حُفْرة، أو حَجَر وَقَع في الحفرة وعثر بالحجر. والبصير بالعكس، فلا يستوي هذا وهذا. أيهما أكمل؟ البصير، وهذا مَثَل حِسِّي يجب أن ننتقل منه إلى الْمَثَل المعنوي. وأما قول المؤلف: (المؤمن والكافر) ففيه نظر؛ يعني كأنه يريد أن يقول: إن الأعمى هو الكافر والبصير هو المؤمن. ولكننا نقول: لا، الآية يُراد بها نفي المساواة في الأمور الحسية الظاهرة التي لا ينكرها أحد؛ إذ إن الكافر والزنديق والمعانِد والمستكبِر لا يمكن أن يدعي تساوي الأعمى والبصير، لكن قد يدَّعي تساوي المؤمن والكافر. قال: وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ [فاطر: ٢٠].
قال: (وَلَا الظُّلُمَاتُالكُفر وَلَا النُّورُالإيمان). وهذا أيضًا فيه نظر، والظاهر أن الله سبحانه وتعالى أراد الظلمات الحسية والنور الحسي؛ لأن نفي الاستواء بين هذين أمر لا يمكن إنكاره؛ لأنه مُدْرَك بالحس. الظلمات لا تستوي والنور، ولكن لا شك أن المراد بذلك ظلمات الكفر ونور الإيمان؛ يعني أنها إشارة إلى هذا، ولذلك جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن سُبل الكفر كثيرة. وأما الإيمان فسبيله واحد، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]. وإنما كان الكفر ظلمات؛ لأن فيه الجهل بالله عز وجل وبما يجب له. وفيه أيضًا: أن الإنسان يسير على غير هُدًى، ويسير في اتجاهات متعددة منحرفة، قلبه متشعب في كل وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرين أشد الناس قلقًا وأبعدهم عن الثبات على خط مستقيم، بخلاف المؤمن؛ المؤمن مؤمن على خط مستقيم وعارف أنه يريد الوصول إلى مَنْ؟ إلى الله، فتجده يُحَوِّل جميع الأفعال إلى طريق واحد وهو الوصول إلى الله حتى أنه إذا لبس ثوبه يشعر بأنه ينال بذلك مرضاة الله، إذا أكل، أو شرب، أو نام، أو سافر، أو سكت، أو تكلم، أو أحجم، كل ذلك يرى أنه في سبيل الله، في الطريق إلى الله. لكن الكافر مُتشعِّب؛ ولهذا كان منهجه ظلمات؛ لأنه متشعب، ما هناك هدف واحد يسعى إليه؛ أهدافه كثيرة؛ مغرور في الدنيا، مغرور في رؤسائه، مغرور في الناس، لا يهتم إلا برضاهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يهمه أن يرضى الله عز وجل؛ فلهذا كان مستحقًّا أن تُجعل طريق الكافر على سبيل الجمع لتشتتها وتفرقها، كذا؟ ثالثًا: قال: وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [فاطر: ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي. الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟ طلبة: الظل. الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة: ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس. وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل. وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة. الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى. وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [فاطر: ١٩ - ٢١]. الرابع: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: ٢٢] (المؤمنون والكافرون). ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: الْأَحْيَاءُذوو العلم، والْأَمْوَاتُذوو الجهل؛ لقوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام: ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًاإلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا. طالب: (...). الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول. فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها. طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟ الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها. يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [فاطر: ١٩]، ما فيها شيء وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ [فاطر: ٢٠] (...) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: ٢١، ٢٢] كم دول؟
طالب: خمسة. الشيخ: طيب وَلَا الظُّلُمَاتُ، هذه واحدة وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُوَلَا الْأَمْوَاتُ، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة. المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد. وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة. فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢]. إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ [يونس: ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل. وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢] مَاهذه في الإعراب نقول: إنها؟ طالب: (...). الشيخ: لا، لها اسم أخص. طالب: حجازية. الشيخ: حجازية، واسمها الضمير أَنْتَ، والباء في بِمُسْمِعٍزائدة للتوكيد. بِمُسْمِعٍخبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ. وقوله: مَنْ فِي الْقُبُورِمَنْهذه مفعول لـمُسْمِعٍ؛ لأن مُسْمِعٍاسم فاعل. بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم. طالب: (فلا يجيبون). الشيخ: لا، عندي (فيجيبون). طالب آخر: عندي (فيجيبون). الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون. على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع. ثم قال: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]، فسر المؤلف إِنْبـ(ما)، وهذا يدل على أن إِنْنافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير. قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا. وقوله: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير. وقوله: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟ كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك. وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: ٢١، ٢٢]. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فاطر: ٢٤]. أَرْسَلْنَاكَالإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع. وقوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ [فاطر: ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّأي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس. أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّيعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا [فاطر: ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (بَشِيرًامن أجاب إليه وَنَذِيرًامن لم يُجِب إليه). بَشِيرًا وَنَذِيرًايعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة. بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] إِنْ(ما) يعني نافية مِنْ أُمَّةٍمِنْحرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى. وأُمَّةٍمبتدأ، وجملة خَلَا فِيهَا نَذِيرٌخبر. ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك. (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَاسلف فِيهَا نَذِيرٌنبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا. كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: ١٣٤]، وقال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...) قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [فاطر: ١٩].
