تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة غافر - ٦

درس صوتي · ٩١:٢٥

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

.. لأنه لا خلق إلا بقدرة، طيب إذن تؤمن بما دل عليه الاسم من صفة سواء كانت تَضَمُّنًا أو التزامًا. الأمر الثالث إذا كان الاسم متعديًا الأثر أو الحكم، فمثلًا السميع ذو السمع الذي يسمع لا بد أن تؤمن بسمع يتعدى للغير، فيسمع كل قول، البصير كذلك متعديًا نؤمن بالبصير اسمًا وبالبصر صفة وبأنه يبصر حكمًا أو أثرًا. أما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يؤمن بأمرين: الأول الاسم، والثاني الصفة. الحي لازم أو متعدٍ؟ طلبة: لازم. الشيخ: كيف؟ مو الله يُحيي؟ طلبة: يُحيي. الشيخ: (يُحيي) ليست من الحي، من المحيي، الحي وصف لازم أو الحياة وصف لازم لا يتعدى لغير الله، فالحي إذن اسم من الأسماء اللازمة فتؤمن بالحي اسمًا من أسماء الله وتؤمن بالصفة التي دلَّ عليها الحي وهي الحياة. إذن إذا آمنَّا بهذا خالفنا كل أهل التعطيل؛ خالفنا من لا يسمي الله باسم ولا يصفه بصفة وهؤلاء غلاة الجهمية، وخالفنا من يؤمن بأن لله أسماء ولكن لا صفات له مثل المعتزلة، وخالفنا من يقول: له أسماء وصفات، لكن ليس لها حكم، ما يتعدى؛ لأن لو تعدى إلى الغير لزم قيام الحوادث به، إذ إن المسموع حادث أو أذلي؟ حادث، فإذا تعلَّق السمع بحادث صار السمع حادثًا حدوث المسموع، فلزم قيام الحوادث به. إذن قل: هو سميع له سمع، لكن لا يسمع به لئلا تقوم به الحوادث، فإذا أتينا على هذه الشروط الثلاثة: ١- الإيمان بالاسم. ٢- بما تضمنه من صفة. ٣- بالأثر أو الحكم. صح إيماننا بالأسماء. أما السميع والبصير فقد سبق لنا معناهما، وذكرنا أن السميع يدل على السمع، وأن سمع الله تعالى نوعان: سمع بمعنى الإجابة مثل قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، وهل السمع يأتي بمعنى الاستجابة في اللغة العربية؟ طالب: (...). الشيخ: الدليل؟ طالب: قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [فاطر: ١٤]. الشيخ: وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ. بس هل هذا فيه دليل؟ الطالب: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ. نعم، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١] أي: لا يستجيبون، ومنه قول المصلي وأنتم كل يوم تصلون على الأقل سبعة عشر ركعة، وتقولون: سَمِعَ الله لمن حمده، ويش معناها؟ استجاب، ليس المعنى مجرد سماع لمن حمده؛ لأن هذا لا يفيد شيئًا، لكن معناه استجاب، هذا سمع بمعنى الاستجابة. الثاني: سَمْعٌ بمعنى إدراك المسموع، وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول ما يراد به التهديد، والثاني ما يراد به التأييد، والثالث ما يراد به بيان شمول سمع الله؛ يعني: سمع الإحاطة. مثال الأول الذي يُراد به التهديد: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف: ٨٠] هذا للتهديد؛ ولهذا قال: بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠]. ومثال سمع التأييد قوله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]. ومثال ما يراد به سمع الإحاطة مثل قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]، فصار يُقَسَّم السمع أولًا إلى قسمين: سمع إجابة وسمع إدراك، والإدراك ثلاثة أقسام، وإن شئت فقل: ثلاثة أنواع لئلا تتداخل الأقسام؛ سمع يقتضي التهديد، وسمع يقتضي التأييد، وسمع لبيان الإحاطة. وكل هذا ثابت لله عز وجل. فإن قال قائل: ما الذي يُعَيِّن أن هذا السمع للتأييد أو للتهديد أو للإحاطة؟ قلنا: سياق الكلام وقرائن الأحوال؛ ولهذا يمكن أن يقال في قول الله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦] يمكن أن يقال: إن هذا السمع للتأييد والتهديد، تأييد من؟ طلبة: موسى. الشيخ: وتهديد فرعون، لكن يمنع من القول بأنه لتهديد فرعون أن فرعون لم يكن يسمع هذا الكلام من الله، فكيف يُهَدَّد مَنْ لا يسمع التهديد؟ ولهذا قال العلماء: إن السمع في هذه الآية للتأييد، ولم أرهم قالوا: إنه للتهديد ولا لتهديد فرعون، ووجه ذلك أن فرعون الآن ليس يسمع ما يقول الله عز وجل، فكيف يُهَدَّد مَنْ لا يسمع التهديد؟! أما البصير فهو بمعنى ذو البصر الثاقب الذي لا يغيب عن نظره شيء عز وجل، أي حركة وأي فعل فإن الله تعالى يبصره، طيب، إذا كان يبصر كل شيء فكيف موقفنا في مثل قوله: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ» قال: «وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ» فنفى النظر إليهم؟ نقول: النظر المثبت غير النظر المنفي، المنفي هو نظر الرحمة، والمثبت نظر الإحاطة، فالله تعالى ينظر كل شيء نظر إحاطة، حتى المغضوب عليهم منظورون أمام الله عز وجل لكن نظر إحاطة، وأما المنفي فهو نظر الرحمة «لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ»، وبهذا تلتئم الأدلة ويتبين أنه لا تعارض بينها، هناك بصير بمعنى العلم لكن المتبادر منه الرؤية كما سبق. طالب: ما يحصل لعُبَّاد القبور من الابتلاء والامتحان، لو قلنا لهم: إن الله عز وجل يقول كذا وكذا لا يقتنعون، الإنسان المؤمن بالقرآن والمقر هذا يقتنع بالآيات لكن هؤلاء لا يقتنعون بالقرآن. الشيخ: هو -بارك الله فيك- غالب أصحاب القبور مسلمون؛ يعني يرون أنهم على إسلام ويؤمنون بالقرآن. الطالب: هناك حجة أقوى يا شيخ (...) السمعية حجة نظرية لمحاجته، ما فيه هناك حجة أخرى؟ الشيخ: ممكن على سبيل التحدي بأن يتحدى الإنسان هؤلاء بشيء يُغْضِب آلهتهم يفعله ولا يأت الشيء، هذا يمكن يكون من باب التحدي. طالب: بالنسبة للسميع صفة ذات ولا صفة فعل؟ الشيخ: السميع صفة ذات، لكن الذي يحدث المسموع، أما السمع فلم يزل الله ولا يزال سميعًا، لا يتعلق بمشيئته، وإذا أردت أن تعرف الفرق فإن كان يمكن أن يتخلى الله عن هذه الصفة فهي صفة فعل، وإذا كان لا يمكن فهي صفة ذات، ومعلوم أنه لا يمكن أن يتخلى الله عز وجل عن صفة السمع فيكون أصم، فإن الله منزه عن ذلك، لكن الذي يحدث هو المسموع. طالب: نظر الرحمة هل هو نفسه رحمة الله عز وجل. يعني ما المقصود بـ..؟ الشيخ: المقصود أن الله ينظر إليه نظرًا يرحمه به، ما هي نفس الرحمة؛ ولهذا تُفَرِّق الآن بين النظر إلى ولدك الذي أرضاك والنظر إلى ولدك الذي أغضبك، ولدك اللي أرضاك تنظر إليه نظرًا باردًا وهو يشعر بأن عينك قد قَرَّت به، قَرَّت من القَرِّ وليس من القرار، من القر وهو البرودة؛ ولهذا (أقرَّ الله عينك) أي: بَرَّدها، ما معنى (قَرَّها) سَكَّنَها حتى لا تتحرك، طيب، الولد الذي غضبت عليه إذا نظرت إليه كيف تكون عينُك؟ حارَّة حمراء يظهر منها الشرر، يكاد يُعْمِي الولد، أليس كذلك؟ طالب: أحسن الله إليك، في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [غافر: ٢٠] حمل المؤلف على (...) ومر علينا أيضا أن المشركين دائمًا المؤلف يحملها على أهل مكة ربما أن أن السورة نزلت في مكة فربما المؤلف حملها على هذا، ما تقول في هذا؟ الشيخ: إي ما يصح هذا، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هو له وجهة نظر، وأقوى من هذه الوجهة قوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا [غافر: ٢١] بعد الآية هذه، لكن نحن نقول: العبرة بعموم اللفظ، والسبب لا يُخَصِّص العام، وإذا ذُكِرَ حكم يتعلق ببعض أفراد العام لا يقتضي تخصيصه أيضًا كما هي القاعدة. طالب: التعبير مثلًا إذا قلنا: هذا العمل أقرب إلى نظر رحمة الله؟ الشيخ: ما يصح إلى نظر رحمة الله، الرحمة ما هي تُنْظَر. أقرب إلى رحمة الله. طالب: تفسير المدعوُّون بالأصنام يُخْرِج الأحبار والرهبان وغيرهم، أليس في هذا قصور؟ الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ نعم، هو لا شك أن عبادة الأحبار والرهبان بالمعنى الذي فسَّره الرسول صلى الله عليه وسلم ليست كعبادة الأصنام؛ لأن عبادة الأصنام عبادة تَقَرُّب وخضوع، وعبادة الأحبار والرهبان عبادة اتباع، ولا شك أنها عبادة كما جاء في الحديث: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا [التوبة: ٣١]، فإذا كانت عبادة الأحبار والرهبان كعبادة المسيح ابن مريم لزم من هذا أنهم يعبدونهم عبادة التقرب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لعدي بن حاتم: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ» قال: نَعم، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» . فهذه عبادة اتباع، وغالب عبادة المشركين عبادة تقرب وتعظيم. طالب: ألا يشمل قوله: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىسمع الإحاطة (...). الشيخ: السمع هنا سمع إحاطة، لكنه يراد به النصر والتأييد؛ لأن مجرد الإحاطة حتى فرعون يسمعه الله عز وجل. الطالب: ما هي أحسن الكتب (...) في الأسماء والصفات؟ الشيخ: واللهِ الكتب متعددة ومختلفة في المنهج، فمثلًا مجرد الإثبات؛ إثبات العقيدة من أحسن ما يكون العقيدة الواسطية؛ لأن كلها مبنية على آيات وأحاديث. من جهة المناقشة والمحاجة من أحسن ما رأيت الصواعق المرسلة لابن القيم ومختصره هذا من أحسن ما يكون لطالب العلم في المناقشة، الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة ومختصره أيضًا هذا مفيد؛ لأنه يذكر رحمه الله أمهات المسائل التي فيها الخلاف ثم يناقش هؤلاء أو يجادل بالأصح، ما هي مناقشة، يجادل هؤلاء حتى يتبين الحق. الطالب: (...). الشيخ: واللهِ نُسِّيت من هو له. الطالب: الموصلي. الشيخ: الموصلي ويش اسمه؟ الطالب: (...). الشيخ: بس الموصلي فقط؟ على كل حال المختصر معروف، مختصر الصواعق المرسلة بهذا الاسم. طالب: هل يجوز تصنيف الشرك مثلا آية: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًايعني هذا شرك الطاعة وشرك الاتباع؟ الشيخ: إي، هو شرك الاتباع وشرك الطاعة، لكن ذلك شرك عبادة؛ ولهذا من أحسن حدود الطاغوت ما قاله ابن القيم: ما تجاوز به العبد حَدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع. المعبود الأصنام، والمتبوع العلماء، والمطاع الأمراء، هذا أحسن ما يقال في حد الطاغوت، لكن باعتبار الطاغي، أما باعتبار المعبود أو المتبوع أو المطاع فهؤلاء ليسوا بطواغيت باعتبار ذواتهم؛ لأن العالم قد لا يرضى بهذا الشيء، والأمير كذلك والمعبود كذلك، لكن باعتبار الفاعل هي طواغيت؛ لأنه طغا فيها، هي محل طغيانه، وليست هي طاغية، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام معبود، هل نقول: إنه طاغوت؟ لا، لكنه محل طغيان الذين عبدوه. انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض الناس استشكل كلام ابن القيم، وقال: كيف يقول هذا الكلام؟ إذن عيسى طاغوت لأنه معبود، فيقال: مراده رحمه الله أن محل الطغيان يكون في المعبود والمتبوع والمطاع. الطالب: ما الفرق بين الفعل المتعدي والفعل اللازم؟ الشيخ: اللازم ما لا ينصب المفعول به، والمتعدي ما ينصب المفعول به؛ (سمع) تنصب المفعول به أو لا؟ حي؟ عَظُم؟ هل يمكن أن تتسلط عظُم على شيء؟ عظُم هو بنفسه، أما عظَّم صحيح متعدية، لكن عظُم لازمة لا شك، جل؟ لازمة، فالعظيم من أسماء الله اللازمة، والعلي من أسماء الله اللازمة، والأجل أو الجليل من أسماء الله اللازمة. طالب: (...) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَكيف (...) سيدنا عيسى وغيره من الصالحين؟ الشيخ: تحفظ القران؟ طالب: لم أحفظه. الشيخ: طيب: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠١] [الأنبياء: ] وعيسى ممن سبقت له الحسنى، عرفت؟ ولهذا ضرب الكفار عيسى مثلًا وقالوا لما نزلت الآية: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَقالوا: إذن عيسى في النار جدلًا فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، مثل قوله: أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَقال الله تعالى مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨] وأبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.


