تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة غافر - ٧

درس صوتي · ٩١:٠٠

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

قال: إِلَى فِرْعَوْنَ متعلق بـأَرْسَلْنَا ، وفرعون هو حاكم مصر الذي ملكها وسُلِّطَ على بني إسرائيل، فكان يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، قيل: إنه كان يفعل ذلك من أجل أنه قال له بعض الكهنة: إنه سيكون في بني إسرائيل رجلٌ يكون زوال ملكُكِ على يده، هذا قول. وقول آخر: إنه فعل ذلك إذلالًا لهم وإهانة؛ لأنه إذا قُتِّلَ الرجال وبقيت النساء هلكت الأمة، وهذا القول أقوى؛ وذلك لأن القول الأول معتمده النقل عن بني إسرائيل، ومعلوم أن النقل عن بني إسرائيل لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، والمعنى المعقول لكونه يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم: هو إذلال هذا الشعب وهو قلة بالنسبة للأقباط. إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ هَامَانَ وزير فرعون، وَقَارُونَ تاجر آل فرعون؛ لأن قارون كان غنيًّا غِنًى عظيمًا، حتى قال الله تعالى: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ [القصص: ٧٦] أي: من الذهب والفضة مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص: ٧٦] تنوء يعني تثقل بهم، أي: تثقل العُصْبة أي: الطائفة من الناس الأقوياء، هذه مفاتيحه، إذن فالخزائن كثيرة وعظيمة. وَقَارُونَ فَقَالُوا الضمير يعود على الثلاثة فرعون وهامان وقارون فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ سَاحِرٌ خبر مبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله: (هو ساحر كذاب)، والساحر اسم فاعل من السحر وهو الذي يسحر الناس فيريهم الحقائق على غير ما هي عليه، وليس هو الذي يُغَيِّر الحقائق؛ لأنه لا يغير الحقائق إلا الخالق عز وجل، لكن يُرِي الناسَ الحقائقَ على غير ما هي عليه، مثل ما فعل السحرة سحرة آل فرعون حين أَلْقَوْا الحبالَ والعِصي فرآها الناس وكأنها حياتٍ تسعى، ثعابين وهي ليست كذلك، هؤلاء قالوا: إن موسى ساحر، كيف يلقي العصا فتكون حية؟! كيف يدخل يده فتخرج بيضاء من غير سوء؟! ليس هذا إلا سحر. كَذَّابٌ أي: كاذب فيما ادعى من الرسالة، فهو في آياته ساحر، وفي دَعْواه كاذب، ثم قال: كَذَّابٌ صيغة مبالغة أو نسبة، والفرق بين صيغة المبالغة والنسبة أن النسبة وصف ملازم، وصيغة المبالغة فعل حادث مُتَكَرِّر، أعرفتم؟ فكلمة (النجار) هذه نسبة، وقد تكون صيغة مبالغة لكثرة نجارته، وأما إذا قيل: فلان أَكَّال للطعام فهذا قد لا يكون نسبة، ولكن لكثرة أكله وُصِفَ بأنه أكال. فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ أرسله الله بالآيات، وقالوا ساحر كذاب: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ بالصدق مِنْ عِنْدِنَا ) من عند الله عز وجل وهو الوحي، حينما قال موسى عليه الصلاة والسلام لهم: إن الله هو ربكم وإن الله واحد وما أشبه ذلك مما جرت فيه المحاورة بينه وبين فرعون، وهذا مذكور في سورة الشعراء وفي سورة الإسراء وغيرها. لما جاءهم بالحق الذي عجزوا أن يقابلوه بالحجة الداحضة تَوَعَّد فرعونُ موسى فقال: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]، وهذا وعيدٌ، شيء آخر: (قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا [غافر: ٢٥] استبقوا نِسَاءَهُمْ )، وعلى هذا فيكون القتل لأبناء بني إسرائيل واستحياء النساء يكون وقع مرتين، المرة الأولى قبل أن يبعث موسى، والمرة الثانية بعد أن بُعِثَ. قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ نساءهم لئلا يبقى لهم شوكة ولتزولَ هيبتهم؛ لأنه إذا لم يبق إلا النساء، فالنساء ضعيفات لا يدفعن عن أنفسهن ولا يدافعن عن حقوقهن، فيبقى موسى وقومُه على أسوأ حال. اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ إلى آخره. ونرجع لنأخذ الفوائد لئلا نبعد: قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ . في هذه الآية الكريمة: تأكيد رسالة موسى عليه الصلاة والسلام، ويتفرع على هذه الفائدة إقامةُ الحجة على بني إسرائيل الذين كفروا واعْتَدَوْا مع أن الله قد أرسل إليهم هذا الرسول الكريم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يُرْسِل رسولًا إلا بآية بينة تَدَلُّ على صدقه، وقد أَكَدَّ ذلك الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» . ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات سلطانٌ وحُجة على مَنْ أُرْسلوا إليهم -أعني الرسل- بدليل قوله: وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ، وعلى هذا فيكون عطف سلطان على آيات من باب عطف الشيء على نفسه لبيان فائدته وثمرته؛ فالآيات هي السلطان. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات لا بد أن تكون مبينة مُظْهِرة للحق؛ لقوله: وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ . ثم قال: إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ إلى آخره. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الزعماء يقومون مقامَ الأتباع؛ لأن الرسالة ليست إلى هؤلاء الثلاثة فقط، بل إلى آل فرعون كلهم، لكن الأسياد يقومون مقام الأتباع. ومن فوائد الآية الكريمة: أن العُتاة المعاندين للرسل تَتَنوَّع أسبابُ عِنَادهم ومعارضتهم للرسل؛ قد تكون السلطة، وقد تكون الوزارة، وقد يكون المال، وقد تكون القوة البدنية. ففي هذه الآية ثلاثة أسباب: الملك، والثاني الوزارة، والثالث المال. وفي عادٍ القوة البدنية قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرةُ المكذبين للرسل؛ حيث قالوا لهذا الرسول الكريم: إنه ساحر وإنه كذاب. ومن فوائدها: أن ما قالوه في رَدِّ الدعوة مجرد دعوى؛ لأنه لم يُقيموا على دعواهم أيَّ دليل، مجرد قالوا: ساحر كذاب، وهذا يلجأ إليه الضعفاءُ العاجزون إذا عجزوا عن مُدافعة الحجة بالحجة ذهبوا إلى السبِّ والشتم وما أشبه ذلك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الآيات التي تأتي بها الأنبياء يعجز عن مثلها عامة الناس؛ لقوله: سَاحِرٌ ، والساحر مَنْ يأتي بأمور تُعْجِز الناس. لكن الفرق بين الساحر وبين النبي أن النبي مُؤَيَّد من عند الله عز وجل لا بفعله هو؛ بمعنى أن الساحر هو الذي يعالج الشيء حتى يأتي بالمعجزة، أما النبي فإن الآيات تأتيه بدون أَيِّ عملٍ منه بل بإرادة الله عز وجل، فإذا قال إنسان: إذن ما الفرق بين الكرامة وآية النبي؟ قلنا: الفرق بينهما أن الكرامة تأتي لمتبع النبي، وأما الآية فتأتي للنبي نفسه؛ أي أن مَنْ آتاه الله الكرامة من الأولياء، ليس يقول: إنه رسول ولا إنه نبي، ولكن الله يؤتيه الكرامة تأييدًا له أو تأييدًا للإسلام، وفي ذلك أيضًا آية للنبي الذي يتبعه.