في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا. وكذلك أيضًا نقول في وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ [فاطر: ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [فاطر: ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي. فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة. ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ [فاطر: ٢٠]. وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [البقرة: ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية. ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار. هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟ طالب: نعم. الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» .
وقوله: وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]. والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله. ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]. يقول: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢]. من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله. وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُ. وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ [فاطر: ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]. ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ [فاطر: ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]. ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين: الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة. والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢]، فلو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون. فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» . يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟ طالب: لقول قتادة رحمه الله: إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم ، وتقول عائشة: إن أهل القليب لا يسمعون الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر . الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء. فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه ؟
طالب: (...). الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة. فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» ؟
فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده.
فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟ فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به. ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...). وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم. والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر: ٢٢]، وفي الآية الأخرى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل: ٨٠]. ثم قال تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط. يقول: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]. ثم قال: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّفي هذا دليل على أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ. ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا بِالْحَقِّحالًا من نَاالفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية. ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل. ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فاطر: ٢٤]. ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟ طالب: ينذر ويبشر. الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم.
وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» . وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» . مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: ٩] إلى قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ١٠]. فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ [فاطر: ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...). وتعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فاطر: ٢٤]. الخطاب في قوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَللنبي صلى الله عليه وسلم. والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم. والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا. يقول الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ [فاطر: ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة. والمؤلف رحمه الله يقول: (بِالْحَقِّبالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [التوبة: ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد بِالْحَقِّضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك. أما في قوله تعالى: بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [التوبة: ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل.
أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.
قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فاطر: ٢٤]. بَشِيرًاهذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في أَرْسَلْنَاكَ.
قال المؤلف: (بَشِيرًامن أجاب إليه وَنَذِيرًامن لم يجب إليه). والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]. وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة. وقول المؤلف رحمه الله: (بَشِيرًامن أجاب إليه وَنَذِيرًامن لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب بَشِيرًا وَنَذِيرًا. ثم قال: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] إِنْبمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]، إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [المائدة: ١١٠]، إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ [ص: ٧] إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. وقوله: مِنْزائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى. فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟ قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة: ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا. وتقول: زاد المال. هذه لازمة. فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي. وأُمَّةٍمبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (خَلَابمعنى سلف، فِيهَا نَذِيرٌأي: نبي ينذرها). والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه: تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المؤمنون: ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا [النحل: ١٢٠]. ما من أمة إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] بعثنا في كل أمة. يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد: منها: ثبوت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ [فاطر: ٢٤]. ومنها: فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة: ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام. ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا. فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر. ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» .
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا. ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه. ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة. وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة. فلهذا نحن نرى ألا..