تفسير سورة فاطر - ٣
درس صوتي · ٩٢:٠٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
أما على رأي المؤلف فإنَّه يختصُّ الطلب بلسان الحال فقط، فالصوابُ إذن أنَّ جوابَ الشَّرط محذوفٌ تقديره: فليطلبها منه؛ ليشمل ذلك طلب الحال وطلب المقال؛ فطلبُ المقال أن تقول: اللهم أعِزَّني، اللهم اجعلْ لي العزَّة على كذا مثلًا، على عدُوِّي، وطلب الحال أن تقومَ بطاعة الله، بل بطاعةِ الله مع تحقيق الإيمان؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]. طيب، ذُكرت العزَّة قلت في مواضع كثيرة من القرآن تحفظون مواضع غير ما ذكرنا؟ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]. طالب: (...). الشيخ: في آخر الآية، ذكرناها. الطالب: (...). الشيخ: هذه فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤] طيب، والله أعلم. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠] إِلَيْهِجارٌّ ومجرور مقدَّم على عامله وهو: يَصْعَدُ، والضمير في إِلَيْهِيعود إلى الله عز وجل. لما ذكر أن العزة لله جميعًا بين سبحانه وتعالى ما يكون من أسباب العزة فقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُقوله: يَصْعَدُأي: يرتفع ويعرج، الْكَلِمُ الطَّيِّبُيقول المؤلف: (يعلمه) ففسَّر صعود الكلم الطيب بعلم الله إياه، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل المراد بالآية ما هو ظاهرها أن الكلم الطيب يصعد إلى الله يعني يعرج إلى الله عز وجل، لكن المؤلف -غفر الله لنا وله- أراد أن يبعد عن إثبات العلو الذاتي فقال: (يعلمه)، ولو كان المراد العلم ما قال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ؛ لأن العلم لا يلزم منه الصعود، بل قد يكون العالم بالشيء أنزل من الشيء، أليس كذلك؟ كما لو كنت في أسفل البئر وأنت تعلم ما فوق، على كل حال، هذه هفوة من المؤلف، نسأل الله أن يعفو عنه. ونقول: إلى الله يصعد، أي: يرتَفِعُ الكلم الطيب؛ لأن الله عز وجل في العلو، وأدلة العلو قد بُيِّنت في العقائد، وأنها خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كلها مُتَّفِقَة على علو الله سبحانه وتعالى بذاته؛ وقد مر علينا في كتاب الإقناع أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: من زعم أن الله معنا ذاته في المكان فهو كافر. يقول هنا: الْكَلِمُ الطَّيِّبُكلم اسم جمع كلمة، فهو دالٌ على الجمع، وما المراد بالكلم الطيب؟ الكلم الطيب هو كل كَلِمٍ يُقرِّب إلى الله عز وجل، كل كلم يقرب إلى الله فهو كلم طيب، فـ(لا إله إلا الله) من الكلم الطيب، و(سبحان الله)، و(الحمد لله)، و(الله أكبر) كلُّها من الكلم الطيب، والقرآن من الكلم الطيب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكلم الطيب، وقراءة العلم من الكلم الطيب، وكل قول يُقرِّب إلى الله فهو من الكلم الطيب. والكلم الطيب يقابله نوعان من الكلام: كَلِمٌ رديء خبيث، وكلم لا هذا ولا هذا، لا يوصف بأنه طيب، ولا يوصف بأنه خبيث. أما الكلم الخبيث فككلمة الكفر والسبِّ والشتم واللعن لمن لا يحل سبه ولا شتمه ولا لعنه. وأما الكلم الذي لا هذا ولا هذا، فهو أكثر كلام الناس، والصنفان جميعًا لا يُرفَعان إلى الله؛ أما الأول: فلأنه خبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأما الثاني: فلأنه لم يُقصَد به الله عز وجل حتى يُرْفع إلى الله، وهذا الثاني -أعني الذي ليس هذا ولا هذا- قد يكون طيبًا لا لذاته، ولكن لغيره لما يوصل إليه من المقاصد الحسنة؛ فإن الإنسان قد يتحدث إلى شخص كلامًا ليس هو خيرًا في نفسه، لكن يقصد به التأليف لهذا الرجل، وإدخال الأنس عليه والسرور، فيكون هذا الكلامُ الذي هو لغو في نفسه يكون محمودًا لما قُصِدَ به، كما أنَّ هذا الكلام الذي هو لَغْوٌ في نفسِه إذا قُصد به الإساءة إلى مَن لا تحل الإساءة إليه صار كلاماً خبيثًا لغَيْرِه ولَّا لذاته؟ لغيره؛ أي: لما قُصِد به. وعلى كلٍّ: فالكَلِمُ الطَّيِّبُ لذاته أو لغيرِه يصعَدُ إلى الله عز وجل، فإن قلتَ: كيف يصعد الكلم الطيب، والكلم ليس جِرمًا؟ الكلم ليس جرمًا، بل أصوات تُسمَعُ بحركات معينة في الفم واللسان والشفة؟ فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل المعقول شيئًا محسوسًا كما ثبت في الحديث الصحيح «أنَّ الموتَ يُؤْتَى بِه عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ أَبْيَضَ فيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ويُقالُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ، ولِأهْلِ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ» . قال: وقوله: الْكَلِمُ الطَّيِّبُإنما جَمَعَه؛ لكثرةِ أنواعِه، وكثرةُ الأنواعِ تدل على كثرة الأفراد من باب أولى، الأنواع كثيرة، والأفراد في كل نوع كذلك كثيرة؛ فلهذا جمع. (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠] يقبله) أفادنا المؤلف بقوله: (يقبله) أن الفاعل في يَرْفَعُهُيعود إلى الله، يَرْفَعُهُيعني الله، وأن الهاء في يَرْفَعُهُتعود إلى العمل الصالح، يعني: والعمل الصالح يقبلُه الله، فكون الضمير يعود على الله ضمير الفاعل، وضمير المفعول يعود إلى العمل هذا لا نناقش المؤلف فيه؛ لأنه محتمل، لكننا نناقشه في تفسيره الرفعَ في القَبول، وكل هذا فرارًا من إثبات العلو الذاتي، غفر الله له. بل نقول: معنى يَرْفَعُهُأي: يرفع هذه العمل، من الرفع الذي هو ضد النزول، يرفعه إليه سبحانه وتعالى؛ لأنه فوق، وهذا التفسير في مَرْجِع الضمائر الذي ذكره المؤلف هو أحد التفاسير المذكورة في هذه الآية. التفسير الثاني: والعمل الصالح يرفعُه الكَلِمُ الطيب، فجعل ضمير الفاعل يعود على الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وجعل الهاء تعود على العمل الصالح، فيكون العمل الصالح مرفوعًا بالكلم الطيب، واحتج هؤلاء بأن العمل الصالح لا يُقبَلُ إلا بالإسلام، وهو الكلم الطيب الذي هو (لا إله إلا الله)؛ فإن الإنسان لو عمل من العمل الصالح الشيء الكثير، ولكنه غير مسلم لا يرتفع هذا العمل، فلا يرفع العمل الصالح إلا الكَلِمُ الطيبُ. والقول الثالث بالعكس يقول: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون الفاعل في (يرفع): العمل الصالح، والمفعول: (الكلم الطيب) عكسُ الذي قبله؛ ما وجه ذلك؟ يقول: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب؛ لأن الكلم الطيب بدون عمل لا ينفع صاحبه، فلا بُدَّ في الكَلِم الطيِّب من عملٍ صالح يرفَعُ ذلك القول الطيب. والأقربُ -والله أعلم- أن ما ذهب إليه المؤلف هو الصواب؛ أي: أن الله يرفعُ العملَ الصالح، كما أنَّ الكلم الطيِّبَ يصعد إلى الله، فإذا صَعِدَ الكَلِمُ الطَّيِّب إلى الله امتنَّ اللهُ على هذا المتكلِّم بأنْ رَفَعَ العمل الصالح الذي يعمله، إلا أننا لا نوافق المؤلف في تفسير الرفع بالقبول، نوافقه على مَرْجِع الضمائر، لكن لا نوافقه على تفسير الرفع بالقبول، وحينئذ نقول: والعمل الصالح يرفعه مَنْ؟ يرفعه الله عز وجل، العملُ الصالح يرفعه الله، فيكونُ الله عز وجل في هذه الآية ذكر القول والعمل، فذكر أن القول يصعد وأن العمل يُرْفَع؛ لأنه أَيْ رفع العمل كالجزاء على الكلم الطيب، فإذا تكلَّم الإنسان بالكلمة الطيبة وصعدت إلى الله عز وجل قبلها، ثم رفع العمل الصالح؛ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. ويقول: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَالمَكَرَاتِ السَّيِّئَاتِبالنَّبِيِّ) إلى آخره، الواو للاستئناف وَالَّذِينَمبتدأ، وجملة لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌخبر المبتدأ، وقوله: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِفيه نوع من الإشكال؛ لأن السيئاتِ لا تُمْكَر، وإنما يُمْكَر بها، يعني: يمكر بسبب السيئات، فلماذا تعدَّى الفعل إليها؟ أفادنا المؤلف أن السَّيِّئَاتِصفة لمصدر محذوف، التقدير: المَكَراتِ السيئات، فيكون الوصف هنا للفعل لا لما حصل به المكر؛ لأن فعلهم نفسه مكر سيِّئ؛ كما قال الله تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣]، تكون هنا السَّيِّئَاتِصفة لمصدر محذوف تقديره: المكرات، وسمَّى الله عز وجل السيئاتِ مكرًا؛ لأن الإنسان في الواقع يخدَع نفسَه بها، ويخدع غيره بها، فيُمَنِّي نفسَه التوبةَ، وأنه سيتوب أو يُمَنِّي نفسه سعة حلم الله ومغفرته، وأن الله واسع الحلم والمغفرة والرحمة فلن يؤاخذه بهذه العقوبة، فتمني الإنسان في هذا الباب من وجهين: الوجه الأول: أنه يُمَنِّي نفسَه التوبة، وما يدريه فلعله لا يتمكن منها، لعلَّ سيئاته تحيط به، ثم لا يتمكن من التوبة، أو لعله يفجَؤُه الموت، ثم لا يتمكَّن من التوبة. والنوع الثاني من المكر بالنفس في فعل السيئات: أنه يتمنَّى على الله الأماني؛ فيقول: إن الله غفور رحيم، والله واسع الرحمة وسوف يعفو عني، كما يوجد من كثير من الناس عندما تنهاه عن معصية، ويش يقول لك؟ يقول: الله غفور رحيم؛ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] بعضهم يحتجُّ بالآية إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، ويقول: أنا لم أشركْ، وما دون الشرك فإن الله تعالى يغفِرُه، وجوابُنا على هذا يسير جدًّا؛ وهو أن نقول له: أثبتْ أنَّك ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأن الله عز وجل ما قال: ويغفر ما دون ذلك وسكت، بل قيَّده لِمَنْ يَشَاءُفأنت أثبت أنك ممن شاء الله أن يغفر له، وحينئذ يكون لك حجة، أما أن تفعلَ المعصيةَ التي هي سببُ العقوبةِ، ثم تتمنى على الله أمرًا لم يعدك الله به، بل قال: لِمَنْ يَشَاءُفهذا لا شك أنه ضلالٌ منك. وقوله: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِالسَّيِّئَاتِهي ما يسوء الإنسانَ فعلُه، هذه السيئات؛ مثل أيش؟ شرب الخمر، السرقة، الزنا، الربا، وما أشبه ذلك، فإن قلتَ: هذا لا يسوءُ الإنسانَ فعلُه. فجوابنا على هذا أن نقول: إن أردْتَ أنَّه لا يسوء الإنسانَ فعلُه أبدًا، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه يوم القيامة سوف يندم، وسوف يسوء الإنسان فعلُه في ذلك اليوم، أما في الدنيا فإنَّه يسوء الإنسانَ فعلُه، كيف ذلك؟ لأن للذنوبِ آثارًا على القلوب؛ فإن المعاصي تكون نُكْتَةً سوداء في القلب، فإن تاب الإنسان انصقل قلبُه وعاد إلى بياضِه، وإلَّا توسَّعت هذه النكتة السوداءُ فأصبح القلبُ مُظلِمًا، والعياذ بالله، بل يُخْتَمُ عليه حتى لا يَصِلَ إليه الخيرُ؛ كما قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، بل للذنوب آثارٌ عظيمة على القلب توجب أن يكون منقبِضًا، وإذا تلذَّذ بعض الشيء في هذه المعصية فإنه يعقب ذلك حَسْرَةٌ عظيمة في القلب وضيق، واقرأ إن شئت قول الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٢] يتبينْ لك أن المعصية تسوء فاعلَها، وإن كان قد لا يشعُر بها؛ لأنه قد ران على قلبه ما كان يعمل. إذن السَّيِّئَاتِسيئات بكل حال، تسوء صاحبها في الدنيا، ولكن قد لا يظهر، وقد لا يتبين له، وفي الآخرة يظهر له ويتبين، ويتمنى أن يعود إلى الدنيا ليعملَ صالحًا. قال المؤلف رحمه الله: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَالمكرات السَّيِّئَاتِبالنبي في دار الندوة من تَقْيِيدِه، أو قَتْلِه، أو إخراجِه كما ذُكِرَ في الأنفالِ) هذا في الحقيقة إن أراد المؤلف أنَّه المراد بالآية دون غيرِه فقصورٌ، وإن أراد بذلك التمثيلَ فصحيحٌ، فإنه لا شكَّ أن هؤلاء مَكَروا بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ كما قال الله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]، معنى لِيُثْبِتُوكَأي: يُقَيِّدوكَ، ويحبِسوك، أَوْ يَقْتُلُوكَواضح، أَوْ يُخْرِجُوكَمن مكة، ولكن الله عز وجل قال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَفهم -والحمد لله- ما أثْبَتوه، ولا قتلوه، ولا أخرجوه، كل هذه انتفت، مع حرصهم الشديد على تنفيذها ما حصل منها شيءٌ. قال: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌالجملة هذه جملة خبرية، وهي في محل رفع خبر أيش؟ طالب: (...). الشيخ: (...) الأول؟ الطالب: (...). الشيخ: خبر الَّذِينَ يَمْكُرُونَ. لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌالعذاب بمعنى العقوبة، والشديد أي: القوي؛ قوِيٌّ في إيلامه وإيجاعه، وفي أنواعه المتنوعة من حَرورٍ، وبرد، وعطش، وجوع، وغير ذلك من شِدَّتِه، لهم والعياذ بالله سرابيل من قطران، كلما نضجت جلودهم قال الله تعالى: بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]، كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء: ٩٧]، وانظر إلى كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْيتبينْ لك أنَّ الزيادة تأتي فورًا، والله عز وجل قادرٌ على أن تبقى بزيادتها، لكنها تخبو ليكون في قلوبهم شيء من الطمع في خِفَّةِ العذاب أو الخروج، ثم يعود، فيكون هذا أشد؛ لأن ضرب الإنسان بعقوبة بعد الطمع في زوالها يكون أشدَّ عليه مما لو كان الأمر مستمرًّا. وقوله: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌهذا مُفَصَّل في الكتاب والسنة، فمن تتبَّعه من القرآن يكون جيدًا. قال: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُمَكْرُمبتدأ، أين خبره؟ جملة هُوَ يَبُورُ، وهُوَلا تصح هنا أن تكون ضمير فصل؛ لأن القاعدة أن ضمير الفصل يكون بين اسمين، لا بين اسم وفعل، لكنها مبتدأ خبرها جملة يَبُورُ، والجملة من المبتدأ والخبر خبر مَكْرُ، وأتى بهذا التركيب من باب تعظيم هذا الشيء وتهويله، وقوله: مَكْرُ أُولَئِكَولم يقل: مكر هؤلاء؛ إما استبعادًا لهم؛ لأنهم ليسوا أهلًا لأنْ يُقَرَّبوا، أو لأنهم هم جعلوا أنفسهم في محل العالين الذين يُشار إليهم من بُعدٍ، فبيَّن أن هؤلاء الذي تعالَوْا بمكرِهم وإن كانوا في القمة على حسب زعمهم فإن هذا المكر يبورُ، والبَوار بمعنى الهلاك؛ كما قال الله تعالى وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا [إبراهيم: ٢٨، ٢٩] فهؤلاء مكرُهم يبور، أي: يتلاشى ويضمحل، ولا يفيدهم شيئًا. في هذه الآية مِن الفوائد: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه الرياح اللطيفة التي تحمل أو تثير هذا السحاب الثقيل؛ قال الله تعالى: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [الرعد: ١٢]. ومن فوائدِها أيضًا: إثبات الأسباب، وأن المسبَّبات مربوطة بأسبابها؛ لقوله: أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ، فإن الفاء هنا للسببية. ومنها: مِن فوائدها: أنه ينبغي في الأمور الهامة أن يُصاغَ الماضي بصيغةِ الحاضر استحضارًا له في الذهن؛ لقوله: فَتُثِيرُ سَحَابًا [فاطر: ٩]؛ فإن تصويغ الماضي بصيغة الحاضر لا شك أنه يَشُدُّ الإنسان إلى تصوره أكثر من الشيء الماضي. ومِن فوائدِها: أن هذا السحاب يجري بأمر الله؛ لقوله: فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ. ومنها: (...) أن هذا السحاب له شعور، يعني: معناه يعرف ويدري، يمكن أن تُؤخذ من قوله؟ طالب: (...). الشيخ: لا، (...)، من قوله: فَسُقْنَاهُكما تساق البعير، وعلى هذا جاء الحديث الصحيح في قصة الرجل الذي سمع مناديًا من السحاب يقول: أسقِ حديقةَ فلان ، فإن توجيه الأمر إليه يدل على أنه ذو شعور، ولا شك أن جميع الكائنات بالنسبة لأمر الله عز وجل أنها ذات شعور؛ قال الله تعالى في الأرض والسماء: فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١]. ومن فوائدها: بيانُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى لإحياء الأرض بعد موتها؛ لقوله: فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. ومنها: صحة وصف الأرض بالحياة والموت مع أنها ليست من الحيوان؛ لقوله: بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ. ومنها: الرد على أهل الكلام الذين يقولون: إنه لا يُوصَف بالحياة والموت شيءٌ من الجمادات؛ لأنه هنا أثبت الحياة والموت للأرض، وهما جمادات، وقال تعالى في الأصنام: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل: ٢١]. ومِن فوائدها: بيانُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى في إحياء الأرض بعد موتها؛ فإن هذه الأرضَ التي كانت يابسةً هامدةً تعود فتهتزُّ خضرة وازدهارًا؛ لقوله: فَأَحْيَيْنَا بِهِفأضاف الإحياء إلى نفسه. ومنها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: فَأَحْيَيْنَا بِهِفإن الباء هنا للسببية. ومنها: جواز إضافة الشيء إلى سببه المعلوم؛ لقوله: فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ، وإضافة الشيء إلى سببه المعلوم أمر واقع في القرآن، وفي السنة، بمعنى: أنه لا يُشْتَرط أنْ تَقْرِن معه الله عز وجل، فإذا أضفت الشيء إلى سببه المعلوم وإن لم تقرن الله به فلا بأس، لكن المُحَرَّم أن يضاف إلى سببٍ غير معلوم لا شرعًا ولا حسًّا، أو أن يضاف إلى سبب معلوم مقرونًا مع الله بحرف يقتضي التسوية؛ فمثلًا إضافة الشفاء إلى التمائم، والحِلَق، والخيوط، وما أشبهها، هذا لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا السبب غير معلومٍ فلا يصح، وإضافة تليين البطن إلى العقار الذي تناولته حتى ليَّن بطنك صحيح، ولَّا لا؟ صحيح؛ لأنه سبب معلوم بالحِسِّ، وإضافة الشفاء إلى قراءة الفاتحة جائز؟ طالب: جائز. الشيخ: لأنه سبب معلوم بالحِسِّ وبالشرع «وَمَا يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ» ، فالمحذور إذن أن يُضاف الشيءُ إلى غيرِ سبب شرعيٍّ أو حسِّيٍّ، أو أن يضاف إلى سبب شرعي أو حسي مقرونًا مع الله بحرف يقتضي التسوية؛ مثل: لولا الله وكذا. فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا من الشرك حيث قرن الله مع غيره بالواو التي تقتضي أيش؟ التسوية، ولكن قل: لولا الله، ثم كذا. ومِن فوائدِ الآية الكريمة: إثبات صحة القياس؛ لقوله: كَذَلِكَ النُّشُورُ، وإثباتُ القياس كثيرٌ في القرآن؛ فكلُّ مَثَلٍ ضربه الله فهو دليل على القياس، كل مثل سواء للدنيا، ولا للإنسان، ولا للأوثان، ولا لأي شيء، فإنه دليل على ثبوت القياس وصحته، نعم لأن المقصود بالمثل قياس المضروب بالمضروب فيه، وهذا هو القياس. ومن فوائدها: الإشارة إلى أنَّ إحياءَ الموتى كإحياء الأرض بعد موتها، أي: أنه ينزل مطر، كما جاء في الآثار ينزل مطر على الأرض كمني الرجال يبقى أربعين يومًا تنبُت منه الأجسام، ثم بعد ذلك ينفخ في الصور، فتعود الأرواح إلى أجسامها. ثم قال عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًاإلى آخره. في هذا: الحث على طلب العزة من الله عز وجل؛ لأنه ليس المعنى أنَّ مَنْ أراد العِزَّة فليطلب من الله، يعني (...) فقط، تجد كل أحد يُريد العزَّة، لكن إذا أردت العزة، فممن تطلبها؟ من الله؛ ففيه إثبات أن العزة تُطلَب من الله عز وجل. ومن فوائدِها: أنه لا عزة بدون الله، وذلك بالقيام بطاعة الله، والاستعانة به، والاعتماد عليه، فإذا اعتزَّ الإنسان بكَثْرَتِه، فإنه يُهْزَم؛ كما قال الله تعالى: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ [التوبة: ٢٥]، ولو اعتز الإنسان بقوته المادية كقوة السلاح مثلًا فإنَّه يُهزَم، وإذا استعان بالله فإنه لا يُهْزَم، اللهم إلا لحكمةٍ تكون مقترنةً بتلك القضية المعينة فقد يكون. ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العِزَّة لله سبحانه وتعالى؛ لقولِه: فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا. ومن فوائدها: أنَّ العزَّةَ لها كلٌّ وبعض، من أين تُؤخَذ؟ طالب: جَمِيعًا. الشيخ: جَمِيعًايعني: يدل على أن هناك كُلًّا وبعضًا؛ وذلك أن العلماء قسَّموا العزة التي اتَّصَفَ الله بها إلى ثلاثة أقسام: عزة الامتناع، وعزة القَدْر، وعزة القهر. ومِن فوائِد الآية الكريمة: إثباتُ عُلُوِّ الله، مِن أين يؤخذ؟ طالب: (...). الشيخ: لا. الطالب: إِلَيْهِ يَصْعَدُ. الشيخ: من قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ؛ لأن الصعود هو العلو. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكَلِمَ غيرَ الطيب لا يصعد إلى الله؛ لقوله: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، ويؤيد هذا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» . ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى انقسام الكلام؛ لقوله: الطَّيِّبُفإنَّ هذا الوصف إفراد لما سواه، وقد ذكرنا أن الذي يقابل الكَلِمَ الطيب نوعان من الكلام: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ أما الخبيثُ فمردود بكل حال؛ لأنه خبيث لذاته، وأما ما ليس بطيب ولا خبيث، فقلنا: إنَّ هذا القِسْمَ من الكلام قد يكون طيِّبًا لغيره، وخبيثًا لغيره، وسالمًا من الوصفين. إذا كان طيبًا لغيرِه يصعد إلى الله ولَّا ما يصعد؟ يصعد؛ لعموم قولِه: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ. ومِن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا يَرْفَعُ من الأعمال إلَّا ما كان صالحًا؛ لقوله: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، والعملُ الصالح ما اشتمل على وَصفَينِ، وهما؟ طالب: الإخلاص والمتابعة. الشيخ: الإخلاص لمن؟ الطالب: لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لشَرْعِه. الشيخ: والمتابعة لشرعه؛ الإخلاص لله، والمتابعة لشرعه، فإن فُقِدَ الإخلاص فليس بعملٍ صالح؛ لأنه شرك، وإن فُقِدَت المتابعة فليس بعملٍ صالح؛ لأنَّه بدعة. وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِإلى آخره [فاطر: ١٠]. فيها فوائد: أوَّلًا: أن الأعمال السيئة مَكْرٌ؛ لقوله: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِهذا إذا أخذناها على سبيل العموم، أما إذا قلنا: إن السيئات عامٌّ أُريدَ به الخاص كالمكر الذي حصل من قريشٍ للرَّسول عليه الصلاة والسلام فإنه يكون خاصًّا، لكن الأصل في الكلام العامِّ أن يكون مرادًا به العموم، وأن يكون باقيًا على عمومه حتى يَرِدَ دليلٌ على أنه أُريدَ به الخصوص، أو على أنه مخصص. مِن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد على أولئك الذي يمكرون السيئات؛ لقوله: لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [فاطر: ١٠]. ومِن فوائدها أيضًا: أن مَكَر هؤلاء هالِكٌ زائل، لا فائدة فيه؛ لقوله: وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر: ١٠]، حتى أعمالهم لا تنفعُهم؛ قال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣]. هذه هي الفوائد الظاهرة من هذه الآيات الكريمة، وربما عند التأمل يجد الإنسان أكثر؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى لا يحاط به، ولكن الناس يختلفون في الفهم.
تفسير الآيتين (١١-١٢)
٠٠:٣٩:١٢
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [فاطر: ١١] لما بيَّن سبحانه وتعالى ما سبَق من الآيات الدالة على قدرته من إرسال الرياح، وإثارة السحاب، وسَوْقه إلى الأرض الميِّت، وإحياء الأرض بعد موتها، وأن الأعمال تُرْفَع إلى الله عز وجل، وكذلك الأقوال؛ الأعمال من أقوال وأفعال ترفع إلى الله، قال هنا: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍهذا باعتبار الأصل الذي هو آدم؛ ولهذا قال: (بخلق أبيكم آدمَ منه) فإن الله تعالى خلقه من تراب، وهذه الآية كما تَرَوْن فيها أن الله خلقه من تراب، وفي آية أخرى أنه خلقه من طين، وفي آية ثالثة أنه خلقه من صَلْصالٍ كالفخَّار، وفي آية رابعة من حمأٍ مسنون، فما هو الجواب عن هذا التغير؟ الجواب أن هذا تغيُّر أوصاف، وليس تغير ذوات، وحينئذ فلا تناقض؛ إذ يجوز أن تتعدد أوصاف على موصوف واحد؛ قال الله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤] مع أنَّه واحد، الحاصل أنه هنا أنْ يقال في هذا التغير تغير أوصاف، لا تَغَيُّرَ ذواتٍ وأعيان، فالعين واحدة، لكن أولها التراب فإذا أضيف إليها الماء صارت طينًا، فإذا أبطأ وأخذ مدة صار حمأ مسنونًا متغيِّرًا؛ يعني الطين إذا حطَّ فيه الماء تجده يَسْوَدُّ، ويكون له رائحةٌ، والرابع من صلصالٍ كالفخَّار هذا بعد أن كان حمأ مسنونًا يَبِسَ وصار صلصالًا كالفخَّار، ثم نفخ الله فيه الروح، فيكون هذا التغيُّر أيش؟ تغيرَ أوصاف، والأصل فيه التراب. قال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [فاطر: ١١] ثُمَّأتى بـ(ثم) الدالة على التراخي والترتيب؛ لأن (ثم) تدل على التراخي والترتيب، والفاء تدل على الترتيب بدون تراخٍ. هنا قال: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ؛ لأنه لما خلق آدم -سبحانه وتعالى- وخلق ذريته تناسَل هؤلاء الذرية بواسطة هذا الماء الذي هو النطفة، والنطفة هو الماء القليل. قال: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍأي: مَنِّيٍّ يدفق، عندكم (بخلق)؟ (بخلق ذريته منها) أي: من هذه النطفة، والغريب أن هذه النطفة القليلة يذكر علماء الطب أنها تشتمل على ملايين من الحيوانات المنوية، وهذه (...) يزعمون أنها ملايين -وهم أعلم منا بذلك- يعني: لا يصلُح منها إلا واحد في الغالب، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، هذا (...) ما سمعت، أنه يلج في المرأة أربعة آلاف يبقى فيهم واحد، والله على كل شيء قدير، قد يزيد، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ [فاطر: ١]. يقول: (ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًاذكورًا وإناثًا)، قوله: أَزْوَاجًافسر المؤلف هنا الأزواج بالذكورية والإناث نعم بقرينة قوله: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر: ١١] انتبهوا، فالأزواج هنا باعتبار الجنسين الذكر والأنثى، ويؤيد تخصيصَ الأزواج هنا بالذكورة والأنوثة قولُه: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى. أما إذا نظرنا إلى لفظ أزواج فإن الأزواج معناها الأصناف، والأصناف أعم من الذكورة والأنوثة؛ فإنه يشمل الشقيَّ والسعيد، والأسود والأبيض، والطويل والقصير، وغير ذلك، لكن الذي جعل المؤلف يحمِلُ الكلامَ على الذكورة والأنوثة فقط؛ لقوله: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، فالله عز وجل بقدرته وحكمته جعل هذه الذرية التي خرجت من هذا الرجل الواحد جعلهم ذكورًا وإناثًا لبقاء النسل؛ لأنه لا يمكن بقاءُ النَّسْل إلا بهذا، وإن كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن يُبْقِيَ النسل بدون ذلك، فإنه يُقال: إن البشرية منها ما خُلِقَ بلا أم ولا أب، ومنها ما خلق من أب بلا أم، ومنها ما خلق من أم بلا أب، ومنها ما خلق بين أبوين؛ فالذي خلق بلا أم ولا أب؟ طلبة: آدم. الشيخ: ومن أب بلا أم؟ طلبة: حواء. الشيخ: حواء، ومن أم بلا أب؟ طلبة: عيسى. الشيخ: وسائر الناس؟ طلبة: بين أبوين. الشيخ: بين أبوين من ذكر وأنثى. يقول عز وجل: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ( ما ) هذه (...) والثاني؟ طالب: متعدٍّ. الشيخ: (...) ولَّا المتعدي؟ الطالب: (...). الشيخ: (...) اللازم أو المتعدي؟ الطالب: الأول من اللازم. الشيخ: من اللازم. الطالب: والثاني من المتعدي. الشيخ: والثاني من المتعدي، صح؟ طالب: صح. الشيخ: (...) حرف جر زائد، أُنْثَىفاعل تَحْمِلُمرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، كذا؟ أُنْثَىفاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر؟ طالب: اشتغال المحل. الشيخ: ما فيه اشتغال، (...). طالب: التعذر. الشيخ: طيب التعذر، لكنه واقع من حيث اللفظ، مجرور لفظًا. أُنْثَى وَلَا تَضَعُأي الأنثى، (إِلَّا بِعِلْمِهِحال أي: معلومة له)، شوف مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىأي أنثى تحمل؟ من بني آدم، ولَّا منهم ومن غيرهم؟ منهم ومن غيرهم، ما (...) وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وهذا كقوله تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا [الأنعام: ٥٩]، فالله عز وجل يعلم ما تحمل كل أنثى، في ابتداء الحمل، وتطور الحمل، ومآل الحمل، وكل ما يتعلَّق به، وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، فأول ما ينشأ الحمل في الرحم معلوم عند الله، وإذا وضعت فهو معلومٌ عند الله عز وجل. وقول المؤلف: (حال) ويش معنى حال؟ يعني: أن الجار والمجرور في موضع نصب على الحال (...) إِلَّا بِعِلْمِهِقال: إلا (معلومة له)، ويمكن أن نقول: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، بل نقول: إن الباء هنا للمصاحبة والمقارنة، أي: لا يحصل الحمل ولا الوضع إلا (...) بعلم الله عز وجل، و(...) إلى ذلك أيضًا أنه بعلمه وإرادته، (...) في الفوائد أنَّ فيها دليلًا على أنَّ مَن أثبت العلم لزم أن يثبت الإرادة؛ ولهذا قال أهل السنة بالنسبة للقَدَرِيَّة قالوا: ناظروهم بالعلم؛ قال الشافعي وغيره: ناظروهم بالعلم؛ فإن أنكروه كفروا، وإن أقروا خصموا، إن قالوا: إن الله ما يعلم (...)، وإن قالوا: يعلم، خصموا؛ لأنه إذا علم ذلك فإما أن يقع الشيء على خلاف معلومه أو على وفاقه؛ فإن كان على وفاقه فبإرادته، وإن كان على خلافه (...). طالب: (...). الشيخ: هو (...) المكر. الطالب: (...) ولا اسم ولا..؟ الشيخ: أي هو اسم، مثل هو قائم (...) هو قائم، (...)، والجملة خبرُه، لكن (...) التوكيد، يعني لما قال: وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر: ١٠] كأنه قال: مكر أولئك مكر أولئك يبور (...). وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ [فاطر: ١١] وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ(ما) هذه نافية أيضًا بدليل قوله: إِلَّا فِي كِتَابٍ، ودليل آخر: رفع الفعل (...). (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍأي ما يُزاد في عُمرِ طويلِ العمر) وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِأي: ذلك المعمر، أو معمر آخر إِلَّا فِي كِتَابٍ. قوله: يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍمعنى التعمير: الزيادة في العمر؛ المعنى: لا يُزادُ في عمر أحد، ولا يُنقَص في عمره إلا في كتاب. (...) وقوله: مِنْ مُعَمَّرٍمِنْهذه زائدة داخلة على نائب الفاعل، فنقول في مُعَمَّرٍ: نائب فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره، (...) حركة حرف الجر الزائد. وقوله: وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍهنا يقول: مِنْ عُمُرِهِقال المؤلف: (أي: ذلك المُعمَّر، أو مُعَمَّر آخر) أما كون الضمير في قوله: مِنْ عُمُرِهِيعود على معمر آخر، فهذا لا إشكالَ فيه؛ لأنَّه يكون معمرًا، فيكون الثاني ناقصًا، لكن الإشكال إذا قلنا: إن الضمير يعود على نفس المعمر، فكيف يكون مُعمَّرًا وهو في نفس الوقت منقوص من عُمُرِه؟ مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍهذا محل إشكال فيما يظهر ولَّا لا؟ (...). طالب: إي نعم. الشيخ: طيب وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ(...) وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِإذا قلنا: الضمير يعود على ذلك المعمر صار يعود على أيش؟ على (...) فيكون (...) معمرًا منقوصًا من عُمُرِه. إذا قلنا: إنه عائد على معمر آخر وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِأي: مِن عُمرِ مُعَمَّر آخر، لا (...) الأول صار النقص يعود على شخص آخر، فعندنا زيد مُعَمَّر وعمرو منقوص من عمره، وهذا لا إشكال فيه، لكن في الإشكال الأول اختلف المفسرون في توجيهه؛ فقال بعضهم: وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ [فاطر: ١١] إن النقص هنا في مقابل الزيادة؛ لأن الإنسان كلما تقدم يومًا في الدنيا نقص عمره باعتبار آخر عمره؛ مثلًا الذي له عشر سنوات إذا صار له أحد عشر إذا قُدِّرَ أنه سيموت في عشرين سنة نقص ولَّا لا؟ كلما زاد من وجه نقص من وجه آخر؛ فالمعنى: أنه يُكتَب نقصُه كما تكتب زيادته فيقال مثلًا: يحسب مثلًا فلان بلغ من العمر عشر سنين، ونقص من عمره -يعني: من آخر عمره- عشر سنين، بلغ أحد عشر فنقص من عمره إحدى عشرة، فبقي تسع وهكذا، وإلى هذا ذهب بعض التابعين. ولكن آخرين من أهل العلم من المفسرين قالوا: أن هذا فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَن أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه ويُنْسَأَ لَه في أَثَرِه فَليَصِلْ رَحِمَه» (...) أن الإنسان ينقُص عمره ويزاد بحسب صلة الرحم، ثم يُنْقَص من عمره إذا لم يصل رحمه، ولا يُزادُ في عمره إذا وصَلَه، والمعنى على هذا التفصيل أن زيادة العلم أو نقصه مكتوب عند الله عز وجل، مكتوب فمن قُدِّر له أن عمره يطول بصلة الرحم فسوف يُقَّدر له أن يصل رحمه، ومن قُدِّر له أن ينقص عمره في قطيعة الرحم فسوف يكون قاطعًا لرحمه؛ لأن المسببات مربوطة بأسبابها، معلومة عند الله أفهمتم؟ وهذا يزيل عنا الإشكال الذي أورده بعض العلماء في هذا الحديث، وحاولوا أن يفسروا زيادة العمر بالبركة في عمر الإنسان؛ لأن الله إذا أنزل بركة في العمر وإن كان قصيرًا صار أحسن أو صار خيرًا من عمرٍ طويلٍ بلا بَرَكَة، ولكن تقدم لنا أن هذا لا يخرجهم من الإشكال؛ لأن البركة أيضًا مكتوبة أو غير مكتوبة؟ طالب: مكتوبة. الشيخ: مكتوبة، وكذلك نزعها مكتوب، فلا يخرِجُنا ذلك من الإشكال، لا يخرِجُنا من الإشكال إلا أن نقول: إنَّ عمر الإنسان المطول بسبب صلة الرحم قد كُتِبَ، وقد كُتِبَ أن يصل رحمه، إذن ما الفائدة من قول الرسول: «مَن أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه ويُنْسَأَ لَه في أَثَرِه» ؟ الجواب أن الفائدة من ذلك هو الحثُّ على صلة الرحم؛ كما أننا نقول: مَنْ أحبَّ أن يدخل الجنة فليعمل عملًا صالحًا، لا يقول قائل: إذا كانت الجنة المكتوبة، فكيف (...) يعمل؟ وكيف إذا عمل كُتِبَت له الجنة؟ نقول: هي مكتوبة من قبل (...)، لكن قد كتبت له الجنة، وكتب أن يَعمَل لها عملها، وعلى هذا كلنا بحسب تقديرات الله عزَّ وجل فإنه لا ينقص هذا في العمر، الإشكال وارد على الجميع، ولكنَّ الجواب عنه يسير وهو يقال: إن هذا مكتوب نتيجة لهذا السبب، وهو معلوم عند الله، أما عندنا فليس بمعلوم. طيب، إذن يكون أحسن الاحتمالات (...) الآية أن المراد مِنْ عُمُرِهِأي: من مُعَمَّر، وما الإنسان قد يزاد في عمره لسبب من الأسباب، وقد يُنقَص من عمره لسبب آخر. قال: إِلَّا فِي كِتَابٍكِتَابٍفِعال بمعنى مفعول؛ كفراش بمعنى مفروش، وغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، فكتاب بمعنى مكتوب، فما هو هذا الكتاب؟ قال المؤلف رحمه الله: (هو اللوح المحفوظ) اللوح المحفوظ (...)؛ محفوظ من عدة أوجه: محفوظ أن يناله أحد، لأنه خاصٌّ بتقدير الله عز وجل، محفوظ من أن يُغَيَّر أو يبدل؛ ولهذا ما كُتِبَ في اللوح المحفوظ فإنه سيكون كما قال الله تعالى للقلم: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن إلى يَوْمِ القِيَامَة» ، وكذلك أيضًا محفوظ عن الخلل؛ بحيث لا (...) يكتب فيه، ولا يتخلف ما كتب فيه؛ يعني لا يقع فيه السهو فهو (...) من كل وجه. (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌهين) إِنَّ ذَلِكَالمشار إليه: كل ما سبق؛ الزيادة في العمر، والنقص، والكتاب، كله يسير على الله، أي: هين عليه، وإن كان عند المخلوقين صعبًا وعسيرًا، لكنه عند الله سهل ويسير؛ لأن الله عز وجل إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون. ثم قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ [فاطر: ١٢] مَا يَسْتَوِيمَانافية، ويَسْتَوِيبمعنى يتساوى ويتماثل، الْبَحْرَانِوهذا مُجْمَل، والبحر هو الماء الكثير، فكلُّ ماء كثير يسمى بحرًا، البحران هنا مجمل فسَّره عز وجل بقوله: هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌهَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌالعذب معناه: الحُلو المستساغ شربُه، والفرات يقول المؤلف في تفسيره: (شديدُ العُذوبة سَائِغٌ شَرَابُهُأي: شربه) سَائِغٌمعناه: سهل ومُيَسَّر؛ لأنه حلو عذب، وليس فيه ما يُكَدِّره بوساخة، أو حرارة زائدة، أو برودة زائدة، المهم أنه عذب فرات سائغ شرابه. الثاني: (وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌشديدُ الملوحة) مِلْحٌشديد الملوحة، هل يستويان؟ طلبة: لا يستويان. الشيخ: لا، وهل هذا يُراد به الحقيقة، أو هو مَثَلٌ ضَرَبه الله تعالى للمؤمن والكافر؟ قيل: إنه يُرادُ به الحقيقة بدليل قوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا، وقيل: إنه يراد به مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالمؤمن بمنزلةِ العَذْب الفرات، والكافرُ بمنزلة المِلحُ الأجاج، ولكن لدينا قاعدة في الكلام أنَّه إذا دار الأمر بين أن يكون حقيقة أو غير حقيقة وجب أن يُحْمَل على الحقيقة، فهو إذن حقيقة، ويُؤيِّدُه أيضًا قوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا، فإن مثل هذا الترشيح يدل على أنه حقيقة، وليس بمجاز، على أننا نقول: إنه لا مجازَ في القرآن، ولا في غيره، كما مر علينا كثيرًا، ولكن مع هذا لا بأس أن (...) مِن نفيِ اتصالٍ بين هذين البحرين، ونفي اتصال بين كل شيئين متغايرين؛ يعني: لا مانع مِن أن ينتقل الذهن من انتفاء التساوي بين هذين المحسوسين إلى انتفاء التساوي بين الأمور المعقولة (...). قال: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّاوَمِنْ كُلٍّتتعلق بقوله: تَأْكُلُونَ. (لَحْمًا طَرِيًّاهو السمك) الطري معناه الذي لم يتغير بنتن، وهذه من خصائص السمك أنه لو مات فإنه طري كما قال الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: ٩٦]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيده ما أكل حيًّا، وطعامه ما أكل ميتًا . ثانيًا: مِن فوائِد هذين الوصفين: (وَتَسْتَخْرِجُونَمن الملح، وقيل: منهما حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَاوهي اللؤلؤ والمرجان) كما قال تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]، وقد اختلف الناس: هل هذا لا يخرج إلا من المالح، أو يخرج من المالح والعذب؟ فأكثرُ المفسرين على أنه لا يخرج إلا من المالح، وحملوا قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢] على أنَّ المراد من مجموعهما، لا من جمعهما، فهنا إذا قلنا: عندنا بحران عذب ومالح يخرج منهما لؤلؤ ومرجان، منهما أي: من المجموع، لا من الجميع بحيث يعني كل واحد، ولكن الصحيح أنه يخرج من الجميع؛ لأن هذا ظاهر القرآن، والله سبحانه وتعالى أعلم بما خلق، كونه يخرج منهما وقد ثبت الآن أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من هذا ومن هذا، ولهذا قال المؤلف: (وقيل: منهما). حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَاوذكر اللبس؛ لأنه غاية ما ينتفع به في هذه الحلية، وإلا من المعلوم أن من يستخرج هذه الحلية يتخذها تجارة، وتجارة اللؤلؤ والمرجان فيما سبق وإلى الآن لم تزل تجارة قوية، لكن هؤلاء التجار الذين يتجرون به ويش الغرض من ذلك؟ اللبس؛ لأن الذي يشتريها منهم يريد بها اللبس، فإن أراد بها التكسب فسيبيعها على مَن؟ طلبة: يلبسها. الشيخ: يلبسها، فذكر الله في هذين البحرين منفعتين: منفعة ظاهرة، ومنفعة باطنة؛ كسوة للبدن في باطنه، وكسوة للبدن في ظاهره؛ كسوة البدن في الباطن؟ أكل اللحم، فإنما أكل اللحم كسوة للبدن في باطنه؛ ولهذا قال لآدم: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى [طه: ١١٨]، ولم يقل: ولا تظمأ، بل قال:وَلَا تَعْرَى؛ لأن الجوع عُرْيُ الباطن، والعُري عُري الظاهر. ثم نقول: ذكر الله لباسين: اللباس الباطن بأكل اللحم، واللباس الظاهر بهذه الحلية. وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَوَتَسْتَخْرِجُونَ، ({وَتَرَى} تبصر الْفُلْكَالسفن فِيهِفي كل منهما مَوَاخِرَ). قال: وَتَرَىأي: (تُبصِر) الخطاب لمن؟ لكل مَنْ يتوجه إليه الخطاب، والرؤية هنا بصرية، رؤية بصرية فإن من يشاهد البواخر في البحار تمخَر الماء أي تشقه. وقوله: فِيهِ مَوَاخِرَقال المؤلف: (في كل منهما) أشار المؤلف رحمه الله أن الإشكال (...)