تفسير الآية (٢٥)

ثم قال الله تعالى: (وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ هلاك) (ما) نافية، وكَيْدُ مبتدأ أو نجعلها اسمها؟ كَيْدُ مبتدأ، ولا يصح أن يكون اسمها؛ لأن من شرط عمل (ما) عمل (ليس) ألا ينتقض النفي، قال ابن مالك:

..............................

مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ

فإذا انتقض النفيُ فإنها لا تكون عاملة عمل (ما)، وفي القرآن الكريم كثير من هذا: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [المؤمنون: ٢٤]، ولم يقل: ما هذا إلا بشرًا؛ لأنه انتقض النفي. إذن (ما) نافية، وكَيْدُ مبتدأ؛ كَيْدُ الْكَافِرِينَ ، ما هو الكيد؟ الكيد والمكر والخداع وما أشبهها كلها كلمات متقاربة معناها التَّوَصُّل إلى الإيقاع بالخَصْمِ من حيث لا يَشْعر، يعني: يتوصل إلى الإيقاع بخصمه بأسبابٍ خَفِية لا يشعر بها الخصم؛ لأن الكائد والماكر والخادع لا يأتي بالشيء عَلنًا هكذا بل بأسباب خفية، فهي التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر؛ أي: بأسباب خفية. فالكفار لهم كيد عظيم يكيدون على الإسلام وليسوا يكيدون للإسلام؛ لأن هناك فرقًا بين الكيد على الشيء والكيد للشيء؛ قال الله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف: ٧٦] ولم يقل: (على)، لكن الكيد بالعدو هذا يُسَمَّى كيدًا عليه. الكافرين لهم كيد على الرسل يكيدون كيدًا عظيمًا، ويفعلون كل سبب يدحضون به حجة الرسل، ولكن مهما عملوا فالله عز وجل يقول: إِلَّا فِي ضَلَالٍ كيدهم في ضلال أي في هلاك وضياع، كما أن الضال لا يهتدي السبيل، كذلك كيد هؤلاء الكفار لا يوصلهم إلى المقصود. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالحق إلى فرعون وهامان وقارون، وهذا يدل على أنه صَدَع به أمامهم. ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين عجزوا عن رد الحق الذي جاء به فلم يقابلوا الحجة بمثلها. ومن فوائدها: أن هؤلاء الثلاثة لجؤوا إلى القتل والتهديد؛ قالوا: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ . ومن فوائدها: أن الذي يحمي الديار ويدافع عنها هم الرجال، وأن المرأة ليست بذاك الذي يدافع عن البلد أو يدفع العدو؛ دليل ذلك أن هؤلاء قالوا: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ . ومن فوائد هذه الآية: التعصب التام للكافرين؛ يعني أنهم متعصبون فهم يقولون: اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ؛ يعني: وغير المؤمنين من بني إسرائيل لا تقتلوهم، اقتلوا أبناء الذين آمنوا. ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسلط أعدائه على المؤمنين امتحانًا وابتلاء، والواقع كذلك، وقد يكون الإنسان كلما اشتد إيمانه اشتد إيذاء أعداء الله له. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار يَكيدون للمؤمنين؛ لقوله: وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ . ومن فوائد الآية الكريمة: الحكم على هؤلاء الثلاثة بأنهم كفار؛ ولهذا لم يقل: (وما كيدهم)، بل أَظْهَر في موضع الإضمار إشارةً إلى أن هؤلاء كفار، وقد سبق لنا أن الإظهار في مقام الإضمار يستفاد منه فائدتان: الفائدة الأولى: الحكم على هؤلاء الذين حلَّ الظاهرُ محلَّ ضميرهم بهذا الوصف. والثاني: العموم والشمول. الثالث: إفادة التعليل. وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ . من فوائد الآية الكريمة: البشرى التامة للمؤمنين بأن الكفار مهما كادوا فإن كيدَهم ضائع وهالك لن ينفعهم ولن يستفيدوا منه شيئًا، وإن استفادوا فإنما يستفيدون فائدة مؤقتة والعاقبة للمتقين.


تفسير الآية (٢٦)