تفسير الآيتين (٢١، ٢٢)

٠٠:٢١:٢٢

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر: ٢١ - ٢٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ. قال الله تبارك وتعالى: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِوهذا النظم موجود في القرآن كثيرًا أن تأتي أداة الاستفهام وبعدها حرف العطف ثم الجملة، وقد اختلف المُعْرِبُون في كيفية إعراب هذا النظم وهذا التركيب، فقال بعضهم: إن التقدير: وألم يسيروا في الأرض، فتكون الواو عاطفة على ما سبق، وتكون الهمزة داخلة على جملتها مُصدَّرة الجملة بها، وهذا القول لا يحتاج إلى تقدير، لكنه يَرِد عليه أن الهمزة متقدمة على حرف العطف، فأجابوا عن ذلك بأن الهمزة مقدمة وقالوا: إن تقديمها في مثل هذا سائغ. والقول الثاني للمعربين أن الهمزة داخلة على شيء مُقَدَّر وأن حرف العطف عاطف على ذلك المُقَدَّر، وحينئذ نحتاج إلى تعيين ذلك المقدر ولا يُعَيِّنُه إلا السياق، فيقدر ذلك المحذوف بحسب ما يقتضيه السياق، فمثلًا يقال: أولم يسيروا أفرطوا ولم يسيروا في الأرض، أو أغفلوا ولم يسيروا في الأرض، أو ما يؤدي إلى هذا المعنى. وقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِهل المراد سير القلوب بالنظر والتأمل والتفكر أو المراد سير الأقدام حتى يقف الإنسان على ما حصل للأمم السابقة بعيني رأسه؟ كلاهما، فمن لم يتيسر له أن يسير بقدمه فليسر بقلبه، ولكن ما طريق سيره بقبله؟ طريق سيره بقلبه أن يقرأ تاريخ الأمم السابقة، وحينئذ بأي شيء يثبُت هذا التاريخ؟ يثبت هذا التاريخ بطريقين فقط: الطريق الأول القرآن، والطريق الثاني: السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله سبحانه وتعالى قال فيمن سبق: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُوإذا كان لا يعلمهم إلا الله فإن مصدر التلقي لأخبارهم من عند الله أو من رسوله صلى الله عليه وسلم. أما ما حدَّثَت به بنو إسرائيل عمن سبق فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما شهد شرعنا به أو ما شهد القرآن والسنة به فهذا مقبول؛ لا لأنه خبر بني إسرائيل ولكن لأن القرآن والسنة شهدت بصدقه. الثاني: ما شهد القرآن والسنة بكذبه فهذا مرفوض ولا يجوز التحدث به إلا إذا أراد الإنسان بيان كذبه وبطلانه. القسم الثالث: ما لم يشهد الوحي بصدقه ولا كذبه، أي: ما ليس في القرآن ولا في السنة تصديقه ولا تكذيبه فهذا قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» فيكون من الكلام الذي يُباحُ نقله لكن لا فائدة منه فلا يشتغل به عن ما هو أهم منه، وبهذا نعرف كيف نسير بقلوبنا في أخبار مَنْ سبق، فصار مصدرُ التلقي في أخبار مَنْ سَبَق المصدر الأساسي الأكيد هو الكتاب والسنة، وأما ما وقع من أخبار بني إسرائيل فعرفتم أنه على ثلاثة أقسام. وقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِقال بعض المعربين: إن (في) هنا بمعنى (على)؛ لأنه لا يمكن السير في جوف الأرض بناء على أن (في) للظرفية والظرف محيط بالمظروف، كما إذا قلت: الماء في الإناء فإن الإناء محيط به والماء في جوفه. ولكن ربما يقول قائل: إن هذا غير متعين؛ لأن المراد في الأرض أي في مناكب الأرض، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك: ١٥] وتكون الظرفية هنا ظرفية الأجواء أي: في أجواء الأرض، والأجواء ظرف لمن يسير فيها. فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ [غافر: ٢١] فَيَنْظُرُواالفاء هنا قيل: إنها عاطفة، وعلى هذا فيكون السير منتفيًا والنظر أيضًا منتفٍ، والتقدير على هذا القول أو لم يسيروا في الأرض فألم ينظروا فيه كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلكم. وقيل: إن الفاء للسببية أي: فبسبب سيرهم ينظروا كيف كان. والمعنيان متلازمان؛ لأنهم إذا لم يسيروا لم ينظروا وإن ساروا نظروا. وقوله: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَهل النظر هنا نظر قلب وبصيرة أو نظر عين وبصر؟ ينبني على ما سبق في السير إن كان سيرَ قلبٍ فالنظر نظر قلب وبصيرة، وإن كان سيرَ قدم فالنظر نظر عين وبَصَرٍ، وقد قلنا: إن السير صالح لهذا وهذا فيكون النظر أيضًا صالحًا لهذا وهذا. كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْكَيْفَاسم استفهام وهو في محل نصب على أنه خبر كان مقدم، وعَاقِبَةُاسمها. كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْأي: مآلهم. ماذا كان مآلهم؟ سيأتي ذكر المآل لكن الله ذكر حالهم قبل أن يذكر مآلهم؛ قال: كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةًأَشَدَّمن الشدة وهي الصلابة والعظم. وَمِنْهُمْيقول فيها قراءتان: (وفي قراءة {مِنْكُمْ}) فيكون في هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب، ومعلوم أن الخطاب أشد وقعًا في النفس من الحديث بصيغة الغيبة، أليس كذلك؟ يعني: إذا كنت تخاطب الشخص مخاطبة فهو أشد وقعًا في نفسه مما إذا كنت تتحدث بصيغة الغيبة، ولهذا جاء قول الله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّىبصيغة الغيبة، والعابس والمتولي الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقل: عبست وتوليت، لأن الخطاب أشد وقعًا من الغيبة. وقوله: (وفي قراءة {مِنْكُمْ}) اعلم أن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: في قراءة، فهي سبعية. وإذا قال: وقُرِئَ، فهي شاذة ليست سبعية. (وفي قراءة {مِنْكُمْ} قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِمِنْ مَصَانِع وَقُصُور) فهم أقوياء الأبدان، ولهم من الآثار في الأرض أكثر مما عند هؤلاء الذين كَذَّبُوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والشاهد في هذا ظاهر في ديار ثمود، فإن كلَّ مَنْ شاهدها تبيَّن له كيف كانت قوة القوم، وكذلك آثار عاد في الأحقاف التي اطُّلِعَ عليها وقال الله فيها: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ [الفجر: ٧، ٨] قوة عظيمة حتى إن عادًا قالوا: من أشد منا قوة، فماذا كانت حالهم؟ قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُأهلكهم بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ. هؤلاء القوم الأشداء الذين لهم من الآثار ما يبهر العقول أخذهم الله بذنوبهم، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وذنوبهم مكونة من شيئين: التكذيب والتولِّي، فهم مكذبون للخبر، متولون عن الأمر، فكذبوا الأخبار وخالفوا الأوامر، وقعوا فيما نُهُوا عنه، وتركوا ما أمروا به، وكَذَّبوا ما يلزمهم تصديقه. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْوالباء هنا للسببية، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍمَانافية، ومِنَمتعلقة بـوَاقٍ، ووَاقٍاسم (كان) دخلت عليه (مِن) الزائدة للتوكيد، وأصل (واق) واقي فحُذِفَت الياء للتخفيف؛ أي: ما كان لهم من أحد يقيهم من عذاب الله حتى إن ابن نوح عليه السلام لم يقه مِنْ عذاب الله قُرْبُه من نوح، ولا دخوله في العموم لأن الله سبحانه وتعالى ذَكَر أنه منجيه وأهله -أعني نوحًا- فلما أرسل الله عليهم الغرق دعاه ابنه أن يركب معه في السفينة، ولكنه أبى وقال: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود: ٤٣] فغرق، وقال نوح: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود: ٤٥] وقد وعده الله أن يُنْجِيَه وأهله، فقال الله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: ٤٦] فلم يَقِه هذا الابن قربُه من أبيه أحد أولي العزم من الرسل، ولكنه هلك فيمن هلك كما قال الله تعالى هنا: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ. في هذه الآية فوائد كثيرة منها: الحث على السير في الأرض؛ لقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوابناء على أن الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ. ومن فوائدها: أنَّ السيرَ في الأرض في أرض المكذبين وبيان ما أحلَّ الله بهم من النكال إذا كان على سبيل العبرة فلا بأس به، على سبيل العبرة بما جرى لهم من الهلاك، لا العبرة بما كان لهم القوة، وبناء على ذلك نعرف أن الذين يذهبون الآن إلى ديار ثمود للاطَّلاع على قوتهم والاعتبار بصنعتهم على خطأ عظيم؛ لأنهم لم يسيروا في الأرض السيرَ الذي أمر الله به، بل ساروا في الأرض السير الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَعَذَّبِينَ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بِاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ» ، فمن الذي يذهب الآن إلى ديار ثمود يقف يشاهد آثارهم وهو يبكي؟! لا أحد إلا مَنْ هداه الله عز وجل وتبين له الحق وإلا فإنهم يذهبون يتفرجون. والعجب أن بعض الجهال منا يرون أن هذا من الآثار المحترمة، فيقال: سبحان الله! الآثار المحترمة -أيها الجهال- هي الكتاب والسنة، آثار الوحي. أما آثار المكذبين للرسل فليست محترمة، ثم هل هي آثار آبائكم وأجدادكم؟ آثار قوم فَنُوا وأعقبهم أناس ثم أناس ثم قرون كثيرة، لكن هذا من الجهل والتقليد الأعمى الذي يجعل القوم يتعلقون بالآثار المادية دون الآثار المعنوية. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن عاقبة الذين كانوا من قبلهم عاقبة سيئة؛ لقوله: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْإلى قوله: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ. ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد منهم قوة في الأبدان وقوة في الصناعة وقوة في الآثار، ومع هذا لم تمنعهم قوتهم هذه من أخذ الله لهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قوة الله سبحانه وتعالى فوق كل قوة؛ فإنه قال: كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، ومع ذلك أخذهم الله عز وجل؛ ذلك لأن الله تعالى إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لا يحتاج أن يأتي بأحد يساعده، ولا يحتاج إلى صنع قنابل أو مدافع، لا، كن فيكون، انظروا إلى عاد افتخروا بقوتهم فأهلكهم الله تعالى بألطف الأشياء، سخَّر عليهم الريح ولم يُسَخِّرْها لهم بل سخرها عليهم، وهي الريح من ألطف الأشياء فدمرتهم تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف: ٢٥] حتى كانوا كأعجاز نخل خاوية، يقولون: إن الريح تحمل الواحد منهم حتى يكون في عنان السماء ثم ترده إلى الأرض فينقلب منحنيًا كأنه عَجُز نخل خاوية، وأعجاز النخيل إذا رأيتموها تجدون أن النخلة قد تقوست، هؤلاء الذين كانوا أشداء أقوياء يقفون على أقدامهم أصبحوا كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة: ٧]، والآية الثانية كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠]. فرعون قال لقوله: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الزخرف: ٥١] بماذا أهلكه الله؟ أهلكه الله بأن أخرجه من مصر التي كان يفتخر بها باختياره، خرج مختارًا، بل خرج وكأنه غانم، كأنه رابح في المعركة، ثم أهلكه الله بجنس ما يفتخر به بالماء ليتبين أن القوة قوة الله سبحانه وتعالى، وأن الله أشد من هؤلاء قوة. من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍوقد بَيَّن الله ذلك صريحًا في قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: ١١] لا يقي دون ما أراد الله، لا قصور ولا مدافع ولا طائرات ولا أي شيء وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ. ومن فوائد الآية الكريمة وهي التي بعدها: إثبات الأسباب وأنه لا يَجْنِي جان إلَّا على نفسه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْإلى آخره، وقد تقدم لنا شرح هذه المسألة أعني مسألة الأسباب وتأثيرَها واختلاف الناس فيها، وبينَّا أن أعدل الأقوال وأصح الأقوال أن الأسباب لها تأثير مباشر، لكن ليس تأثيرًا ذاتيًّا بنفسها ولكن بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل وأنه لا يؤاخذ أحدًا بدون ذنب؛ لقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر: ٢٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ما من أمة خلت إلا وقد جاءتها رسله؛ لقوله: كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ؛ كل أمة جاءها نذير وجاءها رسول أنذرها وبيَّن لها، وقد أقرَّت هذه الأمم بذلك؛ قال الله تبارك وتعالى في سورة الملك: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَاأي: في النار فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك: ٨، ٩] ثم قالوا: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: ١٠]، وقال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]، وهذا من تمام رحمة الله عز وجل وحكمته أن أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل، ولأجل مصلحة الخلق، نحن لولا رسول الله عليه الصلاة والسلام أرسله الله إلينا هل نعرف كيف نتوضأ؟ هل نعرف كيف نصلي؟ ما نعرف، لكن من رحمة الله عز وجل أن أرسل إلينا رسولًا عَلَّمَنا كيف نتوضأ كيف نصلي، ثم يترتب على هذا الوضوء والصلاة مغفرة الذنوب، إذا توضأ الإنسان فإن خطاياه تخرج مع آخر قطرة من قطر الماء، وإذا صلَّى فالصلوات الخمس مكفرات لما بينهن، وإذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء وخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة، أحصِ خطواتك من بيتك إلى المسجد في اليوم والليلة خمس مرات، كثير، كل هذا من فضل الله عز وجل، ولولا أن الله هدانا هداية إرشاد، ونسأل الله تعالى أن يتممها بهداية التوفيق، لولا ذلك لهلكنا ولم نعرف كيف نعبد الله، فهذا من رحمة الله عز وجل أنه أرسل الرسل إلى الأمم ليبيِّنوا لهم، وإذا قلتم: إننا لم نصل إلى هذه الآية فأنتم مُصَدَّقُون ونجعلها غدًا إن شاء الله. طالب: هل الإنسان مأجور على خطواته إذا جاء إلى المسجد وإذا عاد منه؟ الشيخ: إي نعم، أما إذا جاء إلى المسجد فقد سمعت ما..، وأما إذا رجع ففي قصة صاحب الحمار الذي كان بعيدًا من المسجد فقيل له: ألا تشتري حمارًا تركبه فقال: يا رسول الله إني أحتسب ممشاي إلى المسجد ورجوعي منه فقال: «لَكَ مَا احْتَسَبْتَ» فإذا احتسب الإنسان هذا فله ما احتسبه. لكن يا إخواني أنا أقول لكم: إنه يفوتنا كثيرًا الاحتساب، ولا لا؟ كثيرا يفوتنا، نصلي نريد أن نؤدي الصلاة التي علينا فقط، لكن لا نشعر بأننا نحتسب أجرها وأننا سنجد أجر هذه الصلاة أو أجر هذا الوضوء أو أجر هذه الخطا، هذه تفوتنا كثيرًا، والاحتساب له أثره لا من جهة الثواب ولا من جهة أنه يحث المرء على العمل؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إذا عمل جوزي يزداد عملًا، لكن إذا عمل على أنه فرض عليه يؤديه فقط صار كالذي يقضي الدين عن نفسه فيعطيه الدائن؛ ولذلك أنا أحث نفسي وإياكم على هذه المسألة مسألة الاحتساب، ويش معنى الاحتساب؟ أنه يريد بعمله الأجر والثواب؛ قال الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح: ٢٩] اسمع الاحتساب: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: ٢٩] احتسب الأجر من الله عز وجل، ونسأل الله أن يُذَكِّرنا ذلك ويعيننا عليه. طالب: العبرة من الإنسان إذا دخل في مكان القوم الذين أهلكوا، هل كل قوم أُهْلِكوا أم الكفار الذين لم يأتهم عذاب؟ الشيخ: لا، المراد الذين أهلكوا. طالب: قلت: إن الذي يذهب إلى مدائن صالح فهو على خطر عظيم، ولكن لو قال قائل: أنا لا أتأثر بالقرآن لكن أتأثر بمشاهدة هذه الأقوام السابقة لآخذ العبرة والعظة؟ الشيخ: هذا ذهب ليأخذ العبرة، والإنسان اللي يذهب ليأخذ العبرة لا شك أنه سيتأثر، لكن كثير من الناس الآن يذهبون ليعتبروا بما عندهم من القوة لا بأخذ الله لهم. طالب: الإنسان يقدم على شخص يدعوه فيرى أن هذا الإنسان كثير المعاصي عنده معاص كثيرة فيتذكر قوله تعالى: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء: ٩٤].. الإنسان يتذكر الأمر اللي مضت قبل التزامه فما يجرؤ (...) يعني ما يقدم على الولاء والبراء (...). الشيخ: ما فهمت أعطني القضية بدون مقدمات ونتائج. قل: هل يجوز أن أذهب إلى كذا؟ يعني: تقول هل يجوز أن أذهب إلى رجل عاص..؟ الطالب: يعني يضيق صدري أن أذهب إليه وأرى المعاصي وهو طبعًا ما يتقبل مني من أول مرة فيضيق صدري فيدخل الشيطان على هذا الأمر بوسوسته. الشيخ: والسؤال الآن: هل تذهب إليه أو لا تذهب؟ الطالب: هذا السؤال. الشيخ: طيب اذهب، ما دمت تريد الذهاب للدعوة فاذهب إليه، إذا ضاق صدرك اصبر حتى اللي يدعوا الناس في السوق والمسجد يضيق صدره إذا رآهم على ما هم عليه، اصبر ما دمت تريد أن تدعوه، أما إن ذهبت تريد أن تكرمه فلا يجوز. طالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: الإنسان إذا وضع في (...) شقي أو سعيد ما كتب على، فلماذا (...)؟ الشيخ: صحيح، هذه حجة، واحتج بها الصحابة على الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال لهم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». قالوا: يا رسول الله ففيم العمل؟ ليش نعمل (...)؟ فقال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» نقول: أنت مكتوب أنك في الجنة أو في النار بسبب عملك، فاعمل بعمل أهل الجنة لتكون من أهلها. طالب: قرى قوم لوط مثل قرى ثمود وعاد في عدم الجواز مثل هذه؟ الشيخ: العلماء يقولون: لا فرق، كل شيء تذهب ليتبين لك آثارهم وقوتهم وتُعْجَب بهذه القوة فهو لا يجوز. الطالب: والآية يا شيخ؟ الشيخ: الآية حكاية: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] هذه حكاية عن شيء واقع، كما قال الرسول: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» هل معنى ذلك أن الرسول يفسح لنا المجال؟ خبر عن أمر واقع أو سيقع، وكما أخبر أن المرأة تذهب من صنعاء إلى حضر موت لا تخشى إلا الله.


الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [غافر: ٢٢ - ٢٤]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِذَلِكَالمشار إليه أخذ الله تعالى إياهم بذنوبهم، فهذه الذنوب أنه كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِقال المؤلف: (بالمعجزات الظاهرات). تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْجمع رسول، والرسول لكل أمة كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [النحل: ٣٦]، والرسل جاؤوهم بالبينات قال المؤلف: (بالمعجزات) والصواب أن يقال: بالآيات؛ لأن الله تعالى يعبر عنها هكذا آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [يونس: ١٥]، والمراد بالآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهي نوعان: حسية ومعنوية، وخِلْقِيَّة وخُلُقِيَّة، كلها آيات بينات ظاهرة واضحة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ» . والحكمة من هذه الآيات هو أن البشر لا يمكن أن يقبلوا دعوة من شخص عاش بينهم يعرفونه فيأتي ويقول: إنه نبي أو إنه رسول، طيب بأي دليل؟ لا بد من آيات تدل على صدقه. وكما قلت لكم: إن الآيات نوعان: آيات معنوية وهي ما يتضمنه الوحي الذي جاء به هؤلاء الرسل، وآيات حسية وهي ما يظهر من خوارق العادات؛ ولهذا قيل في تعريف الآية: إنها أمر خارق للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الرسول تأييدًا له، هذه هي الآية. فهذه الآيات قال العلماء: إنها تكون -أعني الآيات الحسية- تكون مناسبة للوقت الذي بُعِثَ فيه الرسول، واستشهدوا لذلك بأن موسى عليه الصلاة والسلام أُعْطِي آيات سحرية -أي تشبه السحر- لكنها أقوى منه تغلبه، فيضع العصا وهي من خشب على الأرض فتنقلب حية تسعى، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء تلوح من غير عيب أي من غير برص؛ وهذا لأنه في وقته كان للسحر طور عال مرتفع، فجاء بآيات تغلب ذلك السحر، ويظهر هذا حينما اجتمع مع السحرة في اليوم الذي وعدهم فيه، فألقوا حبالهم وعصيهم حتى خُيِّلَ إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، فقال الله تعالى: لَا تَخَفْ [طه: ٦٨] وأمره أن يضع العصا فوضعه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون. ثم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في زمن تَرَقَّى فيه الطب ترقيًّا عظيمًا بالغًا، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، بل يخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يقف على صاحب القبر فيخاطبه ويقول: اخرج فيخرج؛ وهذا أعظم من الطب الذي أتوا به. أما محمد عليه الصلاة والسلام فقد بُعِثَ في وقت بلغت فيها البلاغة أَوْجَها، وصار الناس يتفاخرون أيهم أبلغ، فيأتي الشعراء ويأتي الخطباء إلى أسواق الجاهلية عكاظ وغيره يتبارون في أشعارهم وخطبهم، فجاء هذا القرآن قاضيًا عليها كلها وأعجزهم، وعجزوا عن أن يأتوا بآية منه مع أنهم هم أمراء البلاغة. والمهم أنه لا بد لكل نبي من آية يؤمن على مثلها البشر؛ لأن الله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم، حكيم لا يرسل شخصًا يقول للناس: أنا رسول بدون بينة، ورحيم حيث أَيَّد هؤلاء الرسل بالآيات من وجه، ورحم الخلق فجعل مع الرسل آيات من أجل أن تكون حجة الرسل مقبولة إليهم. تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُواالفاء عاطفة، وتدل عل مبادرة هؤلاء بالكفر وأنهم لم يتأملوا ولم ينظروا، وجه ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، فَكَفَرُواأي: بالرسل وبالبينات التي جاؤوا بها. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُأي: أهلكهم، إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِأهلكهم الله سبحانه وتعالى بعامة إلا من آمن. ثم بَيَّن أن هذا الأخذ شديد؛ لقوله: إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِقوي أزلًا وأبدًا، فلم يسبق قوته ضعف ولا يلحقها ضعف، أما البشر فإنهم ضعفاء أولًا ونهاية، ومنتهى قوتهم أيضًا ليس بشيء، حتى وإن بلغ الإنسان أشده وبلغ غاية قوته فإنه ليس بشيء، أما الرب عز وجل فإنه قوي أزلًا وأبدًا. شَدِيدُ الْعِقَابِهذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. المعنى: عقابه شديد، الشديد يعني الصَّلف القوي الذي تحصل آثاره على من عوقب. في هذه الآية فوائد: منها: بيان سبب إهلاك الأمم وأن ذلك بذنوبهم؛ لقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ. ومن فوائدها: أنه من أمة إلَّا خلا فيها نذير وجاءها رسول. ومن فوائدها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا بالآيات البينة الظاهرة. ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل أولًا ثم بتأييدهم بالآيات البينات التي لا تدع مجالًا للشك أو للإنكار. ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الذين أُرْسَل إليهم لم يشكروا النعمة، بل بادروا بالكفر والتكذيب. ومن فوائدها: أنه لو تأمل العاقل ما جاءت به الرسل ما أدى ذلك إلى كفره، لكن غالب المكذبين للرسل يبادرون بالتكذيب؛ قال الله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام: ١١٠]. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وأن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها، وهذا يدل على تمام حكمة الله، وأنه عز وجل لم يفعل شيئًا عبثًا ولا لمجرد المشيئة، خلافًا لمن قال من الجبرية وغيرهم: إن الله تعالى يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة وليس لحكمة، وأنكروا حكمة الله، وقالوا: إن الحكمة تقتضي النقص، وهذا من غرائب الأفهام، الحكمة تقتضي النقص؟ قالوا: نعم، لأن الحكمة غرض فإذا فعل لكذا فإنه محتاج لهذا الغرض؛ فيقال لهم: تبًّا لكم ولأفهامكم، الحكمة هي غاية الحكم؛ أي أن الحكمة أكبر ما يدل على البعد عن السفه واللعب. وأما قولكم: إن الحكمة غرض فإذا قلتم: إن الله فعل كذا لكذا لزم من ذلك أن يكون الله محتاج إليه فيقال: الحكمة التي يَشْرَع الله الشرائع من أجلها لا تعود إلى نفسه إلا من حيث الكمال فقط، أما المصلحة فالذي ينتفع بها مَنْ؟ الخلق، أما الله عز وجل فإن حكمته لا تعود إليه بشيء سوى بيان كمال صفاته عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القويِّ اسمًا من أسماء الله، وهو من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ اللازمة، قادر من الأفعال المعتدية، لكن القوي من اللازمة، وعلى هذا فلا بد من إثباته وإثبات ما دلَّ عليه من الصفة وهي القوة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى شديد العقاب، ولكن لمن عصاه. ومن فوائدها: التحذير من مخالفة الله؛ لأنه قوي وشديد العقاب، فيا ويح مَنْ خالف أمر ربه؛ سيتعرض لشدة العقاب من ذي قوة لا يلحقها ضعف إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ.


تفسير الآيتين (٢٣-٢٤)

٠١:٠٥:٢٥

ثم قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ [غافر: ٢٣، ٢٤] الجملة هذه مؤكدة بعدة مؤكدات، ما هي؟ طالب: لقد. الشيخ: بـ(لقد)؟ ما يستقيم. بمؤكدات ثلاث؟ طالب: بثلاثة مؤكدات. الشيخ: ما هي؟ الطالب: الواو. الشيخ: الواو. هل الواو من المؤكدات؟ الطالب: القسم. الشيخ: عدلت عن الواو من المؤكدات؟ الطالب: الواو واو القسم. الشيخ: وين واو القسم؟ الواو هذه حرف عطف! الطالب: واو القسم (...). الشيخ: واللام. الطالب: وقد. الشيخ: وقد. الصيغة تأتي كثيرًا في القرآن لَقَدْفيقال: إن هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات (...) واللام وقعت في جوابه، وقد. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل وأعظمهم وأشدهم، وهو من أشد الأنبياء وأقواهم، ويدلك على ذلك ما فعله قبل النبوة وما فعله بعد النبوة؛ فقبل النبوة مر برجل من قومه يخاصم رجلًا من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه، وهذا يدل على قوته وشدته، وبعد النبوة لما رجع ورأى أنهم أشركوا بالله غضب غضبًا شديدًا فألقى الألواح التي كتب الله بها التوراة، ألقاها، قال بعضهم: فتكسرت، ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه هارون وهو نبي من الأنبياء مشارك له في النبوة: أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ [الأعراف: ١٥٠]، فقال: يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه: ٩٤]، وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ [الأعراف: ١٥٤] هذا يدل على قوته وشدته عليه الصلاة والسلام، وهذا من الحكمة؛ لأنه أرسل إلى أعتى أهل الأرض وهو فرعون، ولهذا قابله بالقوة قال له: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢] وهذه قوة تدل على قوته عليه الصلاة والسلام. أرسله الله تعالى أيضًا إلى قوم عتاة وهم بنو إسرائيل؛ ولهذا لا يوجد شعب من الشعوب -فيما نعلم- مثل بني إسرائيل في العتو والنفور والاستكبار إلى حد أنه لما كُتِبَ عليهم القتال قالوا لموسى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا، وليتهم اقتصروا على ذلك، فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، سنقعد على الفرش ولا نتحرك، وأنت وربك اذهبا فقاتلا اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة: ٢٤]؛ فلهذا كان من الحكمة أن يكون هذه الرسول على هذا النحو من الشدة لمناسبة مَنْ أُرْسِلَ إليهم من فرعون وبني إسرائيل. وقوله: بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ [غافر: ٢٣] آيَاتِنَاجمع تدل على أن معه آيات متعددة وهو كذلك وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ [الإسراء: ١٠١] إلى آخره، فهو أوتي آيات أعظمها وأشدها وأبينها حسًّا آيةُ العصا، فإنها من آيات الله الحسيِّة العجيبة الغريبة، عصا يهُشُّ بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى، ويتوكأ عليها، إذا ألقاها صارت حيَّةً عظيمة تلقف كلما أمامها، وإذا حملها عادت عصا، وإذا ضرب بها الحجر تفجَّر ماءً، هذه العصا آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ يعني: تأمل الآن، فكِّرٍ مدى كثرة العصي والحبال التي ألقاها السحرة؛ كثرتها وتنوعها، ثم ألقى هذا العصا فصار يلقف كل ما يأفكون، وأنا أتعجب أين البطن الذي يسع هذه الأشياء؟ لكن آيات الله تعالى تبهر العقول، وإلَّا فتقول: كيف حية بمقدار العصا تلقف كلما أفكوا من الحبال والعصي، فأين تذهب؟ نقول: لا تسأل أين تذهب، أنت صدِّقْ وآمنْ بهذا، وكيف تذهب إلى الله عز وجل، ولا مانع أن تكون هذه الأشياء إذا مضغتها صارت الشيء الكبير شيئًا صغيرًا. أرسل الله موسى بآياتنا وسلطان مبين؛ السلطان: كل ما يكون للإنسان به سلطة؛ أي حُجَّة وقوة، ويختلف باختلاف السياق، فالسلطانُ بالنسبةِ للأبِّ مع أولادِهِ في التأديبِ سلطانُ ضرب، والسلطان فيمن دُعُوا إلى الله عز وجل سلطانُ بيانٍ، والسلطانُ أيضًا فيمن جُودِل سلطانُ حجةٍ، وهو يختلف باختلاف المواضع، المهم أنه ما كان فيه سلطة على الغير فهو سلطانٌ. وقوله: مُبِينٍيحتمل أن تكون مِنَ اللازمِ ويحتملُ أنْ تكونَ من المتعدي، وذلك أن (أبان) الرباعي يكون لازمًا ويكون متعديًّا، فتقول: أبنت له الحق، وتقول: أبان الصبحُ، أي: بان وظهر، فهي رباعية صالحة للتعدي واللزوم. فإن قال قائل: كيف يكون فعلًا واحدًا صالحًا للتعدي واللزوم؟ قلنا: نعم يصلح، اللغة العربية واسعة، (رجع) فعل ماض ثلاثي يكون لازمًا ويكون متعديًّا؛ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون: ٨] هذا لازم ولَّا متعدٍ؟ لازم. فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ [التوبة: ٨٣] هذا متعدٍّ، فلا مانع من أن يكون الفعلُ الواحد لازمًا في سياق متعديًّا في سياق آخر، ومن ذلك (أبان)، فهل قوله سبحانه وتعالى: وَسُلْطَانٍ مُبِينٍمعناها بَيِّن أو مبين مظهر للحق؟ ننظر أيهما أبلغ؛ البين في نفسه أو المبين لغيره؟ الثاني؛ لأن المبين لغيره لا بد أن يكون بَيِّنًا في نفسه، وعلى هذا فكلمة (مبين) من المتعدي تكون أشمل وأوسع معنى، وما كان أشمل وأوسع معنى فإنه يُؤْخَذُ به، ولا نقول: يُتْرَك الثاني، إذا أخذنا بالأشمل والأوسع لا نقول: إنه ترك الثاني، لماذا؟ لأن الثاني داخل في الأول. في هذه الآية الكريمة فوائد منها: (...) رسالة موسى عليه الصلاة والسلام بالمؤكدات الثلاثة التي ذكرناها آنفًا؛ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا [غافر: ٢٣]. ومنها، من فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُكَرِّر ذكرَ قصة موسى ويبسطُها تارة، ويختصرها تارة وينوِّعُها، فهي جمعت بين الكثرة والتنويع من حيث الأسلوب، والتنويع من حيث البسط والاختصار، فلماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاش في قوم مشركين أَوَّل الرسالة، وفي قوم يهود بعد الهجرة؛ ولهذا جاءت السور المكِّيَّة يُذْكَر فيها قصة موسى ببسط واختصار تارة؛ لأجل أن يتهيَّأ النبي صلى الله عليه وسلم لمجادلة اليهود الذين ستكون الهجرة إلى بلدٍ هُم ساكنون فيه؛ ولهذا لا تجد قصة نبيٍّ (...) قصة موسى عليه الصلاة والسلام لا في تنوعها ولا في تكرارها ولا في أسلوبها. من فوائد الآية الكريمة: فضيلة موسى صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بما أكرمه الله به من الرسالة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن موسى عليه السلام أُوتِيَ آياتٍ، وبيَّن الله تعالى في آياتٍ أخرى أنها تسع آيات. ومن فوائدها أن موسى أوتي سلطانًا أي سلطة وقوة في إقامة الحجة وفي غير ذلك؛ لقوله: وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. وإذا أردت أن تعرف شيئًا مِنْ سُلْطانه الذي آتاه الله فانظر إلى محاورته في سورة الشعراء مع فرعون حيث أَلْجَمه وأَلقمه حجرًا، وفي النهاية توَّعده بالقوة يقول فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]، هذه كلمة إرهاب لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَأشدُّ إرهابًا مما لو قال: لأسجننك. كأنه يقول: عندي أناس سجناء كثيرون، وأنا قادر على سجنهم وسأجعلك من بينهم، فيكون هذا أشدَّ في الإرهاب مما لو قال: لأسجننك. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما أشرنا إليه في الآية التي قبلها أنه ما مِنْ رسول أُرْسِلَ إلا وأوتي آيات بينات تدل على صدقه، وهذا من حكمة الله ومن رحمة الله. طالب: نبي الله هارون أُرْسِل مع موسى هل رسول ولَّا نبي؟ الشيخ: لا، رسول، ألم يقولا لفرعون: إنا رسولا رب العالمين؟ الطالب: «مَا مِنْ نَبِيٍّ قَدْ أَرْسَلُه اللَّهُ إِلَّا وَمَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ» ما معنى المثلية؟ الشيخ: يعني: مثل الآيات اللي جاء بها الرسل. الطالب: عددًا يعني؟ الشيخ: عددًا أو كيفية. الطالب: (...). الشيخ: لا، «مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ» بحسب الذين أرسل إليهم؛ يعني معناه: إن الآيات التي يأتي بها الرسل يؤمن البشر على مثلها؛ يعني أنها آيات مُقْنِعَة. طالب: قد يستخدم بعض علماء الجرح والتعديل إذا تكلموا في رجل يقولون: هذا الرجل كعصا موسى تلقف ما يأفكون، فبعض الإخوان يمزح بها يقول لآخر: أنت كعصا موسى تلقف ما يأفكون، فهل يصح المزاح بمثل هذه؟ الشيخ: أنا أرى أنَّه حتى المحدثين الذين يقولون هذا -نسأل الله لهم العفو- لا ينبغي أن يقولوا هكذا؛ لأنه يُخْشَى أن تستعمل استهزاء، وإن كان المحدثون لا يريدون هذا إطلاقًا، فالأولى أن يقال: هذا الرجل مثلًا آية، وهذا الرجل واسع الاطلاع، هذا الرجل واسع العلم وما أشبه ذلك. طالب: حقًّا يا شيخ، كذلك يقولون: فلان يملك عصا موسى السحرية. الشيخ: هذا أيضًا لا يجوز، هذا أشد؛ لأن قوله: عصا موسى السحرية؛ يعني أن ما جاء به سحر، وهذا خطير. طالب: ما هو الدليل أن الله يحاسب الناس في نصف يوم؟ الشيخ: أولًا: أحاديث وردت في هذا، والثاني: قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤] والمقيل لا يكون إلا في نصف النهار. طالب: (...) استفدنا من هذه الآية: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر: ٢٢] ربط المسببات بالأسباب (...)؟ الشيخ: الباء للسببيَّة. طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ما هو الفرق بين الأفعال اللازمة التي تتعدى بحرف الجر والتي لا تتعدى؟ الشيخ: يقولون: ما تعدى بنفسه فهو متعدٍّ، وما لم يتعدَّ إلَّا بحرف جر فهو لازم؛ يعني: الذي ينصب المفعول به هو المتعدي، وبعضهم أيضًا قال: فيه علامة ثانية -هو له علامات منها هذه- ومنها: أنه يصح منه صَوْغُ اسمُ المفعولِ المتعدي، وهذاك لا يصح منه صوغ اسم المفعول إلا بمتعلِّق. طالب: ما المقصود بالسلطان الذي أُرْسِل به موسى؟ الشيخ: أما قلنا: قوة الحجة السلطان في كل موضع بحسبه؟ طالب: بارك الله فيك، قوله تعالى: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه: ٦٩] يستفاد من هذه الآية عندما نقرأ: أن موسى عليه السلام ألقى العصا فهي أكلت كل الحيات وذكرتم أن الحية كلما ألقى السحرة (...) ممكن نقول: إن الأشياء تحللت؟ الشيخ: لا. الطالب: قوله تعالى: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا [الحج: ٧٣] يقول العلماء: إذا أخذ شيئًا من طعام فإنه لن يستطيع أحد أن يأخذه منه؛ يعني الذباب عندما يأخذ شيئًا يتحلل. الشيخ: لا، هو على كل حال إذا دخل في فمها لا بد أن يتحلل بسرعة، لكن على مرأى الناس يرونها تلقف تأكل. الطالب: هي تأكل لكن يتحلل ما يستطيع.. الشيخ: يمكن، ما ندري، نحن ذكرنا هذا، قلنا: يمكن هذا. الطالب: قول الذين قالوا: (...) مثل قول القحطاني:

اللَّهُ صَيَّرَنِي عَصَا مُوسَى لَكُمْ

حَتَّى تَلَقَّفَ إِفْكَكُمْ ثُعْبَانِي

الشيخ: هذا من باب المشابهة، من باب التشبيه، فرق بين هذه وبين ما ذكره الأخ، هذا يقول: كأنني عصا موسى يلقف حُجَجَكُم الضعيفة والباطلة. الطالب: قول من يقول: إن المعجزات السابقة كانت معجزات حسية خارقة للعادة ثم حين تطور العقل البشري وبلغ أَوجَه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أتى القرآن، ما رأيكم؟ الشيخ: ربما نقول هكذا، صحيح، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم محمد أتى بمعجزات حسيَّة وأتى بمعجزات معنوية، له معجزات حسية عظيمة؛ انشقاق القمر معجزة، نبع الماء من بين أصابعه معجزة، فوران الماء من البئر التي نضب ماؤها لما مَجَّ فيها شيء من فمه، كذلك معجزات حسية، ما هو بعيد أن أكمل الناس عقولًا هم هذه الأمة كما أخبر الرسول أن الله أَكْمَلَ به الأخلاق. الطالب: قول: هو كعصا موسى يلقف ما يأفكون؛ معروف أن المحدثين أحيانًا يطلقون عبارات ويريدون المعنى منها؛ كأنهم يقولون: يأخذ عن الكذابين والوضاعين. فاعترضت يا شيخ؛ قلتم: لا ينبغي، فما وجه عدم القول به؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنا نقول: إن عصا موسى عليه السلام صار آية لقف كل ما يأفكون، وهذا الرجل مهما كان لا يمكن أن (...). الطالب: شيخ، فَيَنْظُرُواأخذنا أن فاء السببية تنصب وهنا لم تنصب. الشيخ: وين اللي ما نصبت؟ الطالب: فَيَنْظُرُوا. الشيخ: ما نصبت؟! الطالب: لا. الشيخ: كيف ما نصبت؟! بماذا تُنْصَب الأفعال الخمسة؟ الطالب: حذف النون. الشيخ: حذف النون، وهل فَيَنْظُرُوا..؟


الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [غافر: ٢٣ - ٢٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ. ما هي الآيات التي أُرْسِلَ بها موسى؟ كم آية؟ الطالب: تسع آيات. الشيخ: تسع آيات. نعم. الباء في قوله: بِآيَاتِنَاما معناها؟ الطالب: للمصاحبة. الشيخ: للمصاحبة أو بيان لما أرسل به فتكون للتعدية. ما هي الحكمة من الآيات التي يعطيها اللهُ الرسل؟ الطالب: لكي يُبَيِّن صدق هؤلاء الرسل فيؤمن على مثلها البشر. الشيخ: تأييدًا للرسل، ورحمة بالمرسل إليهم. قوله: وَسُلْطَانٍ مُبِينٍما معنى قوله: وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ؟ هل معناه أنه أرسله ليكون ملكًا على فرعون أم ماذا؟ الطالب: السلطان حجة، ومُبِينٍظاهر أو مُظْهِر. الشيخ: أو كلاهما، وكل شيء للإنسان فيه سلطة يُسَمَّى سلطانًا سواء كان حجة أو علمًا أو سلاحًا أو غير ذلك. التسع الآيات التي أُرْسِل بها موسى عُدَّها علينا؟ الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: أولًا: العصا. ثانيًا: اليد؛ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ [النمل: ١٢]. ثالثًا: الجراد. الشيخ: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، كم هذه؟ الطالب: هذه سبع. طالب آخر: انفلاق البحر. الشيخ: ثمان. الطالب: نقص الثمرات. الشيخ: السنين ونقص من الثمرات. طيب وبعضهم قال: ضَرْب الحَجْر بالعصا فيتفجر. الطالب: (...). الشيخ: فيه احتمال في الواقع، أما لبني إسرائيل فيدخل فَلْق البحر وكذلك انفجار الماء من الحجر، لكن هذه الثنتين ليس لآل فرعون. آل فرعون: السنين ونقص من الثمرات بالإضافة إلى السبع السابقة. قال: إِلَى فِرْعَوْنَمتعلق بـأَرْسَلْنَا، وفرعون هو حاكم مصر الذي ملكها وسُلِّطَ على بني إسرائيل، فكان يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نسائهم، قيل: إنه كان يفعل ذلك من أجل أنه قال له بعض الكهنة: إنه سيكون في بني إسرائيل رجلٌ يكون زوال ملكُكِ على يده، هذا قول. وقول آخر: إنه فعل ذلك إذلالًا لهم وإهانة؛ لأنه إذا قُتِّلَ الرجال وبقيت النساء هلكت الأمة، وهذا القول أقوى؛ وذلك لأن القول الأول معتمده النقل عن بني إسرائيل، ومعلوم أن النقل عن بني إسرائيل لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، والمعنى المعقول لكونه يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم هو إذلال هذا الشعب، وهو قلة بالنسبة للأقباط.