؛ لأنه هنا يقول: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ، ثم قال: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ، ومقتضى السياق أن يكون التعبيرُ هكذا: وترى الفلك فيهما. ولكن الضمير هنا لا يعود على البحرين، وإنما يعود على كُلٍّ، و(كل) كلمة لفظها مفرد، فعاد الضمير في هذه الآية على كُلٍّباعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ؛ لأنه مفرد، ومن هنا قال المؤلف: (في كل منهما) فزال الإشكال. وقوله: مَوَاخِرَقال: (تمخَر الماء، أي: تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة) وهذا من نعمة الله عز وجل أنْ سخَّر الفلك لنا تجري على هذا الماء، وتمخَر عُباب الماء حاملة أنواع الأرزاق، وحاملة البَشَر الكثير؛ ولذلك ترون الفلك الآن تعتبر بلدًا كاملًا إذا دخلتها وإذا هي كالبلد، هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى، فذكر هنا ثلاث نِعَمٍ: الأولى: أكل اللحم، والثاني: الحلية، والثالث: البواخر التي تعبُر أو تشق الماء من ناحية إلى أخرى؛ لتنقل الأرزاق والآدميين. وتأملْ قوله هنا: وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةًوتَأْكُلُونَوَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ؛ لأن السمك أكله هين ما يحتاج إلى كلفة، فذكر الأكل مباشرة، اللؤلؤ والمرجان يحتاج إلى كلفة وإلى تعب؛ لأنه يحتاج إلى غَوْصٍ وآلات وطول نفس أو حمل أشياء تعين على التنفس؛ ولهذا قال أيش؟ تَسْتَخْرِجُونَأي: تطلبون حلية، الفلك قال: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ؛ لأن مشاهدتها بالعين وهي تَعُبُّ تشق الماء من أعظم يعني (...) من أعظم آيات الله عز وجل. قال تعالى: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ(لِتَبْتَغُواتطلبوا مِنْ فَضْلِهِتعالى بالتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَالله على ذلك) يعني: سخَّر الفلك وجعلها مواخر في هذا البحر؛ لأمرين: أولًا لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِأي: تطلبوا الرزق حين تحمله هذه البواخر، (...) مثلًا الأرزاق من أمريكا ومن اليابان، (...) الأخرى البعيدة إلا بواسطة هذه البواخر التي تحمل الأشياء الكثيرة، هذا مِنْ فضل الله عز وجل (...) لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ. أما قوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَفإن (لعل) هنا لا ندري معناها حتى نستعرضَ المعاني التي تأتي لها (لعل)؛ (لعل) تأتي للترجِّي، وتأتي للتوقع، وتأتي للإشفاق، وتأتي للتعليل، فلأيِّ المعاني كانت في هذه الآية؟ طلبة: التعليل. الشيخ: التعليل، يعني: لأجل أن تشكروا الله عز وجل، إذا رأيتم هذه البواخر تمخَر الماء، وتأتي بالأرزاق من ناحية إلى ناحية، فإن هذا يستوجِبُ أن تشكروا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، والشكر قال العلماء في تفسيره: هو القيام بطاعة المنعم اعترافًا بالقلب، وتحدُّثًا باللسان، وطاعة بالأركان، فمواضعه ثلاثة: القلب واللسان والجوارح؛ ولهذا قال الشاعر؟ طالب:
أَفَادَتْـــكُـــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
الشيخ:
أَفَادَتْـــكُـــــمُ النَّعْــــــمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
فهذا الشكرُ يكون في هذه المواضع الثلاثة، والحمد يكونُ باللسانِ، فمتعلَّق الشُّكْرِ أعمُّ وسببه أخص، ومتعلَّق الحمد أخصُّ وسببه أعم؛ لأن الحمد يكون في مقابلة النعمة، ويكون في مقابلة كمال المحمود، فهو أعم من حيث المتعلق، بخلاف الشكر فإنه أخص يعني هو (...)، الشكر أعم في المتعلق وأخص في السبب، والحمد بالعكس. قال الله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ [فاطر: ١١] إلى آخره. في هذه الآية الكريمة: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى في ابتداء خلق بني آدم؛ بأن خلقهم من تراب، ثم من نطفة، إلى آخره. ومِن فوائدِها أيضًا: أن الله بحكمته ورحمته جعل بني آدم أزواجًا ذكرًا وأنثى؛ وذلك لبقاء النسل وحصول المتعة. ومِن فوائدِها: إحاطةُ علمِ الله بكل شيء؛ لقوله: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر: ١١]. ومِن فوائدِها: إثباتُ القدرة لله عز وجل، من قوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ؛ لأن الخلق لا يكون إلا بعد علم وقدرة. ومن فوائِدِها أيضًا: أن الأعمارَ الطويل منها والقصير كله مكتوب عند الله عز وجل في كتاب. ومن فوائدِها: إثبات مرتبتين من مراتب القدر؛ وهما: العلم والكتابة. ومن فوائدِها أيضًا: سهولة هذا الشيء على الله سبحانه وتعالى وهو الخلق والكتابة؛ لقوله: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، فيها المرتبة الثالثة من مراتب القدر، وهي الخلق، إذن فيه ثلاث مراتب: العلم، والكتابة، والخلق، ويش بعدها؟ المشيئة، (...) المشيئة، يمكن نأخذها من الآية؟ طلبة: نعم. الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: يخلق ما يشاء. الشيخ: (...) مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ [فاطر: ١١] وهذا لا يكون إلا بالمشيئة؛ لأن الله لم (...) هذه، فتكون (...) الآية إثبات مراتب القدر الأربعة العلم ثم الكتابة ثم المشيئة ثم الخلق وقد جمعت هذه المراتب الأربع في بيت (...). طالب:
عِلْمٌ كِتابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ
وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
الشيخ:
عِلْمٌ كِتابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ
وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
هذه مراتب القدر الأربعة. ثم قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِإلى آخره [فاطر: ١٢]. في هذه الآية من الفوائد: أوَّلًا: أن الأشياء المختلطة لا يمكن أن تكون متساوية؛ لقوله: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِإلى آخره، يتفرع من هذه الفائدة أنه لا يمكن التسوية بين الرجل والمرأة في الحقوق ولا في غيرها، نعم، لماذا؟ لأن تكوين خلقة المرأة مختلف عن تكوين خلقة الرجل، ولهذا جعل الله (...) أعمالًا تليق بها، وللرجل أعمالًا تليق به؛ فقد سألت عائشة النبي عليه الصلاة والسلام: هل على النساء جهاد قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فيه: الحَجّ والعُمْرَة» ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لن يُفْلِح قومٌ ولَّوْا أَمْرَهُم امْرَأَة» ، ومنع النبيُّ صلى الله عليه وسلم من تزويج المرأة نفسها ، إلى آخر ما تعرفون من الفروق بين الرجل وبين المرأة، وفي الميراث جعل للمرأة نصف الرجل إذا كان من جنسها كالإخوة والأعمام والأخوال. طلبة: لا (...). الشيخ: كالإخوة، طيب والأعمام؟ طالب: (...). الشيخ: الإخوة (...) والأعمام؟ طالب: لا يرثون. طالب آخر: (...). الشيخ: لأن العمة لا ترث، العمة لا ترث؛ يعني: لو هلك هالك عن عمه وعمته ما ورثت العمة، (...)، إي نعم، طيب نكمل الفوائد، (...). طالب: كيف يكونون من بحر واحد، وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ [فاطر: ١٢] (...)؟ الشيخ: (...). الطالب: (...). الشيخ: (...) ظاهر القرآن، ظاهر القرآن من هذا ومن هذا، أما مسألة السمك فهما جميعًا ما فيه إشكال ولا أحد يقول: من واحد، لكن اللي فيه إشكال هو مسألة اللؤلؤ والمرجان؛ هل يخرج من واحد أو لا؟ وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد، كذلك أيضًا أنه ليس المراد اللؤلؤ والمرجان فقط، قد يتحلى الناس مما يخرج من البحر من غير هذين النوعين. (...) إخوة يوسف أعقل من أن يوجِّهوا خطابًا لأبيهم يريدون أن يذهب إلى الجدران يسأل، لكن إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت: ٣١] المراد بالقرية: المساكن ولَّا لا؟ مساكن القوم؛ بدليل قوله: أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فأنت ترى الآن أنَّ هذه الكلمة صارت في موضع لها معنى لا تحتمل المعنى الآخر في الموضع الآخر، فالسياقُ له دور كبير في معرفة المراد بالكلام. من فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل من هذا الماء هذين الصنفين المتباعدين هما بحران من الماء أحدهما عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ [فاطر: ١٢]، والثاني: مِلْحٌ أُجَاجٌ [فاطر: ١٢] فهما شيء واحد، ومع ذلك يختلفان هذا الاختلاف. ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الماء العذب يكون سائغَ الشرب، وعكسه الماء المالح، ويتفرع على ذلك أنه لا ينبغي للإنسان أن يشرب ما لا يستسيغه؛ لأن ذلك يؤثِّر عليه ويضره، كما أنه لا مانع من أن يتناول ما تشتهيه نفسه وإن كان في بعض الحالات ضررًا عليه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن لطلب النفس الشيء أثرًا كبيرًا في انتفاء مضرته، وضرب لذلك مثلًا فيما أظن الميتة خبيثة مُضِرَّة، فإذا اضطر الإنسان إليها واشتدت حاجته (...) صارت النفس تقبلها وتستسيغها، ثم تهضمها فلا تضرُّها؛ لأنها لو كانت تضر –أي: الميتة- تضر المضطر ضررَ غيرِ المضطر لكان حِلُّها له يتضمن قتل نفسه؛ ولذلك لو اضطر إلى أكلٍ وليس عنده إلا سُم لم يَحِلَّ له أن يأكل السُّم، واضح؟ وضرب مثلًا لذلك أيضًا بقصة صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ كان أرمد -يعني: توجعه عينُه من رمد كان بها- فجيء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتمرٍ فأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام، وذهب صهيب ليأكل فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكَ أَرْمَدُ» -والمعروف أن الذي في عينه رمد لا يأكل التمر- فقال: يا رسول الله! أمضغه من الجانب الآخر. كيف؟ مثلًا إذا كانت عينه اليمنى فيها رمد يمضغه من الجانب الأيسر، فضَحِك النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «كل» قال: لأن نفسه الآن كانت تطلبه طلبًا قويًّا، وهذا الطلب يزيل الضرر، فالمهم أن الشيء الذي لا يستساغ لا ينبغي للإنسان أن يتناوله، ويُكْرِه نفسه عليه، ولهذا قيل: كلْ ما يشتهي بطنك، ولا تأكل ما يشتهي فمك، ما أدري هل يصلح هذا ولَّا لا؟ نعم، يصح؛ لأن بعض الناس يتلذذ بنوع من الطعام، لكن باطنه لا يقبله، تجده إذا أكل يبدأ يقرقر بطنه، وربما يسهل نقول: هذا لا تأكل، لو اشتهيته بفمك؛ لأن هذا ضرر عليك. ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده بما يستخرجونه من هذه البحار من اللحوم؛ لقوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّابدون مَشَقَّة وبدون تعب ما (...)، ومع ذلك فإن لحوم السمك من أحسن اللحوم، وكذلك نعمة الله عز وجل فيما نستخرجه من هذه البحار، من أيش؟ من الحُلي التي نلبسها. ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان الفرق بين كمال اللحوم من هذه البحار وكمال الحلي؛ لأنه في اللحوم قال: تَأْكُلُونَ، ولم يذكر العلاج الذي نتوصل به إلى هذا الأكل؛ لأنه سهل هين لا يُذكَر، لكن في الحلية قال: تستخرجون؛ لأنها تحتاج إلى مشقة وعناء. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بحملِ هذا الفلك الثقيل المملوء بالبضائع على متن الماء، ومع ذلك يستطيع أن يدفع الماء ويمخَرَه؛ لقوله: وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ [فاطر: ١٢]، وإلا فإن الماء ثقيل ليس بهين؛ ولهذا عندما يسبح الإنسان في الماء يحتاج إلى قوة حتى يدفع الماء، لكن هذه السفن تمخَر الماء، ولا يظهر أثر هذه النعمة إذا تذكَّر الإنسان السفن القديمة التي تجري بالرياح. ومِن فَوَائِدِ الآية الكريمة: بيان نعمة الله تعالى علينا بنيل ما نطلبه من فضله بواسطة هذه البواخر؛ لقوله: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ. ومِن فوائدِها: أنه ينبغي للإنسان أن يفعلَ الأسباب التي يتوصَّلُ بها إلى المقصود؛ لقوله: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [فاطر: ١٢]، أما أن يقول الإنسان: أبغي أبقى في البيت، ورزقي يأتيني، ويقول: إنه متوكل على الله، هل نوافقه على قوله؟ لا، نقول: إذا كنت متوكلًا على الله، لا تكن متواكلًا، فرق بين التواكل والتوكُّل، افعل السبب؟ هذا النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك كان يفعل الأسباب الجالبة للخير الدافعة للشَّرِّ، أليس كذلك؟ طيب، إذن ابتغ من فضل الله، وافعل السبب، فإن السماء لا تُمْطِر ذهبًا ولا فِضَّة، وإنما يأتي الرزق بطلب الإنسان، والأمر أظهر من أن يحتاج إلى أمثلة وإلَّا لكنا نُمَثِّل بمثال من أقرب ما يكون؛ لو قال قائل: إذا كان الله قد قدَّر لي ولدًا فسيأتيني، ولم يتزوج، نقول: هذا الكلام كلام رجل مجنون؟ نعم، مجنون، كيف يمكن أن يأتيك الولد وأنت لم تتزوج؟! نعم، ما علمنا أن الأولاد تنبت من (...) أبدًا، وإنما تأتي بفعل أسبابها بالزواج مثلًا، طيب، هذا يقتضي أيضًا الرزق يحتاج إلى طلب (...). ومن فوائدِها: وجوب شكر نعمة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَفإن الله جعل هذه النعم وسخَّرها لك (...) لنقوم بشكره سبحانه وتعالى، وقد مر علينا كثيرًا بأن الشكر موضعه اللسان والقلب والجوارح.
تفسير الآيتين (١٣-١٤)
٠١:٣١:٤١
ثم قال الله سبحانه تعالى مبينًا كمالَ قدرته ونعمته أيضًا؛ قال: (يُولِجُيدخل اللَّيْلَ فِي النَّهَارِفيزيد وَيُولِجُ النَّهَارَيدخله فِي اللَّيْلِفيزيد)، انتبه لكلام المؤلف، هل يوافق الظاهر ولَّا لا؟ (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِفيزيد)، ويش اللي يزيد؟ طلبة: النهار. طلبة آخرون: الليل. الشيخ: طيب، نشوف..