ثم قال الله تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ [غافر: ٢٦] أعوذ بالله! كانوا اقترحوا أن يُقَتِّلوا أبناء بني إسرائيل ويستحيوا نساءهم، لكن فرعون قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ اتركوني أقتل موسى، وإنما قال هذا؛ لأن موسى هو زعيم بني إسرائيل، ومعلوم أن قتل الزعيم يُوجِبُ وَهَن الأتباع وضعفهم. وفي قوله: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى اتركوني دليل على تمويه فرعون وأنه رجل مُمَوِّه كائد خبيث، كأنه يقول: إن الناس يمسكونني عن قَتْل موسى، ولولا أن الناس يمسكوني لقتلتُه، فيقول: اتركوني عليه، اتركوني أقلته، مع أنه لا أحد يستطيع أن يرده عن مراده؛ لأنه يقول لهم: أنا ربكم الأعلى، لكن يُمَوِّه ذروني أقتل موسى، و أَقْتُلْ : مجزوم على أنه جواب الأمر ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وجواب الأمر يكون مجزومًا؛ وهل هو مجزوم به أو بشرط مُقدَّر؟ على قولين: القول الأول: أنه مجزوم به. والثاني: أنه مجزوم بشرط مقدر، التقدير: إن تذروني أقتل موسى. والقاعدة عندنا في التفسير وفي الحديث أنه إذا دار الكلام بين التقدير وعَدَمِه فالأصل عَدَمُ التقدير، وعلى هذا فنقول: أقتل فعل مضارع مجزوم على أنه جواب الأمر وعلام جزمه السكون. أَقْتُلْ مُوسَى قال: (لأنهم كانوا يكفونه عن قتله) بنى المؤلف رحمه الله قوله هذا على ظاهر اللفظ أنهم كانوا يكفونه ويقول: ذروني أقتله، ولكن الذي نرى أنه كَذَّاب لم يكفه أحد عن قتله، ولا يستطيع أحد أن يكفه عن قتله أبدًا، لكن هو أراد أن يُمَوِّه؛ لأنه لا يستطيع أن يقتل موسى، فتظاهر أنه يُكَفُّ عن قتله ويقول: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى . قال: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ تحدٍّ والعياذ بالله، الواو حرف عطف، واللام لام الأمر، ووَلْيَدْعُ رَبَّهُ و(يدع) فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف الواو والضمة قبلها دليل عليها، وأصل (يدعُ) يدعو. وقوله: (أقتله وليدع) هذا تحدٍّ سافر لموسى ومَن أرسله سبحانه وتعالى؛ يعني إن كان صادقًا فليدع هذا الرب الذي أرسله ليمنعه مني. وقوله: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ذكرنا لكم أن اللام لام الأمر، وهل لام الأمر ساكنة أو مكسورة؟ نقول: هي ساكنة، لكنها بعد الواو والفاء و(ثُمَّ) تكون ساكنة، قال الله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ [الحج: ١٥]، وقال تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩]، وهنا قال: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ . وقوله: رَبَّهُ ولم يقل: ربنا؛ لأنه لا يعترف ظاهرًا بربوبية الله، وإنما أضاف الربوبية إلى موسى من أجل التَّنْكِيت؛ يعني: كأنه يقول: هذا ربك الذي زعمت إن كنت صادقًا فليمنعك مني. {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}، أنا عندي: ) {وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}، انتظروا سيذكر المؤلف القراءات؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ هذا الخوف حقيقي أو لا؟ نعم حقيقي، هو يخاف أن موسى بما معه هؤلاء يبدل دين هؤلاء؛ لأن دينهم التعبد لفرعون. وموسى يقول: اعبدوا الله. فإذا جاء بالآيات واتبعه الناس بَدَّل الدينَ فصار الناس بَدَلَ أن يتجهوا إلى فرعون ويعبدوه يتجهون إلى الله عز وجل؛ ولهذا قال: (أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ من عبادتكم إياي فتتبعونه)، إذن دينهم هو عبادتهم فرعون، فإذا دعاهم موسى إلى عبادة الله انصرفوا إلى الله فتَبَدَّل الدين واتبعوا موسى. {وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} الفساد على زعمه هو صرف الناس عن عبادتِهِ إلى عبادةِ الله هذا وجه، ووجه آخر تفريق الناس، بدل أن كان متفقين عليه ما بين خائف وما بين راغب يختلفون، فيكون بعضهم تابعًا لموسى وبعضهم لفرعون، وتَفَرُّق الأمة لا شك أنه فساد، فصار إظهار الفساد الذي يَدَّعِيه من وجهين، الأول: تغيير الدين. والثاني: تفريق الأمة. ({وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} من قتل وغيره) القتل هذا غالبًا من لازم الاختلاف، لازم الاختلاف بين الأمة أن يصل بينهم النزاع إلى المقاتلة، أو غيره، ومنه تغير عبادة الناس من عبادة فرعون إلى عبادة الله. قال: (وفي قراءة: {أَوْ}) إذا الشارح شرح على الواو ولَّا على أَوْ ؟ على الواو، لأنه قال: (وفي قراءة: أَوْ ). طيب القراءة هذه سبعية أو شاذة؟ سبعية بناء على الاصطلاح الذي ذكرنا لكم أنه إذا قال: وفي قراءة أو قال: بالضم والفتح مثلًا فهي سبعية، وإذا قال: قُرِئَ فهي شاذة. (وفي أخرى بفتح الياء والهاء وضم الدال) و{وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادُ} (ضم الدال) على أن الفساد فاعل يظهر، طيب، هذه القراءات هل تختلف معنى؟ نعم، تختلف معنى من حيث الظاهر، لكن مؤداها واحد؛ لأنه إذا أظهر موسى الفساد في الأرض ظهر الفساد، فيكون اختلاف القراءات فيه فائدة. أولًا: الفائدة من (أو) و(الواو)، إذا كانت (أو) صار خاف أحد أمرين؛ أن يبدِّل الدين أو أن يُظْهِر الفساد، والواو {أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يَظْهَرَ} يكون خاف من اجتماع الأمرين: تبديل الدين، وظهور الفساد، ولا بد من أحد الأمرين، إما أن يبدل الدين وإما أن يظهر الفساد، وإن لم يبدل الدين لكن يكون هناك قتل ونزاع، ولا بد أيضًا من طرف آخر أن يَجْمَع بين الأمرين: تبديل الدين وظهور الفساد. بالنسبة لـ{يَظْهَرَ} ويُظْهِرَ نقول: إذا قصد إظهار الفساد فقد يظهر وقد لا يظهر، فإذا كان {وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادُ} صار حصولُ ما أراده من إظهار الفساد. طيب، فالقراءات مؤداها واحد {وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى} إلى آخره. نأخذ الفوائد: من فوائد هذه الآية الكريمة وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي إلى آخره: تمويه فرعون وأنه رجل ماكر مخادع يُظْهِر خلافَ الواقع؛ لقوله: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى . ومن فوائد الآية الكريمة: شِدَّة حَنَقِ فرعون على موسى إلى حد أنه أراد قتلَه. ومن فوائد الآية الكريمة: شِدَّة تحدي فرعون حيث قال: دعوني أقتله وليدع ربه؛ يعني: يتحداه؛ إذا دعا ربه هل يفيده أو لا. ومن فوائد الآية الكريمة: خوف الكفار من سلاح المؤمنين بالدعاء؛ لقوله: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ، وإن كان المقصودُ التحدي، لكن لا شك أنه قد فهم أن الدعاء سلاح لموسى عليه الصلاة والسلام. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعصب الكفار لدينهم؛ لقوله: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قوم فرعون يَدِينون له بالعبادة، يعني: يتخذون تذللهم له عبادة؛ لقوله: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ . ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار يَرَوْنَ أنَّ الإيمان فسادٌ في الأرض؛ لقوله: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ، وإذا كانوا يرون ذلك فلا بد أن يحولوا بين الناس وبينه حتى لا تفسد الأرض على زعمهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار يَدَّعون ما هو كذب لإبقائهم على ما هم عليه، وهو دعواه أن الناس إذا دانوا لله ظهر في الأرض الفساد من أجل أن يبقى الناس على تَدَيُّنِهم لفرعون، والله أعلم. طالب: ما رأيكم فيمن قال: إن موسى وغيره من الرسل ممن كذبوا وقيل فيه : إنه ساحر وكاذب إنه أشد من يوسف عليه السلام الذي قيل فيه : إنه زان (...) أشد من القذف؟ الشيخ: يقول: إن بعض العلماء قال: إن ما أصاب الرسل من التكذيب والتعذيب أشد مما أصاب يوسف من اتهامه بما اتُّهِمَ به؟ فيقال: لكل شيء حكم؛ فيوسف عليه الصلاة والسلام اتُّهِمَ بما اتُّهِمَ به وعُذِّب عليه وسُجِنَ مع براءته وظهور براءته في النهاية، وهؤلاء المكذبين فُعِلَ به أكثر مما فُعِلَ بيوسف من التعذيب، بل بعضهم قُتِلَ، فلكل شيء وجه، ولا يمكن المقارنة بين هذا وهذا. الطالب: شيخ، بارك الله فيك، قد علمنا أن فرعون وهامان وقارون قد أهلكهم الله عز وجل، هل هلكوا كلهم مرة واحدة أم كل واحد..؟ الشيخ: أما قارون فالله عَزَّ وجل بَيَّن أنه خسف به وبداره الأرض فليس ممن هلك بالغرق، وأما هامان فالظاهر أنه هلك مع فرعون. الطالب: هل قارون سببه امرأة قد (...) أتى بغانية وقالت: إن موس زنى بها هل هي رواية صحيحة؟ الشيخ: أبدًا، افتخاره بماله هو الذي خسف به الأرض. طالب: شيخ، فيه قول: إن فرعون أصله عربي، واسمه مصعب بن الريان؟ الشيخ: يقولون: إن اسمه مصعب بن الريان. نقول: من قال هذا؟! فرعون قطبي خبيث وهو بريء من العرب، والعرب بريئون منه، لكن اليهود يمكن يقولون هكذا؛ لأن اليهود من بني إسرائيل وفرعون عدوهم، والعرب الآن أعداؤهم، قالوا: حطوا على فرعون معهم يمشي. طالب: قوله: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى [القصص: ٧٦] قيل: إن قازون كان عَمَّ موسى، فإذن هو من بني إسرائيل؟ الشيخ: الله أعلم. طالب: لام الأمر تكون ساكنة إذا سُبِقَت بالواو والفاء وثم، يعني: إذا لم تُسْبَق بهذه الثلاث تكون مكسورة طيب يا شيخ قوله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: ١٣] (...) فليست مكسورة؟ الشيخ: أولا هي ليست لام الأمر، وهي مكسورة أيضًا، حتى لو كانت لام الأمر صارت مكسورة، ولكن اللام في قوله: لِتَسْتَوُوا ليست للأمر، بل معناها للتعليل جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف: ١٢، ١٣]، عرفت؟ الطالب: الضابط؟ الشيخ: الضابط السياق؛ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق: ٧] هذه لام أمر. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الفتح: ٨، ٩] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل ويحتمل أن تكون للأمر، ولكنها للتعليل أظهر. طالب: أحسن الله إليك، اللام في قوله تعالى: وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [الأنعام: ١١٣]؟ الشيخ: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ليست لام الأمر، لام التعليل؛ ولهذا لام التعليل لا تُسَكَّن ولو بعد الحروف الثلاثة بل هي مكسورة دائمًا: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦] ما تقول: ولْيتمتعوا. الطالب: (...) ما جزمت في سؤالي، ما فهمت سؤالي، أنا أحدث الناس بهذا الحديث، يعني هذه الرواية أحدث بها الناس. الشيخ: أنا قلت لك: إن قارون أهلكه الله عز وجل بما أهلكه به؛ لأنه افتخر بماله: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨]، ومسألة المرأة التي قال: إنه زنى بها موسى ما هي صحيحة. الطالب: يعني الرواية هذه وأن الله عز وجل كلمه وقال: وعزتي وجلالي.. الشيخ: أقول: غير صحيح. تعرف غير صحيح ولَّا لا؟ الطالب: يعني ما أحدث بها؟ الشيخ: لا.


الطالب: وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: ٢٧ - ٢٩]. الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في قصة موسى مع فرعون: إنه -أي فرعون- قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ، فهل هذا على ظاهره أو هو تمويه؟ طالب: تمويه. الشيخ: تمويه، كيف ذلك؟ الطالب: أنه قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وهو قادر على ذلك. الشيخ: يعني: (...) يمنعه، ولكن مَوَّه للناس أنه ممنوع من قتله حتى يقولوا: لماذا لم يقتله؟ طيب، قوله: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ، ماذا تفيد هذه الجملة؟ طالب: (...) وأن موسى (...) وكان سلاحهم الدعاء. الشيخ: إي، ولكن ماذا يفيد قول هذا من فرعون؟ الطالب: يفيد التحدي. الشيخ: يفيد التحدي؛ يعني: إن كان (...) ربًّا يجيبه فادعه. قوله: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ بماذا؟ الطالب: نقلهم من دين فرعون إلى دين آخر كلهم أو أن يتفرقوا شيعًا (...). الشيخ: لا، أن يبدل دينكم فقط ما يريد أن (...). الطالب: يبدل دينهم إلى دين آخر، أو نقلهم إلى (...). الشيخ: لا. طالب: أن ينقلهم من عبادة فرعون إلى عبادة الله. الشيخ: إلى عبادة الله. تمام. قوله: أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ فيها قراءة: {وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}. طالب: (...). الشيخ: {يَظْهَرَ} ويُظْهِرَ . طيب، كيف تكون (الْفَسَاد) على القراءتين؟ طالب: الفساد (...) تكون فاعلًا. الشيخ: فتكون مرفوعة، وعلى يُظْهِرَ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ تكون بالفتح ولَّا بالضم؟ طالب: بالفتح. الشيخ: على أنها؟ طالب: (...). الشيخ: طيب، أَوْ فيها قراءة ثانية؟ طالب: بالواو. الشيخ: بالواو {وَأَنْ يُظْهِرَ} أَوْ أَنْ يُظْهِرَ . طيب، ما هو الفساد الذي قاله فرعون؟ طالب: الفساد له معنيان: المعنى الأول يصرف الناس عن عبادة فرعون إلى عبادة الله تعالى، والمعنى الثاني.. الشيخ: وهو يرى أن ذلك فساد لقوله: أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ . والثاني؟ طالب: أن (...) الناس؛ فيتشيع بعضهم لفرعون وبعضهم لموسى عليه السلام. الشيخ: ويؤدي ذلك إلى الفوضى والاقتتال.

تفسير الآيتين (٢٧، ٢٨)

قال الله تبارك وتعالى: (وَقَالَ مُوسَى لقومه وقد سمع ذلك إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ) إلى آخره. قوله: (وَقَالَ مُوسَى لقومه إِنِّي عُذْتُ توجيه القول إلى قوم موسى ليس بصواب، بل قال موسى لفرعون: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ هذا إن كان فرعون قد قاله له مواجهةً؛ يعني قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى مواجهة، فإن موسى قال: إني عذت بربي وربكم منكم، ولكن قال: من كل متكبر؛ أما إذا كان فرعون يتحدث مع قومه وسمع موسى ذلك فعلى ما قال المؤلف رحمه الله تعالى؛ أن موسى لما سمع هذا قال إني عذت بربي وربكم؛ ولكن الظاهر -والله أعلم- أن المعنى الأول أصح؛ أنه قاله لفرعون حين قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى . قال: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ عُذْتُ : بمعنى اعتصمت بالله؛ لأن العياذ بالشيء الاعتصام به، قال العلماء: ويقال: العياذ واللياذ، قال العلماء: الفرق بين العياذ واللياذ أن اللياذ فيما يُرْجى والعياذ فيما يُخشى، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:

يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيـــــــــــــــــمَا أُؤَمِّـــــــــــــلُهُ

وَمَنْ أَعُــــــــــــــــــوذُ بِهِ مِمَّــــا أُحَــــاذِرُهُ

لَا يَجْبُرُ النَّاسَ عَظْمٌ أَنْتَ كَاسِرُهُ

وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ

إذن معنى عُذْتُ اعتصمت، بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ هذه الربوبية العام والخاصة، بِرَبِّي هذه ربوبية خاصة، وَرَبِّكُمْ ربوبية الله لفرعون وقومه من الربوبية العامة. مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وهذا الوصف ينطبق تمامًا على فرعون، فهو متكبر طاغ عات عال، والمتكبر هو المترفع كبرياء عن الحق وعلى الخلق؛ لأن الكبر إما عن الحق وإما على الخلق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْكِبْرُ بَطْرُ الْحَقِّ وَغَمْطِ النَّاسَ» «بَطْرُ الْحَقِّ»: يعني احتقاره وازدراؤه وهذا التكبر عن الحق، «وَغَمْطِ النَّاسَ»: يعني احتقارهم وهذا التكبر على الخلق، وإذا اجتمع في قلب المرء تكبر على الخلق وتكبر عن الحق فهو الهالك، والعياذ بالله. وقوله: لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ يعني يوم القيامة، وعدل عن قوله يوم القيامة إلى يوم الحساب؛ لأن الحساب أشد خوفًا من يوم القيامة، إذا قيل للإنسان: إنك سوف تحاسب على ما عملت من خير وشر؛ فإنه سوف يخاف ويَوْجل ويستقيم، وإنما ذُكِرَ الحسابُ دون القيامة؛ لأنه أشد تخويفًا، فإن الإنسان إذا علم أنه سيُحاسَب على عمله فسوف يرتدع عن المعاصي ويقوم بالأوامر. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا [غافر: ٢٨] إلى آخره. لما سمع هذا الرجل المؤمن بتهديد فرعون لموسى بالقتل قال ذلك، وتأمل سياق الآية: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ لم يُعَيِّنه باسمه، بل قال رجل مؤمن كتمانًا له؛ لأنه ليس المقصود معرفة الاسم، إنما المقصود معرفة القضية، أما تعيين الأسماء فهي مِنْ فضول العلم، بمعنى أنه إن حصل فهذا طيب، وإن لم يحصل فليس ذا أهمية. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مؤمن بمن؟ مؤمن بالله، وربما نقول: مؤمن بموسى أيضًا، مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يحتمل أن المراد من قرابته؛ لأن آل الإنسان قرابته، ويحتمل أن المراد من أتباعه؛ لأن الآل تُطْلَق على الأتباع، وأيَّا كان فالرجل ليس من بني إسرائيل، بل هو من قوم فرعون، سواء كان من قرابته أو من قومه الذين ينتمون إليه. وقول المؤلف: (قيل: هو ابن عمه) هذا قول أشار المؤلف إلى ضعفه بكلمة (قيل)؛ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أي: يخفيه ويُسِرُّه خوفًا على نفسه. وفي قوله: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ هذه ثلاث صفات: مؤمن، من آل فرعون، يكتم إيمانه. وقد قال علماء النحو: إن النكرة إذا وُصِفَت أول مرة فإن ما بعدها يجوز أن يكون حالًا ويجوز أن يكون صفة، وعلى هذا فيجوز أن يكون مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ حال، يَكْتُمُ إِيمَانَهُ حال، ويجوز أن يكون مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ صفة ثانية، ويَكْتُمُ إِيمَانَهُ حال، ويجوز أن تكون مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ صفة ثانية، ويَكْتُمُ إِيمَانَهُ صفة ثالثة. يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أي: يخفيه عن فرعون وقومه. أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ الاستفهام هنا للإنكار؛ يعني: كيف تقتلون رجلًا لم يأت بشيء إلا أنه يقول: رَبِّيَ اللَّهُ ؟! وهذا كقوله تعالى: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٨]. وقوله: أَنْ يَقُولَ أَنْ هذه مصدرية على تقدير اللام؛ ولهذا قدَّرها المفسر بقوله: (أي لأن يَقُولَ ) وعلى هذا تكون أن منزوعة اللام التي للتعليل؛ أي: بقوله ربي الله، يعني ربي الله لا فرعون، وهم يرون أن ربهم فرعون. (وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ بالمعجزات الظاهرات مِنْ رَبِّكُمْ ) قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ : الباء للمصاحبة، والْبَيِّنَاتِ : صفة لموصوف محذوف، وتقديرها خلافًا للمؤلف: الآيات؛ أي جاءكم بالآيات البينات أي الظاهرات التي تدل دلالة قاطعة على أنه نبي. وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ هذا يُسَمَّى عند علماء المنطق السَّبْر والتقسيم؛ لأن موسى الآن إما أن يكون صادقًا، وإما أن يكون كاذبا. وليس هناك رُتْبَة بين الصدق والكذب؛ لأنه هو يقول: إنه رسول الله؛ فإما أن يكون صادقًا في هذا وإما أن يكون كاذبًا. وعلى كل فإنه لا يضركم أن تصدقوه؛ ولهذا قال: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ يعني: عليه ضرر كذبه، وسوف يُوقِع الله به الخزي والعار لو كَذَب على الله؛ قال الله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ [الزمر: ٣٢]، والآيات في هذه المعنى كثيرة، وأن الله تعالى يَهْتِكُ سره ويبين كذبه، فيكون كذبه عليه. وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنْ يَكُ صَادِقًا في أنه رسول وكذَّبْتُموه أنتم أصابكم بعض الذي يعدكم من العذاب عاجلًا، وكذلك يصبكم في الآخرة آجلًا، فصار الآن الخطر على من؟ الخطر عليه إن كان كاذبًا، وأنتم سوف تسلمون، والخطر عليكم إن كان صادقًا وهو سوف ينجو، وهذا لا شك أنه من تمام نصحه؛ أن الرجل تنزل مع آل فرعون إلى هذا التنزل لم يقل: إنه صادق مع أنه كان يؤمن به، لكن هذا من باب التَّنَزُّل، وهنا قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا ولم يقل: أتقتلون موسى إبعادًا للتهمة عن نفسه لئلا يظن أحدٌ أنه كان يعرف موسى وأنه يدافع عنه عن معرفة، ولكنه أتى بـ رَجُلًا النكرة إبهامًا للأمر وشدة في إخفائه. إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ أي: متجاوز للحد، كَذَّابٌ : أي ذو كذب، وهل هذه الجملة التعليلية هل هي تعود على موسى أو تعود على فرعون؟ نقول: هي صالحة للأمرين؛ كلُّ مَنْ كان مسرفًا كذابًا فإن الله لا يهديه، هذا الوصف ينطبق على فرعون، أليس كذلك؟ فإنه مُسْرِفٌ متجاوز للحد كَذَّاب مُدَّعٍ ما ليس له؛ يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى وكَذَب في ذلك، فهو مسرف كذاب، كذلك أيضًا في مقام المجادلة والتنزل تنطبق على موسى لو كان كاذبًا، فإنه يكون مسرفًا متجاوز للحدِّ وادعائه الرسالة وهو كاذب، وكذلك كَذَّاب؛ لأنه ادَّعى ما ليس صادقًا فيه، وعلى كل حال فالجملة هنا صالحة لأن تكون منطبقة على فرعون، وهي منطبقة على الحقيقة أو على موسى من باب التنزل مع الخصم. في هذه الآية والتي قبلها فوائد منها: قوة موسى عليه الصلاة والسلام وصراحته؛ حيث أعلن أمام مُهَدِّدِيه بالقتل بأنه عاذ بالله ربه وربهم؛ لقوله: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ . ومنها: قوة تَوَكُّلِه عليه الصلاة والسلام؛ حيث اعتمد على الله أمام هذا الطاغية الذي يَسْهُل عليه أن يُنَفِّذ ما توعد به. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وَصْفُ فرعون بهذين الوصفين الذَّمِيمَيْنِ: التكبر، وأنه لا يؤمن بيوم الحساب. ومن فوائدها: العدول إلى العموم دون الخصوص؛ لأنه لم يقل: إني عذت بربي وربكم من فرعون، ولكن قال: من كل متكبر؛ ليَعُمَّ فرعون وغير فرعون. ومن فوائدها أيضًا: أنه إذا جاءت بصيغة العموم وبالوصف انطبقت على فرعون وبيَّنَت أنه متصف بالاستكبار، وكذلك الكفر بيوم الحساب. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم الحساب وهو يوم القيامة. والحساب ليس مناقشة الإنسان على عمله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» لأن الله لو ناقشك لكانت نعمةٌ من نِعَمِه تغطي جميع الحسنات التي قمتَ بها، بل إن حسناتك التي قمت بها نعمة من الله عز وجل تحتاج إلى شكر، ثم إذا وُفِّقْتَ إلى شُكْرِها تحتاج إلى شكر آخر للتوفيق إلى الشكر، ثم هَلُمَّ جَرًّا، ولهذا قال الشاعر:

إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً

عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ

فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ

وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ

وهذا صحيح، فالحساب هو أن الله تعالى يخلو بعبده المؤمن ويُقَرِّرُه بذنوبه، فيقول: عَمِلْتَ كذا، عملت كذا. فإذا أَقَرَّ قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» ، أما الكفار فإنهم لا يحاسبون محاسبة مَنْ توزن حسناته وسيئاته؛ لأن ليس لهم حسنات، ولكن تُحْصَى أعمالُهم، ويوقفون عليها، ويُخْزَون بها؛ يعني: يُذَلُّون بها ويقال: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] هذا هو حساب الكفار، وذاك حساب المؤمنين. ثم قال تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ [غافر: ٢٨] إلى آخره. من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي العناية بمضمون القصة دون عَيْنِ مَنْ وَقَعَت عليه؛ لقوله: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وإلا فنحن نعلم أن الله يعلم من هذا الرجل، ويعلم اسمَه ونسبَه وكلَّ شيء يتعلق به، لكن الله تعالى ذكره إبهامًا إشارة إلى أن المهم مضمون القصة دون عين مَنْ وقعت عليه إلا إذا كان في تعيينه مصلحة فالمصلحة ذكره وتعيينه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون من صلب المُعادِين مَنْ هو من الأولياء؛ لقوله هنا: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وسواء قلنا: من قرابته أو من أتباعه على دينه فإنه يدل على أن الله على كل شيء قدير، وأنه قد يقَيِّض أو يُهَيِّئ الإيمانَ لمن كان بين قوم منغمسين في الكفر. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إخفاء الإيمان إذا خاف الإنسان على نفسه؛ لقوله: يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ، ولكن إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش مؤمنًا إلا بالكتمان، فهل تجب عليه الهجرة؟ الجواب: نعم، في دين الإسلام أن مَنْ كان لا يستطيع أن يعيش إلى مُخْفِيًا دينه فإنه تجب عليه الهجرة، ولكن بشرط أن يكون قادرًا عليها، فإن كان عاجزًا فإن الله تعالى قال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٨، ٩٩]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شِدَّةُ إنكار هذا المؤمن على فرعون الذي هَدَّد بالقتل؛ لقوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ . ومن فوائدها: الإنكار على مَنْ عَمِلَ عملًا بدون سبب يقتضيه، من أين تؤخذ؟ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وهذا ليس سببًا للقتل، بل على الأقل يُتْرَك وشأنُه، أما أن يُقْتَل لهذا السبب، فإن هذا منكر ولا يجوز إقراره. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العدول عن التعيين خوفًا من التهمة، أو إن شئت فقل: استعمال المعاريض؛ لقوله: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا ولم يقل: أتقتلون موسى؛ لأنه لو عَيَّنَهُ باسمه لاتهمه الناس بأن له صلة به، وفَسَد ما يريده، لكنه أبهمه وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ إلى آخره. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه السلام أتى بالآيات البَيِّنَة التي يُؤْمِن على مثلها البشرُ؛ لقوله: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ . ومن فوائد الآية الكريمة: قوةُ إيمان هذا الرجل حيث جَابَه هؤلاء بإنكار ربوبية فرعون ضمنًا، من أين؟ من قوله: مِنْ رَبِّكُمْ فجابههم بأن لهم ربًّا سوى فرعون، وهذا يدلُّ على قوة هذا الرجل. أما قوله: أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ فليس فيها دليل؛ لأن ربوبية الله عز وجل لموسى ما فيها شيء من الإنكار لكن مِنْ رَبِّكُمْ واضح بأنه يُعَرِّض بأن فرعون ليس برب، وأن الرب هو الله، وهذا يدل على كمال شجاعة هذا الرجل. ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال السبر والتقسيم؛ يعني: الترديد بين حالين أو أحوال لا يزيد الأمر عليهما أو عليهم؛ لقوله: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا وَإِنْ يَكُ صَادِقًا . ومن فوائدها؛ أي: فوائد الآية: مراعاة الخصم فيما يُؤَلِّفُه ويقربه؛ لأنه بدأ بما كانوا يعتقدون وهو كذب موسى، فبدأ بالكذب قبل أن يبدأ بالصدق من أجل تأليفهم وبيان أن الرجل ليس عنده تعصب لموسى؛ ولهذا لم يبدأ بالصدق الذي هو أحد الاحتمالين. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التورية؛ لقوله: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا ، وقوله: وَإِنْ يَكُ صَادِقًا ، لأننا نعلم أن هذا الرجل يعتقد أنه صادق، لكنه أتى بهذا الكلام تورية بأنه ليس بمؤمن به، وذلك من أجل قَبول كلامه؛ لأنهم لو شعروا بأنه مؤمن لقتلوه، مؤمن بموسى وهو من آلهم، ولكنه أتى بالكلام الدال على التورية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن شؤم الكذب يعود على الكاذب وهو كذلك؛ لقوله: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ، وقد فضح الله عز وجل الكاذبين المفترين عليه في الدنيا وسيفضحهم في الآخرة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوةُ إيمانِ هذا الرجلِ بكونه يعتقدُ ويؤمنُ بأن بعضَ الذي وعدهم موسى عليه الصلاة والسلام سوف يصيبهم إذا كان صادقًا وقد كذَّبوه؛ لقوله: وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ . ومن فوائد الآية الكريمة: أن المسرف الكذَّاب أي: المتجاوز للحد بفعله وبقوله؛ بقوله لأنه كذاب، وبفعله لأنه مسرف، فإنه بعيد من الهداية؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . وحينئذ نسأل هل المراد هداية التوفيق أو هداية البيان والإرشاد؟ هداية التوفيق؛ لأن الله تعالى قد بَيَّن للمسرف الكذاب ولغيره، لكن وَفَّق من شاء من عباده وخَذَل من شاء، والله أعلم. طالب: قوله: وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ (...). الشيخ: لأنه قال: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ يعني: في الدنيا، ولهذا قَدَّرها المفسر بقوله: (العذاب العاجل). طالب: بالنسبة للمؤمن هو من آل فرعون ولا من بني إسرائيل؟ الشيخ: لا من آل فرعون، صريح. لكن هل هو قريبه أو متبعه على دينه؟ الطالب: (...) المعاريض؟ الشيخ: المعاريض معناها أن تُوَرِّي بشيء خلاف الواقع. الطالب: (...). الشيخ: يعني: كأنه يقول: متى تجوز المعاريض؟ تجوز المعاريض إذا كان فيه مصلحة أو دفع مضرة، واستعمال المعاريض على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: الظلم. والثاني: دفع الظلم. والثالث: ما ليس فيه هذا ولا هذا. الظلم هو أن يستعمل الإنسان المعاريض لدفع حَقٍّ عليه، ودفع الظلم أن يستعمل المعاريض لدفع ظلمٍ عن نفسه، وما ليس كذلك ولا كذلك مثل أن يستعملها في الأمور المباحة. مثال الأول: تخاصم زيد وعمرو عند القاضي، وكان عند عمرو لزيد مئة درهم فقال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: لك اليمين على صاحبك. فقال المدعي عليه: والله ما عندي له شيء. ظاهر اللفظ النفي، لكن هو في قلبه نوى الإثبات، ونوى بـ(ما) الذي، وتقدير الكلام على نيته: والله الذي له عندي شيء، وهذا صحيح له عنده شيء، لكن هو ورَّى بأن (ما) نافية، وأنه ليس عنده شيء، القاضي سوف يحكم بأيش؟ بأنها نافية حسب ظاهر الحال، هذه المعروضة نقول: إنها حرام؛ لأنه تَوَصَّل بها إلى إسقاط حق عليه. وكذلك أيضًا في الدعوى لو حلف لو قال له خصمه: أنا أرضى منك أن تحلف أن لك عندي شيء، فحلف مُوَرِّيًا فإنه حرام عليه. أما دفع الظلم فمثل أن يحلف على دفع الظلم عن نفسه أو غيره؛ مثال ذلك: دخل عليه لص أو جندي ظالم يريد أن يأخذ ماله فقال: افتح لي هذا الصندوق. قال: والله ما في هذا الصندوق شيء. المخاطب سوف يظن أن الجملة نفي فينصرف، وهو يريد بها الإثبات، فهذه التورية لا شك في جوازها، بل إذا كان المال للغير مثل أن يأتي شخص ويقول: فلان عندك له كذا وكذا. فأقول: والله ما عندي له شيء، أعرف أني لو أخبرت لأخذها (...). يقول: الدائرة لله ورسوله، هؤلاء القوم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وهم أهل بدر اطَّلَع الله عليهم فكافأهم مكافأة لم تحصل لغيرهم، اطلع عليهم فقال: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» هذه الحسنة العظيمة محت جميع ما يعملونه من السيئات، ونفعت هذه الغزوة لمن غزا حتى حاطب رضي الله عنه الذي كتب بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش قبيل غزوة الفتح، لما عُثِرَ على ما صنع قال عمر رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم: دعني أضرب عنقه فقد نافق. عمر رضي الله عنه ما فيه إلا السيف، شجاع قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» فوقعت هذه السيئة العظيمة من جملة ما يُغْفَر لأهل بدر؛ ولهذا كان أهل بدر أفضل من أهل بيعة الرضوان، أفضل لما حصل فيهم من النصرة العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا يُسَمَّى يوم بدر يوم الفرقان. طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو قائل قائل: ما المراد بقتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر؛ لأنه معلوم أن الملائكة عظام الخلقة فواحد منهم يكفي بضربة واحدة (...) المشركين؟ الشيخ: ومن المعلوم أيضًا أن الله لو قال لهؤلاء الكفار: كونوا أمواتًا لماتوا، المسألة ما هي معناها من باب العجز أو القدرة؛ نزول الملائكة تثبيتًا لقلوب المؤمنين، ومشاركة لهم في هذا من باب التأييد للمؤمنين ونصرة الحق؛ ولهذا قال الله تعالى: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤]. طالب: ما هو الدليل على الشهادة لهم بالجنة؟ الشيخ: الدليل: إذا شهد الرسول لأحد بالجنة شهدنا له. طالب: (...) وقلت: إنهم بأشخاصهم من أهل الجنة (...)؟ الشيخ: عمومًا إلا من شهد له الرسول مثل حاطب بن أبي بلتعة، فهذا نقول: هو مغفور له، ولكن لا شك أننا إذا كان حاطب مغفورًا له أن أبا بكر وعمر وعثمان أولى من ذلك. طالب: ما رأيك فيما ذهب إليه شيخ الإسلام (...)؟ الشيخ: والله، هذا رأي قوي لا شك، يعني ما ذهب إليه شيخ الإسلام مُؤَيَّد بالحديث: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» وإذا كانت الأمة أو غالب الأمة أجمعوا على ذلك فهو كاف، لولا أنه يُخْشى من مسألة: وهو أنه يأتينا أهل الفرق الضالة ويقولون: نحن مجمعون على الشهادة لفلان بكذا وكذا وهو رأس بدعة، وهم يَدَّعون أنهم أهل الحق، لكن يمكن الانفكاك عن هذا الإيراد أن نقول: هؤلاء لا تُقْبَل شهادتهم؛ لأنهم على باطل وعلى ضلالة، والمراد شهادة أهل الحق. طالب: (...). الشيخ: نعم، على سبيل العموم كلهم في الجنة، قال الله تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]. طالب: (...). الشيخ: لا، التابعون ما نقول (...). طالب: (...). الشيخ: لا تقل: أحسبه شهيدًا، قل: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» كما قال عمر رضي الله عنه، عمر خطب الناس وقال: إنكم تقولون: فلان شهد وفلان شهيد وربما يكون فعل كذا وكذا، ولكن قولوا: «مَنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». طالب: كيف نجمع بين قول عمر بن الخطاب وبين (...). الشيخ: ما هو التعارض؟ الطالب: (...). الشيخ: يوافق حكم الله؛ لأنه يتكلم عن حكم الله عز وجل. طالب: (...) عير قريش أن كل من أخذ منك مالًا بالقوة والغصب (...) أن يفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أم حالة خاصة؟ الشيخ: لا ما هي خاصة، إذا كانوا حربًا لنا. طالب: وفي غير الحرب؟ الشيخ: لا، في غير الحرب لا تخن من خانك، لكن إذا كانوا حربًا جاز لنا أخذ مالهم. الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ [غافر: ٢٩ - ٣١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقيه كلام الرجل المؤمن الذي من آل فرعون والذي أَدَّى النصيحة لقومه في قوله: وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر: ٢٨]، وهنا نناقش ما سبق: قوله: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ كيف تعرب: يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ؟ طالب: لها وجهان من الإعراب. الشيخ: يجوز فيها وجهان؛ الأول؟ الطالب: أنها تكون حالًا، أو أنها صفة ثانية. الشيخ: صفة ثانية أو ثالثة؟ ثالثة. كيف جاز أن تكون حالًا والموصوف بها نكرة، والنكرة لا تأتي منها الحال؟ الطالب: قلنا: إن النكرة إذا وصفت (...) الأول بوصف بينما يأتي هذه الأوصاف (...) يكون حالًا أو صفة. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. لماذا كان يكتم إيمانه؛ يعني: يخفيه؟ طالب: خوفًا من أن يقتلوه. الشيخ: خوفًا من أن يقتلوه؛ لأنه ما دام هددوا موسى بالقتل فهو خاف على نفسه فأخفى إيمانه. قوله تعالى: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ما المراد بالبينات؟ طالب: (...). الشيخ: بالآيات البينات. طيب آيات على أيش؟ طالب: (...). الشيخ: لماذا جاءت الآيات مع موسى؟ طالب: لأجل أن يؤيده (...). الشيخ: أحسنت، صح. لماذا قال: وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ولم يقل: كل؟ طالب: لأن العذاب في الدنيا ليس كل العذاب. الشيخ: المراد به عذاب الدنيا وليس كل العذاب. لماذا جاء هذا الترديد في قوله: إن يك و إن يك، مع أنه يؤمن بأنه صادق؟ طالب: أولًا من باب التنزل مع الخصم، هو مؤمن بما قال ولكنه من باب التنزل ومن باب إبعاد.. الشيخ: إفحام الخصم، أن الحال لا تخلو من أحد الأمرين، نعم، طيب. قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ كيف نفى الهداية مع أنه قد يهدي مثل هؤلاء؟ طالب: الهداية المنفية هي هداية التوفيق، أما هدية الدلالة والإرشاد فهي لكل أحد. الشيخ: طيب، أليس من الناس من هو مسرف كذاب وهداه الله؟ طالب: نعم، لكن هذا ليس في الغالب، لأن المتكبر ربما الله سبحانه وتعالى يحيمه الهداية لأن الله سبحانه وتعالى يقول: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥]، وقال عز وجل: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]. طالب آخر: هنا الإسراف والكذب مطلقة فتحمل على الإسراف الأكبر الذي هو الكفر. الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مع أنه الله قد هدى قومًا مسرفين كذابين؟ الطالب: نعم، ولكن على إطلاقه، إذا أصرَّ الإنسان عليه؛ يعني: مطلق الإسراف أو مطلق الكذب الذي هو الكفر، فإن بَقِيَ على إسرافه وكذبه فإنه يُحْرَم من الهداية، أما إن تاب ورجع يهديه الله سبحانه وتعالى. طالب آخر: (...) على نفي الكمال (...). طالب آخر: المقصود هنا في الآية أن هذا الرجل إما أن يكون قد تَنَزَّل لفرعون فيكون قد قصد بذلك موسى فإنه إن كان كاذبًا فإن الله لا يهديه وإما أن يكون قصد الحقيقة ويكون قصد فرعون بهذا وأن فرعون هو المتكبر (...). الشيخ: ما يخالف، دعنا من هذه القضية، هذه القضية بقي فرعون على كفره حتى هلك. لكن غيره، قد يكون الإنسان مسرفًا كذابًا ثم يهتدي. طالب: أن الله إذا أراد بعبده الهداية ففي وقت الهداية هذه يزول عنه الإسراف والكذب فيهديه الله. الشيخ: يعني: لا يهدي من هو مسرف كذاب ما دام على ذلك؟ طالب: هذا عام أريد به الخصوص المراد فرعون. الشيخ: هذا هو الأقرب؛ أن المراد به فرعون، لأنا إحنا قلنا فيما سبق أمس: إن المسألة إما أن يكون هو مسرف كذاب فلا يمكن أن يهتدي، أو أنتم فلا يمكن أن تهتدوا. وجواب آخر أن يقال: أن من قضى الله عليه في الأزل أنه مسرف كذاب فإنه لا يهتدي، هذه النقطة لم نتكلم عنها بالأمس، ولذلك فأنتم معذورون في هذه الأقوال الكثيرة التي سقتموها.

تفسير الآية (٢٩)

نقرأ الدرس الجديد: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ [غافر: ٢٩]، تأمل حسن خطاب هذا الرجل، كان بالأول يُنْكِر عليهم أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ، ولما أراد أن يتودد إليهم وأن يبين لهم نعمة الله عليهم تَلَطَّف في الخطاب فقال: يَا قَوْمِ وكأنه واحد منهم، وهذا -يعني اللطف في الخطاب في جانب الدعوة- من الأمور التي أمر الله بها شرعًا، والتي يهدي بها الله من شاء من عباده قَدَرًا، فقد قال الله لموسى وهارون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: ٤٣، ٤٤]. ثم إن أيضًا القَدَر يُؤَيِّد هذا فكم من إنسان لان بسبب القول اللين، وكم من إنسان اعتدى بسبب العدوان في القول؛ ولهذا تجد هذا الرجل مِنْ حكمته أنهم لما هَدَّدوا موسى بالقتل أنكر عليهم علنًا أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ، ولما أراد أن يُبَيِّن لهم النعم ويدعوهم إلى الحق قال: يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي: غالبين عالين على أهلها، وقوله: لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يعني: أنتم اليوم مالكون، وتأمل أيضًا حسن هذا الخطاب والتحرز لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ يعني: والمستقبل لا يُعْلَم، قد يزول ملككم، لكن اليوم أنتم في نعمة، غالبين في الأرض ظاهرين على أهلها، فيجب أن تشكروا هذه النعمة. وقوله: فِي الْأَرْضِ قال المفسر: (أرض مصر) وعلى هذا فـ(أل) في الأرض للعهد الذهني أي: الأرض المعهودة أرضكم. (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ عذابه إِنْ جَاءَنَا ) مَنْ يَنْصُرُنَا مَنْ هذه للاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحد ينصرنا، والنصر هنا بمعنى المنع، أي: فمن الذي يمنعنا من بأس الله، والبأس هو العذاب. وقوله: إِنْ جَاءَنَا يعني: إن نزل بنا، فهل أحد ينصرنا؟ حتى لو كنا اليوم ظاهرين في الأرض وكنا نحن ملوكًا فإنه إذا نزل بنا بأس الله لا أحد يمنعنا، وقول المفسر: (إن قتلتم أوليائه) قد يقال: إن هذا الذي عَيَّنَهُ المفسر يدل عليه السياق؛ لأنه أنكر عليهم أن يقتلوا موسى، وقد يقال: إن المراد: إِنْ بقيتم على الكفر والعدوان ومنه قتل موسى، وهذا أصح وأعم؛ يعني: ما الذي ينصرنا من بأس الله إن جاءنا لكوننا مستحقين لهذا العذاب بالكفر وقتل أوليائه. قال فرعون مجيبًا لهذا الرجل: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ أكذب قول في الأرض هو هذا مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى يعني: ما أُظْهِر لكم شيئًا حتى تروه إلا ما أرى أنه الحق، وهذه دعوى كاذبة؛ لأنه يَعْلَم أن الحق في اتباع موسى كما قال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤] لكن جحدوا ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]، فهو يقول: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى أي: ما أرى أنه صواب وأنه حق، وهذه الدعوى كاذبة. وإن كان أراد ما أريكم إلا ما أرى أنه من مصلحتي فهذا صادق لكنه غاش، وعلى كل حال فالجملة مؤاخَذ عليها؛ لأنها إما كذب، وإما غش؛ إما كذب إن كان يقول: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى من الصواب، وإما غش إن كان يرى أن الحق خلاف ما أراهم لكنه لمصلحته أراهم ما رأى. قال: معناه (ما أشير عليكم إلا ما أشير به على نفسي وهو قتل موسى)، هذا أيضًا تخصيص في غير محله؛ لأن فرعون لا يهمه أن يقولوا: اقتل موسى أو لا تقتله؛ لأنه مصمم على ما يريد، لكن أهم شيء أَلَّا يكفروا به، ألا يُبَدَّل دينه؛ وعلى هذا فالمقصود بقوله: إِلَّا مَا أَرَى في بقائكم على دينكم، هذا معنى الآية؛ لأن أصل الإنكار على موسى والتهديد بقتله أصله أنه خاف أن يُبَدَّل الدين. قال: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ يعني: ما أدلكم إلا على سبيل الرشاد، الرشاد ضد الغي؛ ولهذا يقال: رُشْدٌ وغَيٌّ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] يعني الصواب والسداد، وسبيل بمعنى طريق، وهو صادق في هذا أو كاذب؟ أكذب الكاذبين؛ لأنه ليس يهديهم سبيل الرشاد، بل يهديهم سبيل الغي والعناد والاستكبار والكفر، فصار كاذبًا في الجملتين: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى إذا قلنا: إن المعنى إلا ما أرى أنه صواب وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ هو أيضًا كاذب؛ لأنه بلا شك يهديهم سبيل الغي والفساد. في هذه الآية: حُسْنُ خطاب هذا الرجل المؤمن حين تلطف في الدعوة إلى الله عز وجل في قوله: يَا قَوْمِ . ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعي أن يُذَكِّر المَدْعُوِّين بنعمة الله عليهم حتى يخضعوا ويشكروا هذه النعمة؛ لقوله: لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ . ومن فوائد الآية الكريمة: حسنُ احترازِ هذا الرجل المؤمن؛ لقوله: لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ، يعني: وأما في المستقبل فقد يزول ملككم، لكن اشكروا النعمة الحاضرة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الاعتبار في الحال بما هي عليه الآن، أما المستقبل فقد تتغير الأحوال، لكن نحن مُخاطَبون ومأمورون أن ننظر إلى الحال الحاضرة الآن. يتفرع على هذه المسألة مسألة اجتماعية؛ وهي أن بعض الناس يخطب ابنته رجل غير مستقيم يعني ليس كافرًا لكنه فاسق بشرب دخان أو حلق لحية أو ربا أو ما أشبه ذلك، فيأخذه الطمع ويَقْبَل الخطبة، ثم يقول: لعلَّ الله يهديه، أو لعل هذه البنت الملتزمة تسعى في هدايته، فيقال: نحن لا ننظر للمستقبل، المستقبل له الله، بل ربما أن هذا الرجل يُغِوي المرأة؛ لأنه هو أقوى منها جانبًا، فأنت الآن مأمور بالنظر إلى الحال الحاضرة، أما المستقبل فلست مأمور بالنظر إليه، ولا يجوز أن تنظر إليه؛ لأنه مستقبل غيب، فأنت الآن اعرف الحال التي أنت عليها وتَصَرَّف على ما هي عليه الآن، هذه نأخذها من قول هذا الرجل المؤمن: الْيَوْمَ . واعلموا أنني إذا قلت: حسن خطاب هذا الرجل أو احترازاته أو ما أشبه ذلك ليس معناه أني أخبركم عن قصة مضت وتاريخ مضى. لا، أريد أن تأخذوا من ذلك عبرة تسيرون عليها؛ لأن ما دام نُثْنِي على هذا الرجل بخطابه ومعالجته للأمور فإنه يعني أننا نحث على اتباع طريقه.